ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والخمسون

في منزل أوس الجديد
أحضر الطبيب مختار ممرضة على قدر من الكفاءة - تدعى رقية – للعناية بتقى خلال الأيام الحالية بناءاً على تعليمات أوس الجندي بإبقائها قدر الإمكان في وضعية ساكنة حتى يتمكن من تدبير كافة الأمور العالقة حوله، وكذلك ضمان وجود المدبرة عفاف معها للإهتمام بتغذيتها ورعايتها بدنياً، وأيضاً معاونة ماريا لها...
كانت مهمة الخدم تنتهي مع عودته مساءاً للمنزل، حيث يعود الجميع لبيوتهم، ويظل هو بمفرده معها..
فالليل ملكٌ له وحده..

كان أوس يتمدد على الفراش إلى جوارها، ويحاوطها من ظهرها بذراعه، ويسند رأسها على صدره لتستمع إلى دقات قلبه الهادئة، ويشبك أصابع كفها الرقيق بأصابعه الغليظة، ويهمس لها بذكريات ماضيه، وأحلام طفولته المنتهكة..
كانت أسعد لحظاته حقاً هو التمتع بوجودها في أحضانه دون أي مقاومة منها، وإستسلامها للمساته الرقيقة عليها.. وتململها دون وعي في حضنه الدافيء..
شعور غريب إستلذ به، وامتعه كثيراً، وأراحه من الضغوط المحيطة به..

ومع هذا خشي من صحوتها، لأنها تعني إنتهاء هذا الحلم للأبد، والبدء في مشقة مواجهة حقيقة كونها معاً..
أغمض أوس عينيه، وإستنشق عبير شعرها، ثم تنهد بحرارة وهمس قائلاً:
-يا ريت الظروف كانت مختلفة يا تقى ! حاجات كتير كانت آآ..
توقف عن إتمام جملته، وإبتلع تلك الغصة المريرة في حلقه..
كذلك علقت عبرة في أهداب جفنه وهو يتابع بآسف:
-ورغم إن طلع دمنا واحد، بس.. بس أنا ماستهلكيش يا تقى، طلعت قاسي أوي معاكي، مرحمتكيش، ولا حسيت بيكي إلا متأخر !

تنهد بحرقة أشد وهو يكمل بصوت مختنق:
-آآآه لو كنت عرفت من بدري، كنت على الأقل راعيت صلة الدم اللي بينا !
ضمها بذراعه إليه أكثر، وقبل رأسها، وهمس لها بإستعطاف وهو يبكي:
-سامحيني يا تقى، سامحيني ! أنا عارف إنه مش سهل عليكي إنك تغفري اللي عملته فيكي، بس.. بس عندي أمل إنك تسامحي.. إنتي قلبك زيك أبيض !
ثم نظر إلى وجهها – ذي التعابير الجامدة – ومسح بشفتيه على جبينها، وهتف قائلاً بخفوت:
-هتسامحيني صح ؟
ترك أوس لعبراته الحرية في الإنهمار لتبلل وجهها مجدداً بدموع أسفه وندمه على ما إقترفه في حقها..

في أحد السجون العمومية
نهض مدير السجن من على مقعده، وإتجه نحو باب مكتب غرفته وهو يتابع بنبرة رسمية:
-أنا هامر على العنابر، وراجع تاني، خدوا راحتكم
ابتسم له المحامي نصيف إبتسامة صفراء وهو يجيبه بإمتنان:
-شكراً يا باشا !
تابعه ممدوح بنظراته الحادة إلى أن أغلق الباب، فصرخ قائلاً بعصبية:
-شوفلي حل يا مستر نصيف، أنا كده روحت في داهية، النيابة جددت حبسي، وهافضل في السجن ده على طول وأنا معملتش حاجة.

مط المحامي نصيف فمه للأمام، وأخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل وأجابه بهدوء حذر:
-مكدبش عليك يا دكتور ممدوح، موقفك في القضية دي صعب شوية
صرخ في وجهه بعصبية وهو يشير بيده:
-يعني إيه الكلام ده ؟
أردف المحامي نصيف قائلاً بجدية واضحة ب:
-يعني لازم حضرتك تفتكر كويس مين اللي ممكن يكون موجود في الشقة وعمل ده
-هاه
ثم تابع بإهتمام:
-البواب قال في أقواله إن باب الشقة كان مفتوح لما طلع، والمعاينة الجنائية قالت إن الباب تم فتحه بمفتاح الشقة، بس أنا شايف إنها نقطة ممكن نستغلها في صالح القضية !

حك ممدوح مقدمة رأسه، وسأله بحيرة:
-إزاي ؟
إنحنى للأمام قليلاً ليجيبه ب:
-يعني نثبت إن في حد تاني معاه مفتاح الشقة غيرك، واقتحمها من وراك، وكان مستخبي وعاوز يعتدي عليك، والضحية شافته فقتلها قبل ما تصوت ويكشف !
إتسعت عينيه في إنبهار هاتفاً ب:
-هه
إبتسم نصيف بثقة وهو يكمل ب:
-وده يخلينا نغير مسار القضية شوية، وندخل طرف جديد فيها، و ممكن يكون هو اللي ارتكب الجريمة، وخصوصاً إن إنت معندكش خصومات مع الضحية !

صمت ممدوح لعدة دقائق يفكر فيما قاله المحامي محاولاً إستنباط هوية القاتل بعد أن أضاء عقله بنقطات كانت غائبة عن ذهنه.. فهتف بصوت عالي وقد إتسعت مقلتيه:
- ناريمان كان معاها نسخة من مفتاح شقتي !
سأله نصيف بإهتمام ب:
-مين ناريمان دي ؟
أجابه بنبرة جادة وهو يهز رأسه نافياً:
-دي واحدة آآ.. لألألأ.. بس استحالة تعمل ده !

رد عليه نصيف بهدوء جاد وهو محدق به ب:
-طب ما جايز تكون هي اللي عملت ده !
قطب جبينه في عدم فهم متسائلاً ب:
-قصدك ايه؟
نظر له بثبات وهو يجيبه بنبرة متريثة:
-انها قتلت البت إياها
-هاه
ثم أضاف قائلاً بإقناع:
-يعني احتمال تكون شكت في وجود علاقة ليك معاها، فغارت منك، وحبيت تنتقم منك !

وكأن الشيطان قد لعب دوره في عقل ممدوح، فجعله يفكر في المسألة بصورة أخرى غير تلك التي رواها المحامي..
وحدث نفسه قائلاً بصدمة وهو جاحظ العينين:
-يبقى هي عملت كده هشان تدفن الماضي كله معايا، وتخلص مني، وتعيش هي مع بنتي، ولا كأن حاجة حصلت، ويبقى أنا خسرت كل حاجة !!

ثم نهض عن مقعده فجأة، وصاح بصوت متذمر وغاضب:
-لأ مش أنا يا ناريمان، مش أنا !
إبتسم المحامي بإبتسامة مغترة وأرجع ظهره للخلف في شموخ بعد أن رأى أن خطته في الإيقاع بطرف جديد والزج بإسمه في القضية قد لاقى إستحسان موكله.. وربما تكون السبيل في خلاصه من حبل المشنقة..

في منزل أوس الجديد
أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره بتوتر وهو يفرك فروة رأسه متسائلاً بقلق:
-يعني مافيش خطر ؟
أجابه الطبيب مختار بهدوء:
-أنا موجود ولو في حاجة هاتصرف فوراً
تابع أوس حديثه بجدية وهو يشير بيده نحو باب الغرفة:
-عفاف موجودة معاها، هي بتثق فيها، يعني آآ..

قاطعه مختار بصوت هاديء قائلاً:
-اهدى يا باشا ! وجود عفاف هايطمنها أكيد، وأنا داخل جوا، وهامهدلها المسألة، ويجي دورك بعدها !
أومأ برأسه وهو يجيبه بإيجاز:
-تمام
وبالفعل تحرك الطبيب صوب الغرفة، وولج إلى الداخل، ووقف أوس في مكانه يراقب بتوتر جلي لحظة إفاقتها..

جلست المدبرة عفاف على طرف الفراش، وأمسكت بكف تقى بين راحتيها، ونظرت لها بحنو..
في حين حقنت الممرضة رقية ذراعها بإبرة طبية، ومسحت بالقطن مكانها.. ثم بادلت عفاف إبتسامة هادئة، وتراجعت للخلف..
إلتفتت عفاف برأسها للجانب، وتسائلت بتلهف:
-ها يا دكتور ؟ هاتفوق امتى ؟
رفع الطبيب ذراعه لينظر إلى ساعة يده، وأجابها بهدوء:
-في خلال دقيقة بالكتير.

تنهدت في إرتياح، وعاودت النظر ناحيتها، ومدت يدها لتمسح على وجنتها برفق وهي تضيف بصوت أمومي حاني:
-ربنا يكمل شفاها على خير
تململت تقى بهدوء، وأصدرت أنيناً خافتاً وهي تحاول فتح شفتيها.. فشهقت عفاف بفرحة وهي تقول:
-بتفوق يا دكتور، شايف
هز هو رأسه بخفة، وأجابها بثقة:
-أيوه..!

ثم نظر ناحية الممرضة رقية وسألها بجدية:
-جاهزة يا رقية لو حصل حاجة ؟
ابتسمت برقة وهي تجيبه بنبرتها الهادئة:
-ايوه يا دكتور، أنا مستعدة لأي طاريء
-تمام
حركت تقى رأسها للجانب، ومصمصت شفتيها وهي تهمس ب:
-آآآ.. آه.. آآ..

اقتربت منها عفاف، وإنحنت عليها بجسدها، ثم مسدت على رأسها بيدها، وهمست لها ب:
-تقى.. بنتي ! سمعاني ؟
جاهدت لتفتح جفنيها الثقيلين وهي تردف ب:
-آآه.. آآ.. أه
تابعت عفاف حديثها بصوت دافيء قائلة:
-أنا عفاف، اطمني، أنا جمبك يا بنتي
أكملت تقى بصوت ضعيف ومتقطع ب:
-ب.. بابا.. إنت.. أنا.. آآآ.. آه
هتف الطبيب مختار بصوت شبه مرتفع ب:
-مدام تقى ! هزي راسك لو إنتي سمعاني ؟

حركت تقى رأسها بخفة، ومالت للجانب، ولم تفتح عينيها بعد، وظلت صامتة، فصاحت عفاف بنبرة سعيدة:
-هزت رأسها يا دكتور
اقترب منها مختار، وأضاف قائلاً بصوت رخيم:
-ده مؤشر حيوي كويس !
ثم أشار بكف يده وهو يكمل بجدية:
-عن اذنك شوية، عاوز أفحصها
تنحنحت بخفوت، وهتفت قائلة بحماس وهي تفسح له المجال ومبتعدة عن الفراش:
-اها.. اتفضل يا دكتور !

أمسك الطبيب مختار برسغ تقى، وقاس معدل نبضاتها.. ثم حدثها بصوت هاديء ب:
-قوليلي يا مدام تقى، إيه أخر حاجة فكراها
مطت شفتيها، وردت عليه بصوت ثقيل:
-مم.. آآ.. أه.. أنا.. بابا، وماما، وناس م.. معرفهاش،هو.. آآ.. هو كان موجود
سألها بإهتمام وهو يعيد وضع ذراعها على الفراش:
-مين ده اللي كان موجود ؟

ردت عليه بصوت ضعيف ومبحوح وهي تحرك رأسها للجانبين:
-أنا بأكرهه.. بأكرهه.. دبحني جامد.. مش.. مش عاوزة أروح معاه، آآه
هز الطبيب مختار رأسه مواسياً إياها، وشرع في تغيير مجرى الحوار سائلاً إياها بجدية:
-طب تقدري تفتحي عينك ؟
أجابته هامسة وهي تضع ساعدها على جبينها ب:
-أه
ثم جاهدت لتفتح عينيها.. كانت الإضاءة قوية فأغلقت جفنيها على الفور، ثم بحذر وتمهل فتحتهما مجدداً، ورمشت لعدة مرات لتعتاد على قوة الإضاءة..
أخفضت عينيها قليلاً لتنظر إلى أوجه المحدقين بها..

فعرفت منهما وجه تلك السيدة الحنون، لكنها لم تتعرف إلى وجه الشابة التي ترتدي ملابساً بيضاء، ولا إلى وجه الرجل الوقور الذي يقف إلى جوارها..
تسائلت بخفوت ب:
-انتو.. انتو مين ؟
إبتسم لها مختار وهو يجيبها قائلاً:
-أنا الدكتور مختار المسئول عن حالتك
ثم أشار بكف يده نحو الممرضة، وتابع بنفس الهدوء ب:
-ودي الممرضة رقية، هي متولية الأدوية والعلاج بتاعك أثناء غيابي، وطبعاً دي الست عفاف، اكيد عرفاها !
أومأت برأسها إيماءة خفيفة ولم تعقب..

حاول الطبيب مختار أن يحافظ على ثبات نبرة صوته وهو يكمل ب:
-طبعا حضرتك مش عارفة إنتي متواجدة فين دلوقتي
عبس وجه تقى قليلاً وهي تصغي إلى ما يقول بإنتباه شديد.. بينما أضاف هو بهدوء حذر ب:
-احنا حالياً كلنا موجودين في بيت جوزك أوس باشا الجندي !
وكأن اسمه قد أطلق شرارة إنفجارها.. فإتسعت مقلتيها بذعر، وارتجفت شفتيها بشدة، واعتدلت في نومتها وهي تهتف مصدومة:
-لألألأ.. أنا جيت هنا إزاي ؟ أنا عاوزة امشي من هنا، رجعوني بيتي.

أشار لها مختار بيديه وهو يقول بجدية:
-اهدي يا مدام تقى، مافيش حد هايعملك حاجة، إنتي في آمان هنا
هزت راسها مذعورة، وصرخت فيه بخوف:
-لأ.. انتو مش عارفين حاجة
جلست عفاف على الفراش إلى جوارها، وأمسكت بكفيها، وضغطت عليهما وهتفت قائلة برقة:
-تقى يا بنتي، أنا موجودة معاكي، صدقيني الباشا مش هايقرب منك، مش إنتي واثقة فيا وآآآ..

سحبت يديها من راحتي عفاف، وصرخت فيها بإهتياج:
-لألأ.. سيبي ايدي، ابعدي عني، إنتي كدابة زيه
-كله يطلع برا، وسيبوني مع مراتي !
قالها أوس بصوت صادح وقوي وهو يدلف لداخل الغرفة..
إرتجف جسد تقى أكثر وهي ترى أنظاره العميقة مسلطة عليها، وتجسد أمامها ذكرياته العنيفة معها، فصرخت بإهتياج، وإنكمشت على نفسها
نظر له الطبيب مختار بقلق قائلاً بتوجس:
-أوس باشا ماينفعش اللي بتعمله ده، إنت كده بتبوظ اللي آآآ..

لم يحد أوس بنظراته القوية عن زوجته، وهدر مقاطعاً إياه بصرامة:
-برا، محدش يستنى هنا !
عرفت عفاف من نظراته تلك أنه لن يتراجع عن قراره، فأطرقت رأسها وهي تتنهد في حزن على تلك البائسة التي تلاقي الويلات معه، وإتجهت إلى الخارج
لحقت بها الممرضة رقية، بينما ظل الطبيب مختار في مكانه.. وهتف قائلاً بإصرار:
-أوس باشا، حضرتك بترجعنا لنقطة الصفر، مش هاقدر أحقق أي تقدم مع المدام وإنت مش مديني فرصة اكسب ثقتها !

إلتفت أوس برأسه نصف إلتفاتة، ورمقه بنظرات محذرة وهو يكز على أسنانه قائلاً بصوت قاتم:
-مراتي أنا هاتعامل معاها بنفسي !
ابتلع الطبيب ريقه وهو يقول بتوتر:
-يا باشا الموضوع نفسي مش آآ..
قاطعه أوس بصوت متصلب ب:
-شكراً يا دكتور، مع السلامة !

احتقن وجه الطبيب من الغيظ، ونظر إلى تقى بإشفاق، ثم إنصرف من الغرفة..
لاحقته تقى بعينيها المرتعدين، ووضعت يديها المكورتين على فمها لتكتم شهقاتها المذعورة..
وبهدوء مريب أغلق أوس الباب دون أن يبعد عينيه عن زوجته..

في إحدى عيادات أمراض الذكورة الشهيرة
طرق عدي بأطراف أصابعه على السطح الزجاجي لمكتب مدير العيادة، ونظر حوله بقلق وهو يحدث نفسه بإنزعاج:
-هو قدامه كتير ولا إيه، أوووف !
-سوري على التأخير يا فندم
قالها الطبيب بصوت هاديء وهو يرسم إبتسامة سخيفة على ثغره
-ولا يهمك
دار الطبيب حول مكتبه، ثم سحب مقعده للخلف، وجلس عليه وهو يتابع بجدية:
-خير يا فندم، حضرتك بتشتكي من ايه ؟

تنحنح عدي لأكثر من مرة وهو يحاول أن يجيبه بتردد ب:
-احم.. آآ.. بصراحة كده، أنا عندي مشكلة من زمان !
زم الطبيب فمه قائلاً بهدوء:
-احكي براحتك، كل اللي هاتقوله هنا في المكتب هايفضل أمر سري، وطبعاً زي ما حضرتك فاهم، أي مشكلة ليها علاج طالما تم تشخيصها صح
-أها.. اوكي.

سرد عدي بتفاصيل حرجة ما يخص مسألة عجزه الجنسي في علاقاته النسائية.. وما ترتب عليها من مشاكل زوجية سابقة أدت إلى إنفصاله، ثم إهماله للكشف عن أسباب تلك الحالة، وخنوعه لرغباته وشعوره بالنقص وتأثيره على مزاجه العام.. وتجديد شعوره بنقص رجولته مع زوجته الحالية، وخوفه الشديد من إفتضاح أمره أمامها، خاصة أنه لم يعاشرها إلى الآن..

أصغى الطبيب بإنتباه له، ولم يقاطعه، واكتقى بتدوين بعض الملحوظات في ورقة أمامه..
بدى صوت عدي مختنقاً وهو يكمل ب:
-أنا حاسس إني حياتي بتتخرب، ومش عاوز أفضل كده، نفسي أستقر، ويبقى عندي اسرة وأطفال، لكن ده مستحيل في حالتي !
رد عليه الطبيب بجدية وهو عاقد كفيه على سطح مكتبه:
-مافيش حاجة اسمها مستحيل
هز عدي رأسه معترضاً، وقال محتجاً:
-أنا عارف نفسي، مافيش علاج هايجيب نتيجة معايا.

أردف الطبيب قائلاً بثقة وهو يرمقه بنظراته الجادة:
-وأنا بأكد لحضرتك إن الطب اتقدم جداً في موضوع أمراض الذكورة، ومش إنت تقول إن كان العلاج ينفع ولا لأ، الكشوف والفحوصات الدقيقة، ومعاها العلاج الصح هيفرق كتير.. صحيح المسألة مش هتاخد يوم وليلة، بتستمر لأشهر، بس على الأقل في نتيجة في الأخر !
إلتوى ثغر عدي بإبتسامة متفائلة وهو يهتف بحماس:
-ده بجد يا دكتور ؟
اجابه الطبيب بثقة:
-طبعاً....!

في منزل أوس الجديد
أوصد أوس الباب بالمفتاح ليضمن عدم تدخل أي أحد في مصارحتهما التالية..
خفق قلب تقى بشدة، وإزدادت إرتجافتها، وصرخت بخوف:
-لألألأ.. !
أشار لها أوس بكفه، ونظر لها بحنو قائلاً بحذر:
-ششش.. اهدي أنا مش هأذيكي يا.. يا حبيبتي !

لم تنتبه تقى إلى كلمته الأخيرة لها، بل نهضت عن الفراش كالمصعوقة، وركضت مبتعدة في إتجاه الأريكة الوثيرة الموضوعة بزاوية الغرفة، وصرخت بإهتياج:
-حرام عليك، ابعد عني بقى، سيبني في حالي
حرك رأسه نافياً، وهتف بإصرار أعجب:
-لأ مش هابعد، ده من رابع المستحيلات يا تقى !
هدرت بها مهددة وهي تشير بإصبعها:
-هاموتك قبل ما تقرب مني تاني.

ثم بحثت بعينيها عن أي شيء يمكن أن تستخدمه في الذود عن نفسها أمامه، فوقعت عينيها على قطعة " أنتيكا " صغيرة، فأسرعت نحوها، وألتقطتها بيد مرتجفة، ثم ألقته في إتجاهه وهي تصرخ قائلة:
-هاموتك، هاموتك !
إنحنى أوس بمهارة ليتفادى تلك القذيفة الموجهة صوبه، وصر على أسنانه قائلاً بغيظ:
-اعملي اللي عاوزاه، بس هاتسمعيني للأخر !

جحظت بعينيها مذعورة حينما رأته يتجه نحوها، فقفزت من مكانها على الأريكة، ومن ثم نحو الشرفة، ولكنها تعثرت في السجادة، فأسرع أوس بإمساكها من قدميها، ولكنها ركلته بكل ما أوتيت من قوة أسفل بطنه، فتأوه من الآلم، وجثى على ركبته.. فإستغلت الفرصة، ونهضت عن الأرضية وركضت صوب الباب..
تحامل أوس على نفسه، ولحق بها بخطوات راكضة، وحاصرها عن الباب، ثم لف ذراعيه حولها، وحملها من خصرها، وسار بها في إتجاه الفراش..
ثم ألقاها عليه، وجثى فوقها، وثبت رسغيها على الجانبين، وصاح بصوت آجش:
-اسكتي، واسمعيني.

تلوت بجسدها محاولة إزاحة ذلك الجبل الذي يجثو على صدرها، ولكنها كانت مقيدة الحركة منه..
نظر لها أوس بشغف واضح في نظراته المتأملة لها.. فكم إشتاق لرؤيتها هكذا، تتحرك، تقاومه، ترفضه، تنبذه حتى.. فسكونها الطويل أضنى قلبه وأرهقه..
ورؤيتها تستعيد عافيتها جعل قلبه يرقص طرباً.. وروحه تنتعش من جديد..
لم تيأس تقى من المحاولة، وظلت تحرك جسدها أكثر وأكثر وهي تعض على شفتها السفلى..

أثارت تلك الحركة العفوية أوس بشدة، وأغرته لتقبيلها.. ولكنه عاهد نفسه ألا يرتكب أي حماقة معها رغماً عنها.. وزاد من ضغطه على رسغيها، ومن التحديق بها، والإستمتاع بكل إيماءة تصدر عنها..
أنهكت المقاومة جسدها، فإستسلمت لسيطرته عليها وهتفت بصوت مرتفع وهي تنظر مباشرة في عينيه بتحدٍ:
-انت.. انت عاوز ايه مني ؟
تأمل شفتيها بنظرات والهة، ورد عليه بهمس:
-عاوزك آآآ..

ثم توقف عن إتمام جملته ليستمتع برؤية إنعكاس صورته في عينيها الزرقاوتين..
غضبت تقى من صمته المفاجيء هذا، وأدركت أن نواياه الوضيعة معاها لاتزال موجودة، وخاصة أن نظراته كانت مسلطة عليها، ومحاصرة إياها.. فصرخت بمرارة لتذكره بجريمته قائلة:
-سكت ليه ؟ ايوه، عشان عاوز تدبحني تاني، مكفاكش اللي عملته فيا قبل كده، جاي تعيده تاني، وتضمن إنك قضيت عليا خالص، صح ؟ ده اللي عاوزه ؟
أجفل أوس عينيه عنها، وهمس قائلاً بندم:
-تقى.. أنا.. أنا أسف، كان غصب عني.

أغاظها رده عليها، وكأن ما فعله بها كان أمراً عادياً.. يسهل نسيانه، ولم يترك جرحاً غائراً في روحها، فقالت بإهتياج:
-غصب عنك ايه بالظبط ؟ إنك تهددني بحبس أمي أو اتجوزك، إنك تخطفني من المستشفى وتحبسني في بيتك، وتمنعني أشوف أي حد
إختنق صوتها أكثر وهي تضيف بحسرة:
-إنك تجبرني على علاقة معاك وتكتفني، وتموت فيا أغلى حاجة، وتدبحني، قولي غصب عنك ايه ؟
أرخى أوس قبضتيه عنها، وتراجع بظهره للخلف، وهمس بصوت آسف:
-مكونتش في وعيي، غصب عني ! كنت..آآ..

قاطعته صارخة بجنون وهي ترمقه بشراسة:
-إنت مش إنسان، انت حيوان، سامع حيوان، قتلتني وجاي تقولي ندمان بكل بساطة !
نهض أوس عنها، وأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على إنفعالاته، ثم ابتلع غصة أشد مرارة في حلقه، وأولاها ظهره، وتابع قائلاً بنشيج:
-سامحيني يا تقى !

فركت تقى رسغيها، ونظرت له بنظرات ميتة وهي تصرخ فيه بتشنج:
-أسامحك ؟ بالبساطة دي ؟ طب قولي ازاي وانت دمرت كل حاجة في حياتي، أنا ماليش أي ذكريات معاك غير التعذيب، والتهديد، وال.. آآآ..
توقفت عن الحديث لشعورها بالإنكسار، فضمت قبضتيها إلى صدرها، وهتفت بصوت باكي:
-آآآه.. والدبح.. وجاي تقولي سامحيني ؟!

لم يجد أوس أي كلمات مناسبة ليجيب بها عليها، فهي لديها الحق في معاتبته بقساوة أشد من هذا، وتحميله الذنب كاملاً في كل شيء..
فهو الجاني في حقها.. وهو من هدر دمائها النقية في ثوب زفافها وليلة عرسها، وهو من دمر حلمها البسيط، وقضى على إنسانيتها..
أدمعت عينيه متأثرة بكلماتها المريرة، وأطرق رأسه في خزي..
تراجعت تقى في الفراش، وأضافت قائلة بصوت حزين وباكي:
-ضيعت فرحة أهلي بيا، وخلتني خاطية في نظر أمي، وكل الناس، هاتحس إزاي باللي أنا فيه، وإنت.. وإنت مجربتش في يوم تكون.. تكون مكسور، مذلول، مش قادر حتى تطلع اللي جواك وتقول آآآه..

إزداد نحيبها وهي تتابع ب:
-حتى دي حرمتني منها، مقدرتش أصرخ وأقول آآآه، أو ألاقي ايد تطبطب عليا، كل ده وعاوزني أسامحك ! طب ليه ؟ ها ليييه ؟ اوعى تقولي حب، لأن ده مش حب أبداُ، ده انتقام وتعذيب، وذل ومهانة، وإنت يا باشا عمرك ما حبيت حد إلا نفسك !
أغمضت تقى عينيها لتكمل بنشيج:
-كل يوم بأموت مليون مرة وأنا بأفتكر ذكرياتي معاك، ضيعت سنيني الحلوة قبل ما تبدأ، فعاوزني أعيش إزاي قولي ؟ رد عليا ؟ هاعيش إزاي طبيعية وأنا بأقرف من نفسي ؟ ومن كل حاجة حواليا.. !

إنسابت عبرات أوس الحارقة على وجنتيه بغزارة شديدة، فقد تملكه إحساس عجزه وقتما أغتصب بلا رحمة على يد ممدوح وهو طفل صغير لا حول له ولا قوة..
وأدرك شعور تقى تماماً، فهو لم يختلف عن منتهك برائته فيما فعل.. بل كان أسوأ منه بمراحل..
لم يطقْ البقاء في الغرفة أكثر من هذا وشعوره بالذنب يكاد يخنقه تماماً ويمنعه عن التنفس.. فإتجه صوب الباب، وحدق به مطرقاً رأسه في خزي، وتشدق قائلاً ب:
-احنا هنسافر مع بعض في شغل تبعي كام يوم، وأما هانرجع ه.... آآ..
إختنق صوته وهو يتابع بحزن:
-هاطلقك يا تقى...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والخمسون

إستند أوس بظهره على جانب سيارته التي أوقفها على سفح جبل المقطم ليختلي بنفسه بعد تلك المواجهة القاسية مع زوجته..
أخذ أنفاساً عميقة لأكثر من مرة ليجبر نفسه على عدم البكاء.. ثم فرك وجهه بكفه، ووضعه على فمه ليكتم تلك الشهقة الحارقة التي تعتصر صدره.. فقرار الإنفصال عنها ليس بالأمر الهين، خاصة وأنه قد بذل المستحيل من أجل الظفر بها، ولكن شعوره بالذنب يقتله، ورؤيته لنظرات البغض والكره جلية في عينيها تذبحه بقساوة
لم يدرْ كم مر عليه من الوقت وهو شارد في ذكرياته الموجعة..

ثم تنهد بحرارة حارقة تلهب جسده وصدى كلمات تقى المؤلمة له تتردد في أذنيه..
كور قبضة يده في حنق، وإستدار بجسده للخلف، ثم ضرب على سطح السيارة المعدني بقسوة، وركل بقدمه إطارها بكل عنف وهو يكز على أسنانه قائلاً:
-ليييه ؟ ليييه مش بتديني فرصة ؟ لييييه ؟!
-بالراحة يا كابتن على العربية، لأحسن صاحبها يكدرك، وإنت مش أد تمنها..!

قالها أحد الأشخاص بصوت متهكم وساخر قبل أن يطلق ضحكة عالية مستفزة..
رفع أوس وجهه في إتجاه صاحب الصوت، فوجد شابين يجلسان على مقدمة سيارتهما، وممسكان بزجاجات " بيرة " في أيديهما، ويتمازحان بطريقة مستفزة..
فإحتقن وجهه بدماء غاضبة، وبرزت عروقه من عنقه، وحدق بهما بشراسة
أشار أحدهما نحوه، وهتف قائلاً بسخرية:
-ما بالراحة يا عمنا، غرضنا مصلحتك.

ضحك زميله بصورة هيسترية، ثم تجشأ قائلاً:
-تلاقي المزة معلمة عليه ولا حاجة، اشرب عشان تنسى
سار أوس نحوهما بخطوات عصبية، وهو ينتوي لهما شراً مستطراً..
حيث قبض على ياقة الشاب الأول، وسدد له لكمة قوية في وجهه، جعلت أنفه ينزف دماءاً بغزارة.. وتبعها بلكمات أكثر عنفاً أفقدته الوعي من شدتها..

إنتفض الشاب الأخر من مكانه مصدوماً، ونظر له بذعر، وأدار زجاجة البيرة التي كانت في يده في الإتجاه العكسي ليضرب بها أوس على رأسه، ولكنه كان الأسرع في تفاديه، ثم جذبها منه، وحطمها على رأسه بقسوة، فسقط على الأرضية الترابية.. وركله أوس أسفل بطنه بعنف لعدة مرات فتأوه الأخير من الآلم.. وصاح به بصوت غليظ:
-قبل ما تفكر تفتح بؤك ال *** ده مع أسيادك، اعرف انت أد كلامك ولا لأ.. يا ***
ثم بصق فوقه، ونفض يديه، وإتجه عائداً نحو سيارته ليركبها، وينطلق بها بعيداً...

وقف ممدوح أمام وكيل النيابة وهو عاقد لكفيه معاً، ومطرقاً لرأسه للأسفل، ورسم على وجهه قناع الندم الزائف.. ثم أردف قائلاً بصوت حزين:
-أنا مكونتش عاوز أتكلم، بس لازم تعرفوا الحقيقة
رد عليه وكيل النيابة قائلاً بنبرة رسمية وهو يعبث بقلمه الحبر:
-اتكلم يا ممدوح، قول
إدعى ممدوح تردده وهو يتابع بحرج مصطنع:
-أنا.. أنا على علاقة بناريمان شوقي حرم الدكتور مهاب الجندي.

مط وكيل النيابة فمه، وتوقف عن تحريك قلمه، ونظر له بتفرس وهو يغمغم ب:
-ممم.. علاقة، وضح من فضلك
أكمل ممدوح حديثه بهدوء وهو يرمش بعينيه:
-أنا كنت خايف اجيب سيرتها من الأول، بس طالما الموضوع فيه اتهام صريح ليا بالقتل، فأنا هاعترف باللي يخصها معايا لأني شاكك فيها !
هتف وكيل النيابة بجدية وهو يشير بإصبعه:
-حضرتك إحنا هنا اللي نقرر ونشوف إن كانت شريكة معاك ولا متهمة من عدمه
تدخل المحامي نصيف قائلاً بتوتر:
-موكلي يا فندم يقصد آآآ..

قاطعه وكيل النيابة بصرامة وهو يشير بكفه أمام وجهه:
-من فضلك، أنا عاوز أسمعه
ابتلع ممدوح ريقه، وأشار بعينيه نحو المقعد الجلدي مستأذناً بخفوت:
-تسمحلي أقعد ؟
أومأ وكيل النيابة برأسه وهو يقول بإيجاز:
-اتفضل
جلس ممدوح على المقعد، وإنتصب في جلسته، ثم فرك أصابع يده متوتراً، وقال بصوت متقطع:
-حكايتي مع.. آآ.. مدام ناريمان من زمان، إحنا أصدقاء، بس في الفترة الأخيرة غيرتها زادت جداً عليا
-أها.

مسح ممدوح على صدغه قبل أن يتابع بهدوء يشوبه القلق ب:
-وبقى في مشاكل مع جوزها كتير، وعاوزة تطلق، ولجأت ليا عشان أساعدها في ده، بس أنا رفضت، ونصحتها تكمل معاه، لكن لما اعترفتلي بحبها ليا، أنا بصراحة مقدرتش أقاوم الشعور بتاعها، واحدة وعاوزة حب وحنان، وأنا محروم من ده كله !

ثم صمت للحظة ليلتقط أنفاسه، وأكمل قائلاً بإرتباك:
-احم.. بس.. بس بعد فترة جوزها شك في وجود علاقة بينا، وآآ.. وآآ.. وأنا خوفت عليها، فقولتلها هابعد، هي.. هي صممت إننا نكون سوا لحد ما تخلص منه !
سأله وكيل النيابة بإهتمام شديد وهو يوزع نظراته بينه وبين كاتبه الخاص ليتأكد من تسجيل أقواله ب:
-ها، وبعدين ؟
نظر له ممدوح بقلق، وأجابه ب:
-كانت دايما بتجيلي الشقة ومعاها نسخة منه، وكنا بنقضي وقتنا سوا.

أمره مجدداً وكيل النيابة بنبرة جادة وهو يرمقه بنظرات متفرسة:
-فسر كلامك !
نظر ممدوح في إتجاه محاميه نصيف، وأطرق رأسه ليتابع بحرج:
-يعني.. كنا آآ.. يعني بنعمل علاقة مع بعض، بس جوزها جالي وهددني إني لو مبعدتش عن مراته، هاينتقم مني، فأنا بعدت، لكن هي لأ..!
لوى وكيل النيابة فمه مستنكراً ما سمعه، وسأله بجمود:
-ممم.. وإيه تاني ؟

أضاف ممدوح قائلاً بخفوت:
-هي عرفت إني على علاقة ببنت من إياهم، فهددتني بالقتل لو ماسبتهاش
إستند وكيل النيابة على مرفقيه بعد أن عقد كفيه أمامه، وسأله مستفهماً:
-وده امتى حصل ؟ وفين ؟
رد عليه على عجالة ب:
-من قريب و.. آآ.. وفي شقتي !

قطب وكيل النيابة جبينه، وحل تشابك كفيه، ثم أشار بإصبعه للخلف قائلاً بهدوء:
-شقتك اللي كانت بتدخلها بالمفتاح عادي
أومأ ممدوح برأسه إيماءة خفيفة، وأجابه بجدية:
-أيوه، ما أنا نسيت أخده منها
-مممم
ثم أضاف المحامي نصيف قائلاً بنبرة هادئة:
-موكلي يا فندم عاوز يتهم ناريمان شوقي إتهام صريح بإنها وراء مقتل المدعوة رحمة
مط وكيل النيابة فمه قليلاً، وتسائل بنبرة رسمية:
-أها، عندك أقوال تانية ؟

هتف ممدوح بنبرة جادة وبإيجاز:
-أيوه.. !
أشار له وكيل النيابة بكف ليشرع في حديثه مرة أخرى قائلاً بجمود:
-اتفضل
إرتسم على ثغر ممدوح إبتسامة لئيمة، ثم أرخى كتفيه قليلاً، وتابع سرد وقائع مغلوطة عن علاقته الآثمة مع ناريمان ليضمن توريطها بشكل تام في القضية..
وما إن إنتهى الأخير من حديثه حتى أردف وكيل النيابة قائلاً بصوت جاد للغاية:
-اكتب يا بني، وبناءاً على أقوال المتهم، يتم إستدعاء المدعوة ناريمان شوقي للتحقيق معها فيما هو منسوب إليها من إتهامات

في مشفى الجندي الخاص
حدق مهاب في اللوحة التشريحية المعلقة على حائط غرفة مكتبه بنظرات ثاقبة، وعقد ذراعيه خلف ظهره، وغمغم قائلاً بتهديد صريح:
-زي ما عالجتك زمان يا ناريمان، وخليتك تقفي على رجلك، وقدمتلك كل حاجة على طبق من دهب، هاحرمك من ده كله، وبمشرطي !
ثم إنتبه إلى صوت الدقات الخفيفة على باب مكتبه، فصاح قائلاً بصوت مرتفع:
-اتفضل.

دلف كبير الأطباء إلى الداخل وهو يرسم على محياه إبتسامة سخيفة، وهتف قائلاً بحماس:
-خير يا دكتور مهاب ؟ كنت عاوزني في ايه ؟
ظلت تعابير وجه مهاب جامدة، ثم سار في إتجاه مكتبه، وإستند بكفه عليه، و رد عليه بصوت جاد ب:
-المدام عندي تعبانة، وأنا عاوز أعملها عملية إستئصال !
عقد كبير الأطباء ما بين حاجبيه في إندهاش، وتسائل بتلهف قلق ب:
-تعبانة ؟ من ايه ؟ وعملية استئصال ايه بالظبط ؟
رد عليه مهاب بهدوء مريب وهو محدق فيه:
-الكلى عندها بقالها فترة مأثرة عليها.

وضع كبير الأطباء إصبعيه على طرف ذقنه، وفركه في حيرة، ثم هتف بإستغراب:
-بس على ما افتكر مدام ناريمان مش بتشتكي منها !!
صاح به مهاب بصوت جاد وهو يرمقه بنظرات حادة ب:
-أنا بأقولك تعباها، يبقى تاخد كلامي ثقة
تنحنح كبير الأطباء بحرج، وأرخى يده وهو يتابع بخفوت:
-احم.. إنت أدرى يا دكتور مهاب
تحرك مهاب في إتجاه كبير الأطباء، وقال بصوت جاد:
-المهم، عاوزك تجهزلي كل حاجة عشان أقوم بالعملية دي من غير ما حد هنا يعرف
انعقد حاجبيه للأعلى وهو يسأله بإندهاش:
-طب ليه ؟

رد عليه مهاب بحدة وهو يشير بإصبعه محذراً:
-من غير ليه، أنا أمر وانت تنفذ
هز كبير الأطباء كتفيه في عدم إكتراث، ودس يديه في جيبي معطفه، وقال بفتور:
-اللي تشوفه..
إبتسم له مهاب إبتسامة مجاملة، وربت على كتفه وهو يقول بهدوء:
-المهم تبلغني بالميعاد في اقرب وقت
أومأ كبير الأطباء برأسه إيجابياً، وأجابه بنبرة عادية:
-حاضر يا دكتور مهاب.

عند قصر عائلة الجندي
وقفت سيارات الشرطة أمام بوابة القصر الرئيسية ليترجل منها عدداً من الضباط والعساكر، وصاح أحدهم بصوت جهوري:
-افتح البوابة
اقترب منه الحارس جمال، وسأله بضيق:
-انت مين ؟
صاح به الضابط بنبرة قوية وهو يرمقه بنظرات مهينة ب:
-ايه أعمى مش شايف إننا بوليس قدامك !
لوى جمال فمه قليلاً، ورد بهدوء حذر:
-مقصدش يا باشا، بس ليه ؟

أجابه الضابط بنبرة رسمية وهو يشير بيده:
-معانا أوامر بالقبض على ناريمان شوقي وتفتيش المكان ده كله
جحظ جمال بعينيه وهو يهتف بعدم تصديق:
-مييييين ؟
لكزه الضابط في صدره بقوة، وصاح بصوت آمر و متصلب ب:
-انت هتنح كتير، افتح الباب وإلا هاخد على البوكس
أشار له بكفيه وهو يقول دون تردد:
-وعلى ايه يا باشا، اتفضل !
ثم إلتفت برأسه للخلف وصاح بنبرة عالية:
-افتحوا البوابة بسرعة
ثم تنحى جانباً ليفسح المجال لسيارات الشرطة بالمرور، وأخرج هاتفه المحمول من جيبه ليهاتف مهاب الجندي، ويبلغه بما يحدث..

في منزل أوس الجديد
جلست تقى على الفراش وهي ضامة ركبتيها إلى صدرها، ومحدقة أمامها بنظرات فارغة من الحياة..
دلفت إليها عفاف ومعاها الخادمة ماريا وهي تحمل صينية الطعام، ثم أشارت لها بيدها دون أن تنطق لتضعها على الفراش وتنصرف..
فنفذت ماريا ما طلب منها، وخرجت من الغرفة..
نظرت عفاف بإشفاق إلى تقى، وجلست على طرف الفراش، وإلى جوارها، ثم مدت يدها وأسندتها على ركبتها، وهمست قائلة بصوت دافيء:
-قومي يا بنتي كليلك لقمة.

ثم هزتها قليلاً لعلها تستجيب لها، ولكنها كانت كالصنم الجامد الذي لا حياة فيه..
تنهدت عفاف بحسرة، وتوسلت لها ب:
-يا بنتي ماينفعش اللي بتعمليه في نفسك، كلي أي حاجة، ده إنتي الحالة دي من بدري
صرخت فيها تقى بصوت منفعل وهي تركل الصينية بقدمها ب:
-مش عاوزة أكل، سبوني في حالي !

هبت عفاف مفزوعة من مكانها، ونظرت لها بتوجس، ثم أشارت بكفيها لها وهي تقول بحذر:
-حاضر.. حاضر، إهدي يا بنتي، أنا هاعمل كل اللي انتي عاوزاه !
هزت تقى رأسها معترضة وهي تهدر بعصبية:
-محدش بيعمل اللي أنا عاوزاه، ولا حد فيكم حاسس بالعذاب اللي أنا فيه، أنا محبوسة هنا، مجبورة أكون مع أكتر واحد بأكرهه في الدنيا، وعاوزيني أعيش حياتي عادي، أكل وأشرب وأنام وأضحك..!

دفنت وجهها بين راحتي يدها، وأجهشت بالبكاء لتتابع بصوتها المتشنج ب:
-ارحموني بقى ! ارحموني وسيبوني في حالي !
نظرت لها عفاف بأسف، وردت عليها بنبرة حزينة:
-ماشي يا بنتي.. خلاص أنا هاخلي ماريا تنضف الأوضة، ونسيبك على راحتك !

في قصر عائلة الجندي
صاحت ناريمان بإنفعال جلي وهي تجر قسراً إلى خارج القصر مكبلة بالأغلال الحديدية ب:
-انتو قابضين عليا ليه، أنا معملتش حاجة، بريئة، سيبوني !
رمقها الضابط بنظرات ساخطة، وهتف قائلاً بصرامة:
-حطوها في البوكس
صرخت بإهتياج وهي تقاومهم بشراسة ب:
-لألألألأ.. أنا بريئة، قتل ايه اللي بتكلموا عنه، صدقوني !

دفعها العسكري من خصرها نحو مؤخرة السيارة وهو يقول بجمود:
-اطلعي يا مدام
هزت رأسها بعصبية وهي تصيح صارخة:
-لألألأ.. سيبوني !
ثم سحبها عسكري أخر من ذراعيها للأعلى لتصعد إلى السيارة..
رفع ضابط أخر يده بمفتاح ما أمام وجه زميله قائلاً بجدية:
-ده المفتاح يا باشا !

حدق الضابط فيه بدقة وسأله بهدوء:
-مممم.. مواصفاته مطابقة للوصف اللي معانا ؟
أجاب زميله بثقة بالغة ب:
-ايوه !
تابع الضابط حديثه الجاد وهو يشير بعينيه:
-اتحفظ عليه، ويتبعت للمعمل الجنائي
أومأ زميله برأسه موافقاً وهو يجيبه بإيجاز:
-تمام يا باشا

في منزل أوس الجديد
وضع أوس ساقه فوق الأخرى بعد أن جلس على الأريكة في صالة منزله الواسعة، ثم أشعل سيجارته الكوبية، وتسائل قائلاً:
-جهزتي شنط السفر يا عفاف ؟
ردت عليه بهدوء وهي تهز رأسه:
-حصل يا باشا !
ثم زمت فمها، وأضافت قائلة بتردد:
-بس أنا.. آآ.. كنت عاوزة آآ..
نظر له بنظرات ضيقة، وأمرها بصوت جاد وهو ينفث دخان سيجارته عالياً:
-قولي على طول.

تنحنحت بخفوت وهي تجيبه بتوتر:
-يعني.. احم.. كنت عاوزة ألفت نظر حضرتك إن تقى محجبة، والهدوم الموجودة مش آآ.. مش هاتنفع تلبسها
لوى فمه للجانب، وأخذ نفساً مطولاً من سيجارته، وتحدث قائلاً وهو يزفره بإيجاز:
-والمطلوب ؟
بإهتمام واضح في نبرة صوتها هتف ب:
-يعني.. لنفسيتها، هي أكيد هترتاح في لبس المحجبات، لكن.. لكن ماظنش إنها هتلبس الفساتين اللي في الدولاب !
-مممم..
ثم تابعت قائلة بثقة بعد أن وجدت منه هدوءاً عجيباً:
-لو تأذنلي أنا أعرف محلات لبس كويس ممكن أنزل اجيبلها كام حاجة مناسبة !

أردف أوس قائلاً بصوت عميق وهو يرمقها بنظراته الجادة:
-رغم إني مابحبش حد يعمل حاجة أنا مش موافق عليها، بس إنتي استثناء يا عفاف !
إبتسمت له مجاملة وهي تجيبه بصوتها الهاديء:
-شكراً يا باشا على ثقتك فيا
أخرج أوس حافظة نقوده من جيبه، ثم عبث بها ليخرج كارته البنكي، ثم مد يده للأمام وهو ممسك به بإصبعيه قائلاً بجدية:
-خدي الكريدت كارد بتاعتي، وهاتي المناسب ليها.

هزت رأسها موافقة وهي تتناوله منه مضيفة بهمس:
-حاضر يا أوس باشا
ثم أولته ظهرها، وسارت مبتعدة عنه، ولكن أوقفها صوته حينما صدح ب:
-عفاف !
إلتفتت برأسها نحوه، وأجابت على الفور ب:
-ايوه
تنهد بعمق، وأكمل قائلاً بهدوء جدي:
-وجودك الفترة دي مع تقى مهم بالنسبالي، فماتسيبهاش !

إبتسمت له بإمتنان لإعترافه الضمني بمجهوداتها، فأجابته بإبتسامة خفيفة:
-اطمن يا باشا، دي أكتر من بنتي والله
هز رأسه بخفة، وأشار بعينيه قائلاً بصرامة:
-تمام، روحي إنتي !
-عن اذنك !
ثم أكمل تدخين سيجارته وهو محدق أمامه في الفراغ، وعقله لم يتوقف للحظة عن التفكير في قرار الإنفصال عن تقى بعد عدة أيام..

في مشفى الجندي الخاص
رن هاتف مهاب لأكثر من مرة، ولكنه لم يجبْ على إتصالات الحارس جمال المتكررة به.. فقد كان مشغولاً بالإعداد لتقارير مزيفة عن سوء تدهور حالة زوجته من أجل ضمان عدم الملاحقة القضائية له في حالة وفاتها..
إلتوى فمه بإبتسامة شيطانية وهو يرى موظفيه ينجزون ما يريده على أكمل وجه، وحدث نفسه قائلاً بغرور:
-وكده محدش هايمسك عليك حاجة يا مهاب، ماهو تزوير التقارير لعبتي من زمان !

إنتهى الحرس الخاص من إعداد السيارات المصاحبة لأوس الجندي في رحلته إلى الساحل الشمالي حيث الجولة السياحية التي سيقوم بها مع الوفد الأجنبي..
وقف أحدهم على مدخل البناية منتظراً قدوم رب عمله.. وأشار للبقية بيده ليستعدوا..

عاونت عفاف تقى في إرتداء ثيابها الجديدة التي إشترتها لها.. والتي راعت أن تكون مناسبة لها..
في حين نظرت الأخيرة إلى نفسها في المرآة بنظرات خاوية من أي شيء..
ورغم هذا لفت أنظارها تلك الأناقة الغريبة التي لم تتعود عليها..

فقد كانت ترتدي كنزة طويلة قطنية تصل إلى ما بعد ركبتيها من اللون البرتقالي.. وأطرافها مطرزة بقماش حريري بني لامع.. وفتحة صدرها مثلثة..
ومن أسفلها برزت ياقة قميصها الأبيض المعقود شريطيه على هيئة أنشوطة.. وكذلك إرتدت بنطالاً من الجينز من اللون الرمادي الفاتح..
مدت عفاف يدها بحجاب حريري ذي اللون الزيتوني لتغطي رأس تقى به، وإبتسمت لها إبتسامة رقيقة وهي تقول:
-ربنا يكفيكي شر العين يا بنتي زي القمر
لم تبتسم لها تقى، بل إكتفت بتحريك رأسها بإيماءة خفيفة..

أمسكت بها عفاف من ذراعيها، وأدارتها في إتجاهها، وتابعت قائلة بخفوت:
-ماتقلقيش يا بنتي، الباشا أوس عمره ما هيأذيكي
لوت تقى فمها بسخط، وتنهدت بحرارة.. وأغمضت عينيها لتبتلع تلك الكذبة على مضض..
فهمت عفاف من نظراتها، وتعبيرات وجهها الحزينة عدم إقتناعها بما تقول.. فإلتمست لها العذر.. لأنها لم تعرف أوس جيداً كما عرفته هي.. وأيقنت أنه قد تبدلت أحواله مؤخراً بعد زواجه من تقى ودخولها للمشفى..

هزت رأسها بإشفاق وهي تغمغم لنفسها قائلة بحزن:
-يا ريتك تشوفيه زي ما أنا شايفاه الوقتي يا بنتي..!
ولجت الخادمة ماريا إلى داخل الغرفة، وهتفت قائلة بلكنة غريبة:
-الباشا أوس منتظرك مدام !
حدقت بها تقى في خوف، ولم تجيبها..
بينما نظرت لها عفاف، وردت عليها قائلة بهدوء:
-قوليله هي جاية على طول يا ماريا
-حاضر.

قالتها ماريا قبل أن تنصرف إلى خارج الغرفة..
ثم ربتت عفاف على ظهر تقى، وهمست لها بحذر:
-يالا يا بنتي
شعرت عفاف بإرتجافة جسد تقى، فحاولت أن تطمئنها، فأضافت بحنو:
-أنا معاكي يا بنتي !
سارت تقى بخطوات بطيئة نحو الخارج، وظلت عفاف واضعة لكف يدها على ظهرها لتبث لها الأمان..

وقف أوس بجوار باب المنزل منتظراً زوجته بترقب شديد، وواضعاً يديه في جيبي بنطاله القماشي الأسود..
ظل يهز ساقيه بعصبية، وأجفل عينيه للأسفل لينظر إلى لمعان فردتي حذائه.. ثم رفع بصره للأعلى فجأة حينما سمع صوت عفاف يهتف ب:
-احنا جاهزين يا باشا !

سلط أوس أنظاره على تقى، وتحولت نظراته إلى الإعجاب بهيئتها المحتشمة.. وعلى الرغم من إعتياده رؤية أجساد النساء – وخاصة عاهراته – عارية، إلا أنه شعر بالغبطة لأن زوجته تختلف عنهن.. فهي جوهرته الثمينة..
إلتوى فمه بإبتسامة رضا، ولكنها تلاشت سريعاً ليحل محلها الجمود وهو يتشدق قائلاً:
-تمام، يالا.

أمسك بمقبض الباب وأداره لينفتح قليلاً، ثم وقف ملتصقاً به، وأشار لتقى بعينيه لكي تتحرك
نظرت له شزراً قبل أن تسير نحوه بإضطراب يسيطر على أوصالها..
مرت بخطوات حذرة من جواره، وتحاشت النظر إليه، في حين حدق هو بها بدقة رهيبة، واستنشق عبيرها بكل حواسه، وأغمضت عينيه ليحفر في عقله جبراً تلك اللحظة العابرة..
راقبتهما عفاف بنظرات متفائلة، وتقوس فمها بإبتسامة أمل..

وقفت تقى أمام المصعد ووجهها خالي من التعبيرات، بينما وقف أوس خلفها، على بعد سنتيمترات منها، مسبلاً عينيه نحوها بشغف جلي..
شعرت هي بحرارة جسده من خلفها، فإبتلعت ريقها بتوتر..
وأجفلت عينيها للأسفل، وظلت تحرك أصابع يدها بإرتباك..
طال وقوفهما ولم يحضر المصعد، فتسائل أوس بجدية:
-هو انتي دوستي على الزرار ؟

لم تجبه، ولم تنظرْ نحوه، بل ظلت جامدة كالصنم..
سألها مجدداً بنبرة شبه متصلبة وهو محدق بها:
-دوستي ولا لأ ؟
لوت فمها ولم تجبه، وعقدت ساعديها أمام صدرها في عدم إكتراث بما يقول..
نفخ من الضيق، وتابع قائلاً بنبرة مغتاظة:
-على الأقل عرفيني !

ثم إنحنى للأمام ليضغط على الزر مجدداً، ولكنه إرتطم عمداً بظهرها، فأجفلت هي مما فعله، وحلت ساعديها، وتجهم وجهها، وإلتفتت برأسها للجانب لترمقه بنظراتها الغاضبة، فوجدت وجهه يكاد يلامس وجنتها، وعينيه مسلطتين عليها.. فتوردت خجلاً من اقترابهما الشديد، وإبتلعت ريقها متوترة..
إلتوى فم أوس بإبتسامة صغيرة، وهمس لها قائلاً:
-كده الأسانسير هايجي !
ثم تراجع للخلف، فعضت على شفتها السفلى، وعدلت من وضعية ياقتها بإرتباك ملحوظ...

في مشفى الأمراض النفسية
تجول عدي بصحبة الطبيب المعالج لليان في الحديقة الواسعة الملحقة بالمشفى، وأردف الأخير قائلاً بجدية:
-هو في تقدم ملحوظ، بس هانخد وقت لحد ما هي تكتسب ثقة من جديد في اللي حواليها
تسائل عدي بإهتمام جلي في نبرته:
-طب هازورها امتى ؟
أجابه الطبيب بإيجاز ب:
-قريب
هز رأسه بخفة وهو يردد:
-تمام
حك الطبيب طرف ذقنه وهو يضيف بنبرة حذرة:
-أنا كان عندي سؤال !

قطب عدي جبينه مهتماً، وتشدق قائلاً:
-اتفضل يا دكتور
سأله الطبيب بنبرة جادة وهو محدق في وجهه:
-مين تهاني دي اللي على طول بتقول اسمها ؟
ضيق عدي حدقتيه في إستغراب، وهتف بصورة عفوية:
-تهاني !

حرك الطبيب رأسه مبرراً ب:
-أها.. هي ساعات كتير تفضل ساكتة مع نفسها، وفجأة تنفعل وتردد جمل زي " أنا مش بنتها، هي بتكره ولاد تهاني، احنا ولاد تهاني "، وحاجات مشابهة لده
هز عدي كتفيه في حيرة، وتابع قائلاً بنبرة جادة:
-مش متأكد، بس هسأل وأعرفلك !
إبتسم له الطبيب ممتناً وهو يقول:
-يا ريت، أي معلومة بتقدمهالي حتى لو كانت صغيرة بتفيد في علاج الحالة
-اوكي.

فتح أحد رجال الحراسة الخاصة باب السيارة الخلفي ليلج أوس الجندي إلى الداخل بعد أن إستقرت زوجته في مكانها، ثم أشار له بيده ليغلق الباب، ومن ثم أومأ بعينيه لينطلق السائق بهما..
توقعت تقى أن تركب معهما عفاف، لكنها تفاجئت بالسيارة تتحرك، فنظرت حولها بذعر، وتلفتت برأسها في ريبة متسائلة بصوت محتد:
-فين عفاف ؟ هي مش هتركب معانا ؟

أجابها أوس بهدوء شديد وهو يسند مرفقه على جانب السيارة:
-لأ، هي مش هاتيجي أصلاً السفرية دي
إتسعت مقلتيها في ذعر، وهتفت قائلة بصدمة:
-اييييييه !!!
ثم إلتفتت برأسها للخلف لتجد عفاف واقفة في مكانها، وإبتسامة خفيفة مرسومة على ثغرها، وتلوح لها بيدها، فتلاحقت أنفاسها بخوف، ونظرت بطرف عينها إليه، وهي تهز رأسها مستنكرة....

هتف قائلاً بصوت رخيم وهاديء دون أن ينظر نحوها:
-زي ما وعدتك، هاطلقك أما نرجع، فمافيش داعي للإنفعال
إعتدلت بيأس في مقعدها، وأشاحت بوجهها بعيداً عنه، وعقدت ساعديها أمام صدرها، وظلت تنفخ بإستمرار
إختلس أوس النظرات إليها، وتقوس فمه بإبتسامة باهتة، ثم عاود النظر إلى الطريق.....

في مكتب المحامي أمجد سعفان
أومأ أمجد برأسه عدة مرات وهو واضع لهاتفه المحمول على أذنه، ثم جاب غرفته ذهاباً وإياباً وهو يمط فمه متمتماً بكلمات غير مفهومة.. ثم أنهى المكالمة وإلتفت إلى سامي الجندي وهتف قائلاً بحماس:
-زي ما مصادرنا قالوا، هو بنفسه اللي رايح الساحل الشمالي !
إتسع ثغر سامي بإبتسامة شيطانية، وأردف بشراسة وهو يكور قبضته في الهواء:
-حلو أوي، ودي فرصتي عشان أخلص منه من غير ما حد ياخد باله.

سأله أمجد بإهتمام وهو يرمقه بنظرات حادة:
-فكرت في الخطة اللي هاتعملها ؟
رد عليه بثقة وهو يشير بيده:
-اه فكرت وهي استوت على الأخر كمان
هز أمجد رأسه بهدوء، وتابع بجدية:
-تمام.. يبقى مش ناقص غير تحديد وقت التنفيذ
إتسعت حدقتي سامي بطريقة مخيفة وهو يضيف بتهديد صريح:
-مش هاترجع من هناك يا ابن أخويا إلا جثة !

في سيارة أوس الجندي
ظلت تقى طوال الطريق صامتة، ومحدقة بالنافذة الملاصقة لها..
بينما كان أوس يدير رأسه ناحيتها بين الحين والأخر لينظر لها بتفحص..
لاحظ إهتزاز ساقيها بصورة متوترة، ثم سكونها، ثم تكرار تلك الحركة وكأنها لازمة لها.. فإلتوى فمه بإبتسامة باهتة..
نظرت له فجأة ورمقته بنظرات حادة وهي تنهره بضيق:
-بتبص على ايه ؟

وضع أوس إصبعه على أنفه ليداعبه، وأجفل عينيه قليلاً، ولم يجبها..
نفخت من تجاهله الرد عليها، ونظرت للطريق من جديد..
أمسك أوس ب " التابلت " الخاص به، وظل يتابع بعض المراسلات الإلكترونية الخاصة بشركاته، ويرد عليها بهدوء تام..
شعرت تقى بثقل في جفنيها، وأرادت أن تتثاءب ولكنها قاومت بجهد كبير هذا الإحساس المغري للنوم، ولكن حركة السيارة الثابتة والهادئة في آن واحد جعلت جسدها يسكن ويستجيب لسلطانه..
أرجعت رأسها للخلف، وأسندته على المقعد، وحدقت بالطريق، ثم إستسلمت للنوم تماماً..
رن هاتف أوس، فإلتقطه من جيب قميصه العلوي، ثم نظر إلى المتصل، ورد عليه بجدية:
-نعم !

ثم هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يضيف بجمود:
-مش كتير، حاجة بسيطة، تقريبا تلاتربع ساعة بالكتير.. مم.. أها !
وفجأة مالت رأس تقى ناحية كتفه، وإستندت عليه، فنظر لها أوس بإندهاش عجيب، وتلعثم وهو يكمل مكالمته، فهمس بصوت جاد:
-هاكلمك بعدين، سلام !

ثم أعاد وضع هاتفه في جيبه، ورفع ذراعه بحذر شديد للخلف لتميل رأس تقى أكثر على صدره، ثم أحاطها به، وشعر بأنفاسها الهادئة تلفح عنقه وصدغه.. فإبتسم لها برضا.. وحدق مطولاً في قسمات وجهها الدقيقة، وتأمل ذلك الجمال النقي الذي أنهكه الحزن..
تنهد بحرارة شديدة وهو يحدث نفسه بنبرة عاشمة:
-آه لو تديني فرصة بس أصلح غلطي.... !!!

تمطعت تقى بجسدها وهي غافية في أحضان أوس، ثم فتحت عينيها قليلاً، فرأت عينين تحدقان بها بشغف، وإبتسامة صغيرة بادية على ذلك الوجه المقترب منها..
ظنت في البداية أنها لا تزال في سباتها غير واعية، فأغمضت عينيها مجدداً، ولكن لإهتزاز السيارة بحركة قوية جعلتها تفتح عينيها فجأة بإنزعاج، ثم أمعنت النظر في وجهه فأدركت أنها تنظر إليه.. فإتسعت حدقتيها الزرقاوتين في ذهول، وفغرت شفتيها للأسفل مدهوشة من تلك الوضعية التي كانت غافية عليها..
هزت رأسها مستنكرة ما حدث، وشعرت بقبضته ممسكة بها من ذراعها، فإنتفضت من حضنه مذعورة، وأزاحت يده بعيداً عنها، وصاحت بإنفعال:
-إنت.. إنت عملت إيه ؟

هز كتفه في عدم مبالاة، ورمقها بنظرات هادئة وهو يجيبها ببرود:
-ولا حاجة ؟
نظرت له بذعر، وصرخت فيه بعصبية وهي تشير بإصبعها:
-إنت.. إنت خدرتني !
نظر لها بعتاب، ثم أجابها بفتور:
-مش اسلوبي على فكرة !
سألته بزمجرة قوية وهي تتلفت حولها:
-أومال أنا جيت هنا إزاي ؟
نظر لها بتعجب وهو يرفع حاجبه للأعلى، ثم عقد ساعديه أمام صدره، ورد عليها بنبرة عابثة:
-بمزاجك !
حدجته بنظرات محتقنة وهي تهتف ب:
-نعم ؟

أمال رأسه للجانب، ونظر له بتسلية وهو يجيبها ببرود مستفزاً إياها:
-يعني إنتي جيتي هنا العربية على رجليكي، وبعد شوية نمتي، وبعدها ريحتي على كتفي !
ثم حل ساعديه، وتحرك في المقعد ليقترب منها ويقلص المسافة بينهما، فإنكمشت على نفسها بخوف، ورمشت بعينيها بتوتر ملحوظ، فهمس لها وهو يميل على شفتيها برأسه:
-يعني مش أنا اللي قربت منك ! بس جايز عقلك الباطن عاوزني !

إبتلعت ريقها بخوف واضح منه، ورددت بتلعثم:
-إنت.. إنت آآآ..
قاطعها بصوت جاد وهو مسبل عينيه:
-أنا عند كلمتي معاكي !
ثم صمت لثانية ليقترب أكثر منها حتى كاد أن يلامس شفتيها بفمه، فتوردت وجنتيها بحمرة واضحة، وهمس قائلاً وهو يغمز لها بثقة:
-إنتي بتتعاملي مع أوس الجندي يا.. يا بنت خالتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والخمسون

في السجن العمومي
مال المحامي نصيف على ممدوح الجالس قبالته بجسده الممتليء، وهمس له بمكر ب:
-لو نفذت اللي قولتلك عليه هاتطلع من هنا
ضيق ممدوح عينيه بشدة، وأدف قائلاً بغل:
-طلعت مش سهل خالص يا مهاب !!
تابع نصيف حديثه اللئيم ب:
-الباشا معانا على الخط، وهيلبس مراته الليلة كلها.

في حين حدث ممدوح نفسه قائلاً بسخط وهو يتذكر مواقف مهاب المشينة مع من يقف في طريقه منذ بدء صداقتهما حتى الآن:
-مممم.. طول عمرك بتطلع من أي حاجة كسبان، سواء تهاني أو ناريمان !
أشار نصيف بيده وهو يضيف بجدية:
-وأنا هاقدر أظبط القضية وأطلعك منها، بس إنت تقول أوكي
تقوس فمه بإبتسامة لئيمة وهو يجيبه بثقة:
-وماله، هاخسر ايه، أخرج بس من هنا، وبعد كده نتصافى على رواقة !
إبتسم نصيف بإرتياح وهو يقول:
-عظيم جدا، نراجع بقى اللي هاتقوله في باقي التحقيقات
-ماشي

في قصر عائلة الجندي
ضحك مهاب بصوت مرتفع وهو يضرب بقبضته في الهواء، ثم هتف بحماس:
-ايوه بقى، أهي جت لحد عندي الفرصة من غير ما أوسخ ايدي !
أخذ هو نفساً عميقاً، وفرد ذراعيه في الهواء، وتابع قائلاً بتباهي:
-والورق اللي معايا وخدته من شقتك يا ممدوح هايفيد أوي في إني اثبت الجريمة عليكو انتو الاتنين ! ضربة معلم بصحيح !
ثم إتجه ناحية الدرج وصعد عليه وهو يصفر بسعادة غامرة تعجب منها الخدم خاصة بعد إلقاء القبض على سيدة القصر بطريقة مهينة..

في مكتب وكيل النيابة
مدت ناريمان يديها المرتعشة لتمسك بكوب الماء الموضوع أمامها، ثم إرتشفت منه عدة قطرات، وأخذت نفساً عميقاً لتسيطر على بكائها المستمر، وأردفت قائلة بصوت مختنق:
-مش انا اللي قتلتها ؟
سألها وكيل النيابة بهدوء شديد وهو محدق بها:
-طب تفسري بإيه وجود مفتاح شقة ممدوح معاكي ؟
إبتلعت ريقها بإرتباك، وأجابته بتلعثم:
-أنا منكرش إنه اداني المفتاح، وأنا.. وأنا كنت بأزوره وآآ.... آآ..

توترت هي أكثر ولم تكمل عبارتها الأخيرة، فأضاف وكيل النيابة قائلاً بنبرة رسمية:
-المتهم قال إنك كنتي على علاقة معاه !!
إتسعت مقلتيها بصدمة، وشحب لون وجهها في رعب..
فقد كشف ذلك الخسيس علاقتهما، ولم يهتم بفضح أمرهما.. فحاولت أن تنكر ما قاله، فصرخت بحدة:
-هو.. هو كداب، محصلش !

أطرق وكيل النيابة رأسه قليلاً فهو لم يقتنع بما قالته، خاصة وأن إرتباكها الملحوظ يشير إلى تورطها في مسألة أعمق، ثم سلط أنظاره القوية عليها وسألها بجمود:
-كنتي فين وقت وقوع الجريمة ؟
توترت أكثر وهي ترد عليه بصوت مضطرب:
-كنت.. في القصر، والخدامين بتوعي يشهدوا بده
أجابها بهدوء وهو يهز رأسه:
-هنشوف الموضوع ده، والتحريات هتثبت صحته من عدمه.

ثم سمع كلاهما صوت دقات خفيفة على باب الغرفة، فهتف وكيل النيابة بصوت آمر:
-اتفضل
أدى العسكري التحية العسكرية وهو يقف منتبهاً أمامه، قائلاً بصوت رسمي:
-تمام يا فندم
سأله وكيل النيابة بجدية شديدة ب:
-في ايه يا عسكري ؟

-في واحد يا باشا برا بيقول إنه جوز المتهمة وجاي يدلي بأقواله
هتفت دون وعي وكأنها الغريق الذي يتعلق بقشاية:
-ايوه، جوزي هايقول الحقيقة، أنا بأثق فيه
أشار له بإصبعه وهو يأمره بصوت آجش:
-دخله يا عسكري
بعد لحظات دلف مهاب إلى الداخل وهو متجهم الوجه، و فمه ملتوي بتأفف، ثم حدج زوجته بنظرات مهينة قبل أن ينظر في إتجاه وكيل النيابة وهو يقول بصوت خشن وقوي:
-دكتور مهاب الجندي، جوز ال..آآ..
ثم نظر لها بإشمئزاز وهو يتابع بسخط:
-جوز المدام
شعرت ناريمان من نظراته المحتقرة لها، وتصرفاته الجادة أنه على وشك فعل كارثة ما..

أردف مهاب قائلاً بصوت محتد وهو يشير بإصبعه:
-أنا عاوز بس قبل ما أبدأ، أتهم المدام في بلاغ رسمي بإنها خاينة وإرتكبت زنا
فغرت ناريمان فمها بصدمة رهيبة قائلة:
-هاه، بتقول ايه ؟
مط وكيل النيابة رأسه في تعجب أشد، وردد بهدوء:
-ممممم، زنا !
ثم سلط مهاب أنظاره الشيطانية عليها ليكمل بثقة:
-وعندي ما يثبت كلامي
أشار له وكيل النيابة بكف يده ليجلس قائلاً بنبرة رسمية:
-اتفضل
جحظت ناريمان بمقلتيها المتورمتين في ذعر حقيقي، وإرتجف جسدها بشدة وهي تنتظر ما سيقوله زوجها ليقضي عليها للأبد......

عند المنتجع الشهير بالساحل الشمالي
توقفت سيارات أوس الجندي عند مدخل المنتجع، وأنزل سائق سيارته الأساسية الزجاج الملاصق له ليتحدث بنبرة رسمية وهو يشير بعينيه الحادتين:
-الباشا أوس وصل، بلغ الإدارة !
هز الحرس الأمني المرابط أمام المدخل رأسه بإيماءة واضحة وهو يهتف بحماس:
-تمام، حمدلله على السلامة يا فندم، شرفتوا المكان
ثم إستدار برأسه للخلف ولوح بيده لزملائه قائلاً بصوت مرتفع:
-افتح البوابات بسرعة للباشا.

تحركت السيارات بثبات عجيب لداخل المدخل الرئيسي للمنتجع المعروف بأنه خاص فقط بالطبقة المخملية..
حدقت تقى بنظرات مبهورة إلى المكان الذي لم تكن لتراه أبداً حتى في مخيلتها..
فغرت شفتيها في إعجاب واضح بالتصميم الراقي والفخم لكل جزئية في المنتجع، بدءا من المدخل الرخامي ذي الأرضية الإسفلتية، وما حوله من شجيرات خضراء تشكل ممراً منفصلاً يؤدي إلى بوابة أخرى رئيسية يقف عندها حرس أخرين، أسرعوا برفع الحاجز الحديدي لتكمل السيارات سيرها نحو الداخل..

وكأنها ترى جنة الله على الأرض متمثلة في هذا المكان..
الألوان المريحة للأعين في طلاء المباني الفاخرة والسماء الزرقاء مع الخضرة الغناء والهواء المنعش.. كذلك التصميمات المعمارية التي تدل على إبداع المهندسين المعماريين في تشيد هذا المنتجع..
بعد أقل من دقائق، توقفت السيارات أمام مدخل صغير.. وترجل على الفور أفراد الحراسة الخاصة من السيارات، وأسرع أحدهم بفتح باب سيارة أوس وتنحى للجانب
نظر أوس لتقى، وأشار لها بعينيه قائلاً بجدية:
-وصلنا، يالا !

ثم ترجل هو الأخر من السيارة، ونظر حوله بثبات..
ابتلعت تقى ريقها بتوتر.. وتحركت بحذر من على المقعد، وترجلت من السيارة لتجده يقف ملاصقاً للباب، فمطت شفتيها منزعجة وهي تحاول المرور من جواره دون أن يتلامسا..
أشار أحد رجال الحراسة الخاصة بيده وهو يقول بنبرة رسمية:
-اتفضل يا باشا من هنا
باغت أوس تقى بإمساكها من كف يدها بقبضته، فشهقت مصدومة، ولم يمهلها الفرصة للإعتراض أو المقاومة، وسار بخطوات ثابتة – وهو يسحبها خلفه عنوة - نحو الممر الخصوصي المؤدي إلى باب الفيلا..

في مكتب وكيل النيابة
صرخت ناريمان بإنفعال واضح بعد أن نهضت من مقعدها وهي تشير بكفيها في وجه مهاب قائلة:
-انت كداب، أنا مقتلهتاش، مقتلتهاش
رد عليها مهاب بصوت محتد وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-لأ قتلتيها عشان ماتفضحش خياتك ليا يا مجرمة
صاح به وكيل النيابة قائلاً بصرامة:
-دكتور مهاب من فضلك ماتتكلمش.

صرخت ناريمان قائلة بعصبية وهي ترمقه بنظرات نارية:
-يا فندم هو كداب، ده هو بنفسه اللي قالي هاتي المفتاح وهايتصرف
لوى فمه مستهزئاً، ثم أجابها بسخط:
-والله ! طب وهاعمل كده ليه ؟ كنت بأخونك معاه يا زانية !
هدرت بجنون وهي تشير بإصبعها محذرة:
-مهاب، أنا مجنونة وممكن أفضح كل حاجة، ومش هاشيل الليلة لوحدي.

وضع ساقه فوق الأخرى، ونظر لها بجمود قائلاً بثقة بالغة:
-اللي أعرفه إن اللي عنده حاجة يثبتها
نظرت هي إلى وكيل النيابة بأعين محتقنة، وأشارت بإصبعها نحو زوجها، وصرخت بعصبية:
-هو ورا أي مصيبة بتحصل، ده راجل مش سهل، ومش بعيد هو اللي قتلها !
نظر له وكيل النيابة، وسأله بجدية:
-كنت فين وقت حدوث الجريمة ؟

رد عليه مهاب بهدوء مستفز ب:
-يا سعادت وكيل النيابة، وقت حدوث الجريمة وخيانتها ليا أنا كان عندي عملية جراحية دقيقة لمريض عندي، وتقدر تتأكد من أوراق المستشفى، ومن أهل المريض نفسه وكمان الفريق الطبي المعاون ليا
أشار وكيل النيابة بيده للكاتب الجالس بجواره ليتأكد من تسجيله لجميع أقوالهما، ثم أردف قائلاً بحذر:
-هاشوف الكلام ده كله !
أرجع مهاب ظهره للخلف، ونظر إلى زوجته بتشفي واضح من نظراته المزدرية لها، وإستمتع برؤيتها تُدمر أمامه.. وبرزت إبتسامة شيطانية من بين أسنانه..

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
أرخى أوس قبضته عن تقى بعد أن ولجا إلى داخل الفيلا الخاصة بهما..
رمقته هي بنظراتها الساخطة وهي عابسة الوجه، في حين تحرك هو في أرجاء المكان متفحصاً إياه بهدوء وهاتفاً بصوت رخيم:
-أوض النوم فوق، لكن هنا الريسبشن، وال Pool ( حمام السباحة )، والجاردن، وال Living، والتراس.. !
ثم أشار بإصبعه إلى رواق ما، وهو يضيف بنفس الهدوء:
-وهناك في حمام ومطبخ، انتي هاتعرفي تتعاملي ! مش هتاخدي وقت يعني، وعيشي حياتك !

صاحت به تقى بصوت محتد وهي تنظر له بنظرات غاضبة:
-جايبني من سجن ضيق لسجن أكبر ! وتقولي عيشي حياتك، لأ فعلاً معندكش إحساس !
إحتقن وجهه بسرعة وهو يهتف بصوت مرتفع:
-تقى !
رمقته بنظراتها المشتعلة وهي تتحداه بغضب:
-ايه ؟ هاتعمل ايه أكتر من اللي عملته فيا ؟

أخذ أوس نفساً عميقاً، وحبسه في صدره للحظة، ثم أضاف قائلاً بنبرة محذرة:
-نصيحة مني تلتزمي باللي هاقوله، وأنا هالتزم بإتفاقي معاكي
لوت فمها بسخط وهي تقول:
-ولو محصلش ؟ هاتدبحني تاني ؟ أنا عارفة إنك تقدر تعمل ده فيا، مش صعبة عليك، ماهو اللي بيقتل مرة، بيقتل مليون !
ضغط على شفتيه بقوة ليمنع نفسه من التفوه بأي حماقات.. ثم تابع قائلاً بصوت شبه متشنج:
-صدقيني أنا مش هاقرب منك طول ما إنتي معايا.

ضحكت بطريقة مستهزأة، وردت عليه بإستخفاف وهي تلوح بكفها في وجهه:
-بجد عاوزني أصدقك، طب بالمرة أقولك أنا بأحبك، ودايبة فيك، مش قادرة أعيش من غيرك، وأنسى اللي فات كله وكأنه محصلش خالص
أسبل عينيه وهو يضيف بإستعطاف:
-أنا عاوزك بس تديني فرصة أصلح اللي بينا
تجهم وجهها بشدة، ونظرت له بشراسة وهي تصرخ فيه بغضب:
-اللي بينا عمره ما هيتصلح أبداً، عارف ليه ؟ لأن اللي بيموت مش بيحيا تاني، مش بيحيا !

فرك وجهه بإنزعاج جلي بكف يده، ثم صر على أسنانه قائلاً بنبرة ضائقة:
-انسي اليومين دول أي حاجة حصلت
هدرت به بصوت مختنق وقد أدمعت عينيها:
-نعم، بالبساطة دي، لأ يا باشا، صعب أنسى جرح عشته حتى لو فاتت سنين، وده مش أي جرح، أنا كل يوم بأعيش نفس العذاب معاك، فعايزني أنسى، طب إزاي ؟!
أدرك أوس أن الجدال مع تقى سيزيد الطين بلة.. فهي مازالت تكرهه.. وتلومه بقسوة على جريمته.. وهو لن يعترض على هذا، فهو حقها.. ولكن أرهقه حقاً أنه يحاول إقناعها بفعل أبسط الأمور.. وفي المقابل يلقة معارضة محتدة منها..

نفخ في ضيق، وهتف قائلاً بنفاذ صبر وهو يوليها ظهره:
-خلاص، انا هاغير هدومي وهاشوف هنتغدى ايه !
وضعت تقى يدها في منتصف خصرها، وأشارت بإصبعها وهو ترمقه بنظرات مهينة قائلة بنبرة حادة:
-كمان عاوزني أكل معاك في طبق واحد
إلتفت لها برأسه نصف إلتفاتة، ورد عليها بجمود:
-متخافيش مش حاطط فيه سم !

صاحت هي قائلة بصوت غاضب وهي ترمقه بنظرات إحتقارية:
-ده أنا أموت من الجوع ومامديش إيدي في أكل معاك
لم يطقْ أوس إتهاماتها الباطلة له، فإندفع نحوها بعصبية جلية في تعبيرات وجهه، ثم أمسك بها من رسغيها، ودفعها للخلف وهو يسير بخطوات سريعة، فألصق ظهرها بالحائط، ثم رفع ذراعيها أعلى، وثبت رسغيها بقبضتيه، و
جز على أسنانه قائلاً بحنق جلي وهو يحاصرها، ومحدقاً بها بنظرات حادة ومشتعلة:
-تقى، من فضلك، التزمي معايا.. وده أفضل لينا ! ماشي ؟!

نظرت له برهبة شديدة من عنفه المعهود معها، وخشيت أن يتطور الأمر، ويحدث ما لا يحمد عقباه، فلم تنطق وإكتفت بالإيماء برأسها موافقة في خوف منه..
ضغط أوس على شفتيه بقوة، وتأمل حالتها المرعوبة منه بندم، وأرخى قبضتيه عنها قائلاً بضيق:
-شكراً !
ثم تراجع مبتعداً عنها، وأولاها ظهره، وحدث نفسه قائلاً بصدق حقيقي:
-أنا خايف عليكي، يا ريتك تحسي بده، وماتبصليش كده !
ثم ضرب بقبضته المكورة الدرابزون، وصعد عليه سريعاً.. بينما تابعته هي بنظرات محتدة وظلت تفرك رسغيها لتخفف من قوة أصابعه عليهما..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
إبتلع عدي أحد الأقراص الطبية، ثم أعقبه بشرب رشفة ما، وحرك رأسيه للجانبين، وحدث نفسه بجدية ب:
-يا ريت يجي بفايدة العلاج ده !
أمسك هو بهاتفه المحمول، وظل يلفه بحركة دائرية بأصابع يده..
وتابع حديث نفسه ب:
-تهاني دي أوصلها إزاي ؟ ما هو لو كلمت أوس في الموضوع ده ممكن مايفدنيش، وأنا محتاج أعرف الست دي، وأعرف طريقها ! ممم.. يا ترى مين أكتر حد ممكن يفيدني في الموضوع ده ؟!

ثم طرأ بباله الإتصال بالمدبرة عفاف لمعرفة تفاصيل أكثر عنها، فهي أكثر شخص كان مقيماً في قصر عائلة الجندي، وستكون الأكثر علماً بما يتردد هناك من أسماء عن بعض الشخصيات..
إبتسم لنفسه بزهو، وهتف قائلاً بحماس:
-مافيش إلا هي..!

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
لاحقاً، ولج أوس إلى داخل المرحاض ليغسل وجهه، ثم بدل ثيابه على عجالة وإرتدى ملابساً " كاجوال " على غير عادته - ( بنطال جينز أزرق داكن، وتي شيرت أبيض اللون ) أبرز عضلات ذراعيه، وقوة صدره – ومشط شعره بأصابع يده، ثم إتجه للخارج وهو يضع ساعته في يده..
بحث بعينيه عن تقى فوجدها جالسة في التراس الملحق بالفيلا، وممددة لساقيها على الطاولة، وتفرك في أصابعع قدميها..

فتحرك بحذر نحوها، وإستند بظهره على المدخل، وعقد ساعديه أمام صدره، وظل يتأملها في هدوء لعدة دقائق..
ثم إعتدل في وقفته، وتنحنح بصوت خشن، فإنتبهت هي له، ووإرتبكت من حضوره المفاجيء، ولم تنظر نحوه، وإنتصبت في جلستها بعد أن أنزلت ساقيها..
سار أوس عدة خطوات حتى وقف قبالتها، ثم أردف قائلاً بصوت رخيم:
-أنا طالع أتغدى مع الوفد، أوردر الأكل أنا خلاص طلبتهولك، و هايجيلك هنا مع واحد من الحرس
زمت فمها للجانب، ولم تجبه، وظظلت محدقة أمامها..

أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم تابع قائلاً بضيق:
-عامة أنا عندي شغل، مش راجع الوقتي خالص، فخدي راحتك، سلام !
ثم تركها وإنصرف دون أن يضيف كلمة أخرى، بينما إلتفتت هي برأسها بحذر لتنظر له من طرف عينها لتتأكد من رحيله..
تنهدت في إرتياح.. وأرخت عضلاتها المتشنجة بعد أن سمعت صوت الباب يغلق، وحدثت نفسها قائلة:
-أووف، خانقة !

في مطعم المنتجع السياحي
مد أوس يده ليصافح أعضاء الوفد الأجنبي الذي جاء إليه خصيصاً من أسبانيا للتعاقد على صفقات جديدة مع الشركة..
كان الوفد مكوناً من أربعة رجال وسيدتين، ومترجم مرافق لهم..
أشار لهم بيده ليجلسوا، وفرقع بأصابعه ليبتعد حرسه للخلف حتى يستطيع مناقشة ما يريد بأريحية تامة..

بعد أقل من دقيقة، حضر بعض الندلاء وهم يحملون صحون الطعام، ثم بدأوا برصه أمام الجميع بطريقة منمقة للغاية، وانصرفوا دون إحداث جلبة..
وضع أوس يده على جيب بنطاله الجينز الأمامي ليتفقد هاتفه المحمول، ولكنه لم يجده، فزفر في ضيق، ثم قال بصوت جاد وهو محدق بأعضاء الوفد:
-I am sorry , but I need to get my cellphone ( بأعتذر، ولكني بحاجة للحصول على هاتفي )
ثم مط فمه قليلاً، وتابع مبرراً:
-All the data on it , just give me 5 minutes ( كل البيانات الخاصة بالعمل موجودة عليه، فقط اعطوني 5 دقائق لإحضاره )
أومأ له رئيس الوفد برأسه قائلاً بإبتسامة هادئة:
-Take your time, sir ( خذ وقتك سيدي )

في الفيلا القابعة بالمنتجع
إستغلت تقى الفرصة بعد أن أحضر لها الحارس طعام الغذاء في تبديل ملابسها، والتنعم بحمام دافيء.. خاصة وأن أوس الجندي لن يعود إلا ليلاً.. فأمامها مساحة من الوقت لتفعل ما تريد دون أي إزعاج منه..
فتحت هي الحقيبة الخاصة بها، ونظرت إلى الثياب الموضوعة بداخلها..
ثم تنهدت في إنهاك وهي تحاول إنتقاء المناسب لها..

هزت رأسها بقبول وهي تسحب تلك المنامة الحريرية ذات اللون الأحمر الداكن منها.. ثم تركتها على الفراش، وإتجهت نحو المرحاض بعد أن نزعت ملابسها..
أغمضت تقى عينيها، وإسترخت بداخل المغطس بعد أن ملأته بالمياه، وأسندت ذراعيها بجوار جسدها.. وتركت للماء الدافيء الممزوج بالصابون السائل والمنعش الدور في تليين عضلاتها المتشنجة..
شعرت براحة عجيبة بعد بضعة دقائق من الهدوء التام بداخله..
حاولت ألا تفكر في شيء حتى لا تعكر صفو تلك اللحظات الجميلة..

في نفس التوقيت، وصل أوس إلى الفيلا بسيارته، وصفها أمام المدخل، ثم ركض بخفة في إتجاه الممر، ثم دلف إلى الفيلا..
إشرأب بعنقه لينظر إلى تقى في التراس وهو يتجه نحو الدرابزون، ولكنه لم يدقق النظر ليتأكد من وجودها.. حيث كان على عجلة من أمره، ونظر في ساعته لأكثر من مرة ليعرف التوقيت..

نهضت تقى من المغطس، ولفت جسدها بالمنشفة العريضة، ثم سحبت منشفة أخرى قطنية لتجفف بها شعرها المبتل..
نظرت إلى نفسها في مرآة المرحاض، فلاحظ تورد وجهها من جديد، وإنتشار الدموية به.. فإبتسمت لنفسها برضا.. ثم أحنت رأسها للأمام لتكمل تجفيف خصلات شعرها من الخلف..

وصل أوس إلى الغرفة، ودلف إلى الداخل وهو مركز تفكيره في إستخراج هاتفه من بدلته التي نزعها قبل أن يخرج، وتركها على الأريكة الوثيرة..
وبالفعل وجد هاتفه، وعبث به ثم دسه في جيبه، وإستدار عائداً للخارج..
ولكن لفت أنظاره تلك المنامة الحمراء الموضوعة على الفراش، فقطب جبينه بإستغراب، وضيق عينيه في فضول، وإتجه نحوها..
مد أوس أصابعه ليتحسسها.. ثم رفعها عن الفراش، وقربها من وجهه، وأغمض عينيه وهو يلامسها بوجهه..
وأخذ نفساً عميقاً حبسه في صدره، وتخيل زوجته وهي ترتديها له كزوجين طبيعين، فإلتوى فمه بإبتسامة عفوية..

أمالت تقى رأسها للأمام وهي تقوم بربط المنشفة عليها، ثم أدارت مقبض الباب لتخرج من المرحاض، و...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والخمسون

ولجت تقى إلى الغرفة وهي تعيد وضع المنشفة القطنية على شعرها المبتل.. وفجأة تسمرت في مكانها مصعوقة، وإتسعت حدقتيها في رعب حينما رفعت رأسها للأعلى لتجد أوس واقفاً أمامها وممسكاً بتلك المنامة..
إرتجفت شفتيها بشدة، ودبت قشعريرة قوية في جسدها، وشحب لون بشرتها بطريقة ملفتة، وخفق صدرها صعوداً وهبوطاً بإضطراب ملحوظ..
إستنشق أوس تلك الرائحة المنعشة للصابون التي ملأت أنفه، ففتح عينيه على الفور ليراها تقف مشدوهة أمامه..

أخفض عينيه تدريجياً – وعفوياً – على جسدها المبتل، ودقق النظر في بشرتها البيضاء المغرية، ورأى جسدها الملفوف بحرفية مثيرة في المنشفة، فسيطرت عليه رغبة معانقتها عناقاً طويلاً، ومزج جسديهما معاً ليصيرا كياناً واحداً.....
ضمت تقى يديها بصورة لا إرادية إلى صدرها محاولة إخفاء مفاتنها من نظرات عينيه القوية والمسلطة عليها بطريقة أرعبتها وذكرتها بفعلته النكراء..
وتراجعت بخطوات حذرة - ومرتبكة للغاية - إلى الخلف..

مد أوس يده أمام وجهها قائلاً بجدية بعد أن لاحظ خوفها البائن في نظراتها المحدقة به:
-ماتخفيش.. أنا مش هاعملك حاجة !
هزت رأسها مستنكرة، وأجابته بصوت مرتجف:
-إنت.. إنت..لألألأ !
هتف قائلاً بصوت صارم:
-تقى، اهدي أنا مش جايلك !
ثم أدار رأسه للجانب، وتابع قائلاً بجدية أقل:
-أنا بس نسيت موبايلي وآآ..

قاطعته بصراخ حاد وقد أدمعت عينيها رعباً:
-إنت كداب.. آآ.. إنت استغفلتني، و.. وآآ.. وعملت الهيلمان ده كله عشان تكرر إنتقامك مني
فغر فمه مندهشاً بعد ظنها السيء به، وإحتقن وجهه نوعاً ماً، وصاح قائلاً بإعتراض:
-مش حقيقي، أنا قولتلك آآ....
قاطعته وهي تصرخ بجنون:
-لييييه ؟ حرام عليك !

خفق قلب أوس بقلق بالغ عليها بعد رأى تلك الحالة المذعورة المسيطرة عليها
فاقترب منها بخطوات حذرة وهو يقول بإستعطاف:
-اسمعيني يا تقى، أنا مكونتش جايلك، أنا آآ..
هتفت مقاطعة إياها بصوت متشنج ومختنق وهي تحدجه بنظراتها الإحتقارية:
-أنا بأكرهك، وهافضل أكرهك لحد ما أموت !
ثم أولته ظهرها، وركضت عائدة إلى داخل المرحاض، وصفقت الباب دون تردد، وأوصدته من خلفها، وإستندت عليه بظهرها.. وفردت ذراعيها عليه وظلت تشهق بصوت مرتفع..

إبتلع أوس غصة أشد مرارة عن ذي قبل في حلقه، وهتف بصوت محتد:
-استني يا تقى !
أجهشت هي بالبكاء الحارق، وتنهدت بصراخ، فزاد حزنه وآلمه عليها..
إختنق صدره من صوت بكائها، ووضع يديه على رأسه، وضغط عليها بعصبية وهو يدور حول نفسه حائراً في كيفية التصرف معها لتهدئتها..
كم يبغض أن تصير الظروف كلها ضده، ويصبح دائماً في نظرها الجلاد القاسي الذي نفذ فيها حكم الإعدام.. ويعجز عن إثبات صدق نواياه معها..

صر على أسنانه غاضباً، وإتجه إلى باب المرحاض، وأمسك بمقبضه بيد، وظل يديره محاولاً فتحه، وكور قبضة يده الأخرى ليطرق بها على الباب بقوة وهو يقول بإنفعال:
-افتحي يا تقى
صرخت قائلة بنشيج جلي وعينيها مغرورقتان بالدموع:
-سيبني أمشي من هنا !
إزداد ضيقه وهو يستمع إلى شهقاتها الموجعة، فهدر قائلاً بنبرة شبه مهددة:
-تقى، لو مافتحتيش الباب ده هاكسره !

شهقت بفزع وهي تكتم فمها بكفيها، وإنتفض جسدها بذعر.. ونظرت حولها بنظرات زائغة..
شعرت تقى أنها محاصرة منه، لا مفر لها من قبضته التي لا تغفر من أساء له..
تكررت مشاهد إغتصابها أمام عينيها.. وزادت رجفتها أكثر..
تسارعت دقات قلبها بصورة مقلقة، وإمتزجت مع صوت طرقات قبضه العنيفة على الباب..
إبتعدت برعب عن الباب، ونظرت له بهلع.. وظلت تنتفض بخوف في مكانها..

تشبثت بالمنشفة بقوة، ولامت حالها لأنها غفلت عن أخذ ما تستر به جسدها من عينيه القاسيتين التي تخترق جسدها وتعريها أكثر وأكثر..
وقعت عينيها على المناشف المرصوصة بالجانب، فجذبت واحدة أخرى، ولفتها حول كتفيها، وضمتها بقبضة يدها المرتعشة.. وحدثت نفسها قائلة بإرتعاد:
-لازم اهرب من هنا، مش هايدبحني تاني، مش هاخليه يموتني تاني !
ثم جابت بعينيها المرحاض محاولة البحث عن وسيلة للفرار..
فلم تجد سوى نافذة علوية أعلى المغطس، متوسطة العرض و مغلقة من الداخل، وموضوع عليها ستارة بلاستيكية زرقاء..

هتفت لنفسها قائلة بإصرار:
-ماقدميش إلا أنط، الموت أرحم من إنه يحط ايده عليا !
هرعت تقى ناحية المغطس، وصعدت على حافته بحذر، ثم مدت ساقها الأخرى لتقف على الحافة الموازية فتحافظ على توازنها ولا تسقط..
كما أسرعت برفع ذراعها للأعلى لتتمكن من فتح مقبض النافذة.. وظلت ضامة بيدها الأخرى لطرفي المنشفة المغطية لكتفيها.. ولكن كان المقبض مرتفع، فشبت بنفسها للأعلى محاولة الإمساك به

إنقبض قلب أوس بقلق بالغ حينما لم يجد أي رد من تقى عليه، فخشي أن يكون أصابها مكروه ما، وفقدت وعيها، فهتف صائحاً بذعر وهو يحاول فتح الباب عنوة:
-تقى، ردي عليا، تقى !
لم يمهل نفسه وقت للتفكير، فقد توقع الأسوأ لها، لذا تراجع مسرعاً عدة خطوات للخلف، وإندفع بقوة رهيبة نحو الباب ليرتطم به بجسده محاولاً تحطيمه..

فزعت تقى في مكانها وهي تستمع إلى صوت الإرتطام القوي.. وشهقت مذعورة، وتلاحقت أنفاسها بخوف أشد، وكادت أن تفقد توازنها..
ولكنها تماسكت، وظلت " تعافر " من أجل فتح المقبض، فقد كانت ترتجف بشدة، فعجزت عن فتحها بسهولة..

تراجع أوس مجدداً للخلف، وإنطلق بإندفاع عجيب نحو الباب ليصطدم به ويتمكن من فتحه...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
دلفت السكرتيرة إلى داخل مكتب عدي وهي تتهادى في مشيتها إلى أن وقفت قبالة مكتبه، وقالت بصوت خافت:
-عدي باشا، في واحدة برا منتظرة حضرتك إسمها عفاف !
هب واقفاً من مقعده، وصاح بتلهف وهو يشير بيده:
-عفاف ! دخليها بسرعة !
إبتسمت له وهي تجيبه:
-حاضر يا فندم.

ثم سارت عائدة نحو الباب لتهتف قائلة بهدوء:
-اتفضلي يا مدام، الباشا منتظرك
-شكراً
قالتها عفاف وهي تبتسم إبتسامة مجاملة للسكرتيرة أثناء دخولها المكتب..
مد عدي يده ليصافحها قائلاً بنبرة مرحبة:
-ازيك يا مدام عفاف، اتفضلي
-أنا بخير يا عدي باشا، أؤمري
أشار لها بيده لتجلس على الأريكة الجلدية العريضة قائلاً بجدية:
-اقعدي بس الأول
أومأت برأسها موافقة وهي ترد بصوت خافت:
-حاضر.

-مدام عفاف، أنا كلمتك وطلبت أشوفك عشان خاطر ليان !
هزت رأسها بخفة وهي تجيبه بنبرتها الهادئة:
-أيوه، ماحضرتك قولتي ده في التليفون !
مط فمه ليجيبها بصوت جاد وهو محدق بها:
-تمام، بس الحقيقة أنا كنت عاوز أسألك عن حاجة تانية تخص ليان ومهمة بالنسبالها جداً
قطبت جبينها في حيرة، وهتفت قائلة بإهتمام:
-اتفضل !
تنحنح بخفوت، ثم أردف قائلاً بحذر:
-تهاني !
ردت عليه بنبرة جادة وهي جامدة الملامح:
-مين ؟

حدق بها عدي وهو يتأمل ردة فعلها، وتابع قائلاً بصوت رخيم:
-تعرفي ايه عن تهاني دي يا عفاف
إرتكبت قليلاً، وزمت ثغرها.. وأجفلت عينيها متحاشية النظر نحوه، فأعاد سؤالها بإصرار:
-مدام عفاف، أنا مش فارق معايا تهاني دي، بس لأن ليان تهمني، وعلاجها ممكن يكون متوقف على وجود الإنسانة دي في حياتها فأنا عاوز أعرف تقربلها إيه !
ابتلعت ريقها بتوتر.. ونظرت له بقلق وهي تجيبه متوجسة:
-أنا.. معنديش أوامر أتكلم عنها أو عن أي حد !
سألها بإستغراب شديد وهو يتفرس في تعابير وجهها الغامضة:
-أوامر من مين ؟

ردت عليه بنبرة دبلوماسية وهي تفرك أصابع يديها بتوتر:
-مش من حد معين، بس إتعودت إن أي أسرار أعرفها ماتطلعش برا
إبتسم لها بإعجاب من أخلاقها النبيلة، وهتف قائلاً بإمتنان
-ده شيء عظيم !
ثم إنحنى بجسده نحوها، وتابع قائلاً بنبرة شبه راجية:
-بس.. بس لو السر اللي هاتقوليه ده يعتمد على حياة إنسانة غالية عندي وزي بنتك، هتتأخري عنها ؟!

-هاه
أضاف عدي قائلاً بإهتمام واضح في نبرته وقسمات وجهه، وحتى نظراته:
-مدام عفاف، إنتي شوفتي حالة ليان بقت عاملة إزاي، وأنا نفسي ترجع زي زمان، ونعيش حياتنا أنا وهي بطريقة طبيعية
صمت للحظة منتظراً ردها عليه، فأدرك أنه قاب قوسين أو أدنى من إقناعها، فأكمل قائلاً بجدية وهو مسلط أنظاره العميقة عليها:
-وأوعدك اللي هاتقوليه محدش هايعرف حاجة عنه حتى أوس !
همست قائلة بتلعثم ناظرة إليه بقلق:
-بس..آآ..

هز رأسه قائلاً بصوت هاديء وجاد:
-صدقيني يا مدام عفاف، ليان بالنسبالي بقت أهم حاجة في حياتي، وهاعمل اللي أقدر عليه عشان تخف، و نكمل حياتنا !
ظلت عفاف صامتة لبرهة تفكر بعقلانية فيما قاله، ثم حسمت أمرها قائلة بهدوء:
-خلاص يا باشا، أنا هاقولك !

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
اقتحم أوس المرحاض بعد أن تمكن من تحطيم بابه، وبحث بعينيه سريعاً عن تقى، فوجدها تحاول تسلق النافذة والفرار منها.. فإتسعت حدقتيه في صدمة، وهتف قائلاً بصوت جهوري:
-تقى !
لم تنظر هي نحوه، بل أكملت محاولتها البائسة في الهروب والذود بنفسها منه حتى لو كان مصيرها الموت...

ودون لحظة تردد واحدة، إندفع أوس نحو المغطس، ومد ذراعيه ليحاوطها من خصرها، ثم أنزلها عنوة من الأعلى..
صرخت تقى بإهتياج عنيف، وركلت بساقيها في الهواء، قائلة:
-لألألألأ.. !
أنزلها أوس على ساقيها، ولكنه لم يفلتها، بل أدارها لتواجهه، وحاول إحتواء إهتياجها العصبي بضمها بقوة إلى صدره، ومعانقتها بشدة..
إزدادت قوة صرخاتها، وضرباتها بيدها العاجزيتين لصدره وهي تهتف بجنون:
-ابعد عني، لألألألأ !

لم ينبس أوس بكلمة واحدة، بل إستمر في تطويقها بذراعيها، وثبت رأسها في صدره بطرف ذقنه.. وتحامل على نفسه خدشها له بقسوة، وعض على شفتيه بقوة محاولاً تهدئة نفسه، والسيطرة على نوبة هياجها..
مع كل لحظة كانت هي فيها في أحضانه، زادت حدة أنفاسها وذعرها بسبب خوفها من تكرار مأساة إنتهاك إنسانيتها..
أُعتصر قلبه آلماً من هلعها المبرر منه.. وحبس أنفاسه المحسورة على حالها..
فقد إفترسها بشراسة ذئاب لا تغفر لمن تخطى المحظور وتجرأ على مواجهتهم..

لذا ليس من الغريب أن تقاومه حتى أخر أنفاسها..
شعرت تقى بعظامها تعتصر من قوة ضمه إليها، وبأنفاسها تختنق في صدره، ويئست من تحرير نفسها منه..
لم تردْ أن تعيش تلك التجربة الموحشة من جديد وهي واعية.. فيكفيها عذاب أول مرة.. وويلاتها..
لذا لم يعد أمامها أي خيار سوى الإستسلام لقرار عقلها بالإنسحاب عن الواقع الملموس، وفقدان الوعي..
شعر أوس أنها إستكانت فجأة في أحضانه بعد دقائق من المقاومة الشرسة له..
فنظر لها بتوجس، فرأها قد غابت عن الوعي، فخفق قلبه رعباً عليها، وهتف قائلاً بذعر:
-تقى.. تقى !

ضربها بخفة على وجنتها لعلها تستجيب له، لكن بشرتها كانت باردة كالثلج، وشفتيها تميل للزرقة.. فتملكه الهلع عليها.. وإنحنى ليحملها من أسفل ركبتيها، ثم سار بها مسرعاً إلى خارج المرحاض..
أسندها أوس على الفراش، وأسرع بتدفئة جسدها بالأغطية الموضوعة..
ثم ركض كالمجنون نحو حقيبة السفر ليبحث فيها عن أدوية العلاج الخاصة بها والتي أوصاه الطبيب مختار بإستخدامها في حالة حدوث طاريء لها..

وبالفعل وجد غايته، وأسرع بإخراج إبرة طبية نظيفة، وإنتزع غطائها بفمه، وحقنها بالكمية المطلوبة من العقار الطبي..
ثم هرول عائداً إلى الفراش، وجثى على ركبته، وسحب ذراعها، ثم قام بغرز الإبرة فيه بحذر..
وما إن إنتهى حتى أسند الإبرة على الكومود، ونظر إليها بندم شديد، ومسد بيده على جبينها قائلاً بأسف:
-صدقيني يا تقى، أنا مقصدش أخوفك بالشكل ده !
ثم نهض عن الأرضية، وجلس على طرف الفراش، وتابع قائلاً بصوت مختنق وهو يمسح على وجنتها براحته:
-سامحيني يا تقى لو فكرتك باللي حصل.. سامحيني !

لاحقاً، تململت تقى في الفراش، وتمطعت بذراعيها، ثم تثاءبت بخفوت وهي تفتح جفنيها..
ثم رمشت بعينيها لعدة مرات محاولة تذكر ما حدث، فقد شعرت أن هناك أمراً ما غريباً قد حدث..
نظرت إلى ذراعها المغطى بأكمام زرقاء بإستغراب..
وجاهدت لتعرف كيف إرتدتها..

ثم هبت من نومتها بقلق بالغ، وأزاحت الغطاء عنها لتنظر إلى هيئتها بذعر، فقد تذكرت ما حدث لها تواً..
إبتلعت ريقها بخوف، وجابت بعينيها المكان متوجسة وتلمست جسدها بيدين مرتعشتين لتتأكد من عدم إصابتها بمكروه..
ثم إنتفضت في مكانها حينما رأت أوس يدلف إلى الغرفة وهو متأنق بشكل مريب ويرتدي حلته الرمادية الداكنة، ومن أسفلها قميصه الأسود..
إنكمشت على نفسها،وضمت ساقيها إلى صدرها بقلق بالغ..
وسلطت أنظارها المذعورة عليه..

بدى أوس غريباً وهو ينظر لها ببرود، ثم أردف قائلاً بنبرة ساخرة:
-كل ده نوم، ما صدقتي تنامي هنا بالساعات !
رمشت بعينيها في عدم فهم، وتابعته وهو يتحرك نحو التسريحة العريضة بتوجس شديد..
حدق أوس إلى إنعكاس صورته في المرآة، وأمسك بالمشط، وأعاد تمشيط شعره، ثم ألقاه دون إكتراث على التسريحة، وإلتفت إليها قليلاً لينظر لها من طرف عينه قائلاً بصوت رخيم:
-عاوزك تلبسي حاجة مناسبة عشان عندنا عشاء عمل، وماتقوليش لأ !

فغرت شفتيها المرتجفتين بصدمة، ونظرت له بحيرة وهي تهمس:
-هاه، ع.. عشا !
اقترب منها بعد أن دس يديه في جيبي بنطاله، ثم أضاف قائلاً بصوت جاد:
-ايوه، ده شغلي، وأنا مفهمك قبل ما نيجي، إنك معايا هنا في شغل، فيا ريت تجهزي بسرعة !
ثم أخرج يده اليسرى من جيبه ليرفعها أمام وجهه ونظر إلى ساعة يده قائلاً بجدية:
-معاكي 10 دقايق تلبسي فيهم، وأنا مستنيكي تحت.

شعرت تقى بالريبة مما يحدث، فأخر ما تتذكره هو إقتحام أوس للمرحاض، ثم تمكنه منها، وغيابها عن الوعي..
نظر لها أوس بجمود عجيب وكأن شيئاً لم يحدث، ثم تركها وإنصرف دون أن يضيف كلمة أخرى ومزيداً من حالة الغموض لديها..
إنتفضت هي من على الفراش بعد رحيله، وأسرعت ناحية المرحاض لتتأكد من عدم توهمها لتلك الذكريات القريبة..
وتسمرت في مكانها مصدومة، وإنفرجت شفتيها للأسفل في عدم تصديق حينما دققت النظر في باب المرحاض، وتفاجئت بأنه كما هو، لم يصيبه سوء..

نزل أوس على الدرج وعلى وجهه إبتسامة عابثة لم يستطع إخفائها أكثر من هذا.. فقد نجحت خطته بدرجة كبيرة، وإنطلت الخدعة على تقى.. وإلتوى فمه وهو يحدث نفسه بثقة وتفاخر:
-مش أي حد ينفع يكون أوس الجندي !

بعد فقدان تقى لوعيها وحقنها بمادة طبية مهدئة، أسرع أوس بالتفكير في حل سريع لما حدث..
هو لا يريد تكرار تلك المأساة معها، والوصول إلى مرحلة خطيرة في حالتها النفسية.. لذا هداه تفكيره إلى التصرف بحنكة معها، وإصلاح ما حدث..
قام أوس بإحضار منامة حريرية أخرى من الحقيبة، من اللون الأزرق، وذات أكمام طويلة، وعاد إلى الفراش، وبحذر شديد قام بنزع المنشفة الأولى التي تغطي كتفيها، فأغراه جسدها العاري، وتلمس بشرتها بتوتر فزادت رغبته فيها..

ولكنه قاوم هذا الشعور بشدة وأغمض عينيه محاولة إبعاد أي فكرة مثيرةعن عقله.. وأخذ أنفاساً عميقة، وحبسها في صدره، وزفرها على مهل شديد ليضبط حاله..
فرد الكنزة الخاصة بالمنامة، وحلها من أزراها، ثم لفها حول كتفي تقى، وقام بإلباسها إياها من ذراعيها.. وأحكم غلقها عليها، ثم بتوتر رهيب إنتزع عنها المنشفة الأخرى التي تغطي بقية جسدها.. وأكمل تلبيسها باقي المنامة..

ركز أوس كل تفكيره أثناء فعل هذا على عدم الإنجراف وراء أي أفكار مهلكة..
وبعد أن إنتهى، قام بتغطيتها جيداً حتى يضمن تدفئتها..
ثم أسرع بإبعاد المنامة الحمراء وتخلص منها، وأمسك بهاتفه المحمول، هاتف إدارة المنتجع قائلاً بجدية وهو مسلط أنظاره على زوجته:
-عاوز حد من الصيانة يجي فوراً..!
كذلك إعتذر عن حضوره لمأدبة الغذاء مع الوفد الأسباني ليشرف بنفسه على إتمام كل شيء وفق رغبته.....
كما قام بإحضار المجفف، وتجفيف شعرها المبتل حتى لا يتجعد ويفضح أمره..

وبالفعل قامت إدارة المنتجع بإرسال عمال الصيانة حيث قاموا بإصلاح باب المرحاض، وتبديل التالف من المقابض..
ثم طلب أوس منهم تغيير ستائر المرحاض إلى لون وشكل أخر..
وتم ما أمر به في أقل من ساعة حيث تم إرسال عاملة أخرى ومعها ستائر بديلة من اللون البيج والمنقوشة بخيوط بنية..
كما تخلص من جميع المناشف الموجودة بالمرحاض وإستبدالها بأخرى نظيفة وجديدة ومختلفة الشكل، وأيضا تم تبديل الشامبو وسائل الإستحمام إلى أنواع أخرى مختلفة في الرائحة وتصميم الزجاجة.....

تنهد أوس في إرتياح بعد تأكده من تغيير كل شيء، وعاد إلى الجلوس إلى جوار زوجته على الفراش، وأمسك بكفها بين راحتيه، ثم رفعه إلى فمه وقبله بحنو شديد وهو يضيف بهمس:
-مش هاتفتكري معايا أي حاجة تضايقك تاني مني...!

عودة للوقت الحالي
غرست تقى أصابعها في فروة رأسها، وحكت رأسها بحيرة، وعقدت ما بين حاجبيها في إندهاش واضح وهي تتأمل المرحاض بنظرات فاحصة..
ثم حدثت نفسها قائلة بإستغراب:
-استحالة أكون حلمت بكل ده...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والخمسون

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
جاب أوس الصالة الواسعة ذهاباً وإياباً وهو يزفر بصورة متوترة، ثم رفع رأسه للأعلى ليرى إن كانت تقى قد إنتهت من إرتداء ملابسها، وفي إتجاهها للنزول..
تحسس بيده طرفي ياقة قميصه الأسود، وتأكد من غلق غالبية أزراره حتى لا تنتبه هي إلى تلك الخدوش التي أحدثتها بصدره حينما كانت تحاول تحرير نفسها من أحضانه..
نظر إلى ساعة يده وهو يحدث نفسه بضيق:
-ممم.. 5 دقايق وأطلع أشوفها !

في نفس التوقيت كانت تقى تقف مشدوهة على عتبة المرحاض غير مستوعبة أن ما عاشته كان مجرد حلماً لا أكثر..
دلفت إلى داخل المرحاض، وتأملته بنظرات دقيقة، وخاصة ستائر النافذة ذات اللون البيج، وتلمستها بأصابعها وهي تضيق عينيها في حيرة، ومحدثة نفسها بإندهاش ب:
-غريبة ! الستاير لونها وشكلها غريب !

إلتفتت برأسها ناحية سائل الإستحمام والشامبو، وزاد إنعقاد ما بين حاجبيها حينما رأت العبوات مختلفة في النوع والشكل – وكذلك الرائحة – وتابعت حديث نفسها بإنهاك ب:
-الظاهر إن تعب اليوم طلع عليا ! ماهو مش ممكن أكون اتوهمت ده كله، ومافيش حاجة حصلت !
عادت أدراجها إلى الغرفة، ومطت شفتيها للأمام وهي تحاول تذكر أين وضعت حقيبة سفرها.. فرأتها في زاوية الغرفة..
فسارت ناحيتها بخطوات متهادية، ثم جثت على ركبتيها، وبدأت تتفقد ما بها من ملابس..

أمعنت النظر في الثياب الجديدة، وهمست قائلة لنفسها:
-أنا هالبس حاجة طويلة، مش عاوزة أحس إن عينيه شايفة جسمي، كده أضمن !
وبالفعل أخرجت تقى من الحقيبة بنطالا قماشيا يشبه التنورة في تصميمه ولكن أرجله واسعة من اللون الأسود، وبه حزام عريض فضي.. وإنتقت كنزة بيضاء اللون ومتوسطة الطول من الحرير ذات أكمام قصيرة، ومن أعلاها قررت إرتداء " كارديجان أسود " – أي سترة قماشية طويلة تغطي الأرداف وما بعدها بمسافة معقولة – وذي أكمام طويلة فضفاضة لتضمن تغطية جسدها وعدم تجسيم تفاصيله..

إبتسمت تقى لنفسها في رضا بعد أن وجدت مبتغاها، ونهضت عن الأرضية، ثم أمسكت بالثياب بكلتا يديها، ودلفت إلى المرحاض لتبدل ملابسها على عجالة..

زفر أوس مجدداً من الضيق، ونظر في ساعته بتوتر.. وأردف قائلاً بإنزعاج:
-الظاهر صنف الستات واحد، في التأخير أساتذة !
ظل يركل الأرضية اللامعة بمقدمة حذائه الأسود، ثم أخرج هاتفه المحمول من جيبه، وظل يعبث به محاولاً إلهاء نفسه..

نظرت تقى إلى إنعكاس صورتها في المرآة بإنهبار واضح في نظرات عينيها.. فقد كانت الثياب مناسبة لها بشكل غير معقول.. فتلك هي المرة الأولى التي ترتدي ملابساً باهظة الثمن، ومن ماركات عالمية..
فجل ما إرتدته كانت تشتريه بصحبة والدتها من الأسواق الشعبية أو من سوق المستعمل إن تعذر الحال..
تغنجت بجسدها قليلاً لتتأكد من عدم بروز أي مفاتن لها أثناء حركتها..
رمشت بعينيها مذعورة حينما تذكرت أنها لم تؤدي فرائض اليوم، فأسرعت بالوضوء، وتجفيف وجهها، ثم بحثت عن حجاب لائق لترتديه..
ومع هذا وقفت حائرة في مكانها، فهي لا تعرف إتجاه القبلة، فحكت رأسها بضيق، وزمت ثغرها قائلة:
-طب أستدل عليها إزاي، مممم..

إلتفتت برأسها للجانب لترى الشرفة، فإبتسمت لنفسها بثقة، وهتفت بحماس:
-أيوه صح، انا فاكرة لما بابا قالي حددي القبلة من اتجاه البحر
دلفت تقى إلى الشرفة، وإستندت بكفيها على حافتها، وحدقت أمامها بإهتمام لتحدد إتجاه البحر، وإبتسمت لنفسها بسعادة حينما تذكرت كيف تمكنت بسهولة من تحديد إتجاهها..
عادت للغرفة، وإتخذت وضعية الصلاة، ثم أقبلت عليها بشغف صادق، وخشعت للمولى وهي تؤديها..

إستدار أوس برأسه للخلف بعد أن تجمدت ملامحه وقد دار في خلده أن تكون تقى قد تهورت وإرتكبت حماقة ما..
فإتسعت حدقيته برعب، وحدث نفسه قائلاً:
-لأحسن تكون هربت تاني !
أسرع ناحية الدرابزون، وصعد عليه ركوضاً، ووصل إلى الغرفة..
كان بابها موارباً، فسار على أطراف أصابعه، وإختلس النظرات من فتحته الضيقة محاولاً رؤيتها أو حتى سماع أي أصوات تصدر من الداخل تشير لها.. ولكن كان كل شيء ساكناً بطريقة مريبة..

إنقبض قلبه بشدة، ولم يتردد في فتح الباب والدخول..
ولكنه تسمر في مكانه مصدوماً حينما رأها ساجدة..
إقشعر بدنه بصورة عجيبة وهو يراها على تلك الوضعية.. فهو نادراً ما رأى أحداً من أهله يصلي أو يتضرع للمولى، وكأنهم في عالم أخر.. حتى شهر رمضان بالنسبة لعائلته كانت مجرد وسيلة للظهور إعلامياً بأنهم من محبي فعل الخيرات لا أكثر ولا أقل..
لم يحيد بعينيه عنها، وشعر بأن هناك هالة ما مميزة تحيط بها، وتضفي عليها نوراً غريباً..

فرغم كل ظروفها الطاحنة وما مرت به من مآسي معه إلا أنها لا تزال كما هي تقية نقية تحافظ على صلاتها..
الصلاة.. أيخجل أن يقول لها أنه لم يتعود على أدائها، بل إنه لم يؤديها مطلقاً..
-الله أكبر..!
قالتها تقى بصوت رقيق وخافت وهي تعتدل في سجودها، فزدات قشعريرة أوس، وإهتز كيانه بالكامل، وتراجع بخوف للخلف..
لم يدرْ ما الذي أصابه فجأة، ولكنه أدرك أن هناك فجوة كبيرة بينهما.. إنهما مختلفان في كل شيء.. بل هما النقيضان..
هو الذي يتباهى أمام الجميع بعنفه وتسلطه وجبروته وقوته المفرطة وإرتكابه للفواحش والموبقات.. ولكنه من الداخل أضعف من طفل صغير عاجز عن حماية نفسه..

أما هي فرغم وهنها وضعفها وحالة الإنكسار المسيطرة عليها، إلا أنها أقوى داخلياً، وأنقى روحياً، ومعها سلاح يعيد تشكيل قوتها كلما إنهارت.. هو سلاح التقوى والإيمان..
أطرق رأسه في خزي، وأعاد غلق الباب بهدوء، وحدث نفسه قائلاً بحزن:
-هي إزاي كده ؟ ده أنا.. أنا جمبها شيطان !
أغمض عينيه، وأخرج تنهيدة حارة من صدره، ثم عاود السير وإتجه نحو الدرج وهو يجرجر أذيال خيبته..

إنتهت تقى من الصلاة، ودعت الله بإخلاص قائلة وهي ترفع كفيها للأعلى وبصرها للسماء:
-يا رب نجيني من الهم اللي أنا فيه على خير، يا رب احميني منه، وعيني عشان أرجع لأهلي !
مسحت وجهها بعد أن فرغت من دعائها، ونهضت عن الأرضية لتبحث عما ترتديه في قدميها..
نظرت مجدداً إلى داخل الحقيبة، فوجدت جيباً خاصاً بالأحذية، فإبتسمت قليلاً، ولكن إختفت إبتسامتها حينما وجدت أن غالبيتهم من الكعوب العالية والرفيعة..
فركت عينيها في ضيق، وحدثت نفسها بضجر:
-وده هالبسه إزاي ؟ ده أنا طول عمري بألبس شباشب يا جزم في الأرض !

في النهاية حسمت أمرها بإختيار ما يتناسب مع لون ثيابها، ومشيت بخطوات حذرة تجاه المرآة لتعدل من وضعية حجابها، وتعقده بطريقة مناسبة..
ثم سارت ببطء شديد في إتجاه باب الغرفة وهي تتمتم بخفوت:
-يا رب ما أقع وأنا ماشية !
أمسكت بالدرابزون ونزلت عليه بحرص شديد.. وظلت محدقة بقدميها حتى لا تزل إحداهما وتتعثر..

سمع أوس صوت وقع أقدام كعب نسائي، فعفوياً وجه أنظاره نحو الداربزون ليراها تنزل عليه بإرتباك ملحوظ في حركتها.. فإلتوى فمه بإبتسامة صغيرة، وتأمل هيئتها بإعجاب واضح.. وظل محدقاً بها لبرهة.. ثم تنحنح بصوت قوي وهو يضع يده المتكورة أمام فمه ليلفت إنتباهها..
نظرت تقى نحوه بضيق، ثم عاودت النظر إلى قدميها، وتابعت نزولها..
تحرك أوس في إتجاه الدرج، ومد يده ليمسك بها أثناء نزولها الدرجات المتبقية، ولكنها نظرت له شزراً، ورفضت أن تمسك يده، وقالت بصوت خافت:
-أنا مش مشلولة، بأعرف أنزل لوحدي !

نظر لها مندهشاً من ردها الفظ، ولم يعقب، بل أرخى ذراعه إلى جانبه..
إلتفت ساقها حول الأخرى، وتعثرت وهي تنزل بقية الدرجات، وكادت أن تسقط على وجهها، ولكن أسرع أوس بإسنادها، حيث قبض عليها من ذراعيها، ومنعها من السقوط قائلاً بقلق واضح في نبرته:
-حاسبي يا تقى !
توردت وجنتيها بحمرة قوية وهي ترى صدق واضح في نظراته الخائفة عليها، ورغم رعبها المعتاد منه حينما يلمسها إلا أنها شعرت بصدق نواياه في مساعدتها فقط..
إعتدلت في وقفتها، وتبدلت ملامح وجهها للتجهم، ونظراتها للإحتقان لإستمرار قبضتيه على ذراعيها..

نظر لها بثبات، ثم أرخى أصابعه عنها.. وتنحنح بصوت خشن وهو يشيح بوجهه بعيداً عنها....
أخذت تقى نفساً عميقاً، وزفرته بتوتر.. ثم سارت بخطوات حذرة إلى الأمام وفي إتجاه الباب..
سار أوس خلفها، وظل يتأمل مشيتها المتعرجة بنظرات متسلية..
كورت هي قبضتي يدها في إرتباك كبير بسبب خوفها من التعثر مرة أخرى أمامه، واللجوء إلى مساعدته، وحاولت ألا تتسرع في خطواتها حتى نجحت في الوصول إلى باب الفيلا، فتنفست الصعداء، وأخذت نفساً عميقاً لتستعد لإكمال سيرها بعد أن فتحه أوس، وسبقها نحو السيارة..

في الحارة الشعبية
دقق عدي نظراته من نافذة سيارته الأمامية نحو مدخل الحارة الشعبية التي تقطن بها تهاني بعد أن إستدل عليه.. إلتفت هو برأسه نحو المدبرة عفاف الجالسة إلى جواره وسألها بحيرة:
-هو ده المكان ؟
هزت كتفيها في عدم تأكد، وأردفت قائلة وهي تجوب بعينيها المكان:
-بيتهيألي كده، البقال اللي كانت إدتني رقمه قالي على العنوان ده !

مط فمه قليلاً وهو يتابع بجدية:
-طيب أنا هسأل أي حد من اللي ساكنين هنا ممكن يدلنا اكتر بدل ما نتوه
أومأت برأسها موافقة إياه وهي تجيبه قائلة:
-اوكي يا عدي باشا
ترجل عدي من السيارة، وأغلق الباب بهدوء، وتلفت حوله بترقب شديد، ثم أشار بيده لأحد الباعة الجالسين على الرصيف قائلاً بصوت مرتفع:
-لو سمحت يا كابتن
إستدار ذلك البائع – بملابسه القديمة – نحوه، وهتف بنبرة عالية:
-إيييه يا باشا !

اقترب عدي منه، وتلفت حوله بحيرة وهو يضيف متسائلاً بجدية:
-بأقولك، هو آآ.. بيت الست تهاني هنا ؟
أشار البائع بيده للأمام وهو يرد عليه بصوت عادي:
-هناك، على أخر الشارع، في البيت القديم ده
هز عدي رأسه في إمتنان وهو يمعن النظر في الإتجاه المشار إليه:
-تمام، شكراً
رد عليه البائع بصوت خشن ب:
-تؤمر يا ريس
عاد عدي إلى السيارة، وإنحنى ليحدث عفاف من نافذتها قائلاً بصوت رخيم:
-طلع البيت هناك، على أخر الشارع ده
إبتسمت له عفاف وهي تردف ب:
-طب يالا بينا يا باشا
أجابها بإيجاز وهو يعتدل في وقفته:
-يالا
ترجلت عفاف هي الأخرى من السيارة، فأغلقها الأخير بالقفل الإلكتروني، وسار كلاهما في إتجاه البناية القديمة..

عند الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
توقفت سيارة أوس الجندي أمام مدخل الملهى الفاخر الذي يقع في منتصف المنتجع السياحي..
ترجلت الحراسة الأمنية من السيارة المسئولة عن تأمينه، وأسرع أحدهم بفتح باب السيارة الملاصق له، فترجل منها، ووقف على الجانب ليغلق زرار سترته.. ثم مد يده للأمام ليمسك بكف زوجته وهي تخرج من السيارة، ولكنها نظرت له بحدة، ورفضت الإمساك بكفه المدود نحوها، وترجلت بمفردها مما سبب الحرج له..
أشاح الحارس الأمني برأسه للجانب حتى لا ينظر إلى كلاهما..

في حين رمقها أوس بنظرات محتدة، وضغط على شفتيه بقوة وهو يأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على غضبه..
تحرك أوس بجسده أمامها ليسد عليها الطريق، فتسمرت في مكانها، ومال عليها برأسه، وهمس لها قائلاً بصوت محتقن:
-لو مفكرة إنك بكده بتحرجيني تبقي غلطانة، أنا قولتلكأنا مش هأذيكي، فصدقيني، لأني لو حابب أعمل ده مش هايمنعني حد !

إبتلعت ريقها بتوتر رهيب، ونظرت له بخوف، في حين إبتسم هو لها إبتسامة شرسة، ثم فرد كف يده أمامها، وأومأ بعينيه نحوه.. ففهمت من إشارته تلك رغبته في الإمساك بها أثناء دخولهما هذا المكان الغريب..
مدت تقى كف يدها المرتجف ببطء نحوه، فإلتقطته راحته، وقبضت عليه بأصابع قوية، ثم سار معها نحو المدخل..
بينما أغلق الحارس الأمني باب السيارة، وأشار للبقية باللحاق بهما..

في منزل تقى عوض الله
نظرت فردوس إلى عفاف وعدي بنظرات مريبة وهي تسألهما بصوت جاف على عتبة باب المنزل:
-انتو عاوزين تهاني ليه ؟
رد عليها عدي بإيجاز وهو ينظر لها بتفحص:
-موضوع يخصها !
زمت شفتيها بضيق، وردت عليه بصوت منزعج:
-هو أنا مش هاخلص من بلاويها
قطبت عفاف جبينها بإمتعاض، وأضافت على مضض ب:
-حضرتك إحنا جايين في خير.

أجابتها فردوس بسخط ب:
-أيوه، وبعد كده بتقلب بنصيبة
إغتاظ عدي من ردودها الفجة، فهتف بصوت شبه محتد:
-قوليلنا يا ست هي موجودة ولا لأ !
ردت عليه ببرود وهي تحدجه بنظرات غير مكترثة:
-لأ.. مش هنا !
سألها بصوت جاد وهو ينفخ بضيق:
-طب هاترجع امتى ؟
أجابته بتهكم وهي ترفع حاجبها للأعلى
-أما تخلص موال كل يوم !
نظر عدي إلى عفاف بحيرة، ثم سألها مجدداً بعدم فهم:
-يعني إيه ؟

ردت عليه بنبرة جافة:
-يعني بتخرج كل يوم من صباحية ربنا لحد أخر الليل تنوح وتولول على عيالها، وترجع تنام عشان تعيده تاني
مال عدي برأسه على عفاف، وهمس لها بصوت شبه غاضب وهو يغطي فمه بكف يده:
-انا مش فاهم حاجة من الست دي، ويا ريت تدخلي بدل ما أخنقها !
ابتسم له ابتسامة مصطنعة وهي تجيبه بإختصار:
-حاضر
نظرت عفاف إلى فردوس بنظرات جادة، ثم أردفت بصوت هاديء:
-احنا عاوزين نعرف هي بتروح فين بالظبط عشان نقابلها، لا أكتر ولا أقل.

هتفت قائلة بضجر وهي تشير بكفها:
-شوفوها عند اللي ضحكوا عليها، ووحلوا عيلتي معاها، هي متلأحة هناك طول النهار والليل
إزداد إنعقاد ما بين حاجبي عفاف، وسألتها بإهتمام:
-قصدك مين ؟
ردت عليها بسخط:
-ابنها المفتري وعيلته
إتسعت حدقتي عفاف وهي تهتف دون تردد ب:
-أوس باشا !!
تابعت فردوس حديثها بتذمر:
-ايوه هو.. كان يوم أخبر يوم ما اتشبكنا معاه، واتحطينا في الوحلة السودة دي !

في الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
بخطوات متهادية سارت تقى وهي تتأبط ذراع أوس نحو الطاولة المخصصة لهما في هذا الملهى العجيب بعد أن أجبرها على الإمساك بكفها لحين وصولهما للطابق العلوي، فأرخى قبضته عنها، وجعلها تتعلق في ذراعه..
سيطر الإنبهار على نظراتها وهي تتأمل المكان بدقة شديدة..
لم تتخيل أن يأتي يوم في حياتها وتصبح هي من رواد تلك الأماكن الخاصة بعلية القوم..
الثراء والفخامة والرقي كانت من أهم سمات هذا المكان..

الطاولات زجاجية، وحولها أرائك جلدية كبيرة ذات اللون الأرجواني الباهت، وكذلك مقاعد مريحة صغيرة على الجوانب من دون مسند..
وفي أعلى كل طاولة مزهرية رفيعة من الزجاج بها وردة بيضاء مميزة، وشموع مضيئة..
وإنتشر صوت موسيقى شهيرة هادئة في أرجاء المكان..
كانت الطاولة الخاصة بأوس الجندي تقع في مكان مميز بالملهى، وعلى مقربة من المسرح المخصص للرقص..
تم وضع طاولة مميزة أمام الأريكة الرئيسية - أكثر عرضاً ومزدانة بمزهرية مختلفة الشكل - وعلى زوايتيها وضعت مقاعد فردية أصغر حجماً من نفس لون الأريكة، ولكنها بمساند لإعطاء راحة أكبر للجالس عليها..

اقترب مدير الملهى منهما، وهتف قائلاً بنبرة رسمية:
-نورت المكان يا باشا
رمقه أوس بنظرات باردة وهو يجيبه بإيجاز:
-أها
تابع مدير الملهى حديثه قائلاً بجدية وهو يشير بيده:
-اتفضل يا باشا، التربيذة بتاعة حضرتك هناك، والوفد الأسباني على وصول
رد عليه أوس بجمود وهو يرمقه بنظرات محذرة:
-تمام.. مش عاوز أي تقصير
هتف مدير الملهى بثقة:
-اطمن يا باشا، كلنا هنا تحت أمرك !
رد عليه أوس بإقتضاب:
-اوكي
إبتسم مدير الملهى لتقى، وأردف قائلاً بنبرة مجاملة:
-شرفتي يا هانم.

حدقت به تقى بإستغراب، وعضت على شفتيها متوترة، ولم تجبه.. فقد كانت تشعر بالغرابة الشديدة من كل ما يحدث حولها..
مال أوس برأسه نحو رأسها، وهمس لها بصوت آمر:
-تعالي !
نظرت له من طرف عينها، ونفخت في ضيق، ثم سارت معه..

أفسح لها المجال لتجلس على الأريكة المريحة في المنتصف، ولكنها إبتعدت عنه، وجلست على أحد المقاعد الفردية الموضوعة على جانبي الطاولة، فإحتقنت عينيه غضباً، وصر على أسنانه مغتاظاً منها، وكان على وشك تعنيفها، ولكنه لمح قدوم مترجم أعضاء الوفد الأسباني، فأخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل.. ورسم إبتسامة زائفة على وجهه، ثم هتف قائلاً بصوت هاديء:
-هاي، اتفضل
أسرع المترجم بالرد عليه قائلاً بلكنة غريبة:
-مرحباً بك أوس بيك، نحن سعداء لمقابلتك مجدداً.

إلتوى فمه بإبتسامة باهتة وهو يجيبه بإقتضاب:
-شكراً
أردف المترجم متسائلاً بإهتمام ب:
-ما أخبار زوجتك ؟
سلط أوس أنظاره على تقى، وأجابه بهدوء:
-تمام
ثم باغتها بلف ذراعه حول خصرها، وضمها إلى صدره ليتابع بنبرة عابثة وهو يرمقها بنظرات عميقة:
-وهي معايا بنفسها.

جحظت تقى بعينيها مصدومة من حركته المفاجئة، وإحتقن وجهها بحمرة واضحة، وعضت على شفتيها بضيق.. ثم وضعت أصابعها على كفه الملاصق لخصرها، وحاولت إزاحتهم عنها، ولكنه تشبث بها أكثر، وباغتها بإمساكها بكفها الأخر، ورفعه إلى فمه وتقبيله أمام الجميع قائلاً بمكر:
-هو أنا عندي أغلى منها !
لم تطق تقى ما يفعله معها، فسحبت يدها بضيق منه، وجلست على المقعد ونفخت بصوت منزعج
نظر لها أعضاء الوفد بتعجب، وتشدق المترجم متسائلاً بإستغراب وهو يوزع نظراته بينهما:
-هل هناك ما يزعجها ؟

أجابه بنبرة واثقة وهو يسلط أنظاره الشقية عليها:
-هي مش بتحب أني أعمل كده قصاد أي حد، بتكسف، I mean my wife is shy
ابتسم له المترجم وهو يرد بهدوء:
-أها، فهمت مقصدك
ثم إلتفت برأسه للخلف، وأضاف بصوت جاد:
-سيأتي السيد ماركو بعد لحظات
-اوكي.

هزت تقى ساقيها بعصبية واضحة، وأشاحت بوجهها للجانب لتتجنب النظر إليه.. بينما جلس المترجم على المقعد الصغير، وجلس أوس على الأريكة..
حضر مدير الملهى ومعه نادل ما، وأردف قائلاً بنبرة رسمية:
-اتفضل يا باشا، مينو المشروبات !
ثم قام النادل بتوزيع القوائم على الجالسين بحرفية، وتراجع خطوة للخلف ويديه معقودتان خلف ظهره..
لمح المترجم أعضاء وفده وهو يدلفون للملهى، فنهض من مقعده، وهتف قائلاً:
-سينيور ماركو.

لوح له السيد الأجنبي بيده وهو يبتسم، وأسرع في خطواته نحو الطاولة
بدأ المترجم في ترجمة أقوال ماركو، ورحب أوس به وبمن معه..
ثم إستدار ماركو نحو تقى، ونظر لها بإندهاش وهو يتسأل عن كنيتها، فأجابه المترجم بأنها زوجة أوس الجندي، فمدحها هو بإعجاب واضح بلكنة عربية غريبة قائلاً:
-جمالك أورينتال سينيورا
ثم مد يده ليصافحها وهو منحني نحوها قليلاً، فخجلت منه تقى، وإنزعجت من تصرفه، ورفضت أن تصافحه..

بينما إحتقن وجه أوس من تصرفه، ثم مد يده نحوه ليصافحه وهو يضغط على أصابعه بقوة قائلاً بصوت جامد وهو يرمقه بنظرات مشتعلة:
-اتفضل يا.. يا سينيور ماركو، مراتي محافظة !
ضيق ماركو عينيه في حيرة، وسأله وهو يهز كتفيه:
-لا أفهمك ؟!
قام المترجم بترجمة مقصد أوس له، فإبتسم الأخير قائلاً بمرح:
-سي.. ( نعم ) !

أشار له أوس بالجلوس على الأريكة، وأفسح له المجال ليمر..
وإنضم له رجلين أخرين، وامرأتين جميلتين، ملابسهما في غاية الإثارة..
جلس أوس إلى جوار تقى، فتنهدت في ضيق، فقد إعتقدت أنه سيجلس مع هذا الغريب على الأريكة، ولكن خابت أمالها، فقد أثر الإلتصاق بها..
نظرت إحدى المرأتين إلى أوس، وهتفت قائلة بعبث وبلكنة عربية متكسرة:
-أنا باهب ايجبت ( أحب مصر )، You men look gorgeous ( أنتم أيها الرجال تبدو رائعين ).

ثم مالت للأمام لتظهر مفاتنها واضحة أمامه وهي تتابع بصوت مغري:
-And you sir look so special and different ( وأنت تبدو مميز ومختلف عنهم )
شعرت تقى بعدم الإرتياح من حديث تلك المرأة، بينما بادلها أوس حديثاً هادئاً لم تفهم هي معظمه، وخجلت من تصرفاتها الوقحة وهي تتعمد إظهار جسدها المثير أمامه، وكذلك من ضحكاتها المستفزة.. وأجفلت عينيها في حرج..
أردف المترجم قائلاً بحماس:
-هل نطلب الآن ما نريد ؟
أشار أوس بيده قائلاً بجدية:
-أه يا ريت.

ثم قام المترجم بتوضيح رغبة أوس من الجميع بالنظر إلى قائمة المشروبات، وإختيار المناسب
أمسكت تقى بالقائمة بيدٍ مرتجفة، ونظرت إلى محتوياتها بعدم فهم..
فقد كانت الغالبية مكتوبة باللغة الإنجليزية، وهي لا تجيدها..
فعضت على شفتيها في حرج، وحركت أصابعها في حيرة على أسماء المشروبات وتهجئتها بصوت متلعثم ب:
-ب.... آآ.. با.. بارا.. ب..آآآ
إلتوى فم أوس بإبتسامة متسلية وهو يراها ضائعة في أمر تافه، وأيقن أنها لا تستطيع قراءة قائمة المشروبات، فإنحنى عليها برأسه، وهمس لها:
-أنا هاطلبلك آآ..

إلتفتت برأسها نحوه لترمقه بنظرات حادة، وقاطعته بصوت مغتاظ:
-أنا مش جاهلة، هاعرف أطلب لوحدي !
رد عليها بخفوت ب:
-اوكي براحتك، بس أنا عاوز أفهمك آآ..
لم تمهله الفرصة لإتمام جملته، حيث هتفت بصوت مرتفع وهي تشير إلى النادل بعينيها:
-لو سمحت أنا عاوزة البتاع ده !
اقترب منها النادل، ونظر إلى ما أشارت إليه بإصبعها في القائمة، فشعر بالغرابة من طلبها، وأجابها بهدوء شديد:
-حاضر يا فندم !

ثم تناول منها القائمة، فإعتدلت تقى في جلستها، ونظرت إلى أوس بطرف عينها وحدثت نفسها بثقة:
-فاكرني مش هاعرف أتصرف !
تلقى النادل طلبات أعضاء الوفد الأسباني، وإنصرف مسرعاً ليحضرها لهم..
واستمر أوس في حديثه معهم عن سوق العمل وإحتياجاته..

كانت تقى تختلس النظرات بين الحين والأخر إلى المرأة المثيرة لترى ما الذي تفعله، خاصة بعد أن بدلت مكان جلوسها لتصبح إلى جوار أوس..
سادت موسيقى صاخبة في المكان، فنظرت تقى إلى المرقص، فوجدت بعض الشباب من الجنسين يتمايلون بأجسادهم في مياعة وإنحلال، وغالبية الفتيات أجسادهن عارية، ومثيرة.. فأجفلت عينيها في ضيق.. وظلت تفرك أصابعها متوترة..
فالأجواء هنا لا تناسبها على الإطلاق.. فكل شيء متكلف ومصطنع، ومقزز بدرجة كبيرة.. وهي لم تعتد سوى على البساطة والإحتشام في كل تصرفاتها..
ولكنها تجد في هذا المكان النقيض تماماً..

حضر مدير الملهى ومعه النادل وهو يحمل صينية المشروبات، ثم أشار له ليوزع ما بها بحذر على الجميع..
فوضع هو أمام تقى مشروباً غريباً في كأس عريض، ألوانه ممتزجة، وبه مظلة صغيرة أعلاه، وعصا بلاستيكية رفيعة إلى جوارها..
ظلت هي محدقة في الكأس لفترة وعلى وجهها علامات الحيرة والإندهاش، وتسائلت مع نفسها بفضول:
-ايه البتاع ده ؟ أنا مشوفتش زيه قبل كده..!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والخمسون

في الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
نظرت تقى إلى المشروب الموضوع أمامها بحيرة شديدة، وترددت في شربه، ولكنها راقبت من حولها بتعجب، فوجدتهم يرتشفون ما طلبوه بإستمتاع غريب.. ضغطت على أصابعها في توتر، ثم تنهدت في إستسلام، ومدت يدها لتمسك بالكأس..
قربته من شفتيها، وحاولت تذوقه بحذر.. فكان طعمه إلى حد كبير لاذعاً، وتشنج وجهها منه..
وتسائلت مع نفسها بإستغراب:
-هو طعمه مزز كده ليه ؟!

ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة، وبدأت في إرتشاف ما به بتأفف بادي على تعابير وجهها..
راقب أوس حيرتها وإرتباكها بإستمتاع واضح، وحاول أن يخفي إبتسامته المتسلية وهو يمتع عينيه برؤيتها على سجيتها، ولكنه لم يستطع..
ولكن حينما وجد الأمر قد إتخذ معها منحنى جاداً، فقرر أن يتدخل فوراً، فهو لا يريد أن يضعها في موقف محرج.. خاصة أن المشروب الذي طلبته كان أحد أنواع الخمور المشهورة..
لذا إنحنى بجسده للأمام نحوها، وهمس لها في أذنها - وشفتيها ملتصقتين بالكأس - متسائلاً بمزاح:
-ها، الخمرة حلوة ؟

تجمدت تعابير وجهها لوهلة محاولة إستيعاب جملته الأخيرة.. فتابع قائلاً بتسلية:
-أصل سيادتك طلبتي كوكتيل فودكا على آآآ..
لم يكمل أوس جملته الأخيرة حيث تفاجيء بها تبصق ما ظل عالقاً في حلقها قبل أن تبتلعه أمامها بطريقة مقززة قائلة بذهول:
-لألألألأ...!
وكذلك شرقت لمحاولتها الحديث فجأة، فسعلت لعدة مرات، و أرخت أصابعها عن الكأس فسقط فوراً على الأرضية وتناثر جزء من محتوياته على بنطالها الواسع وحذائها بالإضافة إلى الأرضية..

صُدم الجميع مما فعلته تقى، ونظروا لها بنظرات إستغراب، وأخرى مشمئزة..
في حين ظلت إبتسامة أوس المتسلية بادية على وجهه.. وزادت غبطته حينما رأها لم تعاند في أمر كهذا، فهي لا تزال نقية محافظة على برائتها رغم تصرفها الطائش هذا، فلم تتهور لمجرد معاندته..

نهضت تقى مذعورة من مقعدها، وظلت تسعل محاولة لفظ ما إبتلعته من مشروب مُسكر..
تسائل ماركو بإستغراب وهو محدق بها بلكنة عربية غريبة:
-ما الأمر سينيورا ؟
لم تجبه تقى، بل أولته ظهرها، وأكملت سعالها..
نهض أوس هو الأخر من مقعده، ووقف خلفها، وأسند يده على ظهرها مربتاً عليه، وقائلاً بهدوء:
-خلاص يا تقى، ماحصلش حاجة.

نظرت هي له شزراً وهي تزيح يده عن ظهرها، ومدت يدها لتمسك بمناشف ورقية لتمسح لسانها وفمها من بقايا المشروب..
في حين رمقتها المرأة المثيرة بنظرات إحتقارية، وأطلقت سبة باللغة الإنجليزية مهينة إياها..
ولكن إلتفت أوس برأسه نحوها، وحدجها بنظرات حادة مضيفاً بغلظة وهو يشير بإصبعه محذراً:
-Hey ! Don't you dare ( إنتي ! إياكي أن تجرؤي على إهانتها )
إبتلعت المرأة المثيرة ريقها، ونظرت له بتوجس وهي تجيبه ب:
-I didn't mean.. ( لم أقصد أن آآ.. ).

تجاهلها أوس، وعاود النظر إلى زوجته قائلاً بجدية:
-في حمام في الأخر، تعالي هوديكي عنده !
لوت تقى فمها وهي ترد عليه بضيق:
-أنا م..آآ..
لم تتمكن من إتمام جملتها حيث تفاجئت بقبضة أوس على ذراعها، ثم جذبها معه بعيداً عن الطاولة، فلم ترغب في إثارة مشكلة أمام الجميع، خاصة وأنها رأت في عينيه نظرات غضب جلية.. فخشيت أن تكون تسبب في إثارة حنقه، وهو يريد تعنيفها على ما حدث..

نظرت له بتوجس ممزوج بالرعب وهي تحاول اللحاق بخطواته السريعة والحفاظ على إتزانها أثناء السير، ولكنها لم تنجح وتعثرت، وكادت أن تسقط على وجهها، ولكنها إستندت على ظهر أوس بكفها، فإستدار سريعاً للخلف ليمسك بها من ذراعها الأخر، وحال دون سقوطها، ثم زفر في ضيق وهو يهتف بصوت محتد:
-وأما انتي مش عارفة تمشي فيه، لبستيه ليه من الأول، ولا هو عِند وخلاص !

إلتوت قدم تقى بشدة، ولم تردْ إخباره بالآلم الرهيب الذي تشعر به فيها، فأدمعت عينيها عفوياً، وزادت حمرة وجهها.. وأطرقت رأسها للأسفل، فظن أوس أنها شعرت بالحرج مما حدث، لذا تابع قائلاً بضيق:
-خلاص مش قضية عشان نقلبها مناحة !
عضت هي على شفتها السفلى، وقالت بصوت مختنق:
-أنا عاوزة أروح الحمام لوحدي، مش محتاجة مساعدة منك
زفر في إنهاك من الجدال الغير مُجدي معها..

ومع هذا لم ينكر أن رؤيتها وهي خجلة تماماً ومحرجة من فعلتها الطفولية أغرته بشدة لضمها إلى صدره، وإحتضانها بين ذراعيه، وطمأنتها.. وكذلك تلمس وجنتيها الخجلتين بأصابعه، والشعور بحرارتهما عليهم..
جاهد نفسه ليصرف عن عقله تلك الأفكار المتأججة والجامحة حتى لا يتهور ويرتكب أي حماقة، وتنهد في ضيق زائف..
ثم أشار بيده للأمام قائلاً بنفاذ صبر:
-أوكي، هو هناك !

ردت عليه بإيجاز وهي تعتصر قبضتها:
-طيب
أومأ بعينيه قائلاً بجدية وهو يتأمل إضطرابها الغير مفهوم:
-يالا، روحي !
هتفت قائلة بصوت شبه محتد:
-لما تمشي الأول
زم فمه قائلاً بغيظ:
-حتى في دي !
ثم نفخ بصوت مرتفع من عِنادها المستمر، وفرك طرف ذقنه وهو يضيف بيأس:
-اعملي اللي تحبيه، وأنا مستنيكي هناك !

ثم أولاها ظهره، وإتجه عائداً إلى الطاولة.. بينما تحركت هي بحرص شديد نحو المرحاض وهي تصر على أسنانها مقاومة شعور الآلم الرهيب الذي أصاب قدمها..
رأها مدير الملهى وهي على تلك الحالة، فأسرع نحوها وهو يهتف بتوجس:
-خير يا هانم ؟ في حاجة حصلت
رفعت تقى عينيها الدامعتين لتنظر له وأجابته بإقتضاب:
-مافيش !
تابع مدير الملهى قائلاً بقلق واضح في نبرته:
-بس حضرتك.. آآ.. يعني رِجل سيادتك تعباكي ؟

ردت عليه تقى بصوت منزعج وهي تتحرك ببطء:
-مافيش حاجة
أردف هو متسائلاً بإهتمام وهو يشير بيده:
-تحبي أبلغ الباشا، واطلب مساعدة ؟
هزت رأسها معترضة، وأجابته بإصرار:
-لأ.. متقولش حاجة، أنا كويسة !
تشنج وجهها من الآلم، وأطلقت صرخة مكتومة وهي تحاول السير.. فهتف مدير الملهى قائلاً بتوجس:
-لحظة بس !

ثم فرقع بأصابعه لنادلة ما تقف على مقربة منهما، وتابع قائلاً بنبرة رسمية:
-مع الهانم بسرعة
اتجهت النادلة نحو تقى، ومدت يدها لتمسك بها، وعاونتها في السير نحو المرحاض، وسألتها بهدوء:
-هو رجل حضرتك بتوجعك ؟
أجابتها تقى وهي تعض على شفتها من الآلم:
-آآآه.. أوي
أشارت النادلة بعينيها نحو مقعد قريب، وهتفت قائلة بإهتمام:
-طيب حضرتك ارتاحي هنا، وانا هاجيبلك تلج عليها
-ماشي
تنهدت تقى في إرتياح لأنها وجدت من يساعدها دون اللجوء إلى أوس..
وجلست بحذر على المقعد، وإنحنت بجسدها للأمام لتفرك قدمها المتألمة، فصدرت منها تأوهات مكتومة..

جلس أوس على مقعده، وأسند ساقه فوق الأخرى، وأشار بعينيه لنادل ما قائلاً بجدية:
-نضف اللي وقع هنا
نظر النادل إلى حيث أشار، ورد عليه بهدوء شديد:
-على طول يا فندم !
نفخ أوس بإنزعاج من تصرفات تقى المعاندة معه، وإستدار برأسه للجانب ليحدق بنظرات فارغة في المرقص.. فباله مشغول على زوجته، وخشي أن يكون سبب لها هذا إحساساً بالإنزعاج والحرج، وأفسد الليلة دون داعي.. بالرغمن من عدم أهميته..

حاول ماركو أن يتجاذب معه أطراف الحديث، ولكن ردوده كانت مقتضبة للغاية وفاترة.. فتطرق المترجم الجالس إلى جواره إلى حديث أخر غير العمل لجذب إنتباهه،وسأله عن زوجته قائلاً بفضول:
-أخبرني سينيور أوس كيف تعرفت إلى زوجتك ؟
حدجه أوس بنظرات قوية، وسأله بصرامة:
-وده هايفيد في الشغل بينا ؟
رد عليه المترجم بحذر ب:
-لا سيدي، ولكنه فضول
رمقه أوس بنظرات محذرة وهو يجيبه بصوت متصلب:
-وأنا مش بأتكلم عن اللي يخصني مع أي حد !

أحضرت النادلة كيساً بلاستيكياً موضوعاً بداخله مكعبات الثلج، ثم جثت على ركبتها، ووضعته بحذر على مقدمة قدم تقى..
تشنجت تقى بخوف، وأصدرت أنيناً مختنقاً، ثم نظرت للنادلة وأردفت بإمتنان:
-معلش، تعبتك معايا
إبتسمت لها النادلة بإطراء، وأجابتها بخفوت هاديء:
-تعبك إيه يا فندم، أنا هنا في خدمتك !
-كتر خيرك
قامت النادلة بتحريك الكيس بحركات دائرية لتضمن توزيع البرودة على كل الأجزاء التي تؤلمها..

كتمت تقى تأوهاتها لأكثر من مرة، وعضت على شفتيها السفلى لتمنع خروج أي صوت رغماً عنها..
وتشبثت بطرفي المقعد بكفيها، وإزدادت حمرة وجنتيها بدرجة واضحة..
أضافت النادلة بجدية:
-ماتدوسيش عليها كتير، ولو الآلم مخفش بعد شوية يبقى حضرتك لازم تشوفي دكتور متخصص لأنه جاي يكون حصل تمزق
نظرت لها تقى بذعر وهي تقول:
-هاه
-وألف سلامة على حضرتك
قالتها النادلة بإبتسامة وهي تعتدل في وقفتها.. ثم تركتها وإنصرفت لتكمل عملها..

زفر تقى بضجر قائلة:
-كنت ناقصة ده كمان
أخذت نفساً عميقاً، وحبسته في صدرها لتنهض بحذر شديد من على المقعد.. ثم داست على قدمها بحرص واضح، ولكنها مازالت تؤلمها..
فكرت في أن تعتذر عن إكمال السهرة، وتعود إلى الفيلا لتستريح، فلا داعي لوجودها.. فهو لن يضيف شيئاً، وغيابها لن يؤثر في الأمر..
والعقبة الوحيدة أمامها هي رفض أوس لرحيلها، وإصراره على جلوسها معهم..
ومع هذا صممت على تنفيذ رغبتها.. فمن هو ليمنعها عما تريد..

إنتصبت في وقفتها.. وحدقت أمامها بثبات، وسارت رافعة الرأس – رغم آلمها – بعزيمة واثقة نحو الطاولة..
ولكن سريعا ما تلاشت شجاعتها الزائفة في أقل من ثانية حينما لمحت المرأة المثيرة وهي تحرك جسدها بحركات لعوب، وبطريقة مغرية، لتداعب أوس بأسلوب فج خالي من الحياء.. فتسمرت في مكانها، وحدقت بهما في ذهول..

هي إعتادت وقاحته، واسلوبه الجريء معها ومع غيرها.. ولكنها المرة الأولى في حياتها التي تراها فيه يتجاوب مع غيرها.. فشعرت بإهانة أشد، وبإذلال نفسي أعمق.. وظنت أنه يتعمد التحقير من شأنها، ولكن بطريقة غير مباشرة.. نعم فهي الفقيرة الغريبة التي جاء بها إلى أرقى المناطق وأغلاها ليؤكد لها على قوته وسلطته، وقدرته على فعل المستحيل..

ابتلعت غصة مريرة في حلقها، وضغطت على أصابعها قائلة بحزن واضح:
-هو جايبني هنا عشان يذلني اكتر، يعرفني إني ماسواش حاجة..!
أطرقت رأسها في خزي، وأضافت بنبرة أشد بؤساً:
-لا ده كان مكاني من الأول، ولا إحنا ننفع نكون مع بعض
تنهدت بحرارة وهي تتابع:
-كفاية عليا أخلص منه وأرجع لحضن أبويا وأمي.. مش عاوزة أكون في العالم الفالصو ده، آآآه.. ربنا يهونها عليا !

أشاحت بوجهها للناحية الأخرى حينما رأت المرأة اللعوب تضع يدها على فخذ أوس.. وأغمضت عينيها لوهلة لتمنع نفسها من البكاء أسفاً على حالها، وأخرجت من صدرها تنهيدات خانقة..
رأها مدير الملهى وهي تقف مكانها، فأسرع نحوها وهو يهتف بتوجس:
-في حاجة مضيقاكي يا هانم ؟ البنت عملت آآ..
قاطعته بصوت متحشرج وهي تنظر للأمام بكبرياء:
-مافيش حاجة.

-بس يا فندم، حضرتك باين عليكي مش تمام
تنهدت بحرارة وهي تضيف بمرارة:
-أنا بس مخنوقة من هنا، حاسة إني مش عارفة أخد نفسي
رد عليها المدير بتلهف وهو يشير بيده:
-في Open Area ( منطقة مفتوحة ) هنا، بتطل على البحر، والأعدة فيها لطيفة وهادية، كمان ال View ممتاز !
نظرت له تقى بأعينها اللامعة، وسألته بنبرة حائرة:
-أنا مش فاهمة اللي بتقوله !

ثم مسحت بأناملها تلك العبرات العالقة بأهدابها، وتابعت بإصرار:
-أنا عاوزة أطلع من هنا !
رد عليها بإهتمام وهو يشير بكفيه:
-أنا أقصد يا فندم إن في مكان مفتوح زي التراس كده هنا، بيطل على البحر، الهوا فيه منعش، وهايعجب حضرتك أوي
أومأت برأسها متشدقة ب:
-ماشي، وديني هناك !
ابتسم لها المدير إبتسامة مجاملة وهو يقول:
-اتفضلي يا هانم، هو من هنا !
سارت تقى بصحبته – وهي تكتم شعورها بآلام قدمها – ببطء وحذر في إتجاه الشرفة..

على الجانب الأخر، راقبت المرأة المثيرة أوس بإعجاب واضح من حالة الغموض المثيرة التي تحيطه.. ومسحت على شفتيها بطرف لسانها، ثم مالت نحوه وهي ممسكة بكأسها، وأردفت قائلة بنبرة ناعمة:
-I think you're so stressed ( أعتقد أنك مضغوط بشكل واضح )
ثم وضعت يدها على فخذه، وغمزت له قائلة بنبرة مغرية:
and need a massage- ( وتحتاج إلى مساج ).

حدجها أوس بنظرات عميقة وغامضة فقد أدرك نواياها نحوه بسهولة، بينما أكملت هي قائلة بلؤم:
-I am here for you ( أنا هنا لأجلك )
ثم تعمدت الضغط بأصابعها عليه لتثير رغبته، ولكنه أمسك برسغها بقبضته القوية، وإعتصرها قائلاً بجمود وهو يرمقها بنظرات شرسة:
-I don't care ( أنا لا أهتم )
ثم دفعها للخلف، وحدجها بنظرات نارية وهو يلوي فمه بسخط..
إحتقن وجهها بالغيظ، ورمقته بنظرات مغلولة وهي تفرك رسغها من أثار أصابعه الغليظة..

في نفس التوقيت، كان ماركو عائداً من المرحاض حينما لمح تقى وهي تتجه للشرفة، فإعتلى ثغره إبتسامة لئيمة، فقد أعجبه كثيراً جمالها الشرقي الممزوج بالغربي، وأراد أن ينفرد بها دون أن يراه زوجها حتى يتمكن من تذوق حُسنها على راحته ودون إزعاج من أحد..
ألقى بالمنشفة الورقية بعد أن جفف يديه في السلة القريبة، ثم غير وجهته، وسار خلفها..
وقفت تقى مستندة بكفيها على حافة الشرفة المعدنية وهي تتأمل المكان بنظرات إنبهار..
فقد صدق مدير الملهى حينما أخبرها أنها ستجد الجمال والهدوء هنا..

أثلج هواء البحر المنعش صدرها المختنق قليلاً.. وإستمتعت برؤية الأمواج تتلاطم بتناغم عجيب..
ولكن إخترق سكونها المؤقت صدى كلمات أوس لها، وخاصة " بنت خالتي " والتي رددها على مسامعها صبيحة اليوم، فأثارت ضيقها بشكل واضح، وزفرت لأكثر من مرة بإنزعاج من تلك الحقيقة البغيضة التي أقرها لها..
فإن كان رابط زواجهما سينتهي عاجلاً، فرابط الدم لن ينقطع بينهما أبداً..

كم أرهقها التفكير في إحتمالية رؤيته بعد أن يحدث الإنفصال بينهما.. فحاولت أن تنفض عن عقلها أي شيء مزعج حتى تستمتع بتلك الأجواء الساحرة..
قطع تفكيرها المتعمق صوت ماركو وهو يقترب منها متحدثاً بعبارات أسبانية غير مفهومة بالنسبة لها..
ضيقت عينيها في حيرة، وقطبت جبينها وهي تسأله بضجر:
-إنت جاي هنا ليه ؟

تابع ماركو حديثه لها وهو يرمقها بنظرات جريئة متفحصة جسدها بتأمل شديد..
رأت هي نظراته الوقحة المسلطة عليها، فإنكمشت على نفسها في خوف، وجذبت طرفي سترها إلى صدرها، وهتفت قائلة بتوتر:
-إنت.. إنت عاوز ايه، روح للباشا بتاعك هو أعد هناك
تحرك ماركو ناحيتها مشيراً بيده نحو جسدها، فزدات رجفتها منه، فقد فهمت تلك النظرات التي رأتها من قبل في عيني أوس، فشعرت بأنها في خطر قريب إن ظلت باقية بمفردها معه..

تناست آلم قدمها، وتراجعت بحذر للخلف وهي تحذره بإصبعها:
-لو.. لو فضلت تقرب مني هاصوت !
رد عليها بكلمات أكثر غموضاً فلم تفهمها على الإطلاق، ولكن تعبيرات وجهه، وإبتسامته الماكرة التي تبرز من خلف أسنانه الصفراء أربكتها حقاً..

إنتاب أوس حالة من القلق لعدم عودة تقى إلى الآن من المرحاض، ونظر في ساعته، ثم نفخ بضيق، وظل يهز ساقه بعصبية واضحة.. وتسائل مع نفسه ب:
-ايه اللي أخرها أوي كده ؟!
طرأ بباله أن تكون قد فكرت في الهروب منه، فإنتفضت جميع حواسه، وحسم أمره بالذهاب إليها..
نهض عن مقعده قائلاً بجدية شديدة:
-Excuse me , I will back ( معذرة، سأعود بعد قليل )
ثم إتجه نحو المرحاض بخطوات سريعة، ولكن أوقفه صوت مدير الملهى وهو يهتف قائلاً:
-أوس باشا، باشا ! من فضلك لحظة !

إلتفت أوس برأسه نصف إلتفاتة، ورمقه بنظرات حادة وهو يسأله بإقتضاب:
-في ايه ؟
وقف قبالته، وأضاف قائلاً بتوجس:
-الموضوع يخص الهانم
هتف أوس دون وعي ب:
-تقى، مالها ؟
رد عليه وهو يشير بيده نحو الشرفة قائلاً:
-هي واقفة في ال Open Area، وحصلت إنها آآ..
أدار أوس رأسه في إتجاهها، وتحرك صوبها ليرى زوجته من على بعد وهي تتراجع للخلف وتشير بيدها بطريقة مريبة، وبدى على تصرفاتها الإنزعاج، فوجه أنظاره نحو من تشير له، فصُدم حينما تأكد من هويته..

في سيارة عدي
نفخت عدي لأكثر من مرة في ملل، وأدار رأسه في كافة الإتجاهات محاولاً رؤية تهاني بوضوح في حالة عودتها..
نظرت له عفاف بإرهاق وهي تقول:
-كفاية يا عدي باشا، الظاهر إنها مش جاية النهاردة
هز رأسها نافياً قائلاً بإعتراض:
-لأ، مش هامشي من هنا قبل ما أقابلها وأتكلم معاها
زمت عفاف فمها قليلاً لتضيف قائلة:
-بس أختها قالت إن مالهاش مواعيد
تجهمت تعابير وجهه وهو يتابع بنبرة ضجرة:
-ماليش دعوة بيها الست دي، أصلاً الواحد روحه كانت في مناخيره وهو بيكلمها، حاجة فظيعة !

إبتسمت قليلاً وهي تهز كتفيها قائلة:
-في ستات كده كتير !
نظر لها بضيق قائلاً بنزق:
-يا ساتر، كويس إن النوعية دي مش بأقابلها كتير
إستدارت عفاف برأسها للجانب لتلمح طيف إمرأة يأتي من على بعد، فدقق النظر فيها، فعرفتها من ملامحها المحفورة في ذاكرتها على الفور، وهتفت قائلة وهي تشير بإصبعها نحوها:
-بص يا باشا، تهاني أهي !

نظر عدي حوله بحيرة وتسائل بتلهف:
-فين ؟
حركت إصبعها نحوها، وأضافت قائلة:
-اللي جاية هناك دي
أمعن عدي النظر في هيئة تلك السيدة المسنة، وتأكد من تشابه ملامح وجهها مع ليان، فأردف دون تردد وهو محدق بها:
-أنا نازلها
أضافت عفاف قائلة بجدية:
-أنا جاية معاك يا باشا
ترجل الإثنين من السيارة، وسارا نحوها.. ثم هتف عدي قائلاً بصوت مرتفع:
-ست تهاني !

تسمرت الأخيرة في مكانها، ورفعت رأسها نحوه ناظرة إليه بحزن بادي في مقلتيها.. ولم تجبه..
وقف عدي قبالتها، ورسم على ثغره إبتسامة هادئة وهو يقول ك
-إنتي متعرفنيش، بس أنا آآآ..
لم يكمل عدي جملته حيث هتفت هي مقاطعة إياه بصوت حاد:
-إنتي !
نظر لها عدي بإستغراب، في حين تابعت تهاني حديثها وهي تتجه نحو عفاف قائلة بنشيج:
-دليني على ابني، هو بعد عني وانا ماليش ذنب في أي حاجة حصلت، أبوس ايدك وصليني ليه.

أمسكت بها عفاف من ذراعيها، ونظرت لها بحنو وهي تجيبها بصوت هاديء ومطمئن:
-حاضر يا ست تهاني، هاعمل كل اللي انتي عاوزاه !
ثم صمتت للحظة لتتابع بهدوء وهي توميء بعينيها:
-بس الأول الباشا عاوزك في حاجة أهم
ضيقت تهاني عينيها في عدم فهم، وسألتها بتوجس:
-باشا مين ؟
أردف عدي قائلاً بصوت جاد:
-أنا معرفتكيش بنفسي، أنا عدي، جوز بنتك ليان !

حدقت تهاني فيه بإندهاش وهي تهتف بصدمة:
-هاه، ليان !
أومأ برأسه بخفة قائلاً:
-أيوه !
ثم أمسك بكف يدها، فزادت دهشتها من تصرفه، وأجفلت عينيها للأسفل للحظة، وعاودت النظر إليه بإرتباك، فتابع قائلاً بنبرة جادة دون أن تطرف عينيه:
-وهي محتاجة إنك تكوني معاها الوقتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع والخمسون

في قصر عائلة الجندي
ظل مهاب يلف قلمه الحبر على أصابع يده وهو يتابع حديثه في هاتفه المحمول قائلاً بغموض:
-تمام، وأنا زي ما قولتلك، اللي هايخلص هياخد مليون جنية !
رد عليه المحامي نصيف قائلاً بحماس:
-اطمن يا باشا، ده أنا تلميذك
مط فمه للجانب، ونظر أمامه وهتف قائلاً بهدوء مثير:
-مش هاوصيك، عاوزها تبان طبيعي يا نصيف، وإنت عارفني مش بأحب شغل الهواة !

تابع نصيف قائلاً بثقة:
-يا مهاب باشا، من وقت ما امرتني أحط ممدوح تحت عيني ساعة ما رجع القاهرة، وأنا ماسبتهوش يغيب عني لحظة، ولبسنا المدام الليلة معاه، وقريب هايبقوا الاتنين ذكرى، فمتقلقش على الأخر، ده أنا نصيف الدحلان، بس تقدر مجهودي يا باشا
أخذ مهاب نفساً عميقاً، وزفره ببطء ليكمل ب:
-ال 5 مليون بتوعك اتحطوا في حسابك زي ما اتفقنا، والمليون جنية هايكونوا عندك الصبح، بس أسمع خبره الأول
هتف نصيف قائلاً بنبرة شيطانية:
-اقرى عليه الفاتحة من دلوقتي !

رد عليه مهاب قائلاً بنبرة ساخرة:
-هاقراها وأطلع عليه القرافة كمان !
ثم أطلق ضحكة عالية وهو ينهي المكالمة، وحدث نفسه بزهو ب:
-وكده أبقى نضفت القذارة القديمة كلها..!
إتجه مهاب نحو باب مكتبه، وهتف بصوت مرتفع:
-الشنط جهزت ؟
أجابته خادمة ما بنبرة رسمية:
-ايوه يا فندم، وفي العربية، والسواق منتظر سيادتك
رد عليها بإبتسامة ماكرة:
-عظيم، إمشي إنتي !
تنهد مهاب في إرتياح وهو يحدث نفسه بصوت مسموع:
-كده أقدر أسافر يومين أغير جو من غير ما حد يشك في حاجة، والله يرحمك يا.. يا ممدوح ! أما انتي يا ناريمان، فإنجوي بسنين سجنك اللي جاية !

في الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
اقترب ماركو بخطوات شبه متثاقلة من تقى و بصورة أغضبت أوس على الفور، وجعلت الدماء تغلي في عروقه.. وخصوصاً حينما رأها منزعجة مما يحدث، لذا دون أدنى تأخير منه تحرك نحوه وهو ينتوي شراً له..
هز ماركو رأسه للجانب وهو يتابع التغزل في جمال تقى بكلمات غير مفهومة.. فأجفلت هى منه بخوف شديد، فقد كان غير طبيعياً في تصرفاته، وفي حالة عدم إتزان..

أمسكت بكفها حافة الشرفة لتتمكن من الإبتعاد عنه قدر المستطاع رغم الآلم المسيطر على قدمها..
تجهم وجه أوس للغاية بعد أن رأى تعبيراته المستفزة، وصاح بصوت غاضب:
-ماركو !
توقف الأخير في مكانه متفاجئاً من حضور زوجها، ورسم إبتسامة سخيفة على وجهه وهو يتمتم بصوت متثاقل:
-أوه، سينيور أوس !
وقف أوس قبالته متصلباً بجسده محدجاً إياه بنظرات نارية قاتلة..
فغر ماركو فمه ليتحدث بلكنة عربية وهو يشير بيده:
-أنا أرحب ب سينيورا !

كز أوس على أسنانه وهو يهتف بصرامة:
-ابعد عن مراتي !
للحظة شعرت تقى بالأمان لوجود أوس معها في هذا الوقت، فرغم كرهها له، إلا أن حضوره يضفي جواً من المهابة والقوة على الحاضرين معه.. ويجعلهم يهابون بطشه وغضبه..
تنهدت في إرتياح، وبدأت تلتقط أنفاسها بهدوء نسبي..
لم تختفْ الإبتسامة السخيفة من على وجه ماركو وهو يتابع ببرود:
-سينيور أوس.. Calm down ( إهدأ ).

ثم أضاف بلكنة عربية وهو يسلط أنظاره على تقى:
-أنا أعبر عن إعجابي بالسينيورا
أمسك به أوس من تلابيبه بحركة مباغتة، وهتف قائلاً بصوت متشنج:
-مش مرات أوس الجندي اللي يبصلها أي حد حتى لو كنت إنت !!
إتسعت عيني ماركو في صدمة، وهتف قائلاً بغضب حاد:
-Hey ! Watch out ! You'll pay for this ( إنت ! إحذر، وإلا ستدفع الثمن غاليا )
تقوس فمه بإبتسامة باهتة وهو يجيبه ببرود:
-مش هاخاف منك !

ثم دفعه للخلف بقوة، فكاد أن يفقد توازنه، ويسقط على ظهره، ولكنه إستند بكفه على حافة الشرفة المعدنية ليحول دون حدوث هذا، وإعتدل ببطء في وقفته..
إغتاظ ماركو من إهانته أمام الحسناء الشرقية، فأراد إستفزاز أوس أكثر، فأردف قائلاً بنزق:
-You won't stop me from saying what I want ( لن تستطيع منعي من قول ما أريد )
ثم سلط أنظاره على تقى متحدياً أوس، ورفع حاجبه للأعلى في عدم إكتراث من قوته..
تحولت مقلتي أوس إلى جمرتين من النيران، وصاح بصوت هادر يحمل التهديد:
-ده أنا أدفنك قبل ما عينك بس تبصلها !

تابعتهما تقى بنظرات مذعورة وخائفة، فكلاهما على الأرجح في حالة عدم وعي..
كذلك لم تستطع إخفاء إرتجافة جسدها، ولا إصطكاك أسنانها..
ربما ساعد هواء البحر البارد على تأجيج هذا الإحساس بها..
وحدثت نفسها قائلة بتوجس:
-استر يا رب وعديها على خير !
تحرك ماركو خطوة للأمام في إتجاه أوس، ثم وجه إصبعه نحوه، ولمس به صدره قائلاً بلكنة غريبة:
-سينيور أوس، إنت You made a big mistake ( إرتكبت خطأ فادح )، هاتخسر كل حاجة !
رمقه أوس بنظرات قوية وهو يجيبه بعدم إكتراث:
-ولا يفرق معايا.

ثم باغته بتسديد لكمة مفاجئة وقوية في صدغه وهو يضيف بشراسة:
-دي بقى عشان تفكرك إن اللي يخصني محظور على غيري !
تأوه ماركو من الآلم، فلم يتوقع أن يهجم عليه أوس، فصاح بغضب:
-آوتش، You hit me f***** ( أنت تعتدي عليّ )
إنتفضت تقى مذهولة في مكانها، وشهقت برعب وهي ترى زوجها يضربه بقسوة..
هتف أوس قائلاً بتحدٍ سافر:
-لأ، وأموتك كمان !

ثم سدد له لكمة أخرى في وجهه ولكن أكثر قوة، فإستشاط ماركو غضباً، وفرك صدغه بعصبية، ثم إندفع نحو أوس ليهجم عليه وهو يسبه باللغة الأسبانية..
تصدى له الأخير بمهارة عالية، وأمسك به من ذراعه، ثم لواه خلف ظهره، وضغط عليه بقوة ليزيد من آلمه، فصرخ ماركو قائلاً:
-No.. No
قام أوس بلف ذراعه حول عنق ماركو، وبدأ في خنقه بشراسة، ومال عليه برأسه،وهمس له قائلاً بصوت قاتم:
-مرات أوس الجندي خط أحمر !
بدت علامات الإختناق جلية على وجه ماركو.. ورغم هذا لم يتركه أوس، بل إستمر في الضغط على عنقه أكثر..
خشيت تقى أن يتطور الوضع للأسوأ..

فهتفت قائلة بصوت مذعور:
-سيبه، هايموت في إيدك !
تجهم وجه أوس أكثر، وإزداد عبوساً بعد عبارتها الأخيرة، وأدار رأسه في إتجاهها محدجاً إياه بنظرات حادة أخافتها.. فتابعت بتلعثم وهي توزع نظراتها بينه وبين ماركو:
-إنت.. إنت متعرفش غير تأذي الناس وبس !
إحتقنت مقلتيه بشدة، وزدات عروقه الغاضبة بروزاً وأجابها بصوت متشنج:
-إنتي مش عارفة كان بيقول إيه عنك !!

هتفت قائلة دون إكتراث وهي تنظر لوجه ماركو الشاحب:
-يقول اللي يقوله، أنا راضية ! سيبوه
زادت نظرات أوس شراسة لها، فإرتجفت منه.. وتسارعت أنفاسها بتوتر ملحوظ..
كز على أسنانه وهو مستمر في حدجها بنظراته المحتدة، ثم أرخى قبضته عن ماركو ليشهق الأخير بصوت مختنق بعد أن تحرر منه..
إنحنى ماركو للأمام وهو يبتعد بخطوات مرتعدة عنه، ونظر له بحدة هو يسعل، وغمغم بخفوت لاعناً إياه..
إستدار أوس بجسده كليةً نحو تقى، وحدق بها بنظرات مشتعلة وهو يصيح بصوت منفعل:
-وأنا مأقبلش ولا حتى أرضى حد يقرب منك أو يفكر فيكي !

إنتفض جسدها من صراخه، وسألته بصوت مذعور:
-إنت عاوز ايه مني ؟ جايبني هنا ليه ؟
أخذ نفساً عميقاً، ونفخه وهو يجيبها بإقتضاب:
-قولتلك شغل !
صاحت بصوت متشنج وهي تشير بيدها:
-شغل ! ولا جايبني هنا عشان تذلني وتهيني قصادهم !
لوى فمه قائلاً بتهكم وهو يرمقها بنظرات متعجبة:
-أذلك !
هتفت دون تردد ب:
-أيوه
قطب جبينه بضيق، وأجابها بصوت حاد:
-نعم ! إنت فاهمة كلامك كويس ؟!

تنهدت بحزن وهي تحاول كبح عبراتها التي لا تعرف سبب إنسيابها تلك المرة.. ولكن آلمها شعور رؤيته بصحبة غيرها وإعتبرته إهانة قوية لكبريائها.. وزاد من ضيقها رؤيته يستجيب لحركاتها اللعوب.. فصاحت بغضب مفصحة – دون وعي – عما يدور في عقلها ب:
-أنا تعبت من كل حاجة وآآ..
إتسعت مقلتيها مذعورة بخوف واضح وهي ترى ماركو يندفع بسرعة في إتجاه أوس وحاملاً في يده زجاجة فارغة ليضربه بها على رأسه، فصرخت بجنون وهي تشير بيدها:
-حاسب !

إلتفت سريعاً للخلف ليرى ماركو مقبلاً عليه، ورافعاً يده بالزجاجة للأعلى، فإنحنى بحرفية للخلف ليتفاداه، ثم أمسك بقبضته، وإنتزعها منه سهولة، وقربه من وجهه ليحدجه بنظراته القوية مردفاً بشراسة مخيفة:
-نهايتك على ايدي النهاردة
دب ماركو إصبعه في عين أوس اليسرى ليرخي الأخير قبضته عنه صارخاً من الآلم وقد إنحنى للأمام ب:
-آآآآه يا بن ال *** !!

تراجع ماركو للخلف، وهتف بكلمات أسبانية لاذعة، ثم أدار رأسه في إتجاه تقى التي كانت تقف على بعد خطوتين منه، وباغتها بدفعها من كتفيها بقوة للخلف منفساً عن غضبه فيها.. فصرخت مرتعدة من هجومه عليها:
-لألألأ .!
إعتدل أوس في وقفته، وخفق قلبه مذعوراً على صراخها، ونظر لها بنصف عين وقد تشنجت قسمات وجهه رعباً عليها..

ترنح جسد تقى من قوة الدفعة، وسقطت ناحية الحافة المعدنية للشرفة، ولكنها لم تستطع الحفاظ على إتزانها، وفلتت قبضتها الممسكة بالحافة، وأوشكت على السقوط من الطابق العلوي..
كان أوس الأسرع في ردة فعله، حيث أمسك بقبضتها قبل أن تنزلق هاتفاً برعب، متجاهلاً آلم عينه:
-تقى !

تراقص جسد تقى في الهواء، وبرقت عينيها الزرقاوتين بخوف واضح، وتسارعت ضربات قلبها بدرجة مخيفة، وصرخت بذعر وهي تركل بساقيها:
-ماتسبنيش ! م.. ماتسبنيش
أجابها بصوت مرتعد وهو يرمقها بنظراته الخائفة والصادقة:
-مش هاسيبك يا تقى، مش هاسيبك !
ثم مال بجسده الأخر للأمام، وصاح بصوت متصلب:
-مدي إيدك التانية لفوق عشان أسحبك
أجابته بصوت مرتجف وهي محدقة به:
-مش عارفة ! ه.. هاموت !
هتف قائلاً بصوت حاسم:
-لأ مش هاتموتي، أنا معاكي !

دقق أوس النظر بعينيه – رغم آلم العين اليسرى – لتقدير المسافة، وإطمئن نوعاً ما لصغرها ولأن الأرضية مليئة بكثبان رملية، وبالتالي لن تسبب هلاكها في حال إفلاتها، ربما رضوض بسيطة في جسدها، ومع هذا جاهد ليحافظ عليها معه.. وحاول أن يبث شعوره لها قائلاً بثبات:
-ماتخافيش، مش هايحصلك حاجة !
جحظت تقى بعينيها في هلع أكثر حينما رأت ماركو يقف خلفه، حيث قام بضربه بقوة بالزجاجة الفراغة على رأسه، فتأوه أوس صارخاً:
-آآآآآه..!

ورغم الوجع الرهيب إلا أنه لم يفلت زوجته من قبضته..
إستجمع ماركو كامل قوته ليدفع أوس للأمام أكثر ففقد الأخير إتزانه، فصرخت تقى أكثر، وسقط كلاهما من الشرفة، وإرتطم جسديهما بالأرضية الرملية..
نظر لهما ماركو من الأعلى بتشفي، وتلفت حوله بريبة، ثم إبتعد عن المكان بسرعة رهيبة....

في سيارة عدي
سرد عدي لتهاني بتفاصيل دقيقة ما حدث مع إبنتها ليان منذ لحظة خداعها وإيقاعها في فخ الزواج الزائف، ثم زواجه هو منها، وما إكتشفته هي لاحقاً من حقيقة زيف نسبها لأمها.. وسوء حالتها النفسية، ومحاولتها الإنتحار ثم إيداعها في المشفى النفسي
وأكدت المدبرة عفاف حديث الأخير حينما ذكرتها بمقابلتهما اليتيمة في الفترة الأخيرة..
بكت تهاني بحسرة على مصير ابنتها.. وهتفت قائلة بصوت مختنق:
-ذنبك ايه يا بنتي يتعمل فيكي كل ده ! منكم لله يا بُعدة، ضيعتوا ولادي وحرقتوا قلبي عليهم !

رد عليها عدي بنبرة جادة قائلاً:
-مش هايفيد نتكلم في اللي فات، المهم ليان دلوقتي
ضربت بيدها على صدرها وهي تتابع بصوت باكي:
-آآآه يا بنتي !
تأملت عفاف صدق مشاعر تلك الأم المكلومة، وشعرت في قرارة نفسها أنها الوحيدة القادرة على إنقاذ ابنتها مما تعانيه دون أن تنتظر مقابل..
تنهدت بحرارة، ومطت شفتيها وهي تقول:
-ربنا يشفيها يا رب !

أكمل عدي حديثه بإهتمام وهو محدق بها:
-أنا مش عارف وجودك هيأثر معاها ولا لأ، بس عندي أمل إنك تقدري تقفي جمبها، لأنك أمها الحقيقية، واكتر واحدة هاتكون خايفة عليها بجد، وهايهمك مصلحتها !
ردت عليه تهاني بإصرار عجيب في نبرتها:
-وأنا مش هاسيب بنتي حتى لو كان أخر يوم في عمري..!!

في الملهى التابع للمنتجع السياحي
أغمضت تقى عينيها، وسكنت تماماً على ظهرها فوق الرمال الناعمة..
بينما سقط أوس على جانبه، وتشنج بوجهه من شدة الآلم..
فتح عينيه بصعوبة محاولة إزاحة الرمال العالقة بعينه الملتهبة.. ثم رفع قبضته قليلاً فوجد أصابعه لا تزال قابضة على كفها.. سلط أنظاره عليها، وهو يحرك كفه بحذر هامساً لها ب:
-تقى ! إنتي كويسة ؟ تقى !

مد يده الأخرى ناحيتها، وتلمس وجنتها وتابع بهمس قلق:
-ردي يا تقى !
إقشعر بدنها من تلك اللمسات، وفتحت عينيها فجأة، وظلت محدقة للحظة في الفراغ، ثم رفعت ذراعها بحذر للأعلى، وتحسست بأناملها الرقيقة وجهها.. ونزلت على جسدها بكفها لتتفقده قائلة بذعر:
-أنا عايشة، ماموتش !..
-لأ لسه !

قالها أوس بتنهيدة إرتياح وهو يراقب حركاتها العفوية بتمعن، وإرتسم على ثغره إبتسامة رضا، وحاول أن ينهض بحرص ليطمئن على حاله هو الأخر..
رفعت تقى ذراعها الأخر، فتفاجئت بإستمرار إمساك أوس برسغها، فأدارت رأسها نحوه، وضيقت عينيها متسائلة بصوت خافت:
-إنت لسه ماسك إيدي ؟
رمقها بشغف وهو يجيبها مبتسماً:
-ما أنا وعدتك مش هاسيبك !
أشاحت بوجهها بعيداً عنه لتتجنب نظراته التي تربكها بشدة، و أغمضت عينيها مجدداً مستسلمة لشعورها بالأمان.. هذا الإحساس الذي إفتقدته لفترة طويلة وحل محله الخوف والرعب..

تابعها أوس بإهتمام كبير، وإعتدل في جلسته، وتمطع بذراعيه، وزفر بقوة وهو يتلفت برأسه محاولاً إستدعاء أي مساعدة..
وأردف متسائلاً بحنق:
-هو مافيش حد هنا ولا ايه ؟
تنهدت تقى في راحة عجيبة.. ثم شعرت بوخزة في قدمها، فتشنج وجهها قليلاً وهي تهمس:
-آآه.. مش وقتك خالص
قطب أوس جبينه، وسألها بإهتمام وهو محدق بها:
-في إيه ؟

ردت عليه بإيجاز وهي تحاول النهوض:
-مافيش !
إعتدلت في جلستها، وضغطت على شفتيها بقوة وهي تحاول مد ذراعها لترى حالة قدمها المتورمة..
ولكنها صرخت مذعورة وهي تهز رأسها ب:
-لألألأ
إنتفض أوس في مكانه، واقترب منها أكثر وجثى على ركبته ناظراً لها بهلع، ثم تسائل متوجساً:
-في ايه ؟
ردت عليه تقى بصوت شبه حزين وهي تحاول إنتزاع الحذاء من قدمها:
-كعب الجزمة اتكسر !

نظر لها مصدوماً، وعجز عن الرد عليها لوهلة، ثم إنفرج ثغره للأسفل مطلقاً ضحكة عالية جعلته يجلس لعدم سيطرته على نفسه..
رمقته هي بنظرات إندهاش، وظنت أنه يسخر منها.. فتلونت وجنتيها بحمرة غاضبة، وعبس وجهها كثيراً..
توقف أوس عن الضحك بصعوبة حينما رأى الضيق بادياً على وجهها، وبرر قائلاً:
-بصراحة إنتي كل يوم بتفاجئيني
رمقته بنظرات ساخطة، ثم لوت شفتيها بضيق، وغمغمت بكلمات مبهمة، فسألها أوس بإهتمام:
-بتقولي ايه ؟

لم تجبه، بل حدثت نفسها بضجر وهي تستند بكفيها على الرمال لتنهض:
-كفاية كده عليا النهاردة، أنا مش حِمل كل ده !
وقفت تقى على قدميها، ولكنها لم تتمكن من السير بهما، فقد آلمتها بشدة قدمها المتورمة، فأطلقت صرخة مكتومة وهي تضع يدها على فمها:
-آآآه
هب أوس واقفاً وهو ينظر لها بقلق متسائلاً بتلهف وهو يضع يده على ظهرها:
-مالك ؟
لم تتحمل تقى الآلم الجسدي، ولا وخزات قدمها، فأجهشت بالبكاء وهي تجيبه قائلة:
-رجلي.. مش قادرة منها !

ثم قامت بثني قدمها التي تؤلمها للأمام قليلاً..
جثى أوس على ركبته ليتفقد قدمها.. بينما إستندت هي بكفها على كتفه، فرفع أوس عينيه نحوها متعجباً من تصرفها المفاجيء هذا..
رقص قلبه طرباً لحركتها العفوية تلك.. فهي لم تعد تخشاه بدرجة كبيرة كما كان الوضع من قبل..
عاود هو تسليط أنظاره على قدمها وإبتسامة سعيدة ترتسم على ثغره..
مد أصابعه نحو مقدمة قدمها، وما إن لامسها حتى صرخت قائلة بنشيج:
-آآآه، لأ.. ماتلمسهاش، آآآه !
وضغطت بأصابعها على كتفه..
رفع عينيه نحوها، وحدق بأصابعها للحظة، ثم سلط أنظاره عليها، وسألها بجدية:
-ايه اللي عمل فيها كده ؟

أجابته بصوت مختنق وعينيها مغرورقتان بالعبرات:
-إنت !
نظراً لها مدهوشاً من ردها الصادم، فتابعت قائلة بصوتها الباكي:
-وإنت بتجرني وراك، لويتها !
صر على أسنانه في ضيق واضح من نفسه، وأجفل عينيه مضيفاً بأسف:
-سوري يا تقى، مكونتش أقصد أذيكي !
ثم زفر بحرقة أشد ليحدث نفسه قائلاً بندم واضح في عينيه:
-صعب أسامح نفسي على اللي عملته فيكي قبل ما إنتي تسامحيني !
أردفت تقى قائلة بصوتها المبحوح وهي تمسح عبراتها:
-أنا عاوزة أمشي من المكان ده.

إعتدل أوس في وقفته، ونفض يديه من الرمال العالقة بهما، ثم حدق بفي عينيها بنظرات عميقة، ورد عليها بهدوء:
-حاضر، هانرجع الفيلا !
رمقته بنظرات قوية قائلة بنزق:
-لأ.. أنا عاوزة أرجع لبيتي، ولحياتي !
ظل أوس محدقاً بها ولم يجيبها، فإغتاظت من صمته، وهتفت محتدة وقد لمعت عينيها بشدة:
-أنا تعبت من وجودك في حياتي، من العذاب اللي بأشوفه معاك كل يوم، من كل لحظة بأقضيها وأنا خايفة تعمل فيا حاجة، من الإهانة اللي بأشوفها معاك !
ضم أوس وجهها براحتيه، وحدق بها بنظراته الصادقة قائلاً بجدية:
-أنا مستحيل أذيكي، ليه مش عاوزة تصدقيني ؟

ردت عليه بصوتها المختنق ونظراتها المرتجفة محدقة بعينيه القاتمتين:
-إزاي أصدقك وإنت معيشني في خوف مستمر، وآآ..
قاطعها بإصرار واضح في نبرته:
-تقى مش هاسيبك قبل ما ترجعي زي الأول، وتسامحيني !
ثم لف ذراعه حول ظهرها، وانحنى ليضع الأخر أسفل ساقيها ليحملها وهو يضيف بهدوء يحمل المزاح:
-وهبدأ برجلك، و.. وعيني.. !!

في السجن العمومي
بداخل مرحاض السجن
إنحنى ممدوح برأسه للأمام أمام الحوض ليغسل وجهه بالمياه الباردة، ثم نفخ في ضيق قائلاً بصوت منزعج:
-حتى المياه ريحتها تقرف هنا !
اعتدل في وقفته، ونفض يديه من المياه، لكنه تفاجيء بمن يهجم عليه من الخلف ليشل حركته، وبشخص أخر ملثم الوجه يلف حول عنقه سلكاً رفيعاً للغاية، ويخنقه به..
تشنج ممدوح بجسده محاولاً الإفلات منهما، ولكنه عجز عن فعل هذا.. وبدأ وجهه في التحول للون الأزرق..

وإزدادت حركة عضلاته بعصبية شديدة محاولاً لفظ أنفاسه قبل أن يختنق..
مال عليه الشخص الذي يخنقه برأسه قليلاً ليهمس له بصوت أشبه بفحيح الأفعى ب:
-مهاب باشا باعتلك السلام !
إتسعت مقلتي ممدوح بدرجة رهيبة حتى كادت كلتاهما أن تخرجان من محجريهما عقب تلك الكلمات الأخيرة
بينما استمر الشخص الملثم في خنقه بقسوة متابعاً بشراسة:
-وبيقولك مش بالساهل يسامح في حقه !
شحب لون وجهه بدرجة مخيفة وهو يكافح لإلتقاط أي نفس، ولكن أبى جسده أن يستمر أكثر في المقاومة، وتوقف قلبه عن النبض، وتدلى لسانه خارج فمه، وإرتخت أطرافه تماماً..
فنظر الشخص الملثم لزميله وسأله بصوت خافت:
-ها خلص ؟

أجابه زميله بصوت خشن وهو يعتدل في وقفته:
-إتشيع خلاص
هتف الشخص الأول قائلاً بصوت آمر وهو يشير بعينيه نحو نافذة علوية:
-علقه بقى على القضبان اللي هناك دي
هز رأسه موافقاً ليجيبه بصوته المتحشرج:
-على طول
ثم تعاون الاثنين معاً في حمله، ثم تسلق أحدهما الحوض الموضوع على مقربة من النافذة، وهمس بجدية:
-ارفعهولي !
رد عليه زميله بصوت منزعج وهو يشير بعينيه:
-أربط السلك الأول فوق !

أضاف الأخر قائلاً بضيق:
-ماشي
هتف زميله قائلاً بضجر:
-انجز قبل ما حد يجي
أجابه الأخر بهدوء وهو يعقد طرفي السلك في القضيب الحديدي:
-أنا مأمن المكان، ماتقلش !
لوى زميله فمه بإمتعاض وهو يقول:
-الحرص واجب يا خفيف
-حاضر !
إنتهى الاثنين من مهمتهما، وقاما بتعليق جثمان ممدوح على قضبان النافذة الحديدية بواسطة ذلك السلك الرفيع ليبدو وكأنه أقبل على الإنتحار فشنق نفسه عمداً.....

عند شاطيء المنتجع السياحي
سار أوس حاملاً تقى بين ذراعيه بالقرب من الشاطيء بعد أن قرر العودة إلى الفيلا..
نفخت هي بضيق لأكثر من مرة بسبب تلك الوضعية المحرجة لها، وكذلك لإلتصاقها الشديد بصدره..
وحاولت جاهدة ألا تنظر له.. وألا تنبس بكلمة..
تعجب هو من صمتها المريب، وفسره بشعورها الطاغي بالبغض والنفور منه.. فزفر بإنزعاج وقرر أن يجبرها على الحديث معه، لذا تشدق قائلاً:
-ساكتة ليه ؟

نظرت له بطرف عينها، ومن ثم حدقت أمامها وهي تتنهد بيأس..
إغتاظ أوس من جفائها معه، فتوقف عن السير، ونظر لها بحنق.. فأدارت رأسها نحوه لتلتقي عينيها الزرقاوتين - التي تحمل العتاب واللوم له - بعينيه العميقتين.. وسألته بصوتها الخافت وشبه المضطرب:
-وقفت ليه ؟

ثم فغرت شفتيها لتشهق بخوف حينما أرخى أوس ذراعه فجأة عن ركبتيها، فتشبثت هي بعنقه بذراعيه ظناً منها أنه سيلقي بها على الرمال، ونظرت له برعب، بينما ثبت هو ذراعه الأخر حول ظهرها ليضمها أكثر إلى صدره، وتأملها بنظرات مطولة وقد إلتوى فمه بإبتسامة عابثة..
احتقنت وجنتيها بحمرة غاضبة من فعلته تلك، ونهرته بحدة قائلة:
-ابعد عني، أنا بأكرهك، سامع بأكرهك !
إبتسم لها متسائلاً بتسلية وهو يعمق نظراته اكثر:
-ها، وايه كمان ؟

تشنجت تعابير وجهها، وإرتفع حاجبيها للأعلى وهي تسأله بغضب جلي في نبرتها:
-إنت.. إنت ليه بتعمل فيا كده ؟
تنهد بعمق، وظل محدقاً بها بنظرات استغربتها ووترتها إلى حد ما، فقد إعتادت على تصرفاته الوقحة والفظة.. لكن سكونه المريب في تصرفاته يثير جنونها أكثر..
لذا صاحت بصوت محتد وهي تحاول دفعه من صدره بعيداً عنها بكفيها:
-سيبني أمشي، ولا مكافكش الإهانة جوا، عاوز تكملها هنا.

لف ذراعه الأخر حول ظهرها، وألصقها أكثر بصدره، وإلتوى فمه بإبتسامة ثقة.. فقد ضمن عدم فرارها من أحضانه، فرمقته بنظرات حادة وهي تهتف بضيق:
-إنت بتتبسط لما بتلاقيني ضعيفة قدامك، مش قادرة أصدك، بتحس بقوتك وبجبروتك، صح ؟ ده شعورك اللي بيحسسك بقيمتك ؟ رد عليا !
ظل يبتسم لها مستفزاً إياها، فهدرت بصوت حاد
-دافع عن نفسك، رد !
أجابها بخفوت وهو يمتع عينيه بتأملها:
-مش عاوز !

تلونت وجنتيها بحمرة الغضب، وصرخت فيه بإنفعال بعد أن فشلت في التحرر منه:
-بتعمل فيا كده ليه ؟ لييييييييه
أسند ذقنه على رأسها، وأردف قائلاً بحذر:
-ششش.. اهدي !
نشج صوتها وهي تتابع بنحيب:
-أنا تعبت منك، معنتش قادرة أتكلم ولا أقاوم تاني، ارحمني وسيبني !

صر على أسنانه قائلاً بضيق وهو يبتلع غصة مريرة في حلقه:
-مقدرش أسيبك يا تقى، اطلبي مني أي حاجة إلا ده، على الأقل الوقتي، أنا مصدقت إنك معايا وفي حضني !
ردت عليه بصوت باكي ب:
-مش عاوزاك، مش عاوزة أكون معاك !
تنهد بحزن من إصرارها على النفور منه، ولرفضها إعطائه أي فرصة للبدء من جديد..
ومع هذا لم ينكر سعادته وهي تجادله، وتعبر عن مكنون قلبها ناحيته..
فقد ذاب حاجز الجليد بينهما بدرجة معقولة.. وبات بينهما مناقشة ومعاتبة.. وهي نقطة هامة قد وصل لها معها..

أرخى ذراعيه قليلاً، وأرجع رأسه للخلف لينظر لها برومانسية وهو يتابع بشغف صادق في صوته:
-تعرفي، أنا ببقى مبسوط وانتي بتتكلمي كده معايا، ومش خايفة مني، حقيقي أنا حابب اسمع صوتك، احس بمقاومتك ليا زي زمان، ماقصدش زي ما حصل بينا، بس أنا مش عاوزك تخافي مني، عاوز تثقي فيا وتسمعيني بقلبك، وتسامحيني، وتديني فرصة أعوضك عن اللي فات !
هزت رأسها بإستنكار وهي ترمقه بنظراته المشمئزة، وردت عليه بجمود:
-قلبي ! ده على اساس إن اللي زيك عنده قلب وبيحس بغيره ؟

ثم صمتت لثانية قبل أن تتابع بقسوة شرسة:
-قولي موقف واحد بس في حياتك عملته وكنت بتحس زي الناس الطبيعيين ! ماظنش عملت ده أبداً !
اعتصر الآلم قلبه وهي تذكره بمساوئه، وأفعاله المشينة.. فهي قد أصابته في مقتل.. هو لم يقدم على فعل أي شيء خير في حياته..
تابعت هي حديثها القاسي وهي تنظر له شزراً ومشيرة بإصبعها:
-إنت يا باشا مش بتحب إلا نفسك وبس، بتدوس على غيرك من غير ما ترحمه أو حتى تغفرله غلطه، كنت على الأقل سامحت أمي في ذنب هي معملتهوش، كنت غفرت ليا مقاومتي ليك، لكن إنت لا بترحم، ولا بتغفر ! ودمرتنا كلنا معاك !

احتضن وجهها بكفيه، وهتف لها بصوت مرير وقد لمعت عينيه بشدة:
-تقى أنا مش زي ما إنتي فاكرة، أنا الظروف أجبرتني أكون كده، حياتي كانت غلط من البداية، بس بأحاول أغير من نفسي !
وضعت يديها على قبضتيه، وأبعدتهما عن وجهها، وهي تهتف بحدة:
-ظروف ايه اللي خلت واحد زيك عنده كل حاجة يكون بالشكل ده، يا باشا ده انت عندك جيش خدامين تحت رجليك، وموظفين تحت ايدك، يعني تؤمر تجاب، وجاي تقولي ظروف !!!

أطرق رأسه في خزي، وأجابها بصوت شبه منكسر:
-إنتي مش عارفة حاجة عني، ماتعرفيش حاجة !
صاحت بصوت هادر يحمل القوة:
-ولا عاوزة أعرف، عارف ليه لأن أنا بيعاك يا أوس باشا، سامعني بايعاك.. !
ثم أجهشت بالبكاء، وجثت على الرمال لتدفن وجهها بين كفيها، وظلت تنتحب بصوت مختنق
وضع أوس إصبعيه على مقلتيه ليمسح العبرات العالقة بهما، وتنهد بحرقة، ثم أخذ نفساً عميقاً وحبسه في صدره، وأولاها ظهره وأضاف لنفسه بصوت متحشرج:
-وأنا هافضل شاريكي.

ابتلع ريقه المرير، وإستدار نحوها ليضيف بصوت مختنق:
-هاكلم السواق يجي يوصلنا على الفيلا..!
كم كان يريد أن يأخذها في أحضانه، يضمها إلى صدره، ويمسح عنها عبراتها، فترى صدق نواياه نحوها، وتشعر بحبه لها، وأنه تغير فقط من أجلها، ولكنها دوماً تضع حاجز ما حدث بينهما أمامه، فتزيد من عذاب ضميره، و روحه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن والخمسون

في سجن النساء
ضمت ناريمان ركبتيها إلى صدرها، وظلت ترتجف وهي تتلفت حولها بذعر وهي جالسة على فراشها الموضوع في إحدى زوايا عنبر النساء..
وبدت كالموتى وهي جاحظة العينين، و بلا مساحيق تجميلها التي تزين تجاعيدها التي ظهرت بوضوح..
إرتعشت شفتيها وهي تغمغم مع نفسها بتلعثم وخوف:
-م.. ماقتلتش، م..آآ.. أنا ماقتلتش.. هو.. هو اللي عمل كده، أنا بريئة ! بريئة !!

ثم صرخت بصوت مدوي في أرجاء العنبر، وهبت من على فراشها لتركض ناحية الباب الحديدي، ودقت عليه بعنف وهي تصرخ بإهتياج:
-مهاب اللي عمل كده، أنا ماقتلتش، ماقتلتش، خرجوني من هنا، طلعوني برا السجن، لألألأ !!
-اسكتي بقى يا ولية، هو كل يوم الموال ده، قطعتي خلفنا !
قالتها إحدى السجينات بصوت حاد ومتذمر وهي تتلوى على جانبها في الفراش..
إلتفتت لها سجينة أخرى لتضيف بضيق:
-بعيد عنك نسوان عقلها فالت !

استمرت ناريمان في الصراخ بصوت أكثر حدة وهي تطرق بعنف على الباب:
-طلعوني من هنا، هو اللي قتلها، افتحوا الباب !
هدرت بها السجينة الغاضبة وهي ترمقها بنظرات متوعدة:
-يا ولية اتهدي بدل ما أقوملك أخرسك خالص
لم تعبأ بها ناريمان وواصلت هتافها، فإغتاظت السجينة منها، ولوت فمها لتنطق ب:
-يا نسوان يا كَسر، عرفوا المَرَة ( المرأة ) دي مقامها.

تجمع حولها عدداً من النساء، وقامت إحداهن بجذبها من شعرها، وأخرى بضربها في ظهرها، وثالثة بصفعها، ورابعة بلكمها، وخامسة بطرحها أرضاً، ثم تكالبن عليها، وأوسعوها ضرباً في بقية أجزاء جسدها
نظرت السجينة الغاضبة بشماتة، وأردفت قائلة بتشفي:
-كفاية كده عليها النهاردة !
نفضت النساء أيديهن بعد أن إبتعدن عنها، وبصقت عليها إحداهن وهي تنهرها ب:
-إياكي تفتحي بؤك تاني ! جتك القرف !
تكورت ناريمان على نفسها، ودفنت وجهها في الأرضية الباردة، وظلت تبكي من شدة الآلم والذل..
وها هي ليلة أخرى تمر عليها وهي تتجرع مرارة الظلم بمفردها، وتبقى لها الكثير...

في المنتجع السياحي
تلاشت ظلمات الليل، وأشرق فجر جديد و أخير يجمع تحت إشراقته أوس وتقى..
عاد هو بها إلى الردهة حاملاً إياها بين ذراعيه، وركض رجال حراسته نحوه بعد أن أصابهم الجنون لإختفائه..
لم يهتم بأسئلتهم، ولم يجب على شيء.. فقط إتجه نحو الأريكة ليجلس زوجته عليها..

ثم قام أحد أفراد حراسته بإبلاغ إدارة المنتجع بعودته، فحضر مدير المنتجع ومعه بعد المسئولين للإطمئنان عليهما، ولكن تفاجئوا بما صار معهما من تعدٍ سافر من ماركو الذي كان في حالة سُكر رهيبة وما إقترفه في حقهما ومحاولته لقتلهما..
تم التحفظ عليه بغرفته، ورافقه رجلين من حراسة أوس لضمان عدم هروبه، وكذلك أستدعي رجال الشرطة لتسجيل الواقعة..
جلست تقى على الأريكة وظلت تفرك أصابع قدمها، وشعرت بقلة وخزات الآلم، ثم قام أحد المسئولين بإحضار طبيب لتفحص قدمها، وطمأنة أوس بعدم وجود شيء خطير أو حتى يستدعي القلق..

وضع الطبيب رباط ضاغط، ونصحها قائلاً:
-يومين بالكتير ويتفك الرباط، مافيش حاجة خطيرة ياهانم، اطمني !
إبتسمت له مجاملة وهي ترد عليه بخفوت:
-شكراً
أردف مدير المنتجع قائلاً بهدوء:
-احنا أسفين يا فندم، هيتحاسب اللي عمل كده مع حضراتكم، والشرطة بتاخد أقوال الموجودين !

صاح به أوس بصوت متوعد وهو يحدجه بشراسة:
-أنا مش هاسيب حقي، ولا حق الهانم، سامع !
هز مدير المنتجع رأسه موافقاً وهو يجيبه بنبرة هادئة:
-اللي تشوفه يا فندم !
تدخل باقي أفراد الوفد الأجنبي وحاولوا التفاوض مع أوس للتنازل عن البلاغ في مقابل مادي كبير، ولكنه رفض التنازل.. وهتف قائلاً بصرامة:
-مستحيل !
توسل له المترجم برجاء:
-أنا أحدثك بشكل ودي سينيور أوس، برجاء اغفر له خطئه، هو لم يكن في وعيه !
نظر أوس إلى تقى التي كانت تتابع ما يحدث في صمت وهي عاقدة ساعديها أمام صدرها..
حدق في عينيها مطولاً محاولاً قراءة ما تقوله عينيها، ولكنه وقف حائراً في حسم رأيه..

لذا عاود النظر إلى المترجم مضيفاً بصوت جامد:
-القرار النهائي في إيد مراتي !
فغرت تقى شفتيها مشدوهة بما قاله تواً، ونظرت له بذهول محاولة إستيعاب ذلك القرار الذي حملها نتائجه.. وكذلك حلت ساعديها، وإبتلعت ريقها بتوتر..
إستدار أوس برأسه نحوها، وأمعن النظر فيها، فعاتبته بنظراتها لتحميلها تلك المسئولية، ولكنه في قرارة نفسه أراد أن يستشف بطريقة غير مباشرة إن كانت قادرة على العفو عمن إعتدى عليها، أم ستظل على رأيها.. لا تقبل العفو أو الصفح..

أخذت تقى نفساً عميقاً، وحبسته في صدرها، ثم أطرقت رأسها للأسفل لتنظر إلى أصابعها التي تفركها بإرتباك شديد وظلت صامتة لبرهة تفكر في قرارها، فقد أصبح كل شيء مشوشاً أمامها..
سلط المترجم أنظاره عليها قائلاً بإستعطاف:
-سينيورا ! لم نقصد إيذائك، إنه فقط المشروب الذي لعب برأسه، اعطيه فرصة من فضلك، رجاءاً اغفري له !
طال صمتها، فتوجس المترجم خيفة من رفض طلبه..

بينما كانت أعصاب أوس على أشدها.. فما سيلفظه لسانها هو الذي سيحدد مصير حياتهما القادمة معاً..
تأملها بدقة، وتفحص تعابير وجهها بتوتر كبير يختلج صدره رغم الجمود البادي عليه..
-ماشي، أنا هتنازل عن البلاغ !
قالتها تقى فجأة بصوت جاد وثابت ليقطع حاجز الصمت الرهيب، فتنفس الجميع الصعداء بقرارها هذا..
شعر أوس مع كلماتها تلك بأن روحه عادت إليه، وأن هناك بارقة أمل، و لا يوجد مستحيل..
فلو كان مكانها لم يكن لا يقبل بالصفح مطلقاً، ولفتك بمن تجرأ عليه بلا رحمة..

ولكن لا يهم ما يفكر فيه، فهي غيره، وقبلت بالغفران وعفت عمن أساء لها..
هتف المترجم قائلاً بحماس وقد تهللت أساريره:
-قرار صائب سينيورا، أشكرك على تفهمك، وسأبذل جهدي لأعوض كثيراً
ثم هز رأسه في إمتنان جلي، وأضاف قائلاً بسعادة:
-بوناسيرا ( ليلة سعيدة )

انتظر أوس رحيل الجميع عن الردهة، وجلس إلى جوار تقى، وتأملها لبرهة وإبتسامة خفية تتراقص على ثغره.. ثم تنحنح بصوت خشن، ونظر لها بإستغراب سائلاً إياها بفضول ب:
-سامحتيه ليه ؟ كان ممكن نوديه في داهية، وآآآ..
رفعت رأسها لتنظر نحوه بنظرات فارغة وهي تجيبه بقسوة:
-لأني مش عاوزة حاجة تربطني بيك !
وكأنها طعنته بلا رحمة في صدره، فصاح قائلاً بمرارة وغير مصدقاً ما سمعته أذنيه:
-نعم !

تابعت بقساوة أشد وهي تنظر له بإزدراء:
-ايوه، لو قولت لأ، كنت هاجبر نفسي أكون وياك، وأنا عاوزة أخلص من أي حاجة تجمعنا سوا، وأنسى أي لحظة كانت بينا
رد عليها بإحباط وهو يحاول الحفاظ على ثباته أمامها:
-للدرجادي ؟!
هزت رأسها وهي تجيبه بصوت مختنق:
-إنت مجربتش إحساس إنك تكون مقهور، مدبوح، مش قادر تقول لأ عشان تحمي غيرك !
هب من مكانه واقفاً ليوليها ظهره وهاتفاً بجمود:
-خلاص يا تقى ! انتهى !

نظرت له بكبرياء، وتنهدت بحرارة واضحة.. لقد تعمدت تذكيره بجريمته معها حتى لا يظن أنها مسألة سهلة النسيان..
و رغم هذا كان هناك آلماً قوياً يعتصر قلبها حالياً.. هي لا تعرف سببه، ولكن رؤيتها له يتعذب أمامها أصابها بالضيق..
نعم هي في صراع نفسي كبير معه.. هي تمقت جريمته بإغتصابها وعنفه الزائد معها، ولكنها تأبى أن تستمر في قسوتها تلك..
ربما بإفتراقهما ستتعافى من معاناتها وتحصل روحها على السلام الذي تنشده..

أخذت نفساً عميقاً لتسيطر على الإضطراب الذي يتملكها، وذكرت نفسها بأنها في النهاية نالت مرادها منه..
تحرك أوس خطوة للأمام، وأدار رأسه ناحيتها ليرمقها بنظرات خالية من الحياة وهو يضيف بصوت متصلب:
-استنيني هنا، احنا راجعين القاهرة الوقتي !
نظرت له بإندهاش، ورمشت بعينيها مصدومة، ولم تجد من الكلمات ما تجيبه بها.. في حين أعطاها هو نظرة أخيرة متعمقة قبل أن يسير مبتعداً بخطوات أقرب للركض..

كانت تلك النظرات كافية لتزيد من حزنها الغير مبرر..
ولمعت عينيها بعبرات غير مفهومة..
وضعت إصبعها على طرف أنفها، وأشاحت بوجهها للجانب، وحاولت أن تتنفس بعمق لتمنع نفسها من البكاء مجدداً..
ثم حدثت نفسها بعتاب ب:
-إنتي زعلانة ليه ؟ خلاص اللي عاوزاه حصل، وهانفترق وأرجع لحياتي !
أغمضت عينيها لتقاوم رغبتها في البكاء.. فلم تستطع أن تصمد وتمنع عبراتها من الإنسياب..
فأغرقت دموعها الحارة وجنتيها.. نعم دموعاً تختلف عن ذي قبل..
وخشيت أن تفسرها لنفسها..

في منزل الجارة أم بطة
جهزت بطة حقيبة ملابسها، وأسندتها بجوار باب المنزل، وجلست على الأريكة في إنتظار قدوم زوجها عبد الحق..
نظرت لها والدتها بإمتعاض، ولوت فمها قائلة بسخط:
-على الله المرادي تكني في بيتك ومالاقيكش جيالي تاني !
زفرت بطة بضيق، وهتفت قائلة بصوت محتد وهي تشير بكفيها في الهواء:
-يامه ارحميني شوية، ماهو على يدك، كنت بأشوف الويل معاها، خلاص بقى، فضيها سيرة.

لكزتها والدتها في كتفها وهي تضيف بتذمر:
-يابت أنا خايفة على مصلحتك، أديكي شايفة اللي بيحصل مع بنات الحارة والبلاوي اللي بتجرالهم، إن كانت البت تقى ولا آآ.. ولا رحمة !
نظرت لها بحنق وهي تقول بنزق:
-ربنا يرحمها، أهي أمها السبب في اللي حصلها !
زمت والدتها ثغرها في إعتراض وهي تجيبها بجمود:
-لأ يا ختي، البت طول عمرها ماشية في السكة البطالة، كان لازم يجرالها كده.

حدقت بطة فيها بغيظ، وصاحت بغل:
-يامه إنتي شمتانة فيها، ارحمي نفسك شوية !
أخفضت والدتها نبرة صوتها وهي تتابع بجدية:
-أنا عاوزاكي تتعظي من اللي بيحصل حواليكي !
لوت فمها للجانب وهي تجيبها بعدم اقتناع:
-أتعظ، ربنا ييسر !!!

ثم سمعت كلتاهما صوت طرقات على الباب المنزل، فنهضت أم بطة من على الأريكة، وقامت بفتح الباب ليرتسم على ثغرها إبتسامة زائفة وهي تهتف ب:
-ازيك يا جوز بنتي
أجابها عبد الحق بإبتسامة باهتة وهو يجوب بعينيه المكان:
-الحمدلله يا حماتي، بطة جاهزة
أفسحت أم بطة المجال له لكي يمرق للداخل، وأشارت بيدها نحوها قائلة بحماس:
-اه يا بني من بدري، وأعدة مستنياك.

حدقت بطة في عيني زوجها وهتفت قائلة بجدية شديدة:
-ازيك يا عبده، معلش عاوزاك في كلمتين جوا في الأوضة !
تعجب الأخير من ملامحها الغريبة تلك، وسألها مستغرباً:
-خير ؟
إنقبض قلب والدتها من شكل إبنتها، وخشيت أن ترتكب حماقة أخرى، فتسائلت بتوجس وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-في ايه يا بت ؟

لم تنظر نحوها، وظلت مسلطة أنظارها على عبد الحق، وردت بجفاء:
-مافيش يامه، أنا عاوزة أتكلم مع جوزي في حاجة قبل ما أمشي من هنا !
أثار الفضول عبد الحق لمعرفة تفاصيل ذلك الأمر الطاريء، فأشار بعينيه نحو غرفة بطة قائلاً بهدوء:
-تعالي جوا !

دلف عبد الحق إلى داخل الغرفة، فأغلقت بطة الباب، وإستدارت ببطء نحوه، ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته بهدوء..
لحقت بهما والدتها، وإستندت على الباب محاولة التنصت على حوارهما معاً..
حدقت بطة في عيني زوجها، وأردفت قائلة بثبات:
-أنا عاوزة أحكيلك على حاجة مهمة
نظر لها بإستغراب وهو يسألها بإهتمام:
-في ايه ؟

تابعت قائلة بنفس الثبات دونأن ترمش بعينيها ب:
-عشان لو هنكمل مع بعض يبقى احنا الاتنين على نور
خفق قلبه بتوتر، وأمسك بها من كتفيها وهزها قليلاً وهو يسألها بنفاذ صبر:
-اتكلمي يا بطة، في ايه ؟
ابتلعت ريقها وهي تجيبه بصوت متلعثم:
-أنا.. أنا مكونتش حبلى !

لطمت والدتها على صدغها بصدمة، وكزت على أسنانها قائلة بحنق:
-يخريبتك بت، قولتيله ! يادي النصيبة وخراب البيت المستعجل !
فغر عبد الحق ثغره في عدم فهم ليصيح بضيق ب:
-ايه ! أنا مش فاهم !
تنهدت بطة بيأس، وأجابته بخفوت وهي تنظر له بعتاب:
-يعني أنا كدبت وقولت إني حبلى عشان اترحم من عذاب أمك واللي بتعمله فيا
اتسعت حدقتيه في ذهول، وهتف ب:
-هاه.

تابعت بطة حديثها قائلة بشجن:
-فكرت لما أعمل كده وأقول إني حبلى هاتحبني، وتعامليني كويس زي بنتها، بس هي فضلت كرهاني، ومش طايقة مني حاجة !!!
وضع عبد الحق يديه على رأسه، وضغط عليها بقوة وهو يتسائل بحيرة:
-أومال إنتي إزاي سقطتي ؟ والدم والفضيحة اللي حصلت هناك ؟!!!!
ردت عليه بخفوت وهي تراقب ردة فعله:
-ده ملعوب عملته مع أم نجاح !
نظر له مدهوشاً وهو يهتف بصوت مصدوم:
-أم نجاح
أضافت بطة قائلة بحذر:
-الولية مالهاش ذنب ! أنا اللي قولتلها تعمل كده.

أمسكها عبد الحق من كتفيها وهزها بعنف وهو يصرخ بإنفعال:
-طب ليه ؟ عملتي ده كله ليه، انطقي ؟ قوليلي مافكرتيش فيا لما أعرف بالكدب ده كله هيحصل بينا ايه ؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وردت عليه بصوت مختنق ب:
-لأ فكرت، وعشان كده قولتلك باللي حصل، وبأخيرك، بين نكمل على بياض من أول وجديد، أو كل واحد يروح لحاله !
في تلك اللحظة تحديداً فتحت والدتها الباب، وإندفعت كالمجنونة للداخل وهي تصرخ بإهتياج:
-اييييه ! عاوزة تخربي بيتك بايدك يا متخلفة !

ثم أمسكت بها من شعرها، ولوت رأسها للأسفل عنوة، وصفعتها على وجهها بعنف وهي تصيح ب:
-كده هاترتاحي يا بنت ال ****
صرخت بطة متأوهة من الآلم، وحاولت تخليص خصلات شعرها من يد أمها قائلة بنشيج:
-آآآآه، بس يامه، كان لازم يعرف !
هزتها من رأسها بعصبية، وضربتها على ظهرها وهي تضيف بغضب:
-منك لله يا شيخة، من الأول أنا مفهماكي تحابي على بيتك وجوزك، وإنتي شيطانك راكبك !

ثم إنهالت عليها بقبضتيها على ظهرها بعنف أشد، فسقطت بطة على الأرضية، فركلتها والدتها بقدمها في بطنها وهي تصرخ بعصبية:
-منك لله ! خربتيها وأعدتي على تلها !
-آآآآه، موتيني يامه خليني أرتاح !
أشفق عبد الحق على زوجته، وأسرع ناحية والدتها، وأمسك بها من ذراعيها، وارجعها للخلف قائلاً بإستعطاف:
-خلاص يا حماتي، سبيها !

صاحت بطة ببكاء مرير وهي تحاول النهوض:
-آآآآآه.. ارحميني يامه، ما هو لو أنا كنت لاقية صدر حنين مكونتش فرط في بيتي، ورضيت واستحملت، بس ملاقتش إلا القرف والغلب هنا، عاوزاني أستحمل لحد امتى ؟ لحد ما أموت نفسي وتتبسطي ! لو ده يريحك أنا هاعمله !
صرخت فيها والدتها بعصبية وهي تشير بيدها:
-يا بت أنا عندي كوم لحم غيرك، عاوزة أسترهم وافرح بيهم !
ردت عليها بطة بنبرة يائسة:
-لأ يامه، مش كده، إنتي بترمينا للي يدفع ويشيل !

رمقتها والدتها بنظرات ساخطة وهي تهتف مدافعة وملوحة بيدها:
-أرميكم، ده انتو حتة مني !
نشجت بطة اكثر وهي تضيف بمرارة:
-لأ رميتينا وبالرخيص ! فملاقناش اللي يلمنا بعدك، كله بيدوس علينا ! لأننا مانسواش مليم في نظرهم !
ضربت أم بطة صدرها بكفيها قائلة بحسرة:
-أديكي رجعتي تاني هنا، وعبده مش بعيد يرمي اليمين ويطلقك، ما هو ده حقه، محدش هايلومه، و ابقي قابليني لو حد رضى بيكي تاني بعده، منك لله يا شيخة، وقفتي حالك وحال اخواتك !!!!

صُدم عبد الحق من حديث والدتها الموجع.. وأدرك مدى المعاناة التي تقاسيها زوجته سواء في منزلها أو منزله.. والقهر الذي تعيشه رغم صغر سنها..
لم يرْ هذه المسألة بوضوح من قبل..
فقد كان يهتم برغباته وشهواته، لا بزوجته ولا بما تمر به من ظلم بيّن.. ولكن اليوم أدرك معنى انهيار أسرته بسبب القسوة والعنف.. لذا هتف قائلاً بصوت محتد وهو محدق بهما:
-مين قالك إني هاطلقها، أنا بأحب بطة وعاوزها معايا !

نظرت له والدتها بصدمة وهي فاغرة شفتيها:
-هاه، يعني انت آآ.. آآ..
إلتفت برأسه ناحية زوجته، وصاح مقاطعاً إياها بصوت متحشرج:
-يالا يا بطة، أنا هاخدك وطالع على أوضتنا في السطوح، ومالناش دعوة لا بأمك ولا بأمي
مسحت بطة عبراتها، ونهضت بتثاقل من على الأرضية، سألة إياه بصوت متقطع:
-إنت بتكلم جد ؟

أمسك بها عبد الحق من ذراعها ليسندها، وأجابها بجدية:
-ايوه، كفاية اللي حصل، وانسي ده كله !
حدقت فيه بعينيها الدامعين وسألته بتوجس:
-يعني انت مش.. مش هاتطلقني ؟

إبتسم لها قائلاً بهدوء:
-لأ، أنا عاوزك معايا، كفاية نكد في حياتنا !
ثم وضع يده على طرف ذقنها، وتابع بمزاح:
-بس ماتجبيش سيرة باللي لحصل لأمي
إبتسمت له بسعادة غامرة وهي تجيبه بتلهف:
-حاضر يا سي عبده !
لم تصدق أم بطة أذنيها، لقد تحول الأمر برمته لصالح ابنتها، ولم يفسد الزواج، فتنهدت بإرتياح وهي ترفع بصرها للسماء قائلة:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب، دايما مكملها بالستر مع الغلابة اللي زينا

في مشفى الأمراض النفسية
جلس عدي في مواجهة الطبيب المعالج لزوجته ليان في مكتبه الخاص، وهتف قائلاً بحماس:
-أنا متأسف إني جيت لحضرتك بدري أوي كده، بس مكونتش أقدر أستنى وأنا معايا أكتر شخص ممكن يساعد ليان
قطب الطبيب جبينه، وسأله بإهتمام:
-مين ؟
أشار عدي بعينيه وهو ينظر لتهاني الجالسة في مواجهته:
-مامتها الحقيقية ! مدام تهاني !

هتفت هي بنبرة متوسلة ونظراتها متعلقة بالطبيب:
-خليني أشوف بنتي يا دكتور، سيبني أخدها في حضني، وأطبطب عليها، وأعوضها عن اللي فات، كفاية إنهم حرموني منها !
رد عليها بنبرة رسمية وهو يوميء برأسه:
-حاضر يا هانم، بس قبل ما أعمل ده لازم أمهدلها الأول، وإلا هي هاترفض تتقبل الوضع الجديد، ويحصل إنتكاسة
-طب أشوفها بس، من غير ما اقول حاجة، أبص عليها، أشوف شكلها
مط الطبيب فمه للأمام، وهز رأسه قليلاً ليفكر فيما قالته، ثم تشدق قائلاً بهدوء:
-حاضر !

نهض هو عن مقعده، وإتجه إلى باب الغرفة، فتابعته نظرات تهاني المتلهفة لرؤية ابنتها بإشتياق حقيقي، فأردفت المدبرة عفاف قائلة بنبرة حانية:
-اهدي يا ست تهاني، الوقتي هاتشوفيها، وتقعدي معاها، بس لازم ننفذ كلام الدكتور، عشان مصلحتها
أومأت برأسها عدة مرات وهي تجيبها بتنهيدة واضحة:
-ماشي، آآآآه، أخيراً يا بنتي هاملي عيني منك !

أخرج عدي هاتفه لينظر إلى التوقيت، ثم أسنده على سطح المكتب، وظل يزفر بتوتر، ثم عقد ساعديه أمام صدره، وهز ساقيه بعصبية وهو يحدث نفسه ب:
-يا ريت اللي بأعمله يجي بفايدة يا ليان، وتخفي ونرجع نعيش سوا، ونكون أسعد زوجين ! الدكتور طمني إن في أمل فيا، والعلاج هايجيب نتيجة، كلها مسألة وقت بس !

إلتفت برأسه ناحية الباب، وظل محدقاً به لبرهة.. ثم نهض عن مقعده قائلاً بجدية:
-أنا هاشوف الدكتور وراجع تاني
ردت عليه عفاف بإبتسامة:
-ماشي يا باشا، خد راحتك، وأنا أعدة هنا مع الست عفاف
-تمام !
خرج عدي من الغرفة، بينما رفعت تهاني بصرها للسماء، وتنهدت قائلة بتوسل:
-يا رب اجمعني بولادي على خير، وعوض صبري خير

في المنتجع السياحي
أشار أوس بيده لحراسته الخاصة قائلاً بصرامة وهو ينظر حوله:
-الشنط تتحط في العربية، وباقي الناس تجهز ! وخلي السواق معاكم، أنا اللي هاسوق
أجابه أحد رجاله بجدية شديدة:
-حاضر يا فندم !
أضاف قائلاً بصوت متصلب وهو يوميء بعينيه الحادتين:
-عاوز حراسة مع الهانم لحد ما أرجع تاني
رد عليه الحارس بنبرة رسمية وهو يهز رأسه موافقاً:
-أوامرك يا باشا !

ثم تحرك أوس للأمام وأخرج هاتفه المحمول من جيبه، ليهاتف عدي، ثم وضعه على أذنه، وإنتظر أن يجيب عليه بفارغ الصبر..
في نفس اللحظة تحرك أحد رجال حراسته للخلف، وتوارى عن الأنظار ليتحدث في هاتفه بسرية دون أن يلحظه أحد..
نظر حوله بريبة، ثم همس قائلاً بكلمات مقتضبة:
-الباشا هايتحرك بنفسه، دي فرصتكم ! سلام !
ثم إشرأب بعنقه للأعلى ليتأكد من عدم متابعة أحد له، ومن ثم عاد إلى موقعه وهو يدس هاتفه في جيبه..

في مشفى الأمراض النفسية
نسي عدي هاتفه المحمول على سطح المكتب، فظل يرن لعدة مرات..
حدقت به عفاف، ونظرت بفضول إلى شاشته، فوجدت إسم أوس يصدح به.. فرفعت عينيها في إتجاه تهاني التي كانت مطرقة الرأس، ودار بخلدها فكرة ما.. لماذا لا تعيد لم الشمل من جديد، وتجعل أوس يستمع إلى صوت والدته..
لذا دون تردد مدت يدها لتمسك بالهاتف، ووجهته ناحية تهاني قائلة بخفوت:
-أوس باشا بيتصل !

رفعت تهاني رأسها للأعلى مصدومة، وإتسعت حدقتيها بتوتر شديد.. وتسارعت دقات قلبها..
فإبنها هو أكثر من تحتاج إليه لتبرر له موقفها، وتوضح له الحقيقة الغائبة عنه، وتستعيد ثقته بها،وتعيده إلى أحضانها..
أضافت تهاني متسائلة بإهتمام:
-تحبي تسمعي صوته ؟
هزت تهاني رأسها عدة مرات وقد أدمعت عينيها بشدة..
ضغطت عفاف على زر الإيجاب، وإبتسمت لها برقة وهي تناولها إياه..

بأصابع مرتجفة وضعت تهاني الهاتف على أذنها، وإستمعت إلى صوته وهو يهتف بجمود:
-ساعة عشان ترد !
كتمت تهاني شهقتها بعد سماعه لصوته الذي تشتاقه، وحبست أنفاسها قدر المستطاع..
مدت عفاف يدها لتمسك بكفها، وضغطت عليه، ونظرت لها برجاء حتى تتحامل على نفسها ولا تفضح الأمر ببكائها فتنتهي المكالمة..

بينما أكمل أوس قائلاً بصوت متصلب:
-صحصحلي كده واسمع، أنا لاغيت الصفقة مع الوفد الأسباني، ابن ال *** كان بيبص لتقى، وأنا كنت هافقع أم عينه وأموته، بس هي منعتني من ده، لكن هو استغبى معانا بزيادة.. هابقى هاحيلك على التفاصيل بعدين، بس أنا راجع القاهرة الوقتي، فعاوزك تطلع على الشركة بدري، وآآ..
تعجب أوس من صمت عدي عليه، فهتف قائلاً بضيق:
-إنت سامعني ؟ ولا ضاربها طناش ! إنت يا بني رد !

لم تستطع تهاني الصمود، فخفقان قلبها ولهفتها على ابنها دفعها للشهيق بنحيب قائلة:
-آآ.. أوس، إبني !
تجمدت تعابير وجهه بعد سماع صوتها، وتسائل قائلاً بصدمة رغم معرفته لهويتها بقلبه، ولكن عجز لسانه عن النطق بإسمها:
-مين معايا ؟!
ردت عليه بصوتها اللاهث ب:
-أنا.. أنا تهاني.. أمك يا حبيبي !
خفق قلبه بعنف وهو يضيف بجمود:
-إنتي ؟!

تنهدت ببكاء أشد وهي تتوسله بإستعطاف:
-سامحيني يا ضنايا، غصب عني أسيبك لوحدك، هما السبب في ده، أنا معنديش أغلى منك يا حبيبي، إنت ابني وبس ! ابني اللي حرموني منه، وعذبوني ببعدك عني
صمت أوس ولم يجبها، وظل محدقاً أمامه بنظرات فارغة !..
تابعت تهاني حديثها الباكي ب:
-أنا ماليش غيرك إنت واختك، سامعني يا بني، أنا بأطلب منك السماح، أنا مش عايشة إلا ليكم وبس، سامحني، اغفرلي ذنب معملتوش !
إعتصر الآلم قلبه، ولم يستطع الرد على توسلاتها الباكية..

إختنق صوتها المتشنج وهي ترجوه قائلة:
-أنا أمك يا حبيبي، مش قادر تسامح أمك، طب وحياة أغلى حاجة عنك سامحني، كلمني طيب، قول حاجة، قولي انك معايا وحاسس بيا
طال صمته، فتقطع قلبها حزناً، وهتفت ببكاء حار:
-أوس.. رد عليا !

أبعد أوس الهاتف عن أذنه وهو يذرف العبرات تلقائياً..
فقد آلمه بشدة أن يكون متحجر القلب معها.. ولكنها من تتحمل اللوم فيما آل إليه حاله..
نعم هي والدته، ولكنها من جنت عليه، وتركته ليغتصب وينتهك على يد زوجها، ومن بعده أبيه الذي تفنن في تعليمه الموبقات، وها هو اليوم يدفع ثمن ما وصل إليه من سلوك مريض مع زوجته، ويتعذب من رؤية نظراتها التي تقتله كل لحظة.. فلماذا يصفح هو لها بسهولة وقد تحول إلى ذئبٍ لا يعرف الحب ولا يغفر..

سحبت عفاف الهاتف من تهاني، وأنهت المكالمة وهي تربت على ظهرها قائلة بأسف:
-اهدي يا ست تهاني، اهدي
نظرت لها بعينيها الباكيتين وهي تتابع بصوت منتحب:
-مرضاش يرد عليا ويقولي سامحتك يا أمي، لسه قلبه شايل مني، آآآه، لسه مش قادر ينسى اللي حصل زمان !
ردت عليها بهدوء وهي تواسيها بنظراتها:
-الأيام هاتنسيه، أنا شوفته وحاسة إنه اتغير، بس بياخد وقت
هزت رأسها في آسى وهي ترد عليها بحزن:
-يا ريت ينسى، يا ريت !

في المنتجع السياحي
صف السائق السيارة أمام مدخل الإستقبال الرئيسي لإدارة الفندق..
وترجل منها ووقف منتصباً بجسده في إنتظار وصول أوس الجندي وزوجته..
في نفس التوقيت، إستندت تقى بذراعها على إحدى الموظفات وهي تسير بخطوات بطئية في إتجاه الخارج..
وما إن لمحها السائق حتى أسرع ناحية الباب الأمامي للسيارة وفتحه لها قائلاً بهدوء:
-اتفضلي يا فندم
نظرت له تقى بإستغراب، وسألته بحيرة:
-أنا هاقعد ورا، ليه بتفتح الباب ده ؟

أجابها بهدوء شديد وهو مجفل عينيه:
-الباشا أوس هو اللي هيسوق يا هانم
فغرت شفتيها مصدومة وهي تردد:
-هاه، هايسوق !
-اركبي !
قالها أوس بصوت جاف وهو يتحرك بعصبية في إتجاه السيارة
تعجبت هي من حالته تلك، فقد كانت تعابير وجهه متشنجة للغاية..

نظر لها بأعين قاتمة وهو يضيف بصرامة:
-مش هاستنى كتير، يالا !
ضغطت على شفتيها بقلق، ثم ركبت بحذر إلى جواره..
أغلق السائق باب السيارة، وتراجع للخلف.. في حين أدار أوس محركها، وضغطت على الدواسة وهو يدير عجلة القيادة لتنحرف السيارة وتنطلق بسرعة في إتجاه مخرج المنتجع...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع والخمسون والأخير

في مشفى الأمراض النفسية
أشار الطبيب بيده إلى طاولة ما تجلس عليها ليان ثم أردف قائلاً بجدية إلى تهاني الواقفة إلى جواره:
-هي اللي أعدة هناك دي !
وضعت يدها على صدرها لتشعر بضربات قلبها المتلاحقة..
نظر نحوها الطبيب وهو يتابع بنبرة محذرة:
-بس خلي بالك وإنتي بتكلميها، مش لازم تعرف إنك أمها، إنتي بالنسبالها واحدة غريبة، جاية تقعدي معاها شوية
أومأت برأسها وهي تجيبه بسعادة:
-حاضر.

أسند عدي كفه على كتفها، ونظر لها برجاء وهو يهتف بخوف:
-مدام تهاني مش هاوصيكي، ليان آآآ..
قاطعته بنبرة حانية وهي تزيح يده من عليها:
-دي بنتي، ماتوصنيش عليها !
ثم تركته وسارت وعلى وجهها إبتسامة أمل بلقاء ابنتها الغالية..
تحركت تهاني بخطوات محسوبة نحوها، ولم تحيد بعينيها عنها..
ركض قلبها نحوها قبل ساقيها..

لمحتها وهي تنظر بشرود أمامها، وتمعنت بدقة في تفاصيل وجهها..
كم أن ملامحها تقاربها بدرجة كبيرة..
هي تشبهها، بل على الأحرى أن نقول هي صورة مصغرة منها في شبابها..
إعتلى صدرها وهبط وهي تقترب منها حتى صارت على بعد عدة خطوات..
وضعت يدها المرتجفة على صدرها، وخفق قلبها بشدة، وتلاحقت أنفاسها..
لهثت بصوت مسموع، وصمت دقات قلبها العالية آذانها..

أخذت نفساً عميقاً وحبسته في صدره لتسيطر على حالة الإرتباك التي تتملكها..
وقفت خلفها، ومدت يدها للأمام لتتلمس خصلات شعرها، ولكنها قبضت يدها وسحبتها للخلف سريعاً..
راقبهما الطبيب وعدي بتوتر شديد..
فهي لحظة حاسمة لكلتاهما.. ونتائج هذا اللقاء سيترتب عليه الكثير
إبتلعت تهاني ريقها، وتحركت للأمام وهي تهمس بصوت متحشرج:
-إحم.. ص..صباح الخير
لم تنظر لها ليان بل ظلت محدقة أمامها بحزن بادي في عينيها...

ضغطت تهاني على شفتيها بقوة لتمنع نفسها من البكاء، وأدارت رأسها للجانب وهي تضع يدها على أنفها، ثم أغمضت عينيها متحسرة على حال إبنتها..
نظرت لها ليان بطرف عينها دون أن تنبس بكلمة.. ومن ثم حدقت أمامها مجدداً..
جلست تهاني إلى جوارها، وفركت أصابعها بتوتر وهي تردف بخفوت وتلعثم:
-أنا.. أنا آآ.. شوفتك أعدة لوحدك من بعيد، ف.. آآ.. فقولت أقعد معاكي شوية
زفرت ليان بعمق، ولم تجبْ عليها..

مدت تهاني يدها بحذر نحو ذراع ليان لتلمسه، فهاجت عواطفها، ونظرت لها بحنو أمومي حقيقي سائلة إياها بصوت دافيء:
-مالك يا بنتي ؟ ساكتة ليه ؟
لوت فمها لتبتسم ساخرة وهي تجيبها بتهكم:
-بنتك ! هه ! ده كدب.. أنا مش بنت حد، أنا ماليش أهل !
خفق قلب تهاني بعنف، وعلقت غصة مريرة في حلقها، فهتفت بنزق وهي دامعة العينين:
-لأ إنتي بنتي !
أدارت ليان رأسها في إتجاهها لترمقها بنظرات متعجبة..

في حين رفعت تهاني أناملها نحو وجنتها لتتلمس بشرتها، وشهقت بخفوت من أثر تلك اللمسة التي إفتقدتها..
فاضت عبراتها عفوياً.. وتنهدت بحرارة وهي تتأمل ابنتها بتمعن..
يا الله ! كم كبرت كثيراً، وصارت تشبهها..
لقد حرمها القدر من أن تراها تحبو وتخطو أولى خطواتها أمامها، ومن إصطحابها للمدرسة في أول يوم دراسة لها، ومن رؤيتها تنضج وتصير عروساً تزينها بيديها لترسلها إلى زوجها بكل محبة..
قطبت ليان جبينها في إستغراب من تصرفات تلك المرأة الغريبة، وسألتها بجمود:
-في ايه ؟ إنتي بتعيطي ليه ؟

أجابتها بصوت مختنق وهي تحدق بها:
-قلبي واجعني أوي !
سألتها ليان بإهتمام وهي تراقب تصرفاتها:
-ليه ؟
ردت عليها بصوت منتحب وهي تجفف عبراتها:
-خدوا بنتي مني، وحرموني من حضنها، بس غصب عني أشوفها ومقدرش أخدها في حضني، وأطبطب عليها !
سألتها بفضول وقد إزداد إنعقاد ما بين حاجبيها:
-ليه مش قادرة ؟

أجابتها بصوت متقطع:
-خايفة.. خايفة تنكر وجودي، و.. وتبقى قاسية عليا زي أخوها، وترفض حبي ليها
تنهدت ليان بحرارة وهي تضيف بآسى:
-يا ريت كان عندي حد يحبني بجد ويخاف عليا، لكن ماليش حتى أم تسأل عليا !
إختنق صدر تهاني وهي تحدث نفسها بمرارة:
-أنا هنا يا حبيبتي، قصادك يا غالية ! بأحبك من قبل ما تتولدي، من أول ما عرفت إني حامل فيكي، أنا جمبك يا ضنايا، ومش بعيدة عنك !
إنتصبت ليان في جلستها، وأردفت فجأة بجمود:
-أنا ماشية !

ثم نهضت عن مقعدها، فخفق قلب تهاني بعنف وهي تراها تبتعد عنها، لذا نهضت هي الأخرى من مكانها وهتفت بتلهف:
-ليان، استني يا بنتي ! أنا أمك !
تسمرت ليان في مكانها مصدومة، ونظرت أمامها بذهول واضح في مقلتيها..
وقفت تهاني خلفها، وتابعت قائلة ببكاء:
-أيوه أنا أمك تهاني، أنا اللي خدوكي مني وحرموني منك، أنا اللي بتحبك بجد وبتخاف عليكي، إنتي بنتي، وأنا أمك، أيوه.. أمك !
إستدارت ليان بجسدها ببطء لتنظر لها بصدمة..
رأت في عيني تلك السيدة عبرات صادقة، ولمس حديثها قلبها بشدة..

لا تعرف لماذا لم ترفض ما قالته أو تغضب أو تثور عليها مستنكرة هذا.. لكنها وجدت في عاطفتها الجياشة شعوراً حقيقياً ودت أن تشعر به يوماً مع ناريمان..
اقتربت منها تهاني، ومدت يديها المرتجفتين لتتلمس وجهها وتحتضنه وهي تضيف بخفوت:
-إنتي بنتي، ولو كنت أعرف إنك عايشة مكونتش سيبتك لحظة ليهم، كنت خدتك في حضني تاني، وحميتك من أذاهم !
أدمعت عيني ليان، وتنهدت بحرارة وهي تحاول كبح رغبتها في البكاء..
أومأت تهاني بعينيها المتورمتين من كثرة البكاء وهي تكمل بإصرار:
-أنا أمك، ومش هاسيبك يا بنتي ! ربنا جمعني بيكي تاني، وهافضل جمبك على طول، مش هياخدوكي مني !
حركت ليان شفتيها ببطء وهي تهمس بتلعثم:
-م.. ما آآ.. ماما !
-بنتي !

قالتها تهاني وهي تجذب ابنتها إلى صدرها لتضمها وتحتضنها بإحساس صادق في مشاعرها..
شعرت ليان بين ذراعي تلك السيدة براحة غريبة.. بسكون عجيب هدأ من روحها المضطربة..
لم تدعْ تلك السيدة حبها كغيرها، بل بكتْ لإجلها بحق دون أن تزيف مشاعرها..
ورغم أنها لم تتقبل بعد فكرة كونها أمها إلا أنها لم تقاوم شعورها بالإستسلام لدفيء حضنها....
ربت الطبيب على ظهر عدي بسعادة حقيقية وهو يرى تجاوب ليان مع تهاني، وهتف قائلاً بحماس:
-بداية مبشرة إن شاء الله !
نظر له عدي ببريق أمل في عينيه وهو يجيبه بإرتياح:
-ايوه يا دكتور !

في سيارة أوس
قاد أوس سيارته عبر الطريق الصحراوي بسرعة عالية إلى حد ما، وظل صامتاً، ولكن عقله لم يتوقف للحظة عن التفكير..
وضع نظارته القاتمة على عينيه ليخفي تلك الحمرة الشديدة التي ألهبتهما..
راقبته تقى بإستغراب شديد من طرف عينها، وتعجبت من تبدل حاله للجمود الشديد، وتسائلت مع نفسها عن سبب تغيره هكذا..
خشيت أن تتجرأ وتسأله فينتهز الفرصة ويصب غضبه عليها.. فأسلوبه صار أكثر حدة منذ أن ركبا السيارة سوياً حتى مع أفراد حراسته..

كما وضعت إصبعها بين أسنانها، وعضت عليه قليلاً معتقدة أن للأمر علاقة بالعمل، وربما خسارته لتلك الصفقة الجديدة أزعجه بشدة.. فإبتلعت ريقها متوترة وهي تحسب القيمة المادية لها..
وفجأة فغر أوس ثغره ليتسائل بصوت آجش قاطعاً لذلك الصمت المشحون ب:
-بتحبي خالتك ؟
ضيقت عينيها وهي تردد بإندهاش:
-خالتي !
نظر إليها من خلف نظارته متفرساً ملامحها قبل أن ينظر أمامه ليقول:
-أها
ردت عليه بخفوت وهي تنظر من نافذتها الجانبية:
-اه بأحبها
سألها بإيجاز، وهو يرفع نظارته للأعلى:
-ليه ؟
هزت كتفيها بعفوية، وأجابته بفتور:
-عادي
دقق النظر بها وهو يزيد من سرعة سيارته متسائلاً بصوت متصلب:
-إيه السبب اللي يخليكي تحبيها وهي معملتش أصلاً حاجة ليكي ؟

لوت شفتيها لتجيبه بجفاء دون أن تنظر نحوه:
-أنا مش محتاجة سبب معين عشان أحبها !
تقوس فمه ساخراً ب:
-يا سلام !
إلتفتت برأسها نحوه،ورمقته بنظرات جافة وهي تجيبه بقوة:
-أيوه، الحب مش بيطلب، هو بيتحس من اللي حواليك !
سألها مستفهماً وهو محدق بعينيها:
-تقدري تسامحيها لو غلطت فيكي ؟
أجابته دون تردد وبثقة:
-أيوه.

سلط أنظاره على الطريق، وتنهد بحزن وهو يتابع قائلاً:
-اشمعنى أنا مش قادر أسامحها
نظرت له مذهولة وهي تغمغم ب:
-هاه
رمقها بنظرات حزينة وهو يتابع بضيق:
-عارفة ليه يا تقى مش عارف أسامحها ؟

إرتبكت من تلك النظرات الغريبة التي لم تعتادها منه.. وخشيت من أن يهاجمها ذلك الشعور الذي يجعلها تتآلم أكثر..
فحاولت أن تبدو غير مهتمة بما يقول، وإستدارت للجانب قليلاً وعقدت ساعديها أمام صدرها، وهتفت ببرود:
-مش عاوزة أعرف !
تنهد بعمق قائلاً بمرارة:
-زي ما إنتي نفسك مش قادرة تسامحيني، فأنا مش قادر أسامحها أو حتى.. أو حتى أحبها !
أغمضت عينيها جبراً، وصاحت بقوة:
-أنا مش عاوزة أتكلم
رد عليها بإصرار واضح في جميع تعبيراته:
-بس أنا عاوز!
نفخت من الضيق وظلت محدقة بالنافذة..

في نفس التوقيت كانت هناك سيارتي دفع رباعي تنطلقان بسرعة رهيبة في نفس إتجاه سيارته ومتواجد بهما أشخاص من ذوي الأجسام الضخمة.. ويتبادلون الإشارات اليدوية والحديث الجاد بينهم وعبر الهواتف المحمولة..

عودة لداخل السيارة
أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره على مهل ليردف قائلاً بصعوبة وهو يرمش بجفنيه:
-أنا مكونتش كده، بس هي السبب، ايوه هي اللي سابتني لوحدي مع أقذر بني آدم ممكن يتعاشر يعمل فيا ما بداله، ومقدرتش تحميني منه !
ظلت على حالتها الرافضة، وصاحت بقسوة:
-مايهمنيش اعرف !
توتر صوته وهو يضيف قائلاً:
-تفتكري إيه أسوأ كابوس ممكن يعيشه طفل ويطلع منه سليم ؟

إعتقدت تقى أنه يحاول التلاعب بأعصابها، وتشويش مشاعرها.. وترقيق قلبها نحوه، وتبرير أفعاله المشينة، فإستدارت نحوه، وهتفت بغضب وهي تشير بإصبعها:
-إنت عاوز تحملها الذنب وخلاص ؟ تبقى غلطان، عقلها كان تعبان، وحالها يصعب على الكافر
إلتوى فمه بسخرية مريرة وهو يقول:
-هه، بجد ؟
تابعت قائلة بصوت محتد وهي ترمقه بنظرات إستهجان:
-ايوه، انت متعرفش حاجة عنها، دي كانت بتموت كل يوم وقلبها حزين ومحروق على ولادها اللي راحوا منها ! وللأسف إنت طلعت واحد منهم !
إبتسم لها قائلاً بتهكم:
-حقيقي اتأثرت.

إغتاظت من رده عليه، فصاحت بحدة:
-اللي زيك مش هايعرف هايحس بغيره أبداً ! لأنك معندكش قلب
أغضبته كلماتها الأخيرة، فضغط على عجلة القيادة بأصابعه ليكبح إنفعالاته، وإستدار برأسه نحوها ليرمقها بأعينه المشتعلة قائلاً بشراسة:
-ومسألتيش نفسك ليه معنديش قلب ؟ بأتعامل مع الناس بالأسلوب ده ؟
رمقته بنظرات إحتقار وهي تجيبه بنبرة ضائقة:
-مش عاوزة أسأل ! كفاية اللي شوفته منك !

نفخ بغضب، وأخذ نفساً عميقاً ليزفره بصعوبة وهو يقول:
-أنا اتعذبت كتير يا تقى
لوت فمها قائلة بقسوة وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه:
-كلام !
إستشاط أوس غضباً من ردودها الجافة، ومن تجاهلها لمشاعره، فمد يده نحوها، وقبض على رسغها، فإنتفضت مذعورة، وإضطرب صدرها بقوة.. ونظرت له بإستنكار، فهتف قائلاً بإنفعال:
-لأ مش كلام !

تلوت برسغها محاولة تخليصه، وصرت على أسنانها قائلة بعصبية:
-انت عاوز توصل لإيه ؟ إني أسامحك ؟
حدقت به بشراسة، وهتفت بعِناد:
-مش هايحصل أبداً، مقدرش أسامح حد دبحني ومرحمنيش !
نظر لها بندم، وأرخى قبضته عنها، وصاح بإستعطاف:
-دي كانت لحظة يا تقى، لحظة !
صرخت فيه بجنون:
-بس دمرت حياتي كلها، قضت على أحلامي !

دافع عن نفسه قائلاً بحدة:
-بس أنا كنت جوزك، ايوه بأعترف إني كنت مجرم معاكي، بس على الأقل آآآ..
قاطعته بصوت هادر وهي ترمقه بنظراتها النارية:
-عاوز تبرر جريمتك والسلام ؟ عاوز ضميرك يرتاح ؟ صدقني مش هاتعرف، مافيش حاجة تغفر لراجل يغتصب واحدة غصب عنها !
إختنق صوته وهو يسترضيها قائلاً:
-يا تقى كفاية تعذيب فيا !
ثم صمت للحظة ليتابع بحرقة:
-أنا كل يوم بأعيش نفس اللحظة اللي عيشتها من 20 سنة بسببك
نظرت له بجمود متسائلة ب:
-بسببي ؟

أخفض نبرة صوته قائلاً بمرارة:
-أنا مارتحتش ليوم واحد، مانمتش يوم بدون ما شبحه يطاردني
تعذر على تقى فهم ما يقوله.. وتصارعت مشاعرها، فهزت رأسها بحيرة، وسألته بضيق:
-إنت بتقول ايه ؟!
تشنج صوته وبدى مبحوحاً وهو يضيف:
-جربتي احساس طفل يتدبح كل يوم ومش قادر ينطق
نظرت له بخوف قائلة:
-هاه
أكمل قائلاً بنشيج وقد لمعت عينيه الداكنتين بشدة:
-طب عيشتي مليون لحظة خوف وانتي بيتقفل عليكي باب واحد معاه وهو بيقتلك بنظراته بس ؟!

-ايه الكلام ده
أغمض عينيه، وتنهد بعمق ليتابع بصعوبة:
-الست اللي بتدافعي عنها وبتقولي عنها مظلومة هي.. هي اللي سابتني ليه ! خليته يعمل فيا زي ما عملت فيكي وأوسخ كمان، بس الفرق بينا، أنا كنت عاجز وطفل، مقدرتش حتى أصرخ ولا أقول آآه، مقدرتش أفتح بؤي وأتكلم.. !!
فغرت شفتيها مصدومة، وجحظت بعينها في عدم تصديق..
إختنق صوته وهو يضيف بنبرة منكسرة:
-دبحني وهي وقفت تتفرج، اديته السكينة بإيدها عشان يعمل ده، وبعدت في أكتر وقت كنت عاوزها فيه، سابتني لوحدي أموت !

وضعت يدها على فمها في ذهول عجيب، وظلت على حالتها المصدومة وهي تستمع لحديثه المؤسف ب:
-غابت عني ورميتني في جحيمه !
أغمضت تقى عينيها وهي تتخيل ما يقوله، وشعرت بالإشمئزاز من ذلك الوصف المفجع، وهزت رأسها مستنكرة بتقزز بادي على تعابير وجهها، وصاحت بإنفعال:
-كدب، إنت بتقول ده بس عشان تصعب عليا وآآ.....
قاطعها بصوت هادر يحمل الآسى:
-أيوه داست عليا وهربت لحضنه، وأنا.. وأنا لوحدي شيلت ده كله !
قاومت رغبتها في البكاء تأثراً، وهتفت بصوت مختنق:
-فكرك هاصدق اللي بتقوله، وأسامحك ؟!

تنهد بحرارة شديدة وهو يكمل بشجن:
-خوفت أتكلم.. خوفت أصرخ وجبرت نفسي أكون واحد تاني، دفنت اللي حصل، وبقيت أسوأ منهم كلهم، شيطان عشان أخبي ضعفي، بس مانستش للحظة اللي اتعمل فيا
وضعت يديها على أذنيها لتمنع نفسها من تصديقه صارخة ب:
-مش قاردة أصدقك !
ترك لعبراته العالقة في مقلتيه العنان لتنهمر وهو يكمل بصوت متقطع:
-النهاردة بس سمعت صوتها تاني.. وساعتها.. آآ.. ساعتها حسيت أوي بيكي.

نظرت له مصدومة، هل أوس الجندي ذو القلب القاسي الذي لا يعرف الحب يبكي أمامها ؟ رمشت بعينيها اللامعة لتتأكد من أنها لا تحلم وتسائلت مع نفسها هل هي تتوهم هذا أم أن هذه هي عبراته الحقيقية تعبر عما يجيش به صدره ؟
نظرت لها دون خجل وهو يبكي قائلاً بأسف:
-عرفت أد ايه صعب عليكي تسامحيني، تغفرلي ذنبي، ما أنا مقدرتش أسامحها، ولا حتى بالكدب أقولها مسامحك !
فغرت شفتيها لتسأله بتردد وهي محدقة بعبراته:
-آآ..إنت آآ..

قاطعها بصوته الباكي قائلاً:
-حتى دموعها مأثرتش فيا !
أطلق تنهيدة حارقة من صدره وهو يتابع ب:
-آآآآآه يا تقى، صعب الواحد يغفر ! بس إنتي غيرها، إنتي.. إنتي الوحيدة اللي حبيتها وماكونتش حاسس، إنتي كنتي روحي اللي ضايعة مني، ويوم ما لاقيتها..آآ.. أذيتها !
عجزت عن الرد عليه، الموقف برمته أكبر من قدرتها على الإستيعاب..

إنه يبكي كشخص طبيعي أمامها.. يبكي كما كانت تسمع صوته في أحلامها القريبة.. يبكي بندم حقيقي غير مصطنع..
نظر لها بعمق مضيفاً بصوته الباكي:
-أنا معرفتش يعني ايه حب وندم حقيقي إلا معاكي
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يكمل:
-حتى لو ماسمحتنيش فأنا آآ..
جحظت تقى بعينيها حينما رأت سيارة الدفع الرباعي تميل على سيارتهما، فصرخت بخوف:
-حاسب
نظر أوس إلى حيث تنظر هي، وإنحرف بالسيارة بإحترافية ليتفادى الإصطدام المحتوم بها..
توترت تقى بشدة، وإرتفع صدرها وهبط في خوف، وسألته بنبرة لاهثة ومذعورة:
-ف..في ايه ؟

تجمدت تعابير وجهه، وتصلبت عروقه، وأجابها بثقة:
-اهدي !
إبتلعت ريقها وسألتها بنبرة مرتجفة:
-هما.. آآ.. هما عاوزين ايه ؟
ارتطم قائد سيارة الدفع الرباعي بسيارة أوس الذي سبه بغضب:
-يا بن ال **** !
إنتفضت تقى في مقعدها، ومدت يدها لتمسك عفوياً بكتف أوس محاولة التشبث به، وصرخت برعب:
-لألألألأ
نظر لها أوس بخوف واضح في عينيه عليها، وإزداد عصبية لمحاولة تجنيبها أي خطر..

صاح أحد الأشخاص الجالسين بالسيارة الأخرى بصوت آمر وهو يشير بيده:
-وقف العربية !
هدر أوس به بصوت حاد ومتوعد وهو يكز على أسنانه:
-ورحمة أمك لأفرمك !
صرخت تقى بهلع:
-لألأ
نظر لها بعينين حادتين، وأردف قائلاً بهدوء مصطنع:
-شششش ! اهدي ! محدش هايعملك حاجة !
صرخت بذعر حينما أرتطمت بهما السيارة مجدداً، وأجبرتهما على الإنحراف عن الطريق الرئيسي:
-آآآآه، هانموت
حدق أوس في مرآة السيارة الجانبية، وهتف بغل:
-فين أم الحراسة اللي معايا ؟!

حاصرت السيارة الأخرى سيارتي الحراسة التابعين لأوس، وسدت عليهما الطريق فحالت دون وصولهما إلى سيارته..

استمرت سيارة الدفع الرباعي في جبر سيارة أوس على السير بداخل الرمال حتى اختفى الطريق الرئيسي عن أنظار الجميع..
وبرع هو في تفادي الإرتطام بها، وحاول الفرار من هؤلاء المعتدين فقط لأجلها.. لأجل إنقاذ من نبض لقلبها.. لأجل تقى..
ولكن غاصت السيارة في كثبان الرمال وتعذر عليه قيادتها، فإستغل قائد السيارة الأخرى الفرصة ليصطدم بقوة به.. وأجبره على التوقف..
ترجل أربعة أشخاص من السيارة، وإندفعوا نحو سيارة أوس الذي هتف بصوت صارم وبنظرات صدق:
-مش هاسيبهم يؤذوكي يا تقى، على جثتي لو حد قربلك !

جذب مفتاح السيارة من موضعها، وترجل منها بغضب جلي، وأغلقها بالقفل الإلكتروني ليحبس زوجته بداخلها، ثم إندفع كالثور الهائج نحوهم ليفتك بهم..
تابعته تقى من داخل السيارة وقلبها إنقبض بشدة خوفاً عليه، فلم يخطر ببالها أن يفني حياته من أجلها هي.. أن يحميها دون أن يترك لنفسه المجال للتفكير في خياراته..
لقد كانت دوماً منذ أن عرفها، وإرتبط بها الخيار الأول في حياته، واليوم يثبت لها هذا...

مد أول شخص ذراعه ليلكم أوس، ولكن تفاداه أوس بمهارة، وسدد له لكمة عنيفة في صدغه، ثم تكالب عليه إثنين أخرين ليقيدا حركته.. ولكنه ركل أحدهما في معدته بقسوة، وضرب الأخر في فكه..
هجم عليه إثنين أخرين، وطرحاه أرضاً، وتسابقا في ركله بشراسة في أنحاء جسده، فصرخ متأوهاً.. وهو يحاول تغطية وجهه .
ثم هتف أحدهم بحدة:
-البيه قال يتروق قبل ما نقتله، عاوزه يموت بالبطيء !

رد عليه زميله وهو يركل أوس بعنف أسفل معدته ب:
-وماله !
صرخ أوس بغضب:
-آآآآه، مش هاسيبكم !
أردف الشخص الثالث قائلاً بخسة:
-احنا نحرق قلبه على البت اللي معاه
-ايوه
صرخ بصوت هادر وقد إشتعلت عينيه غضباً:
-لألأ، مش هاسيبكم تقربوا من مراتي، هادفنكوا هنا !

ضربه الشخص الثالث بعنف أشد وهو يقول بصوت محتد:
-اخرس، ده انت اللي هاتدفن، خد !
أشار الشخص الأول لزميله بيده آمراً ب:
-هاتها من هناك
زحف أوس بجسده محاولاً الإفلات من الثلاثة الذين يبرحوه ضرباً لمنع ذلك الأخير الضخم من الوصول إلى حبيبته..

إنكمشت تقى مذعورة في مقعدها حينما وجدت ذلك الشخص ذو الوجه المتجهم والجسد الضخم يقترب من السيارة
ورمشت بعينيها بهلع جلي..
وضع الرجل كفيه على زجاج السيارة الأمامي، وضربه بعنف، فشهقت بصراخ وقد إتسعت مقلتيها بدرجة كبيرة:
-لألألأ

مد أوس ذراعه في الهواء وهو يهتف جلي مذعور و غاضب:
-تقى !
ثم إستجمع قوته المحتقنة والغاضبة بالكامل لينهض عن الرمال ويقف على ساقيه، ورغم ترنح جسده والآلم الموجع المسيطر عليه، إلا أنه هاج بعصبية زائدة مطيحاً فيمن حوله بضربات هائمة..
ولكنهم أحاطوه مرة أخرى، وتكاثروا عليه، وكالوا له من اللكمات ما جعل الدماء تنزف بغزارة من فكه وأنفه..
ثم نجحوا في إيقاعه على الرمال..

ثنى الرجل الضخم ساعده ليضرب بكوعه الزجاج الأمامي بقوة ليحطمه.. فصرخت تقى بخوف أشد، وإنتفضت من مكانها، وقفزت على مقعد أوس.. وأمسكت بأصابع مرتجفة الباب لتفتحه، ولكنه كان موصداً من الداخل.. فشهقت بصراخ جلي:
-أوس !

سمع صوتها يصدح بإسمه لأول مرة دون ألقاب، فخفق قلبه بشدة من نبرتها المرتعدة وهدر صارخاً:
-تقى !
ثم ناضل ليقف على قدميه ويقاتلهم حتى الرمق الأخير من حياته ليفديها..

إنتزع الرجل الضخم من سترته مسدساً كان مثبتاً في حزام جلدي داخلي، ثم صوبه نحوها..
فجحظت عينيها في رعب.. وتلاحقت أنفاسها..
لقد إقتربت النهاية.. وأصبح الموت على بعد لحظات منها..

نجح أوس في الوقوف على قدميه، وركض مسرعاً وهو يصرخ بصوت لاهث:
-تقى ! تقى !
إنتبه الرجل الضخم لصوته القريب، وأدار جسده في إتجاهه، فوجده مقبلاً عليه، وشرارات الغضب تبعث من عينيه، فصوب مسدسه ناحيته، وحدق به بجمود قاتل..
رأت تقى المشهد بعينيها، وتسارعت ضربات قلبها حتى صمت أذنيها، فهبت مذعورة لتصرخ ب:
-أوس، لألألألألألأ !

ثم ضغط الرجل الضخم على الزناد لتنطلق منه رصاصة تعرف طريقها جيداً.. حيث مستقرها في صدر أوس
ساد صمت رهيب في المكان، وتبادل الجميع نظرات مرتعدة.. وأشار أحدهم للأخر قائلاً بصوت جاد وآمر:
-يالا، بسرعة من هنا، قبل ما الحرس بتاعه يجي !
سأله زميله بقلق بالغ:
-والبت اللي معاه ؟
أجابه بتوتر وهو يلكزه في ذراعه:
-مالناش فيها، احنا تمينا المهمة !
-يالا

تسمر أوس في مكانه بثبات عجيب، وظلت عينيه مسلطة فقط على تقى التي كانت تبكي بخوف حقيقي عليه..
لأول مرة يرى في عينيها تلك النظرات التي إشتاق إليها كثيراً، وإخترقت روحه المعذبة لتريحه..
لأول مرة يشعر بوجود مشاعر تخصه، ومنها هي.. هي التي أحبها وأجبرها على أن تكون جزءاً منه رغماً عنهما..
إلتفتت برأسها محاولة البحث عن وسيلة لفتح باب السيارة، فلمحت ذلك الزر العلوي الخاص بإلغاء القفل، فضغطت عليه، وترجلت من السيارة وهي تهتف بصوت مبحوح:
-أوس !

إبتسم لها برضا وهو يراها مقبلة عليه مرددة إسمه الذي متع أذنيه لأنه فقط بصوتها..
تهاوى جسده، ولم يعد يقوْ على التحمل، فأسرعت بإمساكه بذراعيه وهي تصيح ببكاء:
-ماتموتش ! إحنا لسه آآ..
قاطعتها بصوت لاهث وهو يمد أصابعه ليتلمس وجنتها:
-شششش..
ثم نظر إلى عينيها برومانسية واضحة قائلاً بخفوت:
- سيبني أبص ليكي، ياه، أد ايه كنت مستني اللحظة دي !
هتفت بنشيج جلي وعبراتها تبلل وجهها:
-أوس..أنا..آآآ..

قاطعها مرة أخرى قائلاً بصوت ضعيف:
-قوليلي إنك سامحتيني عشان أرتاح
هتفت دون تردد وهي تمسح على جبينه:
-مسمحاك !
إبتسم لها إبتسامة باهتة وهو يسألها:
-من قلبك ؟ ولا بس بتقوليها كده آآ..
قاطعته بنبرة آسى:
-لأ مسمحاك من قلبي، أنا كنت عاوزاك تحس بغلطك، تندم على اللي عملته معايا، بس مش تموت !

ثم هزت جسده الذي ثتاقل عليها وصرخت بصوت مختنق: -ماتسبنيش، سامعني ماتسبنيش لوحدي !
أجابها بصوت ضعيف وهو يُملي عينيه منها بنظرات أخيرة:
-غصب عني المرادي، بس.. بس حاجة أخيرة هاقولها قبل.. قبل ما آآ...!
وضعت إصبعها على فمه، وقاطعته ببكاء:
-ششش ماتقولش حاجة !
تلاحقت أنفاسه بشدة، وبدأ يتنفس بصعوبة أشد، وجاهد ليلتقط أنفاسه ليتابع بصدق وبصوت متقطع:
-أنا.. أنا ب.. بآآآ.. بأحبك
ثم تلوى فمه بإبتسامة صغيرة، وأغمض عينيه لتسكن روحه في أحضانه، فهزته برعب وهي تصرخ فيه:
-أوس.. رد عليا، أوس، ماتموتش وتسيبني ! أوس !

ضربت على صدره بكفها وهي تضيف بصوت هادر:
-انت وعدتني ماتسبنيش ! ليه بتخلف وعدك، قوم.. كلمني يا أوس..!!!
ثم رفعت رأسها للأعلى وأغمضت عينيها لتصرخ بتنهيدة حارقة جثت على صدرها، وأطبقت على روحها، وقضت على أخر ما تبقى من حياتها المعذبة تاركة إياها تعاني مرارة الفقد والحرمان:
-لألألأ.. ماتموتش يا أوس...!

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني الفصول 51-59 والأخير للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والخمسون

في منزل أوس الجديد
أحضر الطبيب مختار ممرضة على قدر من الكفاءة - تدعى رقية – للعناية بتقى خلال الأيام الحالية بناءاً على تعليمات أوس الجندي بإبقائها قدر الإمكان في وضعية ساكنة حتى يتمكن من تدبير كافة الأمور العالقة حوله، وكذلك ضمان وجود المدبرة عفاف معها للإهتمام بتغذيتها ورعايتها بدنياً، وأيضاً معاونة ماريا لها...
كانت مهمة الخدم تنتهي مع عودته مساءاً للمنزل، حيث يعود الجميع لبيوتهم، ويظل هو بمفرده معها..
فالليل ملكٌ له وحده..

كان أوس يتمدد على الفراش إلى جوارها، ويحاوطها من ظهرها بذراعه، ويسند رأسها على صدره لتستمع إلى دقات قلبه الهادئة، ويشبك أصابع كفها الرقيق بأصابعه الغليظة، ويهمس لها بذكريات ماضيه، وأحلام طفولته المنتهكة..
كانت أسعد لحظاته حقاً هو التمتع بوجودها في أحضانه دون أي مقاومة منها، وإستسلامها للمساته الرقيقة عليها.. وتململها دون وعي في حضنه الدافيء..
شعور غريب إستلذ به، وامتعه كثيراً، وأراحه من الضغوط المحيطة به..

ومع هذا خشي من صحوتها، لأنها تعني إنتهاء هذا الحلم للأبد، والبدء في مشقة مواجهة حقيقة كونها معاً..
أغمض أوس عينيه، وإستنشق عبير شعرها، ثم تنهد بحرارة وهمس قائلاً:
-يا ريت الظروف كانت مختلفة يا تقى ! حاجات كتير كانت آآ..
توقف عن إتمام جملته، وإبتلع تلك الغصة المريرة في حلقه..
كذلك علقت عبرة في أهداب جفنه وهو يتابع بآسف:
-ورغم إن طلع دمنا واحد، بس.. بس أنا ماستهلكيش يا تقى، طلعت قاسي أوي معاكي، مرحمتكيش، ولا حسيت بيكي إلا متأخر !

تنهد بحرقة أشد وهو يكمل بصوت مختنق:
-آآآه لو كنت عرفت من بدري، كنت على الأقل راعيت صلة الدم اللي بينا !
ضمها بذراعه إليه أكثر، وقبل رأسها، وهمس لها بإستعطاف وهو يبكي:
-سامحيني يا تقى، سامحيني ! أنا عارف إنه مش سهل عليكي إنك تغفري اللي عملته فيكي، بس.. بس عندي أمل إنك تسامحي.. إنتي قلبك زيك أبيض !
ثم نظر إلى وجهها – ذي التعابير الجامدة – ومسح بشفتيه على جبينها، وهتف قائلاً بخفوت:
-هتسامحيني صح ؟
ترك أوس لعبراته الحرية في الإنهمار لتبلل وجهها مجدداً بدموع أسفه وندمه على ما إقترفه في حقها..

في أحد السجون العمومية
نهض مدير السجن من على مقعده، وإتجه نحو باب مكتب غرفته وهو يتابع بنبرة رسمية:
-أنا هامر على العنابر، وراجع تاني، خدوا راحتكم
ابتسم له المحامي نصيف إبتسامة صفراء وهو يجيبه بإمتنان:
-شكراً يا باشا !
تابعه ممدوح بنظراته الحادة إلى أن أغلق الباب، فصرخ قائلاً بعصبية:
-شوفلي حل يا مستر نصيف، أنا كده روحت في داهية، النيابة جددت حبسي، وهافضل في السجن ده على طول وأنا معملتش حاجة.

مط المحامي نصيف فمه للأمام، وأخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل وأجابه بهدوء حذر:
-مكدبش عليك يا دكتور ممدوح، موقفك في القضية دي صعب شوية
صرخ في وجهه بعصبية وهو يشير بيده:
-يعني إيه الكلام ده ؟
أردف المحامي نصيف قائلاً بجدية واضحة ب:
-يعني لازم حضرتك تفتكر كويس مين اللي ممكن يكون موجود في الشقة وعمل ده
-هاه
ثم تابع بإهتمام:
-البواب قال في أقواله إن باب الشقة كان مفتوح لما طلع، والمعاينة الجنائية قالت إن الباب تم فتحه بمفتاح الشقة، بس أنا شايف إنها نقطة ممكن نستغلها في صالح القضية !

حك ممدوح مقدمة رأسه، وسأله بحيرة:
-إزاي ؟
إنحنى للأمام قليلاً ليجيبه ب:
-يعني نثبت إن في حد تاني معاه مفتاح الشقة غيرك، واقتحمها من وراك، وكان مستخبي وعاوز يعتدي عليك، والضحية شافته فقتلها قبل ما تصوت ويكشف !
إتسعت عينيه في إنبهار هاتفاً ب:
-هه
إبتسم نصيف بثقة وهو يكمل ب:
-وده يخلينا نغير مسار القضية شوية، وندخل طرف جديد فيها، و ممكن يكون هو اللي ارتكب الجريمة، وخصوصاً إن إنت معندكش خصومات مع الضحية !

صمت ممدوح لعدة دقائق يفكر فيما قاله المحامي محاولاً إستنباط هوية القاتل بعد أن أضاء عقله بنقطات كانت غائبة عن ذهنه.. فهتف بصوت عالي وقد إتسعت مقلتيه:
- ناريمان كان معاها نسخة من مفتاح شقتي !
سأله نصيف بإهتمام ب:
-مين ناريمان دي ؟
أجابه بنبرة جادة وهو يهز رأسه نافياً:
-دي واحدة آآ.. لألألأ.. بس استحالة تعمل ده !

رد عليه نصيف بهدوء جاد وهو محدق به ب:
-طب ما جايز تكون هي اللي عملت ده !
قطب جبينه في عدم فهم متسائلاً ب:
-قصدك ايه؟
نظر له بثبات وهو يجيبه بنبرة متريثة:
-انها قتلت البت إياها
-هاه
ثم أضاف قائلاً بإقناع:
-يعني احتمال تكون شكت في وجود علاقة ليك معاها، فغارت منك، وحبيت تنتقم منك !

وكأن الشيطان قد لعب دوره في عقل ممدوح، فجعله يفكر في المسألة بصورة أخرى غير تلك التي رواها المحامي..
وحدث نفسه قائلاً بصدمة وهو جاحظ العينين:
-يبقى هي عملت كده هشان تدفن الماضي كله معايا، وتخلص مني، وتعيش هي مع بنتي، ولا كأن حاجة حصلت، ويبقى أنا خسرت كل حاجة !!

ثم نهض عن مقعده فجأة، وصاح بصوت متذمر وغاضب:
-لأ مش أنا يا ناريمان، مش أنا !
إبتسم المحامي بإبتسامة مغترة وأرجع ظهره للخلف في شموخ بعد أن رأى أن خطته في الإيقاع بطرف جديد والزج بإسمه في القضية قد لاقى إستحسان موكله.. وربما تكون السبيل في خلاصه من حبل المشنقة..

في منزل أوس الجديد
أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره بتوتر وهو يفرك فروة رأسه متسائلاً بقلق:
-يعني مافيش خطر ؟
أجابه الطبيب مختار بهدوء:
-أنا موجود ولو في حاجة هاتصرف فوراً
تابع أوس حديثه بجدية وهو يشير بيده نحو باب الغرفة:
-عفاف موجودة معاها، هي بتثق فيها، يعني آآ..

قاطعه مختار بصوت هاديء قائلاً:
-اهدى يا باشا ! وجود عفاف هايطمنها أكيد، وأنا داخل جوا، وهامهدلها المسألة، ويجي دورك بعدها !
أومأ برأسه وهو يجيبه بإيجاز:
-تمام
وبالفعل تحرك الطبيب صوب الغرفة، وولج إلى الداخل، ووقف أوس في مكانه يراقب بتوتر جلي لحظة إفاقتها..

جلست المدبرة عفاف على طرف الفراش، وأمسكت بكف تقى بين راحتيها، ونظرت لها بحنو..
في حين حقنت الممرضة رقية ذراعها بإبرة طبية، ومسحت بالقطن مكانها.. ثم بادلت عفاف إبتسامة هادئة، وتراجعت للخلف..
إلتفتت عفاف برأسها للجانب، وتسائلت بتلهف:
-ها يا دكتور ؟ هاتفوق امتى ؟
رفع الطبيب ذراعه لينظر إلى ساعة يده، وأجابها بهدوء:
-في خلال دقيقة بالكتير.

تنهدت في إرتياح، وعاودت النظر ناحيتها، ومدت يدها لتمسح على وجنتها برفق وهي تضيف بصوت أمومي حاني:
-ربنا يكمل شفاها على خير
تململت تقى بهدوء، وأصدرت أنيناً خافتاً وهي تحاول فتح شفتيها.. فشهقت عفاف بفرحة وهي تقول:
-بتفوق يا دكتور، شايف
هز هو رأسه بخفة، وأجابها بثقة:
-أيوه..!

ثم نظر ناحية الممرضة رقية وسألها بجدية:
-جاهزة يا رقية لو حصل حاجة ؟
ابتسمت برقة وهي تجيبه بنبرتها الهادئة:
-ايوه يا دكتور، أنا مستعدة لأي طاريء
-تمام
حركت تقى رأسها للجانب، ومصمصت شفتيها وهي تهمس ب:
-آآآ.. آه.. آآ..

اقتربت منها عفاف، وإنحنت عليها بجسدها، ثم مسدت على رأسها بيدها، وهمست لها ب:
-تقى.. بنتي ! سمعاني ؟
جاهدت لتفتح جفنيها الثقيلين وهي تردف ب:
-آآه.. آآ.. أه
تابعت عفاف حديثها بصوت دافيء قائلة:
-أنا عفاف، اطمني، أنا جمبك يا بنتي
أكملت تقى بصوت ضعيف ومتقطع ب:
-ب.. بابا.. إنت.. أنا.. آآآ.. آه
هتف الطبيب مختار بصوت شبه مرتفع ب:
-مدام تقى ! هزي راسك لو إنتي سمعاني ؟

حركت تقى رأسها بخفة، ومالت للجانب، ولم تفتح عينيها بعد، وظلت صامتة، فصاحت عفاف بنبرة سعيدة:
-هزت رأسها يا دكتور
اقترب منها مختار، وأضاف قائلاً بصوت رخيم:
-ده مؤشر حيوي كويس !
ثم أشار بكف يده وهو يكمل بجدية:
-عن اذنك شوية، عاوز أفحصها
تنحنحت بخفوت، وهتفت قائلة بحماس وهي تفسح له المجال ومبتعدة عن الفراش:
-اها.. اتفضل يا دكتور !

أمسك الطبيب مختار برسغ تقى، وقاس معدل نبضاتها.. ثم حدثها بصوت هاديء ب:
-قوليلي يا مدام تقى، إيه أخر حاجة فكراها
مطت شفتيها، وردت عليه بصوت ثقيل:
-مم.. آآ.. أه.. أنا.. بابا، وماما، وناس م.. معرفهاش،هو.. آآ.. هو كان موجود
سألها بإهتمام وهو يعيد وضع ذراعها على الفراش:
-مين ده اللي كان موجود ؟

ردت عليه بصوت ضعيف ومبحوح وهي تحرك رأسها للجانبين:
-أنا بأكرهه.. بأكرهه.. دبحني جامد.. مش.. مش عاوزة أروح معاه، آآه
هز الطبيب مختار رأسه مواسياً إياها، وشرع في تغيير مجرى الحوار سائلاً إياها بجدية:
-طب تقدري تفتحي عينك ؟
أجابته هامسة وهي تضع ساعدها على جبينها ب:
-أه
ثم جاهدت لتفتح عينيها.. كانت الإضاءة قوية فأغلقت جفنيها على الفور، ثم بحذر وتمهل فتحتهما مجدداً، ورمشت لعدة مرات لتعتاد على قوة الإضاءة..
أخفضت عينيها قليلاً لتنظر إلى أوجه المحدقين بها..

فعرفت منهما وجه تلك السيدة الحنون، لكنها لم تتعرف إلى وجه الشابة التي ترتدي ملابساً بيضاء، ولا إلى وجه الرجل الوقور الذي يقف إلى جوارها..
تسائلت بخفوت ب:
-انتو.. انتو مين ؟
إبتسم لها مختار وهو يجيبها قائلاً:
-أنا الدكتور مختار المسئول عن حالتك
ثم أشار بكف يده نحو الممرضة، وتابع بنفس الهدوء ب:
-ودي الممرضة رقية، هي متولية الأدوية والعلاج بتاعك أثناء غيابي، وطبعاً دي الست عفاف، اكيد عرفاها !
أومأت برأسها إيماءة خفيفة ولم تعقب..

حاول الطبيب مختار أن يحافظ على ثبات نبرة صوته وهو يكمل ب:
-طبعا حضرتك مش عارفة إنتي متواجدة فين دلوقتي
عبس وجه تقى قليلاً وهي تصغي إلى ما يقول بإنتباه شديد.. بينما أضاف هو بهدوء حذر ب:
-احنا حالياً كلنا موجودين في بيت جوزك أوس باشا الجندي !
وكأن اسمه قد أطلق شرارة إنفجارها.. فإتسعت مقلتيها بذعر، وارتجفت شفتيها بشدة، واعتدلت في نومتها وهي تهتف مصدومة:
-لألألأ.. أنا جيت هنا إزاي ؟ أنا عاوزة امشي من هنا، رجعوني بيتي.

أشار لها مختار بيديه وهو يقول بجدية:
-اهدي يا مدام تقى، مافيش حد هايعملك حاجة، إنتي في آمان هنا
هزت راسها مذعورة، وصرخت فيه بخوف:
-لأ.. انتو مش عارفين حاجة
جلست عفاف على الفراش إلى جوارها، وأمسكت بكفيها، وضغطت عليهما وهتفت قائلة برقة:
-تقى يا بنتي، أنا موجودة معاكي، صدقيني الباشا مش هايقرب منك، مش إنتي واثقة فيا وآآآ..

سحبت يديها من راحتي عفاف، وصرخت فيها بإهتياج:
-لألأ.. سيبي ايدي، ابعدي عني، إنتي كدابة زيه
-كله يطلع برا، وسيبوني مع مراتي !
قالها أوس بصوت صادح وقوي وهو يدلف لداخل الغرفة..
إرتجف جسد تقى أكثر وهي ترى أنظاره العميقة مسلطة عليها، وتجسد أمامها ذكرياته العنيفة معها، فصرخت بإهتياج، وإنكمشت على نفسها
نظر له الطبيب مختار بقلق قائلاً بتوجس:
-أوس باشا ماينفعش اللي بتعمله ده، إنت كده بتبوظ اللي آآآ..

لم يحد أوس بنظراته القوية عن زوجته، وهدر مقاطعاً إياه بصرامة:
-برا، محدش يستنى هنا !
عرفت عفاف من نظراته تلك أنه لن يتراجع عن قراره، فأطرقت رأسها وهي تتنهد في حزن على تلك البائسة التي تلاقي الويلات معه، وإتجهت إلى الخارج
لحقت بها الممرضة رقية، بينما ظل الطبيب مختار في مكانه.. وهتف قائلاً بإصرار:
-أوس باشا، حضرتك بترجعنا لنقطة الصفر، مش هاقدر أحقق أي تقدم مع المدام وإنت مش مديني فرصة اكسب ثقتها !

إلتفت أوس برأسه نصف إلتفاتة، ورمقه بنظرات محذرة وهو يكز على أسنانه قائلاً بصوت قاتم:
-مراتي أنا هاتعامل معاها بنفسي !
ابتلع الطبيب ريقه وهو يقول بتوتر:
-يا باشا الموضوع نفسي مش آآ..
قاطعه أوس بصوت متصلب ب:
-شكراً يا دكتور، مع السلامة !

احتقن وجه الطبيب من الغيظ، ونظر إلى تقى بإشفاق، ثم إنصرف من الغرفة..
لاحقته تقى بعينيها المرتعدين، ووضعت يديها المكورتين على فمها لتكتم شهقاتها المذعورة..
وبهدوء مريب أغلق أوس الباب دون أن يبعد عينيه عن زوجته..

في إحدى عيادات أمراض الذكورة الشهيرة
طرق عدي بأطراف أصابعه على السطح الزجاجي لمكتب مدير العيادة، ونظر حوله بقلق وهو يحدث نفسه بإنزعاج:
-هو قدامه كتير ولا إيه، أوووف !
-سوري على التأخير يا فندم
قالها الطبيب بصوت هاديء وهو يرسم إبتسامة سخيفة على ثغره
-ولا يهمك
دار الطبيب حول مكتبه، ثم سحب مقعده للخلف، وجلس عليه وهو يتابع بجدية:
-خير يا فندم، حضرتك بتشتكي من ايه ؟

تنحنح عدي لأكثر من مرة وهو يحاول أن يجيبه بتردد ب:
-احم.. آآ.. بصراحة كده، أنا عندي مشكلة من زمان !
زم الطبيب فمه قائلاً بهدوء:
-احكي براحتك، كل اللي هاتقوله هنا في المكتب هايفضل أمر سري، وطبعاً زي ما حضرتك فاهم، أي مشكلة ليها علاج طالما تم تشخيصها صح
-أها.. اوكي.

سرد عدي بتفاصيل حرجة ما يخص مسألة عجزه الجنسي في علاقاته النسائية.. وما ترتب عليها من مشاكل زوجية سابقة أدت إلى إنفصاله، ثم إهماله للكشف عن أسباب تلك الحالة، وخنوعه لرغباته وشعوره بالنقص وتأثيره على مزاجه العام.. وتجديد شعوره بنقص رجولته مع زوجته الحالية، وخوفه الشديد من إفتضاح أمره أمامها، خاصة أنه لم يعاشرها إلى الآن..

أصغى الطبيب بإنتباه له، ولم يقاطعه، واكتقى بتدوين بعض الملحوظات في ورقة أمامه..
بدى صوت عدي مختنقاً وهو يكمل ب:
-أنا حاسس إني حياتي بتتخرب، ومش عاوز أفضل كده، نفسي أستقر، ويبقى عندي اسرة وأطفال، لكن ده مستحيل في حالتي !
رد عليه الطبيب بجدية وهو عاقد كفيه على سطح مكتبه:
-مافيش حاجة اسمها مستحيل
هز عدي رأسه معترضاً، وقال محتجاً:
-أنا عارف نفسي، مافيش علاج هايجيب نتيجة معايا.

أردف الطبيب قائلاً بثقة وهو يرمقه بنظراته الجادة:
-وأنا بأكد لحضرتك إن الطب اتقدم جداً في موضوع أمراض الذكورة، ومش إنت تقول إن كان العلاج ينفع ولا لأ، الكشوف والفحوصات الدقيقة، ومعاها العلاج الصح هيفرق كتير.. صحيح المسألة مش هتاخد يوم وليلة، بتستمر لأشهر، بس على الأقل في نتيجة في الأخر !
إلتوى ثغر عدي بإبتسامة متفائلة وهو يهتف بحماس:
-ده بجد يا دكتور ؟
اجابه الطبيب بثقة:
-طبعاً....!

في منزل أوس الجديد
أوصد أوس الباب بالمفتاح ليضمن عدم تدخل أي أحد في مصارحتهما التالية..
خفق قلب تقى بشدة، وإزدادت إرتجافتها، وصرخت بخوف:
-لألألأ.. !
أشار لها أوس بكفه، ونظر لها بحنو قائلاً بحذر:
-ششش.. اهدي أنا مش هأذيكي يا.. يا حبيبتي !

لم تنتبه تقى إلى كلمته الأخيرة لها، بل نهضت عن الفراش كالمصعوقة، وركضت مبتعدة في إتجاه الأريكة الوثيرة الموضوعة بزاوية الغرفة، وصرخت بإهتياج:
-حرام عليك، ابعد عني بقى، سيبني في حالي
حرك رأسه نافياً، وهتف بإصرار أعجب:
-لأ مش هابعد، ده من رابع المستحيلات يا تقى !
هدرت بها مهددة وهي تشير بإصبعها:
-هاموتك قبل ما تقرب مني تاني.

ثم بحثت بعينيها عن أي شيء يمكن أن تستخدمه في الذود عن نفسها أمامه، فوقعت عينيها على قطعة " أنتيكا " صغيرة، فأسرعت نحوها، وألتقطتها بيد مرتجفة، ثم ألقته في إتجاهه وهي تصرخ قائلة:
-هاموتك، هاموتك !
إنحنى أوس بمهارة ليتفادى تلك القذيفة الموجهة صوبه، وصر على أسنانه قائلاً بغيظ:
-اعملي اللي عاوزاه، بس هاتسمعيني للأخر !

جحظت بعينيها مذعورة حينما رأته يتجه نحوها، فقفزت من مكانها على الأريكة، ومن ثم نحو الشرفة، ولكنها تعثرت في السجادة، فأسرع أوس بإمساكها من قدميها، ولكنها ركلته بكل ما أوتيت من قوة أسفل بطنه، فتأوه من الآلم، وجثى على ركبته.. فإستغلت الفرصة، ونهضت عن الأرضية وركضت صوب الباب..
تحامل أوس على نفسه، ولحق بها بخطوات راكضة، وحاصرها عن الباب، ثم لف ذراعيه حولها، وحملها من خصرها، وسار بها في إتجاه الفراش..
ثم ألقاها عليه، وجثى فوقها، وثبت رسغيها على الجانبين، وصاح بصوت آجش:
-اسكتي، واسمعيني.

تلوت بجسدها محاولة إزاحة ذلك الجبل الذي يجثو على صدرها، ولكنها كانت مقيدة الحركة منه..
نظر لها أوس بشغف واضح في نظراته المتأملة لها.. فكم إشتاق لرؤيتها هكذا، تتحرك، تقاومه، ترفضه، تنبذه حتى.. فسكونها الطويل أضنى قلبه وأرهقه..
ورؤيتها تستعيد عافيتها جعل قلبه يرقص طرباً.. وروحه تنتعش من جديد..
لم تيأس تقى من المحاولة، وظلت تحرك جسدها أكثر وأكثر وهي تعض على شفتها السفلى..

أثارت تلك الحركة العفوية أوس بشدة، وأغرته لتقبيلها.. ولكنه عاهد نفسه ألا يرتكب أي حماقة معها رغماً عنها.. وزاد من ضغطه على رسغيها، ومن التحديق بها، والإستمتاع بكل إيماءة تصدر عنها..
أنهكت المقاومة جسدها، فإستسلمت لسيطرته عليها وهتفت بصوت مرتفع وهي تنظر مباشرة في عينيه بتحدٍ:
-انت.. انت عاوز ايه مني ؟
تأمل شفتيها بنظرات والهة، ورد عليه بهمس:
-عاوزك آآآ..

ثم توقف عن إتمام جملته ليستمتع برؤية إنعكاس صورته في عينيها الزرقاوتين..
غضبت تقى من صمته المفاجيء هذا، وأدركت أن نواياه الوضيعة معاها لاتزال موجودة، وخاصة أن نظراته كانت مسلطة عليها، ومحاصرة إياها.. فصرخت بمرارة لتذكره بجريمته قائلة:
-سكت ليه ؟ ايوه، عشان عاوز تدبحني تاني، مكفاكش اللي عملته فيا قبل كده، جاي تعيده تاني، وتضمن إنك قضيت عليا خالص، صح ؟ ده اللي عاوزه ؟
أجفل أوس عينيه عنها، وهمس قائلاً بندم:
-تقى.. أنا.. أنا أسف، كان غصب عني.

أغاظها رده عليها، وكأن ما فعله بها كان أمراً عادياً.. يسهل نسيانه، ولم يترك جرحاً غائراً في روحها، فقالت بإهتياج:
-غصب عنك ايه بالظبط ؟ إنك تهددني بحبس أمي أو اتجوزك، إنك تخطفني من المستشفى وتحبسني في بيتك، وتمنعني أشوف أي حد
إختنق صوتها أكثر وهي تضيف بحسرة:
-إنك تجبرني على علاقة معاك وتكتفني، وتموت فيا أغلى حاجة، وتدبحني، قولي غصب عنك ايه ؟
أرخى أوس قبضتيه عنها، وتراجع بظهره للخلف، وهمس بصوت آسف:
-مكونتش في وعيي، غصب عني ! كنت..آآ..

قاطعته صارخة بجنون وهي ترمقه بشراسة:
-إنت مش إنسان، انت حيوان، سامع حيوان، قتلتني وجاي تقولي ندمان بكل بساطة !
نهض أوس عنها، وأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على إنفعالاته، ثم ابتلع غصة أشد مرارة في حلقه، وأولاها ظهره، وتابع قائلاً بنشيج:
-سامحيني يا تقى !

فركت تقى رسغيها، ونظرت له بنظرات ميتة وهي تصرخ فيه بتشنج:
-أسامحك ؟ بالبساطة دي ؟ طب قولي ازاي وانت دمرت كل حاجة في حياتي، أنا ماليش أي ذكريات معاك غير التعذيب، والتهديد، وال.. آآآ..
توقفت عن الحديث لشعورها بالإنكسار، فضمت قبضتيها إلى صدرها، وهتفت بصوت باكي:
-آآآه.. والدبح.. وجاي تقولي سامحيني ؟!

لم يجد أوس أي كلمات مناسبة ليجيب بها عليها، فهي لديها الحق في معاتبته بقساوة أشد من هذا، وتحميله الذنب كاملاً في كل شيء..
فهو الجاني في حقها.. وهو من هدر دمائها النقية في ثوب زفافها وليلة عرسها، وهو من دمر حلمها البسيط، وقضى على إنسانيتها..
أدمعت عينيه متأثرة بكلماتها المريرة، وأطرق رأسه في خزي..
تراجعت تقى في الفراش، وأضافت قائلة بصوت حزين وباكي:
-ضيعت فرحة أهلي بيا، وخلتني خاطية في نظر أمي، وكل الناس، هاتحس إزاي باللي أنا فيه، وإنت.. وإنت مجربتش في يوم تكون.. تكون مكسور، مذلول، مش قادر حتى تطلع اللي جواك وتقول آآآه..

إزداد نحيبها وهي تتابع ب:
-حتى دي حرمتني منها، مقدرتش أصرخ وأقول آآآه، أو ألاقي ايد تطبطب عليا، كل ده وعاوزني أسامحك ! طب ليه ؟ ها ليييه ؟ اوعى تقولي حب، لأن ده مش حب أبداُ، ده انتقام وتعذيب، وذل ومهانة، وإنت يا باشا عمرك ما حبيت حد إلا نفسك !
أغمضت تقى عينيها لتكمل بنشيج:
-كل يوم بأموت مليون مرة وأنا بأفتكر ذكرياتي معاك، ضيعت سنيني الحلوة قبل ما تبدأ، فعاوزني أعيش إزاي قولي ؟ رد عليا ؟ هاعيش إزاي طبيعية وأنا بأقرف من نفسي ؟ ومن كل حاجة حواليا.. !

إنسابت عبرات أوس الحارقة على وجنتيه بغزارة شديدة، فقد تملكه إحساس عجزه وقتما أغتصب بلا رحمة على يد ممدوح وهو طفل صغير لا حول له ولا قوة..
وأدرك شعور تقى تماماً، فهو لم يختلف عن منتهك برائته فيما فعل.. بل كان أسوأ منه بمراحل..
لم يطقْ البقاء في الغرفة أكثر من هذا وشعوره بالذنب يكاد يخنقه تماماً ويمنعه عن التنفس.. فإتجه صوب الباب، وحدق به مطرقاً رأسه في خزي، وتشدق قائلاً ب:
-احنا هنسافر مع بعض في شغل تبعي كام يوم، وأما هانرجع ه.... آآ..
إختنق صوته وهو يتابع بحزن:
-هاطلقك يا تقى...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والخمسون

إستند أوس بظهره على جانب سيارته التي أوقفها على سفح جبل المقطم ليختلي بنفسه بعد تلك المواجهة القاسية مع زوجته..
أخذ أنفاساً عميقة لأكثر من مرة ليجبر نفسه على عدم البكاء.. ثم فرك وجهه بكفه، ووضعه على فمه ليكتم تلك الشهقة الحارقة التي تعتصر صدره.. فقرار الإنفصال عنها ليس بالأمر الهين، خاصة وأنه قد بذل المستحيل من أجل الظفر بها، ولكن شعوره بالذنب يقتله، ورؤيته لنظرات البغض والكره جلية في عينيها تذبحه بقساوة
لم يدرْ كم مر عليه من الوقت وهو شارد في ذكرياته الموجعة..

ثم تنهد بحرارة حارقة تلهب جسده وصدى كلمات تقى المؤلمة له تتردد في أذنيه..
كور قبضة يده في حنق، وإستدار بجسده للخلف، ثم ضرب على سطح السيارة المعدني بقسوة، وركل بقدمه إطارها بكل عنف وهو يكز على أسنانه قائلاً:
-ليييه ؟ ليييه مش بتديني فرصة ؟ لييييه ؟!
-بالراحة يا كابتن على العربية، لأحسن صاحبها يكدرك، وإنت مش أد تمنها..!

قالها أحد الأشخاص بصوت متهكم وساخر قبل أن يطلق ضحكة عالية مستفزة..
رفع أوس وجهه في إتجاه صاحب الصوت، فوجد شابين يجلسان على مقدمة سيارتهما، وممسكان بزجاجات " بيرة " في أيديهما، ويتمازحان بطريقة مستفزة..
فإحتقن وجهه بدماء غاضبة، وبرزت عروقه من عنقه، وحدق بهما بشراسة
أشار أحدهما نحوه، وهتف قائلاً بسخرية:
-ما بالراحة يا عمنا، غرضنا مصلحتك.

ضحك زميله بصورة هيسترية، ثم تجشأ قائلاً:
-تلاقي المزة معلمة عليه ولا حاجة، اشرب عشان تنسى
سار أوس نحوهما بخطوات عصبية، وهو ينتوي لهما شراً مستطراً..
حيث قبض على ياقة الشاب الأول، وسدد له لكمة قوية في وجهه، جعلت أنفه ينزف دماءاً بغزارة.. وتبعها بلكمات أكثر عنفاً أفقدته الوعي من شدتها..

إنتفض الشاب الأخر من مكانه مصدوماً، ونظر له بذعر، وأدار زجاجة البيرة التي كانت في يده في الإتجاه العكسي ليضرب بها أوس على رأسه، ولكنه كان الأسرع في تفاديه، ثم جذبها منه، وحطمها على رأسه بقسوة، فسقط على الأرضية الترابية.. وركله أوس أسفل بطنه بعنف لعدة مرات فتأوه الأخير من الآلم.. وصاح به بصوت غليظ:
-قبل ما تفكر تفتح بؤك ال *** ده مع أسيادك، اعرف انت أد كلامك ولا لأ.. يا ***
ثم بصق فوقه، ونفض يديه، وإتجه عائداً نحو سيارته ليركبها، وينطلق بها بعيداً...

وقف ممدوح أمام وكيل النيابة وهو عاقد لكفيه معاً، ومطرقاً لرأسه للأسفل، ورسم على وجهه قناع الندم الزائف.. ثم أردف قائلاً بصوت حزين:
-أنا مكونتش عاوز أتكلم، بس لازم تعرفوا الحقيقة
رد عليه وكيل النيابة قائلاً بنبرة رسمية وهو يعبث بقلمه الحبر:
-اتكلم يا ممدوح، قول
إدعى ممدوح تردده وهو يتابع بحرج مصطنع:
-أنا.. أنا على علاقة بناريمان شوقي حرم الدكتور مهاب الجندي.

مط وكيل النيابة فمه، وتوقف عن تحريك قلمه، ونظر له بتفرس وهو يغمغم ب:
-ممم.. علاقة، وضح من فضلك
أكمل ممدوح حديثه بهدوء وهو يرمش بعينيه:
-أنا كنت خايف اجيب سيرتها من الأول، بس طالما الموضوع فيه اتهام صريح ليا بالقتل، فأنا هاعترف باللي يخصها معايا لأني شاكك فيها !
هتف وكيل النيابة بجدية وهو يشير بإصبعه:
-حضرتك إحنا هنا اللي نقرر ونشوف إن كانت شريكة معاك ولا متهمة من عدمه
تدخل المحامي نصيف قائلاً بتوتر:
-موكلي يا فندم يقصد آآآ..

قاطعه وكيل النيابة بصرامة وهو يشير بكفه أمام وجهه:
-من فضلك، أنا عاوز أسمعه
ابتلع ممدوح ريقه، وأشار بعينيه نحو المقعد الجلدي مستأذناً بخفوت:
-تسمحلي أقعد ؟
أومأ وكيل النيابة برأسه وهو يقول بإيجاز:
-اتفضل
جلس ممدوح على المقعد، وإنتصب في جلسته، ثم فرك أصابع يده متوتراً، وقال بصوت متقطع:
-حكايتي مع.. آآ.. مدام ناريمان من زمان، إحنا أصدقاء، بس في الفترة الأخيرة غيرتها زادت جداً عليا
-أها.

مسح ممدوح على صدغه قبل أن يتابع بهدوء يشوبه القلق ب:
-وبقى في مشاكل مع جوزها كتير، وعاوزة تطلق، ولجأت ليا عشان أساعدها في ده، بس أنا رفضت، ونصحتها تكمل معاه، لكن لما اعترفتلي بحبها ليا، أنا بصراحة مقدرتش أقاوم الشعور بتاعها، واحدة وعاوزة حب وحنان، وأنا محروم من ده كله !

ثم صمت للحظة ليلتقط أنفاسه، وأكمل قائلاً بإرتباك:
-احم.. بس.. بس بعد فترة جوزها شك في وجود علاقة بينا، وآآ.. وآآ.. وأنا خوفت عليها، فقولتلها هابعد، هي.. هي صممت إننا نكون سوا لحد ما تخلص منه !
سأله وكيل النيابة بإهتمام شديد وهو يوزع نظراته بينه وبين كاتبه الخاص ليتأكد من تسجيل أقواله ب:
-ها، وبعدين ؟
نظر له ممدوح بقلق، وأجابه ب:
-كانت دايما بتجيلي الشقة ومعاها نسخة منه، وكنا بنقضي وقتنا سوا.

أمره مجدداً وكيل النيابة بنبرة جادة وهو يرمقه بنظرات متفرسة:
-فسر كلامك !
نظر ممدوح في إتجاه محاميه نصيف، وأطرق رأسه ليتابع بحرج:
-يعني.. كنا آآ.. يعني بنعمل علاقة مع بعض، بس جوزها جالي وهددني إني لو مبعدتش عن مراته، هاينتقم مني، فأنا بعدت، لكن هي لأ..!
لوى وكيل النيابة فمه مستنكراً ما سمعه، وسأله بجمود:
-ممم.. وإيه تاني ؟

أضاف ممدوح قائلاً بخفوت:
-هي عرفت إني على علاقة ببنت من إياهم، فهددتني بالقتل لو ماسبتهاش
إستند وكيل النيابة على مرفقيه بعد أن عقد كفيه أمامه، وسأله مستفهماً:
-وده امتى حصل ؟ وفين ؟
رد عليه على عجالة ب:
-من قريب و.. آآ.. وفي شقتي !

قطب وكيل النيابة جبينه، وحل تشابك كفيه، ثم أشار بإصبعه للخلف قائلاً بهدوء:
-شقتك اللي كانت بتدخلها بالمفتاح عادي
أومأ ممدوح برأسه إيماءة خفيفة، وأجابه بجدية:
-أيوه، ما أنا نسيت أخده منها
-مممم
ثم أضاف المحامي نصيف قائلاً بنبرة هادئة:
-موكلي يا فندم عاوز يتهم ناريمان شوقي إتهام صريح بإنها وراء مقتل المدعوة رحمة
مط وكيل النيابة فمه قليلاً، وتسائل بنبرة رسمية:
-أها، عندك أقوال تانية ؟

هتف ممدوح بنبرة جادة وبإيجاز:
-أيوه.. !
أشار له وكيل النيابة بكف ليشرع في حديثه مرة أخرى قائلاً بجمود:
-اتفضل
إرتسم على ثغر ممدوح إبتسامة لئيمة، ثم أرخى كتفيه قليلاً، وتابع سرد وقائع مغلوطة عن علاقته الآثمة مع ناريمان ليضمن توريطها بشكل تام في القضية..
وما إن إنتهى الأخير من حديثه حتى أردف وكيل النيابة قائلاً بصوت جاد للغاية:
-اكتب يا بني، وبناءاً على أقوال المتهم، يتم إستدعاء المدعوة ناريمان شوقي للتحقيق معها فيما هو منسوب إليها من إتهامات

في مشفى الجندي الخاص
حدق مهاب في اللوحة التشريحية المعلقة على حائط غرفة مكتبه بنظرات ثاقبة، وعقد ذراعيه خلف ظهره، وغمغم قائلاً بتهديد صريح:
-زي ما عالجتك زمان يا ناريمان، وخليتك تقفي على رجلك، وقدمتلك كل حاجة على طبق من دهب، هاحرمك من ده كله، وبمشرطي !
ثم إنتبه إلى صوت الدقات الخفيفة على باب مكتبه، فصاح قائلاً بصوت مرتفع:
-اتفضل.

دلف كبير الأطباء إلى الداخل وهو يرسم على محياه إبتسامة سخيفة، وهتف قائلاً بحماس:
-خير يا دكتور مهاب ؟ كنت عاوزني في ايه ؟
ظلت تعابير وجه مهاب جامدة، ثم سار في إتجاه مكتبه، وإستند بكفه عليه، و رد عليه بصوت جاد ب:
-المدام عندي تعبانة، وأنا عاوز أعملها عملية إستئصال !
عقد كبير الأطباء ما بين حاجبيه في إندهاش، وتسائل بتلهف قلق ب:
-تعبانة ؟ من ايه ؟ وعملية استئصال ايه بالظبط ؟
رد عليه مهاب بهدوء مريب وهو محدق فيه:
-الكلى عندها بقالها فترة مأثرة عليها.

وضع كبير الأطباء إصبعيه على طرف ذقنه، وفركه في حيرة، ثم هتف بإستغراب:
-بس على ما افتكر مدام ناريمان مش بتشتكي منها !!
صاح به مهاب بصوت جاد وهو يرمقه بنظرات حادة ب:
-أنا بأقولك تعباها، يبقى تاخد كلامي ثقة
تنحنح كبير الأطباء بحرج، وأرخى يده وهو يتابع بخفوت:
-احم.. إنت أدرى يا دكتور مهاب
تحرك مهاب في إتجاه كبير الأطباء، وقال بصوت جاد:
-المهم، عاوزك تجهزلي كل حاجة عشان أقوم بالعملية دي من غير ما حد هنا يعرف
انعقد حاجبيه للأعلى وهو يسأله بإندهاش:
-طب ليه ؟

رد عليه مهاب بحدة وهو يشير بإصبعه محذراً:
-من غير ليه، أنا أمر وانت تنفذ
هز كبير الأطباء كتفيه في عدم إكتراث، ودس يديه في جيبي معطفه، وقال بفتور:
-اللي تشوفه..
إبتسم له مهاب إبتسامة مجاملة، وربت على كتفه وهو يقول بهدوء:
-المهم تبلغني بالميعاد في اقرب وقت
أومأ كبير الأطباء برأسه إيجابياً، وأجابه بنبرة عادية:
-حاضر يا دكتور مهاب.

عند قصر عائلة الجندي
وقفت سيارات الشرطة أمام بوابة القصر الرئيسية ليترجل منها عدداً من الضباط والعساكر، وصاح أحدهم بصوت جهوري:
-افتح البوابة
اقترب منه الحارس جمال، وسأله بضيق:
-انت مين ؟
صاح به الضابط بنبرة قوية وهو يرمقه بنظرات مهينة ب:
-ايه أعمى مش شايف إننا بوليس قدامك !
لوى جمال فمه قليلاً، ورد بهدوء حذر:
-مقصدش يا باشا، بس ليه ؟

أجابه الضابط بنبرة رسمية وهو يشير بيده:
-معانا أوامر بالقبض على ناريمان شوقي وتفتيش المكان ده كله
جحظ جمال بعينيه وهو يهتف بعدم تصديق:
-مييييين ؟
لكزه الضابط في صدره بقوة، وصاح بصوت آمر و متصلب ب:
-انت هتنح كتير، افتح الباب وإلا هاخد على البوكس
أشار له بكفيه وهو يقول دون تردد:
-وعلى ايه يا باشا، اتفضل !
ثم إلتفت برأسه للخلف وصاح بنبرة عالية:
-افتحوا البوابة بسرعة
ثم تنحى جانباً ليفسح المجال لسيارات الشرطة بالمرور، وأخرج هاتفه المحمول من جيبه ليهاتف مهاب الجندي، ويبلغه بما يحدث..

في منزل أوس الجديد
جلست تقى على الفراش وهي ضامة ركبتيها إلى صدرها، ومحدقة أمامها بنظرات فارغة من الحياة..
دلفت إليها عفاف ومعاها الخادمة ماريا وهي تحمل صينية الطعام، ثم أشارت لها بيدها دون أن تنطق لتضعها على الفراش وتنصرف..
فنفذت ماريا ما طلب منها، وخرجت من الغرفة..
نظرت عفاف بإشفاق إلى تقى، وجلست على طرف الفراش، وإلى جوارها، ثم مدت يدها وأسندتها على ركبتها، وهمست قائلة بصوت دافيء:
-قومي يا بنتي كليلك لقمة.

ثم هزتها قليلاً لعلها تستجيب لها، ولكنها كانت كالصنم الجامد الذي لا حياة فيه..
تنهدت عفاف بحسرة، وتوسلت لها ب:
-يا بنتي ماينفعش اللي بتعمليه في نفسك، كلي أي حاجة، ده إنتي الحالة دي من بدري
صرخت فيها تقى بصوت منفعل وهي تركل الصينية بقدمها ب:
-مش عاوزة أكل، سبوني في حالي !

هبت عفاف مفزوعة من مكانها، ونظرت لها بتوجس، ثم أشارت بكفيها لها وهي تقول بحذر:
-حاضر.. حاضر، إهدي يا بنتي، أنا هاعمل كل اللي انتي عاوزاه !
هزت تقى رأسها معترضة وهي تهدر بعصبية:
-محدش بيعمل اللي أنا عاوزاه، ولا حد فيكم حاسس بالعذاب اللي أنا فيه، أنا محبوسة هنا، مجبورة أكون مع أكتر واحد بأكرهه في الدنيا، وعاوزيني أعيش حياتي عادي، أكل وأشرب وأنام وأضحك..!

دفنت وجهها بين راحتي يدها، وأجهشت بالبكاء لتتابع بصوتها المتشنج ب:
-ارحموني بقى ! ارحموني وسيبوني في حالي !
نظرت لها عفاف بأسف، وردت عليها بنبرة حزينة:
-ماشي يا بنتي.. خلاص أنا هاخلي ماريا تنضف الأوضة، ونسيبك على راحتك !

في قصر عائلة الجندي
صاحت ناريمان بإنفعال جلي وهي تجر قسراً إلى خارج القصر مكبلة بالأغلال الحديدية ب:
-انتو قابضين عليا ليه، أنا معملتش حاجة، بريئة، سيبوني !
رمقها الضابط بنظرات ساخطة، وهتف قائلاً بصرامة:
-حطوها في البوكس
صرخت بإهتياج وهي تقاومهم بشراسة ب:
-لألألألأ.. أنا بريئة، قتل ايه اللي بتكلموا عنه، صدقوني !

دفعها العسكري من خصرها نحو مؤخرة السيارة وهو يقول بجمود:
-اطلعي يا مدام
هزت رأسها بعصبية وهي تصيح صارخة:
-لألألأ.. سيبوني !
ثم سحبها عسكري أخر من ذراعيها للأعلى لتصعد إلى السيارة..
رفع ضابط أخر يده بمفتاح ما أمام وجه زميله قائلاً بجدية:
-ده المفتاح يا باشا !

حدق الضابط فيه بدقة وسأله بهدوء:
-مممم.. مواصفاته مطابقة للوصف اللي معانا ؟
أجاب زميله بثقة بالغة ب:
-ايوه !
تابع الضابط حديثه الجاد وهو يشير بعينيه:
-اتحفظ عليه، ويتبعت للمعمل الجنائي
أومأ زميله برأسه موافقاً وهو يجيبه بإيجاز:
-تمام يا باشا

في منزل أوس الجديد
وضع أوس ساقه فوق الأخرى بعد أن جلس على الأريكة في صالة منزله الواسعة، ثم أشعل سيجارته الكوبية، وتسائل قائلاً:
-جهزتي شنط السفر يا عفاف ؟
ردت عليه بهدوء وهي تهز رأسه:
-حصل يا باشا !
ثم زمت فمها، وأضافت قائلة بتردد:
-بس أنا.. آآ.. كنت عاوزة آآ..
نظر له بنظرات ضيقة، وأمرها بصوت جاد وهو ينفث دخان سيجارته عالياً:
-قولي على طول.

تنحنحت بخفوت وهي تجيبه بتوتر:
-يعني.. احم.. كنت عاوزة ألفت نظر حضرتك إن تقى محجبة، والهدوم الموجودة مش آآ.. مش هاتنفع تلبسها
لوى فمه للجانب، وأخذ نفساً مطولاً من سيجارته، وتحدث قائلاً وهو يزفره بإيجاز:
-والمطلوب ؟
بإهتمام واضح في نبرة صوتها هتف ب:
-يعني.. لنفسيتها، هي أكيد هترتاح في لبس المحجبات، لكن.. لكن ماظنش إنها هتلبس الفساتين اللي في الدولاب !
-مممم..
ثم تابعت قائلة بثقة بعد أن وجدت منه هدوءاً عجيباً:
-لو تأذنلي أنا أعرف محلات لبس كويس ممكن أنزل اجيبلها كام حاجة مناسبة !

أردف أوس قائلاً بصوت عميق وهو يرمقها بنظراته الجادة:
-رغم إني مابحبش حد يعمل حاجة أنا مش موافق عليها، بس إنتي استثناء يا عفاف !
إبتسمت له مجاملة وهي تجيبه بصوتها الهاديء:
-شكراً يا باشا على ثقتك فيا
أخرج أوس حافظة نقوده من جيبه، ثم عبث بها ليخرج كارته البنكي، ثم مد يده للأمام وهو ممسك به بإصبعيه قائلاً بجدية:
-خدي الكريدت كارد بتاعتي، وهاتي المناسب ليها.

هزت رأسها موافقة وهي تتناوله منه مضيفة بهمس:
-حاضر يا أوس باشا
ثم أولته ظهرها، وسارت مبتعدة عنه، ولكن أوقفها صوته حينما صدح ب:
-عفاف !
إلتفتت برأسها نحوه، وأجابت على الفور ب:
-ايوه
تنهد بعمق، وأكمل قائلاً بهدوء جدي:
-وجودك الفترة دي مع تقى مهم بالنسبالي، فماتسيبهاش !

إبتسمت له بإمتنان لإعترافه الضمني بمجهوداتها، فأجابته بإبتسامة خفيفة:
-اطمن يا باشا، دي أكتر من بنتي والله
هز رأسه بخفة، وأشار بعينيه قائلاً بصرامة:
-تمام، روحي إنتي !
-عن اذنك !
ثم أكمل تدخين سيجارته وهو محدق أمامه في الفراغ، وعقله لم يتوقف للحظة عن التفكير في قرار الإنفصال عن تقى بعد عدة أيام..

في مشفى الجندي الخاص
رن هاتف مهاب لأكثر من مرة، ولكنه لم يجبْ على إتصالات الحارس جمال المتكررة به.. فقد كان مشغولاً بالإعداد لتقارير مزيفة عن سوء تدهور حالة زوجته من أجل ضمان عدم الملاحقة القضائية له في حالة وفاتها..
إلتوى فمه بإبتسامة شيطانية وهو يرى موظفيه ينجزون ما يريده على أكمل وجه، وحدث نفسه قائلاً بغرور:
-وكده محدش هايمسك عليك حاجة يا مهاب، ماهو تزوير التقارير لعبتي من زمان !

إنتهى الحرس الخاص من إعداد السيارات المصاحبة لأوس الجندي في رحلته إلى الساحل الشمالي حيث الجولة السياحية التي سيقوم بها مع الوفد الأجنبي..
وقف أحدهم على مدخل البناية منتظراً قدوم رب عمله.. وأشار للبقية بيده ليستعدوا..

عاونت عفاف تقى في إرتداء ثيابها الجديدة التي إشترتها لها.. والتي راعت أن تكون مناسبة لها..
في حين نظرت الأخيرة إلى نفسها في المرآة بنظرات خاوية من أي شيء..
ورغم هذا لفت أنظارها تلك الأناقة الغريبة التي لم تتعود عليها..

فقد كانت ترتدي كنزة طويلة قطنية تصل إلى ما بعد ركبتيها من اللون البرتقالي.. وأطرافها مطرزة بقماش حريري بني لامع.. وفتحة صدرها مثلثة..
ومن أسفلها برزت ياقة قميصها الأبيض المعقود شريطيه على هيئة أنشوطة.. وكذلك إرتدت بنطالاً من الجينز من اللون الرمادي الفاتح..
مدت عفاف يدها بحجاب حريري ذي اللون الزيتوني لتغطي رأس تقى به، وإبتسمت لها إبتسامة رقيقة وهي تقول:
-ربنا يكفيكي شر العين يا بنتي زي القمر
لم تبتسم لها تقى، بل إكتفت بتحريك رأسها بإيماءة خفيفة..

أمسكت بها عفاف من ذراعيها، وأدارتها في إتجاهها، وتابعت قائلة بخفوت:
-ماتقلقيش يا بنتي، الباشا أوس عمره ما هيأذيكي
لوت تقى فمها بسخط، وتنهدت بحرارة.. وأغمضت عينيها لتبتلع تلك الكذبة على مضض..
فهمت عفاف من نظراتها، وتعبيرات وجهها الحزينة عدم إقتناعها بما تقول.. فإلتمست لها العذر.. لأنها لم تعرف أوس جيداً كما عرفته هي.. وأيقنت أنه قد تبدلت أحواله مؤخراً بعد زواجه من تقى ودخولها للمشفى..

هزت رأسها بإشفاق وهي تغمغم لنفسها قائلة بحزن:
-يا ريتك تشوفيه زي ما أنا شايفاه الوقتي يا بنتي..!
ولجت الخادمة ماريا إلى داخل الغرفة، وهتفت قائلة بلكنة غريبة:
-الباشا أوس منتظرك مدام !
حدقت بها تقى في خوف، ولم تجيبها..
بينما نظرت لها عفاف، وردت عليها قائلة بهدوء:
-قوليله هي جاية على طول يا ماريا
-حاضر.

قالتها ماريا قبل أن تنصرف إلى خارج الغرفة..
ثم ربتت عفاف على ظهر تقى، وهمست لها بحذر:
-يالا يا بنتي
شعرت عفاف بإرتجافة جسد تقى، فحاولت أن تطمئنها، فأضافت بحنو:
-أنا معاكي يا بنتي !
سارت تقى بخطوات بطيئة نحو الخارج، وظلت عفاف واضعة لكف يدها على ظهرها لتبث لها الأمان..

وقف أوس بجوار باب المنزل منتظراً زوجته بترقب شديد، وواضعاً يديه في جيبي بنطاله القماشي الأسود..
ظل يهز ساقيه بعصبية، وأجفل عينيه للأسفل لينظر إلى لمعان فردتي حذائه.. ثم رفع بصره للأعلى فجأة حينما سمع صوت عفاف يهتف ب:
-احنا جاهزين يا باشا !

سلط أوس أنظاره على تقى، وتحولت نظراته إلى الإعجاب بهيئتها المحتشمة.. وعلى الرغم من إعتياده رؤية أجساد النساء – وخاصة عاهراته – عارية، إلا أنه شعر بالغبطة لأن زوجته تختلف عنهن.. فهي جوهرته الثمينة..
إلتوى فمه بإبتسامة رضا، ولكنها تلاشت سريعاً ليحل محلها الجمود وهو يتشدق قائلاً:
-تمام، يالا.

أمسك بمقبض الباب وأداره لينفتح قليلاً، ثم وقف ملتصقاً به، وأشار لتقى بعينيه لكي تتحرك
نظرت له شزراً قبل أن تسير نحوه بإضطراب يسيطر على أوصالها..
مرت بخطوات حذرة من جواره، وتحاشت النظر إليه، في حين حدق هو بها بدقة رهيبة، واستنشق عبيرها بكل حواسه، وأغمضت عينيه ليحفر في عقله جبراً تلك اللحظة العابرة..
راقبتهما عفاف بنظرات متفائلة، وتقوس فمها بإبتسامة أمل..

وقفت تقى أمام المصعد ووجهها خالي من التعبيرات، بينما وقف أوس خلفها، على بعد سنتيمترات منها، مسبلاً عينيه نحوها بشغف جلي..
شعرت هي بحرارة جسده من خلفها، فإبتلعت ريقها بتوتر..
وأجفلت عينيها للأسفل، وظلت تحرك أصابع يدها بإرتباك..
طال وقوفهما ولم يحضر المصعد، فتسائل أوس بجدية:
-هو انتي دوستي على الزرار ؟

لم تجبه، ولم تنظرْ نحوه، بل ظلت جامدة كالصنم..
سألها مجدداً بنبرة شبه متصلبة وهو محدق بها:
-دوستي ولا لأ ؟
لوت فمها ولم تجبه، وعقدت ساعديها أمام صدرها في عدم إكتراث بما يقول..
نفخ من الضيق، وتابع قائلاً بنبرة مغتاظة:
-على الأقل عرفيني !

ثم إنحنى للأمام ليضغط على الزر مجدداً، ولكنه إرتطم عمداً بظهرها، فأجفلت هي مما فعله، وحلت ساعديها، وتجهم وجهها، وإلتفتت برأسها للجانب لترمقه بنظراتها الغاضبة، فوجدت وجهه يكاد يلامس وجنتها، وعينيه مسلطتين عليها.. فتوردت خجلاً من اقترابهما الشديد، وإبتلعت ريقها متوترة..
إلتوى فم أوس بإبتسامة صغيرة، وهمس لها قائلاً:
-كده الأسانسير هايجي !
ثم تراجع للخلف، فعضت على شفتها السفلى، وعدلت من وضعية ياقتها بإرتباك ملحوظ...

في مشفى الأمراض النفسية
تجول عدي بصحبة الطبيب المعالج لليان في الحديقة الواسعة الملحقة بالمشفى، وأردف الأخير قائلاً بجدية:
-هو في تقدم ملحوظ، بس هانخد وقت لحد ما هي تكتسب ثقة من جديد في اللي حواليها
تسائل عدي بإهتمام جلي في نبرته:
-طب هازورها امتى ؟
أجابه الطبيب بإيجاز ب:
-قريب
هز رأسه بخفة وهو يردد:
-تمام
حك الطبيب طرف ذقنه وهو يضيف بنبرة حذرة:
-أنا كان عندي سؤال !

قطب عدي جبينه مهتماً، وتشدق قائلاً:
-اتفضل يا دكتور
سأله الطبيب بنبرة جادة وهو محدق في وجهه:
-مين تهاني دي اللي على طول بتقول اسمها ؟
ضيق عدي حدقتيه في إستغراب، وهتف بصورة عفوية:
-تهاني !

حرك الطبيب رأسه مبرراً ب:
-أها.. هي ساعات كتير تفضل ساكتة مع نفسها، وفجأة تنفعل وتردد جمل زي " أنا مش بنتها، هي بتكره ولاد تهاني، احنا ولاد تهاني "، وحاجات مشابهة لده
هز عدي كتفيه في حيرة، وتابع قائلاً بنبرة جادة:
-مش متأكد، بس هسأل وأعرفلك !
إبتسم له الطبيب ممتناً وهو يقول:
-يا ريت، أي معلومة بتقدمهالي حتى لو كانت صغيرة بتفيد في علاج الحالة
-اوكي.

فتح أحد رجال الحراسة الخاصة باب السيارة الخلفي ليلج أوس الجندي إلى الداخل بعد أن إستقرت زوجته في مكانها، ثم أشار له بيده ليغلق الباب، ومن ثم أومأ بعينيه لينطلق السائق بهما..
توقعت تقى أن تركب معهما عفاف، لكنها تفاجئت بالسيارة تتحرك، فنظرت حولها بذعر، وتلفتت برأسها في ريبة متسائلة بصوت محتد:
-فين عفاف ؟ هي مش هتركب معانا ؟

أجابها أوس بهدوء شديد وهو يسند مرفقه على جانب السيارة:
-لأ، هي مش هاتيجي أصلاً السفرية دي
إتسعت مقلتيها في ذعر، وهتفت قائلة بصدمة:
-اييييييه !!!
ثم إلتفتت برأسها للخلف لتجد عفاف واقفة في مكانها، وإبتسامة خفيفة مرسومة على ثغرها، وتلوح لها بيدها، فتلاحقت أنفاسها بخوف، ونظرت بطرف عينها إليه، وهي تهز رأسها مستنكرة....

هتف قائلاً بصوت رخيم وهاديء دون أن ينظر نحوها:
-زي ما وعدتك، هاطلقك أما نرجع، فمافيش داعي للإنفعال
إعتدلت بيأس في مقعدها، وأشاحت بوجهها بعيداً عنه، وعقدت ساعديها أمام صدرها، وظلت تنفخ بإستمرار
إختلس أوس النظرات إليها، وتقوس فمه بإبتسامة باهتة، ثم عاود النظر إلى الطريق.....

في مكتب المحامي أمجد سعفان
أومأ أمجد برأسه عدة مرات وهو واضع لهاتفه المحمول على أذنه، ثم جاب غرفته ذهاباً وإياباً وهو يمط فمه متمتماً بكلمات غير مفهومة.. ثم أنهى المكالمة وإلتفت إلى سامي الجندي وهتف قائلاً بحماس:
-زي ما مصادرنا قالوا، هو بنفسه اللي رايح الساحل الشمالي !
إتسع ثغر سامي بإبتسامة شيطانية، وأردف بشراسة وهو يكور قبضته في الهواء:
-حلو أوي، ودي فرصتي عشان أخلص منه من غير ما حد ياخد باله.

سأله أمجد بإهتمام وهو يرمقه بنظرات حادة:
-فكرت في الخطة اللي هاتعملها ؟
رد عليه بثقة وهو يشير بيده:
-اه فكرت وهي استوت على الأخر كمان
هز أمجد رأسه بهدوء، وتابع بجدية:
-تمام.. يبقى مش ناقص غير تحديد وقت التنفيذ
إتسعت حدقتي سامي بطريقة مخيفة وهو يضيف بتهديد صريح:
-مش هاترجع من هناك يا ابن أخويا إلا جثة !

في سيارة أوس الجندي
ظلت تقى طوال الطريق صامتة، ومحدقة بالنافذة الملاصقة لها..
بينما كان أوس يدير رأسه ناحيتها بين الحين والأخر لينظر لها بتفحص..
لاحظ إهتزاز ساقيها بصورة متوترة، ثم سكونها، ثم تكرار تلك الحركة وكأنها لازمة لها.. فإلتوى فمه بإبتسامة باهتة..
نظرت له فجأة ورمقته بنظرات حادة وهي تنهره بضيق:
-بتبص على ايه ؟

وضع أوس إصبعه على أنفه ليداعبه، وأجفل عينيه قليلاً، ولم يجبها..
نفخت من تجاهله الرد عليها، ونظرت للطريق من جديد..
أمسك أوس ب " التابلت " الخاص به، وظل يتابع بعض المراسلات الإلكترونية الخاصة بشركاته، ويرد عليها بهدوء تام..
شعرت تقى بثقل في جفنيها، وأرادت أن تتثاءب ولكنها قاومت بجهد كبير هذا الإحساس المغري للنوم، ولكن حركة السيارة الثابتة والهادئة في آن واحد جعلت جسدها يسكن ويستجيب لسلطانه..
أرجعت رأسها للخلف، وأسندته على المقعد، وحدقت بالطريق، ثم إستسلمت للنوم تماماً..
رن هاتف أوس، فإلتقطه من جيب قميصه العلوي، ثم نظر إلى المتصل، ورد عليه بجدية:
-نعم !

ثم هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يضيف بجمود:
-مش كتير، حاجة بسيطة، تقريبا تلاتربع ساعة بالكتير.. مم.. أها !
وفجأة مالت رأس تقى ناحية كتفه، وإستندت عليه، فنظر لها أوس بإندهاش عجيب، وتلعثم وهو يكمل مكالمته، فهمس بصوت جاد:
-هاكلمك بعدين، سلام !

ثم أعاد وضع هاتفه في جيبه، ورفع ذراعه بحذر شديد للخلف لتميل رأس تقى أكثر على صدره، ثم أحاطها به، وشعر بأنفاسها الهادئة تلفح عنقه وصدغه.. فإبتسم لها برضا.. وحدق مطولاً في قسمات وجهها الدقيقة، وتأمل ذلك الجمال النقي الذي أنهكه الحزن..
تنهد بحرارة شديدة وهو يحدث نفسه بنبرة عاشمة:
-آه لو تديني فرصة بس أصلح غلطي.... !!!

تمطعت تقى بجسدها وهي غافية في أحضان أوس، ثم فتحت عينيها قليلاً، فرأت عينين تحدقان بها بشغف، وإبتسامة صغيرة بادية على ذلك الوجه المقترب منها..
ظنت في البداية أنها لا تزال في سباتها غير واعية، فأغمضت عينيها مجدداً، ولكن لإهتزاز السيارة بحركة قوية جعلتها تفتح عينيها فجأة بإنزعاج، ثم أمعنت النظر في وجهه فأدركت أنها تنظر إليه.. فإتسعت حدقتيها الزرقاوتين في ذهول، وفغرت شفتيها للأسفل مدهوشة من تلك الوضعية التي كانت غافية عليها..
هزت رأسها مستنكرة ما حدث، وشعرت بقبضته ممسكة بها من ذراعها، فإنتفضت من حضنه مذعورة، وأزاحت يده بعيداً عنها، وصاحت بإنفعال:
-إنت.. إنت عملت إيه ؟

هز كتفه في عدم مبالاة، ورمقها بنظرات هادئة وهو يجيبها ببرود:
-ولا حاجة ؟
نظرت له بذعر، وصرخت فيه بعصبية وهي تشير بإصبعها:
-إنت.. إنت خدرتني !
نظر لها بعتاب، ثم أجابها بفتور:
-مش اسلوبي على فكرة !
سألته بزمجرة قوية وهي تتلفت حولها:
-أومال أنا جيت هنا إزاي ؟
نظر لها بتعجب وهو يرفع حاجبه للأعلى، ثم عقد ساعديه أمام صدره، ورد عليها بنبرة عابثة:
-بمزاجك !
حدجته بنظرات محتقنة وهي تهتف ب:
-نعم ؟

أمال رأسه للجانب، ونظر له بتسلية وهو يجيبها ببرود مستفزاً إياها:
-يعني إنتي جيتي هنا العربية على رجليكي، وبعد شوية نمتي، وبعدها ريحتي على كتفي !
ثم حل ساعديه، وتحرك في المقعد ليقترب منها ويقلص المسافة بينهما، فإنكمشت على نفسها بخوف، ورمشت بعينيها بتوتر ملحوظ، فهمس لها وهو يميل على شفتيها برأسه:
-يعني مش أنا اللي قربت منك ! بس جايز عقلك الباطن عاوزني !

إبتلعت ريقها بخوف واضح منه، ورددت بتلعثم:
-إنت.. إنت آآآ..
قاطعها بصوت جاد وهو مسبل عينيه:
-أنا عند كلمتي معاكي !
ثم صمت لثانية ليقترب أكثر منها حتى كاد أن يلامس شفتيها بفمه، فتوردت وجنتيها بحمرة واضحة، وهمس قائلاً وهو يغمز لها بثقة:
-إنتي بتتعاملي مع أوس الجندي يا.. يا بنت خالتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والخمسون

في السجن العمومي
مال المحامي نصيف على ممدوح الجالس قبالته بجسده الممتليء، وهمس له بمكر ب:
-لو نفذت اللي قولتلك عليه هاتطلع من هنا
ضيق ممدوح عينيه بشدة، وأدف قائلاً بغل:
-طلعت مش سهل خالص يا مهاب !!
تابع نصيف حديثه اللئيم ب:
-الباشا معانا على الخط، وهيلبس مراته الليلة كلها.

في حين حدث ممدوح نفسه قائلاً بسخط وهو يتذكر مواقف مهاب المشينة مع من يقف في طريقه منذ بدء صداقتهما حتى الآن:
-مممم.. طول عمرك بتطلع من أي حاجة كسبان، سواء تهاني أو ناريمان !
أشار نصيف بيده وهو يضيف بجدية:
-وأنا هاقدر أظبط القضية وأطلعك منها، بس إنت تقول أوكي
تقوس فمه بإبتسامة لئيمة وهو يجيبه بثقة:
-وماله، هاخسر ايه، أخرج بس من هنا، وبعد كده نتصافى على رواقة !
إبتسم نصيف بإرتياح وهو يقول:
-عظيم جدا، نراجع بقى اللي هاتقوله في باقي التحقيقات
-ماشي

في قصر عائلة الجندي
ضحك مهاب بصوت مرتفع وهو يضرب بقبضته في الهواء، ثم هتف بحماس:
-ايوه بقى، أهي جت لحد عندي الفرصة من غير ما أوسخ ايدي !
أخذ هو نفساً عميقاً، وفرد ذراعيه في الهواء، وتابع قائلاً بتباهي:
-والورق اللي معايا وخدته من شقتك يا ممدوح هايفيد أوي في إني اثبت الجريمة عليكو انتو الاتنين ! ضربة معلم بصحيح !
ثم إتجه ناحية الدرج وصعد عليه وهو يصفر بسعادة غامرة تعجب منها الخدم خاصة بعد إلقاء القبض على سيدة القصر بطريقة مهينة..

في مكتب وكيل النيابة
مدت ناريمان يديها المرتعشة لتمسك بكوب الماء الموضوع أمامها، ثم إرتشفت منه عدة قطرات، وأخذت نفساً عميقاً لتسيطر على بكائها المستمر، وأردفت قائلة بصوت مختنق:
-مش انا اللي قتلتها ؟
سألها وكيل النيابة بهدوء شديد وهو محدق بها:
-طب تفسري بإيه وجود مفتاح شقة ممدوح معاكي ؟
إبتلعت ريقها بإرتباك، وأجابته بتلعثم:
-أنا منكرش إنه اداني المفتاح، وأنا.. وأنا كنت بأزوره وآآ.... آآ..

توترت هي أكثر ولم تكمل عبارتها الأخيرة، فأضاف وكيل النيابة قائلاً بنبرة رسمية:
-المتهم قال إنك كنتي على علاقة معاه !!
إتسعت مقلتيها بصدمة، وشحب لون وجهها في رعب..
فقد كشف ذلك الخسيس علاقتهما، ولم يهتم بفضح أمرهما.. فحاولت أن تنكر ما قاله، فصرخت بحدة:
-هو.. هو كداب، محصلش !

أطرق وكيل النيابة رأسه قليلاً فهو لم يقتنع بما قالته، خاصة وأن إرتباكها الملحوظ يشير إلى تورطها في مسألة أعمق، ثم سلط أنظاره القوية عليها وسألها بجمود:
-كنتي فين وقت وقوع الجريمة ؟
توترت أكثر وهي ترد عليه بصوت مضطرب:
-كنت.. في القصر، والخدامين بتوعي يشهدوا بده
أجابها بهدوء وهو يهز رأسه:
-هنشوف الموضوع ده، والتحريات هتثبت صحته من عدمه.

ثم سمع كلاهما صوت دقات خفيفة على باب الغرفة، فهتف وكيل النيابة بصوت آمر:
-اتفضل
أدى العسكري التحية العسكرية وهو يقف منتبهاً أمامه، قائلاً بصوت رسمي:
-تمام يا فندم
سأله وكيل النيابة بجدية شديدة ب:
-في ايه يا عسكري ؟

-في واحد يا باشا برا بيقول إنه جوز المتهمة وجاي يدلي بأقواله
هتفت دون وعي وكأنها الغريق الذي يتعلق بقشاية:
-ايوه، جوزي هايقول الحقيقة، أنا بأثق فيه
أشار له بإصبعه وهو يأمره بصوت آجش:
-دخله يا عسكري
بعد لحظات دلف مهاب إلى الداخل وهو متجهم الوجه، و فمه ملتوي بتأفف، ثم حدج زوجته بنظرات مهينة قبل أن ينظر في إتجاه وكيل النيابة وهو يقول بصوت خشن وقوي:
-دكتور مهاب الجندي، جوز ال..آآ..
ثم نظر لها بإشمئزاز وهو يتابع بسخط:
-جوز المدام
شعرت ناريمان من نظراته المحتقرة لها، وتصرفاته الجادة أنه على وشك فعل كارثة ما..

أردف مهاب قائلاً بصوت محتد وهو يشير بإصبعه:
-أنا عاوز بس قبل ما أبدأ، أتهم المدام في بلاغ رسمي بإنها خاينة وإرتكبت زنا
فغرت ناريمان فمها بصدمة رهيبة قائلة:
-هاه، بتقول ايه ؟
مط وكيل النيابة رأسه في تعجب أشد، وردد بهدوء:
-ممممم، زنا !
ثم سلط مهاب أنظاره الشيطانية عليها ليكمل بثقة:
-وعندي ما يثبت كلامي
أشار له وكيل النيابة بكف يده ليجلس قائلاً بنبرة رسمية:
-اتفضل
جحظت ناريمان بمقلتيها المتورمتين في ذعر حقيقي، وإرتجف جسدها بشدة وهي تنتظر ما سيقوله زوجها ليقضي عليها للأبد......

عند المنتجع الشهير بالساحل الشمالي
توقفت سيارات أوس الجندي عند مدخل المنتجع، وأنزل سائق سيارته الأساسية الزجاج الملاصق له ليتحدث بنبرة رسمية وهو يشير بعينيه الحادتين:
-الباشا أوس وصل، بلغ الإدارة !
هز الحرس الأمني المرابط أمام المدخل رأسه بإيماءة واضحة وهو يهتف بحماس:
-تمام، حمدلله على السلامة يا فندم، شرفتوا المكان
ثم إستدار برأسه للخلف ولوح بيده لزملائه قائلاً بصوت مرتفع:
-افتح البوابات بسرعة للباشا.

تحركت السيارات بثبات عجيب لداخل المدخل الرئيسي للمنتجع المعروف بأنه خاص فقط بالطبقة المخملية..
حدقت تقى بنظرات مبهورة إلى المكان الذي لم تكن لتراه أبداً حتى في مخيلتها..
فغرت شفتيها في إعجاب واضح بالتصميم الراقي والفخم لكل جزئية في المنتجع، بدءا من المدخل الرخامي ذي الأرضية الإسفلتية، وما حوله من شجيرات خضراء تشكل ممراً منفصلاً يؤدي إلى بوابة أخرى رئيسية يقف عندها حرس أخرين، أسرعوا برفع الحاجز الحديدي لتكمل السيارات سيرها نحو الداخل..

وكأنها ترى جنة الله على الأرض متمثلة في هذا المكان..
الألوان المريحة للأعين في طلاء المباني الفاخرة والسماء الزرقاء مع الخضرة الغناء والهواء المنعش.. كذلك التصميمات المعمارية التي تدل على إبداع المهندسين المعماريين في تشيد هذا المنتجع..
بعد أقل من دقائق، توقفت السيارات أمام مدخل صغير.. وترجل على الفور أفراد الحراسة الخاصة من السيارات، وأسرع أحدهم بفتح باب سيارة أوس وتنحى للجانب
نظر أوس لتقى، وأشار لها بعينيه قائلاً بجدية:
-وصلنا، يالا !

ثم ترجل هو الأخر من السيارة، ونظر حوله بثبات..
ابتلعت تقى ريقها بتوتر.. وتحركت بحذر من على المقعد، وترجلت من السيارة لتجده يقف ملاصقاً للباب، فمطت شفتيها منزعجة وهي تحاول المرور من جواره دون أن يتلامسا..
أشار أحد رجال الحراسة الخاصة بيده وهو يقول بنبرة رسمية:
-اتفضل يا باشا من هنا
باغت أوس تقى بإمساكها من كف يدها بقبضته، فشهقت مصدومة، ولم يمهلها الفرصة للإعتراض أو المقاومة، وسار بخطوات ثابتة – وهو يسحبها خلفه عنوة - نحو الممر الخصوصي المؤدي إلى باب الفيلا..

في مكتب وكيل النيابة
صرخت ناريمان بإنفعال واضح بعد أن نهضت من مقعدها وهي تشير بكفيها في وجه مهاب قائلة:
-انت كداب، أنا مقتلهتاش، مقتلتهاش
رد عليها مهاب بصوت محتد وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-لأ قتلتيها عشان ماتفضحش خياتك ليا يا مجرمة
صاح به وكيل النيابة قائلاً بصرامة:
-دكتور مهاب من فضلك ماتتكلمش.

صرخت ناريمان قائلة بعصبية وهي ترمقه بنظرات نارية:
-يا فندم هو كداب، ده هو بنفسه اللي قالي هاتي المفتاح وهايتصرف
لوى فمه مستهزئاً، ثم أجابها بسخط:
-والله ! طب وهاعمل كده ليه ؟ كنت بأخونك معاه يا زانية !
هدرت بجنون وهي تشير بإصبعها محذرة:
-مهاب، أنا مجنونة وممكن أفضح كل حاجة، ومش هاشيل الليلة لوحدي.

وضع ساقه فوق الأخرى، ونظر لها بجمود قائلاً بثقة بالغة:
-اللي أعرفه إن اللي عنده حاجة يثبتها
نظرت هي إلى وكيل النيابة بأعين محتقنة، وأشارت بإصبعها نحو زوجها، وصرخت بعصبية:
-هو ورا أي مصيبة بتحصل، ده راجل مش سهل، ومش بعيد هو اللي قتلها !
نظر له وكيل النيابة، وسأله بجدية:
-كنت فين وقت حدوث الجريمة ؟

رد عليه مهاب بهدوء مستفز ب:
-يا سعادت وكيل النيابة، وقت حدوث الجريمة وخيانتها ليا أنا كان عندي عملية جراحية دقيقة لمريض عندي، وتقدر تتأكد من أوراق المستشفى، ومن أهل المريض نفسه وكمان الفريق الطبي المعاون ليا
أشار وكيل النيابة بيده للكاتب الجالس بجواره ليتأكد من تسجيله لجميع أقوالهما، ثم أردف قائلاً بحذر:
-هاشوف الكلام ده كله !
أرجع مهاب ظهره للخلف، ونظر إلى زوجته بتشفي واضح من نظراته المزدرية لها، وإستمتع برؤيتها تُدمر أمامه.. وبرزت إبتسامة شيطانية من بين أسنانه..

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
أرخى أوس قبضته عن تقى بعد أن ولجا إلى داخل الفيلا الخاصة بهما..
رمقته هي بنظراتها الساخطة وهي عابسة الوجه، في حين تحرك هو في أرجاء المكان متفحصاً إياه بهدوء وهاتفاً بصوت رخيم:
-أوض النوم فوق، لكن هنا الريسبشن، وال Pool ( حمام السباحة )، والجاردن، وال Living، والتراس.. !
ثم أشار بإصبعه إلى رواق ما، وهو يضيف بنفس الهدوء:
-وهناك في حمام ومطبخ، انتي هاتعرفي تتعاملي ! مش هتاخدي وقت يعني، وعيشي حياتك !

صاحت به تقى بصوت محتد وهي تنظر له بنظرات غاضبة:
-جايبني من سجن ضيق لسجن أكبر ! وتقولي عيشي حياتك، لأ فعلاً معندكش إحساس !
إحتقن وجهه بسرعة وهو يهتف بصوت مرتفع:
-تقى !
رمقته بنظراتها المشتعلة وهي تتحداه بغضب:
-ايه ؟ هاتعمل ايه أكتر من اللي عملته فيا ؟

أخذ أوس نفساً عميقاً، وحبسه في صدره للحظة، ثم أضاف قائلاً بنبرة محذرة:
-نصيحة مني تلتزمي باللي هاقوله، وأنا هالتزم بإتفاقي معاكي
لوت فمها بسخط وهي تقول:
-ولو محصلش ؟ هاتدبحني تاني ؟ أنا عارفة إنك تقدر تعمل ده فيا، مش صعبة عليك، ماهو اللي بيقتل مرة، بيقتل مليون !
ضغط على شفتيه بقوة ليمنع نفسه من التفوه بأي حماقات.. ثم تابع قائلاً بصوت شبه متشنج:
-صدقيني أنا مش هاقرب منك طول ما إنتي معايا.

ضحكت بطريقة مستهزأة، وردت عليه بإستخفاف وهي تلوح بكفها في وجهه:
-بجد عاوزني أصدقك، طب بالمرة أقولك أنا بأحبك، ودايبة فيك، مش قادرة أعيش من غيرك، وأنسى اللي فات كله وكأنه محصلش خالص
أسبل عينيه وهو يضيف بإستعطاف:
-أنا عاوزك بس تديني فرصة أصلح اللي بينا
تجهم وجهها بشدة، ونظرت له بشراسة وهي تصرخ فيه بغضب:
-اللي بينا عمره ما هيتصلح أبداً، عارف ليه ؟ لأن اللي بيموت مش بيحيا تاني، مش بيحيا !

فرك وجهه بإنزعاج جلي بكف يده، ثم صر على أسنانه قائلاً بنبرة ضائقة:
-انسي اليومين دول أي حاجة حصلت
هدرت به بصوت مختنق وقد أدمعت عينيها:
-نعم، بالبساطة دي، لأ يا باشا، صعب أنسى جرح عشته حتى لو فاتت سنين، وده مش أي جرح، أنا كل يوم بأعيش نفس العذاب معاك، فعايزني أنسى، طب إزاي ؟!
أدرك أوس أن الجدال مع تقى سيزيد الطين بلة.. فهي مازالت تكرهه.. وتلومه بقسوة على جريمته.. وهو لن يعترض على هذا، فهو حقها.. ولكن أرهقه حقاً أنه يحاول إقناعها بفعل أبسط الأمور.. وفي المقابل يلقة معارضة محتدة منها..

نفخ في ضيق، وهتف قائلاً بنفاذ صبر وهو يوليها ظهره:
-خلاص، انا هاغير هدومي وهاشوف هنتغدى ايه !
وضعت تقى يدها في منتصف خصرها، وأشارت بإصبعها وهو ترمقه بنظرات مهينة قائلة بنبرة حادة:
-كمان عاوزني أكل معاك في طبق واحد
إلتفت لها برأسه نصف إلتفاتة، ورد عليها بجمود:
-متخافيش مش حاطط فيه سم !

صاحت هي قائلة بصوت غاضب وهي ترمقه بنظرات إحتقارية:
-ده أنا أموت من الجوع ومامديش إيدي في أكل معاك
لم يطقْ أوس إتهاماتها الباطلة له، فإندفع نحوها بعصبية جلية في تعبيرات وجهه، ثم أمسك بها من رسغيها، ودفعها للخلف وهو يسير بخطوات سريعة، فألصق ظهرها بالحائط، ثم رفع ذراعيها أعلى، وثبت رسغيها بقبضتيه، و
جز على أسنانه قائلاً بحنق جلي وهو يحاصرها، ومحدقاً بها بنظرات حادة ومشتعلة:
-تقى، من فضلك، التزمي معايا.. وده أفضل لينا ! ماشي ؟!

نظرت له برهبة شديدة من عنفه المعهود معها، وخشيت أن يتطور الأمر، ويحدث ما لا يحمد عقباه، فلم تنطق وإكتفت بالإيماء برأسها موافقة في خوف منه..
ضغط أوس على شفتيه بقوة، وتأمل حالتها المرعوبة منه بندم، وأرخى قبضتيه عنها قائلاً بضيق:
-شكراً !
ثم تراجع مبتعداً عنها، وأولاها ظهره، وحدث نفسه قائلاً بصدق حقيقي:
-أنا خايف عليكي، يا ريتك تحسي بده، وماتبصليش كده !
ثم ضرب بقبضته المكورة الدرابزون، وصعد عليه سريعاً.. بينما تابعته هي بنظرات محتدة وظلت تفرك رسغيها لتخفف من قوة أصابعه عليهما..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
إبتلع عدي أحد الأقراص الطبية، ثم أعقبه بشرب رشفة ما، وحرك رأسيه للجانبين، وحدث نفسه بجدية ب:
-يا ريت يجي بفايدة العلاج ده !
أمسك هو بهاتفه المحمول، وظل يلفه بحركة دائرية بأصابع يده..
وتابع حديث نفسه ب:
-تهاني دي أوصلها إزاي ؟ ما هو لو كلمت أوس في الموضوع ده ممكن مايفدنيش، وأنا محتاج أعرف الست دي، وأعرف طريقها ! ممم.. يا ترى مين أكتر حد ممكن يفيدني في الموضوع ده ؟!

ثم طرأ بباله الإتصال بالمدبرة عفاف لمعرفة تفاصيل أكثر عنها، فهي أكثر شخص كان مقيماً في قصر عائلة الجندي، وستكون الأكثر علماً بما يتردد هناك من أسماء عن بعض الشخصيات..
إبتسم لنفسه بزهو، وهتف قائلاً بحماس:
-مافيش إلا هي..!

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
لاحقاً، ولج أوس إلى داخل المرحاض ليغسل وجهه، ثم بدل ثيابه على عجالة وإرتدى ملابساً " كاجوال " على غير عادته - ( بنطال جينز أزرق داكن، وتي شيرت أبيض اللون ) أبرز عضلات ذراعيه، وقوة صدره – ومشط شعره بأصابع يده، ثم إتجه للخارج وهو يضع ساعته في يده..
بحث بعينيه عن تقى فوجدها جالسة في التراس الملحق بالفيلا، وممددة لساقيها على الطاولة، وتفرك في أصابعع قدميها..

فتحرك بحذر نحوها، وإستند بظهره على المدخل، وعقد ساعديه أمام صدره، وظل يتأملها في هدوء لعدة دقائق..
ثم إعتدل في وقفته، وتنحنح بصوت خشن، فإنتبهت هي له، ووإرتبكت من حضوره المفاجيء، ولم تنظر نحوه، وإنتصبت في جلستها بعد أن أنزلت ساقيها..
سار أوس عدة خطوات حتى وقف قبالتها، ثم أردف قائلاً بصوت رخيم:
-أنا طالع أتغدى مع الوفد، أوردر الأكل أنا خلاص طلبتهولك، و هايجيلك هنا مع واحد من الحرس
زمت فمها للجانب، ولم تجبه، وظظلت محدقة أمامها..

أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم تابع قائلاً بضيق:
-عامة أنا عندي شغل، مش راجع الوقتي خالص، فخدي راحتك، سلام !
ثم تركها وإنصرف دون أن يضيف كلمة أخرى، بينما إلتفتت هي برأسها بحذر لتنظر له من طرف عينها لتتأكد من رحيله..
تنهدت في إرتياح.. وأرخت عضلاتها المتشنجة بعد أن سمعت صوت الباب يغلق، وحدثت نفسها قائلة:
-أووف، خانقة !

في مطعم المنتجع السياحي
مد أوس يده ليصافح أعضاء الوفد الأجنبي الذي جاء إليه خصيصاً من أسبانيا للتعاقد على صفقات جديدة مع الشركة..
كان الوفد مكوناً من أربعة رجال وسيدتين، ومترجم مرافق لهم..
أشار لهم بيده ليجلسوا، وفرقع بأصابعه ليبتعد حرسه للخلف حتى يستطيع مناقشة ما يريد بأريحية تامة..

بعد أقل من دقيقة، حضر بعض الندلاء وهم يحملون صحون الطعام، ثم بدأوا برصه أمام الجميع بطريقة منمقة للغاية، وانصرفوا دون إحداث جلبة..
وضع أوس يده على جيب بنطاله الجينز الأمامي ليتفقد هاتفه المحمول، ولكنه لم يجده، فزفر في ضيق، ثم قال بصوت جاد وهو محدق بأعضاء الوفد:
-I am sorry , but I need to get my cellphone ( بأعتذر، ولكني بحاجة للحصول على هاتفي )
ثم مط فمه قليلاً، وتابع مبرراً:
-All the data on it , just give me 5 minutes ( كل البيانات الخاصة بالعمل موجودة عليه، فقط اعطوني 5 دقائق لإحضاره )
أومأ له رئيس الوفد برأسه قائلاً بإبتسامة هادئة:
-Take your time, sir ( خذ وقتك سيدي )

في الفيلا القابعة بالمنتجع
إستغلت تقى الفرصة بعد أن أحضر لها الحارس طعام الغذاء في تبديل ملابسها، والتنعم بحمام دافيء.. خاصة وأن أوس الجندي لن يعود إلا ليلاً.. فأمامها مساحة من الوقت لتفعل ما تريد دون أي إزعاج منه..
فتحت هي الحقيبة الخاصة بها، ونظرت إلى الثياب الموضوعة بداخلها..
ثم تنهدت في إنهاك وهي تحاول إنتقاء المناسب لها..

هزت رأسها بقبول وهي تسحب تلك المنامة الحريرية ذات اللون الأحمر الداكن منها.. ثم تركتها على الفراش، وإتجهت نحو المرحاض بعد أن نزعت ملابسها..
أغمضت تقى عينيها، وإسترخت بداخل المغطس بعد أن ملأته بالمياه، وأسندت ذراعيها بجوار جسدها.. وتركت للماء الدافيء الممزوج بالصابون السائل والمنعش الدور في تليين عضلاتها المتشنجة..
شعرت براحة عجيبة بعد بضعة دقائق من الهدوء التام بداخله..
حاولت ألا تفكر في شيء حتى لا تعكر صفو تلك اللحظات الجميلة..

في نفس التوقيت، وصل أوس إلى الفيلا بسيارته، وصفها أمام المدخل، ثم ركض بخفة في إتجاه الممر، ثم دلف إلى الفيلا..
إشرأب بعنقه لينظر إلى تقى في التراس وهو يتجه نحو الدرابزون، ولكنه لم يدقق النظر ليتأكد من وجودها.. حيث كان على عجلة من أمره، ونظر في ساعته لأكثر من مرة ليعرف التوقيت..

نهضت تقى من المغطس، ولفت جسدها بالمنشفة العريضة، ثم سحبت منشفة أخرى قطنية لتجفف بها شعرها المبتل..
نظرت إلى نفسها في مرآة المرحاض، فلاحظ تورد وجهها من جديد، وإنتشار الدموية به.. فإبتسمت لنفسها برضا.. ثم أحنت رأسها للأمام لتكمل تجفيف خصلات شعرها من الخلف..

وصل أوس إلى الغرفة، ودلف إلى الداخل وهو مركز تفكيره في إستخراج هاتفه من بدلته التي نزعها قبل أن يخرج، وتركها على الأريكة الوثيرة..
وبالفعل وجد هاتفه، وعبث به ثم دسه في جيبه، وإستدار عائداً للخارج..
ولكن لفت أنظاره تلك المنامة الحمراء الموضوعة على الفراش، فقطب جبينه بإستغراب، وضيق عينيه في فضول، وإتجه نحوها..
مد أوس أصابعه ليتحسسها.. ثم رفعها عن الفراش، وقربها من وجهه، وأغمض عينيه وهو يلامسها بوجهه..
وأخذ نفساً عميقاً حبسه في صدره، وتخيل زوجته وهي ترتديها له كزوجين طبيعين، فإلتوى فمه بإبتسامة عفوية..

أمالت تقى رأسها للأمام وهي تقوم بربط المنشفة عليها، ثم أدارت مقبض الباب لتخرج من المرحاض، و...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والخمسون

ولجت تقى إلى الغرفة وهي تعيد وضع المنشفة القطنية على شعرها المبتل.. وفجأة تسمرت في مكانها مصعوقة، وإتسعت حدقتيها في رعب حينما رفعت رأسها للأعلى لتجد أوس واقفاً أمامها وممسكاً بتلك المنامة..
إرتجفت شفتيها بشدة، ودبت قشعريرة قوية في جسدها، وشحب لون بشرتها بطريقة ملفتة، وخفق صدرها صعوداً وهبوطاً بإضطراب ملحوظ..
إستنشق أوس تلك الرائحة المنعشة للصابون التي ملأت أنفه، ففتح عينيه على الفور ليراها تقف مشدوهة أمامه..

أخفض عينيه تدريجياً – وعفوياً – على جسدها المبتل، ودقق النظر في بشرتها البيضاء المغرية، ورأى جسدها الملفوف بحرفية مثيرة في المنشفة، فسيطرت عليه رغبة معانقتها عناقاً طويلاً، ومزج جسديهما معاً ليصيرا كياناً واحداً.....
ضمت تقى يديها بصورة لا إرادية إلى صدرها محاولة إخفاء مفاتنها من نظرات عينيه القوية والمسلطة عليها بطريقة أرعبتها وذكرتها بفعلته النكراء..
وتراجعت بخطوات حذرة - ومرتبكة للغاية - إلى الخلف..

مد أوس يده أمام وجهها قائلاً بجدية بعد أن لاحظ خوفها البائن في نظراتها المحدقة به:
-ماتخفيش.. أنا مش هاعملك حاجة !
هزت رأسها مستنكرة، وأجابته بصوت مرتجف:
-إنت.. إنت..لألألأ !
هتف قائلاً بصوت صارم:
-تقى، اهدي أنا مش جايلك !
ثم أدار رأسه للجانب، وتابع قائلاً بجدية أقل:
-أنا بس نسيت موبايلي وآآ..

قاطعته بصراخ حاد وقد أدمعت عينيها رعباً:
-إنت كداب.. آآ.. إنت استغفلتني، و.. وآآ.. وعملت الهيلمان ده كله عشان تكرر إنتقامك مني
فغر فمه مندهشاً بعد ظنها السيء به، وإحتقن وجهه نوعاً ماً، وصاح قائلاً بإعتراض:
-مش حقيقي، أنا قولتلك آآ....
قاطعته وهي تصرخ بجنون:
-لييييه ؟ حرام عليك !

خفق قلب أوس بقلق بالغ عليها بعد رأى تلك الحالة المذعورة المسيطرة عليها
فاقترب منها بخطوات حذرة وهو يقول بإستعطاف:
-اسمعيني يا تقى، أنا مكونتش جايلك، أنا آآ..
هتفت مقاطعة إياها بصوت متشنج ومختنق وهي تحدجه بنظراتها الإحتقارية:
-أنا بأكرهك، وهافضل أكرهك لحد ما أموت !
ثم أولته ظهرها، وركضت عائدة إلى داخل المرحاض، وصفقت الباب دون تردد، وأوصدته من خلفها، وإستندت عليه بظهرها.. وفردت ذراعيها عليه وظلت تشهق بصوت مرتفع..

إبتلع أوس غصة أشد مرارة عن ذي قبل في حلقه، وهتف بصوت محتد:
-استني يا تقى !
أجهشت هي بالبكاء الحارق، وتنهدت بصراخ، فزاد حزنه وآلمه عليها..
إختنق صدره من صوت بكائها، ووضع يديه على رأسه، وضغط عليها بعصبية وهو يدور حول نفسه حائراً في كيفية التصرف معها لتهدئتها..
كم يبغض أن تصير الظروف كلها ضده، ويصبح دائماً في نظرها الجلاد القاسي الذي نفذ فيها حكم الإعدام.. ويعجز عن إثبات صدق نواياه معها..

صر على أسنانه غاضباً، وإتجه إلى باب المرحاض، وأمسك بمقبضه بيد، وظل يديره محاولاً فتحه، وكور قبضة يده الأخرى ليطرق بها على الباب بقوة وهو يقول بإنفعال:
-افتحي يا تقى
صرخت قائلة بنشيج جلي وعينيها مغرورقتان بالدموع:
-سيبني أمشي من هنا !
إزداد ضيقه وهو يستمع إلى شهقاتها الموجعة، فهدر قائلاً بنبرة شبه مهددة:
-تقى، لو مافتحتيش الباب ده هاكسره !

شهقت بفزع وهي تكتم فمها بكفيها، وإنتفض جسدها بذعر.. ونظرت حولها بنظرات زائغة..
شعرت تقى أنها محاصرة منه، لا مفر لها من قبضته التي لا تغفر من أساء له..
تكررت مشاهد إغتصابها أمام عينيها.. وزادت رجفتها أكثر..
تسارعت دقات قلبها بصورة مقلقة، وإمتزجت مع صوت طرقات قبضه العنيفة على الباب..
إبتعدت برعب عن الباب، ونظرت له بهلع.. وظلت تنتفض بخوف في مكانها..

تشبثت بالمنشفة بقوة، ولامت حالها لأنها غفلت عن أخذ ما تستر به جسدها من عينيه القاسيتين التي تخترق جسدها وتعريها أكثر وأكثر..
وقعت عينيها على المناشف المرصوصة بالجانب، فجذبت واحدة أخرى، ولفتها حول كتفيها، وضمتها بقبضة يدها المرتعشة.. وحدثت نفسها قائلة بإرتعاد:
-لازم اهرب من هنا، مش هايدبحني تاني، مش هاخليه يموتني تاني !
ثم جابت بعينيها المرحاض محاولة البحث عن وسيلة للفرار..
فلم تجد سوى نافذة علوية أعلى المغطس، متوسطة العرض و مغلقة من الداخل، وموضوع عليها ستارة بلاستيكية زرقاء..

هتفت لنفسها قائلة بإصرار:
-ماقدميش إلا أنط، الموت أرحم من إنه يحط ايده عليا !
هرعت تقى ناحية المغطس، وصعدت على حافته بحذر، ثم مدت ساقها الأخرى لتقف على الحافة الموازية فتحافظ على توازنها ولا تسقط..
كما أسرعت برفع ذراعها للأعلى لتتمكن من فتح مقبض النافذة.. وظلت ضامة بيدها الأخرى لطرفي المنشفة المغطية لكتفيها.. ولكن كان المقبض مرتفع، فشبت بنفسها للأعلى محاولة الإمساك به

إنقبض قلب أوس بقلق بالغ حينما لم يجد أي رد من تقى عليه، فخشي أن يكون أصابها مكروه ما، وفقدت وعيها، فهتف صائحاً بذعر وهو يحاول فتح الباب عنوة:
-تقى، ردي عليا، تقى !
لم يمهل نفسه وقت للتفكير، فقد توقع الأسوأ لها، لذا تراجع مسرعاً عدة خطوات للخلف، وإندفع بقوة رهيبة نحو الباب ليرتطم به بجسده محاولاً تحطيمه..

فزعت تقى في مكانها وهي تستمع إلى صوت الإرتطام القوي.. وشهقت مذعورة، وتلاحقت أنفاسها بخوف أشد، وكادت أن تفقد توازنها..
ولكنها تماسكت، وظلت " تعافر " من أجل فتح المقبض، فقد كانت ترتجف بشدة، فعجزت عن فتحها بسهولة..

تراجع أوس مجدداً للخلف، وإنطلق بإندفاع عجيب نحو الباب ليصطدم به ويتمكن من فتحه...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
دلفت السكرتيرة إلى داخل مكتب عدي وهي تتهادى في مشيتها إلى أن وقفت قبالة مكتبه، وقالت بصوت خافت:
-عدي باشا، في واحدة برا منتظرة حضرتك إسمها عفاف !
هب واقفاً من مقعده، وصاح بتلهف وهو يشير بيده:
-عفاف ! دخليها بسرعة !
إبتسمت له وهي تجيبه:
-حاضر يا فندم.

ثم سارت عائدة نحو الباب لتهتف قائلة بهدوء:
-اتفضلي يا مدام، الباشا منتظرك
-شكراً
قالتها عفاف وهي تبتسم إبتسامة مجاملة للسكرتيرة أثناء دخولها المكتب..
مد عدي يده ليصافحها قائلاً بنبرة مرحبة:
-ازيك يا مدام عفاف، اتفضلي
-أنا بخير يا عدي باشا، أؤمري
أشار لها بيده لتجلس على الأريكة الجلدية العريضة قائلاً بجدية:
-اقعدي بس الأول
أومأت برأسها موافقة وهي ترد بصوت خافت:
-حاضر.

-مدام عفاف، أنا كلمتك وطلبت أشوفك عشان خاطر ليان !
هزت رأسها بخفة وهي تجيبه بنبرتها الهادئة:
-أيوه، ماحضرتك قولتي ده في التليفون !
مط فمه ليجيبها بصوت جاد وهو محدق بها:
-تمام، بس الحقيقة أنا كنت عاوز أسألك عن حاجة تانية تخص ليان ومهمة بالنسبالها جداً
قطبت جبينها في حيرة، وهتفت قائلة بإهتمام:
-اتفضل !
تنحنح بخفوت، ثم أردف قائلاً بحذر:
-تهاني !
ردت عليه بنبرة جادة وهي جامدة الملامح:
-مين ؟

حدق بها عدي وهو يتأمل ردة فعلها، وتابع قائلاً بصوت رخيم:
-تعرفي ايه عن تهاني دي يا عفاف
إرتكبت قليلاً، وزمت ثغرها.. وأجفلت عينيها متحاشية النظر نحوه، فأعاد سؤالها بإصرار:
-مدام عفاف، أنا مش فارق معايا تهاني دي، بس لأن ليان تهمني، وعلاجها ممكن يكون متوقف على وجود الإنسانة دي في حياتها فأنا عاوز أعرف تقربلها إيه !
ابتلعت ريقها بتوتر.. ونظرت له بقلق وهي تجيبه متوجسة:
-أنا.. معنديش أوامر أتكلم عنها أو عن أي حد !
سألها بإستغراب شديد وهو يتفرس في تعابير وجهها الغامضة:
-أوامر من مين ؟

ردت عليه بنبرة دبلوماسية وهي تفرك أصابع يديها بتوتر:
-مش من حد معين، بس إتعودت إن أي أسرار أعرفها ماتطلعش برا
إبتسم لها بإعجاب من أخلاقها النبيلة، وهتف قائلاً بإمتنان
-ده شيء عظيم !
ثم إنحنى بجسده نحوها، وتابع قائلاً بنبرة شبه راجية:
-بس.. بس لو السر اللي هاتقوليه ده يعتمد على حياة إنسانة غالية عندي وزي بنتك، هتتأخري عنها ؟!

-هاه
أضاف عدي قائلاً بإهتمام واضح في نبرته وقسمات وجهه، وحتى نظراته:
-مدام عفاف، إنتي شوفتي حالة ليان بقت عاملة إزاي، وأنا نفسي ترجع زي زمان، ونعيش حياتنا أنا وهي بطريقة طبيعية
صمت للحظة منتظراً ردها عليه، فأدرك أنه قاب قوسين أو أدنى من إقناعها، فأكمل قائلاً بجدية وهو مسلط أنظاره العميقة عليها:
-وأوعدك اللي هاتقوليه محدش هايعرف حاجة عنه حتى أوس !
همست قائلة بتلعثم ناظرة إليه بقلق:
-بس..آآ..

هز رأسه قائلاً بصوت هاديء وجاد:
-صدقيني يا مدام عفاف، ليان بالنسبالي بقت أهم حاجة في حياتي، وهاعمل اللي أقدر عليه عشان تخف، و نكمل حياتنا !
ظلت عفاف صامتة لبرهة تفكر بعقلانية فيما قاله، ثم حسمت أمرها قائلة بهدوء:
-خلاص يا باشا، أنا هاقولك !

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
اقتحم أوس المرحاض بعد أن تمكن من تحطيم بابه، وبحث بعينيه سريعاً عن تقى، فوجدها تحاول تسلق النافذة والفرار منها.. فإتسعت حدقتيه في صدمة، وهتف قائلاً بصوت جهوري:
-تقى !
لم تنظر هي نحوه، بل أكملت محاولتها البائسة في الهروب والذود بنفسها منه حتى لو كان مصيرها الموت...

ودون لحظة تردد واحدة، إندفع أوس نحو المغطس، ومد ذراعيه ليحاوطها من خصرها، ثم أنزلها عنوة من الأعلى..
صرخت تقى بإهتياج عنيف، وركلت بساقيها في الهواء، قائلة:
-لألألألأ.. !
أنزلها أوس على ساقيها، ولكنه لم يفلتها، بل أدارها لتواجهه، وحاول إحتواء إهتياجها العصبي بضمها بقوة إلى صدره، ومعانقتها بشدة..
إزدادت قوة صرخاتها، وضرباتها بيدها العاجزيتين لصدره وهي تهتف بجنون:
-ابعد عني، لألألألأ !

لم ينبس أوس بكلمة واحدة، بل إستمر في تطويقها بذراعيها، وثبت رأسها في صدره بطرف ذقنه.. وتحامل على نفسه خدشها له بقسوة، وعض على شفتيه بقوة محاولاً تهدئة نفسه، والسيطرة على نوبة هياجها..
مع كل لحظة كانت هي فيها في أحضانه، زادت حدة أنفاسها وذعرها بسبب خوفها من تكرار مأساة إنتهاك إنسانيتها..
أُعتصر قلبه آلماً من هلعها المبرر منه.. وحبس أنفاسه المحسورة على حالها..
فقد إفترسها بشراسة ذئاب لا تغفر لمن تخطى المحظور وتجرأ على مواجهتهم..

لذا ليس من الغريب أن تقاومه حتى أخر أنفاسها..
شعرت تقى بعظامها تعتصر من قوة ضمه إليها، وبأنفاسها تختنق في صدره، ويئست من تحرير نفسها منه..
لم تردْ أن تعيش تلك التجربة الموحشة من جديد وهي واعية.. فيكفيها عذاب أول مرة.. وويلاتها..
لذا لم يعد أمامها أي خيار سوى الإستسلام لقرار عقلها بالإنسحاب عن الواقع الملموس، وفقدان الوعي..
شعر أوس أنها إستكانت فجأة في أحضانه بعد دقائق من المقاومة الشرسة له..
فنظر لها بتوجس، فرأها قد غابت عن الوعي، فخفق قلبه رعباً عليها، وهتف قائلاً بذعر:
-تقى.. تقى !

ضربها بخفة على وجنتها لعلها تستجيب له، لكن بشرتها كانت باردة كالثلج، وشفتيها تميل للزرقة.. فتملكه الهلع عليها.. وإنحنى ليحملها من أسفل ركبتيها، ثم سار بها مسرعاً إلى خارج المرحاض..
أسندها أوس على الفراش، وأسرع بتدفئة جسدها بالأغطية الموضوعة..
ثم ركض كالمجنون نحو حقيبة السفر ليبحث فيها عن أدوية العلاج الخاصة بها والتي أوصاه الطبيب مختار بإستخدامها في حالة حدوث طاريء لها..

وبالفعل وجد غايته، وأسرع بإخراج إبرة طبية نظيفة، وإنتزع غطائها بفمه، وحقنها بالكمية المطلوبة من العقار الطبي..
ثم هرول عائداً إلى الفراش، وجثى على ركبته، وسحب ذراعها، ثم قام بغرز الإبرة فيه بحذر..
وما إن إنتهى حتى أسند الإبرة على الكومود، ونظر إليها بندم شديد، ومسد بيده على جبينها قائلاً بأسف:
-صدقيني يا تقى، أنا مقصدش أخوفك بالشكل ده !
ثم نهض عن الأرضية، وجلس على طرف الفراش، وتابع قائلاً بصوت مختنق وهو يمسح على وجنتها براحته:
-سامحيني يا تقى لو فكرتك باللي حصل.. سامحيني !

لاحقاً، تململت تقى في الفراش، وتمطعت بذراعيها، ثم تثاءبت بخفوت وهي تفتح جفنيها..
ثم رمشت بعينيها لعدة مرات محاولة تذكر ما حدث، فقد شعرت أن هناك أمراً ما غريباً قد حدث..
نظرت إلى ذراعها المغطى بأكمام زرقاء بإستغراب..
وجاهدت لتعرف كيف إرتدتها..

ثم هبت من نومتها بقلق بالغ، وأزاحت الغطاء عنها لتنظر إلى هيئتها بذعر، فقد تذكرت ما حدث لها تواً..
إبتلعت ريقها بخوف، وجابت بعينيها المكان متوجسة وتلمست جسدها بيدين مرتعشتين لتتأكد من عدم إصابتها بمكروه..
ثم إنتفضت في مكانها حينما رأت أوس يدلف إلى الغرفة وهو متأنق بشكل مريب ويرتدي حلته الرمادية الداكنة، ومن أسفلها قميصه الأسود..
إنكمشت على نفسها،وضمت ساقيها إلى صدرها بقلق بالغ..
وسلطت أنظارها المذعورة عليه..

بدى أوس غريباً وهو ينظر لها ببرود، ثم أردف قائلاً بنبرة ساخرة:
-كل ده نوم، ما صدقتي تنامي هنا بالساعات !
رمشت بعينيها في عدم فهم، وتابعته وهو يتحرك نحو التسريحة العريضة بتوجس شديد..
حدق أوس إلى إنعكاس صورته في المرآة، وأمسك بالمشط، وأعاد تمشيط شعره، ثم ألقاه دون إكتراث على التسريحة، وإلتفت إليها قليلاً لينظر لها من طرف عينه قائلاً بصوت رخيم:
-عاوزك تلبسي حاجة مناسبة عشان عندنا عشاء عمل، وماتقوليش لأ !

فغرت شفتيها المرتجفتين بصدمة، ونظرت له بحيرة وهي تهمس:
-هاه، ع.. عشا !
اقترب منها بعد أن دس يديه في جيبي بنطاله، ثم أضاف قائلاً بصوت جاد:
-ايوه، ده شغلي، وأنا مفهمك قبل ما نيجي، إنك معايا هنا في شغل، فيا ريت تجهزي بسرعة !
ثم أخرج يده اليسرى من جيبه ليرفعها أمام وجهه ونظر إلى ساعة يده قائلاً بجدية:
-معاكي 10 دقايق تلبسي فيهم، وأنا مستنيكي تحت.

شعرت تقى بالريبة مما يحدث، فأخر ما تتذكره هو إقتحام أوس للمرحاض، ثم تمكنه منها، وغيابها عن الوعي..
نظر لها أوس بجمود عجيب وكأن شيئاً لم يحدث، ثم تركها وإنصرف دون أن يضيف كلمة أخرى ومزيداً من حالة الغموض لديها..
إنتفضت هي من على الفراش بعد رحيله، وأسرعت ناحية المرحاض لتتأكد من عدم توهمها لتلك الذكريات القريبة..
وتسمرت في مكانها مصدومة، وإنفرجت شفتيها للأسفل في عدم تصديق حينما دققت النظر في باب المرحاض، وتفاجئت بأنه كما هو، لم يصيبه سوء..

نزل أوس على الدرج وعلى وجهه إبتسامة عابثة لم يستطع إخفائها أكثر من هذا.. فقد نجحت خطته بدرجة كبيرة، وإنطلت الخدعة على تقى.. وإلتوى فمه وهو يحدث نفسه بثقة وتفاخر:
-مش أي حد ينفع يكون أوس الجندي !

بعد فقدان تقى لوعيها وحقنها بمادة طبية مهدئة، أسرع أوس بالتفكير في حل سريع لما حدث..
هو لا يريد تكرار تلك المأساة معها، والوصول إلى مرحلة خطيرة في حالتها النفسية.. لذا هداه تفكيره إلى التصرف بحنكة معها، وإصلاح ما حدث..
قام أوس بإحضار منامة حريرية أخرى من الحقيبة، من اللون الأزرق، وذات أكمام طويلة، وعاد إلى الفراش، وبحذر شديد قام بنزع المنشفة الأولى التي تغطي كتفيها، فأغراه جسدها العاري، وتلمس بشرتها بتوتر فزادت رغبته فيها..

ولكنه قاوم هذا الشعور بشدة وأغمض عينيه محاولة إبعاد أي فكرة مثيرةعن عقله.. وأخذ أنفاساً عميقة، وحبسها في صدره، وزفرها على مهل شديد ليضبط حاله..
فرد الكنزة الخاصة بالمنامة، وحلها من أزراها، ثم لفها حول كتفي تقى، وقام بإلباسها إياها من ذراعيها.. وأحكم غلقها عليها، ثم بتوتر رهيب إنتزع عنها المنشفة الأخرى التي تغطي بقية جسدها.. وأكمل تلبيسها باقي المنامة..

ركز أوس كل تفكيره أثناء فعل هذا على عدم الإنجراف وراء أي أفكار مهلكة..
وبعد أن إنتهى، قام بتغطيتها جيداً حتى يضمن تدفئتها..
ثم أسرع بإبعاد المنامة الحمراء وتخلص منها، وأمسك بهاتفه المحمول، هاتف إدارة المنتجع قائلاً بجدية وهو مسلط أنظاره على زوجته:
-عاوز حد من الصيانة يجي فوراً..!
كذلك إعتذر عن حضوره لمأدبة الغذاء مع الوفد الأسباني ليشرف بنفسه على إتمام كل شيء وفق رغبته.....
كما قام بإحضار المجفف، وتجفيف شعرها المبتل حتى لا يتجعد ويفضح أمره..

وبالفعل قامت إدارة المنتجع بإرسال عمال الصيانة حيث قاموا بإصلاح باب المرحاض، وتبديل التالف من المقابض..
ثم طلب أوس منهم تغيير ستائر المرحاض إلى لون وشكل أخر..
وتم ما أمر به في أقل من ساعة حيث تم إرسال عاملة أخرى ومعها ستائر بديلة من اللون البيج والمنقوشة بخيوط بنية..
كما تخلص من جميع المناشف الموجودة بالمرحاض وإستبدالها بأخرى نظيفة وجديدة ومختلفة الشكل، وأيضا تم تبديل الشامبو وسائل الإستحمام إلى أنواع أخرى مختلفة في الرائحة وتصميم الزجاجة.....

تنهد أوس في إرتياح بعد تأكده من تغيير كل شيء، وعاد إلى الجلوس إلى جوار زوجته على الفراش، وأمسك بكفها بين راحتيه، ثم رفعه إلى فمه وقبله بحنو شديد وهو يضيف بهمس:
-مش هاتفتكري معايا أي حاجة تضايقك تاني مني...!

عودة للوقت الحالي
غرست تقى أصابعها في فروة رأسها، وحكت رأسها بحيرة، وعقدت ما بين حاجبيها في إندهاش واضح وهي تتأمل المرحاض بنظرات فاحصة..
ثم حدثت نفسها قائلة بإستغراب:
-استحالة أكون حلمت بكل ده...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والخمسون

في الفيلا القابعة بالمنتجع السياحي
جاب أوس الصالة الواسعة ذهاباً وإياباً وهو يزفر بصورة متوترة، ثم رفع رأسه للأعلى ليرى إن كانت تقى قد إنتهت من إرتداء ملابسها، وفي إتجاهها للنزول..
تحسس بيده طرفي ياقة قميصه الأسود، وتأكد من غلق غالبية أزراره حتى لا تنتبه هي إلى تلك الخدوش التي أحدثتها بصدره حينما كانت تحاول تحرير نفسها من أحضانه..
نظر إلى ساعة يده وهو يحدث نفسه بضيق:
-ممم.. 5 دقايق وأطلع أشوفها !

في نفس التوقيت كانت تقى تقف مشدوهة على عتبة المرحاض غير مستوعبة أن ما عاشته كان مجرد حلماً لا أكثر..
دلفت إلى داخل المرحاض، وتأملته بنظرات دقيقة، وخاصة ستائر النافذة ذات اللون البيج، وتلمستها بأصابعها وهي تضيق عينيها في حيرة، ومحدثة نفسها بإندهاش ب:
-غريبة ! الستاير لونها وشكلها غريب !

إلتفتت برأسها ناحية سائل الإستحمام والشامبو، وزاد إنعقاد ما بين حاجبيها حينما رأت العبوات مختلفة في النوع والشكل – وكذلك الرائحة – وتابعت حديث نفسها بإنهاك ب:
-الظاهر إن تعب اليوم طلع عليا ! ماهو مش ممكن أكون اتوهمت ده كله، ومافيش حاجة حصلت !
عادت أدراجها إلى الغرفة، ومطت شفتيها للأمام وهي تحاول تذكر أين وضعت حقيبة سفرها.. فرأتها في زاوية الغرفة..
فسارت ناحيتها بخطوات متهادية، ثم جثت على ركبتيها، وبدأت تتفقد ما بها من ملابس..

أمعنت النظر في الثياب الجديدة، وهمست قائلة لنفسها:
-أنا هالبس حاجة طويلة، مش عاوزة أحس إن عينيه شايفة جسمي، كده أضمن !
وبالفعل أخرجت تقى من الحقيبة بنطالا قماشيا يشبه التنورة في تصميمه ولكن أرجله واسعة من اللون الأسود، وبه حزام عريض فضي.. وإنتقت كنزة بيضاء اللون ومتوسطة الطول من الحرير ذات أكمام قصيرة، ومن أعلاها قررت إرتداء " كارديجان أسود " – أي سترة قماشية طويلة تغطي الأرداف وما بعدها بمسافة معقولة – وذي أكمام طويلة فضفاضة لتضمن تغطية جسدها وعدم تجسيم تفاصيله..

إبتسمت تقى لنفسها في رضا بعد أن وجدت مبتغاها، ونهضت عن الأرضية، ثم أمسكت بالثياب بكلتا يديها، ودلفت إلى المرحاض لتبدل ملابسها على عجالة..

زفر أوس مجدداً من الضيق، ونظر في ساعته بتوتر.. وأردف قائلاً بإنزعاج:
-الظاهر صنف الستات واحد، في التأخير أساتذة !
ظل يركل الأرضية اللامعة بمقدمة حذائه الأسود، ثم أخرج هاتفه المحمول من جيبه، وظل يعبث به محاولاً إلهاء نفسه..

نظرت تقى إلى إنعكاس صورتها في المرآة بإنهبار واضح في نظرات عينيها.. فقد كانت الثياب مناسبة لها بشكل غير معقول.. فتلك هي المرة الأولى التي ترتدي ملابساً باهظة الثمن، ومن ماركات عالمية..
فجل ما إرتدته كانت تشتريه بصحبة والدتها من الأسواق الشعبية أو من سوق المستعمل إن تعذر الحال..
تغنجت بجسدها قليلاً لتتأكد من عدم بروز أي مفاتن لها أثناء حركتها..
رمشت بعينيها مذعورة حينما تذكرت أنها لم تؤدي فرائض اليوم، فأسرعت بالوضوء، وتجفيف وجهها، ثم بحثت عن حجاب لائق لترتديه..
ومع هذا وقفت حائرة في مكانها، فهي لا تعرف إتجاه القبلة، فحكت رأسها بضيق، وزمت ثغرها قائلة:
-طب أستدل عليها إزاي، مممم..

إلتفتت برأسها للجانب لترى الشرفة، فإبتسمت لنفسها بثقة، وهتفت بحماس:
-أيوه صح، انا فاكرة لما بابا قالي حددي القبلة من اتجاه البحر
دلفت تقى إلى الشرفة، وإستندت بكفيها على حافتها، وحدقت أمامها بإهتمام لتحدد إتجاه البحر، وإبتسمت لنفسها بسعادة حينما تذكرت كيف تمكنت بسهولة من تحديد إتجاهها..
عادت للغرفة، وإتخذت وضعية الصلاة، ثم أقبلت عليها بشغف صادق، وخشعت للمولى وهي تؤديها..

إستدار أوس برأسه للخلف بعد أن تجمدت ملامحه وقد دار في خلده أن تكون تقى قد تهورت وإرتكبت حماقة ما..
فإتسعت حدقيته برعب، وحدث نفسه قائلاً:
-لأحسن تكون هربت تاني !
أسرع ناحية الدرابزون، وصعد عليه ركوضاً، ووصل إلى الغرفة..
كان بابها موارباً، فسار على أطراف أصابعه، وإختلس النظرات من فتحته الضيقة محاولاً رؤيتها أو حتى سماع أي أصوات تصدر من الداخل تشير لها.. ولكن كان كل شيء ساكناً بطريقة مريبة..

إنقبض قلبه بشدة، ولم يتردد في فتح الباب والدخول..
ولكنه تسمر في مكانه مصدوماً حينما رأها ساجدة..
إقشعر بدنه بصورة عجيبة وهو يراها على تلك الوضعية.. فهو نادراً ما رأى أحداً من أهله يصلي أو يتضرع للمولى، وكأنهم في عالم أخر.. حتى شهر رمضان بالنسبة لعائلته كانت مجرد وسيلة للظهور إعلامياً بأنهم من محبي فعل الخيرات لا أكثر ولا أقل..
لم يحيد بعينيه عنها، وشعر بأن هناك هالة ما مميزة تحيط بها، وتضفي عليها نوراً غريباً..

فرغم كل ظروفها الطاحنة وما مرت به من مآسي معه إلا أنها لا تزال كما هي تقية نقية تحافظ على صلاتها..
الصلاة.. أيخجل أن يقول لها أنه لم يتعود على أدائها، بل إنه لم يؤديها مطلقاً..
-الله أكبر..!
قالتها تقى بصوت رقيق وخافت وهي تعتدل في سجودها، فزدات قشعريرة أوس، وإهتز كيانه بالكامل، وتراجع بخوف للخلف..
لم يدرْ ما الذي أصابه فجأة، ولكنه أدرك أن هناك فجوة كبيرة بينهما.. إنهما مختلفان في كل شيء.. بل هما النقيضان..
هو الذي يتباهى أمام الجميع بعنفه وتسلطه وجبروته وقوته المفرطة وإرتكابه للفواحش والموبقات.. ولكنه من الداخل أضعف من طفل صغير عاجز عن حماية نفسه..

أما هي فرغم وهنها وضعفها وحالة الإنكسار المسيطرة عليها، إلا أنها أقوى داخلياً، وأنقى روحياً، ومعها سلاح يعيد تشكيل قوتها كلما إنهارت.. هو سلاح التقوى والإيمان..
أطرق رأسه في خزي، وأعاد غلق الباب بهدوء، وحدث نفسه قائلاً بحزن:
-هي إزاي كده ؟ ده أنا.. أنا جمبها شيطان !
أغمض عينيه، وأخرج تنهيدة حارة من صدره، ثم عاود السير وإتجه نحو الدرج وهو يجرجر أذيال خيبته..

إنتهت تقى من الصلاة، ودعت الله بإخلاص قائلة وهي ترفع كفيها للأعلى وبصرها للسماء:
-يا رب نجيني من الهم اللي أنا فيه على خير، يا رب احميني منه، وعيني عشان أرجع لأهلي !
مسحت وجهها بعد أن فرغت من دعائها، ونهضت عن الأرضية لتبحث عما ترتديه في قدميها..
نظرت مجدداً إلى داخل الحقيبة، فوجدت جيباً خاصاً بالأحذية، فإبتسمت قليلاً، ولكن إختفت إبتسامتها حينما وجدت أن غالبيتهم من الكعوب العالية والرفيعة..
فركت عينيها في ضيق، وحدثت نفسها بضجر:
-وده هالبسه إزاي ؟ ده أنا طول عمري بألبس شباشب يا جزم في الأرض !

في النهاية حسمت أمرها بإختيار ما يتناسب مع لون ثيابها، ومشيت بخطوات حذرة تجاه المرآة لتعدل من وضعية حجابها، وتعقده بطريقة مناسبة..
ثم سارت ببطء شديد في إتجاه باب الغرفة وهي تتمتم بخفوت:
-يا رب ما أقع وأنا ماشية !
أمسكت بالدرابزون ونزلت عليه بحرص شديد.. وظلت محدقة بقدميها حتى لا تزل إحداهما وتتعثر..

سمع أوس صوت وقع أقدام كعب نسائي، فعفوياً وجه أنظاره نحو الداربزون ليراها تنزل عليه بإرتباك ملحوظ في حركتها.. فإلتوى فمه بإبتسامة صغيرة، وتأمل هيئتها بإعجاب واضح.. وظل محدقاً بها لبرهة.. ثم تنحنح بصوت قوي وهو يضع يده المتكورة أمام فمه ليلفت إنتباهها..
نظرت تقى نحوه بضيق، ثم عاودت النظر إلى قدميها، وتابعت نزولها..
تحرك أوس في إتجاه الدرج، ومد يده ليمسك بها أثناء نزولها الدرجات المتبقية، ولكنها نظرت له شزراً، ورفضت أن تمسك يده، وقالت بصوت خافت:
-أنا مش مشلولة، بأعرف أنزل لوحدي !

نظر لها مندهشاً من ردها الفظ، ولم يعقب، بل أرخى ذراعه إلى جانبه..
إلتفت ساقها حول الأخرى، وتعثرت وهي تنزل بقية الدرجات، وكادت أن تسقط على وجهها، ولكن أسرع أوس بإسنادها، حيث قبض عليها من ذراعيها، ومنعها من السقوط قائلاً بقلق واضح في نبرته:
-حاسبي يا تقى !
توردت وجنتيها بحمرة قوية وهي ترى صدق واضح في نظراته الخائفة عليها، ورغم رعبها المعتاد منه حينما يلمسها إلا أنها شعرت بصدق نواياه في مساعدتها فقط..
إعتدلت في وقفتها، وتبدلت ملامح وجهها للتجهم، ونظراتها للإحتقان لإستمرار قبضتيه على ذراعيها..

نظر لها بثبات، ثم أرخى أصابعه عنها.. وتنحنح بصوت خشن وهو يشيح بوجهه بعيداً عنها....
أخذت تقى نفساً عميقاً، وزفرته بتوتر.. ثم سارت بخطوات حذرة إلى الأمام وفي إتجاه الباب..
سار أوس خلفها، وظل يتأمل مشيتها المتعرجة بنظرات متسلية..
كورت هي قبضتي يدها في إرتباك كبير بسبب خوفها من التعثر مرة أخرى أمامه، واللجوء إلى مساعدته، وحاولت ألا تتسرع في خطواتها حتى نجحت في الوصول إلى باب الفيلا، فتنفست الصعداء، وأخذت نفساً عميقاً لتستعد لإكمال سيرها بعد أن فتحه أوس، وسبقها نحو السيارة..

في الحارة الشعبية
دقق عدي نظراته من نافذة سيارته الأمامية نحو مدخل الحارة الشعبية التي تقطن بها تهاني بعد أن إستدل عليه.. إلتفت هو برأسه نحو المدبرة عفاف الجالسة إلى جواره وسألها بحيرة:
-هو ده المكان ؟
هزت كتفيها في عدم تأكد، وأردفت قائلة وهي تجوب بعينيها المكان:
-بيتهيألي كده، البقال اللي كانت إدتني رقمه قالي على العنوان ده !

مط فمه قليلاً وهو يتابع بجدية:
-طيب أنا هسأل أي حد من اللي ساكنين هنا ممكن يدلنا اكتر بدل ما نتوه
أومأت برأسها موافقة إياه وهي تجيبه قائلة:
-اوكي يا عدي باشا
ترجل عدي من السيارة، وأغلق الباب بهدوء، وتلفت حوله بترقب شديد، ثم أشار بيده لأحد الباعة الجالسين على الرصيف قائلاً بصوت مرتفع:
-لو سمحت يا كابتن
إستدار ذلك البائع – بملابسه القديمة – نحوه، وهتف بنبرة عالية:
-إيييه يا باشا !

اقترب عدي منه، وتلفت حوله بحيرة وهو يضيف متسائلاً بجدية:
-بأقولك، هو آآ.. بيت الست تهاني هنا ؟
أشار البائع بيده للأمام وهو يرد عليه بصوت عادي:
-هناك، على أخر الشارع، في البيت القديم ده
هز عدي رأسه في إمتنان وهو يمعن النظر في الإتجاه المشار إليه:
-تمام، شكراً
رد عليه البائع بصوت خشن ب:
-تؤمر يا ريس
عاد عدي إلى السيارة، وإنحنى ليحدث عفاف من نافذتها قائلاً بصوت رخيم:
-طلع البيت هناك، على أخر الشارع ده
إبتسمت له عفاف وهي تردف ب:
-طب يالا بينا يا باشا
أجابها بإيجاز وهو يعتدل في وقفته:
-يالا
ترجلت عفاف هي الأخرى من السيارة، فأغلقها الأخير بالقفل الإلكتروني، وسار كلاهما في إتجاه البناية القديمة..

عند الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
توقفت سيارة أوس الجندي أمام مدخل الملهى الفاخر الذي يقع في منتصف المنتجع السياحي..
ترجلت الحراسة الأمنية من السيارة المسئولة عن تأمينه، وأسرع أحدهم بفتح باب السيارة الملاصق له، فترجل منها، ووقف على الجانب ليغلق زرار سترته.. ثم مد يده للأمام ليمسك بكف زوجته وهي تخرج من السيارة، ولكنها نظرت له بحدة، ورفضت الإمساك بكفه المدود نحوها، وترجلت بمفردها مما سبب الحرج له..
أشاح الحارس الأمني برأسه للجانب حتى لا ينظر إلى كلاهما..

في حين رمقها أوس بنظرات محتدة، وضغط على شفتيه بقوة وهو يأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على غضبه..
تحرك أوس بجسده أمامها ليسد عليها الطريق، فتسمرت في مكانها، ومال عليها برأسه، وهمس لها قائلاً بصوت محتقن:
-لو مفكرة إنك بكده بتحرجيني تبقي غلطانة، أنا قولتلكأنا مش هأذيكي، فصدقيني، لأني لو حابب أعمل ده مش هايمنعني حد !

إبتلعت ريقها بتوتر رهيب، ونظرت له بخوف، في حين إبتسم هو لها إبتسامة شرسة، ثم فرد كف يده أمامها، وأومأ بعينيه نحوه.. ففهمت من إشارته تلك رغبته في الإمساك بها أثناء دخولهما هذا المكان الغريب..
مدت تقى كف يدها المرتجف ببطء نحوه، فإلتقطته راحته، وقبضت عليه بأصابع قوية، ثم سار معها نحو المدخل..
بينما أغلق الحارس الأمني باب السيارة، وأشار للبقية باللحاق بهما..

في منزل تقى عوض الله
نظرت فردوس إلى عفاف وعدي بنظرات مريبة وهي تسألهما بصوت جاف على عتبة باب المنزل:
-انتو عاوزين تهاني ليه ؟
رد عليها عدي بإيجاز وهو ينظر لها بتفحص:
-موضوع يخصها !
زمت شفتيها بضيق، وردت عليه بصوت منزعج:
-هو أنا مش هاخلص من بلاويها
قطبت عفاف جبينها بإمتعاض، وأضافت على مضض ب:
-حضرتك إحنا جايين في خير.

أجابتها فردوس بسخط ب:
-أيوه، وبعد كده بتقلب بنصيبة
إغتاظ عدي من ردودها الفجة، فهتف بصوت شبه محتد:
-قوليلنا يا ست هي موجودة ولا لأ !
ردت عليه ببرود وهي تحدجه بنظرات غير مكترثة:
-لأ.. مش هنا !
سألها بصوت جاد وهو ينفخ بضيق:
-طب هاترجع امتى ؟
أجابته بتهكم وهي ترفع حاجبها للأعلى
-أما تخلص موال كل يوم !
نظر عدي إلى عفاف بحيرة، ثم سألها مجدداً بعدم فهم:
-يعني إيه ؟

ردت عليه بنبرة جافة:
-يعني بتخرج كل يوم من صباحية ربنا لحد أخر الليل تنوح وتولول على عيالها، وترجع تنام عشان تعيده تاني
مال عدي برأسه على عفاف، وهمس لها بصوت شبه غاضب وهو يغطي فمه بكف يده:
-انا مش فاهم حاجة من الست دي، ويا ريت تدخلي بدل ما أخنقها !
ابتسم له ابتسامة مصطنعة وهي تجيبه بإختصار:
-حاضر
نظرت عفاف إلى فردوس بنظرات جادة، ثم أردفت بصوت هاديء:
-احنا عاوزين نعرف هي بتروح فين بالظبط عشان نقابلها، لا أكتر ولا أقل.

هتفت قائلة بضجر وهي تشير بكفها:
-شوفوها عند اللي ضحكوا عليها، ووحلوا عيلتي معاها، هي متلأحة هناك طول النهار والليل
إزداد إنعقاد ما بين حاجبي عفاف، وسألتها بإهتمام:
-قصدك مين ؟
ردت عليها بسخط:
-ابنها المفتري وعيلته
إتسعت حدقتي عفاف وهي تهتف دون تردد ب:
-أوس باشا !!
تابعت فردوس حديثها بتذمر:
-ايوه هو.. كان يوم أخبر يوم ما اتشبكنا معاه، واتحطينا في الوحلة السودة دي !

في الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
بخطوات متهادية سارت تقى وهي تتأبط ذراع أوس نحو الطاولة المخصصة لهما في هذا الملهى العجيب بعد أن أجبرها على الإمساك بكفها لحين وصولهما للطابق العلوي، فأرخى قبضته عنها، وجعلها تتعلق في ذراعه..
سيطر الإنبهار على نظراتها وهي تتأمل المكان بدقة شديدة..
لم تتخيل أن يأتي يوم في حياتها وتصبح هي من رواد تلك الأماكن الخاصة بعلية القوم..
الثراء والفخامة والرقي كانت من أهم سمات هذا المكان..

الطاولات زجاجية، وحولها أرائك جلدية كبيرة ذات اللون الأرجواني الباهت، وكذلك مقاعد مريحة صغيرة على الجوانب من دون مسند..
وفي أعلى كل طاولة مزهرية رفيعة من الزجاج بها وردة بيضاء مميزة، وشموع مضيئة..
وإنتشر صوت موسيقى شهيرة هادئة في أرجاء المكان..
كانت الطاولة الخاصة بأوس الجندي تقع في مكان مميز بالملهى، وعلى مقربة من المسرح المخصص للرقص..
تم وضع طاولة مميزة أمام الأريكة الرئيسية - أكثر عرضاً ومزدانة بمزهرية مختلفة الشكل - وعلى زوايتيها وضعت مقاعد فردية أصغر حجماً من نفس لون الأريكة، ولكنها بمساند لإعطاء راحة أكبر للجالس عليها..

اقترب مدير الملهى منهما، وهتف قائلاً بنبرة رسمية:
-نورت المكان يا باشا
رمقه أوس بنظرات باردة وهو يجيبه بإيجاز:
-أها
تابع مدير الملهى حديثه قائلاً بجدية وهو يشير بيده:
-اتفضل يا باشا، التربيذة بتاعة حضرتك هناك، والوفد الأسباني على وصول
رد عليه أوس بجمود وهو يرمقه بنظرات محذرة:
-تمام.. مش عاوز أي تقصير
هتف مدير الملهى بثقة:
-اطمن يا باشا، كلنا هنا تحت أمرك !
رد عليه أوس بإقتضاب:
-اوكي
إبتسم مدير الملهى لتقى، وأردف قائلاً بنبرة مجاملة:
-شرفتي يا هانم.

حدقت به تقى بإستغراب، وعضت على شفتيها متوترة، ولم تجبه.. فقد كانت تشعر بالغرابة الشديدة من كل ما يحدث حولها..
مال أوس برأسه نحو رأسها، وهمس لها بصوت آمر:
-تعالي !
نظرت له من طرف عينها، ونفخت في ضيق، ثم سارت معه..

أفسح لها المجال لتجلس على الأريكة المريحة في المنتصف، ولكنها إبتعدت عنه، وجلست على أحد المقاعد الفردية الموضوعة على جانبي الطاولة، فإحتقنت عينيه غضباً، وصر على أسنانه مغتاظاً منها، وكان على وشك تعنيفها، ولكنه لمح قدوم مترجم أعضاء الوفد الأسباني، فأخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل.. ورسم إبتسامة زائفة على وجهه، ثم هتف قائلاً بصوت هاديء:
-هاي، اتفضل
أسرع المترجم بالرد عليه قائلاً بلكنة غريبة:
-مرحباً بك أوس بيك، نحن سعداء لمقابلتك مجدداً.

إلتوى فمه بإبتسامة باهتة وهو يجيبه بإقتضاب:
-شكراً
أردف المترجم متسائلاً بإهتمام ب:
-ما أخبار زوجتك ؟
سلط أوس أنظاره على تقى، وأجابه بهدوء:
-تمام
ثم باغتها بلف ذراعه حول خصرها، وضمها إلى صدره ليتابع بنبرة عابثة وهو يرمقها بنظرات عميقة:
-وهي معايا بنفسها.

جحظت تقى بعينيها مصدومة من حركته المفاجئة، وإحتقن وجهها بحمرة واضحة، وعضت على شفتيها بضيق.. ثم وضعت أصابعها على كفه الملاصق لخصرها، وحاولت إزاحتهم عنها، ولكنه تشبث بها أكثر، وباغتها بإمساكها بكفها الأخر، ورفعه إلى فمه وتقبيله أمام الجميع قائلاً بمكر:
-هو أنا عندي أغلى منها !
لم تطق تقى ما يفعله معها، فسحبت يدها بضيق منه، وجلست على المقعد ونفخت بصوت منزعج
نظر لها أعضاء الوفد بتعجب، وتشدق المترجم متسائلاً بإستغراب وهو يوزع نظراته بينهما:
-هل هناك ما يزعجها ؟

أجابه بنبرة واثقة وهو يسلط أنظاره الشقية عليها:
-هي مش بتحب أني أعمل كده قصاد أي حد، بتكسف، I mean my wife is shy
ابتسم له المترجم وهو يرد بهدوء:
-أها، فهمت مقصدك
ثم إلتفت برأسه للخلف، وأضاف بصوت جاد:
-سيأتي السيد ماركو بعد لحظات
-اوكي.

هزت تقى ساقيها بعصبية واضحة، وأشاحت بوجهها للجانب لتتجنب النظر إليه.. بينما جلس المترجم على المقعد الصغير، وجلس أوس على الأريكة..
حضر مدير الملهى ومعه نادل ما، وأردف قائلاً بنبرة رسمية:
-اتفضل يا باشا، مينو المشروبات !
ثم قام النادل بتوزيع القوائم على الجالسين بحرفية، وتراجع خطوة للخلف ويديه معقودتان خلف ظهره..
لمح المترجم أعضاء وفده وهو يدلفون للملهى، فنهض من مقعده، وهتف قائلاً:
-سينيور ماركو.

لوح له السيد الأجنبي بيده وهو يبتسم، وأسرع في خطواته نحو الطاولة
بدأ المترجم في ترجمة أقوال ماركو، ورحب أوس به وبمن معه..
ثم إستدار ماركو نحو تقى، ونظر لها بإندهاش وهو يتسأل عن كنيتها، فأجابه المترجم بأنها زوجة أوس الجندي، فمدحها هو بإعجاب واضح بلكنة عربية غريبة قائلاً:
-جمالك أورينتال سينيورا
ثم مد يده ليصافحها وهو منحني نحوها قليلاً، فخجلت منه تقى، وإنزعجت من تصرفه، ورفضت أن تصافحه..

بينما إحتقن وجه أوس من تصرفه، ثم مد يده نحوه ليصافحه وهو يضغط على أصابعه بقوة قائلاً بصوت جامد وهو يرمقه بنظرات مشتعلة:
-اتفضل يا.. يا سينيور ماركو، مراتي محافظة !
ضيق ماركو عينيه في حيرة، وسأله وهو يهز كتفيه:
-لا أفهمك ؟!
قام المترجم بترجمة مقصد أوس له، فإبتسم الأخير قائلاً بمرح:
-سي.. ( نعم ) !

أشار له أوس بالجلوس على الأريكة، وأفسح له المجال ليمر..
وإنضم له رجلين أخرين، وامرأتين جميلتين، ملابسهما في غاية الإثارة..
جلس أوس إلى جوار تقى، فتنهدت في ضيق، فقد إعتقدت أنه سيجلس مع هذا الغريب على الأريكة، ولكن خابت أمالها، فقد أثر الإلتصاق بها..
نظرت إحدى المرأتين إلى أوس، وهتفت قائلة بعبث وبلكنة عربية متكسرة:
-أنا باهب ايجبت ( أحب مصر )، You men look gorgeous ( أنتم أيها الرجال تبدو رائعين ).

ثم مالت للأمام لتظهر مفاتنها واضحة أمامه وهي تتابع بصوت مغري:
-And you sir look so special and different ( وأنت تبدو مميز ومختلف عنهم )
شعرت تقى بعدم الإرتياح من حديث تلك المرأة، بينما بادلها أوس حديثاً هادئاً لم تفهم هي معظمه، وخجلت من تصرفاتها الوقحة وهي تتعمد إظهار جسدها المثير أمامه، وكذلك من ضحكاتها المستفزة.. وأجفلت عينيها في حرج..
أردف المترجم قائلاً بحماس:
-هل نطلب الآن ما نريد ؟
أشار أوس بيده قائلاً بجدية:
-أه يا ريت.

ثم قام المترجم بتوضيح رغبة أوس من الجميع بالنظر إلى قائمة المشروبات، وإختيار المناسب
أمسكت تقى بالقائمة بيدٍ مرتجفة، ونظرت إلى محتوياتها بعدم فهم..
فقد كانت الغالبية مكتوبة باللغة الإنجليزية، وهي لا تجيدها..
فعضت على شفتيها في حرج، وحركت أصابعها في حيرة على أسماء المشروبات وتهجئتها بصوت متلعثم ب:
-ب.... آآ.. با.. بارا.. ب..آآآ
إلتوى فم أوس بإبتسامة متسلية وهو يراها ضائعة في أمر تافه، وأيقن أنها لا تستطيع قراءة قائمة المشروبات، فإنحنى عليها برأسه، وهمس لها:
-أنا هاطلبلك آآ..

إلتفتت برأسها نحوه لترمقه بنظرات حادة، وقاطعته بصوت مغتاظ:
-أنا مش جاهلة، هاعرف أطلب لوحدي !
رد عليها بخفوت ب:
-اوكي براحتك، بس أنا عاوز أفهمك آآ..
لم تمهله الفرصة لإتمام جملته، حيث هتفت بصوت مرتفع وهي تشير إلى النادل بعينيها:
-لو سمحت أنا عاوزة البتاع ده !
اقترب منها النادل، ونظر إلى ما أشارت إليه بإصبعها في القائمة، فشعر بالغرابة من طلبها، وأجابها بهدوء شديد:
-حاضر يا فندم !

ثم تناول منها القائمة، فإعتدلت تقى في جلستها، ونظرت إلى أوس بطرف عينها وحدثت نفسها بثقة:
-فاكرني مش هاعرف أتصرف !
تلقى النادل طلبات أعضاء الوفد الأسباني، وإنصرف مسرعاً ليحضرها لهم..
واستمر أوس في حديثه معهم عن سوق العمل وإحتياجاته..

كانت تقى تختلس النظرات بين الحين والأخر إلى المرأة المثيرة لترى ما الذي تفعله، خاصة بعد أن بدلت مكان جلوسها لتصبح إلى جوار أوس..
سادت موسيقى صاخبة في المكان، فنظرت تقى إلى المرقص، فوجدت بعض الشباب من الجنسين يتمايلون بأجسادهم في مياعة وإنحلال، وغالبية الفتيات أجسادهن عارية، ومثيرة.. فأجفلت عينيها في ضيق.. وظلت تفرك أصابعها متوترة..
فالأجواء هنا لا تناسبها على الإطلاق.. فكل شيء متكلف ومصطنع، ومقزز بدرجة كبيرة.. وهي لم تعتد سوى على البساطة والإحتشام في كل تصرفاتها..
ولكنها تجد في هذا المكان النقيض تماماً..

حضر مدير الملهى ومعه النادل وهو يحمل صينية المشروبات، ثم أشار له ليوزع ما بها بحذر على الجميع..
فوضع هو أمام تقى مشروباً غريباً في كأس عريض، ألوانه ممتزجة، وبه مظلة صغيرة أعلاه، وعصا بلاستيكية رفيعة إلى جوارها..
ظلت هي محدقة في الكأس لفترة وعلى وجهها علامات الحيرة والإندهاش، وتسائلت مع نفسها بفضول:
-ايه البتاع ده ؟ أنا مشوفتش زيه قبل كده..!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والخمسون

في الملهى الملحق بالمنتجع السياحي
نظرت تقى إلى المشروب الموضوع أمامها بحيرة شديدة، وترددت في شربه، ولكنها راقبت من حولها بتعجب، فوجدتهم يرتشفون ما طلبوه بإستمتاع غريب.. ضغطت على أصابعها في توتر، ثم تنهدت في إستسلام، ومدت يدها لتمسك بالكأس..
قربته من شفتيها، وحاولت تذوقه بحذر.. فكان طعمه إلى حد كبير لاذعاً، وتشنج وجهها منه..
وتسائلت مع نفسها بإستغراب:
-هو طعمه مزز كده ليه ؟!

ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة، وبدأت في إرتشاف ما به بتأفف بادي على تعابير وجهها..
راقب أوس حيرتها وإرتباكها بإستمتاع واضح، وحاول أن يخفي إبتسامته المتسلية وهو يمتع عينيه برؤيتها على سجيتها، ولكنه لم يستطع..
ولكن حينما وجد الأمر قد إتخذ معها منحنى جاداً، فقرر أن يتدخل فوراً، فهو لا يريد أن يضعها في موقف محرج.. خاصة أن المشروب الذي طلبته كان أحد أنواع الخمور المشهورة..
لذا إنحنى بجسده للأمام نحوها، وهمس لها في أذنها - وشفتيها ملتصقتين بالكأس - متسائلاً بمزاح:
-ها، الخمرة حلوة ؟

تجمدت تعابير وجهها لوهلة محاولة إستيعاب جملته الأخيرة.. فتابع قائلاً بتسلية:
-أصل سيادتك طلبتي كوكتيل فودكا على آآآ..
لم يكمل أوس جملته الأخيرة حيث تفاجيء بها تبصق ما ظل عالقاً في حلقها قبل أن تبتلعه أمامها بطريقة مقززة قائلة بذهول:
-لألألألأ...!
وكذلك شرقت لمحاولتها الحديث فجأة، فسعلت لعدة مرات، و أرخت أصابعها عن الكأس فسقط فوراً على الأرضية وتناثر جزء من محتوياته على بنطالها الواسع وحذائها بالإضافة إلى الأرضية..

صُدم الجميع مما فعلته تقى، ونظروا لها بنظرات إستغراب، وأخرى مشمئزة..
في حين ظلت إبتسامة أوس المتسلية بادية على وجهه.. وزادت غبطته حينما رأها لم تعاند في أمر كهذا، فهي لا تزال نقية محافظة على برائتها رغم تصرفها الطائش هذا، فلم تتهور لمجرد معاندته..

نهضت تقى مذعورة من مقعدها، وظلت تسعل محاولة لفظ ما إبتلعته من مشروب مُسكر..
تسائل ماركو بإستغراب وهو محدق بها بلكنة عربية غريبة:
-ما الأمر سينيورا ؟
لم تجبه تقى، بل أولته ظهرها، وأكملت سعالها..
نهض أوس هو الأخر من مقعده، ووقف خلفها، وأسند يده على ظهرها مربتاً عليه، وقائلاً بهدوء:
-خلاص يا تقى، ماحصلش حاجة.

نظرت هي له شزراً وهي تزيح يده عن ظهرها، ومدت يدها لتمسك بمناشف ورقية لتمسح لسانها وفمها من بقايا المشروب..
في حين رمقتها المرأة المثيرة بنظرات إحتقارية، وأطلقت سبة باللغة الإنجليزية مهينة إياها..
ولكن إلتفت أوس برأسه نحوها، وحدجها بنظرات حادة مضيفاً بغلظة وهو يشير بإصبعه محذراً:
-Hey ! Don't you dare ( إنتي ! إياكي أن تجرؤي على إهانتها )
إبتلعت المرأة المثيرة ريقها، ونظرت له بتوجس وهي تجيبه ب:
-I didn't mean.. ( لم أقصد أن آآ.. ).

تجاهلها أوس، وعاود النظر إلى زوجته قائلاً بجدية:
-في حمام في الأخر، تعالي هوديكي عنده !
لوت تقى فمها وهي ترد عليه بضيق:
-أنا م..آآ..
لم تتمكن من إتمام جملتها حيث تفاجئت بقبضة أوس على ذراعها، ثم جذبها معه بعيداً عن الطاولة، فلم ترغب في إثارة مشكلة أمام الجميع، خاصة وأنها رأت في عينيه نظرات غضب جلية.. فخشيت أن تكون تسبب في إثارة حنقه، وهو يريد تعنيفها على ما حدث..

نظرت له بتوجس ممزوج بالرعب وهي تحاول اللحاق بخطواته السريعة والحفاظ على إتزانها أثناء السير، ولكنها لم تنجح وتعثرت، وكادت أن تسقط على وجهها، ولكنها إستندت على ظهر أوس بكفها، فإستدار سريعاً للخلف ليمسك بها من ذراعها الأخر، وحال دون سقوطها، ثم زفر في ضيق وهو يهتف بصوت محتد:
-وأما انتي مش عارفة تمشي فيه، لبستيه ليه من الأول، ولا هو عِند وخلاص !

إلتوت قدم تقى بشدة، ولم تردْ إخباره بالآلم الرهيب الذي تشعر به فيها، فأدمعت عينيها عفوياً، وزادت حمرة وجهها.. وأطرقت رأسها للأسفل، فظن أوس أنها شعرت بالحرج مما حدث، لذا تابع قائلاً بضيق:
-خلاص مش قضية عشان نقلبها مناحة !
عضت هي على شفتها السفلى، وقالت بصوت مختنق:
-أنا عاوزة أروح الحمام لوحدي، مش محتاجة مساعدة منك
زفر في إنهاك من الجدال الغير مُجدي معها..

ومع هذا لم ينكر أن رؤيتها وهي خجلة تماماً ومحرجة من فعلتها الطفولية أغرته بشدة لضمها إلى صدره، وإحتضانها بين ذراعيه، وطمأنتها.. وكذلك تلمس وجنتيها الخجلتين بأصابعه، والشعور بحرارتهما عليهم..
جاهد نفسه ليصرف عن عقله تلك الأفكار المتأججة والجامحة حتى لا يتهور ويرتكب أي حماقة، وتنهد في ضيق زائف..
ثم أشار بيده للأمام قائلاً بنفاذ صبر:
-أوكي، هو هناك !

ردت عليه بإيجاز وهي تعتصر قبضتها:
-طيب
أومأ بعينيه قائلاً بجدية وهو يتأمل إضطرابها الغير مفهوم:
-يالا، روحي !
هتفت قائلة بصوت شبه محتد:
-لما تمشي الأول
زم فمه قائلاً بغيظ:
-حتى في دي !
ثم نفخ بصوت مرتفع من عِنادها المستمر، وفرك طرف ذقنه وهو يضيف بيأس:
-اعملي اللي تحبيه، وأنا مستنيكي هناك !

ثم أولاها ظهره، وإتجه عائداً إلى الطاولة.. بينما تحركت هي بحرص شديد نحو المرحاض وهي تصر على أسنانها مقاومة شعور الآلم الرهيب الذي أصاب قدمها..
رأها مدير الملهى وهي على تلك الحالة، فأسرع نحوها وهو يهتف بتوجس:
-خير يا هانم ؟ في حاجة حصلت
رفعت تقى عينيها الدامعتين لتنظر له وأجابته بإقتضاب:
-مافيش !
تابع مدير الملهى قائلاً بقلق واضح في نبرته:
-بس حضرتك.. آآ.. يعني رِجل سيادتك تعباكي ؟

ردت عليه تقى بصوت منزعج وهي تتحرك ببطء:
-مافيش حاجة
أردف هو متسائلاً بإهتمام وهو يشير بيده:
-تحبي أبلغ الباشا، واطلب مساعدة ؟
هزت رأسها معترضة، وأجابته بإصرار:
-لأ.. متقولش حاجة، أنا كويسة !
تشنج وجهها من الآلم، وأطلقت صرخة مكتومة وهي تحاول السير.. فهتف مدير الملهى قائلاً بتوجس:
-لحظة بس !

ثم فرقع بأصابعه لنادلة ما تقف على مقربة منهما، وتابع قائلاً بنبرة رسمية:
-مع الهانم بسرعة
اتجهت النادلة نحو تقى، ومدت يدها لتمسك بها، وعاونتها في السير نحو المرحاض، وسألتها بهدوء:
-هو رجل حضرتك بتوجعك ؟
أجابتها تقى وهي تعض على شفتها من الآلم:
-آآآه.. أوي
أشارت النادلة بعينيها نحو مقعد قريب، وهتفت قائلة بإهتمام:
-طيب حضرتك ارتاحي هنا، وانا هاجيبلك تلج عليها
-ماشي
تنهدت تقى في إرتياح لأنها وجدت من يساعدها دون اللجوء إلى أوس..
وجلست بحذر على المقعد، وإنحنت بجسدها للأمام لتفرك قدمها المتألمة، فصدرت منها تأوهات مكتومة..

جلس أوس على مقعده، وأسند ساقه فوق الأخرى، وأشار بعينيه لنادل ما قائلاً بجدية:
-نضف اللي وقع هنا
نظر النادل إلى حيث أشار، ورد عليه بهدوء شديد:
-على طول يا فندم !
نفخ أوس بإنزعاج من تصرفات تقى المعاندة معه، وإستدار برأسه للجانب ليحدق بنظرات فارغة في المرقص.. فباله مشغول على زوجته، وخشي أن يكون سبب لها هذا إحساساً بالإنزعاج والحرج، وأفسد الليلة دون داعي.. بالرغمن من عدم أهميته..

حاول ماركو أن يتجاذب معه أطراف الحديث، ولكن ردوده كانت مقتضبة للغاية وفاترة.. فتطرق المترجم الجالس إلى جواره إلى حديث أخر غير العمل لجذب إنتباهه،وسأله عن زوجته قائلاً بفضول:
-أخبرني سينيور أوس كيف تعرفت إلى زوجتك ؟
حدجه أوس بنظرات قوية، وسأله بصرامة:
-وده هايفيد في الشغل بينا ؟
رد عليه المترجم بحذر ب:
-لا سيدي، ولكنه فضول
رمقه أوس بنظرات محذرة وهو يجيبه بصوت متصلب:
-وأنا مش بأتكلم عن اللي يخصني مع أي حد !

أحضرت النادلة كيساً بلاستيكياً موضوعاً بداخله مكعبات الثلج، ثم جثت على ركبتها، ووضعته بحذر على مقدمة قدم تقى..
تشنجت تقى بخوف، وأصدرت أنيناً مختنقاً، ثم نظرت للنادلة وأردفت بإمتنان:
-معلش، تعبتك معايا
إبتسمت لها النادلة بإطراء، وأجابتها بخفوت هاديء:
-تعبك إيه يا فندم، أنا هنا في خدمتك !
-كتر خيرك
قامت النادلة بتحريك الكيس بحركات دائرية لتضمن توزيع البرودة على كل الأجزاء التي تؤلمها..

كتمت تقى تأوهاتها لأكثر من مرة، وعضت على شفتيها السفلى لتمنع خروج أي صوت رغماً عنها..
وتشبثت بطرفي المقعد بكفيها، وإزدادت حمرة وجنتيها بدرجة واضحة..
أضافت النادلة بجدية:
-ماتدوسيش عليها كتير، ولو الآلم مخفش بعد شوية يبقى حضرتك لازم تشوفي دكتور متخصص لأنه جاي يكون حصل تمزق
نظرت لها تقى بذعر وهي تقول:
-هاه
-وألف سلامة على حضرتك
قالتها النادلة بإبتسامة وهي تعتدل في وقفتها.. ثم تركتها وإنصرفت لتكمل عملها..

زفر تقى بضجر قائلة:
-كنت ناقصة ده كمان
أخذت نفساً عميقاً، وحبسته في صدرها لتنهض بحذر شديد من على المقعد.. ثم داست على قدمها بحرص واضح، ولكنها مازالت تؤلمها..
فكرت في أن تعتذر عن إكمال السهرة، وتعود إلى الفيلا لتستريح، فلا داعي لوجودها.. فهو لن يضيف شيئاً، وغيابها لن يؤثر في الأمر..
والعقبة الوحيدة أمامها هي رفض أوس لرحيلها، وإصراره على جلوسها معهم..
ومع هذا صممت على تنفيذ رغبتها.. فمن هو ليمنعها عما تريد..

إنتصبت في وقفتها.. وحدقت أمامها بثبات، وسارت رافعة الرأس – رغم آلمها – بعزيمة واثقة نحو الطاولة..
ولكن سريعا ما تلاشت شجاعتها الزائفة في أقل من ثانية حينما لمحت المرأة المثيرة وهي تحرك جسدها بحركات لعوب، وبطريقة مغرية، لتداعب أوس بأسلوب فج خالي من الحياء.. فتسمرت في مكانها، وحدقت بهما في ذهول..

هي إعتادت وقاحته، واسلوبه الجريء معها ومع غيرها.. ولكنها المرة الأولى في حياتها التي تراها فيه يتجاوب مع غيرها.. فشعرت بإهانة أشد، وبإذلال نفسي أعمق.. وظنت أنه يتعمد التحقير من شأنها، ولكن بطريقة غير مباشرة.. نعم فهي الفقيرة الغريبة التي جاء بها إلى أرقى المناطق وأغلاها ليؤكد لها على قوته وسلطته، وقدرته على فعل المستحيل..

ابتلعت غصة مريرة في حلقها، وضغطت على أصابعها قائلة بحزن واضح:
-هو جايبني هنا عشان يذلني اكتر، يعرفني إني ماسواش حاجة..!
أطرقت رأسها في خزي، وأضافت بنبرة أشد بؤساً:
-لا ده كان مكاني من الأول، ولا إحنا ننفع نكون مع بعض
تنهدت بحرارة وهي تتابع:
-كفاية عليا أخلص منه وأرجع لحضن أبويا وأمي.. مش عاوزة أكون في العالم الفالصو ده، آآآه.. ربنا يهونها عليا !

أشاحت بوجهها للناحية الأخرى حينما رأت المرأة اللعوب تضع يدها على فخذ أوس.. وأغمضت عينيها لوهلة لتمنع نفسها من البكاء أسفاً على حالها، وأخرجت من صدرها تنهيدات خانقة..
رأها مدير الملهى وهي تقف مكانها، فأسرع نحوها وهو يهتف بتوجس:
-في حاجة مضيقاكي يا هانم ؟ البنت عملت آآ..
قاطعته بصوت متحشرج وهي تنظر للأمام بكبرياء:
-مافيش حاجة.

-بس يا فندم، حضرتك باين عليكي مش تمام
تنهدت بحرارة وهي تضيف بمرارة:
-أنا بس مخنوقة من هنا، حاسة إني مش عارفة أخد نفسي
رد عليها المدير بتلهف وهو يشير بيده:
-في Open Area ( منطقة مفتوحة ) هنا، بتطل على البحر، والأعدة فيها لطيفة وهادية، كمان ال View ممتاز !
نظرت له تقى بأعينها اللامعة، وسألته بنبرة حائرة:
-أنا مش فاهمة اللي بتقوله !

ثم مسحت بأناملها تلك العبرات العالقة بأهدابها، وتابعت بإصرار:
-أنا عاوزة أطلع من هنا !
رد عليها بإهتمام وهو يشير بكفيه:
-أنا أقصد يا فندم إن في مكان مفتوح زي التراس كده هنا، بيطل على البحر، الهوا فيه منعش، وهايعجب حضرتك أوي
أومأت برأسها متشدقة ب:
-ماشي، وديني هناك !
ابتسم لها المدير إبتسامة مجاملة وهو يقول:
-اتفضلي يا هانم، هو من هنا !
سارت تقى بصحبته – وهي تكتم شعورها بآلام قدمها – ببطء وحذر في إتجاه الشرفة..

على الجانب الأخر، راقبت المرأة المثيرة أوس بإعجاب واضح من حالة الغموض المثيرة التي تحيطه.. ومسحت على شفتيها بطرف لسانها، ثم مالت نحوه وهي ممسكة بكأسها، وأردفت قائلة بنبرة ناعمة:
-I think you're so stressed ( أعتقد أنك مضغوط بشكل واضح )
ثم وضعت يدها على فخذه، وغمزت له قائلة بنبرة مغرية:
and need a massage- ( وتحتاج إلى مساج ).

حدجها أوس بنظرات عميقة وغامضة فقد أدرك نواياها نحوه بسهولة، بينما أكملت هي قائلة بلؤم:
-I am here for you ( أنا هنا لأجلك )
ثم تعمدت الضغط بأصابعها عليه لتثير رغبته، ولكنه أمسك برسغها بقبضته القوية، وإعتصرها قائلاً بجمود وهو يرمقها بنظرات شرسة:
-I don't care ( أنا لا أهتم )
ثم دفعها للخلف، وحدجها بنظرات نارية وهو يلوي فمه بسخط..
إحتقن وجهها بالغيظ، ورمقته بنظرات مغلولة وهي تفرك رسغها من أثار أصابعه الغليظة..

في نفس التوقيت، كان ماركو عائداً من المرحاض حينما لمح تقى وهي تتجه للشرفة، فإعتلى ثغره إبتسامة لئيمة، فقد أعجبه كثيراً جمالها الشرقي الممزوج بالغربي، وأراد أن ينفرد بها دون أن يراه زوجها حتى يتمكن من تذوق حُسنها على راحته ودون إزعاج من أحد..
ألقى بالمنشفة الورقية بعد أن جفف يديه في السلة القريبة، ثم غير وجهته، وسار خلفها..
وقفت تقى مستندة بكفيها على حافة الشرفة المعدنية وهي تتأمل المكان بنظرات إنبهار..
فقد صدق مدير الملهى حينما أخبرها أنها ستجد الجمال والهدوء هنا..

أثلج هواء البحر المنعش صدرها المختنق قليلاً.. وإستمتعت برؤية الأمواج تتلاطم بتناغم عجيب..
ولكن إخترق سكونها المؤقت صدى كلمات أوس لها، وخاصة " بنت خالتي " والتي رددها على مسامعها صبيحة اليوم، فأثارت ضيقها ب