ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والأربعون

في منزل تقى عوض الله
سمعت فردوس طرقات خافتة على باب منزلها، فإتجهت نحوه، وفتحته وهي تغطي نصف شعرها بحجابها المنزلي..
ابتسمت إبتسامة هادئة وهي ترى جارتها إجلال تقف أمامها وتحدثها بصوت خافت:
-ازيك يا فردوس
أجابتها بهدوء وهي تضم طرفي حجابها معاً:
-بخير يا حاجة إجلال، اتفضلي جوا
أومأت برأسها رافضة وهي ترد عليها بإصرار:
-لأ خليها وقت تاني
سألتها بإستغراب وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-ليه بس ؟

ردت عليها الجارة إجلال بهدوء وهي تشير بكف يدها المجعد:
-أنا مش هاطول
سألتها بإهتمام واضح في تعابير وجهها قائلة:
-طب خير في ايه، وغوشتيني !
همست الجارة إجلال وهي تجيبها بحذر ب:
-بصي أنا عرفت إن البت بطة سقطت، وأعدة عند أمها بقالها يومين
لطمت فردوس على صدرها بخفة وهي تهتف بصدمة:
-يا لهوي.

تنهدت إجلال في حزن وهي تضيف قائلة:
-آه.. ملحقتش تفرح يا عيني !
زمت فردوس فمها وهي تتابع بإمتعاض:
-دي لسه صغيرة، ربنا يعوضها خير
أكملت إجلال حديثها قائلة بجدية وهي ترمش بعينيها:
-يا رب، المهم يعني أنا هاروح أخد بخاطرها كمان شوية
أومأت فردوس برأسها موافقة إياها وهي تضيف بإقتناع:
-أه وماله، واجب ولازم يتعمل ! دول جيرانا !
-بالظبط.

ثم أردفت قائلة بنبرة ممتنة وهي تشير بيدها:
-كويس كمان إنك قولتيلي، وأنا شوية وهازورها
-طيب..
ثم تابعت بتوضيح وهي ترفع حاجبيها:
-تيجي بس تقى من برا، وربك يسهلها
وضعت إجلال إصبعيها على طرف ذقنها وهي تسألها بإهتمام:
-يا رب أمين، ألا هي إزيها الوقتي ؟
تنهدت فردوس في إنهاك وهي تجيبها بنبرة يائسة:
-هييه.. هاقول ايه بس غير الحمدلله !
ربتت إجلال على كتفها قائلة بنبرة مواسية:
-معلش ياختي، شدة وتزول
-يا رب.

ثم هتفت قائلة بصوت جاد وهي تتراجع خطوة للخلف:
-طيب عشان معطلكيش أكتر من كده، أنا قولت أعرفك عشان الواجب
ابتسمت لها فردوس قائلة بإمتنان:
-كتر خيرك، مردودلك يا رب في الفرح
بادلتها الجارة إجلال نفس الإبتسامة الباهتة قائلة بهدوء:
-أنا وإنتي يا حبيبتي !
-يا رب
لوحت لها بكف يدها وهي تستدير عائدة لمنزلها قائلة بصوت هاديء:
-يالا، بخاطرك
ابتسمت لها فردوس وهي ترد عليها ب:
-مع السلامة يا حاجة إجلال !
ثم أغلقت الباب بهدوء، واستدارت عائدة في إتجاه المطبخ محدثة نفسها بحزن:
-مافيش واحدة متهنية أبداً، ربنا يهونها علينا !

أخذ أوس الجندي نفساً عميقاً، وزفره على مهل وهو يرمق البناية القديمة التي تقطن بها تقى..
إتسعت إبتسامته المغترة وهو يجوب ببصره المكان ممتعاً عينيه بنشوة ظفره بزوجته..
لم يستطع أي أحد الإقتراب منه أو من رجال حراسته.. فقط همهمات جانبية، ونظرات فضولية محدقة بالجميع..
وهو دون أن يطرف له جفن هتف قائلاً بصرامة:
-الكل يستنى هنا ما عدا انت !
ثم أشار بإصبعه نحو المحامي منعم الذي إنتفض في مكانه ليجيبه بجدية:
-أوامرك يا أوس باشا
وبالفعل أفسح رجاله له المكان ليمر إلى الداخل، وتبعه محاميه، ثم سدوا المدخل بأجسادهم الضخمة وسلطوا أنظارهم الحادة على المارة..

في منزل تقى عوض الله
سمعت فردوس دقات ثابتة وقوية على باب منزلها وهي تغسل الصحون بداخل مطبخها، فنفخت في ضيق وهي تقول:
-وده مين ده كمان !
ثم أغلقت الصنبور، وجففت كفي يدها المبتلين في جانبي قميصها المنزلي، وألقت بحجابها على رأسها، وإتجهت للخارج وهي تهتف بصوت متذمر:
-أيوه يا اللي على الباب !
فتحت الباب دون تردد، ولكنها تسمرت في مكانها مصدومة، وجحظت بعينيها في ذعر بعد أن رأت أوس الجندي واقفاً أمامها بصورته المهيبة، وتلعثم صوتها وهي تغمغم قائلة:
-آآ.. إنت !

هز رأسه بخفة وهو يسألها بصوت قوي:
-أها.. فين تقى ؟
تلعثم صوتها وهي تردد قائلة:
-ت.. ت.. تقى بنتي !
أضاف قائلاً بإصرار وهو يحدجها بنظراته النارية:
-أيوه، عاوزها
زاد تلعثمها وهي ترد ب:
-م.. م..آآ..
هتف فيها قائلاً بقوة أرعبتها:
-فينها ؟
إرتجفت شفتيها وهي تجيبه بخوف في نبرتها:
-مش.. مش هنا !
رمقه بنظراته المهينة قبل أن يشير لها بإصبعه قائلاً بصوت آمر:
-وسعي
وقفت أمامه بجسدها متحدية إياه ب:
-لأ.. إنت.. إنت مش هاتدخل بيتي !

دفعها من كتفها وهو يدخل عنوة للمنزل قائلاً بقسوة:
-بأقولك وسعي أنا جاي أخد تقى معايا !
هددته فردوس قائلة بصوت مرتجف:
-امشي أحسنلك بالذوق هاصوت وألم الجيران وآآ..
قاطعها بصوت مستهزأ، وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-لمي كل اللي تعرفيه، محدش هايمنعها عني
هتفت فيه بصوت حاد قائلة:
-سيبنا بقى في حالنا، حرام عليك
صرخ فيها بإصرار واضح وهو يرمقها بتلك النظرات المحتقنة:
-مش هاسيب تقى ! وأوعي من وشي !
ثم صاح بصوت جهوري مخيف وهو يشرأب برأسه للأعلى:
-يا تقي، يا تقى !

صرخت فردوس بكل ما أوتيت من قوة بعد أن رأت في عينيه نية واضحة للتعرض لها:
-يالهوي.. إلحقوني يا ناس، الراجل بيتهجم عليا في بيتي !
لم يمنعها أوس من الصراخ، بل إقتحم المنزل، وإنطلق في إتجاه الغرف الموجودة به بحثاً عن زوجته بالداخل..
ولكنه لم يجدها، حتى في غرفة والدها الراقد على الفراش.. والذي رمقه بنظرات حادة ومتعجبة لحالته الغريبة قبل أن يتجه للخارج..
تجمع بعض قاطني البناية على إثر صراخ فردوس الهادر، وولجوا إلى داخل المنزل متسائلين بقلق:
-ايه يا ست فردوس ؟!

-في ايه ؟
أشارت بيديها لجيرانها قائلة بتوسل:
-إلحقوني يا ناس، حد يغيتني !
صاحت إحداهن قائلة بإستفهام:
-مين اللي اتعرضلك ؟
أشارت بكف يدها نحو أوس الجندي قائلة بتلهف:
-الراجل ده جاي يتهجم عليا في بيتي، وراجلي راقد جوا مش قادر عليه !
سألته أخرى بصوت محتد ب:
-جاي ليه هنا يا أخينا ؟
رمقهم أوس بنظراته الساخطة قبل أن ينطق بصوت آمر ومخيف:
-الكل يطلع برا !
هتفت إحدى الجارات قائلة بتحدٍ وغيظ:
-ده مش بيتك يا جدع إنت !
رد عليها أوس بصوت مرتفع ومحتد:
-بس بيت مراتي !

إرتسمت علامات الدهشة والذهول على أوجه الجيران، وتعددت ردودهم ما بين:
-هاه
-مين ؟!!!
ثم هتف المحامي منعم قائلاً بصوت جاد وثابت:
-تقى عوض الله تبقى مرات أوس باشا الجندي
فغرت فردوس فمها مشدوهة ب:
-هاه
ثم تسائل أوس بجدية أشد وهو محدق بالجميع بنظراته المهددة:
-حد عنده مانع ؟
سألته فردوس بتلعثم واضح في نبرتها وهي غير مستوعبة جملته الأخيرة ب:
-آآآ.. إنت..إنت بتقول ايه ؟

أضاف منعم قائلاً بجمود وهو يتجه نحو الجيران:
-بيتهيألي يا جماعة الموضوع عائلي، ووجودكم غير مرغوب فيه !
زمت إحداهن فمها قائلة بحرج:
-عندك حق، لامؤاخذة، اللي ما يعرفك يجهلك
نظرت أخرى إلى فردوس بضيق، وقالت معاتبة:
-مش كنتي تقولي يا ست فردوس إن تقى متجوزة، هو إحنا هنحسدها ولا حاجة
بينما أضافت ثالثة بصوت متجهم:
-عجايب.. الباب في الباب ويخبوا علينا !

وبالفعل خرج الجميع من المنزل، فأغلقه المحامي بهدوء، وحك طرف أنفه بإصبعه، ثم أطرق رأسه للأسفل، وظل صامتاً..
تحرك أوس في إتجاه فردوس التي إنكمشت على نفسها، وضغطت على طرف حجابها بقوة متشبثة به..
وقف هو قبالتها، وحدجها بنظرات قاتلة وهو يسألها بصوت قاتم:
-فين مراتي ؟
ردت عليه بصوت متقطع قائلة:
-هي.. هي مش هنا !
صرخ فيها بصوته الهادر وهو يشير بكفه في وجهها:
-إنتي كدابة، مش هاتمنعيني عن مراتي !
-آآ..

ثم اقترب منها خطوة وحدجها بنظراته المحتقنة وهو يتابع بصوت عنيف:
-أنا مش هاسيبها المرادي، سامعة !
سألته بتوتر شديد وهي تعض على شفتيها من الخوف:
-ي.. يعني إنت متجوزها ؟
رد عليها بتهكم وهو يرمقها بنظراته الإحتقارية:
-أومال جاي أهزر هنا ؟
ابتلعت ريقها مجدداً وردت عليه بثبات زائف:
-وأنا قولتلك هي مش موجودة
صرخ فيها بإنفعال أفزعها قائلاً:
-راحت فين ؟
هتفت قائلة بخوف وهي تضم كتفيها:
-م.. معرفش
أشار بإصبعه في وجهها وهو يكز على أسنانه بشراسة:
-شوفي أنا مش هامشي من هنا إلا ومراتي في إيدي، حطي ده في بالك كويس !

قالت بصوت شبه باكي وهي تنظر له بحذر:
-يا بيه إحنا ناس غلابة، وانا بأقولك البت مش موجودة
نفخ من الضيق، ووضع يده على وجهه، وفركه بعصبية، ثم أشاح به للجانب، وغمغم بعصبية مع نفسه.. ولكن لفت إنتباهه شيء ما معلق على الجدار.. فجعله يضيق عينيه المحتدين بفضول، وأمعن النظر جيداً فيه..

لقد كانت صورة قديمة وكبيرة من اللون الأبيض والأسود لعائلة ما..
لفت أنظاره تفاصيل شخص ما بها..
شخص قد رأه من ماضيه البعيد..
شخص خفق قلبه برعب وهو يتخيل هويتها، ويراوده الشكوك بشأنها..
تحرك بخطوات حذرة في إتجاه الصورة، ووقف على بعد مسافة قصيرة للغاية، ودقق النظر في ملامح تلك الشابة التي تقف على اليسار بمحاذاة سيدة عجوز..
لقد كانت تشبه والدته بدرجة كبيرة..

لم يحيد بعينيه عن الصورة وهو يسأل فردوس بجمود:
-مين دي ؟
تعجبت هي من سؤاله الغريب عن أختها، وقطبت جبينها بإندهاش.. وظلت صامتة
عاود تكرار سؤاله بصوت أكثر حدة، فأجابته بتلعثم يشوبه الخوف:
-دي.. دي أختي !
أمعن النظر في تفاصيل وجهها، ورفع أصابعه ليتلمس الصورة بحذر.. ودار في رأسه تساؤلات عدة عنها..

أيعقل أن تكون هي ؟ شبح ماضيه الذي خذله وتركه بمفرده ليعاني ؟ نعم فالشبه مقارب بدرجة كبيرة.. هل هي حقاً، أم مجرد أوهام ؟
مط ثغره بجمود وهو يسألها بإهتمام واضح:
-اسمها ايه ؟
لم تفهم فردوس ما الذي يريده هذا الثري من معرفة تفاصيل تخص عائلتها، فهتفت قائلة بإنزعاج وهي تغطي فمها بطرف حجابها:
-يهمك تعرفه ليه يا باشا ؟ ماتسبنا في حالنا الله يكرمك، كفاية أوي اللي جرالنا !
إستدار بجسده كليةً لتتفاجيء هي بتعابير وجهه الشرسة وهو يصيح بها بصوت هادر:
-انطقي، إسمها ايه ؟

إبتلعت ريقها بخوف، ورمشت بعينيها مذعورة، وأجابته على الفور ب:
-ت.. تهاني يا باشا
إتسعت حدقتيه في صدمة.. الإسم واحد، والملامح تكاد تكون متطابقة لصورتها المحفورة في مخيلته..
فهتف دون وعي منه قائلاً بصدمة:
-هاه.. تهاني !
هزت رأسها موافقة وهي تقول بخفوت:
-أها
ظل أوس صامتاً للحظات، ثم إلتفت بجسده مرة أخرى لينظر بنظرات دقيقة للصورة.. بينما راقبته فردوس بإندهاش حائر، فتبدل حاله الغريب من لحظة لأخرى جعل شعورها بالقلق يبلغ ذروته..

سألها أوس بهدوء مريب قائلاً:
-هي عايشة هنا معاكي ؟
أجابته بتوتر وقد جف حلقها:
-أه من زمان
سألها أوس بصوت هاديء ومريب، وهو يميل رأسه للجانبين متفرساً ملامح الصورة بتمعن أكثر:
-هي متجوزة ؟
لم يختفْ الإندهاش من على وجهها وهي تجيبه بتلعثم:
-كانت.. بس آآ....
إلتفت برأسه نحوها وهو يسألها بجدية:
-بس إيه ؟
-هاه
إنتاب فردوس حيرة شديدة من أسئلة أوس عن أختها، وخشيت أن يدبر لها مكيدة ما تضيعها، فحاولت أن تختلق كذبة ما..

صاح بها أوس بصوت جهوري حينما طال صمتها قائلاً:
-كملي..!
بدى الإرتباك جلياً عليها، وفركت أصابع يدها وهي تجيبه بتوتر ب:
-أقصد يعني كانت تعبانة في عقلها، وآآ.. وماتت !
فغر تغره مدهوشاً وهو يقول:
-اييييه !
ابتلعت ريقها، وحاولت أن تبدو منطقية وهي تجيبه بصوت متقطع:
-زي ما بأقولك يا باشا، هي.. هي ماتت من زمن، وكانت مجنونة!

-ممم..
لم يقتنع أوس بما قالته، وتفرس في ردود فعلها المرتبكة، وأشاحت هي بوجهها بعيداً عنه، ومطت فمها لأكثر من مرة بتوتر..
وقف هو قبالتها، وسألها بجمود وهو يميل برأسه نحوها:
-طب كان عندها عيال ؟
توترت أكثر من إقترابه المفاجيء، وأجابته بإضطراب وهي ترمش بعينيها بحركة عصبية:
-هاه.. هي لما رجعت من برا.. أقصد كانت مسافرة وآآ.. ويعني معرفش.. هي طول عمرها كده !
صرخ بها بصوت مخيف جعلها تنتفض في مكانها ب:
-إنتي كدابة !

إرتجف صوتها مع جسدها وهي ترد عليه بخوف:
-وهاكدب ليه يا باشا، إنت تقدر تسأل أي حد في الحارة هنا هايقولك إن تهاني اختي مجنونة !
كور قبضته في غضب، وأخذ نفساً عميقاً ليسيطر به على نفسه، فهو يعلم أن التطرق لمواضيع جانبية لن يفيده الآن، فمهمته الكبرى هي استعادة زوجته مهما كلفه الأمر
صر على أسنانه وهو يتابع بصوت قاتم:
-ماشي، دي مش قضيتي الوقتي، أنا عاوز تقى !
هتفت قائلة بجدية وهي تتجنب النظر نحوه:
-وهي مش هنا
صرخ بها بإهتياج قائلاً:
-وأنا مش ماشي من غيرها !

في نفس التوقيت، وصلت تهاني ومعها إبنة أختها إلى الحارة وتملكتها الدهشة من حالة الهدوء المريبة المسيطرة على الحارة..
ثم رأت تلك السيارات الفارهة وهي تسد الطريق أمام مدخل البناية، فإبتلعت ريقها في خوف..
لم يختلف حال تقى عنها كثيراً، فقد كان جسدها يرتجف بشدة وهي تقترب من تلك السيارات، وزادت رجفتها حينما وقعت عينيها على سيارة أوس الجندي.. فإنتفضت برعب وهي جاحظة العينين، وتسارعت دقات قلبها، وتلاحقت أنفاسها..
شعرت تهاني بخوفها وحالة الرعب المسيطرة عليها، فضمتها بذراعها، وهمست لها قائلة بثقة:
-متخافيش أنا معاكي.

همست قائلة بهلع جلي في نبرة صوتها وعينيها المذعورتين تكادان تخرجان من مقلتيهما ب:
-ه.. هو.. هو !
سألتها تهاني بعدم فهم وهي تحاوطها بذراعها:
-مين ده ؟
ردت عليها بصوت لاهث ومرتجف ب:
-أنا.. آآ.. أنا آآ..
ظنت تهاني أن حالة الإنهيار المؤقت تعود لها من جديد، فأخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته بتريث وهي تقول بهدوء:
-ششش.. اهدي يا بنتي، احنا داخلين البيت ومحدش هايعملك حاجة !
ثم سارت بها بحذر في إتجاه المدخل..
راقبهما رجال الحراسة الخاصة بنظراتهم الثاقبة، ومنعهما أحدهم من الدخول قائلاً بصرامة:
-رايحين فين ؟

ردت عليه تهاني بصوت خافت ومرتجف وهي تنظر له بنظرات زائغة:
-إحنا عايشين هنا يا بني ؟ في حاجة ؟
رد عليها الحارس بصوته الجاد قائلاً:
-في آآ..
قاطعه زميله بصوت هاديء وهو يضغط على كتفه بقوة:
-سيبهم، دول شكلهم مش بتوع قلق !
نظر لهما بإحتقار قبل أن يهتف قائلاً بصوت جامد:
-ماشي، خشوا !
أسرعت تهاني في خطواتها نحو الدرج وهي تحسب تقى المرتعدة معها..
تنهدت في إرتياح لعدم تعرض أحدهم لهما..

فقد كانت تخشى أن تنهار تقى وتهتاج بصورة لا تستطيع السيطرة عليها..
يكفيها ما خاضته اليوم من إستعادة لذكرياتها الموجعة..
صعدت كلتاهما على الدرج بتمهل.. وتحدثت تهاني بصوت مطمئن قائلة:
-شوفتي مافيش حاجة حصلت، تلاقي رئيس الحي جاي في زيارة كده ولا كده !
ثم إبتسمت لها وهي تضيف مازحة:
-ما إنتي عارفة موظفين الحكومة عندنا، بيحبوا يعيشوا الدور !

وبعد لحظات كانتا على مقربة من الطابق المتواجد به المنزل، ولكن تفاجئت كلتاهما بصوت صراخ جهوري قوي يأتي من الداخل..
تجمدت تقى في مكانها، وخفق قلبها بشدة.. وزاد شحوبها، وهربت الكلمات من على لسانها..
فلا يمكن أن تنسى هذا الصوت أبداً..
تعجبت تهاني مما يحدث بداخل المنزل، وتسائلت بقلق:
-هو في ايه ؟
ولم تنتبه إلى تبدل حال تقى للهلع والإنكماش الرهيب..

أسرعت في خطواتها على الدرج، وكانت على وشك طرق الباب، ولكنها تفاجئت بالجارة إجلال تهتف لها بهمس ب:
-تعالوا هنا بسرعة
سألتها تهاني بتوجس وهي توزع أنظارها على باب المنزل وجارتها:
-هو في ايه بالظبط ؟
أشارت لها بكف يدها وهي ترمقها بنظرات منزعجة هامسة بتوتر:
-خشوا جوا بس الأول وأنا هاقولكم !
إلتفتت تهاني برأسها للخلف، وهتفت بإرتباك:
-تقى.. تعالي يا بنتي !
ثم أمعنت النظر في وجه تلك الشاحبة المذعورة، وسألتها بتوجس بائن في نبرتها:
-الله ! مالك في ايه ؟

إتسعت مقلتي تقى أكثر بخوف، وردت عليها بصوت خافت ومتقطع وهي تلهث قائلة بكلمات مبهمة:
-ه.. هو.. هو.. آآ.. هنا
نظرت لها الجارة إجلال بإندهاش وهي عاقدة ما بين حاجبيها، وتسائلت بحيرة:
-مالها ؟
هزت تهاني كتفيها في عدم معرفة، وهتفت قائلة بقلق:
-مش عارفة والله، دي كانت كويسة من شوية !
ثم نزلت بضعة درجات على الدرج لتجذب تقى معها، ثم دفعتها إلى الأمام، وتعجبت من مقاومتها لها.. ولكنها لم تتركها، وتعاونت معها إجلال في سحبها نحو منزلها المقابل وهي تهمس بتوتر منزعج:
-طب خشوا أوام !

دلفت ثلاثتهن للداخل، وأسرعت إجلال بغلق باب المنزل، وتنهدت في إرتياح..
في حين أسندت تهاني تقى، واجلستها على الأريكة القريبة، وضمت وجهها إلى صدرها، ومسدت على رأسها، ثم إلتفتت بوجهها نحو جارتها سائلة إياها بإستغراب مريب:
-ايه اللي بيحصل بالظبط ؟
لوت إجلال فمها في إنكار، وأجابتها بصوت خافت ب:
-بعيد عنك ده واحد الله أكبر عليه قادر ومفتري، والست فردوس معاه جوا
هتفت تهاني قائلة بصدمة:
-أختي..!
-أيوه..

أرخت تهاني ذراعيها عن تقى، وإتجهت نحو باب المنزل قائلة بنبرة عازمة:
-أنا مش هاسيب فردوس لوحدها، دي آآ..
قاطعتها إجلال بصوت جاد ومحذر وهي تشير بكفي يدها أمامها:
-لألألأ.. خليكوا عندي أحسن، بدل ما يشد معاكي ومع الغلبانة اللي مش قايمة على حيلها دي
حانت منها إلتفاتة للخلف وهي تنظر بآسف لها، وأضافت بنبرة إشفاق:
-أه.. حبيبتي يا تقى، بتخاف من أي حاجة !
مطت إجلال ثغرها للجانب وهي تقول بحزن:
-ربنا يلطف بيها وبينا !
أشارت تهاني بإصبعها قائلة بإصرار:
-بس لازم أعرف مين ده، وجاي ليه
-ماشي بس آآآ..

ثم توقفت إجلال عن إكمال جملتها حينما سمعت كلتاهما صوتاً رجولياً قوياً يصيح بعنف ب:
-وأنا مش ماشي من هنا إلا وهي معايا !
أسرعت تهاني نحو باب المنزل لتنظر من " العين السحرية " الخاصة به لتعرف هوية صاحب الصوت الذي كان يقف في..
فإتسعت عينيها بصدمة مرعبة وهي ترى ملامح وجهه المميزة..
نعم فقسمات وجهه ذكرتها بزوجها الأسبق مهاب..

نفس لون البشرة والعينين العميقتين و الحادتين.. والتفاصيل الدقيقة في رسم تعبيراته.. وكذلك طريقته في الحديث وإلتواء فمه وهو ينطق بغضب..
خفق قلبها لوهلة ظناً منها أنه هو مهاب الجندي في شبابه وقوته.... وإرتعدت فرائصها وهي تتذكر شدته معها، وسطوته التي لا حدود لها، وإنتقامه الوحشي منها لرغبتها في إستعادة ابنها..
زاد جحوظ عينيها وهي تهتف قائلة بصدمة:
-آآ.. أوس.. مش ممكن...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والأربعون

في منزل الجارة أم بطة
اختلطت عبرات عبد الحق بنحيبه الشديد حينما أبلغته والدة زوجته عن الإجهاض الزائف لجنينها..
واختنق صوته وهو يهتف قائلاً بصدمة:
-ملحقتش أفرح بيه !
-نصيبك يا بني، ربنا يخلف عليكم بالأحسن
إدعت بطة بكائها الحار وهي تغطي بكف يدها فمها قائلة بصوت متشنج:
-أمك هي السبب، هي اللي عملت فيا كده، ياما قولتلك هي بتكرهني، وأهي قتلت ابننا قبل ما يشوف النور.

تأوه عبد الحق بصوت يحمل الحزن العميق قائلاً:
-آآآآه.. ده أنا كنت مستنيه.. آآآه
هتفت أم بطة بصوت جاد وهي ترمق إبنتها بنظرات محذرة:
-خلاص يا بطة، ربنا مش رايد !
هزت رأسها معترضة وهي تجيبها بإحتجاج:
-لأ يامه، أنا استحملت كتير عشان حتت العيل ده، وفي الأخر يروح كده على ايد أمه، وكنت هاموت فيها.. إهيء.. اهيء
ثم أجهشت ببكاء أشد مصاحباً بالعويل..

أمسك عبد الحق بكف يدها، ونظر لها بتوسل، وأردف قائلاً بنبر راجية:
-خلاص يا بطة، أنا هاعوضك عن اللي حصل !
ردت عليه بنبرة إستنكار وهي ترمقه بنظرات معاتبة:
-وهو في حاجة بعد الضنا بتتعوض ؟!
حدجتها والدتها بنظرات محذرة للغاية وهي تقول بجدية:
-يا بت اسمعي كلام جوزك، إنتي مش شايفة حالته عاملة إزاي ؟

تابع عبد الحق حديثه بصوت مختنق ب:
-وربنا ما هاخليكي تعاني تاني معاها، أنا هاجيبلك أوضة لوحدك ونبعد عن أمي خالص والمشاكل دي كلها !
غمزت لها والدتها قائلة بتريث وهي تشير بإصبعها:
-سامعة، اهوو الراجل شاري خاطرك
هزت كتفيها في عدم تصديق، وهتفت قائلة بصوت مبحوح:
-كلام يامه، وساعة الجد هلاقيه آآ..
قاطعها بنبرة جادة وهو يشير برأسه:
-لأ ده مش كلام، أنا مش عاوز أعيش بين نارين، أنا هاتصرف وهاشوف أي حتة كده تلمنا..!

ثم صمت للحظة ليلتقط أنفاسه قبل أن يقول بإستعطاف:
-بس ارجعي معايا الله يكرمك !
هزت رأسها معترضة، وأجفلت عينيها للأسفل قائلة بحزن:
-لألأ.. إنت سبتني معاها وعملت فيا كده !
هتف قائلاً بنبرة مهتمة وهو يرمقها بنظرات صادقة في وعده:
-هو بس كام يوم، وهاتشوفي!

مطت والدتها شفتيها في ضيق، فإبنتها تلعب بالنيران، وتجازف بكل شيء من أجل الإستمرار في خطتها الماكرة.. وخشيت ألا تصغي لها، وتتبع فقط صوت عِنادها.. فلوحت بيدها قائلة بإمتعاض وهي تحدق بها بجدية:
-استهدي بالله يا بنتي، وإن شاء الله خير !
قرأت بطة في نظرات والدتها تحذيراتها الجمة، وأجفلت عينيها لتبدو كالمستسلمة لأمرها، وردت بخفوت حزين:
-أما أشوف !

تنهدت أم بطة في إرتياح، ثم وضعت يدها على كتف عبد الحق، وقالت بجدية:
-وبص يا بني هي هاتعد عندي أد يومين لحد ما تروق،برضك المصيبة مش سهلة !
هز رأسه موافقاً وهو يمسح عبراتها مجيباً إياها بصوت خشن:
-وماله يا حماتي، تاخد راحتها، وأنا معاها كل يوم
ابتسمت له بخفة وهي تضيف قائلة:
-ده بيتك يا بني !

في نفس التوقيت بالحارة الشعبية
وصل حارس الأمن السابق أحمد إلى مدخل الحارة ليزور تقى ويطمئن عليها.. فتفاجيء بتلك السيارات التي تسد الطريق بصورة ملفتة للأنظار..
فسار بخطوات حذرة وهو يحاول أن يتوارى عن الأنظار محاولاً فهم ما يدور..
إختبأ خلف أحد الأكشاك الصغيرة، وإشرأب برأسه ليرى عن كثب تفاصيل أصحاب تلك السيارات..
إتسعت عينيه في ذهول ممزوج بالصدمة حينما رأى تلك السيارة التي يعرفها عن ظهر قلب..

وفغر فمه مشدوهاً حينما رأى بعض من رجال حراسته الخاصة الذين يعرفهم معرفة سطحية..
عبس بوجهه سريعاً بعد أن أفاق من صدمته، وكور قبضته في ضيق، وبرزت عروقه الغاضبة وهو يصر على أسنانه قائلاً بحنق:
-مش بتحرم أبداً، طب أعمل ايه معاك عشان أخلص منك
ثم طرأ بباله فكرة ما، فإلتوى فمه بإبتسامة شيطانية وهو يحدث نفسه بتوعد:
-دلوقتي هاتشوف أنا هاعمل فيك ايه، مافيش إلا كده !
ثم إستدار عائداً من حيث أتى، ولكن بخطوات راكضة لينفذ ما عقد العزم عليه فوراً..

بداخل البناية
خشيت فردوس أن تخبر أوس بمكان ابنتها، فينتقم منها ومن عائلتها بعد ما اقترفوه في حقه بالمشفى، ويرد لهم الصاع صاعين وأضعاف مضاعفة.. وظنت أنه إدعى الزواج من ابنتها لينفرد بها، وينفذ إنتقامه المرعب.. لذا لم يكن أمامها سوى الإحتماء بجيرانها..

ففتحت باب منزلها على مصرعيه، ووقفت خارج منزلها، وأطلقت صرخة هائلة لتلفت إنتباه الجيران:
-حرام عليك يا باشا، هاتبهدلنا أكتر من كده كمان !
برزت أسنان أوس بغضب وهو يحدجها بنظراته المميتة قائلاً بشراسة:
-مش انتي اللي هاتمنعيني عنها !
ابتلع المحامي منعم ريقه، وأردف قائلاً برجاء:
-اهدى يا باشا
رمقه أوس بنظراته الغاضبة وهو ينهره بصراخ:
-اسكت، ماتدخلش !

شعر منعم بحرج شديد، ومط فمه بخجل قائلاً وهو مطرق الرأس:
-مم.. حاضر
هتفت فردوس من على عتبة منزلها بصوت هادر:
-قولتلك هي مش هنا، اعتبرها طفشت، ولا غارت في داهية
رمقها أوس بنظرات مهينة قائلاً بقسوة:
-فكرك هاصدق تخاريفك دي !
ثم اقترب منها ليسلط أنظاره المحتدة عليها قائلاً بقسوة أشد:
-وأنا مش هامشي من هنا إلا وهي معايا ! دي مراتي، سامعة مراتي !

بداخل منزل الجارة إجلال
صدح صوت أوس الغاضب قائلاً بعنف من الخارج:
-تقى دي مراتي، سامعة مراتي، وبالقوة والقانون هاخدها !
حدقت تهاني في العين السحرية بنظرات مصدومة فقد كان الشبه كبيرا لدرجة غير معقولة.. هو يشبه زوجها الأسبق في تفاصيله، ملامحه القاسية، طريقة حديثه، إلتواءة فمه.. تشنجاته..
هتفت قائلة بعدم تصديق وهي مسندة لكفيها على ضلفة الباب:
-ده.. ده آآ.. أوس !

على الجانب الأخر إزدادت إرتعاشة جسد تقى الهزيل بعد أن صدق حدسها.. وحدقت في الباب بنظرات هلعة..
نعم فمغتصبها متواجد بالخارج، ويفصل بينهما عدة أمتار..
تسارعت دقات قلبها، وتلاحقت أنفاسها بصورة مخيفة.. وبدت كمن يختنق.. وتحول لون بشرتها للشحوب المقلق..
هزت رأسها رافضة تصديق تلك الحقيقة المفزعة..
ووضعت يديها على أذنيها لتصمهما، وإغمضت عينيها بقسوة معتصرة إياهما وهي تهتف بتشنج:
-هو.. هو.. لأ!

نظرت الجارة إجلال إلى تقى بخوف شديد، وأسرعت ناحيتها، ووضعت يديها على قبضتيها المرتجفتين، وهمست بتوجس:
-في ايه يا بنتي ؟ مالك بس ؟
أصرت تقى على صم أذنيها، وتشنجت بجسدها أكثر وهي تصرخ بفزع:
-هو..لألألأ.. لألألأ.. ابعدوه عني، ابعدوه !
حدقت إجلال في تهاني التي كانت لا تزال متسمرة أمام باب المنزل، وهتفت قائلة بقلق:
-تهاني، شوفي تقى !

لم تجبها تهاني بل ظلت فاغرة شفتيها في ذهول محاولة إستيعاب تلك الصدمة الجلية..
فقلبها يخبرها بأنه ابنها الوحيد، ومشاعرها كأم تطغى عليها..
حدثت نفسها بلا وعي قائلة:
-ابني.. هو.. أيوه هو !
إرتجف جسد تقى بصورة عصبية، وسقطت من على الأريكة لترتطم بالأرضية بقوة، فشهقت إجلال في فزع ب:
-تقى !
ثم جثت على ركبتيها، وحاولت رفعها عن الأرضية وضمها إلى صدرها، و إلتفت برأسها نحو تهاني قائلة بخوف واضح في نبرتها:
-يا تهاني إلحقي !

تكورت تقى على نفسها، وتشنجت بهياج، وضمت ساقيها إلى صدرها، وإنتفضت في الأرض بقوة وهي تتابع بصريخ:
-ابعدوه عني، لألألأ.. ماتلمسنيش، لألألألأ !
عجزت الجارة إجلال عن السيطرة عليها، فنهضت بتثاقل من على الأرضية، وهرولت نحو تهاني لاكزة إياها في كتفها بقوة وهي تصر على أسنانها بحدة:
-انتي مش سمعاني يا تهاني، شوفي بنت أختك واللي بيجرالها !
تلاحقت أنفاس تهاني، ولمعت عينيها ببريق غريب، وإرتفع صدرها وهبط وهي تهتف بصوت متقطع:
-هو.. ابني.. ده ابني، قلبي بيقولي إنه أوس
مجرد ذكر إسمه أمام تقى جعلها تنكمش أكثر وبذعر في نفسها..

وزعت إجلال نظراتها بين الإثنتين في ذهول ممزوج بالحيرة.. فكلتاهما على ما يبدو مصدومتين – كل حسب طريقته ما بين الرعب والفرح – من نفس الشخص..
مدت تهاني يدها لتتلمس مقبض الباب لتفتحه، فوضعت إجلال يدها على قبضتها، ومنعتها من فتحه متسائلة بإندهاش:
-إنتي هاتعملي إيه ؟
ردت عليها تهاني بلهفة أم حقيقية في تعبيراتها ونظراتها:
-هاشوف ابني !
فغرت إجلال ثغرها بصدمة قائلة:
-إيييييه !

بخارج المنزل
صرخت فردوس بتوسل وهي تلوح بذراعيها:
-ماتسيبنا في حالنا يا باشا
رمقها بنظراته الحادة قائلاً بإصرار عنيد:
-وأنا مش عاوز إلا تقى وبس
هتفت فيه بصوت منفعل:
-وهاجيبهالك منين، ما إنت فتشت البيت كله، مالقتهاش جوا !
تجمع بعض السكان على الدرج، وتسائل أحدهم بإستفهام:
-في ايه يا جماعة ؟ بتزعقوا ليه ؟!

تدخل المحامي منعم قائلاً بجدية وقد توجه نحو الدرج ومشيراً بيده:
-بعد اذنكم يا حضرات، دي مسائل عائلية
أضافت سيدة ما قائلة بإمتعاض وهي تشير بإصبعها:
-بس صوتكم جايب التايهين، وست فردوس مالهاش حس في العمارة
رد المحامي ببرود:
-والله دي حاجة تخصهم، اتفضلوا
زمت سيدة أخرى فمها بتأفف قائلة:
-عجايب !
وتابعت أخرى بتهكم وهي ترمق الجميع بسخط:
-يالا بينا، دي عيلة مفضوحة من أولها لأخرها

بداخل منزل الجارة إجلال
جاهدت تقى لتلتقط أنفاسها اللاهثة بعد أن وجدت صعوبة في التنفس بصورة طبيعية..
ورغم هذا صاحت برفض جلي:
-أنا بأكرهه، بأكرهه !
قبضت إجلال على كف يد تهاني، واتسعت مقلتيها بذعر وهي تهتف بخوف:
-انتي مش شايفة تقى بنت أختك، فوقي يا تهاني
نطقت تهاني بصوت متلعثم وعينيها تبكيان عفوياً:
-آآ.. ابني
توسلت لها إجلال بإستعطاف قائلة:
-بلاش تفتحي الباب !
بكت تهاني ونشجت أكثر وهي تضيف ب:
-انتي مش فاهمة حاجة، ده هو !

وضعت إجلال يدها الأخرى على كتف تهاني، وضغطت عليه بأصابعها وهي تتوسلها برجاء:
-البت هاتروح مننا !
ردت عليها بعاطفة جياشة وعبراتها تغرق وجنتيها:
-وهو هايروح مني !
صرخت تقى بصوت مبحوح وضعيف بعد أن خارت قواها:
-لألألأ.. ابعدوه !

في الخارج
انتبه أوس لتلك الهمهمات الأنثوية الغير واضحة رغم حديث محاميه مع الجيران، وأدار رأسه في إتجاه مصدرها..
وقفت فردوس خلفه تتابع حديثها المنفعل:
-يا بيه انت خدت كل حاجة مننا، كفاية بقى حرام عليك، احنا ماكوناش طالبين غير الستر
لف ذراعه للخلف ليشير لها وهو محدق أمامه قائلاً بصرامة مريبة:
-ششششش.. مش عاوز أسمع نفس !
تعجبت هي من فعلته الحالية، وعقدت ما بين حاجبيها بتوجس..
تحرك أوس في إتجاه باب منزل الجارة إجلال، وسلط أنظاره القوية عليه، وكذلك جميع حواسه.. فصوتها إخترق آذانه، وأصابه برجفة غريبة.. وجعلت قلبه يخفق بريبة لوهلة..

بداخل منزل الجارة إجلال
ابتلعت تهاني ريقها بصعوبة وهي ترى هذا الغريب القريب يتحرك صوب الباب، وملامحه تزداد وضوحاً ليؤكد إحساسها نحوه..
قبضت على المقبض أكثر، وبدأت في إدارته، فنظرت لها إجلال بذعر وهمست قائلة بتوسل شديد:
-لا يا تهاني، ماتفتحيش الباب !
-مش قادرة، سبيني
-وتقى، بصي عليها طيب.. شوفي حالها الوقتي !
حانت من تهاني إلتفاتة نحو تقى الراقدة على الأرضية في وضعية متشنجة، فتابعت إجلال بهمس:
-ماتسيبهاش تضيع ! هي ماتستهلش ده !

خرجت تنهيدة حارقة من صدرها وهي تقول بنشيج:
-آآآه، أنا اللي بأضيع، أنأ، آآآآه
أضافت إجلال قائلة بأعين دامعة، وبصوت مستعطف:
-عشان خاطرها، لو هي غالية عندك فعلا اوعي تخليه يقرب منها، ولا تعرفيه إنها هنا، إنتي لو فتحتي الباب ده يبقى بتحكمي عليها بالموت، وتقى لو راحت مش هاترجع تاني، سامعة مش هاترجع !
أصدرت تهاني أنيناً مؤلماً وهي ترخي قبضتها عن المقبض قائلة بنحيب:
-آآآآه.. يا حرقة قلبي على كل الغاليين عندي، آآآآه !

في الخارج
رن هاتف المحامي منعم، فأخرجه من جيب سترته، وضغط على زر الإيجاب، وقال بجدية خافتة:
-أيوه، مين معايا
ثم صمت للحظة ليستمع إلى ما يقوله الطرف الأخر، ومن ثم هتف قائلاً بدهشة:
-إيييه، طب إحنا نازلين على طول !
ثم أغلق الهاتف، وإتجه نحو أوس الجندي، وتنحنح بصوت واضح قائلاً بتوتر:
-أوس باشا، احم.. آآ.. باشا
استدار أوس برأسه في إتجاهه، ورمقه بنظراته الشرسة وهو عابس الوجه قائلاً بصرامة:
-عاوز ايه
تنحنح مجدداً، ثم اقترب منه وهمس قائلاً بتوجس:
-آآ.. الحراسة اتصلوا، وقالوا ان البوليس واقف تحت، وطالبينك !

اشتعلت عينيه بشدة وهو يلوي فمه قائلاً بإستغراب:
-نعم !
-أنا أسف يا باشا، بس احنا مضطرين ننزل تحت نشوف عاوزين ايه
صر أوس على أسنانه بغضب بائن، وضرب الدرابزون بقبضته بعنف، ثم إلتفت نحو فردوس وهتف قائلاً بصوت مخيف:
-راجعلك تاني !
ومن ثم نزل على الدرج بخطوات عصبية، ولحق به المحامي وهو يتمتم بإرتباك..

بداخل منزل الجارة إجلال
رفعت تهاني عينيها نحو العين السحرية لتختطف نظرة أخيرة من ابنها الذي كان يفصلها عنه ذلك الباب الخشبي، فوجدته قد اختفى تماماً، فخفق قلبها مفزوعاً، وشهقت بحزن، وأطلقت لنفسها العنان لتبكي بحسرة، ثم تركت جسدها يتهاوى لتجلس على الأرضية وهي تضرب بكفيها فخذيها هاتفة بندم:
-سيبتك تضيع مني تاني يا ابني، وماعملتش حاجة، آآآه.. روحت من بين ايديا، وأنا مقدرتش أخدك في حضني.. آآآه، يا بني آآآه !!!!!

تنهدت إجلال بحزن وهي تقول:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، محدش يصدق اللي بيحصل ده كله !
ثم توجهت نحو تقى، وجثت على ركبتيها، ومسدت على جسدها الساكن قائلة بأسف:
-لطفك يا رب، البت هتلاحق على إيه ولا إيه ؟!!

أسفل البناية
خرج أوس من الداخل ووجهه مكفهر للغاية، والشرر يتطاير من حدقتيه الحمراوتين..
فوجد سيارة للشرطة، وبعض الضباط والعساكر متجمهرين أمام المدخل، فحدجهم بنظراته الحادة متسائلاً بشراسة:
-في ايه هنا ؟
رمقه الضابط بنظرات مستهزأة وهو يسأله بجمود
-حضرتك أوس الجندي
أجابه أوس بصوت قاتم، ووجهه قد تحول لكتلة غاضبة ب:
-أيوه أنا !
أشار له الضابط بيده وهو يضيف قائلاً بنبرة رسمية:
-طب اتفضل معانا
تقوس فمه وهو يسأله بإندهاش غريب:
-نعم !

رد عليه الضابط بجمود وهو يشير بإصبعه:
-زي ما سمعت
تدخل المحامي منعم على الفور في الحديث قائلاً بصوت جاد:
-إنت عارف إنت بتكلم مين
سأله الضابط ببرود مستفز وهو يرمق أوس بنظرات شبه مهينة:
-هايكون مين يعني ؟
هتف المحامي منعم قائلاً بجدية، وبنظرات شبه منزعجة:
-ده أوس مهاب الجندي، رجل الأعمال المعروف، و من أثرى أثرياء القاهرة !
لوى الضابط فمه بتهكم وهو يحييه قائلاً:
-وماله تشرفنا يا.. يا أوس بيه !
سأله منعم بإستفهام وهو محدق فيه:
-خير يا سعادت الظابط ؟

أجابه الضابط بهدوء وهو يتفرس في ملامح أوس المتشنجة:
-في بلاغ متقدم في سيادته بمحاولة خطف أنثى !!
صاح أوس بصوت هادر عقب الجملة الأخيرة متسائلاً بجموح:
-نعم ! خطف مين ؟ ومين أصلاً اللي اتجرأ وقدم البلاغ ؟!
ظهر الحارس السابق أحمد من خلف الضابط، وهتف قائلاً وهو معتد بنفسه، ونظراته الإحتقارية مسلطة على أوس:
-أنا يا باشا، فاكرني ؟!
تحولت مقلتيه لجمرتين متقدتين من النيران وهو يجز على أسنانه قائلاً بحنق:
-إنت...!!!!!!

هدر به أحمد قائلاً بغضب وهو يلوح بذراعه في وجهه متحدياً إياه:
-ايوه، بقى جاي تخطف خطيبتي، وعاوزني أسكت !!
تدخل المحامي قائلاً بإندفاع:
-مين دي اللي خطيبتك ؟! انت غلطان يا حضرت !
لم يبعد أوس نظراته القاتلة عن أوس، وهمس قائلاً بصوت متوعد:
-هتحاسب !
رد الضابط قائلاً بنبرة رسمية وهو يشير بإصبعه:
-تقى عوض الله خطيبة الأستاذ
أضاف المحامي بصوت محتج وهو يرمق الأخير بنظرات إستهجان:
-بس دي تبقى مرات الباشا، يبقى إزاي هايخطف مراته ؟!

فغر أحمد فمه مشدوهاً، ونطق بنزق:
-اييييه، م.. مراته !
سأله الضابط بجدية وهو يوزع أنظاره بين الجميع:
-في ما يثبت اللي بتقوله ؟
أومأ المحامي رأسه، وهتف قائلاً بثقة وهو يخرج وقة مطوية من جيب سترته:
-أيوه، القسيمة معايا وموثقة كمان.. اتفضل !
أمسك الضابط بالورقة، وفردها، ثم تطلع إلى ما دون وفيها، ومط فمه قائلاً بهدوء:
-مممم.. ده حقيقي فعلاً !
إزدادت نظرات أوس قتامة، وكذلك تعبيرات وجهه، وحدج أحمد بوعيد، وحدث نفسه قائلاً بقسوة مخيفة:
-هاتشوف !

أردف المحامي قائلاً بهدوء حذر بعد أن استرد ورقة وثيقة الزواج:
-ها يا حضرت الظابط اتأكدت ؟!
ثم تابع قائلاً بصوت جاد بعد أن إلتفت برأسه ناحية أوس الجندي وهو يشير بكفه:
-مش معقول يعني اننا نمنع الباشا يزور مراته عند أهلها !!
هز الضابط رأسه بإيماءة خفيفة هامساً:
-أها
ثم أكمل المحامي قائلاً بضيق واضح في نبرته:
-بيتهيألي دي غلطة كبيرة، وماينفعش تتعدى بالساهل !
حرك الضابط أنفه، وتشدق ب:
-تمام، بس معلش احنا مضطرين نكمل المحضر ونقفله في القسم !
إحتج المحامي منعم بصوت ممتعض:
-بس الباشا أوس آآآ..

قاطعه الضابط بجدية وهو يشير بيده:
-لازم الباشا يجي بنفسه معانا القسم لأن البلاغ متقدم ضده
أردف أوس قائلاً بصوت مخيف ونظراته محدقة بمن تجرأ عليه وتحداه في أغلى ما يخصه:
-وماله، أنا جاي، بس اللي غلط مع أوس الجندي هايتحاسب !
ثم اتجه أوس نحو سيارته الفارهة بشموخ مريب، ولم يحدْ بنظراته المتوعدة عن أحمد الذي ظل متسمراً لبرهة في مكانه عاجزاً عن النطق بعد أن ألجمت المفاجأة لسانه..
فلم يخطر بباله قط أن تكون تقى قد أصبحت زوجة له..
ها قد ضاعت منه للأبد.. وتعذر عليه إستعادتها من أحضانه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والأربعون

في منزل تقى عوض الله
أغلقت فردوس باب المنزل وهي في حيرة من أمرها.. وسارت بخطوات متهادية في الصالة المتواضعة لتلقي بجسدها المرهق على أقرب أريكة..
وضعت يديها على رأسها، ولطمت بحسرة عليهما قائلة:
-يا خوفي يكون كلامه بحق وحقيق، ساعتها أنا مش عارفة هاعمل ايه، ولا اتصرف إزاي ؟ ده قادر وايده طايلة، واحنا لا حول لينا ولا قوة.. آآه.. ليه كده بس يا تقى، ليه توقعينا معاه، لييييه !

أنزلت يديها ووضعتهما في حجرها، وهزت جسدها بحركة خفيفة ثابتة وهي تتابع قائلة بتوجس:
-المرادي جت من عند ربنا ومشى، طب.. طب لو جه تاني مين هايحوشه عننا ! يا مصيبتك يا فردوس، مش ملاحقة على المصايب !!

في منزل الجارة إجلال
أحضرت إجلال كوباً مليئاً بالمياه، وجثت مجدداً على ركبتيها بجوار تقى، ثم أسندته على الأرضية، ومدت ذراعيها لترفعها إلى صدرها، ثم تناولت الكوب مجدداً، وهي تقول بهدوء:
-خدي اشربي يا بنتي !
ثم قربت الكوب من شفتيها المشققتين، وأجبرتها على إرتشاف بعض رشفات صغيرة، وتابعت قائلة بأسف:
-كبدي عليكي، شايفة الغلب من يومك !

ثم تنهدت في إنهاك، ونظرت في إتجاه تهاني الباكية، وزمت ثغرها بحزن.. ومن ثم عاودت النظر إلى تقى، وأردفت قائلة بنبرة حانية:
-ايدك معايا يا تقى تقومي تقعدي على الكنبة بدل أعدة الأرضي دي يا حبيبتي !
كانت تقى مستسلمة تماماً لما يحدث معها، لا تشعر بجسدها الضعيف، ولا بساقيها الهلاميتان.. ولكنها تجاوبت مع إجلال، ونهضت بحذر عن الأرضية، وجلست منكمشة على نفسها..

اتجهت إجلال نحو تهاني، ومدت يدها نحوها وهي تقول بصوت خافت:
-قومي يا تهاني، شوفي بنت اختك
رفعت تهاني عينيها المغرورقتين بالدموع قائلة بحسرة:
-راح مني خلاص
ربتت إجلال على كتفها وهي تواسيها قائلة:
-استهدي بالله كده، واجمدي عشان خاطرها..!
إنتحبت وهي تجيبها بحزن عميق:
-معدتش فيا حيل لحاجة !

زمت إجلال شفتيها في إشفاق، وهتفت قائلة بهدوء حذر:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ماتقوليش كده، ربنا هايكرم، بس اصبري !
تنهدت بآسى وهي تهز رأسها مستنكرة:
-أنا تعبت، مافيش فايدة !
هتفت إجلال بجدية وهي ترمقها بنظرات ثابتة:
-لا إله إلا الله، قومي يا تهاني، وخدي تقى على شقتكم، هي زي ما انتي شايفة، مش قادرة تصلب طولها، وإنتي شرحها.. ارتاحوا، وانسوا، وربك بيدبرها !

ذرفت عبراتها عفوياً وهي ترد عليها بإستنكار:
-أنسى ! هو في حد بينسى ضناه..
ثم لطمت على صدرها، وهي تصرخ بمرارة:
-آآآه، يا حرقة قلبي
ظلت تهاني تغمغم بندم وحسرة على عدم رؤيتها لإبنها، وساعدتها إجلال في إيقافها على ساقيها..
ثم هتفت قائلة بحماس مفاجيء بعد أن طرأ في عقلها شيء ما:
-تهاني، مش انتي بتقولي إن الجدع ده ابنك ؟

ردت عليها تهاني بتلهف وهي توميء برأسها عدة مرات:
-اها.. هو.. أيوه
أضافت إجلال قائلة بنبرة رزينة وهي تشير بيدها:
-طب ما هو كان بيتخانق مع اختك، يعني هي أكيد عارفاه
فغرت تهاني فمها في ذهول ب:
-هاه، فردوس !
لقد أضاءت إجلال بحديثها المفاجيء هذا تفكير تهاني، وأهدتها لأول طرف الخيط لتمسك به..
وسريعاً أعادت ترتيب ما حدث في رأسها..

فأختها كانت تتشاجر معه بشأن أمر ما خطير يصل إلى حد المشادة الكلامية الحادة والتهديدات المخيفة، إذن فهي على صلة ما قوية به وتعرفه معرفة سابقة جعلته يأتي إلى هنا بنفسه مهدداً إياها، ومتوعداً لها..
إذن فهناك إحتمال قوي بأن أختها تعرف مكان إقامته.. وبالتالي سيسهل هذا عليها مسألة العثور عليه..
قاطع تفكيرها صوت إجلال وهي تتابع بإهتمام:
-اسأليها وهي آآآ....
لم تصغْ تهاني إلى بقية الجملة حيث دب فيها حماس رهيب، واندفعت نحو الخارج بعد أن فتحت باب منزل جارتها..

في منزل تقى عوض الله
دقت تهاني على باب منزل أختها بقوة وهي تهتف بصوت مرتفع:
-افتحي يا فردوس، افتحي أنا تهاني !!!!
إتجهت أختها نحو الباب، وفتحته على عجالة وهي تجيبها بتوجس رهيب:
-انتوا جيتوا، شوفتوا اللي آآآ..
قاطعتها تهاني متسائلة بتلهف ب:
-مين اللي كان عندك ؟

عبس وجهها إلى حد كبير، ثم أولتها ظهرها وهي تجيبها بضيق:
-انتي عرفتي ؟ أكيد أهل الحارة قالولك، عندهم حق ما هو آآ..
قاطعتها تهاني مرة أخرى متسائلة بعصبية:
-قولي يا فردوس مين ده ؟
إستدارت أختها لتواجهها وهي تشير بيدها قائلة بحنق:
-ده واحد جبار ومفتري، مايقدرش عليه إلا اللي خلقه
صرخت فيها تهاني بصوت محتد وبنظرات متسعة ب:
-اسمه ايه يا فردوس ؟
ردت عليها فردوس بإستغراب ب:
-اسمه أوس
جحظت عينيها أكثر وهتفت قائلة بذهول:
-ايييه ! أوس.. !!

ثم حدثت نفسها بخفوت لتتابع قائلة بعدم تصديق:
-يبقى هو.. هو !
ضيقت فردوس عينيها في إستغراب، وسألتها بقلق وهي تميل برأسها للجانب:
-أومال البت تقى فين ؟ مش كانت معاكي ؟!!
غمغمت تهاني مع نفسها ب:
-يعني هو اسمه أوس
تجهم وجه فردوس، وأستشاطت غضباً وهي تهتف بتذمر:
-أنا بأقول ايه وانتي بتتكلمي في ايه، فين البت تقى ؟

في نفس اللحظة دلفت الجارة إجلال وهي تحاوط تقى بذراعها مسندة إياها حتى لا تسقط، وردت عليها بصوت خافت وهاديء:
-تقى معايا يا ست فردوس !
أسرعت فردوس ناحيتها وهي تهتف بإندهاش واضح على تعبيرات وجهها:
-حاجة إجلال
أضافت إجلال قائلة بهدوء مريح وهي تساعدها على الجلوس:
-خشي يا بنتي !
وقفت والدتها قبالتها، وصرخت فيها بجدية:
-تقى !

نظرت لها بأعين مذعورة ولم تجبها، بل بدأت في نحيبها وأنينها المكتوم، فتابعت والدتها متسائلة بصوت متشنج:
-إنتي متجوزة اللي اسمه أوس ؟
إستدارت تهاني برأسها فجأة في إتجاه الإثنتين لترتسم علامات الصدمة على محياها وهي تنطق بنزق:
-ايييه، متجوزاه !!!!
صرخت فيها فردوس وهي تهزها من كتفيها بعنف بعد أن أجبرتها على النهوض قائلة:
-ردي يا بت، انتي اتجوزتي الجدع ده ولا لأ ؟
إهتاجت تقى وهي تجيبها بصرخات هيسترية مذعورة:
-لأ.. لأ.. لأ.. ابعدوه عني !
نظرت لها الجارة إجلال بإستهجان، وهتفت مستنكرة:
-اهدي يا ست فردوس، بالراحة ماينفعش اللي بتعمليه ده !

تجاهلتها فردوس وتابعت صراخها المعنف ب:
-انطقي، هو جوزك ؟
صاحت تقى بإهتياج قائلة وقد تشنجت عضلاتها وإرتعش جسدها أكثر، وأغمضت عينيها وهزت رأسها بعصبية جلية:
-خدني غصب، خدني غصب ودبحني !
صعقت تهاني مما سمعته للتو من شفتي ابنة اختها قائلة بصدمة وهي تضع يديها على فمها
-اييييييه !!!
لقد كانت مفاجأة صادمة بحق.. فمن تعدى بوحشية على تلك البريئة هو ابنها الوحيد، ومن افترسها بلا رحمة هو من أنجبه رحمها..
ومن نال من شرفها ودمر ما تبقى من روحها، هو من أعطته السبيل للحياة..

لطمت فردوس على وجهها بعنف وهي تصرخ بحسرة:
-يعني ماطلعش بيكدب، يادي النصيبة، يالهوي على اللي هيجرالنا منه !
ثم نظرت إلى إبنتها بقسوة وأكملت بنبرة مرتعدة:
-إنتي عارفة كان جاي ليه ؟ عشان ياخدك معاه، ومش ناوي يسيبك أبدا، سامعة مش هاسيبك ولا هاسيبنا !!

إتسعت حدقتي تقى في رعب واضح عقب عبارة والدتها الأخيرة، فبكلماتها تلك أصابتها في مقتل.. وجعلت قلبها بخفق عن ذي قبل بذعر رهيب..
هو ينوي أن يأخذها قسراً ليجعلها تعاني مرة أخرى وتعايش تلك التجربة من جديد..
وفجأة أخرجت هي صرخة مخيفة من صدرها لتهوى بعدها على الأرضية فاقدة للوعي ومنهارة من كم الضغط العصبي والنفسي الذي واجهته وستواجهه..

في منزل ممدوح الجديد
فتح ممدوح باب منزله بعد أن سمع قرع الجرس، ورسم على ثغره إبتسامة رضا، ونظر إلى تلك الواقفة أمامه بنظرات متفحصة لجسدها، ثم هتف قائلاً بمكر:
-في ميعادك مظبوط، وأنا أحب أوي الدقيق في مواعيده !
مضغت رحمة العلكة بطريقة مثيرة وهي تتغنج بجسدها أمامه قائلة بصوت مغري:
-طبعاً، ده الباشا يؤمر، وأنا أنفذ !
إزدادت إبتسامته المغترة إتساعاً وهو يمسك بيدها ساحباً إياها برفق للداخل قائلاً بهدوء:
-تعالي يا حلوة.

سارت بخيلاء وبمياعة وهي تلج للداخل، وجابت ببصرها المكان متأملة فخامته بإنبهار واضح على تعابير وجهها الملطخ بمساحيق التجميل..
لف ممدوح ذراعه حول خصرها المشدود، ورفع كفها إلى فمه مقبلاً إياه، فإبتسمت له برقة، ثم مال على أذنها وهمس لها قائلاً بلؤم:
-مش يالا بقى بدل ما نضيع وقت !
هزت رأسها بخفة، وردت عليه بجدية:
-أها.. بس أخد على المكان الأول
مط فمه قائلاً بخبث:
-أكيد.. تعالي أوريكي أوضة النوم
سألته بدلال وهي تهز جسدها لتثيره قائلة:
-على طول كده ؟
غمز له قائلاً بثقة:
-ماهي دي البداية !

مطت شفتيها بطريقة مغرية لتجيبه بإستسلام:
-ممم.. وماله يا بيه
تنهد بحرارة وهو يجوب بعينيها شفتيها المثيرين:
-آآآآخ !
اصطحبها ممدوح للداخل، ولم يرفع عينيه عن جسدها الممشوق والبارز من أسفل فستانها الأحمر الضيق الذي يصل إلى ما قبل ركبتيها، وفتحه صدره التي تلهب مشاعره برؤية مفاتنها تبرز منه...

في منزل تقى عوض الله
تعاونت فردوس مع إجلال في حمل تقى ووضعها على فراشها بعد أن إنهارت على الأرضية..
ثم دثرتها أمها بالملاءة، ونظرت له بحزن وهي تزم فمها بإمتعاض..
نظرت لها إجلال بضيق معاتبة إياها ب:
-ماكنش ليه لزوم تضغطي على البت وهي كده، كنتي استني شوية !

لوت فردوس فمها في ضيق، وقالت على مضض:
-هاعمل ايه بس، ما هو أنا هاتجنن وأعرف الحقيقة، ده جوزها ولا بيقول كده والسلام !
تنهدت في إرهاق، ورمقتها بنظرات عميقة وهي تقول بخفوت:
-مش بالشكل ده، كفاية اللي تهاني عرفته عنه !

ضيقت فردوس عينيها بحدة، وهتفت بنزق
-هي عرفت ايه يعني، ما هو على يدها، من يوم ما آآآ....
قاطعتها إجلال قائلة بجدية شديدة دون أن تطرف عينيها:
-استني بس، مش البيه ده طلع ابنها
فغرت فردوس فمها للأسفل مصدومة وهي تقول:
-مين ؟
أشارت إجلال بعينيها وهي تتابع حديثها الجاد ب:
-الراجل اللي كان عندك من شوية
اتسعت حدقتيها بإندهاش واضح وهي تسألها بتلهف:
-انتي بتقولي ايه، ايه الكلام ده ؟!

ردت عليها إجلال بخفوت:
-ده اللي اختك بتقوله
هزت فردوس رأسها مستنكرة، وتشدق ب:
-مش معقول، دي كدبة جديدة ولا ايه ؟
أضافت إجلال قائلة بنبرة حذرة وهي تشير بكف يدها:
-اسأليها، بس مش دلوقتي، وحاولوا تلموا الدور عشان خاطر الغلبانة دي، والله هاتروح منكم، شوفي لون وشها بقى مخطوف ازاي، ودبلانة، وكل يوم بحال !
لم تنتبه فردوس لما تقوله جارتها، فبالها أصبح مشغولاً بفكرة أن يكون ذلك المتسلط ذي السلطة والجبروت هو ابن أختها الذي تتحدث عنه..

في منزل ممدوح الجديد
أمسك ممدوح بالمنشفة القطنية في يده، ونظر إلى جسد رحمة الممدد على فراشه بنظرات شهوانية.. فقد نجحت في إثارته بجسدها شبه العاري، وبحركاتها المغرية التي تجيد فعلها.. ثم أردف قائلاً بحماس:
-هاخد دش يا حلوة على السريع وراجعلك
لفت جسدها نحوه لتنام على بطنها، ثم حركت ساقيها بحركة خفيفة في الهواء، وأجابته بصوت ناعم للغاية:
-براحتك يا باشا !

ثم صمتت للحظة قبل أن تكمل بخفوت مغري:
-أنا مستنياك هنا على.. على نار !
تقوس فمه بإبتسامة وضيعة، وغمز لها قائلاً بتشوق:
-مش هتأخر !
ثم إتجه نحو المرحاض تاركاً إياها بمفردها في الغرفة..
عبث رحمة بخصلات شعرها، ولفتها حول إصبعها، ثم نهضت عن الفراش، وتأملت الغرفة بنظرات دقيقة..
وتحسست بإعجاب التسريحة الكبيرة، وسلطت أنظارها على خزانة الملابس العريضة..

ثم إبتسمت لنفسها بمكر وهي تقول بثقة:
-بكرة يبقى كل ده عندي
ثم إتجهت ناحية خزانة الملابس لتفتحها، وتملي عينيها بما تحتويه من ملابس كثيرة.. ولتزيد من رغبتها في إمتلاك منزل كهذا يحوي أثاثاً باهظاً..
وقعت عينيها على ذلك الصندوق الموضوع بالأسفل وهي تتفحص محتويات إحدى الضلف..
فإنحنت بجسدها للأسفل، ومدت يديها لتمسك بالصندوق لتخرجه منه، ثم عاودت الجلوس على الفراش، وهمست لنفسها قائلة بفضول:
-أكيد عاين هنا مجوهرات ودهب أد كده !

فتحت رحمة الصندوق وهي تتلهف لرؤية محتوياته التي ظنت أنها قيمة للغاية.. ولكن سريعاً ما تبدلت تعبيرات وجهها للإحباط واليأس حينما رأت ما بداخله..
لوت فمها قائلة بسخط وهي عابسة الوجه:
-إيه ده ! صور وورق قديمة إخص !!
ثم عبثت بالصور وهي تتنهد في ضيق:
-أل وأنا اللي كنت مفكرة إني هالاقي دهب اد كده جوا، حسرة عليا، فقرية من يومي..!!!
ولكن لفت أنظارها صورة ما.. فعقدت ما بين حاجبيها في إستغراب بعد أن ضيقت عينيها، ثم أخرجتها من الصندوق، ودققت النظر بها، وهتفت قائلة بنبرة مدهوشة:
-الله ! مش دي صورة الولية المجنونة تهاني...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والأربعون

في مخفر الشرطة
ألقى أوس الجندي بالقلم على الورقة الخاصة بالمحضر الرسمي بعد أن إنتهى الضابط من أخذ أقواله، وحدج أحمد بنظرات نارية متوعدة قبل أن ينطق بصوت قاتم:
-أقدر أمشي ؟!
تنحنح الضابط بصوت خشن وهو يجيبه بهدوء:
-اه طبعاً يا فندم !

ثم أدار رأسه في إتجاه الحارس أحمد الذي يقف على بعد، وتابع قائلاً بنبرة رسمية:
-وأتمنى حضرتك تكون فهمت الموقف، أي حد كان مكان الأستاذ كان هايتصرف كده، اتهام بخطف أنثى من بيتها، وتحت التهديد، والمفترض إنها خطيبته، فطبعاً تصرفه منطقي، لكن كون إن حضرتك جوزها فده ينفي الواقعة تماماً !

لوى أوس فمه بطريقة متهكمة، ولم يكف عن رمقه بنظراته الساخطة قائلاً بخفوت:
-هه !
ابتلع أحمد ريقه بخوف شديد، وهتف قائلاً بتوتر وفرائصه ترتعد ب:
-يا حضرت الظابط !
انتبه له الضابط، ونظر له بتمعن، فأشار أحمد بيده وهو يتابع قائلاً بهلع:
-أنا عاوز أعمل محضر عدم تعرض ضد الباشا ده
فغر الضابط فمه مصدوماً بعد أن تبدلت تعابير وجهه للإندهاش:
-هاه ! بتقول ايه.

هز أحمد رأسه بتوتر شديد وهو يكمل بخوف:
-ايوه، ده.. ده ممكن آآ....
نهض أوس عن مقعده، فهربت الكلمات من على طرف لسان أحمد فلم يكمل جملته..
ثم حدجه أوس بنظرات مشتعلة وهو يردف قائلاً بصوت متصلب:
-انا وقتي خلص مع اللي زيك !

ثم تحرك في إتجاهه، وحدق فيه بنظرات اكثر قسوة من عينيه الجامدتين، وتابع حديثه بشراسة:
-بس مابنساش حد فكر يجي جمب اللي يخصني !
ثم إنصرف من المكان دون أن ينتظر حتى محاميه الخاص الذي وقف يتبادل الحديث مع الضابط..
بينما لعن أحمد حظه السيء الذي أوقعه مجدداً مع ذلك الشيطان الذي لا يعرف المغفرة أو الصفح......

في منزل تقى عوض الله
لم تتحمل تهاني الوقوف على قدميها بعد تلك الصدمات المتتابعة عليها، فسحبت أقرب مقعد وجلست عليه وهي تشهق بصعوبة..
حاولت هي أن تتغلب على صدمتها، وتستوعب ما حدث..
هزت جسدها بحركة عصبية ثابتة وهي تحدث نفسها بآسى وبعدم تصديق:
-يعني.. يعني أوس هو.. هو اللي عمل كده في تقى ؟!

وضعت يديها على رأسها بعد أن طأطأتها في خزي لتكمل قائلة بحسرة:
-هو اللي دبحها، وخلاها توصل للحالة دي، طب لييييه ؟ لييييه يا بني ؟ ليه ؟ عملت فيك ايه عشان تعمل فيها كده ! آآآآه..!
أخذت تهاني نفساً عميقاً، وحبسته في صدرها لتكتم صوت أنينها الذي يعتصر قلبها، ثم زفرته بحزن وهتفت قائلة بمرارة:
-آآآه، أنا كنت فين عشان تبقى بالصورة دي يا أوس، إنت بقيت زي أبوك، هو اللي رباك وعمل فيك كده يا ضنايا، خلاك نسخة منه في بشاعته ووحشيته، ويوم ما تيجي يبقى بنت خالتك الطيبة، آآآآه.. ضيعت ابني يا مهاب، ضيعته، وضيعت اللي حواليه كلهم، منك لله يا شيخ، منك لله !

ولجت إجلال من الداخل ومعها فردوس، ونظرت بإشفاق إلى تهاني، فهمست لها بحنو ب:
-خدي بالك من أختك، هي برضك مالهاش ذنب في أي حاجة
رمقت فردوس أختها بنظرات منفرة، ثم لوت فمها بإستنكار قائلة:
-ربنا يسهل !
ودعتها إجلال، وأغلقت فردوس الباب خلفها، ثم إستدارت عائدة لتقف قبالة أختها..
عقدت ساعديها أمام صدرها، وصاحت قائلة بغضب:
-شوفتي الكلام اللي بيتقال يا تهاني
رفعت تهاني رأسها المنكسة، ونظرت إلى أختها بأعينها المتورمتين، وهمست قائلة بصوت متحشرج:
-في ايه تاني ؟

صاحت فردوس بصوت شبه منفعل وهي تشير بيدها:
-ان الجدع المفتري ده هو.. هو ابنك !
نهضت تهاني عن المقعد، ولطمت على صدرها بحركات ثابتة، وهي توليها ظهرها، ثم أجابتها بصوت باكي:
-آآآآآه.. يا حرقة قلبي على الغاليين كلهم !
تبعتها فردوس وهي تصيح بها بتشنج:
-بطلي نواح وردي عليا، ده ابنك ولا لأ ؟

وقفت تهاني على عتبة غرفة تقى، ونظرت بإشفاق وحسرة على تقى الراقدة على الفراش، ثم رفعت ذراعها ووضعته على الباب، ومن ثم أسندت رأسها عليه، وهزته في إنكسار وهي تجيبها بمرارة شديدة:
-مش عارفة أرد أقول ايه يا أختي، أقولك ابني بس معرفتش أربيه، وأبوه علمه يكون كده زيه، ولا.. ولا أقولك مش ابني ولا أعرفه !
سألتها فردوس بصوت فج وصادح دون أن يهتز لها جفن:
-يعني أوس الجندي ابنك يا تهاني !

على تلك العبارة الأخيرة،أفاقت تقى من نومتها، وإرتعشت بشدة وهي تستمع لإسمه القاسي يخترق آذانها، فتكورت على نفسها، وإرتجفت أكثر وهي متشبثة بالملاءة..
لقد كانت مفاجأة أخرى صادمة لها..
الوحش الهمجي الذي ذبحها وإغتال برائتها، وقضى على إنسانيتها هو الأقرب لها..
هو من دمائها.. ومن تلذذ بتعذيبها، وتفنن في إخضاعها وكسر روحها..
طيف ذكرياتها المشينة والموجعة معه كان يتجسد من جديد في عقلها ليزيد من رجفتها وخوفها منه..

تابعت فردوس قائلة بنزق دون أن تهتم بما يحدث لإبنتها:
-أهوو ابنك ده السبب في كل المصايب اللي احنا فيها، هو اللي سجني، وخرب البيت، وفي الأخر فضح بنتي وضيعها !!
إلتفتت تهاني برأسها نحوها، وردت عليها بخزي:
-بس.. بس هي متجوزاه !
هدرت بها أختها قائلة بجموح:
-ومين يعرف ده غير احنا، الفضيحة والعار حطوا راسنا في الوحل يا تهاني، بقينا فرجة الناس كلها !

أجهشت تهاني بالبكاء المرير.. وهتفت قائلة بتوسل واستعطاف:
-آآآه.. كفاية يا فردوس، كفاية، إنتي مش حاسة باللي أنا فيه !
كانت تقى على الجانب الأخر تبكي بصوت مكتوم، وتدفن وجهها في وسادتها كي لا يصدر صوت نحيبها..
ووالدتها تتعمد وضع الملح على جروحها التي لم تندمل بعد لتزيد من لهيب عذابها ومعاناتها بحديثها الجامح..
أخرجت تهاني تنهيدات حارقة وآسفة وهي تصرخ بتشنج:
-آآآآآه.. آآآآه.

رمقتها فردوس بنظراتها القاسية وهي تكمل بجمود معنفة إياها بشدة:
-ابنك مهما عمل محدش هايكلمه، ده قادر وواصل، وايده طايلة، لكن احنا.. احنا مكنش عندنا الا الشرف وراح، وإداس علينا !!!
نظرت له تهاني بإستنكار وهتفت مدافعة وهي تشير بيدها ب:
-ابني اتاخد غصب مني زمان، وأنا معرفتش حاجة عنه، والوقتي جاية تحاسبيني على اللي عمله !!
صرخت بها فردوس بشراسة وهي تلوح بكفها:
-أومال أحاسب مين ؟ قوليلي ؟ مين هايجيب حق بنتي ؟!

ردت عليها تهاني بنشيج خافت:
-هو بيقول متجوزها
صاحت فردوس بتعابير وجهها المتشنجة ب:
-ده كدب، كلام قاله عشان آآ..
قاطعتها تهاني قائلة بتبرير:
-لأ مش كلام، ما أنا قولتلك الدكتورة رجاء قالت إن تقى متجوزاه
لوت فردوس فمها قائلة بتهور وهي ترمقها بنظراتها الساخطة:
-تلاقيه ملعوب تاني عملاه معاه
تشنجت تهاني أكثر وهي تهتف بمرارة:
-يا شيخة حرام عليكي، معلوب ايه وزفت ايه، ما أنا طول عمري قدامك أهوو، كنت بأعاني وعقلي مش فيا، واتظلمت، واتبهدلت !

هزت فردوس رأسها في عدم إقتناع وهي تقول بإستنكار:
-أنا معرفش عنك حاجة يا تهاني من يوم ما سافرتي من 30 سنة، ورجعتي بعدها وإنتي عقلك تعبان، ايه اللي يخليني أصدق الكدب اللي بيتقال ده كله ؟!
ردت عليها تهاني بصوت مبحوح وهي تمسح عبراتها ب:
-أنا هاحكيلك عن كل حاجة حصلتلي، وإنتي أحكمي

في منزل ممدوح الجديد
خرج ممدوح من المرحاض وهو يلف نصفه السفلي بالمنشفة القطنية، ثم حدق بنظرات مذعورة في رحمة الممسكة بصور فوتغرافية، ووقعت عينيه على الصندوق القديم، فهتف بصراخ صادم:
-إنتي بتعملي ايه ؟!

إنتفضت رحمة في مكانها، وألقت بالصورة على الفراش، ونظرت بفزع إلى ممدوح، وردت عليه بصوت متقطع:
-آآآ..مافيش، أنا.. أنا كنت بس باتفرج على أوضتك
رمقها بنظراته القاسية وهو يجمع الصور ويضعها بداخل الصندوق قائلاً بنبرة متعصبة:
-ازاي تمسكي حاجة مش بتاعتك !
إرتبكت رحمة، ونظرت إليه بخوف من طريقته المتشنجة، وردت عليه بتوتر بعد أن نهضت عن الفراش:
-أنا مقصدش، بس..بس أصل آآآ....

رفع ممدوح عينيه ليرمقها بنظراته المحتقنة وهو متجهم الوجه، فتابعت هي بتردد:
-أنا.. أنا عارفة الست اللي في الصورة دي !
إنتبهت حواس ممدوح بدرجة كبيرة عقب جملتها الأخيرة..
فالصورة التي كانت ممسكة بها هي لتهاني في شبابها..
لذا إتسعت حدقتيه في صدمة، وسألها برعب:
-بتقولي ايه ؟

ابتلعت ريقها بتوتر، وأجابته بتلهف وهي تتفرس في تعابيره المتقلبة:
-ايوه، دي.. دي ولية مجنونة ساكنة عندنا بقالها زمن !
ألقى ممدوح بالصندوق على الفراش، وأمسك بها من ذراعيها، وهزها بعنف شديد وهو يأمرها بنبرته المتصلبة:
-ساكنة فين انطقي ؟
شعرت بقبضتيه تعتصران ذراعيها، فإلتوت شفتيها من الآلم، و ردت عليه دون أدنى تأخير وهي ترمش بعينيها في خوف:
-عندنا في الحارة
أرخى قبضته عن ذراعها ليقبض على عنقها، ويسألها بشراسة تبرز من بين أسنانه:
-فين حارتكم دي ؟

ردت عليه بصوت مختنق وهي تحاول إلتقاط أنفاسها بصعوبة:
-عند آآ.. ((.......))
حفظ ممدوح العنوان عن ظهر قلب، ثم ترك عنقها، فسعلت رحمة بقوة، وتحسست بأيدٍ مرتجفة مكان أصابعه المطبوعة عليه..
ابتعد هو عنها، وأسند كف يده على جبينه، وغمغم مع نفسه بجدية قائلاً:
-لازم أوصلها بسرعة قبل ما تختفي تاني، ايوه، وهابلغ ناريمان بده !

ثم إستدار برأسه ناحية رحمة، وتنحنح بخشونة، واقترب منها بحذر.. ومن ثم أردف قائلاً بهدوء زائف:
-سوري رحمة.. آآ.. أصل أنا تعبان شوية
نظرت هي له شزراً، وعبست بوجهها بوضوح، ونهرته قائلة:
-يا باشا لو تعبان قولي أمشي، مش تخنقني بالشكل ده !
-معلش يا ريري، امشي الوقتي، وهاكلمك تاني.

رمقته بسخط وهي تنحني بجسدها للأسفل لتلتقط ثيابها الملاقاة على الأرضية قائلة لنفسها بتذمر:
-يعني اليوم اضرب عندي، وطلعت منه بلوشي ( بدون مقابل مادي ) !
تابعها ممدوح بنظرات مترقبة إلى أن جمعت متعلقاتها الخاصة، وتوجهت للمرحاض لتكمل إرتداء ملابسها..
ثم سار في اتجاه خزانة ملابسه العريضة ليضع بها الصندوق القديم في الضلفة المفتوحة، ومن ثم أخرج بدلته ليرتديها على الفور حيث المشوار الهام الذي سيقوم به بعد إنصراف رحمة...

في منزل تقى عوض الله
سردت تهاني لأختها فردوس ما جرى لها قبل عقود، منذ لحظة سفرها في البعثة التعليمية، وإلتحاقها بالعمل، وبعدها زواجها الأول من الطبيب الثري مهاب الجندي، وإكتشافها لوحشيته وقساوته، وتصرفاته الغير سوية، ثم إنجابها لطفلها الأول أوس.. وانفصالها عنه لاحقاً بعد أن طلقها للمرة الثالثة.. وما تبعه من زواجها من رفيقه ممدوح، وإنجابها لرضيعتيها ووفاتهما في حريق هائل بغرفة مكتبها بالمشفى الذي كانت تعمل به..

ثم إنهيارها العصبي، ومكوثها لبرهة في مشفى للأمراض النفسية، وطلاقها من زوجها الأخير.. وسعيها للحصول على ابنها، وتمكن مهاب من طردها والتهديد بالزج بها في السجن بتهم زائفة، وترحيلها جبرياً لتُحرم من كل ما كانت تملكه يوماً.. حياتها، أطفالها، أموالها، حريتها، وأخيراً عقلها..
تنهدت تهاني بحرقة مريرة وهي تطلق لعبراتها العنان مكملة بنشيج:
-عاوزاني أبقى بعقلي ازاي بعد ده كله، ردي عليا !

نظرت لها فردوس بجمود، ثم ردت عليها بقسوة:
-مش يمكن تكون دي تمثيلية إنتي مألفاها !
هدرت بها تهاني بصوت متشنج قائلة:
-حرام عليكي ! بعد اللي سمعتيه بتقولي تمثيلية ! طب ما أنا قدامك أهوو بقالي سنين، شوفتي حالتي كانت عاملة ازاي ؟ ولساني كان بيقول ايه ؟ فوقي يا فردوس من الأوهام دي !

لوت فمها وهي ترد بإمتعاض ورافعة لحاجبيها للأعلى:
-أنا مابقتش عارفة أصدق ايه ولا ايه !!!
تابعت تهاني قائلة بنبرة استعطاف:
-دي الحقيقة وربنا شاهد عليا، أنا شوفت الويل كله، واتحرمت من كل حاجة، وابني لو كان بشع بالصورة دي فأبوه هو السبب، هو اللي رباه على كده، وأنا.. وأنا لو كان آآ....
قاطعتها فردوس بسخط وهي تشير بيدها:
-أل يعني لما تقولي كده هترجعي اللي فات، ماهو اللي حصل حصل خلاص !

نظرت لها تهاني بتوسل، وأمسكت بها من ذراعها وهي تهتف بنبرة راجية:
-هاصلح اللي اتكسر يا فردوس، وهاعوض بنتك عن اللي فات، بس.. بس أوصل لإبني الأول !
نظرت لها أختها بنظرات محتقنة، وهتفت بتهكم عصبي:
-ده على أساس انه هيرمي نفسه في حضنك أول ما يشوفك
ثم أولتها ظهرها لتنظر بإحتقان إلى ابنتها الراقدة على الفراش، وأطلقت سبة خافتة..
وضعت تهاني يدها على كتفها، وضغطت عليه وهي تتوسل لها ببكاء:
-يا ستي هحاول معاه، بس.. بس قوليلي هو فين ؟ ساكن فين ؟ أوصله إزاي ! اكلمي يا فردوس !

في سيارة ممدوح
وضع ممدوح هاتفه على أذنه بعد أن إتصل بناريمان، وإنتظر ردها بفارغ الصبر، وما إن سمع صوتها حتى هتف بها بجدية:
-اسكتي يا ناريمان واسمعيني كويس
ردت عليه بتوجس قائلة:
-في ايه ؟
هتف بها بنبرة حادة وهو يضغط على دواسة البنزين:
-انا عرفت تهاني أعدة فين !
صرخت بصدمة ب:
-ايييه !

وظلت للثوانٍ في حالة ذهول محاولة إستيعاب ما قاله للتو
صاح بها بصوت جاد قائلاً حينما لاحظ صمتها المريب:
-مش وقته خالص، اكتبي عندك العنوان ده وحصليني على هناك !
أجابته بتوتر شديد وهي تحاول فهم ما يدور في عقله ومتسائلة ب:
-اوكي، بس انت ناوي على ايه ؟
حدق أمامه بنظرات عميقة تحمل الشر وهو يكز على أسنانه قائلاً بقسوة:
-هانهي كل حاجة، بس انجزي !
-تمام

في فيلا عدي
أمسكت ليان بالسكين الخاص بتقطيع الطعام، وحدقت به ببريق غريب يسطع من عينيها..
بدت تصرفاتها مريبة وهي تتفحصه بتلك الطريقة..
وإرتسم على وجهها ابتسامة شيطانية وهي تقرب نصل السكين من رسغها..
وفي نفس الوقت خرج عدي من المرحاض وهو ينشف رأسه المبتل بمنشفته، وتفاجيء بما تفعله ليان، فتحولت نظراته للذعر، وصرخ فيها بهلع:
-ليان !!!

إبتسمت له بشراسة بعد أن أدارت رأسها في إتجاهه قائلة ببرود قاسي:
-كده هاموت من غير وجع جامد، صح ؟
حدق بها بخوف واضح وهتف لها متوسلاً:
-إنتي.. إنتي هاتعملي ايه، ارمي السكينة دي
ردت عليه ببرود أقسى وهي تعبث بالسكين:
-تؤ.. دي حتى بتقطع كويس
صاح بها بنبرة استعطاف وهو يتحرك صوبها بخطوات حذرة:
-ليان ! اسمعيني، انتي اللي بتعمليه ده غلط، وآآ.. وأنا خايف عليكي تأذي نفسك !
ضحكت بصورة هيسترية وهي ترجع رأسها للخلف، ثم تشدقت قائلة بإستهزاء وهي تلوح بالسكين أمامه:
-ههههههه.. انت بتخاف عليا !

ثم عاودت الضحك مجدداً، ورمقته بنظراتها المحتقرة قبل أن تضيف بهدوء مريب:
-لأ حقيقي خايف ؟ تؤ تؤ تؤ ! مش إنت يا عدي، I don't believe it ( مش مصدقاك )
أشار بكف يده بإرتعاد وهو يتوسل لها بنبرة راجية ناظراً إليها بإضطراب:
-اسمعيني، أنا عارف إني غلطت في حقك، وضحكت عليكي، بس والله خايف عليكي ! صدقيني !
صرخت فيه بإهتياج وهي تلوح بالسكين في وجهه ك
-شششششش.. مش تكلم خالص، إنت أكتر واحد كداب، زيك زي الواطي اللي خدعني، زي مامي اللي مش طلعت مامي، أنا.. أنا ماليش حد، أنا مش بنت حد، أنا لوحدي في الدنيا دي
أصبح عدي على بعد خطوتين منها، وقال بنزق وهو مسلط عينيه على السكين:
-ليان كل دي أوهام، وآآ..

قاطعته بصراخها المخيف ب:
-بس، مش عاوزة أسمع صوتك، أنا هاريحكم كلكم مني !
ثم قربت نصل السكين من رسغها لتغرزه فيه، فهتف عدي بذعر:
-لألألأ !

ثم ألقى بثقل جسده عليها ليمنعها من تنفيذ تهديدها، فسقط كلاهما على الأرضية، وأحاط بها عدي من الخلف، وطوق ذراعيها بكفيه، وقبض على معصمها الممسك بالسكين، وأبعده عن جسدها، وجثى فوقها ليمنعها عن الحركة، فتشنجت بجسدها، وإنتفضت بشدة وهي تصرخ بإهتياج:
-سيبني أموت، سيبني !
ضرب بمعصمها على الأرضية الصلبة اللامعة لترتخي أصابعها عن السكين، ومع هذا لم يحرره، وهمس لها وهو يكز على أسنانه:
-اهدي يا حبيبتي، شششششش

عند مخفر الشرطة
حاول المحامي منعم إقناع أوس بضرورة التوقيع على محضر عدم التعرض لأحمد، ولكن رفض الأخير قائلاً بشراسة:
-مش هايحصل
-يا باشا ده بيتهمك رسمي بإن لو حاجة حصلتله هاتكون إنت المسئول
أطبق أوس على ياقة المحامي، وقرب وجهه منه، وهتف به بصوت فج ب:
-ماليش فيه، اتصرف، والواد ده يجي لحد عندي، سامع !
اضطرب منعم، ونظر له بخوف، وهمس بإعتراض:
-بس آآآ..

صاح به بقسوة أشد وهو يحدجه بتلك النظرات المخيفة:
-أنا مش بأعيد كلامي مرتين
هز المحامي منعم رأسه بخوف، وأجابه بإستسلام:
-ح.. حاضر
ثم إتجه أوس نحو سيارته الفارهة بعد أن أرخى قبضته عنه، وأشار لحراسته الخاصة بيده ليلحقوا به..
ومن ثم ركب بداخلها، وأدار عجلة القيادة وحدث نفسه قائلاً بتوعد:
-مش هارحم أي كلب يقرب من مراتي !

في منزل تقى عوض الله
وقفت تهاني على باب المنزل قائلة بنبرة صادقة:
-هاروحله يا فردوس، هاقوله إني أمه، وهو..آآآ..
قاطعتها فردوس بجمود قائلة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-ماتعشميش نفسك أوي، انتي متعرفيهوش زي ما احنا عارفينه كويس
هزت رأسها رافضة وهي تقول بإستنكار:
-لأ، أنا غير أي حد، أنا أمه الحقيقية.

أضافت فردوس قائلة ببرود بعد أن حلت ساعديها، ورمقت أختها بنظرات إستهجان:
-يا تهاني الزمن اتغير، والابن اللي بتحكي عنه زمان ده كبر، وبقى حاجة تانية، بقى وحش قادر بإشارة من صباعه يهد المعبد على اللي فيه !
أصغت تهاني لما قالته أختها، فربما هي مُصيبة في حديثها، ولكنها كأي أم تظن الخير في ابنها مهما بلغت به درجة الوحشية..
لذا إبتلعت غصة مريرة في حلقها، وقالت بإصرار:
-لألأ.. انتي مش عارفة حاجة، كله هيرجع زي زمان، وهاتشوفي
ثم أدارت المقبض، وخرجت من المنزل، وصفقت الباب خلفها وهي تمني نفسها بتحقيق حلم اللقاء بإبنها الوحيد......

في سيارة أوس الجندي
رن هاتف أوس الموضوع على التابلوه، فمد يده ليلتقطه، ونظر إلى شاشته بدقة، ثم ضغط على زر الإيجاب قائلاً بجمود:
-ايوه يا عدي !
صاح عدي بصوت مضطرب ب:
-أوس، إنت فين ؟
أجابه بهدوء وهو يوزع أنظاره ما بين المرآة الأمامية والجانبية:
-عندي حاجة مهمة بأعملها
أضاف عدي قائلاً بتوجس:
-أنا عاوزك تبعتلي عفاف حالاً
ضيق عينيه الحادتين بإندهاش وهو يردد ب:
-عفاف !

أجابه بصوت متوتر ب:
-أيوه، أنا مش عارف أتعامل مع ليان خالص، كل ما أقرب منها تصوت وتصرخ، وأخر مرة كانت ناوية تنتحر !!
اتسعت مقلتيه في خوف عليها، وتسائل بجدية:
-اييييه، امتى ده حصل ؟
رد عليه دون تردد ب:
-من شوية
مط أوس فمه قليلاً، وتابع قائلاً بإهتمام:
-ممم.. ماشي، أنا هابعتلك عفاف على طول، بس ماتسبش ليان على حالتها دي، وكلم الدكتور
أضاف عدي قائلاً بإندفاع:
-اوكي، بس تيجي عفاف، لأني معاها !
-على طول، سلام !

على مقربة من الحارة
وصل ممدوح بسيارته إلى مدخل الحارة، وأطل برأسه خارج النافذة محاولاً الإستدلال على العنوان المذكور..
لمح أحد الأطفال وهو يركل الكرة لأخر، فهتف قائلاً بصوت مرتفع:
-خد يا بني هنا
إلتفت له الطفل، وضيق عينيه بإندهاش، ثم ركض نحوه وسأله بفضول:
-خير يا بيه ؟
سأله ممدوح بصوت خشن وهو يرمق الصغير بنظرات متأففة:
-اومال تهاني ساكنة فين ؟
رفع الطفل حاجبه للأعلى، وأردف متسائلاً بعدم فهم:
-تهاني مين ؟

مط ممدوح فمه للأمام، وقال بتردد:
-آآ.. تهاني، اللي هي.. الولية المجنونة
هتف الطفل قائلاً بثقة:
-تهاني مانخوليا !
هز رأسه وهو يجيبه بجدية:
-ايوه
إستدار الطفل برأسه للخلف، وأشار بذراعه نحو بناية ما وهو يجيبه بصوت مرتفع:
-عند البيت القديم اللي هناك ده
ابتسم له ممدوح بإبتسامة باهتة وهو يقول:
-ماشي، شكراً
-أي خدعة.

قالها الصغير وهو يوليه ظهره ويركض في إتجاه بقية رفاقه متابعاً بصوت مرتفع:
-شوط يا بني الفاول ده !
ضغط ممدوح على زر الإتصال بناريمان، ووضع الهاتف على السماعة الخارجية، وإنتظر ردها عليه..
بعد ثوانٍ أجابته بصوت متوتر ب:
-ايوه يا ممدوح، إنت فين دلوقتي ؟
رد عليها ممدوح بهدوء حذر وهو محدق بالبناية:
-أنا قريب من بيتها، وصلتي لفين ؟

هتفت قائلة بإرتباك واضح في نبرة صوتها:
-أنا قربت من الحتة اللي انت قولتلي عليها، دقايق وهاكون هناك، بس أنا خايفة من آآآ..
قاطعها بصوت جاد قائلاً:
-خلاص مش وقته، أما توصلي نكمل كلامنا.. يالا أنا مستنيكي !
ردت عليه بإيجاز:
-اوكي.. باي !

على مقربة من قصر عائلة الجندي
وصلت تهاني إلى الشارع الجانبي المؤدي إلى بوابة القصر الرئيسية، وجابت بعينيها المكان بتفحص شديد..
كان قلبها يسبقها في خطواتها من أجل رؤية ذلك الغائب الذي تشتاقه..
ابتلعت ريقها محاولة تخفيف حدة الجفاف التي أصابت حلقها..
وقفت حائرة على مسافة من البوابة ورأت الحرس منتبهين لكل شاردة وواردة، فخشيت أن يظنوا بها السوء ويتشاجروا معها..
فكرت في طريقة تمكنها من الدخول للقصر دون أن تثير الشبهات حولها..

فبوجود حراسة كتلك، سيتعذر عليها الدلوف من غير أن يتحقق من هويتها أحدهم..
لمحت إحدى السيدات وهي تخرج من البوابة وتتبادل الحديث مع أحد الحرس..
فضيقت عينيها متمعنة في ملامحها..
وحدثت نفسها قائلة بحيرة:
-أكيد دي دي واحدة شغالة جوا، طب.. طب أسألها عن أوس ولا أعمل ايه، ما أنا خايفة أشوف ناريمان جوا، وتمنع ابني عني !

سارت عفاف بخطوات أقرب للركض في إتجاه الطريق الرئيسي، فلحقت بها تهاني، وهي تهتف بهمس:
-يا.. يا أستاذة، لو سمحتي
إنتبهت لها عفاف، وتوقفت عن السير، وأدارت رأسها للخلف، وتفرست في ملامحها بإستغراب قائلة بنبرة غير مبالية:
-في حاجة ؟
وقفت تهاني قبالتها، ونظرت لها بحنو متسائلة بنبرة حزينة:
-ايوه، معلش، هو.. هو إنتي شغالة هنا في القصر ؟
أومأت برأسها بخفة وهي تجيبها بإيجاز:
-أها
لم تنكر عفاف أن ملامح تلك السيدة أثار فضولها بدرجة مريبة، فقد كانت بها لمحات جلية من الصغيرة ليان.. رغم فارق السن والتجاعيد البادية على وجه تلك السيدة..
سألتها تهاني بتلهف وعينيها تلمعان ببريق غريب:
-طب.. طب أوس الجندي موجود فيه ؟

ضيقت عفاف عينيها قليلاً، ورمقتها بنظرات أكثر دقة وهي تسألها بجدية:
-وبتسألي ليه ؟
ارتبكت تهاني لوهلة، وترددت في إخبارها بهويتها الحقيقية، وحاولت أن تختلق عذراً ما، فقالت بتلعثم:
-هاه.. آآ.. أنا.. أنا كنت عاوزة أشوفه
ردت عليها عفاف بهدوء وهي محدقة بعينيها التي كانت مشابهة لعيني ليان كثيراً وتشدقت ب:
-والله لو ليكي ميعاد معاه تقدري تقابليه في شغله
سألتها تهاني مجدداً بنبرة راجية وهي تشير بعينيها الحزينتين:
-أنا بس عاوزة أعرف إن كان جوا ولا لأ
أجابتها عفاف بإقتضاب وهي تتحرك للأمام:
-وأنا مقدرش أقولك !

لحقت بها تهاني، وأمسكت بها من ذراعها لتوقفها عن الحركة قائلة بإستعطاف:
-الله يكرمك بس ردي على سؤالي، أنا مش عاوزة أكتر من كده
أزاحت قبضتها عن ذراعها وهي تجيب سؤالها بسؤال:
-وأجاوبك ليه أصلاً ؟
لم تجد تهاني بداً من التصريح عن هويتها، فقالت وهي مطرقة الرأس وبتلعثم واضح:
-عشان.. عشان أنا.. أنا أبقى أمه
جحظت عفاف بعينيها في صدمة، وشهقت قائلة:
-هاه، ميييين ؟!

تابعت تهاني قائلة بنبرة متلهفة وهي تشير إلى نفسها:
-أنا أمه الحقيقية، صدقيني، أنا تهاني شحاته، أم أوس مهاب الجندي
فغرت عفاف ثغرها قائلة بذهول:
-إنتي تهاني !
هزت رأسها بهدوء وهي تجيبها بتلهف:
-ايوه
تقطع صوت عفاف وهي تسألها بصدمة:
-يعني.. يعني انتي مامت الباشا أوس ؟
-أيوه، دليني على طريقه.

لم تفق عفاف من تلك الحقيقة العجيبة، فمن تقف أمامها وتحدثها هي والدة أوس الجندي..
دار بخلدها فكرة أنها ربما تختلق تلك الأكذوبة، ولكن الشبه بينها وبين ليان كبير..
لذا دون وعي منها هتفت قائلة بإندهاش:
-معنى كده إنك تبقي.. تبقي مامت ليان كمان
فغرت تهاني شفتيها في حيرة، وتسائلت بإهتمام، خاصة بعد أن جذب الإسم إنتباهها بشدة، ب:
-هاه، ليان ! مين دي ؟!
تنحنحت عفاف بإرتباك، وتردد في توضيح موقفها قائلة:
-إحم.. آآ.. أصل
هتفت بها تهاني متسائلة بحدة:
-قولي مين ليان دي ؟

ردت عليها بنبرة خافتة وهي تتفرس في تعابير وجهها محاولة فهم ردة فعلها:
-دي المفروض إنها بنتك على حسب كلام ناريمان هانم !
اتسعت حدقتي تهاني الحمراوتين في صدمة أكبر، وخفق قلبها بقوة، وشهقت بفزع قائلة:
-بنتي ؟ هي.. هي لسه عايشة !
هزت رأسها إيجابياً وهي تسألها بإستغراب:
-أها.. هو حد قالك إنها ماتت !

وضعت تهاني يدها على فمها، وأردفت قائلة بنزق:
-يعني مهاب خطفها مني، وقالي إنها ماتت ؟ الكلب الواطي آآآآه !
ثم نظرت إلى عفاف، وامسكت بها من ذراعيها، وسألتها بتلهف:
-طب.. طب اختها موجودة ؟
سألتها عفاف بحيرة وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-اخت مين ؟

ردت عليها تهاني وهي تلهث بعد أن تلاحقت أنفاسها:
-ليان بنتي كان ليها توأم اسمها بيسان ؟!
ردت عليها عفاف بنوع من الجمود قائلة بعد أن سلطت أنظارها على قبضتيها:
-بصي أنا معرفش حاجة عن الكلام ده
أرخت تهاني قبضتيها، وسألتها بإستفهام وهي تتوسل لها بعينيها:
-انتي شغالة هنا من زمان ؟

أجابتها بهدوء وهي ترمقها بتلك النظرات الغريبة:
-اها، من سنين
ظهرت إبتسامة رضا على محياها، وهزت رأسها وهي تضيف بنبرة شبه هادئة:
-يعني.. يعني ولادي عايشين كويس ومبسوطين ؟
تقوس فم عفاف قليلاً، وأجابتها بإمتعاض:
-هاه، مش عارفة أقولك ايه، بس ادعيلهم
هتفت بها تهاني قائلة بإصرار:
-أنا عاوزة أشوف ولادي
ردت عليها عفاف بنبرة جادة وهي تدير رأسها للخلف:
-محدش فيهم موجود في القصر
-طب.. طب هما فين ؟

سمعت كلتاهما صوتاً رجولياً يأتي من الخلف متسائلاً بقوة ب:
-ست عفاف، في حاجة ؟ في حد بيضايقك ؟
إلتفتت عفاف برأسها نحو صاحب الصوت المألوف، وردت عليه بجمود:
-لأ يا جمال، مافيش
اقترب منهما، وسلط أنظاره على تهاني متفحصاً إياها بدقة، وتابع بنبرة جادة:
-أصل أنا شايفك بترغي مع الست دي
ابتلعت تهاني ريقها في خوف، وإرتعدت من فكرة التسبب في حدوث مشكلة لتلك السيدة، لذا ردت بتوتر:
-هاه.. أنا.. أنا كنت تايهة وبسأل عن عنوان كده
سألها بنبرة قوية وهو يحدجها بنظراته الحادة:
-عنوان مين ؟

أضافت عفاف قائلة بصوت جاد وهي تشير بكفها:
-خلاص يا جمال، مافيش حاجة، روح انت شوف شغلك وأنا طالعة على أول الشارع
لوى فمه في تأفف، ورد بإيجاز:
-ماشي !
ثم رمقهما بنظرات منزعجة قبل أن يتركهما وينصرف مبتعداً..
تابعته تهاني بنظراتها القلقة، ولكنها عادوت النظر إلى عفاف بعد أن شرعت حديثها بجدية ب:
-بصي يا ست تهاني، أنا مش هاعرف أتكلم الوقتي لأني مستعجلة، بس انتي ممكن تديني رقمك وأنا هأفهمك على كل اللي عاوزة تعرفيه بعدين
تهللت أسارير تهاني، ونظرت لها بإمتنان وهي تجيبها بنبرة شاكرة:
-ماشي، يبقى كتر خيرك، وده جميل مش هانسهولك أبداً

في منزل تقى عوض الله
لم يغمض لتقى جفن بعد تلك الحقائق الصادمة التي استمعت لها.. يكفيها ما عانته لتتجرع من جديد مرارة الظلم على يد أقرب أقربائها..
كانت عبراتها الساخنة تحرق قلبها قبل وجنتيها..
حبست أنفاسها قدر المستطاع حتى لا يستمع أحد إلى صوت صراخ قلبها الملتاع..
كانت والدتها تجلس على مقربة منها تحيك تلك الرقع المتواجدة بقميص زوجها، وتتنهد في حزن محدثة نفسها بصوت مسموع نسبياً:
-هاترجع وخيبة الأمل راكبة جمل، ويبقى ما نبنا غير الفضيحة بزيادة !

صمت لوهله قبل أن تكمل بإحباط:
-يا ربي ليه بس بيحصلنا ده كله، ما احنا طول عمرنا في حالنا، وأعدين كافيين خيرنا شرنا، وفي الأخر يبقى ده نصيبنا، والناس لسانها مابيسكتش، في الفضايح طول كده، وفي الحقايق ولا حس.. آآآه، يا ريتني مت ولا شوفت الهم ده كله، وعوض ايدي منه والأرض.. آآآه، كله في الأخر على كتافك يا فردوس !!
بكت تقى أكثر وكتمت فمها بكف يدها كي لا تنتبه لأنينها الصامت..

فمن تزوجته قسراً نهش لحمها كما ينهش الأسد فريسته دون ندم، وبشهوة مريضة نَهِمَ من جسدها بإشتهاء مقزز، وتركها بلا روح..
أما والدتها فهي تعمد إلى وضع الزيت على النيران لتزيد من شرارة عذابها.. ألا يكفيها ما تقاسيه لتردد دوماً على مسامعها أنها الابنة المذنبة التي فرطت في شرفها رغم أنها كانت تحميها من ظلمات الحبس وبرودته القاسية..

تنهدت بآلم كبير.. وحاولت ألا تصدر صوتاً، واكتفت بحبس وجعها الثقيل في صدرها..
انتبهت فردوس إلى صوت قرع جرس باب منزلها، فنهضت بإرهاق من على الأريكة، وأنزلت ساقها المثنية على الأرضية، وأسندت أدوات الخياطة على جنب.. ثم سارت بخطوات عرجاء نحو الخارج
استغلت تقى فرصة خروج والدتها من الغرفة لتخرج شهقاتها المكتومة، وترثي حالها البائس..

لفت فردوس طرف حجابها حول كتفها، ثم فتحت الباب ونظرت إلى المرابطين أمامه بإستغراب، فقد كانت هيئتهما مختلفة وغريبة إلى حد كبير.. وخاصة أن ملابسهما تعبر عن ثراء واضح..
أفاقت هي من صمتها، وتسائلت بإهتمام:
-ايوه، عاوزين مين ؟
تحرك ممدوح خطوة للأمام ليرمقها بتلك النظرات الساخطة قبل أن يسألها بصوت متصلب:
-فين تهاني ؟
تراجعت فردوس للخلف، ونظرت بتوجس له، ثم سلطت أنظارها على تلك السيدة ذات النظرات المتعالية والإحتقارية التي دلفت إلى الداخل، وتسائلت بحيرة:
-إنتو مين ؟

رمقتها ناريمان بنظرات إحتقارية ومهينة وهي تضيف قائلة بسخط:
-ده بيت المجنونة !
لوحت فردوس بيديها وهي تصيح بقوة:
-في ايه ؟ مالكم داخلين كده من غير احم ولا دستور ؟ عاوزين مين ؟
أشار ممدوح بيده بعد أن أدار رأسه للخلف قائلاً بهدوء حذر:
-شش يا ناريمان !
ثم إلتفت لينظر ناحية فردوس متسائلاً بصوت قاتم:
-قوليلي يا ست، فين تهاني ؟
لوت فمها وهي تردد بإمتعاض:
-تهاني اختي
أشارت لها بإصبعها في إستهزاء وهي تقول بنبرة مهينة:
-ياي، هو انتي اختها، لوكال أوي !
صاحت بها فردوس بنبرة محتقنة:
-ما تقفي عوج وتتكلمي عدل يا ست إنتي !!

لوت ناريمان فمها في تأفف، وقالت بإمتعاض:
-أوووف، ايه ده، بيئة !
إستدار ممدوح برأسه للخلف، وحدج ناريمان بنظرات محذرة وهو يصيح بشراسة من بين أسنانه:
-ناريمان، من فضلك، سبيني أتعامل !
ثم أدار رأسه في إتجاه فردوس، وتحرك قبالتها وهو يضيف قائلاً بجدية مريبة:
-احنا جايين نسأل عن تهاني !
رمقته فردوس بنظرات قوية وهي تهتف بنبرة محتدة:
-وأنا مش هارد عليكم قبل ما أعرف إنتو مين ؟

في نفس التوقيت وصلت سيارة أوس الجندي إلى الحارة، ومعه سيارتي حراسته الخاصة..
تفاجيء هو بوجود سيارة عائلته التي يعرفها وسيارة أخرى ملاصقة لها خمن صاحبها على الفور..
فإنقبض قلبه بشدة، وإكفهر وجهه بصورة واضحة..
ثم ترجل من سيارته، وأشار لرجال حراسته بيده، وهو يحدثهم بصرامة جلية:
-الكل يجهز، وتفتحوا عينكم كويس، مش عاوز حد لا يدخل ولا يخرج من هنا، مفهوم
أجابه أحدهم بنبرة رسمية ب:
-حاضر يا باشا !
ثم دلف أوس إلى داخل البناية وهو ينتوي شراً لمن سيجده بالأعلى...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والأربعون

في منزل تقى عوض الله
صاحت فردوس بقوة وهي تنظر بغل إلى تلك المتكبرة التي اقتحمت منزلها وترمقها بنظراتها المهينة سائلة إياها ب:
-إنتي مين ؟
ثم إلتفت برأسها ناحية ممدوح، وتابعت بقوة:
-وبتتهجموا عليا في بيتي ليه ؟

أفاقت تقى من حالة الحزن الرهيبة المسيطرة عليها على صوت والدتها الصادح خارج غرفتها، ورفعت رأسها عن الوسادة، وسلطت أنظارها على باب الغرفة..
إستمعت هي إلى صوت همهمات عالية وصراخ هادر فإنقبض قلبها بشدة، ووضعت يدها على صدرها، وحبست أنفاسها..
إزداد الصراخ بالخارج، فإبتلعت ريقها في خوف .
وبخطوات حذرة نهضت عن الفراش بعد أن أزاحت الملاءة، ثم سارت على أطراف أصابعها لتقترب أكثر وتفهم ما يدور.. أسندت تقى ظهرها على الباب، ومالت برأسها عليه لتصغي بإنتباه لما يقال في الخارج..

أشار ممدوح بيده لفردوس، وأجاب عليها قائلاً ببرود مستفز:
-ماتتكلميش معاها وكلميني أنا
رمقته فردوس بنظرات ساخطة، وأكملت سؤالها بصوتٍ شبه محتد ب:
-عاوز ايه يا حضرت ؟
رد عليها بهدوء حذر دون أن تطرف عينيه الحادتين:
-أنا قولتلك عاوز تهاني !

تتفرس فردوس في تفاصيل وجهه، فهي أول مرة ترى شخصاً كذلك الرجل المهيب – عدا أوس الجندي – يأتي للسؤال عن أختها التي كانت مصدر تعب وإرهاق لها منذ سنوات.. لذا سألته بجمود:
-وعاوزها ليه ؟ وصفتك ايه عشان تتكلم كده ؟
عض على شفته السفلى وهو يجيبها بحذر:
-أنا.. أنا من معارفها
رفعت حاجبها للأعلى في إستنكار، ولوت فمها في تهكم قائلة:
-يا سلام !
هز رأسه بخفة قائلا ً:
-أها..

استشاطت ناريمان من الهدوء العجيب المسيطر على ممدوح، وتماديه في الحوار مع تلك المرأة الحقيرة – من وجهة نظرها – ومسايرتها إياها، لذا هتفت بنزق وهي ترمقها بنظرات إستعلاء:
-بصي يا بتاعة انتي، اختك المجنونة دي كانت بتتعالج عند دار مسنين تبعي، وعملت شوشرة وقلق، وأنا آآ....
إلتفت ممدوح برأسه فجأة للخلف، وحدجها بنظرات شرسة وهو يهتف بها بصرامة:
-ناريمان بلاش الطريقة دي، أنا بأتفاهم مع الحاجة !

ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره على مهل، ثم أردف بحذر:
-شوفي يا حاجة، اختك تهاني ليها مصلحة معانا، وإحنا زيها، فعاوزين نتكلم سوا
عقدت فردوس ما بين حاجبيها في إهتمام، وسألته بإستغراب:
-مصلحة ؟
أجابها بثقة وهو يشير بيده:
-أيوه، حاجة هاتستفيد منها
لمعت عيني فردوس ببريق مريب، وهتفت بإهتمام:
-تقصد فلوس ؟
مط فمه وهو يجيبها بإقتضاب:
-يعني.. حاجة زي كده.

إرتسم على وجهها إبتسامة ماكرة، وظنت أن عائلتها ربما تجني مالاً من وراء هذين الشخصين..
وربطت بين حوار أختها السابق عن عدم القلق بشأن أي تكاليف مادية تخص علاج ابنتها، وبين حديث هذا الرجل عن مصلحة ما..
شعرت بالإنتشاء، وتملكها حماس غريب.. وحاولت أن تسيطر على إنفعالاتها لتبدو غير متأثرة بما قاله..
تنحنحت بصوت متحشرج وهي تقول بخفوت:
-بس هي مش هنا
زفر ممدوح في ضيق، وتسائل بإنزعاج:
-وهاترجع امتى ؟
هزت كتفيها نافية وهي تجيبه بنبرة غير مبالية:
-معرفش

في نفس التوقيت، وصل أوس إلى الطابق المتواجد به منزل زوجته..
احتقنت عينيه بشدة بعد أن سمع صوت هذا الرجل المقيت، وتصلبت عروقه وبرزت بوضوح من الغضب..
أسرع في خطواته، ووقف على عتبة الباب ليتفحص المتواجدين به..
وبنظرات سريعة رأى ناريمان وفردوس والبغيض ممدوح..
اكفهر وجهه أكثر، وتشنجت شفتيه وهما تنطقان بتهكم ب:
-حزب الشيطان متجمع هنا !

حدق الجميع به في ذهول، وبدت المفاجأة جلية على وجوههم..
ابتلعت فردوس ريقها في خوف، وتراجعت للخلف لتعطي لنفسها مساحة للفرار..
في حين سلط ممدوح نظراته المنزعجة عليه، ولوى فمه في إزدراء..
بينما رمشت ناريمان بعينيها، وهتفت قائلة بصوت محتد:
-اتكلم كويس، ماتنساش إن أنا آآ......
قاطعها أوس بنبرة متصلبة وهو يحدجها بنظراته المخيفة:
-أوعي تقولي أمي ولا حتى مرات ابويا، لأنك أبعد ما يكون عن ده.

على الجانب الأخر، إرتعدت أطراف تقى بذعر حينما سمعت صوت أوس يصدح بالخارج..
عضت على أصابعها من الخوف، وإرتجفت شفتيها، وخفق قلبها بقوة..
كتمت بيدها فمها حتى لا تصدر أي صوت فينتبه لوجودها..
وبحثت بعينيها عن أي شيء لتسد به الباب فلا يستطيع إقتحامه إن تطورت الأمور..
ولكن كانت غرفتها – كالعادة – خالية من أي شيء يصلح للإستخدام..
ولم يكن أمامها إلا الأريكة، ولكن إن حاولت تحريكها، ستصدر صوتاً قوياً يلفت إنتباهه..
لذا فكرت أن تظل كما هي، صامتة تماماً، حتى تضمن سلامتها منه..

استشاطت ناريمان غضباً، وإلتفتت برأسها نحو ممدوح، وهدرت قائلة بحنق:
-شايف يا ممدوح هو بيتكلم إزاي
ضحك أوس بطريقة ساخرة قبل أن يصمت فجأة ليرمق الإثنين بنظرات إحتقارية وهو يقول بسخط:
-طبعاً لازم تشتكيني للباشا اللي دايما واقف في ضلك
صاح ممدوح بصوت محتد وهو يشير بإصبعه محذراً بعد أن تحول وجهه لكتلة من الحمرة الغاضبة:
-أوس، إلزم حدودك معايا !

تحرك أوس للأمام حتى وقف قبالته، وحدجه بنظرات متحدية وهو ينطق بصوت جامد وشرس:
-وإن ما لتزمتش هاتعمل ايه ؟ أها.. نسيت صحيح، ده مكانك الطبيعي من زمان، ومعروف عنك إنك بتلم بواقي غيرك
رمقه ممدوح بنظرات محتقنة وهو يهتف بنبرة مهددة:
-أوس.. بلاش إنت !!!!!!
اشتعلت عينيه بغضب جم وهو يصر على أسنانه قائلاً بتحدٍ سافر:
-وإلا إيه يا ممدوح بيه ؟ ما تكمل تهديدك !
لوح أوس بإصبعه في وجهه متابعاً بشراسة:
-لأحسن تكون فاكرني أوس الصغير بتاع زمان، اللي كان بيخاف منك، وبيستخبى أول ما يسمع صوتك، ويتمنى الموت قبل ما تقرب منه وتحط ايدك القذرة عليه !
ابتلع ممدوح ريقه بتوتر.. وصمت ولم يعقب..

كذلك وصلت تهاني إلى مدخل الحارة وهي تتنهد بحزن وإرهاق..
لم يكن بالأمر الهين أن تكتشف أن إحدى رضيعتيها على قيد الحياة، ومع هذا تعذر عليها الوصول إليها وضمها إلى حضنها، أو حتى التمتع برؤية وجهها..
كم أن الحياة مجحفة معها بصورة مؤسفة ولم تنصفها يوماً، فسلبت منها في لحظة كل متعها.. وتركت لها البؤس والشقاء لتتجرعه على مدار السنوات..
أدمعت عينيها طوال الطريق قهراً على حياتها التي ضاعت سُدى.. وحيدة بدون أبنائها.. فقيرة بدون أموالها، فاقدة لعقلها..
وفجأة تسمرت مكانها حينما رأت حشد السيارات المتجمع أمام بنايتهم..

فإبتلعت ريقها بإرتباك، وحدثت نفسها قائلة بتوجس:
-هو.. هو في ايه هنا ؟ ايه كل العربيات دي ؟!
ثم اقتربت من بنايتها، فوجدت أفراد الحراسة يسدون المدخل، فتسائلت بخوف:
-هو.. ايه اللي بيحصل هنا يا بني ؟
رمقها أحد الحراس بنظرات قوية، وهو يجيبها بجمود مشيراً بكف يده:
-اطلعي بيتك يا حاجة وماتسأليش !
فغرت شفتيها بقلق ب:
-هه !

في منزل تقى عوض الله
أكمل أوس حديثه بصوت هادر ومنفعل وهو يرمقه بنظراته النارية:
-إنت علمتني أكون زيك، نسخة ( وسخة ) في تصرفاتها وطريقتها مع الناس، أفعص أي حد يفكر بس يقف قصادي، أستمتع بتعذيب اللي قدامي لحد ما يموت في جلده من مجرد تخيل اللي هاعمله فيه
هدر به ممدوح بإنفعال قائلاً:
-اسكت، اسكت !
إحتج أوس قائلاً بغضب شديد محدجاً إياه بنظرات مميتة:
-وليه أسكت، خايف أفضحك وأقول عن هتكك للأعراض، ولا خايف أتكلم عن اغتصابك للأطفال !!

احتقن وجه ممدوح بالدماء، وقال بإرتباك واضح:
-إنت.. إنت مش طبيعي، بطل تخاريفك دي !
صرخ أوس بعصبية وهو يشير بكف يده في وجهه:
-دي الحقيقة السودة اللي محدش عرفها عنك إلا أنا، وبفضلك بقت زي ما إنت شايف، مع تربية صاحبك بقيت أسوأ بكتير منكم انتو الاتنين !!!!!!
وزعت ناريمان أنظارها على الإثنين بعدم فهم متسائلة بضيق:
-هو بيقول إيه ؟

أصغت تقى لكل كلمة تقال بإنصات تام، وجحظت بعينيها مصدومة وهي تشهق بصوت مكتوم.. فقد برر أوس تصرفاته العنيفة بتربيته الغير سوية..
ورغم هذا لا تزال ترتعد منه.. فوجوده معها في مكان واحد يجعلها تتمنى الموت على أن تظل إلى جواره..
كذلك هناك صدام قوي بين الجميع.. وهذا الباب يقف حائلاً بينها وبينهم..

كذلك تنبه عوض إلى صوت الصياح الذي جعله يفيق من نومته.. وظن في البداية أنها مشاجرة دائرة خارج المنزل، ولكن حينما إزداد الصوت قوة تيقن أنها بداخل منزله المتواضع..
فجاهد لينهض بتثاقل عن الفراش..

في نفس التوقيت وصلت تهاني إلى عتبة المنزل، وإتسعت مقلتيها بصدمة رهيبة وهي ترى شبح طليقها من الجانب أمامها..
رمشت بعينيها لتتأكد من أنها ليست مجرد أوهام.. وإلتفتت إلى مصدر الصوت الأنثوي لتزداد إندهاشتها حينما رأتها.. تلك التي ساهمت في القضاء على أخر أمل في حياتها السابقة..

فغرت فمها محاولة النطق، ولكن هربت الكلمات من حلقها..
صدح صوت أوس قائلاً بتهكم ساخر وهو يشير بكفي يده:
-نيجي بقى للهانم العظيمة، سيدة المجتمع الراقي، اللي مفهمة الكل إنها أكتر إنسانة خيرة في الكون، وإنها مش بتستحمل تشوف حد غلبان من غير ما تمد ايدها عشان تساعده.. طلعت ايه بقى أكبر كدابة ومزورة !
احتقن وجه ناريمان، وهتفت فيه بشدة وهي ترمقه بنظراتها الغاضبة:
-ايه الكلام الفارغ ده !

خفق قلب تهاني بقوة حينما وقعت عينيها على ذلك الشاب الفتي الذي يقف بشموخ عجيب أمامها
هي لم ترْ وجهه بعد، ولكن حضوره الطاغي، وهيبته القوية كافية لتعرف من هو..
إرتجفت شفتيها وهي تحاول النطق بإسمه فهمست قائلة:
-آآ.. أوس !

سلط أوس أنظاره القاتمة على ممدوح وهو يضيف قائلاً بقساوة:
-صحيح الهانم مقالتلكش إن ليان مش بنتها
حدق ممدوح بمقلتيه مشدوها، وهتف قائلاً بصدمة
-نعم !
أكمل أوس ببرود وهو يهز رأسه بتفاخر بعد أن فجر القنبلة المدوية في وجه الحاضرين:
-أيوه.. هي مش بنتها، دي بنت تهاني مراتك، أمي، فاكرها ؟!

شُدهت تهاني هي الأخرى بما قاله أوس، فقد أكد الحقيقة التي عرفتها قبل قليل على لسان المدبرة عفاف..
وشعرت أن ساقيها لا تقويان على حملها..
صدمت فردوس هي الأخرى من الحوار الدائر، والمصارحة الكبرى بين جميع الأطراف..
وحدثت نفسها قائلة بإندهاش:
-يا سنة سوخة يا ولاد، ايه ده كله !!!
إلتوى فم أوس بإبتسامة قاسية وهو يضيف قائلاً بسخرية:
-واضح كده إنك كنت متأرطس من زمان !

صرخ ممدوح في ناريمان وهو يرمقها بنظرات حادة ب:
-ايه الكلام اللي بيقوله ده يا ناريمان ؟
ابتلعت ريقها بخوف بائن، وتراجعت مبتعدة وهي تهز رأسها نافية وتهتف بصوت متقطع:
-آآ.. ده.. ده بيكدب، مش حقيقي !
هدر أوس بصوت جهوري وهو يسلط أنظاره المحتقنة على ناريمان قائلاً:
-لأ أنا مش كداب، ليان سمعتك وإنتي بتقولي ده للباشا مهاب جوزك.. صحيح إيه شعورك وإنتي الصبح في حضن عشيقك، وأخر النهار في حضن جوزك ؟!

صرخت فيه ناريمان بإهتياج:
-اخرس
أمسك ممدوح بكتفي ناريمان، وهزها بعنف وهو يصيح بجموح ضاغطا عليها بقوة:
-ردي عليا يا ناريمان، ليان بنتي ولا لأ ؟ قولي، إنطقي !!
لم تتحمل ناريمان الضغط على أعصابها، فصرخت باكية ب:
-ايوه بنتك !
فغر فمه مدهوشاً بعد أن إرتخت قبضتيه قليلاُ:
-هاه !
تابعت ناريمان حديثها نحيب ب:
-مهاب هو السبب، أنا.. أنا ماليش دعوة، هو اللي عمل كده
-يعني.. يعني ليان عايشة مامتتش ؟ ليه عملتي كده فيا ؟

بكت ناريمان بحرقة ولم تجبه.. فأبعد ممدوح قبضتيه عنها، ونظر حوله بنظرات زائغة وهو يكمل قائلاً بإضطراب:
-أنا كنت شاكك من الأول لما شوفتها في الفرح، حسيت بالشبه الكبير بينها وبين أمها !
أضاف أوس قائلاً بسخرية وهو يحاول دفع ممدوح للجنون:
-شوف القسوة يا جدع، بنتك تبقى قصاد عينك، وتقولك يا أنكل !
هدر به ممدوح قائلاً بإنفعال وهو يشير بإصبعه:
-اسكت متكالمش خالص.

تقوس فم أوس وهو يجيبه بصوت متصلب للغاية يحمل الإهانة:
-لأ هاتكلم يا بيه، يا محترم، يا متربي، ده من رحمة ربنا إنه حرمك منها، سابك كده زي الكلب مفكر إنها ماتت، وهي عايشة وبتكبر في حضن أب وأم تانيين، بس حظها وحش للأسف، وقعت مع اتنين أوسخ من بعض !
اندفع ممدوح نحوه ليهجم عليه قائلاً بإهتياج:
-هاموتك يا أوس
أمسك به أوس من ذراعيه، ونظر له بشراسة وقد نجح في إيقافه وتثبيته في مكانه، في حين شعر ممدوح بقوته الشديدة عليه، وعجزه عن تحرير نفسه حتى من قبضتيه..

حدثت فردوس نفسها قائلة بنبرة متفاجئة وهي تتوارى خلف الجميع:
-عيني عليكي يا تهاني، كل ده حصلك إنتي وعيالك !
.. صر أوس على أسنانه بقوة، ثم نظر مباشرة في عيني عدوه الأول وهو يقول بشراسة مخيفة:
-مش هاتقدر، أوس بتاع زمان العيل اللي.. اللي ايدك طالته وهو ضعيف مات، واللي قدامك ده واحد قادر يدوس عليك برجله ويفعصك قبل ما تفكر بس تلمسه !
في تلك اللحظة، أفاقت تهاني من حالة الجمود المسيطرة عليها، وإنطلقت للداخل وهي تصرخ بإهتياج مريب:
-عملتوا في ولادي إيييييه ؟ خدتوهم غصبي عني ليييييه ؟!!!

ضيق أوس عينيه بإستغراب بعد أن رفع وجهه في وجه تلك السيدة ذات القسمات المجعدة..
وإتسعت مقلتيه بصدمة حينما تأكد من ملامحها التي لم ينساها رغم ما خطه الزمن عليها من خطوطه..
إندهش ممدوح هو الأخر من رؤية تهاني، ولكنها لم تكن بالصدمة القوية التي تجعله غير قادر على إستيعابها..
فصاح بصوت مرتبك:
-ت.. تهاني !

إلتصق ظهر ناريمان بالحائط وهي ترمش بعينيها في خوف، فقد إنهار كل شيء.. وتكشفت الحقائق أمام الجميع..
هجمت تهاني على ممدوح وخدشته في وجهه وهي تصرخ بعنف قائلة:
-عملت ايه في عيالي ؟ وديتهم فين ؟!
قبض ممدوح على معصميها، ودفعها للخلف وهو يبعد وجهه عنها قائلاً بسخط:
-ابعدي عني !
قاومته بشراسة غير مسبوقة، وهدرت به بصراخ:
-لأ مش هابعد، هاخد حق عيالي منك، مش هاسيبك تموت إبني !
كز ممدوح على أسنانه قائلاً بعصبية:
-امشي من هنا.

وقف أوس متسمراً في مكانه مشدوهاً بما يحدث ؟؟
رمشت فردوس بعينيها وهي ترى أختها تتشاجر مع ذلك الغريب، فلطمت على صدرها قائلة:
-يا نصيبتي !
ثم سارت بخطوات سريعة في إتجاه اختها لتدافع عنها هي الأخرى وهي تصرخ بغضب:
-سيب اختي يا جدع، ابعد عنها، جك حش وسطك !
صاح بهما ممدوح بعصبية وهو يلكزهما:
-لمي نفسك إنتي وهي !
لوت ناريمان فمها في تأفف واضح قائلة بإشمئزاز:
-ياي، مش ممكن !

فتح عوض الله باب غرفته ليتجه إلى الصالة فوجد أشخاص غرباء بها، فرمق الجميع بنظرات حائرة، وصاح بصوت مبحوح وهو يمر بجوار باب غرفة إبنته:
-انتو مين ؟ وبتعملوا ايه هنا ؟
أدار أوس رأسه في إتجاهه، ورمقه بنظرات متفرسة لحالته الوهنة.. ثم عاود النظر تلقائياً إلى ممدوح والسيدتين بنظرات فاترة..

إنتفضت تقى في غرفتها مذعورة حينما سمعت صوت والدها يأتي من الخارج، وشهقت بخوف شديد..
فقد كانت تخشى عليه من أن يصيبه مكروه، وخاصة أن حالته لا تتحمل أي شيء.. فعفوياً أدارت المقبض، وإندفعت بلا تفكير للخارج هاتفة بصوتٍ عالٍ ومرتجف:
-بابا !
إنتبهت حواس أوس بالكامل إلى ذلك الصوت الذي إشتاق لسماعه كثيراً، ولف رأسه نحوه دون تردد..
لمعت مقلتيه الغاضبتين ببريق غريب حينما رأها أمامه وهي تقف أمام باب غرفتها..

وتبدلت ملامحه المتصلبة إلى الإرتياح وهو يراها تتحرك كما كانت من قبل..
لم تنظر هي نحوه، بل كانت تبحث بعينيها المرهقتين عن شخص ما..
لم يدرْ بنفسه وهو يتحرك نحوها هاتفاً بإسمها بنبرة مشتاقة ب:
-تقى !
رفعت رأسها نحوه ونظرت له برعب وهي ترتجف من اقترابه المحتوم منها و...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والأربعون

في منزل تقى عوض الله
إستغلت ناريمان إنشغال الجميع، وتسللت على اطراف أصابعها لتنسحب بحذر من المشهد، وتخرج من المنزل دون أن ينتبه لها أي أحد..
وأسرعت بالنزول ركضاً على الدرج لتهرب قبل أن يفتك بها ممدوح بعدما عرف السر الذي يخص ابنته ليان..
لم تعبأ بالجارة التي اصطدمت بها أثناء هرولتها، ولا بالسباب الذي تلقته منها، فشاغلها الأكبر هو الفرار والنجاة بحياتها..
وصلت عند مدخل البناية، ووجدت حراسة أوس تسد المدخل، فإخترقتهم بتوتر، وبحثت عن سيارتها بنظرات مذعورة..

ثم ركبت السيارة وأمرت سائقها بصوت لاهث ب:
-اطلع أوام منها
هز السائق رأسه إمتثالاً لطلبها قائلاً بهدوء:
-حاضر يا هانم !
تنفست هي بصعوبة، وإرتفع صدرها وهبط من شدة التوتر الممزوج بالخوف..
ثم أمسكت بيدها المرتجفة بهاتفها المحمول، وطلبت رقم زوجها، ووضعت الهاتف على أذنها محدثة نفسها بهلع:
-روحنا في داهية، كل حاجة ضاعت !

إرتجفت شفتيها بشدة، واصطكت أسنانها.. فحاولت أن تأخذ أنفاساً عميقاً لتسيطر على زيادة نسبة الإدرنالين في دمها..
أجاب مهاب على إتصالها ببرود ب:
-في ايه ؟
هتفت فيه بتشنج وهي ترمش بعصبية:
-الحق يا مهاب، في كارثة حصلت !!!!!!

حدقت تقى - بتعابير وجهها المرتعدة - في إتجاه أوس بنظرات مذعورة، وزادت إرتجافتها مع اقترابه المحتوم منها..
أدركت أنها تخلت عن حصنها الوحيد حينما هبت مندفعة من أجل والدها، ونسيت للحظة أن جلادها يقف بالخارج ينتظر فرصته للإنقضاض عليها..
لم يشعرْ أوس بالإرتياح إلا حينما رأها أمامه.. واعية، مدركة للحياة..
فخفق قلبه بفرحة عجيبة، وإنتفض مسرعاً نحوها حتى وقف قبالتها، ورمقها بنظرات مطولة متفحصة لكل ذرة فيها..
إنفرجت تشنجات وجهه لوهلة، ومد أصابع كفه بحذر ليتلمس وجهها.. حتى يؤكد لنفسه أنه لا يتوهم رؤيتها..
ثم لا شعورياً لف ذراعيه حولها، وإحتضنها بإشتياق عجيب، وألصق صدرها بصدره وهمس لها قائلاً:
-تقى ! مش هاسيبك أبداً، مش هاتبعدي عني للحظة ! إنتي ليا وبس !

إنتبهت فردوس لما يحدث مع إبنتها، واقتراب أوس الشديد منها، فقطبت جبينها بإستنكار، وأرادت التوجه نحوهما، ولكن منعها دفع ممدوح لتهاني عليها بقوة لتعيد تسليط أنظارها عليه وهو يقول بغضب:
-حق إيه يا تهاني، إنتي مالكيش حاجة عندي !
تشنجت تهاني وهي تقول بإحتجاج:
-لأ ليا كل حاجة، ابني وفلوسي وبنتي اللي لسه عايشة.

وعلى ذكر إسم ابنتها، حاد ممدوح بعينيه عن تهاني ليبحث عن ناريمان ليحاسبها عن إخفاء تلك الحقيقة عنه.. فلم يجدها، فإكفهر وجهه أكثر، وهّمّ بالتحرك، ولكن إنقضت عليه تهاني لتفترسه بأظافرها وهي تصرخ فيه بغضب عارم:
-مش هاتهرب قبل ما أحاسبك على اللي عملته فيا، سرقتني ورميتني انت وصاحبك، وخدتوا مني ابني وحرمتوني من بنتي !
كز على أسنانه قائلاً بإنفعال وهو يحاول تخليص نفسه من قبضتيها:
-شيلي ايدك يا مجنونة !

لم يدركْ أوس أن تقى لم تتجاوب لثانية معه، وأنها كانت كالصنم الميت، باردة، جسد خاوي من الحياة.. لا تتحرك.. متجمدة في مكانها، فاقدة للإحساس بكل شيء.. محدقة بذعر أعلى كتفه
أرخى ذراعيه عنها، ورفع كفيه نحو وجهها ليحتضنه، وهز رأسها متابعاً بتلهف:
-احنا لبعض يا تقى، سامعة لبعض !
أفاقت تقى من جمودها المريب على إثر صوته الذي يحمل نفس نبرة التهديد التي عهدتها منه.. ورفعت عينيها الزرقاوتين في عينيه لترمقه بسخط قبل أن تصرخ فيه بإنفعال مخيف:
-ابعد عني، ماتلمسنيش !

اضطرب أوس من إرتجافتها وتشنجها، فأبعد يديه بحذر عن وجهها، وهتف لها بتوسل وهو يرمقها بنظرات شبه خائفة:
-تقى، إهدي واسمعيني، أنا.. أنا مستحيل أذيكي !
صرخت فيه بقوة وهي تشيح بيديه بعيداً عنها، وتتراجع بظهرها للخلف:
-لأ.. مش هاسمعك !
ثم أشارت بإصبعها في وجهه، وهي تتابع بإهتياج:
-إنت أقذر إنسان عرفته، أنا بأكرهك، بأكره كل حاجة فيك، صوتك، نفسك، لمستك، ابعد عني، أنا بأقرف من نفسي وإنت جمبي !

تسمر أوس في مكانه من كلماته الجارحة له.. وأطرق رأسه في خزي.. فهو يستحق عتابها القاسي هذا.. فما فعله بها ليس بالأمر الهين، ولا يمكن نسيانه مطلقاً بين ليلة وضحاها..
ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، ورفع رأسه ليرجوها قائلاً:
-اديني فرصة آآآ..
هتفت بصوت هادر مقاطعة إياه وهي تهز رأسها بعصبية:
-لألأ !

إتجه عوض الله نحو ابنته، ورمق أوس بنظرات مغتاظة، وصاح به بصوته المبحوح ب:
-إنت مين وعاوز إيه منها ؟
أخذ أوس نفساً عميقاً ليسيطر به على نفسه، ثم قال بهدوء وهو يكز على أسنانه:
-أنا عاوز مراتي، ومحدش هايمنعني عنها
ثم إندفع نحوها، ومد يده ليجذبها من ذراعها، فصرخت بصورة هيسترية مرعبة جعلت الجميع ينظر نحوها بقلق..

مما جعل ممدوح يستغل الفرصة وينجح في التخلص من براثن تهاني، وأسقطها فوق أختها بعد أن دفعها بكل قوته لترتطم الإثنتين بالأرضية.. وركض مسرعاً خارج المنزل وهو يحدث نفسه بزمجرة غاضبة:
-كلكم هاتشوفوا هاعمل ايه !
نزل الدرج وهو يتوعد بالإنتقام من مهاب وزوجته لخداعهما إياه خلال السنوات المنصرمة
رمق أفراد الحراسة بنظرات مغتاظة وهو يتجه صوب سيارته.. وصفق بابها بقوة وهو يتابع بصوت محتقن:
-هاتدفعوا التمن غالي، وغالي أوي كمان !!!!

تجمد أوس للحظة عن فعل شيء، ونظر لتقى بخوف بائن في عينيه، بينما تلوت هي بذراعها محاولة تحريره منه..
وضع عوض الله كف يده المجعد والمرتجف على كتف أوس وصاح به بصوته الوهن:
-سيبها، شيل ايدك من عليها
أدار أوس رأسه في إتجاهه، وحدقه بنظرات مخيفة وهو يجيبه بقسوة تحمل الإصرار:
-محدش هايمنعني عنها !
ثم قبض أكثر على ذراع تقى التي صرخت مستغيثة ب:
-بابا، إبعده عني، خليه يمشي !

إلتفت أوس برأسه نحوها، وصاح بها بقوة:
-مش هاسيبك افهمي بقى..!!
-أوس
قالتها تهاني بصوت محتد وهي تتجه نحوه بعدما نهضت عن الأرضية بمعاونة أختها..
أشار هو لها بإصبعه محذراً بعد أن تشنج وجهه، وصرخ بها بصوت مخيف:
-إنتي تسكتي خالص !

إنتاب تقى حالة من الصراخ المرتعد، فجذبها أوس من ذراعها نحوه، لتسقط في حضنه، ثم لف ذراعه الأخر حول وجهها بعد أن كمم فمها بقبضه يده، وألصق ظهرها بصدره، وشَكَل بذراعه درعاً قوياً يمنعها من التحرك أو الهروب منه..
تلوت تقى بخوف بجسدها الهزيل محاولة تحرير نفسها، ووضعت كفيها على ذراعه لكي تزيحه عن فمها، ولكنها عجزت عن إزاحته تماماً..
نظرت له تهاني بهلع، وهتفت قائلة بنبرة شبه قلقة:
-أنا أمك يا أوس، إنت مش عارفني
تشنجت عضلات أوس، وإزداد قوة وصلابة، وتمسك بتقى أكثر، وتحرك بها جبراً في الإتجاه الأخر ليرمق الجميع بنظرات ساخطة، وهتف قائلاً بنزق:
-حتى لو عرفتك فأنتي بالنسبالي موتي من زمان !

نظرت فردوس بذعر إلى إبنتها، وصاحت بضيق:
-بنتي، حوشي ابنك يا تهاني عنها !
لم تصغ لها تهاني، بل جحظت بعينيها في صدمة، وصاحت بعدم تصديق:
-ايه اللي انت بتقوله ده ؟
رمقها بنظراته الجامدة، وهتف بجموح:
-بأقول الحقيقة، أنا ماليش أم !
رفعت كفها في وجهه، وصرخت قائلة بإستنكار وهي تهز رأسها معترضة:
-لألألألأ..

تحرك عوض في اتجاه أوس، ووقف على مقربة منه، وقال بصوت مبحوح وهو يشير بيده:
-سيب البت، ابعد عنها يا جدع إنت !
أحاط أوس بتقى جيداً، ولم يفلتها، وأجبرها على التحرك مع خطواته حتى صار على مقربة من باب المنزل، فصاح بقوة مهددة وهو يسلط أنظاره النارية عليه:
-مش سايبها، وإرجع لورا أحسنلك !
ثم نظر في إتجاه تهاني، وتابع بجموح:
-أمي ماتت يوم ما سابتني لجوزها يعمل اللي عاوزه فيا !

ذرفت تهاني عبراتها عفوياً، فهي لم تتوقع أن يكون ابنها بتلك القسوة في أشد لحظات إحتياجها له.. وإنتحب صوتها وهي تتابع ب:
-إنت.. انت بتظلمني يا ابني، أنا مكونتش أعرف حاجة !
هدر بها قائلاً بقسوة أشد:
-حتى لو عرفتي، مكونتيش هاتعملي حاجة، إنتي كل همك إنك تفضلي في حضن الكلب ده وبس، وهو يعمل اللي يعمله في ابنك، مش هاتفرق كتير، طالما شايف مزاجك !

خدشت تقى كف أوس وساعده باظافرها لعله يرخي قبضته عن فمها، ولكنه كان يزداد إصراراً على عدم إفلاتها أو التخلي عنها....
في حين ابتلعت تهاني ريقها بخزي، وقالت بصوت باكي وهي مطرقة الرأس:
-هو.. هو ضحك عليا واستغفلني !
صرخ هو بها بعصبية وهو يشير بيده نحوها:
-وهو دمرني وخلاني أطلع أوسخ من أي حد، وأبشع منه في كل حاجة !
توسلت له بإسعتطاف وهي تضم يديها معاً إلى صدرها:
-أنا مظلومة
وضع إصبعه المتشنج أمام فمه المتصلب وهو يقول بقوة:
-شششش.. ماتكلميش !

هزت رأسها بإحتجاج لتردف بنفس النبرة الباكية:
-هما خدوك غصب عني، حرموني منك
لم يكف أوس عن الصياح بقساوة ب:
-مش عاوز أسمع منك كلمة، أنا ماليش أم ! ماليش أم
هزت تقى ساقيها بعصبية محاولة ركله، ولكزته في صدره بكوعها، فلم يهتز بدنه، وتحامل على نفسه، وضمها بعند إلى صدره..
تحرك عوض الله بحذر خطوة للأمام، وقال بتوسل وهو يسترضيه:
-سيبها، هي معاملتش حاجة عشان تاخدها غصب.

رمقه أوس بنظرات متحدية، وصاح به بنبرة عنيدة:
-لألأ، تقى مراتي، ومش هاسيبها
توسلت له تهاني قائلة برجاء وهي تنظر له بأعينها الدامعة:
-هي يا بني مالهاش ذنب في أي حاجة، لو.. لو عاوز تحاسبنا، فأنا قدامك أهوو !
إنتفض أوس بجسده متشنجاً، وهدر بصوت قوي ومخيف:
-مش سايبها، سامعين، مش سايبها.

ثم إنحني بجذعه للأسفل قليلاً ليضع ذراعه أسفل ركبتي تقى، ويحملها عنوة.. وظل مكمماً لفمها وملصقاً رأسها بصدره.. فإنتفضت هي بجسدها بخوف وركلت بساقيها في الهواء وهي تحاول الصراخ، ولكن صوتها كان مكتوماً..
ذعرت فرودس حينما رأت ابنتها محمولة بين ذراعيه، وهو على وشك إختطافها، فشهقت بفزع وهي تلطم على صدرها ب:
-بنتي !
ارتكبت تهاني، وخفق قلبها بإرتعاد، وتوسلت له برجاء ب:
-نزلها يا أوس، هي هاتموت من الرعب، إنت متعرفش اللي هي فيه !

رمقها بنظراته المحتدة قائلاً بعناد في لهجته القوية:
-مش هابعد، وهاخدها من هنا، هي ليا وبس !
ثم إنطلق بها خارج المنزل، وركض نزولاً على الدرج حاملاً إياها بإصرار عجيب على ألا يتركها تلك المرة..
خفق قلب تقى بشدة وتنفست بصعوبة من أنفها وهي ترى نفسها عائدة إلى نفس المصير المحكوم عليها فيه بالموت..
إلى السجن الذي إنتهكت فيه برائتها، وأغتصب جسدها بلا رحمة.. ولم تعرف فيه حتى الغفران..

لم تتحمل أعصابها المنهكة أن تخوض تلك التجربة مرة أخرى، فإنهارت على الفور فاقدة لوعيها..
حاولت فردوس اللحاق به وهي تصرخ بذعر:
-بنتي، هاتولي بنتي، سيبها !
ركضت تهاني هي الأخرى خلفه وهي تهتف بتوسل باكي ك
-لألألأ يا أوس، متعملش كده، أوس !
كذلك تحرك عوض الله بخطوات عرجاء محاولاً إنقاذ تلك الصغيرة، قائلاً بصوته الضعيف:
-حد يمسكه يا ناس، حد يلحقه..!

وصل أوس إلى مدخل البناية، فإنتبه أفراد الحراسة الخاصة له، وتبادلوا نظرات حائرة بسبب تلك الفتاة التي يحملها معه، ولكنه قطع صمتهم هذا ب:
-اتحركوا، ومحدش يخرج من هنا إلا لما أنا أمشي
-تمام يا باشا
أسرع أحدهم بفتح باب السيارة الأمامي ليتمكن أوس من وضع تقى زوجته بالداخل، وإنتبه إلى فقدانها للوعي، فإضطرب قلبه، وتحسس وجنتها بقلق.. وهمس لها قائلاً ب:
-هاعوضك عن اللي فات
ثم ثبتها في مقعدها بحزام السيارة، وإعتدل في وقفته، بينما أغلق الحارس الباب، ودار أوس حول السيارة ليركب إلى جوارها..

مد أوس أصابعه ليمسك بكفها البارد المرتخي، ورفعه إلى فمه، وقبله قبلة مطولة وهو ينظر لها بعاطفة قوية، ثم أردف قائلاً بخفوت:
-مش هانسيب بعض أبداً، وهنبدأ من جديد
لمح أوس فردوس وتهاني وهما تحاولان الخروج من البناية واللحاق به، ولكن وقف رجال الحراسة بأجسادهم الضخمة أمامهما، فحالوا دون وصولهما..
أدار محرك سيارته، ورمق الجميع بنظرات متباهية وفمه قد تقوس بإبتسامة إنتصار..

أطلق أفراد الحراسة سراح العجوزتين بعد تأكدهم من رحيل أوس الجندي لتنهار فردوس على ساقيها وهي تصيح وتلطم وجهها بحسرة:
-بنتي، خطفها قصاد عيني، آآآآآه
هزت تهاني رأسها في إستنكار وبكت بحرقة وهي تضيف:
-ليه يا أوس تعمل كده ؟ ليييييه تضيع أخر أمل في نجاتها ؟!!
ركب بقية أفراد الحراسة سيارتيهما، وانطلقا سريعاً خلف رب عملهم..
تجمع أهالي الحارة حولهما، وتسائلوا بفضول عما حدث، فيما استمر ندبهما وعويلهما المصحوب بالصراخ والأنين..
جلس عوض على الدرج بعد أن أنهكه النزول.. وتنفس بصعوبة وهو يهتف ب:
-لحقتوها.. آآه..

بدى وجهه شاحباً وهو يحاول إلتقاط أنفاسه.. فرأه أحد الجيران، وركض نحوه قائلاً بتوتر:
-الحقوا عم عوض يا جدعان، ده قطع النفس
رفعت فردوس ذراعيها عالياً في الهواء لتضرب كفيها معاً صارخة بعويل:
-يا نصيبتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع والأربعون

تجمع أهالي الحارة في مدخل البناية، وتعاون بعض الرجال الأشداء في حمل " عوض الله " ونقله إلى منزله بعد أن أنهكه الركض نزولاً على الدرج..
صاح أحدهم بصوت جاد قائلاً:
-خدوا بالكم يا رجالة من دماغه !
هز شخص أخر رأسه بهدوء وهو يجيبه بصوت مرتفع:
-ماشي.. وسع سكة بس !
-ألطف يا رب.. !

قالتها إحدى الجارات بتوجس شديد وهي تتابع ما يحدث من أمام باب منزلها
لحقت بهم فردوس وهي تندب حظها، وتصرخ بعويل قائلة:
-البت وأبوها راحوا مني يا ناس
ربتت إحدى الجارات على كتفها قائلة بنبرة عادية:
-وحدي الله يا ست فردوس، الراجل لسه فيه النفس
بعد عدة دقائق، كان هو موضوعاً في فراشه، وإلتفت أحدهم نحو فردوس قائلاً بإهتمام:
-احنا هنشيع نجيبله ضاكتور
أومأت برأسها موافقة وهي تجيبه بتلهف:
-وماله ياخويا، هاتوا أي حد بس طمنوني على الراجل !

في نفس التوقيت كانت تهاني جالسة على الأرضية أمام مدخل البناية تهز رأسها في إستنكار وتغمغم مع نفسها بحسرة ب:
-ليه كل ما أقرب منك يا ابني بيبعدوني عنك، لييييه ؟ ده أنت الأمل اللي فاضلي في الدنيا دي، آآآآآه.. قسوك عليا يا ضنايا، وحرموني تاني منك !
ثم نهضت عن الأرضية، ومسحت عبراتها المنهمرة بعصبية، وتابعت قائلة بصوت حاسم وهي محدقة أمامها:
-بس.. بس أنا مش هاسكت ! لازم أفهمك يا أوس على الحقيقة كلها !

في سيارة أوس الجندي
قاد أوس سيارته بسرعة معقولة بعد أن ابتعد عن الحارة الشعبية.. ولم يترك كف تقى بل على العكس خلل أصابعه في أصابعه، وظل يلتفت نحوها بين الحين والأخر موزعاً نظراته عليها وعلى الطريق أمامه، ومتأملاً لهيئتها الغافية بجواره..
لم ينكر أن شعوراً عجيباً بالإرتياح قد سيطر عليه تماماً، وإستكانت روحه المعذبة بعد أن ضمن عودتها مجدداً إلى أحضانه..
ورغم أنها كانت ساكنة، جامدة، لا تتحرك إلا أنه كان مطمئناً لقربها الشديد منه، فهي باتت سُكناه الحقيقي..

ولم يكن ليعبأ بأي شخص سواها، فهي وحدها من أغنته عن الحياة بآسرها..
وبعد برهة، وصل هو إلى الطريق الفرعي المؤدي إلى البناية الجديدة التي يقطن بها.. ثم إنحرف بالسيارة في إتجاه اليمين ليمرق نزولاً إلى الجراج الداخلي الموجود بالبناية..
ترجل أوس من السيارة أولاً، ثم جاب بعينيه الجراج ليتأكد من خلوه من الأشخاص، ثم دار حول السيارة، وفتح الباب الملاصق لها على مصرعيه، وجثى على ركبته أمامها، وحل وثاق حزام الأمان، ثم أطبق على كفي يدها بكفيه، وفركهما بقبضتيه ليدفئهما..

نظر لها بعمق وهو يهمس قائلاً:
-إنتي في أمان معايا يا تقى
ثم وضع كفيها على حجرها، ولف ذراعه خلف ظهرها، وبحذر شديد قربها منه، وأسند رأسها على صدره، وقبل جبينها بعاطفة قوية.. ووضع يده الأخرى أسفل ركبتيها، وبكل رفق حملها خارج السيارة، ثم اعتدل في وقفته، ونظر لها بنظرات حانية، وضمها إليه، ومن ثم سار بها بخطوات واثقة في إتجاه المصعد الجانبي الملحق بالجراج..
دلف أوس إلى داخله وهو يضمها بقوة عجيبة وكأنه يريدها أن تخترق ضلوعه، كذلك أراد أن يبث لها الدفء المنبعث من جسده فيمتص برودة جسدها المقلقة..

بعد لحظات كان يقف بها أمام باب منزلهما الجديد الذي لم يعرف طريقه أي أحد ليضمن وجود خصوصية لهما..
قرع أوس الجرس بعد أن رفع ذراعه للأعلى لتهرع الخادمة الفليبينية ماريا لتفتح له الباب..
أفسحت ماريا المجال له لكي يمر بها إلى الداخل قائلة بلكنة غريبة:
-تفضل سيدي !

لم ينظر لها أو حتى يجيبها، بل أكمل خطواته المتعجلة في إتجاه غرفة النوم، ولحقت هي بهما منتظرة ما يمليه عليها من أوامر..
دلف أوس إلى الغرفة، فأسرعت ماريا في خطواتها لتزيح الملاءة عن الفراش الوثير ليتمكن هو من إسناد تقى عليه..
ثم أشار لها بعينيه وهو يقول بصرامة:
-الدكتور مختار جاي بعد شوية، بلغيني أول ما يجي
ردت عليه بهدوء وهي تهز رأسها موافقة:
-حاضر
ثم أولته ظهرها وإنصرفت إلى الخارج..

مسح أوس بأنامله الخشنة على جبين تقى، وأبعد خصلات الشعر الملتصقة به، وأعادها للخلف.. ثم مسد على شعرها بحنو..
تأمل بنظرات دقيقة سكونها.. وأثاره بشدة اهتزاز جفونها.. فوضع كفه عليهما، وإنحنى برأسه عليها ليهمس لها بصوت نادم:
-سامحيني ياتقى..!
ابتلع غصة في حلقه ليكمل قائلاً بأسف:
-أنا عذبتك كتير، بس غصب عني، مكونتش بأنتقم غير من نفسي فيكي إنتي !

لم يمنع نفسه من البكاء ندماً على جريمته النكراء معها.. وترك لعبراته العنان لتنساب من مقلتيه، وأغمض عينيه آسفاً، فتسربت بعضها وسقطت على وجنتها فبللتها..
انتفضت هي قليلاً، ولكنها عاودت السكون..
شعر هو بتلك الإهتزازة الخفيفة، ففتح عينيه الباكتين، ونظر لها بتمعن قائلاً بخفوت:
-إنتي الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتي، وخايف أكون وسختك باللي عملته !
ثم أخذ نفساً عميقاً، وحبسه في صدره ليكتم شهقاته بعد أن تذكر كيف واقعها بطريقة حيوانية ليشبع رغباته السادية، ثم زفره بحرقة، وأضاف قائلاً بنبرة عازمة وهو يمسح على جبينها:
-بس أوعدك هاتغير، أوس الجندي على إيدك هايتغير !

في قصر عائلة الجندي
ألقى مهاب بمنفضة السجائر في المرآة الموجودة بغرفة نومه صارخاً بإهتياج وهو يرمق زوجته ناريمان بنظرات نارية ب:
-إتهبلتي في عقلك عشان تقولي الكلام ده ليه ؟!
نظرت له ناريمان بذعر، وإرتجفت شفتيها وهي تجيبه بخوف:
-أنا كنت.. كنت خايفة !
لوح بكف يده في وجهها وهو يحدجها بتلك النظرات المحتقنة قائلاً بغل:
-إنتي ضيعتي كل حاجة بغباءك ده
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تدافع عن نفسها قائلة:
-طب.. طب كنت عاوزني أعمل ايه.

أجابها بصوت متصلب ب:
-كنتي تحطي لسانك في بؤك وتخرسي خالص !
أطرقت رأسها للأسفل، ودفنت وجهها بين راحتي يدها، وهتفت بصوت شبه متشنج وهي تدعي البكاء:
-ماهو.. ما هو أنا متخيلتش إن أوس هايجي ويشوف المجنونة أمه !
أمسك بها من كتفيها، وهزها بعنف وهو يصيح بها ب:
-وأهوو حصل وجه، وكل حاجة ضاعت يا هانم يا محترمة، واتكشفت !

أزاحت قبضتيه عنها، وهزت رأسها مستنكرة، وهتفت قائلة بعصبية:
-وأنا ذنبي ايه ؟ اتصرف إنت، أعمل اي حاجة، إحنا كده روحنا في داهية !
رمقها بنظرات مشمئزة وهو يقول بسخط:
-عاوزاني أعمل ايه بعد ما خربتي الدنيا كلها
بكت بصوت مرتفع وهي تلقي بجسدها على الفراش.. في حين وضع هو يده على رأسه وحكها بغيظ وهو يحاول التفكير في حل سريع لتلك المعضلة الخطيرة وهو يدور حول نفسه..

وفجأة توقف عن الحركة بعد أن طرأ في عقله فكرة ما شيطانية..
إتسعت مقلتيه بغرابة، وسلط أنظاره على ناريمان، ثم سألها بجمود:
-إنتي لسه معاكي مفتاح شقة الزفت ممدوح
رفعت رأسها نحوه بذهول عجيب، وبدت كالمصعوقة لتوها بالكهرباء بعد عبارته الأخيرة..
صاح بها بصوت قاتم وهو يرمقها بنظراته الإحتقارية:
-تكوني مفكراني مش عارف بوساختك معاه
توقفت للحظة عن التنفس.. وإرتجف جسدها أمامه.. فأضاف قائلاً بشراسة:
-انطقي معاكي لسه المفتاح ؟

هزت رأسها بخفة وهي تجيبه بتلعثم:
-آآ.. ايوه، بس أنا آآ..
قاطعها بصوت صارم وهو يقتلها بنظراته:
-اخرسي ! هنتحاسب على ده بعدين، قومي هاتيه
نهضت عن الفراش، وسارت بخطوات متعثرة نحو حقيبتها المسنودة على التسريحة، وعبثت بمحتوياتها باحثة عن النسخة الإضافية لمنزل ممدوح..
لم يكنْ امامها أي فرصة لتدافع عن نفسها أو تبرر لمهاب موقفها.. فقد كانت في موقف لا تحسد عليه..

ربما هي لن تنجو من غضبته، ولكنه أهون بكثير من أن يُزج بها في السجن..
بأصابع مرتعشة مدت يدها إلى مهاب وهي تتجه نحوه بحذر، فإلتقطه من يدها، وهتف بها بصوت متوعد:
-مش هايعدي اللي عملتيه من ورايا على خير يا ناريمان !
نظرت له بذعر، ولم تعقب.. في حين تابع هو قائلاً بإهتمام جلي:
-احكيلي بالظبط عن تفاصيل بيت الواطي ده !

في الملهى الليلي
تجرع ممدوح محتويات كأس الخمر في رشفة واحدة،وتشنج وجهه وهو يبتلعه..
ثم أسند الكأس بعصبية على طاولته، وظل ينفخ بغضب جلي..
جلست رحمة إلى جواره، وتفرست في ملامح وجهه المتصلبة بإندهاش، ومطت شفتيها للجانبين، ثم حدثت نفسها بإستغراب قائلة:
-هو هايفضل كده لحد امتى ؟ مش هاطلع منه الليلادي خالص بأي مصلحة، أووف
تعمدت هي أن تبتسم له إبتسامة زائفة، ثم مدت ذراعها نحوه، وتلمست بشرة عنقه بنعومة وأردفت قائلة بصوت مغري:
-وحشتني وآآ..

قاطعها بصوت محتد وهو يزيح يدها بعيداً عنه ب:
-مش وقتك يا ريري
عبست بوجهها، وضيقت عينيها، وردت عليه قائلة بضيق زائف:
-مالك بس ؟ ده أنا عاوزة أفرفشك يا بيه
نفخ من الغيظ، وقال بجمود:
-حلي عني السعادي يا ريري، أنا مش في المود
سألته بإهتمام زائف وهي ترمقه بنظراتها الوالهة بعد أن وضعت يدها على فخذه لتثير غرائزه:
-وايه بس اللي معكر مزاجك يا باشا ؟

صاح بها بقوة وهو يحدجها بنظرات قوية:
-يوووووه، مش وقتك خالص !
أبعدت يدها في حرج، وانتصب في جلستها، ثم عقدت ساعديها أمام صدرها، وهتفت بضجر:
-ولما إنت مش طايق حد يا بيه، جاي هنا ليه ؟ ورابطني جمبك !!!
أخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل، وأجابها بهدوء حذر:
-سوري يا ريري، معلش، أصل أنا على أخري !

إبتسمت له بعذوبة، واقتربت منه لتلتصق بصدره، ولفت ذراعه حول خصرها، وشبكت أصابعه في أصابعها، وعبثت برابطة عنقه قائلة بنعومة مثيرة:
-قولي بس على اللي مضايقك وأنا أوعدك بشرفي اللي ما بأحلف بيه باطل إني هانسيك كل حاجة
تنهد بحرقة وهو يجيبها بضيق:
-ولاد ال *** ضحكوا عليا واستغفلوني !
هتفت بإستنكار زائف وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-لا عاش ولا كان اللي يستغفلك يا باشا !
أضاف هو قائلاً بصوت محتقن وهو محدق أمامه بنظرات قاتمة:
-أقرب ناس ليا لعبوها صح، ولهفوا كل حاجة !
قطبت جبينها في حيرة، ونظرت له بعدم فهم، ومطت شفتيها وهي تقول:
-أنا مش فاهمة حاجة من اللي بتقولها.

تنهد بإنهاك، ثم رمقها بنظرات جافة قبل أن يتشدق ب:
-أنا قايم
تجهم وجهها وهي تسأله بإندهاش:
-ايه ده ؟ هاتمشي ؟
أومأ برأسه إيجابياً وهو يجيبها بفتور:
-أها، ماليش مزاج لأي حاجة
هتفت هي بتلهف وقد بدى الحماس جلياً على تعبيرات وجهها:
-طب استنى يا باشا أجي معاك أروقلك بالك، ده حتى الليلة النهاردة مفترجة.

فغر فمه بإستغراب ب:
-هاه
أضافت قائلة بعبث:
-استناني برا بس خمساية، أجيب حاجتي وأعدلك مزاجك بعيد عن الواغش اللي هنا
بدت الفكرة مثيرة إلى حد ما.. فهو بحاجة إلى إفراغ طاقته الغاضبة في شخص ما..
ففكر ممدوح أن يستغل عرضها المغري في التنفيس عن رغباته العنيفة معها.. لذا دون تردد رد بإبتسامة ماكرة:
-وماله، مستنيكي يا حلوة برا!

في منزل أوس الجديد
انتهى الطبيب مختار من الكشف على تقى، ثم حقنها بإبرة طبية في ذراعها، ووضع الملاءة عليها، ومن ثم نهض عن الفراش بعد أن جمع متعلقاته..
نظر في إتجاه أوس الذي كان يقف قبالته، وأردف قائلاً بهدوء:
-ماخبيش عليك يا باشا، حالتها النفسية متأخرة جداً، ومحتاجة رعاية مكثفة، وإن أمكن تتنقل للمستشفى أفضل
رمقه أوس بنظرات حادة وهو يجيبه بصرامة:
-مش هاتتنقل من هنا، شوف إيه المطلوب وأنا هانفذه !

نظر له مختار بحرص، وأجابه بتوتر:
-يا باشا هي محتاجة معالجة نفسية ومهدئات عشان حالتها، يعني آآ..
قاطعه أوس بنبرة متصلبة وهو يشير بعينيه:
-أنا مش بأعيد كلامي مرتين ! تقى مش هاتتحرك من هنا، وأحسنلك تنفذ اللي بأقول عليه !
مط مختار فمه، ثم تنهد بخفوت وهو يجيبه قائلاً:
-مممم.. هي على الأقل الفترة دي محتاجة تكون بعيدة عن أي ضغوط خارجية، وأنا أفضل إنها تكون تحت تأثير المهدئات لكام يوم
هز رأسه وهو يفكر فيما قاله بهدوء:
-أها !

تابع الطبيب مختار قائلاً بجدية:
-كمان أن بأنصح بتواجد ممرضة مقيمة معاها، هاتكون أدرى بالتعامل معاها وآآآ....
قاطعه أوس بنبرة حاسمة وهو يشير بيده:
-اوكي، أنا هاجيبلها واحدة ومحترفة كمان
هتف الطبيب قائلاً بثقة
-أنا عندي الممرضات كفؤ يا باشا، ويقدروا يباتوا كمان معاها
إنفرجت قسمات وجه أوس المتشنجة قليلاً، وسلط أنظاره على تقى، وأردف قائلاً بإيجاز:
-تمام..

أضاف مختار بصوت مهتم وهو يهز رأسه:
-كمان أنا بأنصح بالتغذية الصحية لأن المدام في حالة ضعف عام، والأدوية اللي بتاخدوها قوية جدا !
رد عليه أوس بجدية شديدة دون أن تطرف عيناه:
-ماتقلقش، أنا هاهتم بالموضوع ده !
ابتسم الطبيب إبتسامة مجاملة وهو يتشدق ب:
-يبقى كده مافيش مشاكل، وأنا هتابع معاك حالتها أول بأول !
هز أوس رأسه بخفة، ثم أردف قائلاً بجدية:
-اوكي، اتفضل يا دكتور !

ثم اصطحبه إلى الخارج، وهتف صائحاً بنبرة عالية:
-ماريا !
أسرعت الخادمة ماريا في الحضور، ووقفت أمامه قائلة بنبرة متلهفة:
-أفندم ؟
رمقها بنظرات جادة وهو يقول بجمود:
-وصلي الدكتور، وتعاليلي الأوضة
أومأت برأسها وهي تجيبه بخفوت:
-حاضر.

ثم عاد أوس إلى داخل الغرفة ليجلس على طرف الفراش بجوار زوجته.. وتأكد من وضع الملاءة عليها، وتأملها بنظرات مطولة دارسة لتفاصيل وجهها الذي عشقه..
أغرته شفتيها وحركتهما الخافتة في تلمسهما..
وابتلع ريقه بصعوبة وهو يقاوم رغبته في تقبيلهما..
هو عاهد نفسه على ألا يأخذها قسراً.. وأن يمحو من حياتهما تلك الذكريات الموجعة..

لكنه عجز أمام سحرهما عن الصمود طويلاً، فإنحنى بحذر نحوهما، وتلمسهما بشفتيه.. وأغمض عينيه ليستشعر ذلك الإحساس الغريب الذي يشعر به نحوها..
نعم هو إحساس مختلف عن ذي قبل.. وفتح عينيه ليتأملها عن كثب.. ولكنه ابتعد فجأة عنها متوتراً..
فذكرى ما فعله بها تجسدت أمامه، وصدح في أذنه صرخاتها المتوسلة بتركها..
شعر بالخزي من نفسه، وإتجه نحو خزانة الملابس، وكور قبضته في ضيق، ثم ضرب الضلفة بعنف، وهو يلوم نفسه بقسوة ب:
-صعب عليا أنسى اللي عملته فيكي يا تقى، مش بالساهل يتنسي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن والأربعون

ترجلت تهاني من الحافلة وهي لا تدري كيف وصلت إلى قصر عائلة الجندي..
ولكن كان تفكيرها منصب على رؤية ابنها، وإستعادته مرة أخرى خاصة بعد أن أنكر وجودها..
فرفضه هذا كان بمثابة خنجر مسموم طعنها – بلا رحمة – في قلبها.. لذا لم يعد لديها ما تخسره، فإتجهت على الفور إلى المكان القاطن به..
هرولت راكضة في إتجاه البوابة الرئيسية، ووجهها متلهف لرؤيته..

كانت عينيها حمراوتان، وأعصابها مشدودة للغاية..
رأها الحارس جمال وهي تتجه نحوه، فتأهب في مكانه، وسألها بصوت مرتفع ب:
-جاية هنا ليه يا ست؟ برضوه تايهة ؟!
لم تجبه تهاني، بل أكملت طريقها للدخول، فهب من مكانه، وأوقفها عنوة قائلاً بخشونة:
-رايحة فين يا ست إنتي
هدرت به قائلة بصوت منفعل وهي تحاول المرور:
-وسع يا بني خليني أخش
نظر لها شزراً، وأردف قائلاً بتهكم:
-هي وكالة من غير بواب ؟ ارجعي لورا.

صرخت فيه بإنفعال وهي تلوح بيدها:
-مش هامشي من هنا إلا لما أشوف ابني
نهرها بصوت حاد وهو يفرد ذراعيه أمامها ليسد عليها الطريق:
-روحي دوري عليه في حتة تانية، يالا اتمشي
تحركت بلا وعي للجانبين محاولة إختراق جسده الضخم الذي يحول بينها وبين الدلوف للداخل قائلة بعصبية:
-اوعى، أنا عاوزة أشوف ابني !
ثم صاحت بصوت مرتفع وغاضب وهي تشرأب بعنقها للأعلى:
-يا أوس.. أنا أمك يا أوس !

رمقها بنظراته المستهزأة قبل أن يصيح بصوت قوي:
-أوس مين يا ست إنتي، انتي مجنونة ولا إيه ؟!
هتفت بصوتها المتشنج وهي تحاول دفعه:
-أنا مش مجنونة، أنا أمه الحقيقية، وسع من السكة !
حذرها جمال قائلاً بصوت متصلب وهو يحدجها بنظرات جافة:
-لو مامشتيش من هنا، هاتترمي برا
هزت رأسها بإعتراض وهي تشيح بيديها أمامه:
-لألألأ.. مش ماشية.

لم يلتفت لها جمال بل صاح بصوت جهوري لرفاقه قائلاً:
-ارموا الست بعيد عن هنا، مش ناقصين قرف ولا وجع دماغ !!
وبالفعل تجمع حولها بقية أفراد الحراسة، ودفعوها للخلف دفعاً، فسقطت على ظهرها، وعافرت للنهوض، ولكنهم سحبوها بعيداً عن البوابة، وألقوا بها على جانب الطريق.. فعجزت عن النهوض بعد أن إلتوت قدمها..
وظلت تبكي بحرقة قائلة بحسرة:
-حرام عليكم ليه بتحرموني من ولادي، آآآآه !

في منزل أوس الجديد
نفث أوس دخان سيجارته وهو جالس في غرفة المكتب ممدداً لساقيه على الطاولة القصيرة الموضوعة أمام الأريكة الواسعة..
نظر هو في شاشة هاتفه المحمول، و ضغط على زر الإتصال بعدي.. ومن ثم وضع الهاتف على أذنه..
بعد أقل من ثوانٍ، أجابه عدي قائلاً بصوت هاديء:
-ايوه يا أوس
سأله أوس بهدوء عجيب وهو يزفر دخان السيجارة:
-ايه الأخبار ؟

رد عليه عدي بنبرة حزينة ب:
-حالة ليان وحشة أوي، وهاتتنقل من بكرة للمستشفى
-مممم..
ثم تابع قائلاً بضيق:
-الموضوع ماينفش يتسكت عليه لأنها هاتكرر المحاولة تاني
سأله أوس بإهتمام وهو ينزل ساقيه للأسفل:
-عفاف عندك ؟
أجابه عدي بنبرة عادية ب:
-اها.. هي أعدة معاها في الأوضة
رد عليه الأخير بإيجاز ب:
-تمام
تسائل عدي بنبرة مهتمة ب:
-وإنت عملت إيه ؟

أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم أجابه بصوت جاد:
-جبت مراتي
بدى عدي مندهشاً وهو يردف قائلاً:
-هاه، على طول كده
رد عليه أوس بتسائل متعجب وهو يحك طرف ذقنه:
-وإيه اللي يخليني أستنى ؟
أجابه هو بنبرة شبه جادة قائلاً:
-يعني، على اعتبار إن آآآ..
قاطعه أوس بنبرة متصلبة وهو ينفض بقايا سيجارته:
-أنا خدت القرار ونفذته !
أكمل عدي تساؤلاته المهتمة ب:
-أها، على الشقة إياها ؟

رد عليه أوس بنبرة جامدة وهو قاطب الجبين:
-لأ طبعاً، المكان ده إنساه، أنا جبت بيت تاني
تنهد عدي بإرتياح قائلاً:
-كده أفضل برضوه !
ثم صمت للحظة قبل أن يسأله بإهتمام:
- اومال مالك ؟ صوتك بيقول إنك مضايق ؟!
رد عليه أوس بفتور وهو يفرك عينيه المنهكتين:
-عادي
ابتلع عدي ريقه وهو يسأله مستفهماً ب:
-هو.. هو في حاجة حصلت وإنت مش عاوز تقول ؟
أجابه أوس بإيجاز وهو يمسح على رأسه:
-لأ..
-أوكي
أضاف أوس قائلاً بنبرة عادية وهو ينتصب في جلسته:
-المهم، ابقى طمني على ليان
-حاضر !

ثم أكمل قائلاً بجدية شديدة وهو محدق أمامه:
-أه، ويا ريت أما عفاف تخلص عندك تخليها تكلمني، عاوزها
رد عليه عدي بنبرة هادئة ب:
-ماشي
لوى أوس فمه وهو يضيف بإقتضاب:
-يالا، سلام !
ثم ألقى هاتفه على الطاولة بعد أن أنهى المكالمة، وتمطع بذراعيه في إنهاك، وحدث نفسه قائلاً بصوت مرهق:
-المشوار معاها لسه في أوله يا أوس ! اجمد عشانها !

صف مهاب سيارته بالقرب من البناية التي يقطن بها ممدوح، وأطفأ أضوائها، وظل يراقب المدخل لبرهة ليتأكد من خلوه من حارسه، ومن السكان..
ثم ترجل من السيارة، وبحذر شديد سار في إتجاهه، ودلف إلى الداخل وهو يتلفت حوله بريبة إلى أن وصل إلى المصعد، فإستقله على عجالة..
بعد عدة دقائق كان مهاب يقف أمام باب منزله، ثم دس يده في جيب سترته، وأخر المفتاح منها، ووضعه في موضعه، وتسلل إلى الداخل دون أن يصدر أي صوت..
كان الظلام دامساً بالمنزل.. ولم يردْ هو أن يضيء الإضاءة حتى لا يثير الشبهات، أو يلفت الأنظار إليه إن كان ممدوح متواجداً بالداخل..

ولكن الهدوء الشديد المسيطر على الأجواء دفعه للشعور بالإطمئنان والتأكد من خلو المنزل من أي أحد..
تنهد في إرتياح، ثم سار على أطراف أصابعه في إتجاه غرفة النوم التي عرف الطريق إليها من وصف زوجته الخائنة..
كان مستشاطاً من الغضب وهو يتخيلها في أحضان عشيقها، يبادلها القبلات الحارة والمشاعر المستثارة وهي تستجيب له بكل فجور..
كز على أسنانه محدثاً نفسه بغل ب:
-أه يا بنت ال ***، كنتي مقضياها، وأنا نايم على وداني !

ولكنه جاهد ليقنع نفسه بالتحكم في أعصابه، والتصرف بهدوء، فالوقت ليس وقت العتاب أو اللوم.. فقد جاء في مهمة، وعليه أن يركز كل تفكيره عليها حتى ينتهي ممن يشكل تهديداً عليه، وللأبد..
دلف مهاب إلى داخل غرفة النوم بعد أن تأكد من خلوها، وتأمل محتوياتها بنظرات محتقنة.. وسلط أنظاره على الفراش، وبرزت عروقه الغاضبة من عنقه وقبضتي يده..

زفر بعصبية وهو يحاول التنفس بعمق للسيطرة على نفسه..
ثم فرك وجهه بضيق، وأردف قائلاً بشراسة:
-خيانتكم إنتو الاتنين مايغسلهاش إلا الدم ! وهيتحاسب كل واحد فيكم على جريمته القذرة !
جاب مهاب بعينيه الغرفة، وقرر أن يفتش كل ركن فيها، باحثاً عن أي شيء يخص ماضيه..
وبالفعل بحث بحذر في كل مكان متوقع أن يضع فيه ممدوح ما يتعلق به..
ولكنه لم يجد أي شيء..

ثم إلتفت برأسه ناحية خزانة الملابس، وسار في إتجاهها، وفتح ضلفتها، واختطف نظرة سريعة في محتوياتها، ووقعت عينيه على الصندوق القديم.. فضيق عينيه في تعجب، ولم يترك لنفسه الفرصة في التفكير، حيث مد ذراعيه ليلتقطه، ثم إستدار ناحية الفراش، وأسنده عليه، وقام بفتحه والعبث في محتوياته..
إرتسم على وجهه علامات الصدمة حينما رأى صوراً فوتغرافية تخص تهاني، وكذلك بعض الأوراق القديمة التي لها صلة به.. فجمعها سريعاً وطواها، ودسها في جيبه، ثم أعاد غلق الصندوق، ووضعه في مكانه..

في نفس التوقيت، وصل ممدوح إلى مدخل البناية وهو يلف ذراعه حول رحمة، فقابل حارس البناية في طريقه، فرمقهما الأخير بنظرات متأففة، ولم يعقبْ..
لوى ممدوح فمه، وأردف قائلاً بتثاقل وهو ينظر إليه بإستعلاء:
-في أورد عشا جاي بإسمي كمان شوية، تطلعهولي على طول، سامع
ثم ألقى في وجهه حفنة من النقود الورقية..
رد عليه الحارس بإنزعاج وهو ينظر إلى من معه بإحتقار بعد أن جمع النقود:
-حاضر يا بيه !

إبتسمت رحمة إلى ممدوح، وهمست قائلة بعبث:
-إديله بقشيش يا باشا، ده برضك راجل شقيان !
هز رأسه موافقاً وهو يبادلها إبتسامة خبيثة قائلاً:
-هو برضوه !
أشاحت بوجهها للجانب في خجل مصطنع، وأجابته بخفوت ناعم:
-الله بقى، ماتكسفنيش !
ضغط ممدوح على كتفها، وهتف قائلاً بجموح:
-طب يالا بينا
ردت عليه بدلال وهي تسير معه:
-أوكي يا باشا
تابعهما حارس البناية بنظرات ساخطة إلى أن اختفيا عن أنظاره، فأردف قائلاً بصوت قاتم:
-استغفر الله العظيم يا رب، عالم ****

حاول مهاب أن ينتهي من تفتيش بقية غرف المنزل في أقل وقت ممكن، ولكنه سمع صوت همهمات خارجية تصدح في الرواق أمام باب المنزل.. فإتسعت مقلتيه في ذعر، وإرتبك بشدة، ونظر حوله بتوتر..
ابتلع ريقه بقلق، وركض في إتجاه أقرب مكان يختبيء به حينما سمع صوت المفتاح يدور في موضعه بالباب.. فلم يجد سوى المطبخ ليتوارى فيه..
تمايلت رحمة بجسدها بميوعة مغرية وهي تدلف إلى المنزل لتثير غرائز ممدوح أكثر، ثم إستدارت برأسها نحوه، وهمست بنعومة:
-هاخش أغير هدومي جوا يا باشا.

مسح على شفته العليا بطرف لسانه، ورد عليها قائلاً:
-ماشي يا حلوة
ثم نظرت له بلؤم وهي تتابع بصوت أنثوي مغري:
-هتاخد دش يا باشا قبل ما آآ..
لم تكمل رحمة عبارتها حيث أطلقت ضحكة عالية مائعة..
فنظر هو لها بإشتهاء، وأجابها بعبث:
-وماله، حتى أطفي النار اللي جوايا شوية قبل ما تجربي ممدوح الحقيقي.

مطت شفتيها في إعجاب، واجابته بتسلية:
-مممم.. باين عليك جامد يا باشا
تقوس فمه قليلاً وهو يجيبها بنبرة متغطرسة:
-إنتي لسه متعرفنيش، وشوية وهتجربي !
ردت عليه بحماس وهي تهز خصرها:
-وماله يا باشا، أموت أنا في أي حاجة !
ثم تغنجت في مشيتها لترفع من درجة إثارته..
إبتسم هو بشراسة، وحدث نفسه بثقة ب:
-يا ريتك بس تجمدي للأخر معايا !

نزع ممدوح قميصه بعد أن ألقى بسترته على أرضية الغرفة، ثم ولج إلى داخل المرحاض..
أسرعت رحمة بتبديل فستانها القصير بقميص نوم عاري وشفاف من اللون الأسود.. ثم ألقت بجسدها المغري على الفراش، وثنيت إحدى ساقيها لتبرز مفاتنها الداخلية، ووضعت يدها عند رأسها لتعبث بخصلات شعرها، ثم همست قائلة بتفاخر:
-وربنا يا باشا لأنسيك أي حاجة مكدراك، ده أنا ريري !

في نفس التوقيت تسلل مهاب بحذر إلى خارج المطبخ وهو يحمل سكيناً حاداً في يده بعد أن طرأ بعقله فكرة شيطانية ستمكنه من التخلص من ممدوح نهائياً دون أن يثير الشبهات نحوه..

تململت رحمة في الفراش، وظلت تهز جسدها بتوتر، ثم أدارت ظهرها للجانب لتمد يدها نحو الريموت الموضوع على الكومود، ومن ثم وجهته نحو شاشة التلفاز العريضة، وهتفت قائلة بصوت مرتفع:
-هاسمعك يا باشا شوية أغاني هاتعجبك
ثم عبثت بالمحطات الفضائية إلى أن وجدت محطة ما تبث أغاني خليعة، فتركتها على الفور، ورفعت درجة الصوت، وإبتسمت في زهو، وهي ترى نفسها كموديل راقص من ضمن المشاركات في الكليب الغنائي المعروض..

مد يدها دون إكتراث لتضع الريموت على الكومود مرة أخرى، ولكنه سقط سهواً على الأرضية، وإنتزع غطائه، فلفت جسدها للجانب، ونامت على بطنها، ومدت يدها محاولة إلتقاطه، وجمعه بغطائه..
استغل مهاب الفرصة، وإختلس النظرات لداخل الغرفة، فوجد تلك العاهرة مولياه ظهرها، فتحرك بخفة ودون تردد، ثم سحب الوسادة من جوارها، ووضعها على رأسها ليكتم أنفاسها بقبضة يده ويمنعها من الصراخ، وباليد الأخرى قام برفعها عالياً ليهوى بها على ظهرها، وطعنها عدة طعنات نافذة في مواضع قاتلة أودت بحياتها على الفور..

ثم ترك السكين مغروزاً في ظهرها.. وأخرج منشفة ورقية من جيبه، ومسح بها بصماته المطبوعة على يد السكين..
ثم نهض عن الفراش، وركض سريعاً خارج الغرفة، ومن ثم نحو باب المنزل، وتركه مفتوحاً.. ومنه إتجه إلى السلم الجانبي لينزله ركضاً ليهرب من البناية قبل أن يكتشف أمره أي شخص....
إنزعج ممدوح من صوت الأغاني الصاخب، وزفر في ضيق، ولم يكمل إستحمامه، ولف خصره بمنشفة قطنية، ثم خرج من المرحاض وهو يصيح بغضب:
-وطي الصوت شوية !

ثم إتسعت مقلتيه في رعب، وفغر فمه مذعوراً حينما رأى الدماء تغرق فراشه، وسكيناً حاداً يبرز من ظهر غانيته..
اقترب منها وهو يهتف بتلهف:
-ريري، ريري !
لم تجب عليه، ولم يستطع لمسها..
و تأمل منظرها المفزع بنظرات هلعة للغاية، وتراجع للخلف وجسده يرتجف بشدة..
إمتزجت حبات عرقه بقطرات المياه المتساقطة منه.. وبدى شاحباً وهو يحاول استنباط ما حدث قبل لحظات..

في نفس التوقيت، وقف حارس البناية أمام باب منزله وهو يحمل علب الطعام الجاهز في يده..
قطب جبينه في إستغراب وهو يرى الباب مفتوحاً..
رفع حاجبه في تعجب، وحدث نفسه قائلاً:
-هو مش قافل الباب ليه !
بحذر شديد دفع بقدمه الباب، وصاح بصوت شبه عالي:
-يا باشا، الأكل جه، أحطه فين ؟

لم يستمع حارس البناية إلا لصوت الموسيقى الصاخبة، فهتف بنبرة أعلى:
-يا باشا، الأكل وصل، أسيبه هنا، ولأ أحطه في المطبخ
ثم ضيق عينيه حينما رأى ممدوح يلج للخارج ووجهه غريباً ونظرات الذعر تسيطر عليه..
ثم دقق النظر في منشفته التي إصطبغت بلون أحمر، وسأله بتوجس:
-هو في ايه يا باشا ؟
تلعثم صوت ممدوح وهو يجيبه بخوف وهو يشير بيده:
-ر.. ر.. ريري !

إزداد إنعقاد ما بين حاجبي الحارس في حيرة، وترك الطعام على الطاولة القريبة، وسار إلى حيث أشار ممدوح وهو يتسائل بفضول:
-ماله الباشا !
جحظت بعينيه مرعوباً حينما لمح ذلك السكين يبرز من ظهر الفتاة شبه العارية وهو يقف على عتبة الغرفة، وصرخ بصدمة:
-يا سنة سوخة يا ولاد، قتييييييل، قتييييل !
ثم ركض خارج الغرفة ومنها إلى خارج المنزل وهو يتابع الصراخ بصوت مخيف:
-قتييييل في بيت الضاكتور، قتيييييل يا خلق هووو...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع والأربعون

جلست تهاني على عتبة باب المنزل وهي تنتحب بصوت مكتوم، وفركت ركبتيها المتآلمتين من أثر سقوطها بعد أن عادت خائبة الرجاء وفشلت في مقابلة ابنها..
ظلت تصدر أنيناً خافتاً، وتلوم بنفسها بشدة عن تفريطها في حقها في الظفر بإبنها قائلة بندم:
-يا ريتني ما سبته يمشي من هنا ! آآآه.. !
إستمعت إلى صوت تأوهاتها الجارة إجلال، وفتحت باب منزلها لتقف إلى جوارها وتردف قائلة بقلق:
-خشي بيتك ياختي، مالهاش لازمة الأعدة كده.

تنهدت بحسرة، وهزت رأسها للجانبين في إستنكار، وردت عليه بنشيج:
-أخش إزاي وأنا قلبي واكلني على كل اللي بأحبهم ؟!
مطت شفتيها، واجابتها بهدوء قائلة:
-ده نصيب، ومقدر ومكتوب !
لطمت على فخذيها وهي تندب قائلة بصوت مختنق:
-آآآآه.. يا مين يعترني فيهم
ربتت إجلال على كتفها في حنو، وأردفت قائلة بنبرة مواسية:
-إن شاء الله تلاقيهم، خشي بس جوا، واقعدي جمب أختك، كفاية اللي هي فيه، هتلاحق على بنتها ولا جوزها.

أطرقت رأسها في خزي، وأضافت بصوت منكسر:
-آآآه، ده أنا عيني منها في الأرض، ابني السبب في اللي جرى لبنتها
تابعت إجلال حديثها بهدوء ب:
-هو إنتي كنتي عارفة إن ده هايحصل، ربنا رايد
رفعت تهاني عينيها الدامعتين للسماء، وهتفت قائلة بصوت باكي:
-يا رب مد في عمري لحد ما أصلح اللي فات كله، يا رب !

إبتسمت لها إجلال إبتسامة باهتة، وهتفت قائلة بنبرة متفائلة
-إن شاء الله، ارمي همومك على ربنا، وعليه التدبير وجبر الخواطر، قومي يالا
نهضت تهاني بتثاقل من على الدرج، وإستندت بيدها على الدرابزون لتعتدل في وقفتها، ثم قرعت لها إجلال الجرس، لتفتح لها فردوس الباب بعد لحظات..
لم تنطق الأخيرة بكلمة، ولكنها رمقت أختها بنظرات ساخطة وتحمل العتاب.. ثم أولتها ظهرها، وولجت للداخل
ربتت إجلال على ظهر تهاني، وهمست لها:
-معلش اعذريها، وربنا يهدي سركم
وبالفعل دلفت تهاني للداخل، وأغلقت الباب خلفها بعد أن شكرت جارتهاعلى مواقفها الطيبة معها..

في قصر عائلة الجندي
عاد مهاب إلى القصر بعد أن إرتكب جريمته النكراء وهو بارد الملامح، جامد المشاعر، لا يبدو عليه أنه تأثر بما فعله..
ورغم هذا لم ينكر أنه خشي لوهلة أن يكون قد رأه شخص ما، أو سقط منه سهواً ما قد يدينه لاحقاً..
في حين وقفت ناريمان وهي تعض على أناملها من الخوف الشديد في شرفة غرفتها، وترقبت وصوله على أحر من الجمر..
وما إن لمحته يلج للقصر حتى تنفست الصعداء، ودلفت إلى غرفتها.. وظلت تجوبها ذهاباً وإياباً وهي تحدث نفسها بقلق ب:
-هايكون عمل ايه ؟ أووف، أعصابي مش مستحملة أي قلق خالص !

حاولت أن تتنفس بعمق لتسيطر على إضطرابها البادي بوضوح علىكل تصرفاتها، ولم تنجح في هذا..
فالفضول يقتلها لمعرفة ما حدث..
بعد أقل من دقائق معدودة، ولج مهاب إلى داخل الغرفة ووجهه متجهم للغاية، ورمقها بنظرات ساخطة، ولم ينبس بكلمة، وإتجه نحو التسريحة ليضع متعلقاته عليها..
سارت نحوه، ونظرت إليه بتفحص، وسألته بتلهف:
-ها، عملت ايه ؟
أجابها بنبرة جافة وهو ينزع رابطة عنقه:
-يهمك تعرفي أوي ؟!

ردت عليه دون تردد ب:
-أكيد
ثم تنحنحت بحرج، وهتفت قائلة بتلعثم:
-أقصد يعني عاوزة أطمن عليك !
إلتفت برأسه نحوها ليرمقها بنظراته المهينة قبل أن ينطق بنزق:
-واضح فعلاً إنك هاتموتي وتعرفي عشيقك جراله ايه !
إتسعت حدقتيها في خوف، وسألته بإرتباك جلي:
-هو.. آآ.. إنت قتلته ؟

أجابها ببرود مستفز وهو عابس الوجه:
-بكرة هاتعرفي من الجرايد
وضعت يدها على كتفه، ورمشت بعينيها وهي تسأله بتلهف قلق:
-مهاب، بليز قولي، أنا مش هافضل كده لحد بكرة !
لوى فمه في تأفف، ونظر لها بإحتقار، ثم أزاح يدها، وإتجه نحو المرحاض..
ابتلعت هي ريقها، وهتفت قائلة بذعر:
-أنا بقيت بأخاف منك، ومن سكوتك ده.

إستدار بجسده فجأة، وسلط أنظاره الحادة عليها قائلاً بشراسة:
-لازم تخافي يا ناريمان، لأن حسابك جاي قريب
فغرت فمها مصدومة وهي تنظر له بهلع:
-ايييه ؟
أجابها بقساوة أشد وهو يحدجها بنظرات أكثر إهانة:
-زي ما سمعتي، وأنا معنتش في صفك زي زمان، وابقي خلي حبيب القلب ينفعك !
وقفت في مكانها مشدوهة، عاجزة عن التفكير فيما سيحدث لها على يد زوجها بعد أن تأكدت من معرفته بخيانتها..

في منزل الجارة حكمت
تثاءبت حكمت بصوت شبه مسموع وهي تتمطع بذراعيها في إرهاق بعد أن جلست لفترة في الشرفة في إنتظار عودة ابنتها رحمة..
مطت فمها للجانب، وأردفت قائلة بضيق - وهي تشرأب بعنقها محاولة التدقيق في أوجه المارة، ورؤية مدخل الحارة:
-برضوه البت بتمشي اللي في دماغها، وبترجع متأخر، مش قادرة تصبر لحد ما نسيب المخروبة دي ونإب على وش الدنيا وتعمل اللي هي عاوزاه..!
ثم تنهدت في تعب، وأضافت قائلة بصوت ناعس:
-بوريه منك بِت ! آآآخ ياني !
تثاءبت لأكثر من مرة، وبدأ رأسها يتثاقل، وتغفو في مكانها، فهتفت قائلة بإنهاك:
-أنا أقوم أفرد جتتي شوية لحد ما تجي بدل ما جسمي قفش في بعضه !
ثم توجهت عائدة إلى الداخل وهي غير مدركة لما حدث مع فلذة كبدتها الوحيدة..

في منزل ممدوح الجديد
حضر رجال الشرطة والمباحث الجنائية ومعهم وكيل النيابة إلى منزل ممدوح، وتم إبعاد جميع السكان عن مسرح الجريمة لكي يقوم المتخصصون بإتمام عملهم..
تبادل الجيران أحاديث حادة وجارحة عن سلوكيات ممدوح المشينة، وتناثرت الأقاويل حول تردد بعض العاهرات والمشبوهات إلى منزله من آن لأخر..
وبدأ الضباط في تسجيل أقوالهم بعد الإستماع لشهادتهم..

كذلك سرد حارس البناية لوكيل النيابة ما رأه خلال نوبة عمله، وكيف أن صاحب المنزل مشهور بالعلاقات النسائية المتعددة..
وعلى الجانب الأخر، جلس ممدوح القرفصاء في إحدى زوايا غرفة الإستقبال وهو يحاول إستيعاب ما حدث..
وقف قبالته ضابط الشرطة، ورمقه بنظرات مهينة، وهتف قائلاً بصوت جاد:
-البس هدومك عشان تيجي معانا
رفع ممدوح رأسه للأعلى، ونظر له بإندهاش وهو يجيبه بصوت محتشرج:
-أنا.. أنا معملتش كده، أنا خرجت من الحمام لاقيتها مقتولة.

لم يحدْ الضابط بنظراته المحتقرة عنه، وتابع قائلاً بجمود:
-الكلام ده هيتقال في القسم، في محضر رسمي، دي جريمة قتل يا.. يا دكتور، لأ ومع واحدة شمال ! يعني فيها آداب كمان !
ابتلع ممدوح ريقه بتوتر شديد، وتشدق قائلاً بصوت متقطع:
-بس آآ..
قاطعه الضابط بصرامة ب:
-يالا، ولا تحب ناخدك كده !!!!!
أطرق ممدوح رأسه في خزي، فقد كان لا يزال خصره ملتفاً بالمنشفة القطنية، فنهض بحذر من على الأرضية.. وسار بصحبة الضابط في إتجاه غرفه نومه ليحضر ما يستر به سوءته !

في صباح اليوم التالي
في منزل تقى عوض الله
نهضت فردوس من على الأريكة وعضلاتها تأن من تيبسها بسبب نومتها لساعات على نفس الوضعية..
فركت وجهها بكفيها، ونظرت إلى زوجها المريض بحزن، وحدثت نفسها بضيق ب:
-إتكتب علينا الغلب من يومنا يا عوض، مابنلحقش نفرح ! آآآه ياني !
ثم سمعت صوت صافرة سيارة الشرطة يصدح في الخارج، فإنقبض قلبها، وركضت مسرعة في إتجاه الشرفة لترى ما الذي يحدث وهي تحدث نفسها بخوف:
-استر يا رب، البوليس جاي ليه ؟!

تأملت بنظرات متفحصة - من شرفتها القديمة - حفنة العساكر وهو يترجلون من السيارة ويدلفون إلى مدخل البناية، فإزداد خفقان قلبها، وعبوس وجهها، وحدثت نفسها بتوجس وهي تلطم على صدرها:
-لاحسن يكونوا جايبنلي خبر البت ! يادي النصيبة !
ثم سارت بخطوات راكضة في إتجاه باب منزلها، وفتحته، ووقفت على عتبته، وإنتظرت صعودهم بتوتر رهيب..
وبالفعل مر العساكر عند طابقها، فهتفت قائلة بخوف:
-في ايه يا شاويش ؟

نظر لها أحدهم بنظرات جادة، وهتف بصوت صارم:
-خشي بيتك يا ست !
فغرت فمها في تعجب ب:
-هاه، أخش !
ثم تنفست بإرتياح حينما وجدتهم يصعدون للطابق العلوي، وهتفت قائلة بخفوت:
-الحمدلله، مافيش نصيبة تانية !
ثم ضيقت عينيها بإستغراب، وقطبت جبينها وهي تتسائل بفضول:
-بس.. بس هما جايين هنا ليه ؟

في منزل الجارة حكمت
أفاقت حكمت من نومها العميق على صوت دقات قوية على باب منزلها، فإنتفضت مذعورة في فراشها..
ودعكت عينيها بإنهاك، وحدثت نفسها قائلة بضجر:
-إيه الرقع ( الخبط ) اللي على الصبح ده ! يا باي، هاتهدوا الباب !!
ثم نهضت بتثاقل من عليه، وسارت بخطوات بطيئة في إتجاه باب منزلها وهي تهتف بصوت مسموع ومنزعج:
-بالراحة يا اللي على الباب، ايه هي الدنيا اتهدت ؟!
ثم قامت بفتحه لتتفاجيء ببعض العساكر يقفون أمام منزلها، ففغرت فمها مدهوشة وهي تسألهم بقلق:
-في ايه ؟

هتف أحدهم قائلاً بصوت جاد:
-ده بيت المدعوة رحمة !
قطبت جبينها، ونظرت له بتمعن وهي تجيبه بصوت شبه منفعل ك
-أيوه، أنا أمها
أضاف قائلاً بجمود وهو يشير بيده:
-طيب اتفضلي على القسم، البيه وكيل النيابة عاوزك
ابتلعت ريقها بتوتر، وسألته متوجسة:
-خير يا شاويش ؟ هو.. هو حصل ايه بالظبط ؟
أجابها بإقتضاب وهو بارد الملامح:
-معرفش !

هزت رأسها في إمتثال لأوامره، وقالت بهدوء:
-طيب، هاغير وأحصلك
تابع هو قائلاً بصوت قاتم:
-أوام يا ست، إحنا مستنينك تحت !
أغلقت هي الباب، ثم إتجهت نحو غرفتها، وهي تسأل نفسها بفضول:
-يا ترى عاوزني ليه في القسم ؟!

في مخفر الشرطة
قضى ممدوح ليلته خلف قضبان الحجز الباردة وهو جالس بمفرده في إحدى الزوايا المظلمة يعتصر عقله بشدة محاولاً الوصول إلى تفاصيل حدوث تلك الجريمة النكراء في منزله دون أن ينتبه له..
فكر كثيراً في كيفية حدوثها، ودار في رأسه عشرات من الأسئلة، أهمها هو كيف تسلل القاتل إلى منزله ومغافلته إياه لينقض على رحمة ويقتلها ببرود دون أن يدرك هو هذا..

عجز عن الوصول إلى إجابة مقنعة أو حتى مرضية، فهناك حلقة مفقودة في تلك المسألة..
وإزدادت شكوكه حول كونها مكيدة مدبرة للإيقاع به، والتخلص منه نهائياً..
قطع تفكيره المشحون صوت قاتم يأتي من بعيد ب:
-انت يا متهم ! تعالى، وكيل النيابة عاوزك
نهض من مكانه، ووجهه جامد التعبيرات، وسار بهدوء مريب في إتجاهه...

وفي مكتب أخر بالمخفر
تعالت صراخات حكمت عالياً بعد أن علمت بخبر مقتل إبنتها الوحيدة،فلم يخطر ببالها أن تصحو على تلك الفاجعة، وأن تخسرها ببساطة..
إعتصر قلبها بشدة لفقدانها، وزاد عويلها وهياجها، فنهض الضابط من مقعده وصاح بها:
-اهدي يا ست، امسكي نفسك شوية
هزت رأسها بعصبية مفرطة، وتشنجت في مكانها وهي تضيف بصراخ أشد:
-بنتي، قتلوها لييييييه، هاعيش لمين بعدك، آآآآآآآآآآآآآه، عملتي ايه يا بنتي عشان يغدروا بيكي، بنتي ! آآآآآآآآآآه.. هاتولي بنتي، يا لهوووووووي !!!!

أشار الضابط للعسكري الواقف بالخارج قائلاً بصرامة:
-روح يا عسكري هاتلها مياه، الست ماستحملتش الخبر
تابعت هي عويلها ولطمت على صدغيها بعنف وهي تبكي بحرقة:
-آآآآآآه، قتلوكي يا بنت بطني في عز شبابك، روحتي هدر يا كبدي، آآآآآآآآآآه....!!!
أشار لها الضابط بكفه وهو يقول بحذر:
-اهدي يا ست شوية، واسمعي !

هزت رأسها في إتراض، وصرخت بعويل:
-أنا عاوزة بنتي، هاتولي بنتي، آآآآآآآآآآآآآآآآآآآه، بنتي !!!!
ظلت تبكي بحرقة ومرارة، ففقدانها لم يكن بالأمر الهين عليها..
وما زاد من فجيعتها، هو معرفتها بأنها قتلت وهي في وضع مخل ومسيء إليها..
شهقت بصدمة، ولطمت على رأسها وهي تتحسر عليها قائلة:
-موتي خاطية يا بنت بطني، موتي وإنتي كده، آآآآآه، لا طولتي دنيا، ولا أخرة، آآآآآآآآآآآه
إحتقن وجهها بشدة وهي تلوم نفسها بقسوة على دفع إبنتها نحو طريق الخطيئة من أجل الربح المادي، فخسرتها للأبد:
تأوهت بأنين مختنق وهي تتابع ب:
-كنتي فين قبل ما اليوم ده يحصل، الموت خدك في لحظة يا غالية، آآآآآآآآآآه!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
فاجيء أوس الجميع وحضر إلى مقر شركته في وقت مبكر للغاية قبل أن يحضر حتى موظفيه..
ثم بتركيز شديد طالع بعض الأوراق الهامة، ثم إنتهى من توقيعها، فجمعتهم السكرتيرة الخاصة به على الفور، وأضافت قائلة بهدوء:
-تمام كده يا فندم
أرجع ظهره للخلف، وألقى بقلمه الحبر الذهبي على سطح مكتبه، ثم أشار له بطرف إصبعه وهو يرمقها بنظراته الجامدة قائلاً بجدية:
-اوكي، اتفضلي انتي !
إبتسمت له إبتسامة خفيفة وهي تهز رأسها بهدوء، ثم أولته ظهرها، وسارت بخطوات سريعة وثابتة خارج مكتبه..
أغمض أوس عينيه ليتذكر تلك اللحظة السعيدة العابرة التي حدثت له قبل أن يتوجه لعمله..

أغلق أوس صنبور الإستحمام بعد أن إغتسل بمياه ساخنة للغاية لكي يرخي عضلاته المتشنجة قليلاً..
لف خصره بالمنشفة، وجفف شعره بمنشفة صغيرة، ثم خرج من المرحاض لينظر إلى تقى الغافلة نظرات مطولة متأملاً سكونها الإجباري..
تنهد في إرتياح لأنها أصبحت معه الآن، وفي عهدته..
عقد ساعديه أمام صدره، وإستند بظهره على باب المرحاض
وتقوس فمه بإبتسامة صغيرة.. ثم همس قائلاً بحرارة وهو يدقق النظر في تعابير وجهها:
-تقى !

وكأنها إستجابت لهمسه، فإبتسمت له قليلاُ، وإنفرجت بعدها شفتيها للأسفل..
رمش بعينيه غير مصدقاً ما حدث للتو، وأرخى ساعديه في عدم تصديق، واقترب منها، وجثى على ركبتيه أمام الفراش، ثم مد يده ومسح بنعومة على وجنتها، وأردف قائلاً بتلهف:
-تقى.. سمعاني، تقى ! إنتي.. إنتي ضحكيتلي صح ؟!
لم تجبه، بل ظلت على وضعيتها الهادئة.. فتنهد بعمق، ثم رفع رأسه ليقبل جبينها، وتابع قائلاً بخفوت:
-المهم إنك معايا الوقتي
مسد على رأسها، ثم إعتدل في وقفته، وإتجه نحو خزانة الملابس لينتقي ما سيرتديه قبل أن يتوجه لعمله....

عقد عدي ما بين حاجبيه بإندهاش وهو يرى رفيقه أوس شارداً، ومرسوم على ثغره إبتسامة غريبة لم يعهدها فيه من قبل، ففغر فمه مشدوهاً، وهتف قائلاً بصوت مرتفع:
-لا بجد أنا مش مصدق، أوس الجندي بجلالة قدره بيضحك !
إنتبه الأخير له، وإنتصب في جلسته، وتلاشت إبتسامته، وسأله بصوت جاد وهو يضيق عينيه بحدة:
-عدي ! إنت هنا من إمتى ؟!
إبتسم له عدي إبتسامة عريضة، وهتف قائلاً بمزاح:
-من سنة يمكن !

قطب أوس جبينه، وتنحنح بصوت خشن، ثم قال بصوت جامد:
-مش وقت هزار، قولي إيه أخبار ليان معاك ؟
أخذ عدي نفساً مطولاً، وزفره على عجالة، وأجابه بصوت شبه حزين:
-وديتها المستشفى، ده أحسن حل ليها الفترة الجاية
مط أوس فمه وهو يضيف قائلاً بهدوء:
-تمام، هما هيتعاملوا معاها كويس
هز عدي رأسه موافقاً، وتابع بصوت هاديء:
-أها، عامة أهي فرصة برضوه أظبط حاجات في الشركة هنا بدل ما أحنا سايبن الدنيا على الأخر !

نهض أوس عن مكتبه، ودفع مقعده للخلف، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله، وأردف قائلاً بصوت رخيم:
-عندك حق، أنا كمان قدامي كام ملف عن صفقات جاية مع وكلاء اجانب
أوما عدي برأسه موافقاً إياه، تشدق ب:
-أيوه، دول بقالهم فترة، أنا كنت ناوي حتى أخدهم في جولة سياحية قبل ما أظبط معاهم الإتفاقيات الرسمية، حاجة كده فوق البيعة زي ما بيقولوا !
أخرج أوس يده من جيب بنطاله، ووضعها على كتف عدي، وربت عليه بقوة قائلاً بنبرة حاسمة:
-سيب الجولة دي عليا.

عقد عدي حاجبيه في إستغراب واضح، فعادةَ أوس الجندي لا يقوم بمثل تلك الأمور بنفسه، وإنما يوكل بها خبراء متخصصين لضمان إرضاء العملاء، وخاصة ذوي الشأن منهم، واليوم هو يقرر الذهاب بنفسه، فزاد هذا من غرابة الموقف، وتسائل بفضول:
-إيه ده ؟ إنت ناوي تسافر بنفسك ؟ غريبة !
تنهد أوس بعمق، وأولاه ظهره، وسار في إتجاه الحائط الزجاجي، ووقف قبالته.. ثم أردف قائلاً بصوت جاد:
-أنا محتاج السفرية دي أوي
سأله عدي بإستفهام أكبر وهو يرمقه بنظرات متفحصة:
-ليه ؟

أجابه هو دون تردد ب:
-عشان تقى
فغر عدي فمه في تعجب قائلاً:
-نعم ! تقى !
إستدار أوس برأسه قليلاً للجانب، ورد عليه بصوت هاديء:
-أيوه، هي محتاجة تغير جو
سأله عدي بمكر وهو يقترب منه متفرساً في تعبيرات وجه رفيقه:
-هي ولا إنت ؟

وضع أوس يده على كتف رفيقه، ونظر له مباشرة بنظرات لامعة، وأجابه بصوت شبه منزعج:
-إحنا الاتنين يا عدي مكدبش عليك، عاوز أبعد عن كل القرف اللي هنا، و.. آآآآ
لم يكمل أوس عبارته الأخيرة حيث تفاجيء بوالده مهاب يقتحم عليه مكتبه في سابقة لم تحدث منذ سنوات و...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخمسون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
إعتلت الدهشة وجه كلاً من أوس وعدي حينما رأيا مهاب الجندي يدلف إلى المكتب في سابقة لم تحدث منذ سنوات..
وقف الأخير في مكانه بثبات، ورسم على محياه إبتسامة سخيفة، وأردف قائلاً ببرود:
-ايه يا أوس ! مش هاتقول لأبوك اتفضل !
دس أوس يديه في جيبي بنطاله، ونظر لوالده بوجه خالي من التعبيرات، وهو يرد عليه بفتور:
-ما إنت موجود فيه، مش محتاج أقولك.

زم فمه للأمام، وأضاف قائلاً بهدوء مستفز:
-ممم.. عندك حق ! مكتب ابني هو مكتبي !
ثم سار بخطوات واثقة في إتجاهه إلى أن وقف قبالته، فسأله أوس بنبرة جافة ب:
-جاي ليه يا د. مهاب ؟
رد عليه مهاب وهو يرسم تلك الإبتسامة السخيفة على ثغره ب:
-عشان أزورك
لوى أوس فمه متهكماً، وهتف قائلاً بإستهزاء:
-تزورني ؟ وده من إمتى ؟

عبس وجه مهاب قليلاً، وقال بنزق وهو يرمقه بنظرات حادة:
-جرى ايه يا أوس ؟ مالك مستغرب أوي من زيارتي، عادي أنا أبوك وجاي اطمن عليك
أومأ أوس رأسه بعدم إقتناع، ثم مسح أسنانه بطرف لسانه، وأردف قائلاً بنبرة جافة للغاية:
-أها.. ولا وإني مش مصدقك، بس أوكي، هاعديها
حك مهاب ذقنه، ثم هز رأسه بحركة خفيفة وهو يتابع قائلاً بجدية:
-ماشي، المهم أنا عاوز أتكلم معاك على إنفراد !

هنا شعر عدي بالحرج، فتنحنح بصوت خشن، وهتف قائلاً بتلعثم وهو يشير بكفيه:
-إحم.. أنا هاروح أشوف بقية ال.. آآ.. الصفقات، وآآ.. والملفات وآآ..
قاطعه أوس بصوت متصلب وهو يرمق والده بنظرات شرسة:
-استنى يا عدي، لو دكتور مهاب عاوز يقول حاجة، يقولها قصادك إنت مش غريب
ابتلع عدي ريقه، وتشدق ب:
-يا أوس مافيش داعي، أنا كده كده آآآ..

قاطعه أوس مرة أخرى بجمود وهو يسلط أنظاره القوية على والده ب:
-أنا قولت اللي عندي !
إحتقن وجه مهاب قليلاً، وكز على أسنانه قائلاً بضيق:
-إنت مش عاملي إعتبار خالص، ولا شايف منك إحترام !
نظر عدي إلى أوس بضجر، وهتف بتوتر:
-خلاص يا أوس، أنا ورايا شغل، هابقى أجي بعدين
أمسك به أوس من ذراعه، وقبض عليه بشدة، وصاح قائلاً بصوت محتد ولم تطرف عينيه القاتمتين للحظة:
-استنى هنا، إنت عارف إني مش بأعيد كلامي مرتين !

نظر له عدي بنظرات راجية، وهمس قائلاً بهدوء:
-معلش المرادي بس، حقيقي أنا عندي شغل !
ثم وضع يده على قبضة أوس، وأبعد أصابعه المتشنجة عن ذراعه، وانصرف سريعاً من المكتب..
كز مهاب على أسنانه بضيق جلي، وتسائل قائلاً بغيظ:
-امتى هتغير طريقتك دي ؟
لوى أوس فمه مستهزأً، ورد عليه بتهكم صريح وهو يرمقه بنظرات غير مبالية:
-هه، دي نتيجة التربية الحميدة بتاعتكم !
نظر له مهاب شزراً، وقال بإمتعاض:
-بتتريق ؟!

دار أوس حول مكتبه، وجلس على مقعده، ثم مد يده نحو الصندوق الخشبي الصغير الموضوع على الجانب، وفتحه قليلاً وأخرج منه سيجارة كوبية، ثم أشعلها بقداحته، واستنشق دخانها، وزفره وهو يتسائل ببرود مستفز:
-مقولتليش جاي ليه ؟
بدى مهاب مختنقاً من تصرفات إبنه الوقحة، ولكنه إعتاد على هذا منه، فأخذ نفساً عميقاً، وزفره بتمهل وهو يجيبه بسؤال ماكر:
-عرفت اللي حصل لممدوح ؟
نفث أوس دخان سيجارته بتلذذ وهو ينظر لوالده بنظرات قاسية، وقال ساخراً:
-مات ؟

رد عليه الأخير بجدية وهو محدق به ب:
-لأ.. متهم في جريمة قتل !
قطب أوس جبينه في إستغراب، وهتف متعجباً
-نعم !
تابع والده حديثه بثقة وهو يجلس قبالته واضعاً ساقاً فوق الأخرى:
-الخبر على النت من إمبارح، ده أنا قولت هايكون عندك خلفية عنه !

لوى أوس فمه في إزدراء، ثم قال بنزق:
-والله أنا مش فاضي أتابع النت وغيره، وأنا عندي حاجات أهم بكتير من الهيافات دي
أمعن مهاب النظر في وجه إبنه، وأردف بصوت مندهش وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-يعني مش فارق معاك الخبر ؟ ده أنا قولت إنت هاتفرح أوي لما تعرف
رد عليه أوس ببرود وهو يعبث ببعض الملفات الموضوعة أمامه بإصبعيه:
-وأفرح ليه ؟ مايفرقش معايا !
هتف مهاب قائلاً بجموح:
-بس يهمني أنا إنك تعرف ده، خلصنا منه، قصدي معدتش هيوجع دماغنا بعمايله.

سلط أوس عينيه عليه، ورمقه بتلك النظرات القوية التي إخترقته وكأنها استشفت جريمته النكراء، فوالده هو الصديق المقرب لممدوح، وكلاهما يتشاركان في كل شيء حتى الزوجات.. وتشفي والده فيما حدث لممدوح يثير شكوكه حول كونه يقف وراء ما حدث بطريقة أو بأخرى.. أخذ نفساً عميقا، وزفره على عجالة، ثم أضاف بنبرة ذات مغزى وهو يطفيء ما تبقى من سيجارته المشتعلة:
-قصدك إنت خلصت منه، لأنه يخصك، مش مشكلتي !

إرتبك مهاب لوهلة من نظراته ابنه، وخشي أن يكون إفتضح أمره، فأوس ليس بالساذج الذي تنطلي عليه أي خدع.. فأشاح برأسه للجانب حتى يخفي توتره، وأنزل ساقه، وتنحنح بصوت خشن، ثم تسائل بهدوء حذر:
-أومال إنت مش ناوي ترجع القصر تاني ؟
رد عليه بصوت حاسم وهو محدق به بقساوة:
-لأ
نفخ مهاب من الضيق، وتابع قائلاً بصوت شبه متعصب:
-يا ريتك تفوق من اللي انت فيه، وترجع أوس بتاع زمان !

تقوس فم أوس للجانب وهو يجيبه بتهكم:
-هو أنا ضيعني غير إني أوس بتاع زمان !
ثم أخفض بصره ليتطالع ملفات عمله قائلاً ببرود قاسي:
-يالا يا دكتور مهاب، إرجع المستشفى بتاعتك، أو شوف وراك إيه، لأني مش فاضي، عندي شغل !
نهض والده عن مقعده وهو يرمقه بنظرات مستشاطة ووجهه محتقناً للغاية من اسلوبه الفظ، وكور قبضته في إنزعاج، وضرب على سطح المكتب بغيظ قائلاً بنبرة مغلولة:
-ماشي يا أوس، ماشي !
ثم أولاه ظهره وانصرف غاضباً من مكتبه..
في حين أرجع أوس ظهره للخلف، وصر على أسنانه بتشنج قائلاً:
-مش ناقصني غير الكلب ده عشان أتابعه !

على مدار الأيام التالية
استمرت التحقيقات مع ممدوح حول جريمة القتل الغامضة التي تمت في منزله..
وطلب حضور محامٍ خاص بتلك النوعية من القضايا ليتولى الدفاع عنه، ومعرفة ملابسات القضية من أجل رسم خطة الدفاع عنه....
كذلك أمرت النيابة بإستمرار حبسه على ذمة التحقيقات..

علم جميع قاطني الحارة الشعبية بمقتل رحمة ( موديل ) الكليبات الهابطة في منزل مشبوه، ووفاتها في وضعية مخلة.. فترحم البعض عليها، وزم عدد أكبر في سمعتها..
لم تطق حكمت البقاء في منزلها بعد الذي صار، فقد أصبحت سمعة ابنتها وصمة عار يعايرها الأطفال بها كلما راحت أو غدت، لذا قررت الإنتقال لمكان أخر لا يعرفها فيه أحد لتعيش ما تبقى من عمرها بعيدة عن المشاكل وخاصة أنها تحمل نفسها الذنب الأكبر في دفع إبنتها لطريق الرذيلة وإرتكاب الفواحش..

بحث عبد الحق عن غرفة صغيرة - ( بمنافعها ) كما يشاع - من أجل الإنتقال للعيش فيها مع زوجته بطة بعيداً عن والدته حتى يعوضها عن خسارتها لجنينها.. ويبدأ معها حياة مستقلة..
بينما تهللت أساريرها بعد تأكدها من صدق نواياه معها.. وشعرت بالراحة أخيراً بعد أن أوشكت على تحقيق رغبتها في الإنفصال عن تلك البغيضة التي أذاقتها المر منذ أيام زيجتها الأولى....

قرأت ناريمان ما حدث مع ممدوح من خلال مواقع الأخبار الإلكترونية.. وصدمت مما عرفته.. وأصبحت أكثر ذعراً وخائفة مما يمكن أن يفعله بها زوجها مهاب من أجل الإنتقام منها.. خاصة وأن الجريمة كانت شبه كاملة، لا يوجد بها ما يدين زوجها..

واصلت تهاني مسعاها يومياً في الذهاب إلى قصر عائلة الجندي من أجل رؤية ابنها، وظلت باقية على مقربة من البوابة الرئيسية، جالسة على الرصيف، تراقبها بكثب حتى تتمكن من التمتع بنظرة واحدة منه..
ورغم طرد الحراسة الأمنية لها إلا أنها كانت تواظب على المجيء حتى يئسوا منها، وتركوها تجلس بمفردها حتى تمل وترحل من تلقاء نفسها خائبة الرجاء، وفاقدة للأمل في رؤياه..

إصطحبت فردوس زوجها عوض الله إلى المشفى الحكومي القريب لتستأنف علاجه هناك بعد أن تدهورت صحته وعجزت عن الإستمرار في رعايته.. حيث أرهقها العناية به بمفردها مع بحثها عن سبل لتدبير أموال من أجل النفقات اليومية للمنزل وتحمل تكاليف العلاج....

رتب عدي الجولة السياحية والترفيهية للوفد الخارجي الخاص بالشركة الأجنبية التي سيتم التعاقد معها.. وأعد برنامج مميز لهم..
وبقي فقط الموافقة النهائية عليه من أوس حتى يرسله للجهة المنظمة للجولة لتشرع فيه فوراً..
كما كان يفكر في زوجته ليان كثيراً، وتمنى لو سُمح له بزيارتها في المشفى النفسي الذي تتلقى فيه العلاج.. ولكن التعليمات الطبية تلزمه بعدم زيارتها إلا بعد أن يأتي العلاج بثماره معها حتى لا تنتكس مجدداً، وتنهار بصورة أسوأ عن ذي قبل..

في مكتب المحامي أمجد سعفان
نهض سامي الجندي من مقعده مصعوقاً بعد أن أخبره محاميه أمجد بما حدث مع ممدوح، وهتف قائلاً بجموح:
-أكيد أوس الجندي ورا اللي جراله
رد عليه أمجد بهدوء نسبي ب:
-محدش عارف لسه مين عمل كده !
أشار بإصبعه وهو يضيف بتشنج بائن في جميع تعبيراته:
-مافيش غيره، هو الوحيد القادر على ده !
تنهد أمجد بإستسلام قائلاً:
-التحقيقات شغالة معاه
هز رأسه بعصبية وهو يصرخ بصوت مرتفع:
-لألألألأ.. مهما قولت، أنا متأكد من إحساسي !

ثم حدق بشراسة أمامه، وتابع قائلاً بصوت غليظ:
-أوس الجندي بينتقم من كل واحد بيجي جمبه، وبدأ بممدوح !
ابتلع ريقه بإرتباك شديد، وأدار رأسه في إتجاه أمجد، وأكمل قائلاً بتوتر:
-ومش بعيد يجي الدور عليا
مط أمجد فمه ورد عليه بنبرة دبلوماسية:
-معتقدش يا سامي بيه، لأن آآ....

قاطعه سامي بصوت محتد وقد اتسعت مقلتيه بشرر متطاير:
-انت مش عارفه زيي، أنا لازم أتغدى بيه قبل ما يتعشى بيا
ضيق أمجد عينيه، ونظر بحيرة له، ثم سأله بجدية ب:
-إنت ناوي على ايه ؟
تحولت حدقتي عين سامي إلى جمرتين من النيران وهو يصر على أسنانه قائلاً بتوعد شرس:
-أريح الناس منه، وللأبد...!

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني الفصول 41-50 للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والأربعون

في منزل تقى عوض الله
سمعت فردوس طرقات خافتة على باب منزلها، فإتجهت نحوه، وفتحته وهي تغطي نصف شعرها بحجابها المنزلي..
ابتسمت إبتسامة هادئة وهي ترى جارتها إجلال تقف أمامها وتحدثها بصوت خافت:
-ازيك يا فردوس
أجابتها بهدوء وهي تضم طرفي حجابها معاً:
-بخير يا حاجة إجلال، اتفضلي جوا
أومأت برأسها رافضة وهي ترد عليها بإصرار:
-لأ خليها وقت تاني
سألتها بإستغراب وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-ليه بس ؟

ردت عليها الجارة إجلال بهدوء وهي تشير بكف يدها المجعد:
-أنا مش هاطول
سألتها بإهتمام واضح في تعابير وجهها قائلة:
-طب خير في ايه، وغوشتيني !
همست الجارة إجلال وهي تجيبها بحذر ب:
-بصي أنا عرفت إن البت بطة سقطت، وأعدة عند أمها بقالها يومين
لطمت فردوس على صدرها بخفة وهي تهتف بصدمة:
-يا لهوي.

تنهدت إجلال في حزن وهي تضيف قائلة:
-آه.. ملحقتش تفرح يا عيني !
زمت فردوس فمها وهي تتابع بإمتعاض:
-دي لسه صغيرة، ربنا يعوضها خير
أكملت إجلال حديثها قائلة بجدية وهي ترمش بعينيها:
-يا رب، المهم يعني أنا هاروح أخد بخاطرها كمان شوية
أومأت فردوس برأسها موافقة إياها وهي تضيف بإقتناع:
-أه وماله، واجب ولازم يتعمل ! دول جيرانا !
-بالظبط.

ثم أردفت قائلة بنبرة ممتنة وهي تشير بيدها:
-كويس كمان إنك قولتيلي، وأنا شوية وهازورها
-طيب..
ثم تابعت بتوضيح وهي ترفع حاجبيها:
-تيجي بس تقى من برا، وربك يسهلها
وضعت إجلال إصبعيها على طرف ذقنها وهي تسألها بإهتمام:
-يا رب أمين، ألا هي إزيها الوقتي ؟
تنهدت فردوس في إنهاك وهي تجيبها بنبرة يائسة:
-هييه.. هاقول ايه بس غير الحمدلله !
ربتت إجلال على كتفها قائلة بنبرة مواسية:
-معلش ياختي، شدة وتزول
-يا رب.

ثم هتفت قائلة بصوت جاد وهي تتراجع خطوة للخلف:
-طيب عشان معطلكيش أكتر من كده، أنا قولت أعرفك عشان الواجب
ابتسمت لها فردوس قائلة بإمتنان:
-كتر خيرك، مردودلك يا رب في الفرح
بادلتها الجارة إجلال نفس الإبتسامة الباهتة قائلة بهدوء:
-أنا وإنتي يا حبيبتي !
-يا رب
لوحت لها بكف يدها وهي تستدير عائدة لمنزلها قائلة بصوت هاديء:
-يالا، بخاطرك
ابتسمت لها فردوس وهي ترد عليها ب:
-مع السلامة يا حاجة إجلال !
ثم أغلقت الباب بهدوء، واستدارت عائدة في إتجاه المطبخ محدثة نفسها بحزن:
-مافيش واحدة متهنية أبداً، ربنا يهونها علينا !

أخذ أوس الجندي نفساً عميقاً، وزفره على مهل وهو يرمق البناية القديمة التي تقطن بها تقى..
إتسعت إبتسامته المغترة وهو يجوب ببصره المكان ممتعاً عينيه بنشوة ظفره بزوجته..
لم يستطع أي أحد الإقتراب منه أو من رجال حراسته.. فقط همهمات جانبية، ونظرات فضولية محدقة بالجميع..
وهو دون أن يطرف له جفن هتف قائلاً بصرامة:
-الكل يستنى هنا ما عدا انت !
ثم أشار بإصبعه نحو المحامي منعم الذي إنتفض في مكانه ليجيبه بجدية:
-أوامرك يا أوس باشا
وبالفعل أفسح رجاله له المكان ليمر إلى الداخل، وتبعه محاميه، ثم سدوا المدخل بأجسادهم الضخمة وسلطوا أنظارهم الحادة على المارة..

في منزل تقى عوض الله
سمعت فردوس دقات ثابتة وقوية على باب منزلها وهي تغسل الصحون بداخل مطبخها، فنفخت في ضيق وهي تقول:
-وده مين ده كمان !
ثم أغلقت الصنبور، وجففت كفي يدها المبتلين في جانبي قميصها المنزلي، وألقت بحجابها على رأسها، وإتجهت للخارج وهي تهتف بصوت متذمر:
-أيوه يا اللي على الباب !
فتحت الباب دون تردد، ولكنها تسمرت في مكانها مصدومة، وجحظت بعينيها في ذعر بعد أن رأت أوس الجندي واقفاً أمامها بصورته المهيبة، وتلعثم صوتها وهي تغمغم قائلة:
-آآ.. إنت !

هز رأسه بخفة وهو يسألها بصوت قوي:
-أها.. فين تقى ؟
تلعثم صوتها وهي تردد قائلة:
-ت.. ت.. تقى بنتي !
أضاف قائلاً بإصرار وهو يحدجها بنظراته النارية:
-أيوه، عاوزها
زاد تلعثمها وهي ترد ب:
-م.. م..آآ..
هتف فيها قائلاً بقوة أرعبتها:
-فينها ؟
إرتجفت شفتيها وهي تجيبه بخوف في نبرتها:
-مش.. مش هنا !
رمقه بنظراته المهينة قبل أن يشير لها بإصبعه قائلاً بصوت آمر:
-وسعي
وقفت أمامه بجسدها متحدية إياه ب:
-لأ.. إنت.. إنت مش هاتدخل بيتي !

دفعها من كتفها وهو يدخل عنوة للمنزل قائلاً بقسوة:
-بأقولك وسعي أنا جاي أخد تقى معايا !
هددته فردوس قائلة بصوت مرتجف:
-امشي أحسنلك بالذوق هاصوت وألم الجيران وآآ..
قاطعها بصوت مستهزأ، وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-لمي كل اللي تعرفيه، محدش هايمنعها عني
هتفت فيه بصوت حاد قائلة:
-سيبنا بقى في حالنا، حرام عليك
صرخ فيها بإصرار واضح وهو يرمقها بتلك النظرات المحتقنة:
-مش هاسيب تقى ! وأوعي من وشي !
ثم صاح بصوت جهوري مخيف وهو يشرأب برأسه للأعلى:
-يا تقي، يا تقى !

صرخت فردوس بكل ما أوتيت من قوة بعد أن رأت في عينيه نية واضحة للتعرض لها:
-يالهوي.. إلحقوني يا ناس، الراجل بيتهجم عليا في بيتي !
لم يمنعها أوس من الصراخ، بل إقتحم المنزل، وإنطلق في إتجاه الغرف الموجودة به بحثاً عن زوجته بالداخل..
ولكنه لم يجدها، حتى في غرفة والدها الراقد على الفراش.. والذي رمقه بنظرات حادة ومتعجبة لحالته الغريبة قبل أن يتجه للخارج..
تجمع بعض قاطني البناية على إثر صراخ فردوس الهادر، وولجوا إلى داخل المنزل متسائلين بقلق:
-ايه يا ست فردوس ؟!

-في ايه ؟
أشارت بيديها لجيرانها قائلة بتوسل:
-إلحقوني يا ناس، حد يغيتني !
صاحت إحداهن قائلة بإستفهام:
-مين اللي اتعرضلك ؟
أشارت بكف يدها نحو أوس الجندي قائلة بتلهف:
-الراجل ده جاي يتهجم عليا في بيتي، وراجلي راقد جوا مش قادر عليه !
سألته أخرى بصوت محتد ب:
-جاي ليه هنا يا أخينا ؟
رمقهم أوس بنظراته الساخطة قبل أن ينطق بصوت آمر ومخيف:
-الكل يطلع برا !
هتفت إحدى الجارات قائلة بتحدٍ وغيظ:
-ده مش بيتك يا جدع إنت !
رد عليها أوس بصوت مرتفع ومحتد:
-بس بيت مراتي !

إرتسمت علامات الدهشة والذهول على أوجه الجيران، وتعددت ردودهم ما بين:
-هاه
-مين ؟!!!
ثم هتف المحامي منعم قائلاً بصوت جاد وثابت:
-تقى عوض الله تبقى مرات أوس باشا الجندي
فغرت فردوس فمها مشدوهة ب:
-هاه
ثم تسائل أوس بجدية أشد وهو محدق بالجميع بنظراته المهددة:
-حد عنده مانع ؟
سألته فردوس بتلعثم واضح في نبرتها وهي غير مستوعبة جملته الأخيرة ب:
-آآآ.. إنت..إنت بتقول ايه ؟

أضاف منعم قائلاً بجمود وهو يتجه نحو الجيران:
-بيتهيألي يا جماعة الموضوع عائلي، ووجودكم غير مرغوب فيه !
زمت إحداهن فمها قائلة بحرج:
-عندك حق، لامؤاخذة، اللي ما يعرفك يجهلك
نظرت أخرى إلى فردوس بضيق، وقالت معاتبة:
-مش كنتي تقولي يا ست فردوس إن تقى متجوزة، هو إحنا هنحسدها ولا حاجة
بينما أضافت ثالثة بصوت متجهم:
-عجايب.. الباب في الباب ويخبوا علينا !

وبالفعل خرج الجميع من المنزل، فأغلقه المحامي بهدوء، وحك طرف أنفه بإصبعه، ثم أطرق رأسه للأسفل، وظل صامتاً..
تحرك أوس في إتجاه فردوس التي إنكمشت على نفسها، وضغطت على طرف حجابها بقوة متشبثة به..
وقف هو قبالتها، وحدجها بنظرات قاتلة وهو يسألها بصوت قاتم:
-فين مراتي ؟
ردت عليه بصوت متقطع قائلة:
-هي.. هي مش هنا !
صرخ فيها بصوته الهادر وهو يشير بكفه في وجهها:
-إنتي كدابة، مش هاتمنعيني عن مراتي !
-آآ..

ثم اقترب منها خطوة وحدجها بنظراته المحتقنة وهو يتابع بصوت عنيف:
-أنا مش هاسيبها المرادي، سامعة !
سألته بتوتر شديد وهي تعض على شفتيها من الخوف:
-ي.. يعني إنت متجوزها ؟
رد عليها بتهكم وهو يرمقها بنظراته الإحتقارية:
-أومال جاي أهزر هنا ؟
ابتلعت ريقها مجدداً وردت عليه بثبات زائف:
-وأنا قولتلك هي مش موجودة
صرخ فيها بإنفعال أفزعها قائلاً:
-راحت فين ؟
هتفت قائلة بخوف وهي تضم كتفيها:
-م.. معرفش
أشار بإصبعه في وجهها وهو يكز على أسنانه بشراسة:
-شوفي أنا مش هامشي من هنا إلا ومراتي في إيدي، حطي ده في بالك كويس !

قالت بصوت شبه باكي وهي تنظر له بحذر:
-يا بيه إحنا ناس غلابة، وانا بأقولك البت مش موجودة
نفخ من الضيق، ووضع يده على وجهه، وفركه بعصبية، ثم أشاح به للجانب، وغمغم بعصبية مع نفسه.. ولكن لفت إنتباهه شيء ما معلق على الجدار.. فجعله يضيق عينيه المحتدين بفضول، وأمعن النظر جيداً فيه..

لقد كانت صورة قديمة وكبيرة من اللون الأبيض والأسود لعائلة ما..
لفت أنظاره تفاصيل شخص ما بها..
شخص قد رأه من ماضيه البعيد..
شخص خفق قلبه برعب وهو يتخيل هويتها، ويراوده الشكوك بشأنها..
تحرك بخطوات حذرة في إتجاه الصورة، ووقف على بعد مسافة قصيرة للغاية، ودقق النظر في ملامح تلك الشابة التي تقف على اليسار بمحاذاة سيدة عجوز..
لقد كانت تشبه والدته بدرجة كبيرة..

لم يحيد بعينيه عن الصورة وهو يسأل فردوس بجمود:
-مين دي ؟
تعجبت هي من سؤاله الغريب عن أختها، وقطبت جبينها بإندهاش.. وظلت صامتة
عاود تكرار سؤاله بصوت أكثر حدة، فأجابته بتلعثم يشوبه الخوف:
-دي.. دي أختي !
أمعن النظر في تفاصيل وجهها، ورفع أصابعه ليتلمس الصورة بحذر.. ودار في رأسه تساؤلات عدة عنها..

أيعقل أن تكون هي ؟ شبح ماضيه الذي خذله وتركه بمفرده ليعاني ؟ نعم فالشبه مقارب بدرجة كبيرة.. هل هي حقاً، أم مجرد أوهام ؟
مط ثغره بجمود وهو يسألها بإهتمام واضح:
-اسمها ايه ؟
لم تفهم فردوس ما الذي يريده هذا الثري من معرفة تفاصيل تخص عائلتها، فهتفت قائلة بإنزعاج وهي تغطي فمها بطرف حجابها:
-يهمك تعرفه ليه يا باشا ؟ ماتسبنا في حالنا الله يكرمك، كفاية أوي اللي جرالنا !
إستدار بجسده كليةً لتتفاجيء هي بتعابير وجهه الشرسة وهو يصيح بها بصوت هادر:
-انطقي، إسمها ايه ؟

إبتلعت ريقها بخوف، ورمشت بعينيها مذعورة، وأجابته على الفور ب:
-ت.. تهاني يا باشا
إتسعت حدقتيه في صدمة.. الإسم واحد، والملامح تكاد تكون متطابقة لصورتها المحفورة في مخيلته..
فهتف دون وعي منه قائلاً بصدمة:
-هاه.. تهاني !
هزت رأسها موافقة وهي تقول بخفوت:
-أها
ظل أوس صامتاً للحظات، ثم إلتفت بجسده مرة أخرى لينظر بنظرات دقيقة للصورة.. بينما راقبته فردوس بإندهاش حائر، فتبدل حاله الغريب من لحظة لأخرى جعل شعورها بالقلق يبلغ ذروته..

سألها أوس بهدوء مريب قائلاً:
-هي عايشة هنا معاكي ؟
أجابته بتوتر وقد جف حلقها:
-أه من زمان
سألها أوس بصوت هاديء ومريب، وهو يميل رأسه للجانبين متفرساً ملامح الصورة بتمعن أكثر:
-هي متجوزة ؟
لم يختفْ الإندهاش من على وجهها وهي تجيبه بتلعثم:
-كانت.. بس آآ....
إلتفت برأسه نحوها وهو يسألها بجدية:
-بس إيه ؟
-هاه
إنتاب فردوس حيرة شديدة من أسئلة أوس عن أختها، وخشيت أن يدبر لها مكيدة ما تضيعها، فحاولت أن تختلق كذبة ما..

صاح بها أوس بصوت جهوري حينما طال صمتها قائلاً:
-كملي..!
بدى الإرتباك جلياً عليها، وفركت أصابع يدها وهي تجيبه بتوتر ب:
-أقصد يعني كانت تعبانة في عقلها، وآآ.. وماتت !
فغر تغره مدهوشاً وهو يقول:
-اييييه !
ابتلعت ريقها، وحاولت أن تبدو منطقية وهي تجيبه بصوت متقطع:
-زي ما بأقولك يا باشا، هي.. هي ماتت من زمن، وكانت مجنونة!

-ممم..
لم يقتنع أوس بما قالته، وتفرس في ردود فعلها المرتبكة، وأشاحت هي بوجهها بعيداً عنه، ومطت فمها لأكثر من مرة بتوتر..
وقف هو قبالتها، وسألها بجمود وهو يميل برأسه نحوها:
-طب كان عندها عيال ؟
توترت أكثر من إقترابه المفاجيء، وأجابته بإضطراب وهي ترمش بعينيها بحركة عصبية:
-هاه.. هي لما رجعت من برا.. أقصد كانت مسافرة وآآ.. ويعني معرفش.. هي طول عمرها كده !
صرخ بها بصوت مخيف جعلها تنتفض في مكانها ب:
-إنتي كدابة !

إرتجف صوتها مع جسدها وهي ترد عليه بخوف:
-وهاكدب ليه يا باشا، إنت تقدر تسأل أي حد في الحارة هنا هايقولك إن تهاني اختي مجنونة !
كور قبضته في غضب، وأخذ نفساً عميقاً ليسيطر به على نفسه، فهو يعلم أن التطرق لمواضيع جانبية لن يفيده الآن، فمهمته الكبرى هي استعادة زوجته مهما كلفه الأمر
صر على أسنانه وهو يتابع بصوت قاتم:
-ماشي، دي مش قضيتي الوقتي، أنا عاوز تقى !
هتفت قائلة بجدية وهي تتجنب النظر نحوه:
-وهي مش هنا
صرخ بها بإهتياج قائلاً:
-وأنا مش ماشي من غيرها !

في نفس التوقيت، وصلت تهاني ومعها إبنة أختها إلى الحارة وتملكتها الدهشة من حالة الهدوء المريبة المسيطرة على الحارة..
ثم رأت تلك السيارات الفارهة وهي تسد الطريق أمام مدخل البناية، فإبتلعت ريقها في خوف..
لم يختلف حال تقى عنها كثيراً، فقد كان جسدها يرتجف بشدة وهي تقترب من تلك السيارات، وزادت رجفتها حينما وقعت عينيها على سيارة أوس الجندي.. فإنتفضت برعب وهي جاحظة العينين، وتسارعت دقات قلبها، وتلاحقت أنفاسها..
شعرت تهاني بخوفها وحالة الرعب المسيطرة عليها، فضمتها بذراعها، وهمست لها قائلة بثقة:
-متخافيش أنا معاكي.

همست قائلة بهلع جلي في نبرة صوتها وعينيها المذعورتين تكادان تخرجان من مقلتيهما ب:
-ه.. هو.. هو !
سألتها تهاني بعدم فهم وهي تحاوطها بذراعها:
-مين ده ؟
ردت عليها بصوت لاهث ومرتجف ب:
-أنا.. آآ.. أنا آآ..
ظنت تهاني أن حالة الإنهيار المؤقت تعود لها من جديد، فأخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته بتريث وهي تقول بهدوء:
-ششش.. اهدي يا بنتي، احنا داخلين البيت ومحدش هايعملك حاجة !
ثم سارت بها بحذر في إتجاه المدخل..
راقبهما رجال الحراسة الخاصة بنظراتهم الثاقبة، ومنعهما أحدهم من الدخول قائلاً بصرامة:
-رايحين فين ؟

ردت عليه تهاني بصوت خافت ومرتجف وهي تنظر له بنظرات زائغة:
-إحنا عايشين هنا يا بني ؟ في حاجة ؟
رد عليها الحارس بصوته الجاد قائلاً:
-في آآ..
قاطعه زميله بصوت هاديء وهو يضغط على كتفه بقوة:
-سيبهم، دول شكلهم مش بتوع قلق !
نظر لهما بإحتقار قبل أن يهتف قائلاً بصوت جامد:
-ماشي، خشوا !
أسرعت تهاني في خطواتها نحو الدرج وهي تحسب تقى المرتعدة معها..
تنهدت في إرتياح لعدم تعرض أحدهم لهما..

فقد كانت تخشى أن تنهار تقى وتهتاج بصورة لا تستطيع السيطرة عليها..
يكفيها ما خاضته اليوم من إستعادة لذكرياتها الموجعة..
صعدت كلتاهما على الدرج بتمهل.. وتحدثت تهاني بصوت مطمئن قائلة:
-شوفتي مافيش حاجة حصلت، تلاقي رئيس الحي جاي في زيارة كده ولا كده !
ثم إبتسمت لها وهي تضيف مازحة:
-ما إنتي عارفة موظفين الحكومة عندنا، بيحبوا يعيشوا الدور !

وبعد لحظات كانتا على مقربة من الطابق المتواجد به المنزل، ولكن تفاجئت كلتاهما بصوت صراخ جهوري قوي يأتي من الداخل..
تجمدت تقى في مكانها، وخفق قلبها بشدة.. وزاد شحوبها، وهربت الكلمات من على لسانها..
فلا يمكن أن تنسى هذا الصوت أبداً..
تعجبت تهاني مما يحدث بداخل المنزل، وتسائلت بقلق:
-هو في ايه ؟
ولم تنتبه إلى تبدل حال تقى للهلع والإنكماش الرهيب..

أسرعت في خطواتها على الدرج، وكانت على وشك طرق الباب، ولكنها تفاجئت بالجارة إجلال تهتف لها بهمس ب:
-تعالوا هنا بسرعة
سألتها تهاني بتوجس وهي توزع أنظارها على باب المنزل وجارتها:
-هو في ايه بالظبط ؟
أشارت لها بكف يدها وهي ترمقها بنظرات منزعجة هامسة بتوتر:
-خشوا جوا بس الأول وأنا هاقولكم !
إلتفتت تهاني برأسها للخلف، وهتفت بإرتباك:
-تقى.. تعالي يا بنتي !
ثم أمعنت النظر في وجه تلك الشاحبة المذعورة، وسألتها بتوجس بائن في نبرتها:
-الله ! مالك في ايه ؟

إتسعت مقلتي تقى أكثر بخوف، وردت عليها بصوت خافت ومتقطع وهي تلهث قائلة بكلمات مبهمة:
-ه.. هو.. هو.. آآ.. هنا
نظرت لها الجارة إجلال بإندهاش وهي عاقدة ما بين حاجبيها، وتسائلت بحيرة:
-مالها ؟
هزت تهاني كتفيها في عدم معرفة، وهتفت قائلة بقلق:
-مش عارفة والله، دي كانت كويسة من شوية !
ثم نزلت بضعة درجات على الدرج لتجذب تقى معها، ثم دفعتها إلى الأمام، وتعجبت من مقاومتها لها.. ولكنها لم تتركها، وتعاونت معها إجلال في سحبها نحو منزلها المقابل وهي تهمس بتوتر منزعج:
-طب خشوا أوام !

دلفت ثلاثتهن للداخل، وأسرعت إجلال بغلق باب المنزل، وتنهدت في إرتياح..
في حين أسندت تهاني تقى، واجلستها على الأريكة القريبة، وضمت وجهها إلى صدرها، ومسدت على رأسها، ثم إلتفتت بوجهها نحو جارتها سائلة إياها بإستغراب مريب:
-ايه اللي بيحصل بالظبط ؟
لوت إجلال فمها في إنكار، وأجابتها بصوت خافت ب:
-بعيد عنك ده واحد الله أكبر عليه قادر ومفتري، والست فردوس معاه جوا
هتفت تهاني قائلة بصدمة:
-أختي..!
-أيوه..

أرخت تهاني ذراعيها عن تقى، وإتجهت نحو باب المنزل قائلة بنبرة عازمة:
-أنا مش هاسيب فردوس لوحدها، دي آآ..
قاطعتها إجلال بصوت جاد ومحذر وهي تشير بكفي يدها أمامها:
-لألألأ.. خليكوا عندي أحسن، بدل ما يشد معاكي ومع الغلبانة اللي مش قايمة على حيلها دي
حانت منها إلتفاتة للخلف وهي تنظر بآسف لها، وأضافت بنبرة إشفاق:
-أه.. حبيبتي يا تقى، بتخاف من أي حاجة !
مطت إجلال ثغرها للجانب وهي تقول بحزن:
-ربنا يلطف بيها وبينا !
أشارت تهاني بإصبعها قائلة بإصرار:
-بس لازم أعرف مين ده، وجاي ليه
-ماشي بس آآآ..

ثم توقفت إجلال عن إكمال جملتها حينما سمعت كلتاهما صوتاً رجولياً قوياً يصيح بعنف ب:
-وأنا مش ماشي من هنا إلا وهي معايا !
أسرعت تهاني نحو باب المنزل لتنظر من " العين السحرية " الخاصة به لتعرف هوية صاحب الصوت الذي كان يقف في..
فإتسعت عينيها بصدمة مرعبة وهي ترى ملامح وجهه المميزة..
نعم فقسمات وجهه ذكرتها بزوجها الأسبق مهاب..

نفس لون البشرة والعينين العميقتين و الحادتين.. والتفاصيل الدقيقة في رسم تعبيراته.. وكذلك طريقته في الحديث وإلتواء فمه وهو ينطق بغضب..
خفق قلبها لوهلة ظناً منها أنه هو مهاب الجندي في شبابه وقوته.... وإرتعدت فرائصها وهي تتذكر شدته معها، وسطوته التي لا حدود لها، وإنتقامه الوحشي منها لرغبتها في إستعادة ابنها..
زاد جحوظ عينيها وهي تهتف قائلة بصدمة:
-آآ.. أوس.. مش ممكن...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والأربعون

في منزل الجارة أم بطة
اختلطت عبرات عبد الحق بنحيبه الشديد حينما أبلغته والدة زوجته عن الإجهاض الزائف لجنينها..
واختنق صوته وهو يهتف قائلاً بصدمة:
-ملحقتش أفرح بيه !
-نصيبك يا بني، ربنا يخلف عليكم بالأحسن
إدعت بطة بكائها الحار وهي تغطي بكف يدها فمها قائلة بصوت متشنج:
-أمك هي السبب، هي اللي عملت فيا كده، ياما قولتلك هي بتكرهني، وأهي قتلت ابننا قبل ما يشوف النور.

تأوه عبد الحق بصوت يحمل الحزن العميق قائلاً:
-آآآآه.. ده أنا كنت مستنيه.. آآآه
هتفت أم بطة بصوت جاد وهي ترمق إبنتها بنظرات محذرة:
-خلاص يا بطة، ربنا مش رايد !
هزت رأسها معترضة وهي تجيبها بإحتجاج:
-لأ يامه، أنا استحملت كتير عشان حتت العيل ده، وفي الأخر يروح كده على ايد أمه، وكنت هاموت فيها.. إهيء.. اهيء
ثم أجهشت ببكاء أشد مصاحباً بالعويل..

أمسك عبد الحق بكف يدها، ونظر لها بتوسل، وأردف قائلاً بنبر راجية:
-خلاص يا بطة، أنا هاعوضك عن اللي حصل !
ردت عليه بنبرة إستنكار وهي ترمقه بنظرات معاتبة:
-وهو في حاجة بعد الضنا بتتعوض ؟!
حدجتها والدتها بنظرات محذرة للغاية وهي تقول بجدية:
-يا بت اسمعي كلام جوزك، إنتي مش شايفة حالته عاملة إزاي ؟

تابع عبد الحق حديثه بصوت مختنق ب:
-وربنا ما هاخليكي تعاني تاني معاها، أنا هاجيبلك أوضة لوحدك ونبعد عن أمي خالص والمشاكل دي كلها !
غمزت لها والدتها قائلة بتريث وهي تشير بإصبعها:
-سامعة، اهوو الراجل شاري خاطرك
هزت كتفيها في عدم تصديق، وهتفت قائلة بصوت مبحوح:
-كلام يامه، وساعة الجد هلاقيه آآ..
قاطعها بنبرة جادة وهو يشير برأسه:
-لأ ده مش كلام، أنا مش عاوز أعيش بين نارين، أنا هاتصرف وهاشوف أي حتة كده تلمنا..!

ثم صمت للحظة ليلتقط أنفاسه قبل أن يقول بإستعطاف:
-بس ارجعي معايا الله يكرمك !
هزت رأسها معترضة، وأجفلت عينيها للأسفل قائلة بحزن:
-لألأ.. إنت سبتني معاها وعملت فيا كده !
هتف قائلاً بنبرة مهتمة وهو يرمقها بنظرات صادقة في وعده:
-هو بس كام يوم، وهاتشوفي!

مطت والدتها شفتيها في ضيق، فإبنتها تلعب بالنيران، وتجازف بكل شيء من أجل الإستمرار في خطتها الماكرة.. وخشيت ألا تصغي لها، وتتبع فقط صوت عِنادها.. فلوحت بيدها قائلة بإمتعاض وهي تحدق بها بجدية:
-استهدي بالله يا بنتي، وإن شاء الله خير !
قرأت بطة في نظرات والدتها تحذيراتها الجمة، وأجفلت عينيها لتبدو كالمستسلمة لأمرها، وردت بخفوت حزين:
-أما أشوف !

تنهدت أم بطة في إرتياح، ثم وضعت يدها على كتف عبد الحق، وقالت بجدية:
-وبص يا بني هي هاتعد عندي أد يومين لحد ما تروق،برضك المصيبة مش سهلة !
هز رأسه موافقاً وهو يمسح عبراتها مجيباً إياها بصوت خشن:
-وماله يا حماتي، تاخد راحتها، وأنا معاها كل يوم
ابتسمت له بخفة وهي تضيف قائلة:
-ده بيتك يا بني !

في نفس التوقيت بالحارة الشعبية
وصل حارس الأمن السابق أحمد إلى مدخل الحارة ليزور تقى ويطمئن عليها.. فتفاجيء بتلك السيارات التي تسد الطريق بصورة ملفتة للأنظار..
فسار بخطوات حذرة وهو يحاول أن يتوارى عن الأنظار محاولاً فهم ما يدور..
إختبأ خلف أحد الأكشاك الصغيرة، وإشرأب برأسه ليرى عن كثب تفاصيل أصحاب تلك السيارات..
إتسعت عينيه في ذهول ممزوج بالصدمة حينما رأى تلك السيارة التي يعرفها عن ظهر قلب..

وفغر فمه مشدوهاً حينما رأى بعض من رجال حراسته الخاصة الذين يعرفهم معرفة سطحية..
عبس بوجهه سريعاً بعد أن أفاق من صدمته، وكور قبضته في ضيق، وبرزت عروقه الغاضبة وهو يصر على أسنانه قائلاً بحنق:
-مش بتحرم أبداً، طب أعمل ايه معاك عشان أخلص منك
ثم طرأ بباله فكرة ما، فإلتوى فمه بإبتسامة شيطانية وهو يحدث نفسه بتوعد:
-دلوقتي هاتشوف أنا هاعمل فيك ايه، مافيش إلا كده !
ثم إستدار عائداً من حيث أتى، ولكن بخطوات راكضة لينفذ ما عقد العزم عليه فوراً..

بداخل البناية
خشيت فردوس أن تخبر أوس بمكان ابنتها، فينتقم منها ومن عائلتها بعد ما اقترفوه في حقه بالمشفى، ويرد لهم الصاع صاعين وأضعاف مضاعفة.. وظنت أنه إدعى الزواج من ابنتها لينفرد بها، وينفذ إنتقامه المرعب.. لذا لم يكن أمامها سوى الإحتماء بجيرانها..

ففتحت باب منزلها على مصرعيه، ووقفت خارج منزلها، وأطلقت صرخة هائلة لتلفت إنتباه الجيران:
-حرام عليك يا باشا، هاتبهدلنا أكتر من كده كمان !
برزت أسنان أوس بغضب وهو يحدجها بنظراته المميتة قائلاً بشراسة:
-مش انتي اللي هاتمنعيني عنها !
ابتلع المحامي منعم ريقه، وأردف قائلاً برجاء:
-اهدى يا باشا
رمقه أوس بنظراته الغاضبة وهو ينهره بصراخ:
-اسكت، ماتدخلش !

شعر منعم بحرج شديد، ومط فمه بخجل قائلاً وهو مطرق الرأس:
-مم.. حاضر
هتفت فردوس من على عتبة منزلها بصوت هادر:
-قولتلك هي مش هنا، اعتبرها طفشت، ولا غارت في داهية
رمقها أوس بنظرات مهينة قائلاً بقسوة:
-فكرك هاصدق تخاريفك دي !
ثم اقترب منها ليسلط أنظاره المحتدة عليها قائلاً بقسوة أشد:
-وأنا مش هامشي من هنا إلا وهي معايا ! دي مراتي، سامعة مراتي !

بداخل منزل الجارة إجلال
صدح صوت أوس الغاضب قائلاً بعنف من الخارج:
-تقى دي مراتي، سامعة مراتي، وبالقوة والقانون هاخدها !
حدقت تهاني في العين السحرية بنظرات مصدومة فقد كان الشبه كبيرا لدرجة غير معقولة.. هو يشبه زوجها الأسبق في تفاصيله، ملامحه القاسية، طريقة حديثه، إلتواءة فمه.. تشنجاته..
هتفت قائلة بعدم تصديق وهي مسندة لكفيها على ضلفة الباب:
-ده.. ده آآ.. أوس !

على الجانب الأخر إزدادت إرتعاشة جسد تقى الهزيل بعد أن صدق حدسها.. وحدقت في الباب بنظرات هلعة..
نعم فمغتصبها متواجد بالخارج، ويفصل بينهما عدة أمتار..
تسارعت دقات قلبها، وتلاحقت أنفاسها بصورة مخيفة.. وبدت كمن يختنق.. وتحول لون بشرتها للشحوب المقلق..
هزت رأسها رافضة تصديق تلك الحقيقة المفزعة..
ووضعت يديها على أذنيها لتصمهما، وإغمضت عينيها بقسوة معتصرة إياهما وهي تهتف بتشنج:
-هو.. هو.. لأ!

نظرت الجارة إجلال إلى تقى بخوف شديد، وأسرعت ناحيتها، ووضعت يديها على قبضتيها المرتجفتين، وهمست بتوجس:
-في ايه يا بنتي ؟ مالك بس ؟
أصرت تقى على صم أذنيها، وتشنجت بجسدها أكثر وهي تصرخ بفزع:
-هو..لألألأ.. لألألأ.. ابعدوه عني، ابعدوه !
حدقت إجلال في تهاني التي كانت لا تزال متسمرة أمام باب المنزل، وهتفت قائلة بقلق:
-تهاني، شوفي تقى !

لم تجبها تهاني بل ظلت فاغرة شفتيها في ذهول محاولة إستيعاب تلك الصدمة الجلية..
فقلبها يخبرها بأنه ابنها الوحيد، ومشاعرها كأم تطغى عليها..
حدثت نفسها بلا وعي قائلة:
-ابني.. هو.. أيوه هو !
إرتجف جسد تقى بصورة عصبية، وسقطت من على الأريكة لترتطم بالأرضية بقوة، فشهقت إجلال في فزع ب:
-تقى !
ثم جثت على ركبتيها، وحاولت رفعها عن الأرضية وضمها إلى صدرها، و إلتفت برأسها نحو تهاني قائلة بخوف واضح في نبرتها:
-يا تهاني إلحقي !

تكورت تقى على نفسها، وتشنجت بهياج، وضمت ساقيها إلى صدرها، وإنتفضت في الأرض بقوة وهي تتابع بصريخ:
-ابعدوه عني، لألألأ.. ماتلمسنيش، لألألألأ !
عجزت الجارة إجلال عن السيطرة عليها، فنهضت بتثاقل من على الأرضية، وهرولت نحو تهاني لاكزة إياها في كتفها بقوة وهي تصر على أسنانها بحدة:
-انتي مش سمعاني يا تهاني، شوفي بنت أختك واللي بيجرالها !
تلاحقت أنفاس تهاني، ولمعت عينيها ببريق غريب، وإرتفع صدرها وهبط وهي تهتف بصوت متقطع:
-هو.. ابني.. ده ابني، قلبي بيقولي إنه أوس
مجرد ذكر إسمه أمام تقى جعلها تنكمش أكثر وبذعر في نفسها..

وزعت إجلال نظراتها بين الإثنتين في ذهول ممزوج بالحيرة.. فكلتاهما على ما يبدو مصدومتين – كل حسب طريقته ما بين الرعب والفرح – من نفس الشخص..
مدت تهاني يدها لتتلمس مقبض الباب لتفتحه، فوضعت إجلال يدها على قبضتها، ومنعتها من فتحه متسائلة بإندهاش:
-إنتي هاتعملي إيه ؟
ردت عليها تهاني بلهفة أم حقيقية في تعبيراتها ونظراتها:
-هاشوف ابني !
فغرت إجلال ثغرها بصدمة قائلة:
-إيييييه !

بخارج المنزل
صرخت فردوس بتوسل وهي تلوح بذراعيها:
-ماتسيبنا في حالنا يا باشا
رمقها بنظراته الحادة قائلاً بإصرار عنيد:
-وأنا مش عاوز إلا تقى وبس
هتفت فيه بصوت منفعل:
-وهاجيبهالك منين، ما إنت فتشت البيت كله، مالقتهاش جوا !
تجمع بعض السكان على الدرج، وتسائل أحدهم بإستفهام:
-في ايه يا جماعة ؟ بتزعقوا ليه ؟!

تدخل المحامي منعم قائلاً بجدية وقد توجه نحو الدرج ومشيراً بيده:
-بعد اذنكم يا حضرات، دي مسائل عائلية
أضافت سيدة ما قائلة بإمتعاض وهي تشير بإصبعها:
-بس صوتكم جايب التايهين، وست فردوس مالهاش حس في العمارة
رد المحامي ببرود:
-والله دي حاجة تخصهم، اتفضلوا
زمت سيدة أخرى فمها بتأفف قائلة:
-عجايب !
وتابعت أخرى بتهكم وهي ترمق الجميع بسخط:
-يالا بينا، دي عيلة مفضوحة من أولها لأخرها

بداخل منزل الجارة إجلال
جاهدت تقى لتلتقط أنفاسها اللاهثة بعد أن وجدت صعوبة في التنفس بصورة طبيعية..
ورغم هذا صاحت برفض جلي:
-أنا بأكرهه، بأكرهه !
قبضت إجلال على كف يد تهاني، واتسعت مقلتيها بذعر وهي تهتف بخوف:
-انتي مش شايفة تقى بنت أختك، فوقي يا تهاني
نطقت تهاني بصوت متلعثم وعينيها تبكيان عفوياً:
-آآ.. ابني
توسلت لها إجلال بإستعطاف قائلة:
-بلاش تفتحي الباب !
بكت تهاني ونشجت أكثر وهي تضيف ب:
-انتي مش فاهمة حاجة، ده هو !

وضعت إجلال يدها الأخرى على كتف تهاني، وضغطت عليه بأصابعها وهي تتوسلها برجاء:
-البت هاتروح مننا !
ردت عليها بعاطفة جياشة وعبراتها تغرق وجنتيها:
-وهو هايروح مني !
صرخت تقى بصوت مبحوح وضعيف بعد أن خارت قواها:
-لألألأ.. ابعدوه !

في الخارج
انتبه أوس لتلك الهمهمات الأنثوية الغير واضحة رغم حديث محاميه مع الجيران، وأدار رأسه في إتجاه مصدرها..
وقفت فردوس خلفه تتابع حديثها المنفعل:
-يا بيه انت خدت كل حاجة مننا، كفاية بقى حرام عليك، احنا ماكوناش طالبين غير الستر
لف ذراعه للخلف ليشير لها وهو محدق أمامه قائلاً بصرامة مريبة:
-ششششش.. مش عاوز أسمع نفس !
تعجبت هي من فعلته الحالية، وعقدت ما بين حاجبيها بتوجس..
تحرك أوس في إتجاه باب منزل الجارة إجلال، وسلط أنظاره القوية عليه، وكذلك جميع حواسه.. فصوتها إخترق آذانه، وأصابه برجفة غريبة.. وجعلت قلبه يخفق بريبة لوهلة..

بداخل منزل الجارة إجلال
ابتلعت تهاني ريقها بصعوبة وهي ترى هذا الغريب القريب يتحرك صوب الباب، وملامحه تزداد وضوحاً ليؤكد إحساسها نحوه..
قبضت على المقبض أكثر، وبدأت في إدارته، فنظرت لها إجلال بذعر وهمست قائلة بتوسل شديد:
-لا يا تهاني، ماتفتحيش الباب !
-مش قادرة، سبيني
-وتقى، بصي عليها طيب.. شوفي حالها الوقتي !
حانت من تهاني إلتفاتة نحو تقى الراقدة على الأرضية في وضعية متشنجة، فتابعت إجلال بهمس:
-ماتسيبهاش تضيع ! هي ماتستهلش ده !

خرجت تنهيدة حارقة من صدرها وهي تقول بنشيج:
-آآآه، أنا اللي بأضيع، أنأ، آآآآه
أضافت إجلال قائلة بأعين دامعة، وبصوت مستعطف:
-عشان خاطرها، لو هي غالية عندك فعلا اوعي تخليه يقرب منها، ولا تعرفيه إنها هنا، إنتي لو فتحتي الباب ده يبقى بتحكمي عليها بالموت، وتقى لو راحت مش هاترجع تاني، سامعة مش هاترجع !
أصدرت تهاني أنيناً مؤلماً وهي ترخي قبضتها عن المقبض قائلة بنحيب:
-آآآآه.. يا حرقة قلبي على كل الغاليين عندي، آآآآه !

في الخارج
رن هاتف المحامي منعم، فأخرجه من جيب سترته، وضغط على زر الإيجاب، وقال بجدية خافتة:
-أيوه، مين معايا
ثم صمت للحظة ليستمع إلى ما يقوله الطرف الأخر، ومن ثم هتف قائلاً بدهشة:
-إيييه، طب إحنا نازلين على طول !
ثم أغلق الهاتف، وإتجه نحو أوس الجندي، وتنحنح بصوت واضح قائلاً بتوتر:
-أوس باشا، احم.. آآ.. باشا
استدار أوس برأسه في إتجاهه، ورمقه بنظراته الشرسة وهو عابس الوجه قائلاً بصرامة:
-عاوز ايه
تنحنح مجدداً، ثم اقترب منه وهمس قائلاً بتوجس:
-آآ.. الحراسة اتصلوا، وقالوا ان البوليس واقف تحت، وطالبينك !

اشتعلت عينيه بشدة وهو يلوي فمه قائلاً بإستغراب:
-نعم !
-أنا أسف يا باشا، بس احنا مضطرين ننزل تحت نشوف عاوزين ايه
صر أوس على أسنانه بغضب بائن، وضرب الدرابزون بقبضته بعنف، ثم إلتفت نحو فردوس وهتف قائلاً بصوت مخيف:
-راجعلك تاني !
ومن ثم نزل على الدرج بخطوات عصبية، ولحق به المحامي وهو يتمتم بإرتباك..

بداخل منزل الجارة إجلال
رفعت تهاني عينيها نحو العين السحرية لتختطف نظرة أخيرة من ابنها الذي كان يفصلها عنه ذلك الباب الخشبي، فوجدته قد اختفى تماماً، فخفق قلبها مفزوعاً، وشهقت بحزن، وأطلقت لنفسها العنان لتبكي بحسرة، ثم تركت جسدها يتهاوى لتجلس على الأرضية وهي تضرب بكفيها فخذيها هاتفة بندم:
-سيبتك تضيع مني تاني يا ابني، وماعملتش حاجة، آآآه.. روحت من بين ايديا، وأنا مقدرتش أخدك في حضني.. آآآه، يا بني آآآه !!!!!

تنهدت إجلال بحزن وهي تقول:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، محدش يصدق اللي بيحصل ده كله !
ثم توجهت نحو تقى، وجثت على ركبتيها، ومسدت على جسدها الساكن قائلة بأسف:
-لطفك يا رب، البت هتلاحق على إيه ولا إيه ؟!!

أسفل البناية
خرج أوس من الداخل ووجهه مكفهر للغاية، والشرر يتطاير من حدقتيه الحمراوتين..
فوجد سيارة للشرطة، وبعض الضباط والعساكر متجمهرين أمام المدخل، فحدجهم بنظراته الحادة متسائلاً بشراسة:
-في ايه هنا ؟
رمقه الضابط بنظرات مستهزأة وهو يسأله بجمود
-حضرتك أوس الجندي
أجابه أوس بصوت قاتم، ووجهه قد تحول لكتلة غاضبة ب:
-أيوه أنا !
أشار له الضابط بيده وهو يضيف قائلاً بنبرة رسمية:
-طب اتفضل معانا
تقوس فمه وهو يسأله بإندهاش غريب:
-نعم !

رد عليه الضابط بجمود وهو يشير بإصبعه:
-زي ما سمعت
تدخل المحامي منعم على الفور في الحديث قائلاً بصوت جاد:
-إنت عارف إنت بتكلم مين
سأله الضابط ببرود مستفز وهو يرمق أوس بنظرات شبه مهينة:
-هايكون مين يعني ؟
هتف المحامي منعم قائلاً بجدية، وبنظرات شبه منزعجة:
-ده أوس مهاب الجندي، رجل الأعمال المعروف، و من أثرى أثرياء القاهرة !
لوى الضابط فمه بتهكم وهو يحييه قائلاً:
-وماله تشرفنا يا.. يا أوس بيه !
سأله منعم بإستفهام وهو محدق فيه:
-خير يا سعادت الظابط ؟

أجابه الضابط بهدوء وهو يتفرس في ملامح أوس المتشنجة:
-في بلاغ متقدم في سيادته بمحاولة خطف أنثى !!
صاح أوس بصوت هادر عقب الجملة الأخيرة متسائلاً بجموح:
-نعم ! خطف مين ؟ ومين أصلاً اللي اتجرأ وقدم البلاغ ؟!
ظهر الحارس السابق أحمد من خلف الضابط، وهتف قائلاً وهو معتد بنفسه، ونظراته الإحتقارية مسلطة على أوس:
-أنا يا باشا، فاكرني ؟!
تحولت مقلتيه لجمرتين متقدتين من النيران وهو يجز على أسنانه قائلاً بحنق:
-إنت...!!!!!!

هدر به أحمد قائلاً بغضب وهو يلوح بذراعه في وجهه متحدياً إياه:
-ايوه، بقى جاي تخطف خطيبتي، وعاوزني أسكت !!
تدخل المحامي قائلاً بإندفاع:
-مين دي اللي خطيبتك ؟! انت غلطان يا حضرت !
لم يبعد أوس نظراته القاتلة عن أوس، وهمس قائلاً بصوت متوعد:
-هتحاسب !
رد الضابط قائلاً بنبرة رسمية وهو يشير بإصبعه:
-تقى عوض الله خطيبة الأستاذ
أضاف المحامي بصوت محتج وهو يرمق الأخير بنظرات إستهجان:
-بس دي تبقى مرات الباشا، يبقى إزاي هايخطف مراته ؟!

فغر أحمد فمه مشدوهاً، ونطق بنزق:
-اييييه، م.. مراته !
سأله الضابط بجدية وهو يوزع أنظاره بين الجميع:
-في ما يثبت اللي بتقوله ؟
أومأ المحامي رأسه، وهتف قائلاً بثقة وهو يخرج وقة مطوية من جيب سترته:
-أيوه، القسيمة معايا وموثقة كمان.. اتفضل !
أمسك الضابط بالورقة، وفردها، ثم تطلع إلى ما دون وفيها، ومط فمه قائلاً بهدوء:
-مممم.. ده حقيقي فعلاً !
إزدادت نظرات أوس قتامة، وكذلك تعبيرات وجهه، وحدج أحمد بوعيد، وحدث نفسه قائلاً بقسوة مخيفة:
-هاتشوف !

أردف المحامي قائلاً بهدوء حذر بعد أن استرد ورقة وثيقة الزواج:
-ها يا حضرت الظابط اتأكدت ؟!
ثم تابع قائلاً بصوت جاد بعد أن إلتفت برأسه ناحية أوس الجندي وهو يشير بكفه:
-مش معقول يعني اننا نمنع الباشا يزور مراته عند أهلها !!
هز الضابط رأسه بإيماءة خفيفة هامساً:
-أها
ثم أكمل المحامي قائلاً بضيق واضح في نبرته:
-بيتهيألي دي غلطة كبيرة، وماينفعش تتعدى بالساهل !
حرك الضابط أنفه، وتشدق ب:
-تمام، بس معلش احنا مضطرين نكمل المحضر ونقفله في القسم !
إحتج المحامي منعم بصوت ممتعض:
-بس الباشا أوس آآآ..

قاطعه الضابط بجدية وهو يشير بيده:
-لازم الباشا يجي بنفسه معانا القسم لأن البلاغ متقدم ضده
أردف أوس قائلاً بصوت مخيف ونظراته محدقة بمن تجرأ عليه وتحداه في أغلى ما يخصه:
-وماله، أنا جاي، بس اللي غلط مع أوس الجندي هايتحاسب !
ثم اتجه أوس نحو سيارته الفارهة بشموخ مريب، ولم يحدْ بنظراته المتوعدة عن أحمد الذي ظل متسمراً لبرهة في مكانه عاجزاً عن النطق بعد أن ألجمت المفاجأة لسانه..
فلم يخطر بباله قط أن تكون تقى قد أصبحت زوجة له..
ها قد ضاعت منه للأبد.. وتعذر عليه إستعادتها من أحضانه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والأربعون

في منزل تقى عوض الله
أغلقت فردوس باب المنزل وهي في حيرة من أمرها.. وسارت بخطوات متهادية في الصالة المتواضعة لتلقي بجسدها المرهق على أقرب أريكة..
وضعت يديها على رأسها، ولطمت بحسرة عليهما قائلة:
-يا خوفي يكون كلامه بحق وحقيق، ساعتها أنا مش عارفة هاعمل ايه، ولا اتصرف إزاي ؟ ده قادر وايده طايلة، واحنا لا حول لينا ولا قوة.. آآه.. ليه كده بس يا تقى، ليه توقعينا معاه، لييييه !

أنزلت يديها ووضعتهما في حجرها، وهزت جسدها بحركة خفيفة ثابتة وهي تتابع قائلة بتوجس:
-المرادي جت من عند ربنا ومشى، طب.. طب لو جه تاني مين هايحوشه عننا ! يا مصيبتك يا فردوس، مش ملاحقة على المصايب !!

في منزل الجارة إجلال
أحضرت إجلال كوباً مليئاً بالمياه، وجثت مجدداً على ركبتيها بجوار تقى، ثم أسندته على الأرضية، ومدت ذراعيها لترفعها إلى صدرها، ثم تناولت الكوب مجدداً، وهي تقول بهدوء:
-خدي اشربي يا بنتي !
ثم قربت الكوب من شفتيها المشققتين، وأجبرتها على إرتشاف بعض رشفات صغيرة، وتابعت قائلة بأسف:
-كبدي عليكي، شايفة الغلب من يومك !

ثم تنهدت في إنهاك، ونظرت في إتجاه تهاني الباكية، وزمت ثغرها بحزن.. ومن ثم عاودت النظر إلى تقى، وأردفت قائلة بنبرة حانية:
-ايدك معايا يا تقى تقومي تقعدي على الكنبة بدل أعدة الأرضي دي يا حبيبتي !
كانت تقى مستسلمة تماماً لما يحدث معها، لا تشعر بجسدها الضعيف، ولا بساقيها الهلاميتان.. ولكنها تجاوبت مع إجلال، ونهضت بحذر عن الأرضية، وجلست منكمشة على نفسها..

اتجهت إجلال نحو تهاني، ومدت يدها نحوها وهي تقول بصوت خافت:
-قومي يا تهاني، شوفي بنت اختك
رفعت تهاني عينيها المغرورقتين بالدموع قائلة بحسرة:
-راح مني خلاص
ربتت إجلال على كتفها وهي تواسيها قائلة:
-استهدي بالله كده، واجمدي عشان خاطرها..!
إنتحبت وهي تجيبها بحزن عميق:
-معدتش فيا حيل لحاجة !

زمت إجلال شفتيها في إشفاق، وهتفت قائلة بهدوء حذر:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ماتقوليش كده، ربنا هايكرم، بس اصبري !
تنهدت بآسى وهي تهز رأسها مستنكرة:
-أنا تعبت، مافيش فايدة !
هتفت إجلال بجدية وهي ترمقها بنظرات ثابتة:
-لا إله إلا الله، قومي يا تهاني، وخدي تقى على شقتكم، هي زي ما انتي شايفة، مش قادرة تصلب طولها، وإنتي شرحها.. ارتاحوا، وانسوا، وربك بيدبرها !

ذرفت عبراتها عفوياً وهي ترد عليها بإستنكار:
-أنسى ! هو في حد بينسى ضناه..
ثم لطمت على صدرها، وهي تصرخ بمرارة:
-آآآه، يا حرقة قلبي
ظلت تهاني تغمغم بندم وحسرة على عدم رؤيتها لإبنها، وساعدتها إجلال في إيقافها على ساقيها..
ثم هتفت قائلة بحماس مفاجيء بعد أن طرأ في عقلها شيء ما:
-تهاني، مش انتي بتقولي إن الجدع ده ابنك ؟

ردت عليها تهاني بتلهف وهي توميء برأسها عدة مرات:
-اها.. هو.. أيوه
أضافت إجلال قائلة بنبرة رزينة وهي تشير بيدها:
-طب ما هو كان بيتخانق مع اختك، يعني هي أكيد عارفاه
فغرت تهاني فمها في ذهول ب:
-هاه، فردوس !
لقد أضاءت إجلال بحديثها المفاجيء هذا تفكير تهاني، وأهدتها لأول طرف الخيط لتمسك به..
وسريعاً أعادت ترتيب ما حدث في رأسها..

فأختها كانت تتشاجر معه بشأن أمر ما خطير يصل إلى حد المشادة الكلامية الحادة والتهديدات المخيفة، إذن فهي على صلة ما قوية به وتعرفه معرفة سابقة جعلته يأتي إلى هنا بنفسه مهدداً إياها، ومتوعداً لها..
إذن فهناك إحتمال قوي بأن أختها تعرف مكان إقامته.. وبالتالي سيسهل هذا عليها مسألة العثور عليه..
قاطع تفكيرها صوت إجلال وهي تتابع بإهتمام:
-اسأليها وهي آآآ....
لم تصغْ تهاني إلى بقية الجملة حيث دب فيها حماس رهيب، واندفعت نحو الخارج بعد أن فتحت باب منزل جارتها..

في منزل تقى عوض الله
دقت تهاني على باب منزل أختها بقوة وهي تهتف بصوت مرتفع:
-افتحي يا فردوس، افتحي أنا تهاني !!!!
إتجهت أختها نحو الباب، وفتحته على عجالة وهي تجيبها بتوجس رهيب:
-انتوا جيتوا، شوفتوا اللي آآآ..
قاطعتها تهاني متسائلة بتلهف ب:
-مين اللي كان عندك ؟

عبس وجهها إلى حد كبير، ثم أولتها ظهرها وهي تجيبها بضيق:
-انتي عرفتي ؟ أكيد أهل الحارة قالولك، عندهم حق ما هو آآ..
قاطعتها تهاني مرة أخرى متسائلة بعصبية:
-قولي يا فردوس مين ده ؟
إستدارت أختها لتواجهها وهي تشير بيدها قائلة بحنق:
-ده واحد جبار ومفتري، مايقدرش عليه إلا اللي خلقه
صرخت فيها تهاني بصوت محتد وبنظرات متسعة ب:
-اسمه ايه يا فردوس ؟
ردت عليها فردوس بإستغراب ب:
-اسمه أوس
جحظت عينيها أكثر وهتفت قائلة بذهول:
-ايييه ! أوس.. !!

ثم حدثت نفسها بخفوت لتتابع قائلة بعدم تصديق:
-يبقى هو.. هو !
ضيقت فردوس عينيها في إستغراب، وسألتها بقلق وهي تميل برأسها للجانب:
-أومال البت تقى فين ؟ مش كانت معاكي ؟!!
غمغمت تهاني مع نفسها ب:
-يعني هو اسمه أوس
تجهم وجه فردوس، وأستشاطت غضباً وهي تهتف بتذمر:
-أنا بأقول ايه وانتي بتتكلمي في ايه، فين البت تقى ؟

في نفس اللحظة دلفت الجارة إجلال وهي تحاوط تقى بذراعها مسندة إياها حتى لا تسقط، وردت عليها بصوت خافت وهاديء:
-تقى معايا يا ست فردوس !
أسرعت فردوس ناحيتها وهي تهتف بإندهاش واضح على تعبيرات وجهها:
-حاجة إجلال
أضافت إجلال قائلة بهدوء مريح وهي تساعدها على الجلوس:
-خشي يا بنتي !
وقفت والدتها قبالتها، وصرخت فيها بجدية:
-تقى !

نظرت لها بأعين مذعورة ولم تجبها، بل بدأت في نحيبها وأنينها المكتوم، فتابعت والدتها متسائلة بصوت متشنج:
-إنتي متجوزة اللي اسمه أوس ؟
إستدارت تهاني برأسها فجأة في إتجاه الإثنتين لترتسم علامات الصدمة على محياها وهي تنطق بنزق:
-ايييه، متجوزاه !!!!
صرخت فيها فردوس وهي تهزها من كتفيها بعنف بعد أن أجبرتها على النهوض قائلة:
-ردي يا بت، انتي اتجوزتي الجدع ده ولا لأ ؟
إهتاجت تقى وهي تجيبها بصرخات هيسترية مذعورة:
-لأ.. لأ.. لأ.. ابعدوه عني !
نظرت لها الجارة إجلال بإستهجان، وهتفت مستنكرة:
-اهدي يا ست فردوس، بالراحة ماينفعش اللي بتعمليه ده !

تجاهلتها فردوس وتابعت صراخها المعنف ب:
-انطقي، هو جوزك ؟
صاحت تقى بإهتياج قائلة وقد تشنجت عضلاتها وإرتعش جسدها أكثر، وأغمضت عينيها وهزت رأسها بعصبية جلية:
-خدني غصب، خدني غصب ودبحني !
صعقت تهاني مما سمعته للتو من شفتي ابنة اختها قائلة بصدمة وهي تضع يديها على فمها
-اييييييه !!!
لقد كانت مفاجأة صادمة بحق.. فمن تعدى بوحشية على تلك البريئة هو ابنها الوحيد، ومن افترسها بلا رحمة هو من أنجبه رحمها..
ومن نال من شرفها ودمر ما تبقى من روحها، هو من أعطته السبيل للحياة..

لطمت فردوس على وجهها بعنف وهي تصرخ بحسرة:
-يعني ماطلعش بيكدب، يادي النصيبة، يالهوي على اللي هيجرالنا منه !
ثم نظرت إلى إبنتها بقسوة وأكملت بنبرة مرتعدة:
-إنتي عارفة كان جاي ليه ؟ عشان ياخدك معاه، ومش ناوي يسيبك أبدا، سامعة مش هاسيبك ولا هاسيبنا !!

إتسعت حدقتي تقى في رعب واضح عقب عبارة والدتها الأخيرة، فبكلماتها تلك أصابتها في مقتل.. وجعلت قلبها بخفق عن ذي قبل بذعر رهيب..
هو ينوي أن يأخذها قسراً ليجعلها تعاني مرة أخرى وتعايش تلك التجربة من جديد..
وفجأة أخرجت هي صرخة مخيفة من صدرها لتهوى بعدها على الأرضية فاقدة للوعي ومنهارة من كم الضغط العصبي والنفسي الذي واجهته وستواجهه..

في منزل ممدوح الجديد
فتح ممدوح باب منزله بعد أن سمع قرع الجرس، ورسم على ثغره إبتسامة رضا، ونظر إلى تلك الواقفة أمامه بنظرات متفحصة لجسدها، ثم هتف قائلاً بمكر:
-في ميعادك مظبوط، وأنا أحب أوي الدقيق في مواعيده !
مضغت رحمة العلكة بطريقة مثيرة وهي تتغنج بجسدها أمامه قائلة بصوت مغري:
-طبعاً، ده الباشا يؤمر، وأنا أنفذ !
إزدادت إبتسامته المغترة إتساعاً وهو يمسك بيدها ساحباً إياها برفق للداخل قائلاً بهدوء:
-تعالي يا حلوة.

سارت بخيلاء وبمياعة وهي تلج للداخل، وجابت ببصرها المكان متأملة فخامته بإنبهار واضح على تعابير وجهها الملطخ بمساحيق التجميل..
لف ممدوح ذراعه حول خصرها المشدود، ورفع كفها إلى فمه مقبلاً إياه، فإبتسمت له برقة، ثم مال على أذنها وهمس لها قائلاً بلؤم:
-مش يالا بقى بدل ما نضيع وقت !
هزت رأسها بخفة، وردت عليه بجدية:
-أها.. بس أخد على المكان الأول
مط فمه قائلاً بخبث:
-أكيد.. تعالي أوريكي أوضة النوم
سألته بدلال وهي تهز جسدها لتثيره قائلة:
-على طول كده ؟
غمز له قائلاً بثقة:
-ماهي دي البداية !

مطت شفتيها بطريقة مغرية لتجيبه بإستسلام:
-ممم.. وماله يا بيه
تنهد بحرارة وهو يجوب بعينيها شفتيها المثيرين:
-آآآآخ !
اصطحبها ممدوح للداخل، ولم يرفع عينيه عن جسدها الممشوق والبارز من أسفل فستانها الأحمر الضيق الذي يصل إلى ما قبل ركبتيها، وفتحه صدره التي تلهب مشاعره برؤية مفاتنها تبرز منه...

في منزل تقى عوض الله
تعاونت فردوس مع إجلال في حمل تقى ووضعها على فراشها بعد أن إنهارت على الأرضية..
ثم دثرتها أمها بالملاءة، ونظرت له بحزن وهي تزم فمها بإمتعاض..
نظرت لها إجلال بضيق معاتبة إياها ب:
-ماكنش ليه لزوم تضغطي على البت وهي كده، كنتي استني شوية !

لوت فردوس فمها في ضيق، وقالت على مضض:
-هاعمل ايه بس، ما هو أنا هاتجنن وأعرف الحقيقة، ده جوزها ولا بيقول كده والسلام !
تنهدت في إرهاق، ورمقتها بنظرات عميقة وهي تقول بخفوت:
-مش بالشكل ده، كفاية اللي تهاني عرفته عنه !

ضيقت فردوس عينيها بحدة، وهتفت بنزق
-هي عرفت ايه يعني، ما هو على يدها، من يوم ما آآآ....
قاطعتها إجلال قائلة بجدية شديدة دون أن تطرف عينيها:
-استني بس، مش البيه ده طلع ابنها
فغرت فردوس فمها للأسفل مصدومة وهي تقول:
-مين ؟
أشارت إجلال بعينيها وهي تتابع حديثها الجاد ب:
-الراجل اللي كان عندك من شوية
اتسعت حدقتيها بإندهاش واضح وهي تسألها بتلهف:
-انتي بتقولي ايه، ايه الكلام ده ؟!

ردت عليها إجلال بخفوت:
-ده اللي اختك بتقوله
هزت فردوس رأسها مستنكرة، وتشدق ب:
-مش معقول، دي كدبة جديدة ولا ايه ؟
أضافت إجلال قائلة بنبرة حذرة وهي تشير بكف يدها:
-اسأليها، بس مش دلوقتي، وحاولوا تلموا الدور عشان خاطر الغلبانة دي، والله هاتروح منكم، شوفي لون وشها بقى مخطوف ازاي، ودبلانة، وكل يوم بحال !
لم تنتبه فردوس لما تقوله جارتها، فبالها أصبح مشغولاً بفكرة أن يكون ذلك المتسلط ذي السلطة والجبروت هو ابن أختها الذي تتحدث عنه..

في منزل ممدوح الجديد
أمسك ممدوح بالمنشفة القطنية في يده، ونظر إلى جسد رحمة الممدد على فراشه بنظرات شهوانية.. فقد نجحت في إثارته بجسدها شبه العاري، وبحركاتها المغرية التي تجيد فعلها.. ثم أردف قائلاً بحماس:
-هاخد دش يا حلوة على السريع وراجعلك
لفت جسدها نحوه لتنام على بطنها، ثم حركت ساقيها بحركة خفيفة في الهواء، وأجابته بصوت ناعم للغاية:
-براحتك يا باشا !

ثم صمتت للحظة قبل أن تكمل بخفوت مغري:
-أنا مستنياك هنا على.. على نار !
تقوس فمه بإبتسامة وضيعة، وغمز لها قائلاً بتشوق:
-مش هتأخر !
ثم إتجه نحو المرحاض تاركاً إياها بمفردها في الغرفة..
عبث رحمة بخصلات شعرها، ولفتها حول إصبعها، ثم نهضت عن الفراش، وتأملت الغرفة بنظرات دقيقة..
وتحسست بإعجاب التسريحة الكبيرة، وسلطت أنظارها على خزانة الملابس العريضة..

ثم إبتسمت لنفسها بمكر وهي تقول بثقة:
-بكرة يبقى كل ده عندي
ثم إتجهت ناحية خزانة الملابس لتفتحها، وتملي عينيها بما تحتويه من ملابس كثيرة.. ولتزيد من رغبتها في إمتلاك منزل كهذا يحوي أثاثاً باهظاً..
وقعت عينيها على ذلك الصندوق الموضوع بالأسفل وهي تتفحص محتويات إحدى الضلف..
فإنحنت بجسدها للأسفل، ومدت يديها لتمسك بالصندوق لتخرجه منه، ثم عاودت الجلوس على الفراش، وهمست لنفسها قائلة بفضول:
-أكيد عاين هنا مجوهرات ودهب أد كده !

فتحت رحمة الصندوق وهي تتلهف لرؤية محتوياته التي ظنت أنها قيمة للغاية.. ولكن سريعاً ما تبدلت تعبيرات وجهها للإحباط واليأس حينما رأت ما بداخله..
لوت فمها قائلة بسخط وهي عابسة الوجه:
-إيه ده ! صور وورق قديمة إخص !!
ثم عبثت بالصور وهي تتنهد في ضيق:
-أل وأنا اللي كنت مفكرة إني هالاقي دهب اد كده جوا، حسرة عليا، فقرية من يومي..!!!
ولكن لفت أنظارها صورة ما.. فعقدت ما بين حاجبيها في إستغراب بعد أن ضيقت عينيها، ثم أخرجتها من الصندوق، ودققت النظر بها، وهتفت قائلة بنبرة مدهوشة:
-الله ! مش دي صورة الولية المجنونة تهاني...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والأربعون

في مخفر الشرطة
ألقى أوس الجندي بالقلم على الورقة الخاصة بالمحضر الرسمي بعد أن إنتهى الضابط من أخذ أقواله، وحدج أحمد بنظرات نارية متوعدة قبل أن ينطق بصوت قاتم:
-أقدر أمشي ؟!
تنحنح الضابط بصوت خشن وهو يجيبه بهدوء:
-اه طبعاً يا فندم !

ثم أدار رأسه في إتجاه الحارس أحمد الذي يقف على بعد، وتابع قائلاً بنبرة رسمية:
-وأتمنى حضرتك تكون فهمت الموقف، أي حد كان مكان الأستاذ كان هايتصرف كده، اتهام بخطف أنثى من بيتها، وتحت التهديد، والمفترض إنها خطيبته، فطبعاً تصرفه منطقي، لكن كون إن حضرتك جوزها فده ينفي الواقعة تماماً !

لوى أوس فمه بطريقة متهكمة، ولم يكف عن رمقه بنظراته الساخطة قائلاً بخفوت:
-هه !
ابتلع أحمد ريقه بخوف شديد، وهتف قائلاً بتوتر وفرائصه ترتعد ب:
-يا حضرت الظابط !
انتبه له الضابط، ونظر له بتمعن، فأشار أحمد بيده وهو يتابع قائلاً بهلع:
-أنا عاوز أعمل محضر عدم تعرض ضد الباشا ده
فغر الضابط فمه مصدوماً بعد أن تبدلت تعابير وجهه للإندهاش:
-هاه ! بتقول ايه.

هز أحمد رأسه بتوتر شديد وهو يكمل بخوف:
-ايوه، ده.. ده ممكن آآ....
نهض أوس عن مقعده، فهربت الكلمات من على طرف لسان أحمد فلم يكمل جملته..
ثم حدجه أوس بنظرات مشتعلة وهو يردف قائلاً بصوت متصلب:
-انا وقتي خلص مع اللي زيك !

ثم تحرك في إتجاهه، وحدق فيه بنظرات اكثر قسوة من عينيه الجامدتين، وتابع حديثه بشراسة:
-بس مابنساش حد فكر يجي جمب اللي يخصني !
ثم إنصرف من المكان دون أن ينتظر حتى محاميه الخاص الذي وقف يتبادل الحديث مع الضابط..
بينما لعن أحمد حظه السيء الذي أوقعه مجدداً مع ذلك الشيطان الذي لا يعرف المغفرة أو الصفح......

في منزل تقى عوض الله
لم تتحمل تهاني الوقوف على قدميها بعد تلك الصدمات المتتابعة عليها، فسحبت أقرب مقعد وجلست عليه وهي تشهق بصعوبة..
حاولت هي أن تتغلب على صدمتها، وتستوعب ما حدث..
هزت جسدها بحركة عصبية ثابتة وهي تحدث نفسها بآسى وبعدم تصديق:
-يعني.. يعني أوس هو.. هو اللي عمل كده في تقى ؟!

وضعت يديها على رأسها بعد أن طأطأتها في خزي لتكمل قائلة بحسرة:
-هو اللي دبحها، وخلاها توصل للحالة دي، طب لييييه ؟ لييييه يا بني ؟ ليه ؟ عملت فيك ايه عشان تعمل فيها كده ! آآآآه..!
أخذت تهاني نفساً عميقاً، وحبسته في صدرها لتكتم صوت أنينها الذي يعتصر قلبها، ثم زفرته بحزن وهتفت قائلة بمرارة:
-آآآه، أنا كنت فين عشان تبقى بالصورة دي يا أوس، إنت بقيت زي أبوك، هو اللي رباك وعمل فيك كده يا ضنايا، خلاك نسخة منه في بشاعته ووحشيته، ويوم ما تيجي يبقى بنت خالتك الطيبة، آآآآه.. ضيعت ابني يا مهاب، ضيعته، وضيعت اللي حواليه كلهم، منك لله يا شيخ، منك لله !

ولجت إجلال من الداخل ومعها فردوس، ونظرت بإشفاق إلى تهاني، فهمست لها بحنو ب:
-خدي بالك من أختك، هي برضك مالهاش ذنب في أي حاجة
رمقت فردوس أختها بنظرات منفرة، ثم لوت فمها بإستنكار قائلة:
-ربنا يسهل !
ودعتها إجلال، وأغلقت فردوس الباب خلفها، ثم إستدارت عائدة لتقف قبالة أختها..
عقدت ساعديها أمام صدرها، وصاحت قائلة بغضب:
-شوفتي الكلام اللي بيتقال يا تهاني
رفعت تهاني رأسها المنكسة، ونظرت إلى أختها بأعينها المتورمتين، وهمست قائلة بصوت متحشرج:
-في ايه تاني ؟

صاحت فردوس بصوت شبه منفعل وهي تشير بيدها:
-ان الجدع المفتري ده هو.. هو ابنك !
نهضت تهاني عن المقعد، ولطمت على صدرها بحركات ثابتة، وهي توليها ظهرها، ثم أجابتها بصوت باكي:
-آآآآآه.. يا حرقة قلبي على الغاليين كلهم !
تبعتها فردوس وهي تصيح بها بتشنج:
-بطلي نواح وردي عليا، ده ابنك ولا لأ ؟

وقفت تهاني على عتبة غرفة تقى، ونظرت بإشفاق وحسرة على تقى الراقدة على الفراش، ثم رفعت ذراعها ووضعته على الباب، ومن ثم أسندت رأسها عليه، وهزته في إنكسار وهي تجيبها بمرارة شديدة:
-مش عارفة أرد أقول ايه يا أختي، أقولك ابني بس معرفتش أربيه، وأبوه علمه يكون كده زيه، ولا.. ولا أقولك مش ابني ولا أعرفه !
سألتها فردوس بصوت فج وصادح دون أن يهتز لها جفن:
-يعني أوس الجندي ابنك يا تهاني !

على تلك العبارة الأخيرة،أفاقت تقى من نومتها، وإرتعشت بشدة وهي تستمع لإسمه القاسي يخترق آذانها، فتكورت على نفسها، وإرتجفت أكثر وهي متشبثة بالملاءة..
لقد كانت مفاجأة أخرى صادمة لها..
الوحش الهمجي الذي ذبحها وإغتال برائتها، وقضى على إنسانيتها هو الأقرب لها..
هو من دمائها.. ومن تلذذ بتعذيبها، وتفنن في إخضاعها وكسر روحها..
طيف ذكرياتها المشينة والموجعة معه كان يتجسد من جديد في عقلها ليزيد من رجفتها وخوفها منه..

تابعت فردوس قائلة بنزق دون أن تهتم بما يحدث لإبنتها:
-أهوو ابنك ده السبب في كل المصايب اللي احنا فيها، هو اللي سجني، وخرب البيت، وفي الأخر فضح بنتي وضيعها !!
إلتفتت تهاني برأسها نحوها، وردت عليها بخزي:
-بس.. بس هي متجوزاه !
هدرت بها أختها قائلة بجموح:
-ومين يعرف ده غير احنا، الفضيحة والعار حطوا راسنا في الوحل يا تهاني، بقينا فرجة الناس كلها !

أجهشت تهاني بالبكاء المرير.. وهتفت قائلة بتوسل واستعطاف:
-آآآه.. كفاية يا فردوس، كفاية، إنتي مش حاسة باللي أنا فيه !
كانت تقى على الجانب الأخر تبكي بصوت مكتوم، وتدفن وجهها في وسادتها كي لا يصدر صوت نحيبها..
ووالدتها تتعمد وضع الملح على جروحها التي لم تندمل بعد لتزيد من لهيب عذابها ومعاناتها بحديثها الجامح..
أخرجت تهاني تنهيدات حارقة وآسفة وهي تصرخ بتشنج:
-آآآآآه.. آآآآه.

رمقتها فردوس بنظراتها القاسية وهي تكمل بجمود معنفة إياها بشدة:
-ابنك مهما عمل محدش هايكلمه، ده قادر وواصل، وايده طايلة، لكن احنا.. احنا مكنش عندنا الا الشرف وراح، وإداس علينا !!!
نظرت له تهاني بإستنكار وهتفت مدافعة وهي تشير بيدها ب:
-ابني اتاخد غصب مني زمان، وأنا معرفتش حاجة عنه، والوقتي جاية تحاسبيني على اللي عمله !!
صرخت بها فردوس بشراسة وهي تلوح بكفها:
-أومال أحاسب مين ؟ قوليلي ؟ مين هايجيب حق بنتي ؟!

ردت عليها تهاني بنشيج خافت:
-هو بيقول متجوزها
صاحت فردوس بتعابير وجهها المتشنجة ب:
-ده كدب، كلام قاله عشان آآ..
قاطعتها تهاني قائلة بتبرير:
-لأ مش كلام، ما أنا قولتلك الدكتورة رجاء قالت إن تقى متجوزاه
لوت فردوس فمها قائلة بتهور وهي ترمقها بنظراتها الساخطة:
-تلاقيه ملعوب تاني عملاه معاه
تشنجت تهاني أكثر وهي تهتف بمرارة:
-يا شيخة حرام عليكي، معلوب ايه وزفت ايه، ما أنا طول عمري قدامك أهوو، كنت بأعاني وعقلي مش فيا، واتظلمت، واتبهدلت !

هزت فردوس رأسها في عدم إقتناع وهي تقول بإستنكار:
-أنا معرفش عنك حاجة يا تهاني من يوم ما سافرتي من 30 سنة، ورجعتي بعدها وإنتي عقلك تعبان، ايه اللي يخليني أصدق الكدب اللي بيتقال ده كله ؟!
ردت عليها تهاني بصوت مبحوح وهي تمسح عبراتها ب:
-أنا هاحكيلك عن كل حاجة حصلتلي، وإنتي أحكمي

في منزل ممدوح الجديد
خرج ممدوح من المرحاض وهو يلف نصفه السفلي بالمنشفة القطنية، ثم حدق بنظرات مذعورة في رحمة الممسكة بصور فوتغرافية، ووقعت عينيه على الصندوق القديم، فهتف بصراخ صادم:
-إنتي بتعملي ايه ؟!

إنتفضت رحمة في مكانها، وألقت بالصورة على الفراش، ونظرت بفزع إلى ممدوح، وردت عليه بصوت متقطع:
-آآآ..مافيش، أنا.. أنا كنت بس باتفرج على أوضتك
رمقها بنظراته القاسية وهو يجمع الصور ويضعها بداخل الصندوق قائلاً بنبرة متعصبة:
-ازاي تمسكي حاجة مش بتاعتك !
إرتبكت رحمة، ونظرت إليه بخوف من طريقته المتشنجة، وردت عليه بتوتر بعد أن نهضت عن الفراش:
-أنا مقصدش، بس..بس أصل آآآ....

رفع ممدوح عينيه ليرمقها بنظراته المحتقنة وهو متجهم الوجه، فتابعت هي بتردد:
-أنا.. أنا عارفة الست اللي في الصورة دي !
إنتبهت حواس ممدوح بدرجة كبيرة عقب جملتها الأخيرة..
فالصورة التي كانت ممسكة بها هي لتهاني في شبابها..
لذا إتسعت حدقتيه في صدمة، وسألها برعب:
-بتقولي ايه ؟

ابتلعت ريقها بتوتر، وأجابته بتلهف وهي تتفرس في تعابيره المتقلبة:
-ايوه، دي.. دي ولية مجنونة ساكنة عندنا بقالها زمن !
ألقى ممدوح بالصندوق على الفراش، وأمسك بها من ذراعيها، وهزها بعنف شديد وهو يأمرها بنبرته المتصلبة:
-ساكنة فين انطقي ؟
شعرت بقبضتيه تعتصران ذراعيها، فإلتوت شفتيها من الآلم، و ردت عليه دون أدنى تأخير وهي ترمش بعينيها في خوف:
-عندنا في الحارة
أرخى قبضته عن ذراعها ليقبض على عنقها، ويسألها بشراسة تبرز من بين أسنانه:
-فين حارتكم دي ؟

ردت عليه بصوت مختنق وهي تحاول إلتقاط أنفاسها بصعوبة:
-عند آآ.. ((.......))
حفظ ممدوح العنوان عن ظهر قلب، ثم ترك عنقها، فسعلت رحمة بقوة، وتحسست بأيدٍ مرتجفة مكان أصابعه المطبوعة عليه..
ابتعد هو عنها، وأسند كف يده على جبينه، وغمغم مع نفسه بجدية قائلاً:
-لازم أوصلها بسرعة قبل ما تختفي تاني، ايوه، وهابلغ ناريمان بده !

ثم إستدار برأسه ناحية رحمة، وتنحنح بخشونة، واقترب منها بحذر.. ومن ثم أردف قائلاً بهدوء زائف:
-سوري رحمة.. آآ.. أصل أنا تعبان شوية
نظرت هي له شزراً، وعبست بوجهها بوضوح، ونهرته قائلة:
-يا باشا لو تعبان قولي أمشي، مش تخنقني بالشكل ده !
-معلش يا ريري، امشي الوقتي، وهاكلمك تاني.

رمقته بسخط وهي تنحني بجسدها للأسفل لتلتقط ثيابها الملاقاة على الأرضية قائلة لنفسها بتذمر:
-يعني اليوم اضرب عندي، وطلعت منه بلوشي ( بدون مقابل مادي ) !
تابعها ممدوح بنظرات مترقبة إلى أن جمعت متعلقاتها الخاصة، وتوجهت للمرحاض لتكمل إرتداء ملابسها..
ثم سار في اتجاه خزانة ملابسه العريضة ليضع بها الصندوق القديم في الضلفة المفتوحة، ومن ثم أخرج بدلته ليرتديها على الفور حيث المشوار الهام الذي سيقوم به بعد إنصراف رحمة...

في منزل تقى عوض الله
سردت تهاني لأختها فردوس ما جرى لها قبل عقود، منذ لحظة سفرها في البعثة التعليمية، وإلتحاقها بالعمل، وبعدها زواجها الأول من الطبيب الثري مهاب الجندي، وإكتشافها لوحشيته وقساوته، وتصرفاته الغير سوية، ثم إنجابها لطفلها الأول أوس.. وانفصالها عنه لاحقاً بعد أن طلقها للمرة الثالثة.. وما تبعه من زواجها من رفيقه ممدوح، وإنجابها لرضيعتيها ووفاتهما في حريق هائل بغرفة مكتبها بالمشفى الذي كانت تعمل به..

ثم إنهيارها العصبي، ومكوثها لبرهة في مشفى للأمراض النفسية، وطلاقها من زوجها الأخير.. وسعيها للحصول على ابنها، وتمكن مهاب من طردها والتهديد بالزج بها في السجن بتهم زائفة، وترحيلها جبرياً لتُحرم من كل ما كانت تملكه يوماً.. حياتها، أطفالها، أموالها، حريتها، وأخيراً عقلها..
تنهدت تهاني بحرقة مريرة وهي تطلق لعبراتها العنان مكملة بنشيج:
-عاوزاني أبقى بعقلي ازاي بعد ده كله، ردي عليا !

نظرت لها فردوس بجمود، ثم ردت عليها بقسوة:
-مش يمكن تكون دي تمثيلية إنتي مألفاها !
هدرت بها تهاني بصوت متشنج قائلة:
-حرام عليكي ! بعد اللي سمعتيه بتقولي تمثيلية ! طب ما أنا قدامك أهوو بقالي سنين، شوفتي حالتي كانت عاملة ازاي ؟ ولساني كان بيقول ايه ؟ فوقي يا فردوس من الأوهام دي !

لوت فمها وهي ترد بإمتعاض ورافعة لحاجبيها للأعلى:
-أنا مابقتش عارفة أصدق ايه ولا ايه !!!
تابعت تهاني قائلة بنبرة استعطاف:
-دي الحقيقة وربنا شاهد عليا، أنا شوفت الويل كله، واتحرمت من كل حاجة، وابني لو كان بشع بالصورة دي فأبوه هو السبب، هو اللي رباه على كده، وأنا.. وأنا لو كان آآ....
قاطعتها فردوس بسخط وهي تشير بيدها:
-أل يعني لما تقولي كده هترجعي اللي فات، ماهو اللي حصل حصل خلاص !

نظرت لها تهاني بتوسل، وأمسكت بها من ذراعها وهي تهتف بنبرة راجية:
-هاصلح اللي اتكسر يا فردوس، وهاعوض بنتك عن اللي فات، بس.. بس أوصل لإبني الأول !
نظرت لها أختها بنظرات محتقنة، وهتفت بتهكم عصبي:
-ده على أساس انه هيرمي نفسه في حضنك أول ما يشوفك
ثم أولتها ظهرها لتنظر بإحتقان إلى ابنتها الراقدة على الفراش، وأطلقت سبة خافتة..
وضعت تهاني يدها على كتفها، وضغطت عليه وهي تتوسل لها ببكاء:
-يا ستي هحاول معاه، بس.. بس قوليلي هو فين ؟ ساكن فين ؟ أوصله إزاي ! اكلمي يا فردوس !

في سيارة ممدوح
وضع ممدوح هاتفه على أذنه بعد أن إتصل بناريمان، وإنتظر ردها بفارغ الصبر، وما إن سمع صوتها حتى هتف بها بجدية:
-اسكتي يا ناريمان واسمعيني كويس
ردت عليه بتوجس قائلة:
-في ايه ؟
هتف بها بنبرة حادة وهو يضغط على دواسة البنزين:
-انا عرفت تهاني أعدة فين !
صرخت بصدمة ب:
-ايييه !

وظلت للثوانٍ في حالة ذهول محاولة إستيعاب ما قاله للتو
صاح بها بصوت جاد قائلاً حينما لاحظ صمتها المريب:
-مش وقته خالص، اكتبي عندك العنوان ده وحصليني على هناك !
أجابته بتوتر شديد وهي تحاول فهم ما يدور في عقله ومتسائلة ب:
-اوكي، بس انت ناوي على ايه ؟
حدق أمامه بنظرات عميقة تحمل الشر وهو يكز على أسنانه قائلاً بقسوة:
-هانهي كل حاجة، بس انجزي !
-تمام

في فيلا عدي
أمسكت ليان بالسكين الخاص بتقطيع الطعام، وحدقت به ببريق غريب يسطع من عينيها..
بدت تصرفاتها مريبة وهي تتفحصه بتلك الطريقة..
وإرتسم على وجهها ابتسامة شيطانية وهي تقرب نصل السكين من رسغها..
وفي نفس الوقت خرج عدي من المرحاض وهو ينشف رأسه المبتل بمنشفته، وتفاجيء بما تفعله ليان، فتحولت نظراته للذعر، وصرخ فيها بهلع:
-ليان !!!

إبتسمت له بشراسة بعد أن أدارت رأسها في إتجاهه قائلة ببرود قاسي:
-كده هاموت من غير وجع جامد، صح ؟
حدق بها بخوف واضح وهتف لها متوسلاً:
-إنتي.. إنتي هاتعملي ايه، ارمي السكينة دي
ردت عليه ببرود أقسى وهي تعبث بالسكين:
-تؤ.. دي حتى بتقطع كويس
صاح بها بنبرة استعطاف وهو يتحرك صوبها بخطوات حذرة:
-ليان ! اسمعيني، انتي اللي بتعمليه ده غلط، وآآ.. وأنا خايف عليكي تأذي نفسك !
ضحكت بصورة هيسترية وهي ترجع رأسها للخلف، ثم تشدقت قائلة بإستهزاء وهي تلوح بالسكين أمامه:
-ههههههه.. انت بتخاف عليا !

ثم عاودت الضحك مجدداً، ورمقته بنظراتها المحتقرة قبل أن تضيف بهدوء مريب:
-لأ حقيقي خايف ؟ تؤ تؤ تؤ ! مش إنت يا عدي، I don't believe it ( مش مصدقاك )
أشار بكف يده بإرتعاد وهو يتوسل لها بنبرة راجية ناظراً إليها بإضطراب:
-اسمعيني، أنا عارف إني غلطت في حقك، وضحكت عليكي، بس والله خايف عليكي ! صدقيني !
صرخت فيه بإهتياج وهي تلوح بالسكين في وجهه ك
-شششششش.. مش تكلم خالص، إنت أكتر واحد كداب، زيك زي الواطي اللي خدعني، زي مامي اللي مش طلعت مامي، أنا.. أنا ماليش حد، أنا مش بنت حد، أنا لوحدي في الدنيا دي
أصبح عدي على بعد خطوتين منها، وقال بنزق وهو مسلط عينيه على السكين:
-ليان كل دي أوهام، وآآ..

قاطعته بصراخها المخيف ب:
-بس، مش عاوزة أسمع صوتك، أنا هاريحكم كلكم مني !
ثم قربت نصل السكين من رسغها لتغرزه فيه، فهتف عدي بذعر:
-لألألأ !

ثم ألقى بثقل جسده عليها ليمنعها من تنفيذ تهديدها، فسقط كلاهما على الأرضية، وأحاط بها عدي من الخلف، وطوق ذراعيها بكفيه، وقبض على معصمها الممسك بالسكين، وأبعده عن جسدها، وجثى فوقها ليمنعها عن الحركة، فتشنجت بجسدها، وإنتفضت بشدة وهي تصرخ بإهتياج:
-سيبني أموت، سيبني !
ضرب بمعصمها على الأرضية الصلبة اللامعة لترتخي أصابعها عن السكين، ومع هذا لم يحرره، وهمس لها وهو يكز على أسنانه:
-اهدي يا حبيبتي، شششششش

عند مخفر الشرطة
حاول المحامي منعم إقناع أوس بضرورة التوقيع على محضر عدم التعرض لأحمد، ولكن رفض الأخير قائلاً بشراسة:
-مش هايحصل
-يا باشا ده بيتهمك رسمي بإن لو حاجة حصلتله هاتكون إنت المسئول
أطبق أوس على ياقة المحامي، وقرب وجهه منه، وهتف به بصوت فج ب:
-ماليش فيه، اتصرف، والواد ده يجي لحد عندي، سامع !
اضطرب منعم، ونظر له بخوف، وهمس بإعتراض:
-بس آآآ..

صاح به بقسوة أشد وهو يحدجه بتلك النظرات المخيفة:
-أنا مش بأعيد كلامي مرتين
هز المحامي منعم رأسه بخوف، وأجابه بإستسلام:
-ح.. حاضر
ثم إتجه أوس نحو سيارته الفارهة بعد أن أرخى قبضته عنه، وأشار لحراسته الخاصة بيده ليلحقوا به..
ومن ثم ركب بداخلها، وأدار عجلة القيادة وحدث نفسه قائلاً بتوعد:
-مش هارحم أي كلب يقرب من مراتي !

في منزل تقى عوض الله
وقفت تهاني على باب المنزل قائلة بنبرة صادقة:
-هاروحله يا فردوس، هاقوله إني أمه، وهو..آآآ..
قاطعتها فردوس بجمود قائلة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-ماتعشميش نفسك أوي، انتي متعرفيهوش زي ما احنا عارفينه كويس
هزت رأسها رافضة وهي تقول بإستنكار:
-لأ، أنا غير أي حد، أنا أمه الحقيقية.

أضافت فردوس قائلة ببرود بعد أن حلت ساعديها، ورمقت أختها بنظرات إستهجان:
-يا تهاني الزمن اتغير، والابن اللي بتحكي عنه زمان ده كبر، وبقى حاجة تانية، بقى وحش قادر بإشارة من صباعه يهد المعبد على اللي فيه !
أصغت تهاني لما قالته أختها، فربما هي مُصيبة في حديثها، ولكنها كأي أم تظن الخير في ابنها مهما بلغت به درجة الوحشية..
لذا إبتلعت غصة مريرة في حلقها، وقالت بإصرار:
-لألأ.. انتي مش عارفة حاجة، كله هيرجع زي زمان، وهاتشوفي
ثم أدارت المقبض، وخرجت من المنزل، وصفقت الباب خلفها وهي تمني نفسها بتحقيق حلم اللقاء بإبنها الوحيد......

في سيارة أوس الجندي
رن هاتف أوس الموضوع على التابلوه، فمد يده ليلتقطه، ونظر إلى شاشته بدقة، ثم ضغط على زر الإيجاب قائلاً بجمود:
-ايوه يا عدي !
صاح عدي بصوت مضطرب ب:
-أوس، إنت فين ؟
أجابه بهدوء وهو يوزع أنظاره ما بين المرآة الأمامية والجانبية:
-عندي حاجة مهمة بأعملها
أضاف عدي قائلاً بتوجس:
-أنا عاوزك تبعتلي عفاف حالاً
ضيق عينيه الحادتين بإندهاش وهو يردد ب:
-عفاف !

أجابه بصوت متوتر ب:
-أيوه، أنا مش عارف أتعامل مع ليان خالص، كل ما أقرب منها تصوت وتصرخ، وأخر مرة كانت ناوية تنتحر !!
اتسعت مقلتيه في خوف عليها، وتسائل بجدية:
-اييييه، امتى ده حصل ؟
رد عليه دون تردد ب:
-من شوية
مط أوس فمه قليلاً، وتابع قائلاً بإهتمام:
-ممم.. ماشي، أنا هابعتلك عفاف على طول، بس ماتسبش ليان على حالتها دي، وكلم الدكتور
أضاف عدي قائلاً بإندفاع:
-اوكي، بس تيجي عفاف، لأني معاها !
-على طول، سلام !

على مقربة من الحارة
وصل ممدوح بسيارته إلى مدخل الحارة، وأطل برأسه خارج النافذة محاولاً الإستدلال على العنوان المذكور..
لمح أحد الأطفال وهو يركل الكرة لأخر، فهتف قائلاً بصوت مرتفع:
-خد يا بني هنا
إلتفت له الطفل، وضيق عينيه بإندهاش، ثم ركض نحوه وسأله بفضول:
-خير يا بيه ؟
سأله ممدوح بصوت خشن وهو يرمق الصغير بنظرات متأففة:
-اومال تهاني ساكنة فين ؟
رفع الطفل حاجبه للأعلى، وأردف متسائلاً بعدم فهم:
-تهاني مين ؟

مط ممدوح فمه للأمام، وقال بتردد:
-آآ.. تهاني، اللي هي.. الولية المجنونة
هتف الطفل قائلاً بثقة:
-تهاني مانخوليا !
هز رأسه وهو يجيبه بجدية:
-ايوه
إستدار الطفل برأسه للخلف، وأشار بذراعه نحو بناية ما وهو يجيبه بصوت مرتفع:
-عند البيت القديم اللي هناك ده
ابتسم له ممدوح بإبتسامة باهتة وهو يقول:
-ماشي، شكراً
-أي خدعة.

قالها الصغير وهو يوليه ظهره ويركض في إتجاه بقية رفاقه متابعاً بصوت مرتفع:
-شوط يا بني الفاول ده !
ضغط ممدوح على زر الإتصال بناريمان، ووضع الهاتف على السماعة الخارجية، وإنتظر ردها عليه..
بعد ثوانٍ أجابته بصوت متوتر ب:
-ايوه يا ممدوح، إنت فين دلوقتي ؟
رد عليها ممدوح بهدوء حذر وهو محدق بالبناية:
-أنا قريب من بيتها، وصلتي لفين ؟

هتفت قائلة بإرتباك واضح في نبرة صوتها:
-أنا قربت من الحتة اللي انت قولتلي عليها، دقايق وهاكون هناك، بس أنا خايفة من آآآ..
قاطعها بصوت جاد قائلاً:
-خلاص مش وقته، أما توصلي نكمل كلامنا.. يالا أنا مستنيكي !
ردت عليه بإيجاز:
-اوكي.. باي !

على مقربة من قصر عائلة الجندي
وصلت تهاني إلى الشارع الجانبي المؤدي إلى بوابة القصر الرئيسية، وجابت بعينيها المكان بتفحص شديد..
كان قلبها يسبقها في خطواتها من أجل رؤية ذلك الغائب الذي تشتاقه..
ابتلعت ريقها محاولة تخفيف حدة الجفاف التي أصابت حلقها..
وقفت حائرة على مسافة من البوابة ورأت الحرس منتبهين لكل شاردة وواردة، فخشيت أن يظنوا بها السوء ويتشاجروا معها..
فكرت في طريقة تمكنها من الدخول للقصر دون أن تثير الشبهات حولها..

فبوجود حراسة كتلك، سيتعذر عليها الدلوف من غير أن يتحقق من هويتها أحدهم..
لمحت إحدى السيدات وهي تخرج من البوابة وتتبادل الحديث مع أحد الحرس..
فضيقت عينيها متمعنة في ملامحها..
وحدثت نفسها قائلة بحيرة:
-أكيد دي دي واحدة شغالة جوا، طب.. طب أسألها عن أوس ولا أعمل ايه، ما أنا خايفة أشوف ناريمان جوا، وتمنع ابني عني !

سارت عفاف بخطوات أقرب للركض في إتجاه الطريق الرئيسي، فلحقت بها تهاني، وهي تهتف بهمس:
-يا.. يا أستاذة، لو سمحتي
إنتبهت لها عفاف، وتوقفت عن السير، وأدارت رأسها للخلف، وتفرست في ملامحها بإستغراب قائلة بنبرة غير مبالية:
-في حاجة ؟
وقفت تهاني قبالتها، ونظرت لها بحنو متسائلة بنبرة حزينة:
-ايوه، معلش، هو.. هو إنتي شغالة هنا في القصر ؟
أومأت برأسها بخفة وهي تجيبها بإيجاز:
-أها
لم تنكر عفاف أن ملامح تلك السيدة أثار فضولها بدرجة مريبة، فقد كانت بها لمحات جلية من الصغيرة ليان.. رغم فارق السن والتجاعيد البادية على وجه تلك السيدة..
سألتها تهاني بتلهف وعينيها تلمعان ببريق غريب:
-طب.. طب أوس الجندي موجود فيه ؟

ضيقت عفاف عينيها قليلاً، ورمقتها بنظرات أكثر دقة وهي تسألها بجدية:
-وبتسألي ليه ؟
ارتبكت تهاني لوهلة، وترددت في إخبارها بهويتها الحقيقية، وحاولت أن تختلق عذراً ما، فقالت بتلعثم:
-هاه.. آآ.. أنا.. أنا كنت عاوزة أشوفه
ردت عليها عفاف بهدوء وهي محدقة بعينيها التي كانت مشابهة لعيني ليان كثيراً وتشدقت ب:
-والله لو ليكي ميعاد معاه تقدري تقابليه في شغله
سألتها تهاني مجدداً بنبرة راجية وهي تشير بعينيها الحزينتين:
-أنا بس عاوزة أعرف إن كان جوا ولا لأ
أجابتها عفاف بإقتضاب وهي تتحرك للأمام:
-وأنا مقدرش أقولك !

لحقت بها تهاني، وأمسكت بها من ذراعها لتوقفها عن الحركة قائلة بإستعطاف:
-الله يكرمك بس ردي على سؤالي، أنا مش عاوزة أكتر من كده
أزاحت قبضتها عن ذراعها وهي تجيب سؤالها بسؤال:
-وأجاوبك ليه أصلاً ؟
لم تجد تهاني بداً من التصريح عن هويتها، فقالت وهي مطرقة الرأس وبتلعثم واضح:
-عشان.. عشان أنا.. أنا أبقى أمه
جحظت عفاف بعينيها في صدمة، وشهقت قائلة:
-هاه، ميييين ؟!

تابعت تهاني قائلة بنبرة متلهفة وهي تشير إلى نفسها:
-أنا أمه الحقيقية، صدقيني، أنا تهاني شحاته، أم أوس مهاب الجندي
فغرت عفاف ثغرها قائلة بذهول:
-إنتي تهاني !
هزت رأسها بهدوء وهي تجيبها بتلهف:
-ايوه
تقطع صوت عفاف وهي تسألها بصدمة:
-يعني.. يعني انتي مامت الباشا أوس ؟
-أيوه، دليني على طريقه.

لم تفق عفاف من تلك الحقيقة العجيبة، فمن تقف أمامها وتحدثها هي والدة أوس الجندي..
دار بخلدها فكرة أنها ربما تختلق تلك الأكذوبة، ولكن الشبه بينها وبين ليان كبير..
لذا دون وعي منها هتفت قائلة بإندهاش:
-معنى كده إنك تبقي.. تبقي مامت ليان كمان
فغرت تهاني شفتيها في حيرة، وتسائلت بإهتمام، خاصة بعد أن جذب الإسم إنتباهها بشدة، ب:
-هاه، ليان ! مين دي ؟!
تنحنحت عفاف بإرتباك، وتردد في توضيح موقفها قائلة:
-إحم.. آآ.. أصل
هتفت بها تهاني متسائلة بحدة:
-قولي مين ليان دي ؟

ردت عليها بنبرة خافتة وهي تتفرس في تعابير وجهها محاولة فهم ردة فعلها:
-دي المفروض إنها بنتك على حسب كلام ناريمان هانم !
اتسعت حدقتي تهاني الحمراوتين في صدمة أكبر، وخفق قلبها بقوة، وشهقت بفزع قائلة:
-بنتي ؟ هي.. هي لسه عايشة !
هزت رأسها إيجابياً وهي تسألها بإستغراب:
-أها.. هو حد قالك إنها ماتت !

وضعت تهاني يدها على فمها، وأردفت قائلة بنزق:
-يعني مهاب خطفها مني، وقالي إنها ماتت ؟ الكلب الواطي آآآآه !
ثم نظرت إلى عفاف، وامسكت بها من ذراعيها، وسألتها بتلهف:
-طب.. طب اختها موجودة ؟
سألتها عفاف بحيرة وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-اخت مين ؟

ردت عليها تهاني وهي تلهث بعد أن تلاحقت أنفاسها:
-ليان بنتي كان ليها توأم اسمها بيسان ؟!
ردت عليها عفاف بنوع من الجمود قائلة بعد أن سلطت أنظارها على قبضتيها:
-بصي أنا معرفش حاجة عن الكلام ده
أرخت تهاني قبضتيها، وسألتها بإستفهام وهي تتوسل لها بعينيها:
-انتي شغالة هنا من زمان ؟

أجابتها بهدوء وهي ترمقها بتلك النظرات الغريبة:
-اها، من سنين
ظهرت إبتسامة رضا على محياها، وهزت رأسها وهي تضيف بنبرة شبه هادئة:
-يعني.. يعني ولادي عايشين كويس ومبسوطين ؟
تقوس فم عفاف قليلاً، وأجابتها بإمتعاض:
-هاه، مش عارفة أقولك ايه، بس ادعيلهم
هتفت بها تهاني قائلة بإصرار:
-أنا عاوزة أشوف ولادي
ردت عليها عفاف بنبرة جادة وهي تدير رأسها للخلف:
-محدش فيهم موجود في القصر
-طب.. طب هما فين ؟

سمعت كلتاهما صوتاً رجولياً يأتي من الخلف متسائلاً بقوة ب:
-ست عفاف، في حاجة ؟ في حد بيضايقك ؟
إلتفتت عفاف برأسها نحو صاحب الصوت المألوف، وردت عليه بجمود:
-لأ يا جمال، مافيش
اقترب منهما، وسلط أنظاره على تهاني متفحصاً إياها بدقة، وتابع بنبرة جادة:
-أصل أنا شايفك بترغي مع الست دي
ابتلعت تهاني ريقها في خوف، وإرتعدت من فكرة التسبب في حدوث مشكلة لتلك السيدة، لذا ردت بتوتر:
-هاه.. أنا.. أنا كنت تايهة وبسأل عن عنوان كده
سألها بنبرة قوية وهو يحدجها بنظراته الحادة:
-عنوان مين ؟

أضافت عفاف قائلة بصوت جاد وهي تشير بكفها:
-خلاص يا جمال، مافيش حاجة، روح انت شوف شغلك وأنا طالعة على أول الشارع
لوى فمه في تأفف، ورد بإيجاز:
-ماشي !
ثم رمقهما بنظرات منزعجة قبل أن يتركهما وينصرف مبتعداً..
تابعته تهاني بنظراتها القلقة، ولكنها عادوت النظر إلى عفاف بعد أن شرعت حديثها بجدية ب:
-بصي يا ست تهاني، أنا مش هاعرف أتكلم الوقتي لأني مستعجلة، بس انتي ممكن تديني رقمك وأنا هأفهمك على كل اللي عاوزة تعرفيه بعدين
تهللت أسارير تهاني، ونظرت لها بإمتنان وهي تجيبها بنبرة شاكرة:
-ماشي، يبقى كتر خيرك، وده جميل مش هانسهولك أبداً

في منزل تقى عوض الله
لم يغمض لتقى جفن بعد تلك الحقائق الصادمة التي استمعت لها.. يكفيها ما عانته لتتجرع من جديد مرارة الظلم على يد أقرب أقربائها..
كانت عبراتها الساخنة تحرق قلبها قبل وجنتيها..
حبست أنفاسها قدر المستطاع حتى لا يستمع أحد إلى صوت صراخ قلبها الملتاع..
كانت والدتها تجلس على مقربة منها تحيك تلك الرقع المتواجدة بقميص زوجها، وتتنهد في حزن محدثة نفسها بصوت مسموع نسبياً:
-هاترجع وخيبة الأمل راكبة جمل، ويبقى ما نبنا غير الفضيحة بزيادة !

صمت لوهله قبل أن تكمل بإحباط:
-يا ربي ليه بس بيحصلنا ده كله، ما احنا طول عمرنا في حالنا، وأعدين كافيين خيرنا شرنا، وفي الأخر يبقى ده نصيبنا، والناس لسانها مابيسكتش، في الفضايح طول كده، وفي الحقايق ولا حس.. آآآه، يا ريتني مت ولا شوفت الهم ده كله، وعوض ايدي منه والأرض.. آآآه، كله في الأخر على كتافك يا فردوس !!
بكت تقى أكثر وكتمت فمها بكف يدها كي لا تنتبه لأنينها الصامت..

فمن تزوجته قسراً نهش لحمها كما ينهش الأسد فريسته دون ندم، وبشهوة مريضة نَهِمَ من جسدها بإشتهاء مقزز، وتركها بلا روح..
أما والدتها فهي تعمد إلى وضع الزيت على النيران لتزيد من شرارة عذابها.. ألا يكفيها ما تقاسيه لتردد دوماً على مسامعها أنها الابنة المذنبة التي فرطت في شرفها رغم أنها كانت تحميها من ظلمات الحبس وبرودته القاسية..

تنهدت بآلم كبير.. وحاولت ألا تصدر صوتاً، واكتفت بحبس وجعها الثقيل في صدرها..
انتبهت فردوس إلى صوت قرع جرس باب منزلها، فنهضت بإرهاق من على الأريكة، وأنزلت ساقها المثنية على الأرضية، وأسندت أدوات الخياطة على جنب.. ثم سارت بخطوات عرجاء نحو الخارج
استغلت تقى فرصة خروج والدتها من الغرفة لتخرج شهقاتها المكتومة، وترثي حالها البائس..

لفت فردوس طرف حجابها حول كتفها، ثم فتحت الباب ونظرت إلى المرابطين أمامه بإستغراب، فقد كانت هيئتهما مختلفة وغريبة إلى حد كبير.. وخاصة أن ملابسهما تعبر عن ثراء واضح..
أفاقت هي من صمتها، وتسائلت بإهتمام:
-ايوه، عاوزين مين ؟
تحرك ممدوح خطوة للأمام ليرمقها بتلك النظرات الساخطة قبل أن يسألها بصوت متصلب:
-فين تهاني ؟
تراجعت فردوس للخلف، ونظرت بتوجس له، ثم سلطت أنظارها على تلك السيدة ذات النظرات المتعالية والإحتقارية التي دلفت إلى الداخل، وتسائلت بحيرة:
-إنتو مين ؟

رمقتها ناريمان بنظرات إحتقارية ومهينة وهي تضيف قائلة بسخط:
-ده بيت المجنونة !
لوحت فردوس بيديها وهي تصيح بقوة:
-في ايه ؟ مالكم داخلين كده من غير احم ولا دستور ؟ عاوزين مين ؟
أشار ممدوح بيده بعد أن أدار رأسه للخلف قائلاً بهدوء حذر:
-شش يا ناريمان !
ثم إلتفت لينظر ناحية فردوس متسائلاً بصوت قاتم:
-قوليلي يا ست، فين تهاني ؟
لوت فمها وهي تردد بإمتعاض:
-تهاني اختي
أشارت لها بإصبعها في إستهزاء وهي تقول بنبرة مهينة:
-ياي، هو انتي اختها، لوكال أوي !
صاحت بها فردوس بنبرة محتقنة:
-ما تقفي عوج وتتكلمي عدل يا ست إنتي !!

لوت ناريمان فمها في تأفف، وقالت بإمتعاض:
-أوووف، ايه ده، بيئة !
إستدار ممدوح برأسه للخلف، وحدج ناريمان بنظرات محذرة وهو يصيح بشراسة من بين أسنانه:
-ناريمان، من فضلك، سبيني أتعامل !
ثم أدار رأسه في إتجاه فردوس، وتحرك قبالتها وهو يضيف قائلاً بجدية مريبة:
-احنا جايين نسأل عن تهاني !
رمقته فردوس بنظرات قوية وهي تهتف بنبرة محتدة:
-وأنا مش هارد عليكم قبل ما أعرف إنتو مين ؟

في نفس التوقيت وصلت سيارة أوس الجندي إلى الحارة، ومعه سيارتي حراسته الخاصة..
تفاجيء هو بوجود سيارة عائلته التي يعرفها وسيارة أخرى ملاصقة لها خمن صاحبها على الفور..
فإنقبض قلبه بشدة، وإكفهر وجهه بصورة واضحة..
ثم ترجل من سيارته، وأشار لرجال حراسته بيده، وهو يحدثهم بصرامة جلية:
-الكل يجهز، وتفتحوا عينكم كويس، مش عاوز حد لا يدخل ولا يخرج من هنا، مفهوم
أجابه أحدهم بنبرة رسمية ب:
-حاضر يا باشا !
ثم دلف أوس إلى داخل البناية وهو ينتوي شراً لمن سيجده بالأعلى...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والأربعون

في منزل تقى عوض الله
صاحت فردوس بقوة وهي تنظر بغل إلى تلك المتكبرة التي اقتحمت منزلها وترمقها بنظراتها المهينة سائلة إياها ب:
-إنتي مين ؟
ثم إلتفت برأسها ناحية ممدوح، وتابعت بقوة:
-وبتتهجموا عليا في بيتي ليه ؟

أفاقت تقى من حالة الحزن الرهيبة المسيطرة عليها على صوت والدتها الصادح خارج غرفتها، ورفعت رأسها عن الوسادة، وسلطت أنظارها على باب الغرفة..
إستمعت هي إلى صوت همهمات عالية وصراخ هادر فإنقبض قلبها بشدة، ووضعت يدها على صدرها، وحبست أنفاسها..
إزداد الصراخ بالخارج، فإبتلعت ريقها في خوف .
وبخطوات حذرة نهضت عن الفراش بعد أن أزاحت الملاءة، ثم سارت على أطراف أصابعها لتقترب أكثر وتفهم ما يدور.. أسندت تقى ظهرها على الباب، ومالت برأسها عليه لتصغي بإنتباه لما يقال في الخارج..

أشار ممدوح بيده لفردوس، وأجاب عليها قائلاً ببرود مستفز:
-ماتتكلميش معاها وكلميني أنا
رمقته فردوس بنظرات ساخطة، وأكملت سؤالها بصوتٍ شبه محتد ب:
-عاوز ايه يا حضرت ؟
رد عليها بهدوء حذر دون أن تطرف عينيه الحادتين:
-أنا قولتلك عاوز تهاني !

تتفرس فردوس في تفاصيل وجهه، فهي أول مرة ترى شخصاً كذلك الرجل المهيب – عدا أوس الجندي – يأتي للسؤال عن أختها التي كانت مصدر تعب وإرهاق لها منذ سنوات.. لذا سألته بجمود:
-وعاوزها ليه ؟ وصفتك ايه عشان تتكلم كده ؟
عض على شفته السفلى وهو يجيبها بحذر:
-أنا.. أنا من معارفها
رفعت حاجبها للأعلى في إستنكار، ولوت فمها في تهكم قائلة:
-يا سلام !
هز رأسه بخفة قائلا ً:
-أها..

استشاطت ناريمان من الهدوء العجيب المسيطر على ممدوح، وتماديه في الحوار مع تلك المرأة الحقيرة – من وجهة نظرها – ومسايرتها إياها، لذا هتفت بنزق وهي ترمقها بنظرات إستعلاء:
-بصي يا بتاعة انتي، اختك المجنونة دي كانت بتتعالج عند دار مسنين تبعي، وعملت شوشرة وقلق، وأنا آآ....
إلتفت ممدوح برأسه فجأة للخلف، وحدجها بنظرات شرسة وهو يهتف بها بصرامة:
-ناريمان بلاش الطريقة دي، أنا بأتفاهم مع الحاجة !

ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره على مهل، ثم أردف بحذر:
-شوفي يا حاجة، اختك تهاني ليها مصلحة معانا، وإحنا زيها، فعاوزين نتكلم سوا
عقدت فردوس ما بين حاجبيها في إهتمام، وسألته بإستغراب:
-مصلحة ؟
أجابها بثقة وهو يشير بيده:
-أيوه، حاجة هاتستفيد منها
لمعت عيني فردوس ببريق مريب، وهتفت بإهتمام:
-تقصد فلوس ؟
مط فمه وهو يجيبها بإقتضاب:
-يعني.. حاجة زي كده.

إرتسم على وجهها إبتسامة ماكرة، وظنت أن عائلتها ربما تجني مالاً من وراء هذين الشخصين..
وربطت بين حوار أختها السابق عن عدم القلق بشأن أي تكاليف مادية تخص علاج ابنتها، وبين حديث هذا الرجل عن مصلحة ما..
شعرت بالإنتشاء، وتملكها حماس غريب.. وحاولت أن تسيطر على إنفعالاتها لتبدو غير متأثرة بما قاله..
تنحنحت بصوت متحشرج وهي تقول بخفوت:
-بس هي مش هنا
زفر ممدوح في ضيق، وتسائل بإنزعاج:
-وهاترجع امتى ؟
هزت كتفيها نافية وهي تجيبه بنبرة غير مبالية:
-معرفش

في نفس التوقيت، وصل أوس إلى الطابق المتواجد به منزل زوجته..
احتقنت عينيه بشدة بعد أن سمع صوت هذا الرجل المقيت، وتصلبت عروقه وبرزت بوضوح من الغضب..
أسرع في خطواته، ووقف على عتبة الباب ليتفحص المتواجدين به..
وبنظرات سريعة رأى ناريمان وفردوس والبغيض ممدوح..
اكفهر وجهه أكثر، وتشنجت شفتيه وهما تنطقان بتهكم ب:
-حزب الشيطان متجمع هنا !

حدق الجميع به في ذهول، وبدت المفاجأة جلية على وجوههم..
ابتلعت فردوس ريقها في خوف، وتراجعت للخلف لتعطي لنفسها مساحة للفرار..
في حين سلط ممدوح نظراته المنزعجة عليه، ولوى فمه في إزدراء..
بينما رمشت ناريمان بعينيها، وهتفت قائلة بصوت محتد:
-اتكلم كويس، ماتنساش إن أنا آآ......
قاطعها أوس بنبرة متصلبة وهو يحدجها بنظراته المخيفة:
-أوعي تقولي أمي ولا حتى مرات ابويا، لأنك أبعد ما يكون عن ده.

على الجانب الأخر، إرتعدت أطراف تقى بذعر حينما سمعت صوت أوس يصدح بالخارج..
عضت على أصابعها من الخوف، وإرتجفت شفتيها، وخفق قلبها بقوة..
كتمت بيدها فمها حتى لا تصدر أي صوت فينتبه لوجودها..
وبحثت بعينيها عن أي شيء لتسد به الباب فلا يستطيع إقتحامه إن تطورت الأمور..
ولكن كانت غرفتها – كالعادة – خالية من أي شيء يصلح للإستخدام..
ولم يكن أمامها إلا الأريكة، ولكن إن حاولت تحريكها، ستصدر صوتاً قوياً يلفت إنتباهه..
لذا فكرت أن تظل كما هي، صامتة تماماً، حتى تضمن سلامتها منه..

استشاطت ناريمان غضباً، وإلتفتت برأسها نحو ممدوح، وهدرت قائلة بحنق:
-شايف يا ممدوح هو بيتكلم إزاي
ضحك أوس بطريقة ساخرة قبل أن يصمت فجأة ليرمق الإثنين بنظرات إحتقارية وهو يقول بسخط:
-طبعاً لازم تشتكيني للباشا اللي دايما واقف في ضلك
صاح ممدوح بصوت محتد وهو يشير بإصبعه محذراً بعد أن تحول وجهه لكتلة من الحمرة الغاضبة:
-أوس، إلزم حدودك معايا !

تحرك أوس للأمام حتى وقف قبالته، وحدجه بنظرات متحدية وهو ينطق بصوت جامد وشرس:
-وإن ما لتزمتش هاتعمل ايه ؟ أها.. نسيت صحيح، ده مكانك الطبيعي من زمان، ومعروف عنك إنك بتلم بواقي غيرك
رمقه ممدوح بنظرات محتقنة وهو يهتف بنبرة مهددة:
-أوس.. بلاش إنت !!!!!!
اشتعلت عينيه بغضب جم وهو يصر على أسنانه قائلاً بتحدٍ سافر:
-وإلا إيه يا ممدوح بيه ؟ ما تكمل تهديدك !
لوح أوس بإصبعه في وجهه متابعاً بشراسة:
-لأحسن تكون فاكرني أوس الصغير بتاع زمان، اللي كان بيخاف منك، وبيستخبى أول ما يسمع صوتك، ويتمنى الموت قبل ما تقرب منه وتحط ايدك القذرة عليه !
ابتلع ممدوح ريقه بتوتر.. وصمت ولم يعقب..

كذلك وصلت تهاني إلى مدخل الحارة وهي تتنهد بحزن وإرهاق..
لم يكن بالأمر الهين أن تكتشف أن إحدى رضيعتيها على قيد الحياة، ومع هذا تعذر عليها الوصول إليها وضمها إلى حضنها، أو حتى التمتع برؤية وجهها..
كم أن الحياة مجحفة معها بصورة مؤسفة ولم تنصفها يوماً، فسلبت منها في لحظة كل متعها.. وتركت لها البؤس والشقاء لتتجرعه على مدار السنوات..
أدمعت عينيها طوال الطريق قهراً على حياتها التي ضاعت سُدى.. وحيدة بدون أبنائها.. فقيرة بدون أموالها، فاقدة لعقلها..
وفجأة تسمرت مكانها حينما رأت حشد السيارات المتجمع أمام بنايتهم..

فإبتلعت ريقها بإرتباك، وحدثت نفسها قائلة بتوجس:
-هو.. هو في ايه هنا ؟ ايه كل العربيات دي ؟!
ثم اقتربت من بنايتها، فوجدت أفراد الحراسة يسدون المدخل، فتسائلت بخوف:
-هو.. ايه اللي بيحصل هنا يا بني ؟
رمقها أحد الحراس بنظرات قوية، وهو يجيبها بجمود مشيراً بكف يده:
-اطلعي بيتك يا حاجة وماتسأليش !
فغرت شفتيها بقلق ب:
-هه !

في منزل تقى عوض الله
أكمل أوس حديثه بصوت هادر ومنفعل وهو يرمقه بنظراته النارية:
-إنت علمتني أكون زيك، نسخة ( وسخة ) في تصرفاتها وطريقتها مع الناس، أفعص أي حد يفكر بس يقف قصادي، أستمتع بتعذيب اللي قدامي لحد ما يموت في جلده من مجرد تخيل اللي هاعمله فيه
هدر به ممدوح بإنفعال قائلاً:
-اسكت، اسكت !
إحتج أوس قائلاً بغضب شديد محدجاً إياه بنظرات مميتة:
-وليه أسكت، خايف أفضحك وأقول عن هتكك للأعراض، ولا خايف أتكلم عن اغتصابك للأطفال !!

احتقن وجه ممدوح بالدماء، وقال بإرتباك واضح:
-إنت.. إنت مش طبيعي، بطل تخاريفك دي !
صرخ أوس بعصبية وهو يشير بكف يده في وجهه:
-دي الحقيقة السودة اللي محدش عرفها عنك إلا أنا، وبفضلك بقت زي ما إنت شايف، مع تربية صاحبك بقيت أسوأ بكتير منكم انتو الاتنين !!!!!!
وزعت ناريمان أنظارها على الإثنين بعدم فهم متسائلة بضيق:
-هو بيقول إيه ؟

أصغت تقى لكل كلمة تقال بإنصات تام، وجحظت بعينيها مصدومة وهي تشهق بصوت مكتوم.. فقد برر أوس تصرفاته العنيفة بتربيته الغير سوية..
ورغم هذا لا تزال ترتعد منه.. فوجوده معها في مكان واحد يجعلها تتمنى الموت على أن تظل إلى جواره..
كذلك هناك صدام قوي بين الجميع.. وهذا الباب يقف حائلاً بينها وبينهم..

كذلك تنبه عوض إلى صوت الصياح الذي جعله يفيق من نومته.. وظن في البداية أنها مشاجرة دائرة خارج المنزل، ولكن حينما إزداد الصوت قوة تيقن أنها بداخل منزله المتواضع..
فجاهد لينهض بتثاقل عن الفراش..

في نفس التوقيت وصلت تهاني إلى عتبة المنزل، وإتسعت مقلتيها بصدمة رهيبة وهي ترى شبح طليقها من الجانب أمامها..
رمشت بعينيها لتتأكد من أنها ليست مجرد أوهام.. وإلتفتت إلى مصدر الصوت الأنثوي لتزداد إندهاشتها حينما رأتها.. تلك التي ساهمت في القضاء على أخر أمل في حياتها السابقة..

فغرت فمها محاولة النطق، ولكن هربت الكلمات من حلقها..
صدح صوت أوس قائلاً بتهكم ساخر وهو يشير بكفي يده:
-نيجي بقى للهانم العظيمة، سيدة المجتمع الراقي، اللي مفهمة الكل إنها أكتر إنسانة خيرة في الكون، وإنها مش بتستحمل تشوف حد غلبان من غير ما تمد ايدها عشان تساعده.. طلعت ايه بقى أكبر كدابة ومزورة !
احتقن وجه ناريمان، وهتفت فيه بشدة وهي ترمقه بنظراتها الغاضبة:
-ايه الكلام الفارغ ده !

خفق قلب تهاني بقوة حينما وقعت عينيها على ذلك الشاب الفتي الذي يقف بشموخ عجيب أمامها
هي لم ترْ وجهه بعد، ولكن حضوره الطاغي، وهيبته القوية كافية لتعرف من هو..
إرتجفت شفتيها وهي تحاول النطق بإسمه فهمست قائلة:
-آآ.. أوس !

سلط أوس أنظاره القاتمة على ممدوح وهو يضيف قائلاً بقساوة:
-صحيح الهانم مقالتلكش إن ليان مش بنتها
حدق ممدوح بمقلتيه مشدوها، وهتف قائلاً بصدمة
-نعم !
أكمل أوس ببرود وهو يهز رأسه بتفاخر بعد أن فجر القنبلة المدوية في وجه الحاضرين:
-أيوه.. هي مش بنتها، دي بنت تهاني مراتك، أمي، فاكرها ؟!

شُدهت تهاني هي الأخرى بما قاله أوس، فقد أكد الحقيقة التي عرفتها قبل قليل على لسان المدبرة عفاف..
وشعرت أن ساقيها لا تقويان على حملها..
صدمت فردوس هي الأخرى من الحوار الدائر، والمصارحة الكبرى بين جميع الأطراف..
وحدثت نفسها قائلة بإندهاش:
-يا سنة سوخة يا ولاد، ايه ده كله !!!
إلتوى فم أوس بإبتسامة قاسية وهو يضيف قائلاً بسخرية:
-واضح كده إنك كنت متأرطس من زمان !

صرخ ممدوح في ناريمان وهو يرمقها بنظرات حادة ب:
-ايه الكلام اللي بيقوله ده يا ناريمان ؟
ابتلعت ريقها بخوف بائن، وتراجعت مبتعدة وهي تهز رأسها نافية وتهتف بصوت متقطع:
-آآ.. ده.. ده بيكدب، مش حقيقي !
هدر أوس بصوت جهوري وهو يسلط أنظاره المحتقنة على ناريمان قائلاً:
-لأ أنا مش كداب، ليان سمعتك وإنتي بتقولي ده للباشا مهاب جوزك.. صحيح إيه شعورك وإنتي الصبح في حضن عشيقك، وأخر النهار في حضن جوزك ؟!

صرخت فيه ناريمان بإهتياج:
-اخرس
أمسك ممدوح بكتفي ناريمان، وهزها بعنف وهو يصيح بجموح ضاغطا عليها بقوة:
-ردي عليا يا ناريمان، ليان بنتي ولا لأ ؟ قولي، إنطقي !!
لم تتحمل ناريمان الضغط على أعصابها، فصرخت باكية ب:
-ايوه بنتك !
فغر فمه مدهوشاً بعد أن إرتخت قبضتيه قليلاُ:
-هاه !
تابعت ناريمان حديثها نحيب ب:
-مهاب هو السبب، أنا.. أنا ماليش دعوة، هو اللي عمل كده
-يعني.. يعني ليان عايشة مامتتش ؟ ليه عملتي كده فيا ؟

بكت ناريمان بحرقة ولم تجبه.. فأبعد ممدوح قبضتيه عنها، ونظر حوله بنظرات زائغة وهو يكمل قائلاً بإضطراب:
-أنا كنت شاكك من الأول لما شوفتها في الفرح، حسيت بالشبه الكبير بينها وبين أمها !
أضاف أوس قائلاً بسخرية وهو يحاول دفع ممدوح للجنون:
-شوف القسوة يا جدع، بنتك تبقى قصاد عينك، وتقولك يا أنكل !
هدر به ممدوح قائلاً بإنفعال وهو يشير بإصبعه:
-اسكت متكالمش خالص.

تقوس فم أوس وهو يجيبه بصوت متصلب للغاية يحمل الإهانة:
-لأ هاتكلم يا بيه، يا محترم، يا متربي، ده من رحمة ربنا إنه حرمك منها، سابك كده زي الكلب مفكر إنها ماتت، وهي عايشة وبتكبر في حضن أب وأم تانيين، بس حظها وحش للأسف، وقعت مع اتنين أوسخ من بعض !
اندفع ممدوح نحوه ليهجم عليه قائلاً بإهتياج:
-هاموتك يا أوس
أمسك به أوس من ذراعيه، ونظر له بشراسة وقد نجح في إيقافه وتثبيته في مكانه، في حين شعر ممدوح بقوته الشديدة عليه، وعجزه عن تحرير نفسه حتى من قبضتيه..

حدثت فردوس نفسها قائلة بنبرة متفاجئة وهي تتوارى خلف الجميع:
-عيني عليكي يا تهاني، كل ده حصلك إنتي وعيالك !
.. صر أوس على أسنانه بقوة، ثم نظر مباشرة في عيني عدوه الأول وهو يقول بشراسة مخيفة:
-مش هاتقدر، أوس بتاع زمان العيل اللي.. اللي ايدك طالته وهو ضعيف مات، واللي قدامك ده واحد قادر يدوس عليك برجله ويفعصك قبل ما تفكر بس تلمسه !
في تلك اللحظة، أفاقت تهاني من حالة الجمود المسيطرة عليها، وإنطلقت للداخل وهي تصرخ بإهتياج مريب:
-عملتوا في ولادي إيييييه ؟ خدتوهم غصبي عني ليييييه ؟!!!

ضيق أوس عينيه بإستغراب بعد أن رفع وجهه في وجه تلك السيدة ذات القسمات المجعدة..
وإتسعت مقلتيه بصدمة حينما تأكد من ملامحها التي لم ينساها رغم ما خطه الزمن عليها من خطوطه..
إندهش ممدوح هو الأخر من رؤية تهاني، ولكنها لم تكن بالصدمة القوية التي تجعله غير قادر على إستيعابها..
فصاح بصوت مرتبك:
-ت.. تهاني !

إلتصق ظهر ناريمان بالحائط وهي ترمش بعينيها في خوف، فقد إنهار كل شيء.. وتكشفت الحقائق أمام الجميع..
هجمت تهاني على ممدوح وخدشته في وجهه وهي تصرخ بعنف قائلة:
-عملت ايه في عيالي ؟ وديتهم فين ؟!
قبض ممدوح على معصميها، ودفعها للخلف وهو يبعد وجهه عنها قائلاً بسخط:
-ابعدي عني !
قاومته بشراسة غير مسبوقة، وهدرت به بصراخ:
-لأ مش هابعد، هاخد حق عيالي منك، مش هاسيبك تموت إبني !
كز ممدوح على أسنانه قائلاً بعصبية:
-امشي من هنا.

وقف أوس متسمراً في مكانه مشدوهاً بما يحدث ؟؟
رمشت فردوس بعينيها وهي ترى أختها تتشاجر مع ذلك الغريب، فلطمت على صدرها قائلة:
-يا نصيبتي !
ثم سارت بخطوات سريعة في إتجاه اختها لتدافع عنها هي الأخرى وهي تصرخ بغضب:
-سيب اختي يا جدع، ابعد عنها، جك حش وسطك !
صاح بهما ممدوح بعصبية وهو يلكزهما:
-لمي نفسك إنتي وهي !
لوت ناريمان فمها في تأفف واضح قائلة بإشمئزاز:
-ياي، مش ممكن !

فتح عوض الله باب غرفته ليتجه إلى الصالة فوجد أشخاص غرباء بها، فرمق الجميع بنظرات حائرة، وصاح بصوت مبحوح وهو يمر بجوار باب غرفة إبنته:
-انتو مين ؟ وبتعملوا ايه هنا ؟
أدار أوس رأسه في إتجاهه، ورمقه بنظرات متفرسة لحالته الوهنة.. ثم عاود النظر تلقائياً إلى ممدوح والسيدتين بنظرات فاترة..

إنتفضت تقى في غرفتها مذعورة حينما سمعت صوت والدها يأتي من الخارج، وشهقت بخوف شديد..
فقد كانت تخشى عليه من أن يصيبه مكروه، وخاصة أن حالته لا تتحمل أي شيء.. فعفوياً أدارت المقبض، وإندفعت بلا تفكير للخارج هاتفة بصوتٍ عالٍ ومرتجف:
-بابا !
إنتبهت حواس أوس بالكامل إلى ذلك الصوت الذي إشتاق لسماعه كثيراً، ولف رأسه نحوه دون تردد..
لمعت مقلتيه الغاضبتين ببريق غريب حينما رأها أمامه وهي تقف أمام باب غرفتها..

وتبدلت ملامحه المتصلبة إلى الإرتياح وهو يراها تتحرك كما كانت من قبل..
لم تنظر هي نحوه، بل كانت تبحث بعينيها المرهقتين عن شخص ما..
لم يدرْ بنفسه وهو يتحرك نحوها هاتفاً بإسمها بنبرة مشتاقة ب:
-تقى !
رفعت رأسها نحوه ونظرت له برعب وهي ترتجف من اقترابه المحتوم منها و...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والأربعون

في منزل تقى عوض الله
إستغلت ناريمان إنشغال الجميع، وتسللت على اطراف أصابعها لتنسحب بحذر من المشهد، وتخرج من المنزل دون أن ينتبه لها أي أحد..
وأسرعت بالنزول ركضاً على الدرج لتهرب قبل أن يفتك بها ممدوح بعدما عرف السر الذي يخص ابنته ليان..
لم تعبأ بالجارة التي اصطدمت بها أثناء هرولتها، ولا بالسباب الذي تلقته منها، فشاغلها الأكبر هو الفرار والنجاة بحياتها..
وصلت عند مدخل البناية، ووجدت حراسة أوس تسد المدخل، فإخترقتهم بتوتر، وبحثت عن سيارتها بنظرات مذعورة..

ثم ركبت السيارة وأمرت سائقها بصوت لاهث ب:
-اطلع أوام منها
هز السائق رأسه إمتثالاً لطلبها قائلاً بهدوء:
-حاضر يا هانم !
تنفست هي بصعوبة، وإرتفع صدرها وهبط من شدة التوتر الممزوج بالخوف..
ثم أمسكت بيدها المرتجفة بهاتفها المحمول، وطلبت رقم زوجها، ووضعت الهاتف على أذنها محدثة نفسها بهلع:
-روحنا في داهية، كل حاجة ضاعت !

إرتجفت شفتيها بشدة، واصطكت أسنانها.. فحاولت أن تأخذ أنفاساً عميقاً لتسيطر على زيادة نسبة الإدرنالين في دمها..
أجاب مهاب على إتصالها ببرود ب:
-في ايه ؟
هتفت فيه بتشنج وهي ترمش بعصبية:
-الحق يا مهاب، في كارثة حصلت !!!!!!

حدقت تقى - بتعابير وجهها المرتعدة - في إتجاه أوس بنظرات مذعورة، وزادت إرتجافتها مع اقترابه المحتوم منها..
أدركت أنها تخلت عن حصنها الوحيد حينما هبت مندفعة من أجل والدها، ونسيت للحظة أن جلادها يقف بالخارج ينتظر فرصته للإنقضاض عليها..
لم يشعرْ أوس بالإرتياح إلا حينما رأها أمامه.. واعية، مدركة للحياة..
فخفق قلبه بفرحة عجيبة، وإنتفض مسرعاً نحوها حتى وقف قبالتها، ورمقها بنظرات مطولة متفحصة لكل ذرة فيها..
إنفرجت تشنجات وجهه لوهلة، ومد أصابع كفه بحذر ليتلمس وجهها.. حتى يؤكد لنفسه أنه لا يتوهم رؤيتها..
ثم لا شعورياً لف ذراعيه حولها، وإحتضنها بإشتياق عجيب، وألصق صدرها بصدره وهمس لها قائلاً:
-تقى ! مش هاسيبك أبداً، مش هاتبعدي عني للحظة ! إنتي ليا وبس !

إنتبهت فردوس لما يحدث مع إبنتها، واقتراب أوس الشديد منها، فقطبت جبينها بإستنكار، وأرادت التوجه نحوهما، ولكن منعها دفع ممدوح لتهاني عليها بقوة لتعيد تسليط أنظارها عليه وهو يقول بغضب:
-حق إيه يا تهاني، إنتي مالكيش حاجة عندي !
تشنجت تهاني وهي تقول بإحتجاج:
-لأ ليا كل حاجة، ابني وفلوسي وبنتي اللي لسه عايشة.

وعلى ذكر إسم ابنتها، حاد ممدوح بعينيه عن تهاني ليبحث عن ناريمان ليحاسبها عن إخفاء تلك الحقيقة عنه.. فلم يجدها، فإكفهر وجهه أكثر، وهّمّ بالتحرك، ولكن إنقضت عليه تهاني لتفترسه بأظافرها وهي تصرخ فيه بغضب عارم:
-مش هاتهرب قبل ما أحاسبك على اللي عملته فيا، سرقتني ورميتني انت وصاحبك، وخدتوا مني ابني وحرمتوني من بنتي !
كز على أسنانه قائلاً بإنفعال وهو يحاول تخليص نفسه من قبضتيها:
-شيلي ايدك يا مجنونة !

لم يدركْ أوس أن تقى لم تتجاوب لثانية معه، وأنها كانت كالصنم الميت، باردة، جسد خاوي من الحياة.. لا تتحرك.. متجمدة في مكانها، فاقدة للإحساس بكل شيء.. محدقة بذعر أعلى كتفه
أرخى ذراعيه عنها، ورفع كفيه نحو وجهها ليحتضنه، وهز رأسها متابعاً بتلهف:
-احنا لبعض يا تقى، سامعة لبعض !
أفاقت تقى من جمودها المريب على إثر صوته الذي يحمل نفس نبرة التهديد التي عهدتها منه.. ورفعت عينيها الزرقاوتين في عينيه لترمقه بسخط قبل أن تصرخ فيه بإنفعال مخيف:
-ابعد عني، ماتلمسنيش !

اضطرب أوس من إرتجافتها وتشنجها، فأبعد يديه بحذر عن وجهها، وهتف لها بتوسل وهو يرمقها بنظرات شبه خائفة:
-تقى، إهدي واسمعيني، أنا.. أنا مستحيل أذيكي !
صرخت فيه بقوة وهي تشيح بيديه بعيداً عنها، وتتراجع بظهرها للخلف:
-لأ.. مش هاسمعك !
ثم أشارت بإصبعها في وجهه، وهي تتابع بإهتياج:
-إنت أقذر إنسان عرفته، أنا بأكرهك، بأكره كل حاجة فيك، صوتك، نفسك، لمستك، ابعد عني، أنا بأقرف من نفسي وإنت جمبي !

تسمر أوس في مكانه من كلماته الجارحة له.. وأطرق رأسه في خزي.. فهو يستحق عتابها القاسي هذا.. فما فعله بها ليس بالأمر الهين، ولا يمكن نسيانه مطلقاً بين ليلة وضحاها..
ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، ورفع رأسه ليرجوها قائلاً:
-اديني فرصة آآآ..
هتفت بصوت هادر مقاطعة إياه وهي تهز رأسها بعصبية:
-لألأ !

إتجه عوض الله نحو ابنته، ورمق أوس بنظرات مغتاظة، وصاح به بصوته المبحوح ب:
-إنت مين وعاوز إيه منها ؟
أخذ أوس نفساً عميقاً ليسيطر به على نفسه، ثم قال بهدوء وهو يكز على أسنانه:
-أنا عاوز مراتي، ومحدش هايمنعني عنها
ثم إندفع نحوها، ومد يده ليجذبها من ذراعها، فصرخت بصورة هيسترية مرعبة جعلت الجميع ينظر نحوها بقلق..

مما جعل ممدوح يستغل الفرصة وينجح في التخلص من براثن تهاني، وأسقطها فوق أختها بعد أن دفعها بكل قوته لترتطم الإثنتين بالأرضية.. وركض مسرعاً خارج المنزل وهو يحدث نفسه بزمجرة غاضبة:
-كلكم هاتشوفوا هاعمل ايه !
نزل الدرج وهو يتوعد بالإنتقام من مهاب وزوجته لخداعهما إياه خلال السنوات المنصرمة
رمق أفراد الحراسة بنظرات مغتاظة وهو يتجه صوب سيارته.. وصفق بابها بقوة وهو يتابع بصوت محتقن:
-هاتدفعوا التمن غالي، وغالي أوي كمان !!!!

تجمد أوس للحظة عن فعل شيء، ونظر لتقى بخوف بائن في عينيه، بينما تلوت هي بذراعها محاولة تحريره منه..
وضع عوض الله كف يده المجعد والمرتجف على كتف أوس وصاح به بصوته الوهن:
-سيبها، شيل ايدك من عليها
أدار أوس رأسه في إتجاهه، وحدقه بنظرات مخيفة وهو يجيبه بقسوة تحمل الإصرار:
-محدش هايمنعني عنها !
ثم قبض أكثر على ذراع تقى التي صرخت مستغيثة ب:
-بابا، إبعده عني، خليه يمشي !

إلتفت أوس برأسه نحوها، وصاح بها بقوة:
-مش هاسيبك افهمي بقى..!!
-أوس
قالتها تهاني بصوت محتد وهي تتجه نحوه بعدما نهضت عن الأرضية بمعاونة أختها..
أشار هو لها بإصبعه محذراً بعد أن تشنج وجهه، وصرخ بها بصوت مخيف:
-إنتي تسكتي خالص !

إنتاب تقى حالة من الصراخ المرتعد، فجذبها أوس من ذراعها نحوه، لتسقط في حضنه، ثم لف ذراعه الأخر حول وجهها بعد أن كمم فمها بقبضه يده، وألصق ظهرها بصدره، وشَكَل بذراعه درعاً قوياً يمنعها من التحرك أو الهروب منه..
تلوت تقى بخوف بجسدها الهزيل محاولة تحرير نفسها، ووضعت كفيها على ذراعه لكي تزيحه عن فمها، ولكنها عجزت عن إزاحته تماماً..
نظرت له تهاني بهلع، وهتفت قائلة بنبرة شبه قلقة:
-أنا أمك يا أوس، إنت مش عارفني
تشنجت عضلات أوس، وإزداد قوة وصلابة، وتمسك بتقى أكثر، وتحرك بها جبراً في الإتجاه الأخر ليرمق الجميع بنظرات ساخطة، وهتف قائلاً بنزق:
-حتى لو عرفتك فأنتي بالنسبالي موتي من زمان !

نظرت فردوس بذعر إلى إبنتها، وصاحت بضيق:
-بنتي، حوشي ابنك يا تهاني عنها !
لم تصغ لها تهاني، بل جحظت بعينيها في صدمة، وصاحت بعدم تصديق:
-ايه اللي انت بتقوله ده ؟
رمقها بنظراته الجامدة، وهتف بجموح:
-بأقول الحقيقة، أنا ماليش أم !
رفعت كفها في وجهه، وصرخت قائلة بإستنكار وهي تهز رأسها معترضة:
-لألألألأ..

تحرك عوض في اتجاه أوس، ووقف على مقربة منه، وقال بصوت مبحوح وهو يشير بيده:
-سيب البت، ابعد عنها يا جدع إنت !
أحاط أوس بتقى جيداً، ولم يفلتها، وأجبرها على التحرك مع خطواته حتى صار على مقربة من باب المنزل، فصاح بقوة مهددة وهو يسلط أنظاره النارية عليه:
-مش سايبها، وإرجع لورا أحسنلك !
ثم نظر في إتجاه تهاني، وتابع بجموح:
-أمي ماتت يوم ما سابتني لجوزها يعمل اللي عاوزه فيا !

ذرفت تهاني عبراتها عفوياً، فهي لم تتوقع أن يكون ابنها بتلك القسوة في أشد لحظات إحتياجها له.. وإنتحب صوتها وهي تتابع ب:
-إنت.. انت بتظلمني يا ابني، أنا مكونتش أعرف حاجة !
هدر بها قائلاً بقسوة أشد:
-حتى لو عرفتي، مكونتيش هاتعملي حاجة، إنتي كل همك إنك تفضلي في حضن الكلب ده وبس، وهو يعمل اللي يعمله في ابنك، مش هاتفرق كتير، طالما شايف مزاجك !

خدشت تقى كف أوس وساعده باظافرها لعله يرخي قبضته عن فمها، ولكنه كان يزداد إصراراً على عدم إفلاتها أو التخلي عنها....
في حين ابتلعت تهاني ريقها بخزي، وقالت بصوت باكي وهي مطرقة الرأس:
-هو.. هو ضحك عليا واستغفلني !
صرخ هو بها بعصبية وهو يشير بيده نحوها:
-وهو دمرني وخلاني أطلع أوسخ من أي حد، وأبشع منه في كل حاجة !
توسلت له بإسعتطاف وهي تضم يديها معاً إلى صدرها:
-أنا مظلومة
وضع إصبعه المتشنج أمام فمه المتصلب وهو يقول بقوة:
-شششش.. ماتكلميش !

هزت رأسها بإحتجاج لتردف بنفس النبرة الباكية:
-هما خدوك غصب عني، حرموني منك
لم يكف أوس عن الصياح بقساوة ب:
-مش عاوز أسمع منك كلمة، أنا ماليش أم ! ماليش أم
هزت تقى ساقيها بعصبية محاولة ركله، ولكزته في صدره بكوعها، فلم يهتز بدنه، وتحامل على نفسه، وضمها بعند إلى صدره..
تحرك عوض الله بحذر خطوة للأمام، وقال بتوسل وهو يسترضيه:
-سيبها، هي معاملتش حاجة عشان تاخدها غصب.

رمقه أوس بنظرات متحدية، وصاح به بنبرة عنيدة:
-لألأ، تقى مراتي، ومش هاسيبها
توسلت له تهاني قائلة برجاء وهي تنظر له بأعينها الدامعة:
-هي يا بني مالهاش ذنب في أي حاجة، لو.. لو عاوز تحاسبنا، فأنا قدامك أهوو !
إنتفض أوس بجسده متشنجاً، وهدر بصوت قوي ومخيف:
-مش سايبها، سامعين، مش سايبها.

ثم إنحني بجذعه للأسفل قليلاً ليضع ذراعه أسفل ركبتي تقى، ويحملها عنوة.. وظل مكمماً لفمها وملصقاً رأسها بصدره.. فإنتفضت هي بجسدها بخوف وركلت بساقيها في الهواء وهي تحاول الصراخ، ولكن صوتها كان مكتوماً..
ذعرت فرودس حينما رأت ابنتها محمولة بين ذراعيه، وهو على وشك إختطافها، فشهقت بفزع وهي تلطم على صدرها ب:
-بنتي !
ارتكبت تهاني، وخفق قلبها بإرتعاد، وتوسلت له برجاء ب:
-نزلها يا أوس، هي هاتموت من الرعب، إنت متعرفش اللي هي فيه !

رمقها بنظراته المحتدة قائلاً بعناد في لهجته القوية:
-مش هابعد، وهاخدها من هنا، هي ليا وبس !
ثم إنطلق بها خارج المنزل، وركض نزولاً على الدرج حاملاً إياها بإصرار عجيب على ألا يتركها تلك المرة..
خفق قلب تقى بشدة وتنفست بصعوبة من أنفها وهي ترى نفسها عائدة إلى نفس المصير المحكوم عليها فيه بالموت..
إلى السجن الذي إنتهكت فيه برائتها، وأغتصب جسدها بلا رحمة.. ولم تعرف فيه حتى الغفران..

لم تتحمل أعصابها المنهكة أن تخوض تلك التجربة مرة أخرى، فإنهارت على الفور فاقدة لوعيها..
حاولت فردوس اللحاق به وهي تصرخ بذعر:
-بنتي، هاتولي بنتي، سيبها !
ركضت تهاني هي الأخرى خلفه وهي تهتف بتوسل باكي ك
-لألألأ يا أوس، متعملش كده، أوس !
كذلك تحرك عوض الله بخطوات عرجاء محاولاً إنقاذ تلك الصغيرة، قائلاً بصوته الضعيف:
-حد يمسكه يا ناس، حد يلحقه..!

وصل أوس إلى مدخل البناية، فإنتبه أفراد الحراسة الخاصة له، وتبادلوا نظرات حائرة بسبب تلك الفتاة التي يحملها معه، ولكنه قطع صمتهم هذا ب:
-اتحركوا، ومحدش يخرج من هنا إلا لما أنا أمشي
-تمام يا باشا
أسرع أحدهم بفتح باب السيارة الأمامي ليتمكن أوس من وضع تقى زوجته بالداخل، وإنتبه إلى فقدانها للوعي، فإضطرب قلبه، وتحسس وجنتها بقلق.. وهمس لها قائلاً ب:
-هاعوضك عن اللي فات
ثم ثبتها في مقعدها بحزام السيارة، وإعتدل في وقفته، بينما أغلق الحارس الباب، ودار أوس حول السيارة ليركب إلى جوارها..

مد أوس أصابعه ليمسك بكفها البارد المرتخي، ورفعه إلى فمه، وقبله قبلة مطولة وهو ينظر لها بعاطفة قوية، ثم أردف قائلاً بخفوت:
-مش هانسيب بعض أبداً، وهنبدأ من جديد
لمح أوس فردوس وتهاني وهما تحاولان الخروج من البناية واللحاق به، ولكن وقف رجال الحراسة بأجسادهم الضخمة أمامهما، فحالوا دون وصولهما..
أدار محرك سيارته، ورمق الجميع بنظرات متباهية وفمه قد تقوس بإبتسامة إنتصار..

أطلق أفراد الحراسة سراح العجوزتين بعد تأكدهم من رحيل أوس الجندي لتنهار فردوس على ساقيها وهي تصيح وتلطم وجهها بحسرة:
-بنتي، خطفها قصاد عيني، آآآآآه
هزت تهاني رأسها في إستنكار وبكت بحرقة وهي تضيف:
-ليه يا أوس تعمل كده ؟ ليييييه تضيع أخر أمل في نجاتها ؟!!
ركب بقية أفراد الحراسة سيارتيهما، وانطلقا سريعاً خلف رب عملهم..
تجمع أهالي الحارة حولهما، وتسائلوا بفضول عما حدث، فيما استمر ندبهما وعويلهما المصحوب بالصراخ والأنين..
جلس عوض على الدرج بعد أن أنهكه النزول.. وتنفس بصعوبة وهو يهتف ب:
-لحقتوها.. آآه..

بدى وجهه شاحباً وهو يحاول إلتقاط أنفاسه.. فرأه أحد الجيران، وركض نحوه قائلاً بتوتر:
-الحقوا عم عوض يا جدعان، ده قطع النفس
رفعت فردوس ذراعيها عالياً في الهواء لتضرب كفيها معاً صارخة بعويل:
-يا نصيبتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع والأربعون

تجمع أهالي الحارة في مدخل البناية، وتعاون بعض الرجال الأشداء في حمل " عوض الله " ونقله إلى منزله بعد أن أنهكه الركض نزولاً على الدرج..
صاح أحدهم بصوت جاد قائلاً:
-خدوا بالكم يا رجالة من دماغه !
هز شخص أخر رأسه بهدوء وهو يجيبه بصوت مرتفع:
-ماشي.. وسع سكة بس !
-ألطف يا رب.. !

قالتها إحدى الجارات بتوجس شديد وهي تتابع ما يحدث من أمام باب منزلها
لحقت بهم فردوس وهي تندب حظها، وتصرخ بعويل قائلة:
-البت وأبوها راحوا مني يا ناس
ربتت إحدى الجارات على كتفها قائلة بنبرة عادية:
-وحدي الله يا ست فردوس، الراجل لسه فيه النفس
بعد عدة دقائق، كان هو موضوعاً في فراشه، وإلتفت أحدهم نحو فردوس قائلاً بإهتمام:
-احنا هنشيع نجيبله ضاكتور
أومأت برأسها موافقة وهي تجيبه بتلهف:
-وماله ياخويا، هاتوا أي حد بس طمنوني على الراجل !

في نفس التوقيت كانت تهاني جالسة على الأرضية أمام مدخل البناية تهز رأسها في إستنكار وتغمغم مع نفسها بحسرة ب:
-ليه كل ما أقرب منك يا ابني بيبعدوني عنك، لييييه ؟ ده أنت الأمل اللي فاضلي في الدنيا دي، آآآآآه.. قسوك عليا يا ضنايا، وحرموني تاني منك !
ثم نهضت عن الأرضية، ومسحت عبراتها المنهمرة بعصبية، وتابعت قائلة بصوت حاسم وهي محدقة أمامها:
-بس.. بس أنا مش هاسكت ! لازم أفهمك يا أوس على الحقيقة كلها !

في سيارة أوس الجندي
قاد أوس سيارته بسرعة معقولة بعد أن ابتعد عن الحارة الشعبية.. ولم يترك كف تقى بل على العكس خلل أصابعه في أصابعه، وظل يلتفت نحوها بين الحين والأخر موزعاً نظراته عليها وعلى الطريق أمامه، ومتأملاً لهيئتها الغافية بجواره..
لم ينكر أن شعوراً عجيباً بالإرتياح قد سيطر عليه تماماً، وإستكانت روحه المعذبة بعد أن ضمن عودتها مجدداً إلى أحضانه..
ورغم أنها كانت ساكنة، جامدة، لا تتحرك إلا أنه كان مطمئناً لقربها الشديد منه، فهي باتت سُكناه الحقيقي..

ولم يكن ليعبأ بأي شخص سواها، فهي وحدها من أغنته عن الحياة بآسرها..
وبعد برهة، وصل هو إلى الطريق الفرعي المؤدي إلى البناية الجديدة التي يقطن بها.. ثم إنحرف بالسيارة في إتجاه اليمين ليمرق نزولاً إلى الجراج الداخلي الموجود بالبناية..
ترجل أوس من السيارة أولاً، ثم جاب بعينيه الجراج ليتأكد من خلوه من الأشخاص، ثم دار حول السيارة، وفتح الباب الملاصق لها على مصرعيه، وجثى على ركبته أمامها، وحل وثاق حزام الأمان، ثم أطبق على كفي يدها بكفيه، وفركهما بقبضتيه ليدفئهما..

نظر لها بعمق وهو يهمس قائلاً:
-إنتي في أمان معايا يا تقى
ثم وضع كفيها على حجرها، ولف ذراعه خلف ظهرها، وبحذر شديد قربها منه، وأسند رأسها على صدره، وقبل جبينها بعاطفة قوية.. ووضع يده الأخرى أسفل ركبتيها، وبكل رفق حملها خارج السيارة، ثم اعتدل في وقفته، ونظر لها بنظرات حانية، وضمها إليه، ومن ثم سار بها بخطوات واثقة في إتجاه المصعد الجانبي الملحق بالجراج..
دلف أوس إلى داخله وهو يضمها بقوة عجيبة وكأنه يريدها أن تخترق ضلوعه، كذلك أراد أن يبث لها الدفء المنبعث من جسده فيمتص برودة جسدها المقلقة..

بعد لحظات كان يقف بها أمام باب منزلهما الجديد الذي لم يعرف طريقه أي أحد ليضمن وجود خصوصية لهما..
قرع أوس الجرس بعد أن رفع ذراعه للأعلى لتهرع الخادمة الفليبينية ماريا لتفتح له الباب..
أفسحت ماريا المجال له لكي يمر بها إلى الداخل قائلة بلكنة غريبة:
-تفضل سيدي !

لم ينظر لها أو حتى يجيبها، بل أكمل خطواته المتعجلة في إتجاه غرفة النوم، ولحقت هي بهما منتظرة ما يمليه عليها من أوامر..
دلف أوس إلى الغرفة، فأسرعت ماريا في خطواتها لتزيح الملاءة عن الفراش الوثير ليتمكن هو من إسناد تقى عليه..
ثم أشار لها بعينيه وهو يقول بصرامة:
-الدكتور مختار جاي بعد شوية، بلغيني أول ما يجي
ردت عليه بهدوء وهي تهز رأسها موافقة:
-حاضر
ثم أولته ظهرها وإنصرفت إلى الخارج..

مسح أوس بأنامله الخشنة على جبين تقى، وأبعد خصلات الشعر الملتصقة به، وأعادها للخلف.. ثم مسد على شعرها بحنو..
تأمل بنظرات دقيقة سكونها.. وأثاره بشدة اهتزاز جفونها.. فوضع كفه عليهما، وإنحنى برأسه عليها ليهمس لها بصوت نادم:
-سامحيني ياتقى..!
ابتلع غصة في حلقه ليكمل قائلاً بأسف:
-أنا عذبتك كتير، بس غصب عني، مكونتش بأنتقم غير من نفسي فيكي إنتي !

لم يمنع نفسه من البكاء ندماً على جريمته النكراء معها.. وترك لعبراته العنان لتنساب من مقلتيه، وأغمض عينيه آسفاً، فتسربت بعضها وسقطت على وجنتها فبللتها..
انتفضت هي قليلاً، ولكنها عاودت السكون..
شعر هو بتلك الإهتزازة الخفيفة، ففتح عينيه الباكتين، ونظر لها بتمعن قائلاً بخفوت:
-إنتي الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتي، وخايف أكون وسختك باللي عملته !
ثم أخذ نفساً عميقاً، وحبسه في صدره ليكتم شهقاته بعد أن تذكر كيف واقعها بطريقة حيوانية ليشبع رغباته السادية، ثم زفره بحرقة، وأضاف قائلاً بنبرة عازمة وهو يمسح على جبينها:
-بس أوعدك هاتغير، أوس الجندي على إيدك هايتغير !

في قصر عائلة الجندي
ألقى مهاب بمنفضة السجائر في المرآة الموجودة بغرفة نومه صارخاً بإهتياج وهو يرمق زوجته ناريمان بنظرات نارية ب:
-إتهبلتي في عقلك عشان تقولي الكلام ده ليه ؟!
نظرت له ناريمان بذعر، وإرتجفت شفتيها وهي تجيبه بخوف:
-أنا كنت.. كنت خايفة !
لوح بكف يده في وجهها وهو يحدجها بتلك النظرات المحتقنة قائلاً بغل:
-إنتي ضيعتي كل حاجة بغباءك ده
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تدافع عن نفسها قائلة:
-طب.. طب كنت عاوزني أعمل ايه.

أجابها بصوت متصلب ب:
-كنتي تحطي لسانك في بؤك وتخرسي خالص !
أطرقت رأسها للأسفل، ودفنت وجهها بين راحتي يدها، وهتفت بصوت شبه متشنج وهي تدعي البكاء:
-ماهو.. ما هو أنا متخيلتش إن أوس هايجي ويشوف المجنونة أمه !
أمسك بها من كتفيها، وهزها بعنف وهو يصيح بها ب:
-وأهوو حصل وجه، وكل حاجة ضاعت يا هانم يا محترمة، واتكشفت !

أزاحت قبضتيه عنها، وهزت رأسها مستنكرة، وهتفت قائلة بعصبية:
-وأنا ذنبي ايه ؟ اتصرف إنت، أعمل اي حاجة، إحنا كده روحنا في داهية !
رمقها بنظرات مشمئزة وهو يقول بسخط:
-عاوزاني أعمل ايه بعد ما خربتي الدنيا كلها
بكت بصوت مرتفع وهي تلقي بجسدها على الفراش.. في حين وضع هو يده على رأسه وحكها بغيظ وهو يحاول التفكير في حل سريع لتلك المعضلة الخطيرة وهو يدور حول نفسه..

وفجأة توقف عن الحركة بعد أن طرأ في عقله فكرة ما شيطانية..
إتسعت مقلتيه بغرابة، وسلط أنظاره على ناريمان، ثم سألها بجمود:
-إنتي لسه معاكي مفتاح شقة الزفت ممدوح
رفعت رأسها نحوه بذهول عجيب، وبدت كالمصعوقة لتوها بالكهرباء بعد عبارته الأخيرة..
صاح بها بصوت قاتم وهو يرمقها بنظراته الإحتقارية:
-تكوني مفكراني مش عارف بوساختك معاه
توقفت للحظة عن التنفس.. وإرتجف جسدها أمامه.. فأضاف قائلاً بشراسة:
-انطقي معاكي لسه المفتاح ؟

هزت رأسها بخفة وهي تجيبه بتلعثم:
-آآ.. ايوه، بس أنا آآ..
قاطعها بصوت صارم وهو يقتلها بنظراته:
-اخرسي ! هنتحاسب على ده بعدين، قومي هاتيه
نهضت عن الفراش، وسارت بخطوات متعثرة نحو حقيبتها المسنودة على التسريحة، وعبثت بمحتوياتها باحثة عن النسخة الإضافية لمنزل ممدوح..
لم يكنْ امامها أي فرصة لتدافع عن نفسها أو تبرر لمهاب موقفها.. فقد كانت في موقف لا تحسد عليه..

ربما هي لن تنجو من غضبته، ولكنه أهون بكثير من أن يُزج بها في السجن..
بأصابع مرتعشة مدت يدها إلى مهاب وهي تتجه نحوه بحذر، فإلتقطه من يدها، وهتف بها بصوت متوعد:
-مش هايعدي اللي عملتيه من ورايا على خير يا ناريمان !
نظرت له بذعر، ولم تعقب.. في حين تابع هو قائلاً بإهتمام جلي:
-احكيلي بالظبط عن تفاصيل بيت الواطي ده !

في الملهى الليلي
تجرع ممدوح محتويات كأس الخمر في رشفة واحدة،وتشنج وجهه وهو يبتلعه..
ثم أسند الكأس بعصبية على طاولته، وظل ينفخ بغضب جلي..
جلست رحمة إلى جواره، وتفرست في ملامح وجهه المتصلبة بإندهاش، ومطت شفتيها للجانبين، ثم حدثت نفسها بإستغراب قائلة:
-هو هايفضل كده لحد امتى ؟ مش هاطلع منه الليلادي خالص بأي مصلحة، أووف
تعمدت هي أن تبتسم له إبتسامة زائفة، ثم مدت ذراعها نحوه، وتلمست بشرة عنقه بنعومة وأردفت قائلة بصوت مغري:
-وحشتني وآآ..

قاطعها بصوت محتد وهو يزيح يدها بعيداً عنه ب:
-مش وقتك يا ريري
عبست بوجهها، وضيقت عينيها، وردت عليه قائلة بضيق زائف:
-مالك بس ؟ ده أنا عاوزة أفرفشك يا بيه
نفخ من الغيظ، وقال بجمود:
-حلي عني السعادي يا ريري، أنا مش في المود
سألته بإهتمام زائف وهي ترمقه بنظراتها الوالهة بعد أن وضعت يدها على فخذه لتثير غرائزه:
-وايه بس اللي معكر مزاجك يا باشا ؟

صاح بها بقوة وهو يحدجها بنظرات قوية:
-يوووووه، مش وقتك خالص !
أبعدت يدها في حرج، وانتصب في جلستها، ثم عقدت ساعديها أمام صدرها، وهتفت بضجر:
-ولما إنت مش طايق حد يا بيه، جاي هنا ليه ؟ ورابطني جمبك !!!
أخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل، وأجابها بهدوء حذر:
-سوري يا ريري، معلش، أصل أنا على أخري !

إبتسمت له بعذوبة، واقتربت منه لتلتصق بصدره، ولفت ذراعه حول خصرها، وشبكت أصابعه في أصابعها، وعبثت برابطة عنقه قائلة بنعومة مثيرة:
-قولي بس على اللي مضايقك وأنا أوعدك بشرفي اللي ما بأحلف بيه باطل إني هانسيك كل حاجة
تنهد بحرقة وهو يجيبها بضيق:
-ولاد ال *** ضحكوا عليا واستغفلوني !
هتفت بإستنكار زائف وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-لا عاش ولا كان اللي يستغفلك يا باشا !
أضاف هو قائلاً بصوت محتقن وهو محدق أمامه بنظرات قاتمة:
-أقرب ناس ليا لعبوها صح، ولهفوا كل حاجة !
قطبت جبينها في حيرة، ونظرت له بعدم فهم، ومطت شفتيها وهي تقول:
-أنا مش فاهمة حاجة من اللي بتقولها.

تنهد بإنهاك، ثم رمقها بنظرات جافة قبل أن يتشدق ب:
-أنا قايم
تجهم وجهها وهي تسأله بإندهاش:
-ايه ده ؟ هاتمشي ؟
أومأ برأسه إيجابياً وهو يجيبها بفتور:
-أها، ماليش مزاج لأي حاجة
هتفت هي بتلهف وقد بدى الحماس جلياً على تعبيرات وجهها:
-طب استنى يا باشا أجي معاك أروقلك بالك، ده حتى الليلة النهاردة مفترجة.

فغر فمه بإستغراب ب:
-هاه
أضافت قائلة بعبث:
-استناني برا بس خمساية، أجيب حاجتي وأعدلك مزاجك بعيد عن الواغش اللي هنا
بدت الفكرة مثيرة إلى حد ما.. فهو بحاجة إلى إفراغ طاقته الغاضبة في شخص ما..
ففكر ممدوح أن يستغل عرضها المغري في التنفيس عن رغباته العنيفة معها.. لذا دون تردد رد بإبتسامة ماكرة:
-وماله، مستنيكي يا حلوة برا!

في منزل أوس الجديد
انتهى الطبيب مختار من الكشف على تقى، ثم حقنها بإبرة طبية في ذراعها، ووضع الملاءة عليها، ومن ثم نهض عن الفراش بعد أن جمع متعلقاته..
نظر في إتجاه أوس الذي كان يقف قبالته، وأردف قائلاً بهدوء:
-ماخبيش عليك يا باشا، حالتها النفسية متأخرة جداً، ومحتاجة رعاية مكثفة، وإن أمكن تتنقل للمستشفى أفضل
رمقه أوس بنظرات حادة وهو يجيبه بصرامة:
-مش هاتتنقل من هنا، شوف إيه المطلوب وأنا هانفذه !

نظر له مختار بحرص، وأجابه بتوتر:
-يا باشا هي محتاجة معالجة نفسية ومهدئات عشان حالتها، يعني آآ..
قاطعه أوس بنبرة متصلبة وهو يشير بعينيه:
-أنا مش بأعيد كلامي مرتين ! تقى مش هاتتحرك من هنا، وأحسنلك تنفذ اللي بأقول عليه !
مط مختار فمه، ثم تنهد بخفوت وهو يجيبه قائلاً:
-مممم.. هي على الأقل الفترة دي محتاجة تكون بعيدة عن أي ضغوط خارجية، وأنا أفضل إنها تكون تحت تأثير المهدئات لكام يوم
هز رأسه وهو يفكر فيما قاله بهدوء:
-أها !

تابع الطبيب مختار قائلاً بجدية:
-كمان أن بأنصح بتواجد ممرضة مقيمة معاها، هاتكون أدرى بالتعامل معاها وآآآ....
قاطعه أوس بنبرة حاسمة وهو يشير بيده:
-اوكي، أنا هاجيبلها واحدة ومحترفة كمان
هتف الطبيب قائلاً بثقة
-أنا عندي الممرضات كفؤ يا باشا، ويقدروا يباتوا كمان معاها
إنفرجت قسمات وجه أوس المتشنجة قليلاً، وسلط أنظاره على تقى، وأردف قائلاً بإيجاز:
-تمام..

أضاف مختار بصوت مهتم وهو يهز رأسه:
-كمان أنا بأنصح بالتغذية الصحية لأن المدام في حالة ضعف عام، والأدوية اللي بتاخدوها قوية جدا !
رد عليه أوس بجدية شديدة دون أن تطرف عيناه:
-ماتقلقش، أنا هاهتم بالموضوع ده !
ابتسم الطبيب إبتسامة مجاملة وهو يتشدق ب:
-يبقى كده مافيش مشاكل، وأنا هتابع معاك حالتها أول بأول !
هز أوس رأسه بخفة، ثم أردف قائلاً بجدية:
-اوكي، اتفضل يا دكتور !

ثم اصطحبه إلى الخارج، وهتف صائحاً بنبرة عالية:
-ماريا !
أسرعت الخادمة ماريا في الحضور، ووقفت أمامه قائلة بنبرة متلهفة:
-أفندم ؟
رمقها بنظرات جادة وهو يقول بجمود:
-وصلي الدكتور، وتعاليلي الأوضة
أومأت برأسها وهي تجيبه بخفوت:
-حاضر.

ثم عاد أوس إلى داخل الغرفة ليجلس على طرف الفراش بجوار زوجته.. وتأكد من وضع الملاءة عليها، وتأملها بنظرات مطولة دارسة لتفاصيل وجهها الذي عشقه..
أغرته شفتيها وحركتهما الخافتة في تلمسهما..
وابتلع ريقه بصعوبة وهو يقاوم رغبته في تقبيلهما..
هو عاهد نفسه على ألا يأخذها قسراً.. وأن يمحو من حياتهما تلك الذكريات الموجعة..

لكنه عجز أمام سحرهما عن الصمود طويلاً، فإنحنى بحذر نحوهما، وتلمسهما بشفتيه.. وأغمض عينيه ليستشعر ذلك الإحساس الغريب الذي يشعر به نحوها..
نعم هو إحساس مختلف عن ذي قبل.. وفتح عينيه ليتأملها عن كثب.. ولكنه ابتعد فجأة عنها متوتراً..
فذكرى ما فعله بها تجسدت أمامه، وصدح في أذنه صرخاتها المتوسلة بتركها..
شعر بالخزي من نفسه، وإتجه نحو خزانة الملابس، وكور قبضته في ضيق، ثم ضرب الضلفة بعنف، وهو يلوم نفسه بقسوة ب:
-صعب عليا أنسى اللي عملته فيكي يا تقى، مش بالساهل يتنسي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن والأربعون

ترجلت تهاني من الحافلة وهي لا تدري كيف وصلت إلى قصر عائلة الجندي..
ولكن كان تفكيرها منصب على رؤية ابنها، وإستعادته مرة أخرى خاصة بعد أن أنكر وجودها..
فرفضه هذا كان بمثابة خنجر مسموم طعنها – بلا رحمة – في قلبها.. لذا لم يعد لديها ما تخسره، فإتجهت على الفور إلى المكان القاطن به..
هرولت راكضة في إتجاه البوابة الرئيسية، ووجهها متلهف لرؤيته..

كانت عينيها حمراوتان، وأعصابها مشدودة للغاية..
رأها الحارس جمال وهي تتجه نحوه، فتأهب في مكانه، وسألها بصوت مرتفع ب:
-جاية هنا ليه يا ست؟ برضوه تايهة ؟!
لم تجبه تهاني، بل أكملت طريقها للدخول، فهب من مكانه، وأوقفها عنوة قائلاً بخشونة:
-رايحة فين يا ست إنتي
هدرت به قائلة بصوت منفعل وهي تحاول المرور:
-وسع يا بني خليني أخش
نظر لها شزراً، وأردف قائلاً بتهكم:
-هي وكالة من غير بواب ؟ ارجعي لورا.

صرخت فيه بإنفعال وهي تلوح بيدها:
-مش هامشي من هنا إلا لما أشوف ابني
نهرها بصوت حاد وهو يفرد ذراعيه أمامها ليسد عليها الطريق:
-روحي دوري عليه في حتة تانية، يالا اتمشي
تحركت بلا وعي للجانبين محاولة إختراق جسده الضخم الذي يحول بينها وبين الدلوف للداخل قائلة بعصبية:
-اوعى، أنا عاوزة أشوف ابني !
ثم صاحت بصوت مرتفع وغاضب وهي تشرأب بعنقها للأعلى:
-يا أوس.. أنا أمك يا أوس !

رمقها بنظراته المستهزأة قبل أن يصيح بصوت قوي:
-أوس مين يا ست إنتي، انتي مجنونة ولا إيه ؟!
هتفت بصوتها المتشنج وهي تحاول دفعه:
-أنا مش مجنونة، أنا أمه الحقيقية، وسع من السكة !
حذرها جمال قائلاً بصوت متصلب وهو يحدجها بنظرات جافة:
-لو مامشتيش من هنا، هاتترمي برا
هزت رأسها بإعتراض وهي تشيح بيديها أمامه:
-لألألأ.. مش ماشية.

لم يلتفت لها جمال بل صاح بصوت جهوري لرفاقه قائلاً:
-ارموا الست بعيد عن هنا، مش ناقصين قرف ولا وجع دماغ !!
وبالفعل تجمع حولها بقية أفراد الحراسة، ودفعوها للخلف دفعاً، فسقطت على ظهرها، وعافرت للنهوض، ولكنهم سحبوها بعيداً عن البوابة، وألقوا بها على جانب الطريق.. فعجزت عن النهوض بعد أن إلتوت قدمها..
وظلت تبكي بحرقة قائلة بحسرة:
-حرام عليكم ليه بتحرموني من ولادي، آآآآه !

في منزل أوس الجديد
نفث أوس دخان سيجارته وهو جالس في غرفة المكتب ممدداً لساقيه على الطاولة القصيرة الموضوعة أمام الأريكة الواسعة..
نظر هو في شاشة هاتفه المحمول، و ضغط على زر الإتصال بعدي.. ومن ثم وضع الهاتف على أذنه..
بعد أقل من ثوانٍ، أجابه عدي قائلاً بصوت هاديء:
-ايوه يا أوس
سأله أوس بهدوء عجيب وهو يزفر دخان السيجارة:
-ايه الأخبار ؟

رد عليه عدي بنبرة حزينة ب:
-حالة ليان وحشة أوي، وهاتتنقل من بكرة للمستشفى
-مممم..
ثم تابع قائلاً بضيق:
-الموضوع ماينفش يتسكت عليه لأنها هاتكرر المحاولة تاني
سأله أوس بإهتمام وهو ينزل ساقيه للأسفل:
-عفاف عندك ؟
أجابه عدي بنبرة عادية ب:
-اها.. هي أعدة معاها في الأوضة
رد عليه الأخير بإيجاز ب:
-تمام
تسائل عدي بنبرة مهتمة ب:
-وإنت عملت إيه ؟

أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم أجابه بصوت جاد:
-جبت مراتي
بدى عدي مندهشاً وهو يردف قائلاً:
-هاه، على طول كده
رد عليه أوس بتسائل متعجب وهو يحك طرف ذقنه:
-وإيه اللي يخليني أستنى ؟
أجابه هو بنبرة شبه جادة قائلاً:
-يعني، على اعتبار إن آآآ..
قاطعه أوس بنبرة متصلبة وهو ينفض بقايا سيجارته:
-أنا خدت القرار ونفذته !
أكمل عدي تساؤلاته المهتمة ب:
-أها، على الشقة إياها ؟

رد عليه أوس بنبرة جامدة وهو قاطب الجبين:
-لأ طبعاً، المكان ده إنساه، أنا جبت بيت تاني
تنهد عدي بإرتياح قائلاً:
-كده أفضل برضوه !
ثم صمت للحظة قبل أن يسأله بإهتمام:
- اومال مالك ؟ صوتك بيقول إنك مضايق ؟!
رد عليه أوس بفتور وهو يفرك عينيه المنهكتين:
-عادي
ابتلع عدي ريقه وهو يسأله مستفهماً ب:
-هو.. هو في حاجة حصلت وإنت مش عاوز تقول ؟
أجابه أوس بإيجاز وهو يمسح على رأسه:
-لأ..
-أوكي
أضاف أوس قائلاً بنبرة عادية وهو ينتصب في جلسته:
-المهم، ابقى طمني على ليان
-حاضر !

ثم أكمل قائلاً بجدية شديدة وهو محدق أمامه:
-أه، ويا ريت أما عفاف تخلص عندك تخليها تكلمني، عاوزها
رد عليه عدي بنبرة هادئة ب:
-ماشي
لوى أوس فمه وهو يضيف بإقتضاب:
-يالا، سلام !
ثم ألقى هاتفه على الطاولة بعد أن أنهى المكالمة، وتمطع بذراعيه في إنهاك، وحدث نفسه قائلاً بصوت مرهق:
-المشوار معاها لسه في أوله يا أوس ! اجمد عشانها !

صف مهاب سيارته بالقرب من البناية التي يقطن بها ممدوح، وأطفأ أضوائها، وظل يراقب المدخل لبرهة ليتأكد من خلوه من حارسه، ومن السكان..
ثم ترجل من السيارة، وبحذر شديد سار في إتجاهه، ودلف إلى الداخل وهو يتلفت حوله بريبة إلى أن وصل إلى المصعد، فإستقله على عجالة..
بعد عدة دقائق كان مهاب يقف أمام باب منزله، ثم دس يده في جيب سترته، وأخر المفتاح منها، ووضعه في موضعه، وتسلل إلى الداخل دون أن يصدر أي صوت..
كان الظلام دامساً بالمنزل.. ولم يردْ هو أن يضيء الإضاءة حتى لا يثير الشبهات، أو يلفت الأنظار إليه إن كان ممدوح متواجداً بالداخل..

ولكن الهدوء الشديد المسيطر على الأجواء دفعه للشعور بالإطمئنان والتأكد من خلو المنزل من أي أحد..
تنهد في إرتياح، ثم سار على أطراف أصابعه في إتجاه غرفة النوم التي عرف الطريق إليها من وصف زوجته الخائنة..
كان مستشاطاً من الغضب وهو يتخيلها في أحضان عشيقها، يبادلها القبلات الحارة والمشاعر المستثارة وهي تستجيب له بكل فجور..
كز على أسنانه محدثاً نفسه بغل ب:
-أه يا بنت ال ***، كنتي مقضياها، وأنا نايم على وداني !

ولكنه جاهد ليقنع نفسه بالتحكم في أعصابه، والتصرف بهدوء، فالوقت ليس وقت العتاب أو اللوم.. فقد جاء في مهمة، وعليه أن يركز كل تفكيره عليها حتى ينتهي ممن يشكل تهديداً عليه، وللأبد..
دلف مهاب إلى داخل غرفة النوم بعد أن تأكد من خلوها، وتأمل محتوياتها بنظرات محتقنة.. وسلط أنظاره على الفراش، وبرزت عروقه الغاضبة من عنقه وقبضتي يده..

زفر بعصبية وهو يحاول التنفس بعمق للسيطرة على نفسه..
ثم فرك وجهه بضيق، وأردف قائلاً بشراسة:
-خيانتكم إنتو الاتنين مايغسلهاش إلا الدم ! وهيتحاسب كل واحد فيكم على جريمته القذرة !
جاب مهاب بعينيه الغرفة، وقرر أن يفتش كل ركن فيها، باحثاً عن أي شيء يخص ماضيه..
وبالفعل بحث بحذر في كل مكان متوقع أن يضع فيه ممدوح ما يتعلق به..
ولكنه لم يجد أي شيء..

ثم إلتفت برأسه ناحية خزانة الملابس، وسار في إتجاهها، وفتح ضلفتها، واختطف نظرة سريعة في محتوياتها، ووقعت عينيه على الصندوق القديم.. فضيق عينيه في تعجب، ولم يترك لنفسه الفرصة في التفكير، حيث مد ذراعيه ليلتقطه، ثم إستدار ناحية الفراش، وأسنده عليه، وقام بفتحه والعبث في محتوياته..
إرتسم على وجهه علامات الصدمة حينما رأى صوراً فوتغرافية تخص تهاني، وكذلك بعض الأوراق القديمة التي لها صلة به.. فجمعها سريعاً وطواها، ودسها في جيبه، ثم أعاد غلق الصندوق، ووضعه في مكانه..

في نفس التوقيت، وصل ممدوح إلى مدخل البناية وهو يلف ذراعه حول رحمة، فقابل حارس البناية في طريقه، فرمقهما الأخير بنظرات متأففة، ولم يعقبْ..
لوى ممدوح فمه، وأردف قائلاً بتثاقل وهو ينظر إليه بإستعلاء:
-في أورد عشا جاي بإسمي كمان شوية، تطلعهولي على طول، سامع
ثم ألقى في وجهه حفنة من النقود الورقية..
رد عليه الحارس بإنزعاج وهو ينظر إلى من معه بإحتقار بعد أن جمع النقود:
-حاضر يا بيه !

إبتسمت رحمة إلى ممدوح، وهمست قائلة بعبث:
-إديله بقشيش يا باشا، ده برضك راجل شقيان !
هز رأسه موافقاً وهو يبادلها إبتسامة خبيثة قائلاً:
-هو برضوه !
أشاحت بوجهها للجانب في خجل مصطنع، وأجابته بخفوت ناعم:
-الله بقى، ماتكسفنيش !
ضغط ممدوح على كتفها، وهتف قائلاً بجموح:
-طب يالا بينا
ردت عليه بدلال وهي تسير معه:
-أوكي يا باشا
تابعهما حارس البناية بنظرات ساخطة إلى أن اختفيا عن أنظاره، فأردف قائلاً بصوت قاتم:
-استغفر الله العظيم يا رب، عالم ****

حاول مهاب أن ينتهي من تفتيش بقية غرف المنزل في أقل وقت ممكن، ولكنه سمع صوت همهمات خارجية تصدح في الرواق أمام باب المنزل.. فإتسعت مقلتيه في ذعر، وإرتبك بشدة، ونظر حوله بتوتر..
ابتلع ريقه بقلق، وركض في إتجاه أقرب مكان يختبيء به حينما سمع صوت المفتاح يدور في موضعه بالباب.. فلم يجد سوى المطبخ ليتوارى فيه..
تمايلت رحمة بجسدها بميوعة مغرية وهي تدلف إلى المنزل لتثير غرائز ممدوح أكثر، ثم إستدارت برأسها نحوه، وهمست بنعومة:
-هاخش أغير هدومي جوا يا باشا.

مسح على شفته العليا بطرف لسانه، ورد عليها قائلاً:
-ماشي يا حلوة
ثم نظرت له بلؤم وهي تتابع بصوت أنثوي مغري:
-هتاخد دش يا باشا قبل ما آآ..
لم تكمل رحمة عبارتها حيث أطلقت ضحكة عالية مائعة..
فنظر هو لها بإشتهاء، وأجابها بعبث:
-وماله، حتى أطفي النار اللي جوايا شوية قبل ما تجربي ممدوح الحقيقي.

مطت شفتيها في إعجاب، واجابته بتسلية:
-مممم.. باين عليك جامد يا باشا
تقوس فمه قليلاً وهو يجيبها بنبرة متغطرسة:
-إنتي لسه متعرفنيش، وشوية وهتجربي !
ردت عليه بحماس وهي تهز خصرها:
-وماله يا باشا، أموت أنا في أي حاجة !
ثم تغنجت في مشيتها لترفع من درجة إثارته..
إبتسم هو بشراسة، وحدث نفسه بثقة ب:
-يا ريتك بس تجمدي للأخر معايا !

نزع ممدوح قميصه بعد أن ألقى بسترته على أرضية الغرفة، ثم ولج إلى داخل المرحاض..
أسرعت رحمة بتبديل فستانها القصير بقميص نوم عاري وشفاف من اللون الأسود.. ثم ألقت بجسدها المغري على الفراش، وثنيت إحدى ساقيها لتبرز مفاتنها الداخلية، ووضعت يدها عند رأسها لتعبث بخصلات شعرها، ثم همست قائلة بتفاخر:
-وربنا يا باشا لأنسيك أي حاجة مكدراك، ده أنا ريري !

في نفس التوقيت تسلل مهاب بحذر إلى خارج المطبخ وهو يحمل سكيناً حاداً في يده بعد أن طرأ بعقله فكرة شيطانية ستمكنه من التخلص من ممدوح نهائياً دون أن يثير الشبهات نحوه..

تململت رحمة في الفراش، وظلت تهز جسدها بتوتر، ثم أدارت ظهرها للجانب لتمد يدها نحو الريموت الموضوع على الكومود، ومن ثم وجهته نحو شاشة التلفاز العريضة، وهتفت قائلة بصوت مرتفع:
-هاسمعك يا باشا شوية أغاني هاتعجبك
ثم عبثت بالمحطات الفضائية إلى أن وجدت محطة ما تبث أغاني خليعة، فتركتها على الفور، ورفعت درجة الصوت، وإبتسمت في زهو، وهي ترى نفسها كموديل راقص من ضمن المشاركات في الكليب الغنائي المعروض..

مد يدها دون إكتراث لتضع الريموت على الكومود مرة أخرى، ولكنه سقط سهواً على الأرضية، وإنتزع غطائه، فلفت جسدها للجانب، ونامت على بطنها، ومدت يدها محاولة إلتقاطه، وجمعه بغطائه..
استغل مهاب الفرصة، وإختلس النظرات لداخل الغرفة، فوجد تلك العاهرة مولياه ظهرها، فتحرك بخفة ودون تردد، ثم سحب الوسادة من جوارها، ووضعها على رأسها ليكتم أنفاسها بقبضة يده ويمنعها من الصراخ، وباليد الأخرى قام برفعها عالياً ليهوى بها على ظهرها، وطعنها عدة طعنات نافذة في مواضع قاتلة أودت بحياتها على الفور..

ثم ترك السكين مغروزاً في ظهرها.. وأخرج منشفة ورقية من جيبه، ومسح بها بصماته المطبوعة على يد السكين..
ثم نهض عن الفراش، وركض سريعاً خارج الغرفة، ومن ثم نحو باب المنزل، وتركه مفتوحاً.. ومنه إتجه إلى السلم الجانبي لينزله ركضاً ليهرب من البناية قبل أن يكتشف أمره أي شخص....
إنزعج ممدوح من صوت الأغاني الصاخب، وزفر في ضيق، ولم يكمل إستحمامه، ولف خصره بمنشفة قطنية، ثم خرج من المرحاض وهو يصيح بغضب:
-وطي الصوت شوية !

ثم إتسعت مقلتيه في رعب، وفغر فمه مذعوراً حينما رأى الدماء تغرق فراشه، وسكيناً حاداً يبرز من ظهر غانيته..
اقترب منها وهو يهتف بتلهف:
-ريري، ريري !
لم تجب عليه، ولم يستطع لمسها..
و تأمل منظرها المفزع بنظرات هلعة للغاية، وتراجع للخلف وجسده يرتجف بشدة..
إمتزجت حبات عرقه بقطرات المياه المتساقطة منه.. وبدى شاحباً وهو يحاول استنباط ما حدث قبل لحظات..

في نفس التوقيت، وقف حارس البناية أمام باب منزله وهو يحمل علب الطعام الجاهز في يده..
قطب جبينه في إستغراب وهو يرى الباب مفتوحاً..
رفع حاجبه في تعجب، وحدث نفسه قائلاً:
-هو مش قافل الباب ليه !
بحذر شديد دفع بقدمه الباب، وصاح بصوت شبه عالي:
-يا باشا، الأكل جه، أحطه فين ؟

لم يستمع حارس البناية إلا لصوت الموسيقى الصاخبة، فهتف بنبرة أعلى:
-يا باشا، الأكل وصل، أسيبه هنا، ولأ أحطه في المطبخ
ثم ضيق عينيه حينما رأى ممدوح يلج للخارج ووجهه غريباً ونظرات الذعر تسيطر عليه..
ثم دقق النظر في منشفته التي إصطبغت بلون أحمر، وسأله بتوجس:
-هو في ايه يا باشا ؟
تلعثم صوت ممدوح وهو يجيبه بخوف وهو يشير بيده:
-ر.. ر.. ريري !

إزداد إنعقاد ما بين حاجبي الحارس في حيرة، وترك الطعام على الطاولة القريبة، وسار إلى حيث أشار ممدوح وهو يتسائل بفضول:
-ماله الباشا !
جحظت بعينيه مرعوباً حينما لمح ذلك السكين يبرز من ظهر الفتاة شبه العارية وهو يقف على عتبة الغرفة، وصرخ بصدمة:
-يا سنة سوخة يا ولاد، قتييييييل، قتييييل !
ثم ركض خارج الغرفة ومنها إلى خارج المنزل وهو يتابع الصراخ بصوت مخيف:
-قتييييل في بيت الضاكتور، قتيييييل يا خلق هووو...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع والأربعون

جلست تهاني على عتبة باب المنزل وهي تنتحب بصوت مكتوم، وفركت ركبتيها المتآلمتين من أثر سقوطها بعد أن عادت خائبة الرجاء وفشلت في مقابلة ابنها..
ظلت تصدر أنيناً خافتاً، وتلوم بنفسها بشدة عن تفريطها في حقها في الظفر بإبنها قائلة بندم:
-يا ريتني ما سبته يمشي من هنا ! آآآه.. !
إستمعت إلى صوت تأوهاتها الجارة إجلال، وفتحت باب منزلها لتقف إلى جوارها وتردف قائلة بقلق:
-خشي بيتك ياختي، مالهاش لازمة الأعدة كده.

تنهدت بحسرة، وهزت رأسها للجانبين في إستنكار، وردت عليه بنشيج:
-أخش إزاي وأنا قلبي واكلني على كل اللي بأحبهم ؟!
مطت شفتيها، واجابتها بهدوء قائلة:
-ده نصيب، ومقدر ومكتوب !
لطمت على فخذيها وهي تندب قائلة بصوت مختنق:
-آآآآه.. يا مين يعترني فيهم
ربتت إجلال على كتفها في حنو، وأردفت قائلة بنبرة مواسية:
-إن شاء الله تلاقيهم، خشي بس جوا، واقعدي جمب أختك، كفاية اللي هي فيه، هتلاحق على بنتها ولا جوزها.

أطرقت رأسها في خزي، وأضافت بصوت منكسر:
-آآآه، ده أنا عيني منها في الأرض، ابني السبب في اللي جرى لبنتها
تابعت إجلال حديثها بهدوء ب:
-هو إنتي كنتي عارفة إن ده هايحصل، ربنا رايد
رفعت تهاني عينيها الدامعتين للسماء، وهتفت قائلة بصوت باكي:
-يا رب مد في عمري لحد ما أصلح اللي فات كله، يا رب !

إبتسمت لها إجلال إبتسامة باهتة، وهتفت قائلة بنبرة متفائلة
-إن شاء الله، ارمي همومك على ربنا، وعليه التدبير وجبر الخواطر، قومي يالا
نهضت تهاني بتثاقل من على الدرج، وإستندت بيدها على الدرابزون لتعتدل في وقفتها، ثم قرعت لها إجلال الجرس، لتفتح لها فردوس الباب بعد لحظات..
لم تنطق الأخيرة بكلمة، ولكنها رمقت أختها بنظرات ساخطة وتحمل العتاب.. ثم أولتها ظهرها، وولجت للداخل
ربتت إجلال على ظهر تهاني، وهمست لها:
-معلش اعذريها، وربنا يهدي سركم
وبالفعل دلفت تهاني للداخل، وأغلقت الباب خلفها بعد أن شكرت جارتهاعلى مواقفها الطيبة معها..

في قصر عائلة الجندي
عاد مهاب إلى القصر بعد أن إرتكب جريمته النكراء وهو بارد الملامح، جامد المشاعر، لا يبدو عليه أنه تأثر بما فعله..
ورغم هذا لم ينكر أنه خشي لوهلة أن يكون قد رأه شخص ما، أو سقط منه سهواً ما قد يدينه لاحقاً..
في حين وقفت ناريمان وهي تعض على أناملها من الخوف الشديد في شرفة غرفتها، وترقبت وصوله على أحر من الجمر..
وما إن لمحته يلج للقصر حتى تنفست الصعداء، ودلفت إلى غرفتها.. وظلت تجوبها ذهاباً وإياباً وهي تحدث نفسها بقلق ب:
-هايكون عمل ايه ؟ أووف، أعصابي مش مستحملة أي قلق خالص !

حاولت أن تتنفس بعمق لتسيطر على إضطرابها البادي بوضوح علىكل تصرفاتها، ولم تنجح في هذا..
فالفضول يقتلها لمعرفة ما حدث..
بعد أقل من دقائق معدودة، ولج مهاب إلى داخل الغرفة ووجهه متجهم للغاية، ورمقها بنظرات ساخطة، ولم ينبس بكلمة، وإتجه نحو التسريحة ليضع متعلقاته عليها..
سارت نحوه، ونظرت إليه بتفحص، وسألته بتلهف:
-ها، عملت ايه ؟
أجابها بنبرة جافة وهو ينزع رابطة عنقه:
-يهمك تعرفي أوي ؟!