ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الحادي والثلاثون

في منزل تقى عوض الله ،،،،

تجمد أوس في مكانه لثوانٍ وهو يحاول إستيعاب ما قالته تلك العجوز للتو ، وحدق بها بطريقة غريبة وكأنها قد قالت لغزاً غامضاً ..
في حين تراخى جسد تقى بين يديه ، وكادت أن تفلت منه وتسقط على أرضية منزلها ، ولكنه أسرع بالإمساك بها من خصرها ، وأسند رأسها على صدره ، وبالذراع الأخر أحاطها ..

تسمرت فردوس في مكانها وهي ممسكة بالسكين في يدها والتي تقطر منه بقع الدماء الصغيرة من نصله على رسغها والأرضية ولم تتبدل ملامح وجهها .. لقد ظنت أنها ستشعر بالإرتياح إن لقنتها درساً قاسياً وإقتصت لتدنيسها شرف العائلة ، ولكن ما حدث كان العكس ، فقد أفاقت على بشاعة ما فعلت .. وأيقنت أنها أجرمت في حق إبنتها الوحيدة حينما طعنتها ببرود أم قاتلة دون أي شفقة أو رحمة...

أخفض أوس بصره للأسفل ليرى بقعة الدماء تخترق قميصها المنزلي من ظهرها وتتسع بالتدريج ، فشهق بصوت مكتوم ، ولم ينطقْ .. وشعر لوهلة أنه قد إنفصل تماماً عن الواقع الذي يعيش فيه ليعود بذاكرته إلى ذكريات ماضيه المريرة التي تطارده....

كان الصغير أوس يسمع همهمات بجانب أذنه وهو مغمض العينين ولا يستطيع تمييزها بوضوح .. وحاول جاهداً أن يفتح عينيه فلم يتمكن إلا من فتح واحدة فقط ولكن قليلاً .. آمال رأسه للجانب فلمح تلك البقع الحمراء التي تلطخ ملابسه من زاوية عينه ، ورأى أشباح أشخاص يرتدون ملابساً ناصعة البياض يحاوطونه ، وحاول أن يتحدث لكن كان هناك قناعاً بلاستيكياً موضوعاً على فمه وأنفه يعوقه عن الحديث ، ولم تكن لديه القدرة الكافية لكي ينطق ، فحلقه كان يؤلمه بشدة ، لذا قرر أن يركز في الأصوات المبهمة من حوله ، فلم يستمع إلا لصوت تنفسه هو فقط ..

تمكن الصغير أوس من فتح عينيه الاثنين معاً ، فرأى مقدمة رأسوجه شخص ما يألفه تقترب منه ، ثم شعر بمسحه كفه على جبينه ، وركز في صوته فعرف أنه والده حينما نطق ب :
-كان ممكن يضيع فيها ، إنت اتجننت يا بنى آدم

اقترب ذلك العامل منه ، ومال عليه فبدى صوته قريباً من أذن أوس وهو يبرر موقفه ب :
-يا باشا أنا كنت مفكر إنها بس اللي في المكتب !
-وطلعت مش فيه ، وكان إبني هايروح مني
قالها مهاب بحنق وهو يرمق العامل بنظراته النارية الحادة

ابتلع العامل ريقه ، وبنبرة شبه فاترة قال له :
-ربنا ستر ، المهم إن ابن سعادتك بخير

حدجه مهاب بنظرات مميتة قبل أن يجيبه بتهكم ب ..:
-بخير ..!! الله أعلم إن كان الولد هايكون بخير ولا لأ !

أمسك مهاب بمعصم ابنه ، وبدأ يتفحص نبضه ، ثم أسنده إلى جوار جسده الصغير ، وبدأ يتفحص عينيه وحاول التحقق من بؤبؤهما من خلال تسليط ضوء ذلك القلم الضوئي عليهما ..

تأمل العامل ما يفعله مهاب بإكتراث ، ثم بنبرة عادية بادر ب :
-إن شاء الله يا باشا هايقوم ويبقى كويس ، أنا لحقته لما لمحته من الإزاز ، أنا مكنش قصدي إني أجرحه وأنا بأنط بيه برا الأوضة ، بس خوفت يتحرق وآآ.....!

رمقه مهاب بنظرات حادة قبل أن يقاطعه بصوت غاضب ب :
-إياكش إنت اللي كنت اتحرقت بداله
-مقبولة منك يا باشا

أخذ مهاب نفساً عميقاً ، وزفره على عجالة ، ثم حاول أن يسيطر على إنفعاله ، وسأل العامل بهدوء مصطنع ب :
-طب وتهاني ؟ حصلها حاجة ؟

-لا يا باشا ، فلتت منها ، بس آآ.. آآ..
لم يكمل العامل عبارته الأخيرة والتي نطقها بصوت متردد ، ثم أطرق رأسه للأسفل في حزن زائف فأثار حفيظة مهاب الذي سأله بإهتمام ب :
-بس ايه ؟

أجابه هو بصوت متلعثم ب :
-بس بناتها آآ...

نظر إليه مهاب مطولاً ، وسأله بجدية ب:
-مالهم ؟!

أخفض العامل نبرة صوته وهو يفسر له :
-في واحدة فيهم ماتت مخنوقة من الدخان ، لكن التانية مش عارف حالتها الصراحة

اتسعت عيني مهاب في صدمة رهيبة بعدما سمع عبارته الأخيرة ، وتسأل بصوت مرتجف ب :
-ايييه ؟ انت بتقول ايه ؟ هما كانوا في الأوضة ؟
-ايوه ، بس والله مكونتش أعرف

أمسك مهاب بتلابيب العامل ، وهزه بعنف وهو ينهره بصوت حانق ب:
-يخربيتك ، أنا قايلك تخلص على تهاني وممدوح وبس
-ماهو يا باشا إنت كنت قايلي أما ألاقيهم سوا أنفذ اللي آآ... آآ...

قاطعه مهاب بعد أن أرخى قبضتيه عنه قائلاً بإنزعاج :
-باشا إيه وزفت ايه الوقتي ، الله يحرقك ، إنت .. إنت عملتلى مصيبة كبيرة ...!
-متقلقش يا باشا محدش عرف حاجة
-ياخي اسكت خالص السعادي
نهره مهاب بحدة قبل أن يوليه ظهره ، ويضع يده على رأسه ليحكها في حيرة لعدة مرات ..

أجاب عليه العامل ببرود ب:
-حاضر ، أوامرك يا باشا

شرد مهاب للوهلة وهو يفكر في حل فوري لتلك الفاجعة التي تسبب بها ، ثم تحرك في اتجاه النافذة الجانبية المتواجدة على يسار الغرفة وحدق في الفراغ ، وفكر بصوت مسموع نسبياً ب :
-ده ممدوح مش هايسكت ولا تهاني عن اللي حصل لبناتهم ، ده .. ده اللي حصل أصلاً كارثة بكل المقاييس ، أنا مش ضامن ردة فعلهم ، لازم أظبط كل حاجة عشان آآ...

نظر العامل بإستغراب إلى مهاب ، وحك ذقنه بإصبعيه ، ثم سأله بفضول ب :
-بتقول حاجة يا باشا ؟

إستدار مهاب بجسده ناحيته ، ورمقه بنظرات قاسية قبل أن يصدح فيه بصوت قوي ب :
-إنت لسه واقف عندك ، غور دلوقتي أما أشوف أنا هاتصرف في المصيبة دي إزاي ...!!!!

مط العامل شفتيه في استهجان وهو يجيبه ب :
-طيب

ثم سار في اتجاه باب الغرفة وهو يغمغم بخفوت ب :
-أعوذو بالله ، دي أخرت المعروف مع البشوات ...!

أفاق أوس من شروده على صوت صراخ إجلال الهادر ب :
-ليه عملتي كده يا فردوس ؟ قتلتيها ليه ؟
-أنا .. آآ.. انا بأربيها ، و آآ..
لم تستطع فردوس أن تجيبها بكلمات واضحة ، بل وزعت أنظارها ما بين نصل السكين ، وإبنتها الغارقة في دماؤها ..

نظرت لها إجلال بنظرات مصدومة ، ثم عنفتها ب :
-حرام عليكي ، ده بنتك أغلب من الغلب ، ازاي ت.. آآ..

لم تكمل إجلال عبارتها بسبب ما فعله أوس حيث أمسك بتقى من خصرها ، وثنى جذعه للأسف ليتمكن من وضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ليحملها بين ذراعيه ، ثم انطلق بها مسرعاً خارج المنزل ، ونزل على الدرجات دون أن ينبس بكلمة ..

وصل أوس إلى خارج البناية القديمة ، ونظر حوله بريبة محاولاً تذكر أين صف سيارته ، في حين نظر إليه بعض المارة بإستغراب شديد ، وإزداد فضولهم لمعرفة سبب حمله لتقى في تلك الساعة المبكرة ..
ولكنه لم يمهل أي أحد الفرصة لسؤاله أو حتى لإستجاوبه ، حيث ركض بها في اتجاه سيارته المركونة على مدخل الحارة ..

في نفس التوقيت كانت الجارة أم بطة تتجه خارج البناية التي تقطن بها وهي تحمل في يدها حقائب بلاستيكية بها طعام الإفطار للعروسين ..
كانت هي مطرقة الرأس وهي تتأكد مما في يدها ، ولكن اصطدم أوس وهو يركض في طريقه بها ، فصاحت هي عالياً فيه وهي تشيح بيدها في الهواء ب :
-مش تحاسب يا جدع انت ، ماشي طايح في الناس ولا همك .. ايه ده ؟

دققت هي النظر جيداً فيه فرأته يحمل تقى بين ذراعيه ، فجحظت بعينيها ، وقالت بنزق :
-الله ..آآ.. دي .. دي تقى
-وسعي من قدامي
آمرها أوس بصوت قاتم وهو ينظر لها بحدة ..

لم تفسح له المجال أم بطة ، بل سدت عليه الطريق ، وإعترضته وهي تحتج ب :
-لأ مش هاوسع إلا لما تقولي إنت واخدها ورايح فين ؟
-إبعدي عن خلقتي السعادي يا ست إنتي

لوحت أم بطة بيديها في الهواء بعد أن أسندت الحقائب البلاستيكية على الأرضية الإسفلتية ، ثم هدرت عالياً ب :
-يا ناس يا هوو ، تعالوا شوفوا آآ..

-حسبي
قالها أوس وهو يدفعها بكتفه بقوة ، ثم مر من جوارها بخطواته الراكضة ، ولم يهتم بصراخها ولا بما تفعله ، بل سلط نظره على سيارته ، وحاول أن يخرج مفتاحها من جيبه دون أن يضطر لإنزال تقى على ساقيها ..

تمكن هو أخيراً من فتح باب سيارته ، ثم أجلس تقى على المقعد الأمامي بحذر ، وأسند رأسها للجانب براحتي يده ، ثم أبعدهما عن وجنتيها ، وكور قبضة يده في تردد فقد لمح تلك القطرات الباردة التي تبلل وجهها الشاحب ، فمد يده نحوها ، ومسح بكفه حبات العرق من عليه ، وتأمل لثوان ملامح وتشنجات قسمات وجهها الهزيل ..
لوى أوس فمه في ضيق وقد أدرك أنه ترك لنفسه الفرصة ليحيد عن هدفه ، فأسرع بتولي زمام الأمور مجدداً ، حيث أحكم ربط حزام الآمان عليها ، ثم بكل هدوء أغلق باب السيارة ، ومن ثم دار حولها بخطوات سريعة ليركب خلف المقود ، ثم أدار المحرك سريعاً ، وإستدار برأسه للخلف وهو ممسك بعجلة القيادة ، ولم يكف عن إطلاق بوق السيارة كي يتمكن من المرور ، فقد كان المدخل ضيقاً ، وأهل الحارة يسدون الطريق ببضائعهم ، لذا حاول بمهارة فائقة وسرعة غير عادية أن يخترق الجميع ليصل إلى الشارع الرئيسي ..
ما هي إلا لحظات حتى تمكن أوس من الوصول للطريق ، فضغط على دواسة البنزين بكل قوة لتنطلق السيارة بسرعة قصوى نحو مشفى الجندي الخاص .....

في أحد المناطق العشوائية ،،،

تجمع عدد من الأطفال الصغار ذوي الملابس الرثة والهيئة المزرية أمام إحدى مقالب القمامة ، وبدأوا يتقاذفون كرة صغيرة مصنوعة من الجوارب ..
صاح أحدهم عالياً وهو يلوح بيده ب :
-يا عم شوط كويس

رمقه طفل أخر أصغر حجماً منه بنظرات ضيقة قبل أن ينطق بتبرم ب :
-ما أنت اللي أحول مش عارف يمينك من شمالك

أجابه الأول بنبرة حادة ب :
-أنا برضوه ، ولا إنت اللي ****

تملكت العصبية ذلك الطفل الأصغر ، فهدر ب :
-طب بس يا **** !!

تدخل طفل ثالث – رديء المظهر - في المشاجرة ليحول بينهما ، فأردف ب :
-اهدوا يا جدعان ، أنا اللي هاشوط
-طب إنجز في أم يومك ده
-جاهز
-أيوه

ثم ركل ذلك الطفل المشرد الكرة بقوة كبيرة ، فإندفعت في إتجاه تلك السيدة الشمطاء المطأطأة الرأس والجالسة القرفصاء بجوار صندوق القمامة والتي كانت مشغولة بالبحث عن الطعام ..
ضربت الكرة كيس القمامة الذي كان بحوزتها ، فتناثرت محتوياته على الأرض ، فتملكها الغضب ، ورفعت رأسها للأعلى ، وحدجتهم بنظراتها المحتقنة قبل أن تصرخ فيهم ب :
-يا ولاد ال *** .. !

توجس الطفل الأصغر من غضبها ، فنصح رفاقه ب :
-ابعد يا بني انت وهو عنها ..

سأله أحدهم بإستغراب ب :
-ليه يعني ؟
-دي مجنونة !
-أيوه .. تهاني الهبلة ، ملكش دعوة بيها دي تاكلك ياوله
قالها الطفل الأصغر قبل أن يركض مبتعداً عنها ، ولحق به بقية من معه ..

لم تكف تهاني عن إطلاق السباب اللاذع وهي تقف في منتصف الطريق وتشير بيدها لهم ..
ثم إستدارت للخلف ، وعادت لتجلس في مكانها بجوار صندوق القمامة ، وتنهدت بحسرة ب :
-خدوا كل حاجة مني ، ورموني .. آآآآه ... آآآآآه

ثم دوى صوت سيارات الشرطة في أرجاء المكان فأحدثت ضوضاءاً رهيبة ، فنظرت تهاني حولها محاولة معرفة مصدر الصوت ، ورغم هذا لم تبرحْ مكانها .. بل مدت يدها لتمسك ببقايا قطعة الخبز التي وجدتها بداخل القمامة ..

انتشر رجال الشرطة في المكان ، ومعهم بعض السيدات – ذات الهيئة المنمقة – وكذلك عدد من الرجال من ذوي الزي الموحد ..

وقفت سيدة ما – تدعى هياتم – وهي تضع مِحرمة نسائية على أنفها بجوار ضابط الشرطة وسألته بهدوء ب:
-وهايروحوا فين بعد كده ؟
-على الأحداث يا هانم

مطت هي شفتيها للأمام ، وبنبرة مهتمة تابعت ب :
-مممم.. طيب الجمعية عندنا حابة إنها تساعد الأطفال دول واللي زيهم !

نظر الظابط أمامه ليتفقد المكان جيداُ – وكذلك ما يقوم به رجال الداخلية – وأجابها ب :
-حضرتك تقدري تتكلمي مع الجهات المختصة زي الشئون الإجتماعية وغيرها وهما هيفيدوكي أكتر مني

تسائلت هياتم بإهتمام ب :
-طيب وكبار السن ؟ بتعملوا فيهم ايه ؟
-والله إحنا آآآ...

لم يكمل الضابط جملته حيث قاطعه أحد الضباط – ذو رتبة أقل – ب :
-باشا ..
-سيبني ماسكني ليه
قالتها تهاني وهي تحاول تحرير ذراعها من قبضة الضابط الأخر الذي لم أمسك بها ..

نظر الضابط بإشمئزاز لها ، وبنبرة متأففة تسائل ب :
-إيه دي كمان ؟
-لاقيتها يا باشا أعدة عن المقلب اللي هناك ده

رمقها الضابط بنظراته الإحتقارية ، ثم بنبرة صارمة آمره ب :
-طب حطها في البوكس لحد ما نشوف إن كان ليها ملف عندنا في القسم ولا آآ..

تنحنحت هياتم بصوت مرتفع نسبياً لتقاطعه ب :
-بعد إذنك يا فندم
-ايوه يا هانم !
-ممكن تديني ال case ( الحالة ) دي ، وأنا هاتعامل معاها

هز الضابط رأسه بالنفي وهو يرد عليها ب :
-ماينفعش

تلوت تهاني بذراعها بإنفعال محاولة تخليص نفسها منه ، ثم بصوت شبه راجي ونظرات مصدومة قالت :
-أنا معملتش حاجة ، ماسكني ليه ، هما اللي خدوا كل حاجة مني ، خدوا عيالي ، وخدوا فلوسي ، أنا مظلومة ، أنا آآآ..
-اسكتي يا ولية
نهرها الضابط بصوت قوي وهو يجذبها للخلف

وضعت هياتم يدها على ذراع الضابط لتلفت إنتباهه لها ، ثم توسلت له ب :
-لو سمحت يا فندم ، دي باين عليها مريضة عقلية ، أنا بصفتي مسئولة في الجمعية الخيرية بتاعتنا بأطلب من حضرتك تخليني أتولى رعاية الحالة دي

رمقها الضابط بنظرة محذرة ، فأبعدت هي يدها في حرج ، ثم تابع ببرود ب :
-يا هانم دي أشكال **** تربية شوارع ، اللي هاتعمليه معاها هايكون على الفاضي ، دول ولاد حرام

وضعت هي يدها أمام وجهه لتبرر موقفها بهودء ب :
-بعد إذنك يا باشا ، ده دورنا في المجتمع إننا نعالج الحالات اللي زيها كده ، دي ممكن تكون مشكلتها بسيطة تتحل بعلاج نفسي ، وإحنا كمؤسسة خيرية مش بنتأخر عن مساعدة أصحاب الحالات الخاصة زي أطفال الشوارع ، أو كبار السن اللي ممكن يكون ولادهم رموهم في الشارع

زفر الضابط في ضيق قبل أن يتشدق ب:
-يا مدام إنتي مش فاهمة حاجة
-لأ حضرتك ده عمل إنساني بحت ، وحضرتك تقدر تشارك بده
قالتها هياتم بإعتراض شديد وهي تنظر ناحية تهاني ..

تجهم الضابط أكثر ، ثم بنفاذ صبر قال لها :
-والله زي ما قولتلك في جهات رسمية هي اللي لازم تتعامل مع المسائل دي ، أنا أخري ألم الأشكال دي من الشوارع وأحطها في الحجز

هزت هياتم رأسها موافقة وهي ترد بجدية ب :
-طيب تمام ، أنا هاتعامل رسمي مع الموضوع ده ، والست المريضة دي هاتكون تحت رعاية جمعيتنا الخيرية ، وهاثبت لحضرتك دورنا وهدفنا هايتحقق إزاي معاها ومع اللي زيها
-وماله .. !

ثم تركها الضابط وانصرف ليتابع عمله .. في حين وقفت هياتم في مكانها وهي تلاحق بنظراتها تهاني المتجهة إلى سيارة الشرطة ، ثم بنبرة عازمة تعهدت ب :
-ممممم .. مافيش قدامي غير إني أبلغ ناريمان بصفتها رئيسة الجمعية إنها تساعدها ، وتجيب للظابط الرزل ده الطلب رسمي ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثاني والثلاثون

في منزل تقى عوض الله ،،،،

جذبت الجارة إجلال السكين من يد فردوس ذات الملامح المصدومة ، ثم ألقتها على الأرضية ، ومن ثم وضعت يديها على ذراعيها وهزتها بعنف وهي تصرخ فيها ب :
-جالك قلب تقتليها ؟ طب ليه ؟؟ ها ليييه ؟
-هي .. هي .. ب.. آآ... باعت نفسها لل آآ..
غمغمت فردوس بكلمات غير واضحة ، فلم تتمكن إجلال من فهم ما تقول فسألتها ب :
-انتي بتقولي ايه ؟

نظرت فردوس حولها بأعين زائغة وحاولت أن تبرر لها فعلتها ب :
-أنا كنت آآ..
-إنتي قتلتي بنتك الوحيدة من غير ما تتأكدي من أي حاجة ، حرام عليكي يا فردوس ، تقى ماتستهلش ده منك ..!!!!

بدأ الجيران يتجمعون بداخل المنزل والفضول يعتريهم لمعرفة ما الذي حدث.. وسادت حالة من الهرج والمرج في البناية كلها ، وانتشرت بعض الشائعات حول علاقة آثمة بين تقى وأحد الأثرياء تسببت في مقتلها على يد والدتها ...

حزم مهاب أمتعته – وكذلك أمتعة زوجته وليان – ووضعهم بداخل صندوق السيارة ، ثم دار حولها ، وركب في المقعد الأمامي ، وإنتظر قدوم زوجته ناريمان التي كانت تتهادى في خطواتها وهي تسير عابسة الوجه نحوه ..
جلست هي إلى جواره ، ولم تنطق بكلمة ، وإكتفت بالتحديق امامها وهي تضع نظارتها القاتمة ..
لحظات وإنضمت إليهما ليان التي كانت في حالة شرود جلية ..

لم يعرف مهاب ما الذي حدث لها لكي تتبدل من حالة النشاط والحيوية لتلك الحالة المريبة ..
ولكنه عقد العزم على معرفة كل شيء فور عودته للقاهرة ..
أغلقت ليان باب السيارة ، ووضعت السماعات في أذنها ، وقامت بتشغيل الأغاني الصاخبة لتنفصل عما حولها ، ثم أنزلت نظارتها على عينيها ، لتخفي عبراتها التي تذرف رغماً عنها كلما تذكرت ما حدث معها وكيف أنها وقعت بسهولة ضحية أكذوبة غبية ..

أدار مهاب محرك السيارة ، ثم بنبرة جافة تسائل ب :
-كله جاهز ؟
-أها .. يالا
قالتها ناريمان بنبرة غير مكترثة وهي تتفقد محتويات حقيبة يدها ..

نظر مهاب من مرآة السيارة الأمامية إلى ليان القابعة في الخلف ، وبصرامة سألها ب:
-ليان كل حاجتك معاكي

لم تجبه هي ، وإكتفت برسم إبتسامة مصطنعة على ثغرها وهي توميء برأسها ..

إنطلق مهاب بالسيارة في اتجاه الطريق الرئيسي المؤدي إلى القاهرة ..

وقف ممدوح من على بعد يراقب الجميع بنظرات جادة وهو عاقد لساعديه أمام صدره ، ثم حدث نفسه ب :
-مش هاتعرف تهرب من قدرك يا مهاب ، أنا برضوه هافضل وراك ..!!!
رن هاتف ناريمان فتجاهلت النظر إليه في البداية ، فرمقها مهاب بنظرات مهينة قبل أن يسألها :
-مش عاوزة تردي ليه ؟
لم تنظر له ناريمان ، وإكتفت بلوي شفتيها وهي تجيبه ب :
-عادي يعني

مط مهاب شفتيه للأمام في استنكار ، ثم بنبرة متهكمة تابع ب :
-أكيد طبعا صديق العيلة الوفي عاوز يطمن على أحوالك إنتي وبنتي

-يووه يا مهاب ، خلاص بقى ، مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده ، قولتلك 100 مة إن مافيش حاجة بيني وبينه
-عليا برضوه !
-والله براحتك ! عاوز تصدق صدق ، مش عاوز It's up to you ( راجع لك )
-طيب
قالها مهاب بعدم إقتناع ، ولكن فقط لكي يوقف الجدال حالياً ، فهو في حالة مزاجية لا تسمح بالمشاجرة ، خاصة وأنه سيقود بنفسه السيارة لمسافة طويلة ..

تكرر الإتصال مجدداً ، فإلتفت مهاب برأسه قليلاً ناحيتها ، وأصدر صوتاً متحشرجاً ، وتمتم بكلمات مبهمة ، ولكن لم تهتم زوجته به ..
ثم رن الهاتف للمرة الثالثة فنفخت هي في إنزعاج ، وأخرجته من داخل حقيبتها ، ونظرت إلى شاشته فوجدت أن المتصلة هي هياتم ..
لوحت ناريمان بالهاتف في وجه زوجها وهي تتشدق ب :
-دي هياتم اللي بتتصل
-مممم.. طب ما تردي عليها
-لأ ، ماليش مزاج
-شوفيها ، ولا انتي آآآ...

زفرت ناريمان في ضيق ، وضغطت على زر الإيجاب - فقط لتتجنب تلميحات زوجها المزعجة ، ثم وضعته على أذنها ، وبهدوء مصطنع أجابت ب :
-ألوو..
-ايه يا ناريمان ، مش بتردي ليه على الفون ؟

أجابتها هي ببرود تام ب :
-سوري يا هياتم ، مسمعتش

هزت هياتم رأسها ، ثم بهدوء تابعت ب :
-أوكي .. مش مشكلة ، بس إنتي فين دلوقتي ؟
-مع مهاب وليوو في الساحل
-مممم.. طيب بصي أنا كنت عاوزة منك خدمة بصفتك رئيسة الجمعية

تنهدت ناريمان في إنهاك ، ثم بصوت شبه منفعل أردفت ب :
-هياتم أنا مش فاضية لأي حاجة دلوقتي ، بليز استني اما أرجع وابقي قوليلي على كل حاجة !
-دي حاجة مهمة ومش هاينفع تستنى يا نيرمووو !

ثم صمتت للحظة قبل أن تكمل بنبرة ماكرة ب :
-ما إنتي عارفة أنا مش بأتصل غير في المهم وبس

عضت ناريمان على شفتيها ، وزفرت في إرهاق ، ثم تسائلت ب :
-حاجة إيه دي ؟

تنحنحت هياتم قبل أن تجيبها ب :
-أنا كنت عاوزاكي تخلصيلي موضوع واحدة ست مسنة عاوزة معونة وآآ..

قاطعتها ناريمان بنفاذ صبر ب :
-بليز هياتم شوفي ايه المطلوب وابعتيلي الأوراق وأنا هامضي عليه من غير ما تصدعي دماغي بالتفاصيل المملة
-اوكي .. بس أنا كنت حابة أعرفك آآ..

قاطعتها هي مجدداً بصوت جاد ب :
-حبيبتي احنا الاتنين واحد ، والجمعية بتاعتنا كلنا
-تمام ، أنا هاظبط كله ، وأجهز الورق على توقيعك
-Deal ( متفقين ) ، يالا باي
-باي

-أووف ، بجد حاجة تخنق ، ده وقت جمعية وقرف
قالتها ناريمان وهي تعيد هاتفها داخل الحقيبة ، ثم استدارت للجانب لتنظر للطريق من النافذة ..
راقبها مهاب من زاوية عينه ، وحدث نفسه ب :
-مش هترتاحي يا ناريمان إلا لما تهدي المعبد على اللي فيه ، كل اللي عملته عشانك في سنين ، هتهديه بسبب غبائك في لحظة ..!!!

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي ،،،،

قرعت أم بطة الجرس ، وانتظرت أمام الباب ريثما يفتح لها أي أحد بالداخل ..
لوت هي فمها لأكثر من مرة في إزدراء وهي تتفحص الباب ، ثم حدثت نفسها ب :
-ياختي مالهم مش بيفتحوا ليه ؟ يكونوش نايمين لحد الوقتي ! بس اللي أعرفه إن إحسان مش بتنام أبداً وبتصحى من الفجر

بعد عدة دقائق فتحت لها إحسان الباب وهي تعدل من وضعية حجاب رأسها ، ونظرت لها بإحتقار قبل أن تقول :
-هو إنتي ؟

ابتسمت لها أم بطة إبتسامة زائفة ، ثم فتحت ذراعيها في الهواء ، وإقتربت منها لتحتضنها ، ثم قبلتها من وجنتيها وهي تتحدث ب :
-صباحية مباركة يا أم العريس
-الله يبارك فيكي

إبتعدت هي عنها ، ونظرت لها بنظرات عادية قبل أن تتابع بحماس ب :
-أنا جاية من بدري ومعايا فطور العرايس عشان ياكلوا ويتبسطوا كده

مالت إحسان برأسها للجانب لتتفقد الحقائب البلاستيكية وتحصرهم سريعاً بعينيها قبل أن تجيبها ب :
-أه وماله .. خشي

ولجت أم بطة لداخل المنزل بعد أن ناولت إحسان الحقائب ، ثم جلست في الصالة على الأريكة العريضة وثنيت ركبتها أسفل جسدها بعد أن نزعت ( شبشبها ) ونظرت حولها بتفحص ، ثم سألتها:
-اومال العرايس لسه نايمين ؟

جاءت إليها إحسان وهي تحمل صينية صغيرة بها كوب صغير موضوعاً في منتصفها ، و ممتليء لثلاثه أرباعه ، وأجابتها ببرود ب :
-أه ..

مدت أم بطة يدها لتتناول الكوب ، ثم تنحنحت في حرج مصطنع ، وتابعت ب :
-إحم .. نوم العوافي يا رب عليهم ..!

إرتشفت هي بعضاً من المشروب الفاتر ، ونظرت مجدداً لإحسان التي جلست إلى جوارها وتثاءبت لأكثر من مرة أمامها .. فشعرت هي بالخجل منها ، وترددت أن تسألها عنهما ، وفركت أصابع يدها من التوتر .. وصمتت قليلاً ..
ساد الصمت لعدة دقائق بينهما ، فقطعته إحسان في النهاية ب :
-نورتي
-إحم .. ده نورك يا حبيبتي
-أها ..
شعرت أم بطة أن وجودها ربما يكون غير مرغوب به إذا ما ظلت صامتة ، خاصة وأن ردود إحسان عليها كانت مقتضبة للغاية .. لذا بادرت ب :
-معلش كده يا ست إحسان تشأري على العرايس كده وتشوفيهم إن كانوا صحيوا ولا لأ .. أصل أنا .. كنت يعني .. آآ..

نهضت إحسان بجسدها المترهل من على الأريكة ، ثم قالت بفتور :
-مش محتاجة تقولي ، أديني رايحة اشوفهم

-تسلم رجليكي يا رب
قالتها أم بطة وهي تزم شفتيها في رضا زائف ..
وما إن إبتعدت إحسان ، وتوارت عن أنظارها حتى بصقت هي على جانبها في تهكم صريح ، ثم حدثت نفسها ب :
-قطيعة ولية بوزها شبرين ، ياباي .. كويس إني مش هاجي هنا إلا قليل ، يدوب أطمن بس على البت وأمشي .....!

في البناية المتواجد بها منزل تقى ،،،،

وصل الشيخ أحمد إلى البناية وتفاجيء بالحشد الغفير الموجود في مدخلها منذ أن ولجها ، وكذلك على الدرج القديم ، فحاول أن يمر بين الجيران وأبناء الحي ليصعد للأعلى ، ثم تملكته الحيرة ليعرف ما يدور ، فرأى الجارة حكمت تقف مع بعض النساء ، فوقف على مقربة منهن وسألهن ب :
-في ايه حصل هنا ؟

إستدارت إحداهن نحوه ، وأجابته ب :
-دي الست فردوس قتلت بنتها !

اتسعت عيني الشيخ أحمد في صدمة ، ورفع حاجبيه للأعلى في عدم تصديق ، وبصوت مشدوه صاح ب :
-يا ساتر يا رب ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، طب ليه كده بس ؟

اقتربت منه حكمت ، وبنبرة لئيمة أجابته ب :
-محدش عارف ، بس كلام في سرك يا شيخ بيقولوا إنها ظبطتها مع عشيقها

حدجها الشيخ أحمد بنظرات قوية وحذرة قبل أن ينطق ب :
-لا إله إلا الله ، بلاش الكلام ده يا ست حكمت ، إن بعض الظن إثم

مطت حكمت شفتيها في إستنكار ، ثم بصوت عابث ردت ب :
-هو أنا اللي بأقول كده ، ده هي اللي عمالة تبرطم وتقول الكلام ده عليها
-برضوه مايصحش نخوض في الأعراض
قالها الشيخ أحمد محذراً وهو يشير بيده الممسكة بالمسبحة

هزت هي كتفيها في تهكم ، ثم قالت بتبرم :
-يا شيخ متحبكهاش أوي ، ماهو النسوان أهوم كانوا واقفين وشافوا اللي حصل ، إنت نفسك يا شيخنا جاي عشان كده أكيد

أجابها هو بصرامة جلية ب :
-لأ طبعاً
-طب جاي ليه يا شيخنا ؟

أطرق الشيخ أحمد رأسه للأسفل في حزن قبل أن يجيب بصوت آسف ب :
-أنا كنت جاي عشان أبلغ الست فردوس إني عرفت مكان جوزها عم عوض

حدقت فيه حكمت بعينين متسعتين ، ثم قالت له ساخرة :
-ايه ؟؟ عرفت مكانه ، شوف الحظ ! يعني فردوس يوم ما تعرف مكان جوزها ، تقتل بنتها ..!
-يا ست حكمت ربنا يهديكي ، كفاية بقى شماتة في الناس
-أنا بأشمت ، أعوذو بالله ، أنا بس ب آآ..

قاطعها هو بصوت جاد ب :
-خلاص يا ست حكمت ، عن إذنك أما أشوف هاتصرف إزاي

لوت هي زاوية فمها في استهزاء ، ثم قالت :
-اتفضل يا شيخنا ..

صعد الشيخ أحمد على الدرج ليتجه لمنزل تقى ، في حين تابعت حكمت بنبرة شامتة ب :
-على فكرة البوليس زمانته على وصول ، وهايجي يحط الكلابشات في إيد فردوس ، فمش هتلاقي حد أصلاً تكلمه
-سبيها على الله ، وإدعيلهم ربنا يفك ضيقتهم

إدعت هي الحزن وهي تتشدق ب :
-صدقني يا شيخنا .. ده أنا بأدعيلهم من قلبي

رمقها الشيخ أحمد بنظرات إحباط قبل أن يرد عليها ب :
-ماهو باين ....!

عند مشفى الجندي الخاص ،،،،

صف أوس سيارته أمام مدخل المشفى بطريقة مفاجئة ، فإنتبه له الحرس المتواجد بجوار البوابة ..
ثم ترجل من السيارة ولم يغلق بابه الجانبي ، ودار سريعاً حولها ، وفتح الباب ، ثم إنحنى بجذعه للأسفل ، وحل حزام الآمان عن تقى التي لم يكف عن متابعتها طوال الطريق إلى مشفى عائلته الخاص ..
وضع أوس يده خلف ظهرها بعد أن أمالها قليلاً للأمام ، فإرتدت رأسها على كتفه ، فنظر إليها عن كثب لثوانٍ ، ثم وضع يده الأخرى أسفل ركبتيها ، وبكل رفق وحذر حملها بين ذراعيه إلى خارج السيارة ..
ثم سار بها نحو البوابة ، وبصوت جهوري آمر صاح ب :
-هاتلي أكبر دكاترة هنا
-حاضر يا باشا

ركض عدد من الممرضين ، وهم يجرون ( سريراً معدنياً ) نقالاً ، ناحية أوس ، ثم أشار أحدهم له بيده وهو يقول :
-حطها يا أوس باشا على التروللي

أسند أوس تقى بحذر على السرير النقال ، وتوقف ليلتقط أنفاسه ريثما ينتهي الممرضين من تعديل وضعيتها عليه ، ثم ركض الجميع بها داخل إستقبال المشفى ...

تبعهم أوس بخطوات أقرب للركض ، ولأكثر من مرة حاول أن يرى وجهها الذي إزداد ذبولاً وبرودة ..
تعالت صيحات الأطباء الذين جاءوا للمساعدة فور أن علموا بتواجد أوس الجندي بالمشفى ..
وسريعاً تشكل فريق طبي لفحصها ومعالجتها ..
وقف أحد الأطباء قبالة أوس ، وبتردد طلب منه :
-ممكن حضرتك تتفضل ترتاح ، وإحنا هانقوم بالواجب

حدجه أوس بنظراته القوية ، وبصرامة أجابه ب :
-انت مش ولي أمري عشان تقولي أعمل ايه
-آآ.. أسف يا فندم ، أنا .. أنا غرضي راحتك
-راحتي في إنك تعالج تقى فوراً ، إتفضل
قالها أوس وهو يصرعلى أسنانه ونظراته المحتقنة موجهة إلى الطبيب الشاب ...
-ح.. حاضر

تحرك أوس للأمام ليلحق بتقى التي ولجت مع الأطباء والمرضى إلى غرفة العمليات ، ووقف هو أمام بابها يراقب ما يحدث بتوتر شبه ملحوظ ..
جائه أحد السعاة وهو يحمل كوباً من العصير البارد ، ثم وقف خلفه ، وبنبرة هادئة قال :
-اتفضل يا أوس باشا ، العصير ده عشان يروق دمك
-مش عاوز حاجة ، غور من وشي ...!!!!

قالها أوس بعصبية وهو يقذف بيده الصينية الموضوع بها كوب العصير ، فسقطت على الأرضية الرخامية ، وتحطمت ..
إنتفض الساعي مذعوراً من ردة فعله المخيفة ، وتوجس خيفة من أن يجمع حتى حطام الكوب المكسور ، وتراجع للخلف متوراياً عن ناظريه ..

وبالفعل طوال الساعات اللاحقة تجنب معظم العاملون بالمشفى الحديث مع أوس حتى لا يصب جام غضبه عليهم إلى أن خرج أحد الجراحين من الداخل وهو مطرق الرأس و...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثالث والثلاثون

في منزل عبد الحق بالزقاق ،،،

وقفت إحسان أمام باب غرفة نوم إبنها عبد الحق ، وطرقت عليه بطرقات شبه مزعجة ، وهي تصدح ب :
-واد يا عبده ، ( طق – طق ) إصحى بقى ، بت يا بطة أمك هنا عاوزة تشوفك ، كل ده نوم ( طق – طق ) ، إنت ياض .. !!

ثم حدثت نفسها بتهكم ب :
-أعوذو بالله عليك ، خُم نوم !!

نفخت هي في ضيق زائف ، وتمطعت بذراعها قبل أن تطرق بكفها على الباب مجدداً وهي تنادي ب :
-إنت يا واد ، الجيران صحيوا وإنتوا لسه نايمين !!

تململ عبد الحق في الفراش ولم يفتح عينيه بعد ، ومسح بأصابعه على الجانب محاولاً إيقاظ زوجته بطة ، ولكنه وجد مكانها بارداً ، ففتح عينيه على عجالة ، ورفع رأسه قليلاً ليراها ..
-راحت فين دي ؟

تثاءب عبد الحق بصوت مشمئز قبل أن يعتدل قليلاً في نومته ، ثم وضع يده على رأسه وحكها لعدة مرات ، وبصوت شبه ناعس ومتحشرج صاح ب :
-طيب يامه

-إنجز يالا ، حماتك أعدة مستنياكم من بدري
قالتها إحسان قبل أن تسير مبتعدة عن الباب
-جايين أهوو ..

دعك عبد الحق وجهه براحتي يده ، ثم دقق النظر فوجد زوجته غافلة على أرضية الغرفة وهي مازالت ترتدي فستان الزفاف ، فحرك نفسه على الفراش ، ثم مد قدمه ناحية ذراعها ، ولكزها به عدة مرات لكي يوقظها وهو يقول لها بصوته الآجش :
-بطة .. يا بطة .. أمك جت

فتحت بطة عينيها ببطء ، وتثاءبت قليلاً قبل أن تدرك أنها قد غفت بالفعل على الأرضية ، ثم تأوهت من الآلم وهي تحاول النهوض من عليها ..
-هو إنتي نمتي بفستانك ؟
سألها عبد الحق بصوته الناعس والمتحشرج

رمقته بطة بنظرات حاقدة قبل أن تجيبه بنبرة غليظة ب :
-أه .. عندك مانع
-لأ .. مش فارق معايا ، أنا هاخش الحمام وأروح أفطر ، شوفي إنتي هاتعملي ايه مع أمك

نظرت هي شزراً له ولم تعقب ، في حين توجه هو إلى باب الغرفة ، وخرج منها ، وأغلق الباب خلفه ..
وضعت بطة يدها على عنقها لتدعكه حتى يلين التيبس الموجود به بسبب نومتها الخاطئة عليه ، ثم نظرت إلى هيئتها في المرآة ، فوجدت السواد يكسو أسفل عينيها ، وكذلك بقايا مساحيق التجميل ، فتنهد في إنهاك ، وحدثت نفسها بتذمر ب :
-والله ما منظر عروسة يوم صباحيتها أبداً

تفحصت هي وجهها بتمعن شديد ، وظلت تمسح بيدها أسفل عينيها ، وعلى جفونها ..
ثم تنبهت لصوت الطرقات الخافت على باب الغرفة ، فزفرت في غضب ، وصاحت ب :
-أيوه صحيت ، شوية وهاجي ، الله !

ثم رأت والدتها تدلف إلى داخل الغرفة ، فجحظت بعينيها في عدم تصديق ، ثم تهللت أساريرها لرؤيتها ، وركضت في اتجاهها وهي تجر فستانها قائلة :
-أمه !

فتحت أم بطة ذراعيها لترتمي إبنتها في أحضانها ، وبقيت هي فيه لفترة ..
أغمضت بطة عينيها ، وتركت لعبراتها الفرصة لتنهمر على وجنتيها .. هي لا تعرف ماهية تلك العبرات ، هل هي فرحة لرؤيتها إياها ، أم أنها معاتبة منها لما فعلته بها ..
ربتت أم بطة على ظهر إبنتها ، وضمتها أكثر إليها ، ثم بنبرة هادئة قالت لها :
-وحشتني يا عروسة
-وإنتي كمان يامه

أبعدت أم بطة ابنتها عن حضنها ، ثم وضعت كفي يدها على وجنتيها ، ومسحت بهما عبراتها المنهمرة ، ونظرت لها بحنو ، وبصوت خافت سألتها ب :
-مالك بس يا بطة ؟ شكلك عامل كده ليه ؟

ثم أمعنت النظر في ملامحها جيداً ، ونظرت إلى فستانها ، فإنتابها القلق والحيرة ، وسألتها بإرتباك ب :
الله ! إنتي مغيرتيش فستانك !! زايه بس اللي مبهدلك كده يا بت ؟؟

ابتلعت بطة غصة في حلقها ، ونظرت إلى والدتها بجدية ، ثم بنبرة ضائقة أردفت ب :
-يعني يامه مش عارفة هما عملوا ايه فيا ؟
-عملوا ايه ؟ ما تقولي يا بت ، هو أنا هاخد الكلام بالعافية منك !!

عضت بطة على شفتيها في حنق ، ثم سارت للأمام خطوتين ، وأولت ظهرها لوالدتها ، وكورت قبضة يدها في توتر .. ثم أطرقت رأسها للأسفل وهي تقول بصوت مختنق :
-خلوني أدخل على عبده دخلة بلدي
-إيييييييه !!
قالتها بطة بصوت مصدوم للغاية وهي تتأمل هيئة ابنتها ..

أجهشت بطة بالبكاء وهي تسرد لوالدتها ما حدث معها بالأمس ، ونظرت إليها بعينيها المغرورقتين بالدموع لتتابع ردة فعلتها ..
أصغت إليها أم بطة بإهتمام شديد ، ولم تنبس بكلمة ، ولكن تبدلت ملامح وجهها للتجهم والسخط
إنتهت بطة من حديثها بعد أن تقطع صوتها لعدة مرات وهي تتذكر كيف كانت واقعة بين براثن ذئاب لا تعرف الرحمة أو الشفقة يذبحون برائتها ويغتالون إنسانيتها بدم بارد ...
إنتظرت هي لوهلة لتعرف بماذا ستجيبها والدتها ، ولكن كانت الصدمة بالنسبة لها حينما أردفت والدتها ب :
-طب غيري هدومك

اتسعت عينيها في صدمة كبيرة ، وفغرت شفتيها وهي تقول :
-هاه ..آآ.. ايه ؟

أشاحت أم بطة بعينيها بعيداً عن عيني إبنتها ، واتجهت ناحية خزانة الملابس ، وفتحت ضلفتها ، ثم بنبرة جامدة تحدثت ب :
-مش معقول في عروسة يوم صباحيتها تطلع تقابل أهل جوزها بالشكل ده ، عاوزاهم ياكلوا وشي !

شعرت بطة بالمرارة تجتاح حلقها ، ونظرت إليها بيأس وهي تهدر متسائلة ب:
-ايه اللي تقوليه ده يامه .. إنتي .. انتي عارفة دول .. دول عملوا ايه ؟

استدارت والدتها لتواجهها بتعابير وجهها الغير مقروءة ، ثم بكل برود أجابتها ب :
-يعملوا اللي يعملوه ، دول أهل جوزك ، وإنتي ملزمة منهم دلوقتي ، ومن حقهم يتصرفوا معاكي زي ما يشوفوا
-انتي اللي بتقولي كده
قالتها بطة بإستياء وهي تدمع بعينيها ..

ظلت والدتها على حالة الجمود تلك ، ثم بآمرتها ب :
-ايوه .. ويالا غيري هدومك دي

إنتحبت بطة وهي تحاول الاستنجاد بوالدتها لكي تنقذها من تلك العائلة ، ولكن بدون أي جدوى ، ولكن رغم هذا توسلت لها ب :
-يامه .. ده أنا .. آآ.. ده أنا بآآ.. بنزف دم من إمبارح ، وموجوعة ومحدش حاسس بيا

ابتسمت لها من زاوية فمها ، ثم بصوت جاف أردفت ب :
-عادي .. يومين وهتروقي وتبقي قردة ومافكيش حاجة

حدجتها بطة بنظرات إحباط وهي تسألها بيأس ب :
-إنتي شايفة كده يامه ؟!
-ايوه ، كل البنات بيبقوا كده في الأول ، وبعد كده بتلاقي وشهم منور وجسمهم إدور بزيادة ، وجوم على الجواز
-كتر خيرك يامه ..
قالتها بطة بصوت مختنق ، وبدأت تبكي بصوت مكتوم ..

شعرت أم بطة بإنقباضة في قلبها ، وحاولت أن تبدو جامدة أمامها ، فاقتربت منها ، ووضعت يدها على كتفها ، ويدها الأخرى على ذقنها لترفع رأسها للأعلى ، ونظرت لها بنظرات أمومية وقالت بصوت محذر :
-يابت أنا عاوزة مصلحتك ، لو أنا عملت مشكلة الوقتي ، أمه هترميكي في الشارع ، وهاتطلقي وأنا مش ناقصة غلب على اللي عندي ، أنا مصدقت جوزت واحدة ، الله يعيني على الكوم اللي ناقص

أبعدت بطة يدي أمها ، ونظرت لها بجمود ، ثم بصوت متصلب ردت ب :
-خلاص يامه ، معدتش ليه لازمة الكلام ، سيبني أغير هدومي

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

خرج أحد الأطباء من داخل غرفة العمليات وهو مطرق الرأس ، ثم بصوت شبه أسف تحدث ب :
-أوس باشا

وقف قبالته أوس ، ولم يرمش بعينيه ، ولكن نظراته كانت توحي بالقلق البالغ على تقى ، وبصوته الغليظ تسائل ب :
-ها ؟ أخبارها إيه ؟

تنحنح الطبيب قبل أن يجيب بنبرة هادئة ب:
-والله هي الحالة مش مستقرة ، وخصوصا إنها نزفت دم كتير

كانت نظرات أوس قاتمة خالية من الحياة حينما سأله مجدداً بصوت متشنج ب:
-يعني انتو خلصتوا جوا معاها ؟!!

رمش الطبيب عدة مرات قبل أن يجيب بهدوء حذر ب :
-لأ لسه ، أنا قولت أطمن حضرتك على حالتها ..

حدجه أوس بنظراته الصارمة قبل أن يسأله بشراسة وهو يصر على أسنانه ب :
-يعني هي هاتعيش ؟

مط الطبيب فمه ، ثم هز كتفيه وأجابه بعدم إكتراث ب :
-والله دي حاجة بتاعة ربنا

إنفعل أوس فجأة وأمسك بياقة الطبيب ، وجذبه بعنف منها ناحيته ، وهزه بعصبية عدة مرات ، ثم نظر مباشرة في عينيه بنظرات مخيفة قبل أن يهدر بطريقة هيسترية ب :
-أنا عاوزها تعيش ، انت فاهم ، عاوزها تعيش ، ماينفعش تموت دلوقتي ، مش بمزاجها تسيبني وتموت ، سامعني ...!

حاول الطبيب أن يتخلص من قبضتي أوس المحكمتين عليه ، وبصوت مختنق حاول أن يبرر له :
-يا باشا ... إحنا .. إحنا عملنا اللي علينا ، وحياتها أو آآآ... موتها بإيد ربنا

هزه أوس بعنف قبل أن يصرخ بعصبية ب :
-بس انت هنا ملزم تخليها تبقى كويسة ، سامعني !!!

حرك الطبيب رأسه عدة مرات موافقاً ، ثم بصوت مضطرب رد عليه ب :
-حاضر .. حاضر ، أنا على العموم كنت رايح بنك الدم عشان أطلب نوع فصيلتها ، لإنها محتاجة نقل دم

أرخى أوس قبضتيه عنه ، ثم بصرامة آمره ب :
-اتصرف وشوف شغلك ، وماتطلعش من أوضة العمليات إلا لما تطمني عليها
-أوامرك
قالها الطبيب بنبرة مرتجفة ، ثم عدل من وضعية ملابسه الطبية الخضراء ، وسار في اتجاه الرواق مبتعداً عنه ..
وقبل أن يختفي الطبيب تماماً ، سأله أوس بصوت مرتفع ب :
-هي فصليتها ايه ؟

استدار الطبيب بجسده لينظر إليه قبل أن يجيبه بنزق ب :
- O سالب

اتسعت عيني أوس إلى حد ما ، وإرتخى فمه للأسفل قليلاً ، وقال بخفوت :
-هاه ، O سالب

عاود الطبيب أدارجه ، وبنبرة هادئة تابع بثقة ب :
-دي فصيلة نادرة شوية ، بس أنا هاتصرف يا أوس باشا وهحاول أوفرها للمريضة
-أنا فصيلتي زيها
قالها أوس بصوت جاد وهو يضغط على كل كلمة .. فنظر له الطبيب بنظرات تشع بالأمل قبل أن ينطق بحماس ب :
-بجد .. طب ده عظيم أوي ، لو مافيهاش مانع ، إحنا ممكن ناخد من حضرتك آآآ..
-خد اللي انت عاوزه ، مش فارق معايا ، أنا اللي يهمني حاجة واحدة بس ، تقى تعيش
-تمام يا باشا ، اتفضل حضرتك معايا

تحرك أوس أولاً وقد عقد العزم على فعل أي شيء لضمان بقاء تقى على قيد الحياة ، حتى لو تطلب الأمر منه أن يفعل ما لم يتخيل أن يفعله لإمرأة قط ..
لحق به الطبيب دون أن ينطق بأي شيء ، ولكنه كان يتابع بإهتمام ردود فعله الغير مبررة على الإطلاق مع فتاة لا تبدو من مستوى عائلته المرموقة ...

في منزل تقى عوض الله ،،،

إنتهى أفراد الشرطة وكذلك رجال المباحث الجنائية - بالإضافة إلى وكيل النيابة - من معاينة مكان الجريمة وأخذ أقوال جميع الجيران والمقربين من عائلة تقى عوض الله فيما حدث ..
جلست فردوس على الأريكة القديمة غير مصدقة ما فعلته بإبنتها ..
كانت معظم الوقت تجيب بكلمات مقتضبة أو غير مفهومة .. لم يشفق عليها أي أحد .. فأي أم هي تلك التي تقتل ابنتها دون أن تنتظر أن تدافع عن نفسها ..
تهامست بعض الجارات فيما بينهن بكلمات مسيئة عن تقى ووالدتها ، وبدأن يدعين الأكاذيب عنها ، أردفت إحداهن ب ...:
-دي كانت بت شمال

مالت جارة أخرى على أذن من تقف إلى جوارها وهمست بثقة ب :
-لألألأ .. دي أصلا مقضياها مع كل واحد شوية

زمت إحداهن شفتيها في إمتعاض قبل أن تضيف :
-يعني هاتجيبه من برا ، ماهي خالتها كانت كده

ضيقت جارة رابعة عينيها ، وقطبت جبينها وهي تدافع عن تهاني ب :
-لأ خالتها كانت مجنونة
هزت إحداهن حاجبها في إستنكار جلي قبل أن تنطق ب :
-وهي اتجنت من ايه يعني ؟ ده انتي اللي هبلة ، معروف عنهم إنهم عيلة بنت ستين *** !!!

صاح أحد الضباط بنبرة آمرة وهو يشير بيده نحو فردوس ب :
-حطوا الكلابشات في ايديها وخدوها على البوكس

اقترب منها ضابطين من الشرطة ، وأجبراها على النهوض من على الأريكة ، ثم إقتاداها إلى خارج المنزل ..
نظرت هي حولها بأعين زائغة ، وقالت بصوت ضعيف :
-أنا .. أنا .. آآآ.. كنت عاوزة أربيها بس !

رمقتها الجارات المتواجدات بنظرات ما بين شامتة وحاقدة .. ولم تشفق عليها أي واحدة ..
-يالا في داهية ، عقبال كل النسوان اللي زيها
-أيوه ، خلوا البيت ينضف

في قصر عائلة الجندي ،،،

ولج مهاب إلى داخل القصر بعد أن صف سيارته بالجراج الملحق به ، في حين ركضت ليان على الدرج لتصعد إلى غرفتها ، بينما ألقت ناريمان بجسدها المنهك على الأريكة الذهبية الموجودة بغرفة الصالون ..
رمقها مهاب بنظرات ممتعضة قبل أن يتركها ويتجه إلى مكتبه ويصفع الباب بقوة من خلفه ..

تنهدت ناريمان في ضيق ، ثم بحثت عن هاتفها المحمول في حقيبتها ، واختلست النظرات ناحية باب المكتب قبل أن تحدث نفسها ب :
-فرصة أطمن ممدوح علينا ، بدل ما أنا أعدة طول السكة مش عارفة أعمل حاجة

وبالفعل اتصلت هي به ، ووضعت الهاتف على أذنها ، وبصوت هامس قالت :
-الوو .. ايوه يا ممدوح .. احنا وصلنا خلاص ..

ثم مطت شفتيها للأمام ، وبدت متوترة بدرجة كبيرة وهي تجيبه ب :
-مممممم..أها ... طيب بكرة هحاول أقابل

هزت هي رأسها موافقة قبل أن تتابع بخفوت ب :
-اوكي .. اوكي

جاءت المدبرة عفاف إلى غرفة الصالون فلم تنتبه لها ناريمان ، وظلت تتحدث بهمس شديد ، تنحنحت عفاف في البداية ، ووضعت يدها المتكورة على فمها ، ولكن ظلت الأخيرة على وضعها ، فعقدت هي أن تقاطع مكالمتها بصوت شبه عالي ب :
-ناريمان هانم

إنتفضت ناريمان فزعة في مكانها ، وظنت في البداية أنه مهاب زوجها ، ولكن حينما رأت المدبرة عفاف بالغرفة ، نهرتها بحدة ب :
-مش تعملي حس ولا تقولي إنك هنا
-أنا أسفة يا هانم .. بس أنا ناديت على حضرتك أكتر من مرة لكن محدش رد
-طيب عاوزة ايه ؟
سألتها ناريمان بصوت منفعل نسبياً بعد أن أغلقت الهاتف ..
-حضرتك تحبي أجهز الغدى ولا آآآ...

قاطعتها ناريمان بصرامة وهي تشيح بيدها في وجهها :
-شوفي مهاب باشا إن كان هيتغدى هنا ولا لأ .. وبعد كده قوليلي
-حاضر يا هانم

ثم سمعت كلتاهما صوت قرع جرس باب القصر ، فإستدارت ناريمان برأسها ناحية باب الغرفة وأمرت المدبرة عفاف ب :
-روحي شوفي مين
-حاضر
قالتها عفاف قبل أن تنصرف في اتجاه باب القصر ..

بعد لحظات عادت المدبرة عفاف ومعها هياتم التي كانت ترسم ابتسامة سخيفة على وجهها وهي تتحدث بحماس ب :
-حمدلله على السلامة ، أنا قولت ألحقك قبل ما تروحي حتة تانية

ابتسمت لها ناريمان إبتسامة مجاملة ، ثم أشارت لها بيدها لتجلس إلى جوارها وهي تتحدث بصوت ناعم ب :
-هاي هياتم ، اتفضلي

جلست هياتم على الأريكة ، ثم أخرجت من حقيبة يدها عدة أوراق مطوية ، ونظرت إليها بثقة قبل أن تبادر ب :
-مش هاعطلك كتير ، أنا بس عاوزة أخلص من الورق اللي يخص الحالة اللي قولتك عليها

ضيقت ناريمان عينيها في عدم فهم ، وتسائلت ب :
-حالة ايه دي ؟
-الست المسنة إياها ، إنتي نسيتي ولا ايه ؟!

أرجعت ناريمان رأسها للخلف ، ثم بصوت مرهق ردت عليها ب :
-أها .. بصي أنا مش فايقة والله لأي حاجة ، بجد تعبانة ومش قادرة من جسمي ، فخلينا نتكلم في الموضوع ده بعدين

توترت هياتم بدرجة كبيرة ، وبتلهف قالت :
-ده أنا خلصت كل حاجة ، مش ناقص غير بس توقيعك
-ممممم...

وجدت هياتم عدم إهتمام من ناريمان بحالة تهاني ، فأخذت نفساً عميقاً وزفرته ببطء لتستعيد هدوئها ، ثم بنبرة جادة أضافت :
-على فكرة في حالات كتير زيها ، ومحتاجة مننا إهتمام ، وأنا ناوية في الاجتماع الجاي أتكلم عن الموضوع ده مع بقية الأعضاء
-خلاص حطيها في جدول الأعمال
قالتها ناريمان بنفاذ صبر وهي تحاول التملص من هياتم .. ثم نفخت لأكثر من مرة أمامها ..

شعرت هياتم أن وجودها أصبح غير مرغوب فيه في الوقت الحالي لذا قالت بإصرار :
-تمام .. اعتبريه حصل ، بس عاوزين نبدأ مع أول حالة من النوعية دي

أدركت ناريمان أنها لن تتخلص من عِناد هياتم بسهولة ، لذا بصوت يائس أردفت ب :
-اوكي .. فين الورق عشان أوقعه ؟

ارتسمت إبتسامة مشرقة على وجهها ، ثم وضعت الأوراق أمامها ، وبحماس قالت :
-اتفضلي يا ناريمان
-أوكي

فتحت ناريمان الأوراق ، ولم تهتم بقراءة التفاصيل الموجودة بهم ، بل فتحت الجزء الخاص بتوقيع رئيس مجلس الإدارة ، وقامت بإدارج توقيعها .. ثم طوت الأوراق ، ومدت يدها نحو هياتم ، وسألتها بإستغراب ب :
-اشمعنى الحالة دي يعني اللي مهتمية بيها ؟

أجابتها هي بثقة تحمل الجدية ب :
-لأن الظابط كان بيتريق على شغلنا ، ومش مؤمن بيه ، وأنا عاوزة أوريه هو واللي زيه إن إحنا أد كلامنا

هزت هي رأسها بطريقة عادية ، ثم بصوت خافت قالت :
-أها .. اوكي

تابعت هياتم باقي حديثها بحماس زائد ب :
-كمان أنا هايبقى قدامي فرصة حلوة إني أعمل دعاية للجمعية عن طريق الحالة دي ، صحيح أنا عاوزاكي تبقي تشوفيها
-بعدين
قالتها ناريمان بعدم إكتراث ..

اقترحت عليها هياتم بتلهف ب :
-لو حابة أجيبلك الحالة هنا وآآ..

زفرت ناريمان في إنزعاج واضح ، ثم نهضت عن الأريكة وقالت بنزق :
-يوووه ، هياتم ، بليز أنا لسه راجعة من السفر وتعبانة وعاوزة ارتاح

شعرت هياتم بالحرج ، فنهضت هي الأخرى عن الأريكة ، ونطقت بصوت خجل :
-أووه ، سوري ، خلاص وقت تاني

اقتربت ناريمان من هياتم وقبلتها من وجنتها ، ثم قالت :
-أها .. باي
-باي يا روحي
قالتها هياتم وهي تقبلها من وجنتيها .. ثم تركها وانصرفت من الغرفة ، فزفرت ناريمان في إنزعاج ، ثم قالت بصوت متهكم :
-أل أنا ناقصة أشوف متسولين وشحاتين ، أوووف ...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،،،،

نفخ فارس الهواء الموجود بصدره ليهديء من حالة التوتر والقلق الشديدة التي تتملكه وهو يقترب من مكتب الإستقبال الموجود ببهو الشركة الضخم ..
كان الإضطراب واضح على تعابير وجهه ، بدت يده ترتجف إلى حد ما ، ثم أخذ نفساً أخراً مطولاً ، وزفره على مهل ، وحدث نفسه بصوت مسموع ب :
-اهدى يا أبو الفرس ، خليك كوول كده عشان محدش ياخد باله ، إنت بس سلم الظرف وإخلع على طول

توقف هو أمام ذلك المكتب الأنيق ذو السطح الرخامي ، وبصوت متحشرج أردف ب :
-لو سمحت يا أخ

رمقه الموظف – ذو الحلة السوداء الرسمية ، ورابطة العنق الأنيقة – بنظرات متأففة بعد أن تأمله من رأسه لأخمص قدميه ، ثم لوى فمه في تهكم وهو يرد عليه ب :
-آخ
-أقصد يا حضرت ، يا كابتن ، يا برنس ، آي حاجة يعني

-إنت عاوز ايه ؟
سأله الموظف بصوت شبه منزعج من طريقته الهمجية

تجشأ فارس بصوت مقرف قبل أن يجيبه ب :
-عاوز أوصل الظرف ده للباشا أوس وبس
ثم أسند مغلفاً مغلقاً من اللون الأصفر على السطح الرخامي ..

حدق الموظف في المظروف ، ثم عاود النظر إلى فارس وسأله بجدية ب :
-من مين ده ؟

لوى فارس فمه بطريقة مقززة وهو يجيبه ب :
-والله مايخصكش ، دي حاجة تخص الباشا وبس ، وهو مستنيها

حدجه الموظف بنظرات حادة قبل أن يأمره ب :
-طب هاته ، وانا هاسلمه للسكرتارية

جذب فارس المظروف ، ووضعه تحت إبطه ، ثم بصوت غليظ قال :
-لأ .. إيش ضمني إنك توديهوله !

عبس الموظف بملامح وجهه ، وأجابه بنبرة متصلبة ب :
-حضرتك إنت في شركة محترمة ، مش في محطة مصر

حك فارس رأسه بيده عدة مرات ، ثم نظر للموظف بنظرات حائرة وهو يسأله ب :
-أها .. في دي عندك حق ، يعني انت اللي هاتديهوله بإيديك ؟
-لأ .. أنا بس هاسلمه لمكتب السكرتارية وهما هناك اللي هيوصله للباشا
قالها الموظف بنفاذ صبر وهو يرمقه بتلك النظرات الساخطة ..

زم هو شفتيه متسائلاً ب :
-مممم .. يعني محدش هايشوف اللي فيه إلا هو ؟!!

أجابه الموظف بإيجاز ب :
-أيوه
-ماشي .. وأنا هاكلم الباشا وأتأكد منه ، بس يا ويلك لو هو الظرف مرحش عنده ....!
قالها فارس محذراً وهو يعطيه المظروف المغلق ..

تناول الموظف المظروف من يده ، ثم بنبرة إصرار ، ونظرات ممتعضة قال له :
-قولتلك إحنا شركة محترمة
-خلاص ماشي .. حافظ عليه بقى ، مش هوصيك
غمز له فارس بعد أن أخذ منه المظروف
-اتفضل بقى حضرتك خليني أشوف شغلي

عض فارس على شفته السفلى قبل أن يقول بنبرة إستهزاء :
-ماشي يا أخ .. هأو

إغتاظ الموظف من طريقة ذلك الفظ معه ، وتحامل على نفسه حتى لا يخرج عن شعوره وينفعل معه ...
جذب فارس قلم حبر من على سطح المكتب محفور عليه إسم شركات الجندي ، ووضعه نصب عينيه ، ثم قال بغرور :
-حلو البتاع ده ، أهوو ينفع في أي حاجة ، سلام يا آخ ..!

ثم لوح له وهو يوليه ظهره ، ووإنصرف مسرعاً إلى الخارج وعلى ثغرة ابتسامة وضيعة ، وظل يعبث بالقلم الحبر بأصابعه ، ثم بكل غطرسة تحدث ب :
-يا ود يا أبو الفرس يا اللي ملكش زي ولا أد .. ياما نفسي أشوف وشك وأنت بتفتح الظرف وبتتفرج ع صور ال آآ.... مزة أختك وهي معايا

ثم قهقه عالياً بطريقة مستفزة فإنتبه له بعض الموظفين وكذلك العملاء المتواجدين حوله ، ولكنه لم يعبأ بهم ، واستمر في التباهي بنفسه ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الرابع والثلاثون

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

تمدد أوس على الفراش الطبي ، وراقب الأطباء الذين تولوا سحب الدماء من عروقه بصمت تام ..
كان بين الحين والأخر يصر على أسنانه متألماً ، ولكنه لم يشتكي .. بل تابع بأعين كالصقر كل خطوة يقومون بها ..
إنتهى كبير الأطباء الموجود بالغرفة من عملية التبرع بالدماء ، ثم اقترب من أوس ، ونزع عنه الإبرة الطبية ، ثم ابتسم له وهو يقول :
-إحنا خلصنا يا باشا
-هي مش هتحتاج لدم تاني ؟ خد اللي انت عاوزه !
قالها أوس بصوت شبه جاف وهو ينظر له بصلابة ..

-لو في ناقص هانستعين ببنوك الدم اللي آآ..

قاطعه أوس بصوت قاتم وحاد ب :
-أنا بأقولك خد كل اللي انت عاوزه من دمي ، ايه مش بتفهم ؟!

-يا فندم مش كده ، بس أنا مش محتاج أكتر من اللي خدته من حضرتك ، ارتاح إنت يا باشا ، وإحنا هانشوف شغلنا

حدجه أوس بنظرات مخيفة قبل أن يحذره بنبرة قاسية ب :
-أنا بحذرك لو حصلها حاجة ، مش هارحم حد فيكم

هز الطبيب رأسه وهو يجيبه بهدوء حَذِر ب :
-طيب..

ثم أرخى أوس ذراعه بعد أن ثناه الطبيب ووضع عليه لاصقة طبية ، وأغمض عينيه للحظات حتى يستفيق تماماً ...

في نفس التوقيت كان الجميع يعمل على قدم وساق من أجل توفير ما تحتاجه المريضة التي أتى بها ابن صاحب المشفى .. فأي مشكلة ستحدث لها أو مضاعفات ربما سيتعرض أحدهم للتوبيخ ، أو الأسوأ من هذا ..

وقف رئيس طاقم التمريض في الرواق ، ثم جمع حوله فريقه الخاص ونبه عليهم ب :
-خدوا بالكم مش عاوزين مشاكل
-طيب
قالها أحد الممرضين وهو يهز رأسه عدة مرات

أشار هو بيده لممرض أخر وهو يأمره ب :
-انت خليك متابع اللي بيحصل وبلغني بالجديد أول بأول
-حاضر

رفع رئيس طاقم التمريض بصره للسماء ، وبنبرة راجية أردف ب :
-عدي اليوم ده على خير يا رب

بداخل غرفة العمليات ،،،،

أسند الطبيب المشرط في الوعاء المعدني ، وجفف حبات العرق من على جبينه ممرضة تقف خلفه ، ثم أشار بعينيه دون أن ينطق لطبيب أخر لكي يحضر له أداة طبية ليكمل بها عمله ..
في حين راقب طبيب أخر مؤشرات الأجهزة الحيوية الموصولة بتقى ..

جففت طبيبة - متواجدة هي الأخرى بالغرفة – نزيف الدماء المتجمع حول مكان الطعنة ..
مر الوقت بطيئاً على الجميع رغم مهاراتهم المشهودة في مثل تلك النوعيات من العمليات ،ولكن الجميع يعرف مدى تهور أوس وعصبيته ، وبالتالي فتلك العملية ليست كغيرها ..
الوضع برمته حساس للغاية بالنسبة لهم ..

إنضم إليهم كبير جراحي المشفى ، وتأكد من إنتهاء الطبيب المكلف بتقطيب الجرح من عمله ، ثم همس له بشيء في أذنه ، فأومأ الطبيب برأسه موافقاً ، فربت على كتفه كبير الجراحين ، ثم تركه وانصرف خارج غرفة العمليات ..

نزع كبير الجراحين القناع الطبي عن أنفه ، ثم أشار لممرض ما متواجد بالرواق بيده آمراً إياه ب :
-تعالى ورايا
-حاضر يا دكتور

وصل كبير الجراحين إلى غرفة مكتبه بالطابق العلوي ، ثم ألقى بجسده على الأريكة الجلدية – ذات اللون البني – المتواجدة بالقرب من باب الغرفة ، ونظر للممرض بنظرات جادة قبل أن يطلب منه :
-بلغ الريسبشن تحت يتصل بالباشا مهاب ويبلغه باللي حصل فورا
-ماشي يا دكتور ، أي أوامر تانية
-لأ .. واقفل الباب وراك ..
-تمام

زفر كبير الجراحين في إنهاك واضح ، ثم مر أصابع يده على رأسه وفركها قليلاً قبل أن يتشدق ب :
-أوووف ، يوم صعب .. إحنا كنا ناقصين أوس ورزالته ، وبعدين هو عرف الأشكال دي منين !!!!

في قصر عائلة الجندي ،،،،،

وقف مهاب أمام تلك الخزانة المعدنية المدفونة في الجدار ، وتفحص أحد الملفات التي يحتفظ بها بداخلها ..
تطلع هو إلى ما دون في الورقة الأمامية بتركيز شديد .. ثم حدث نفسه بصوت مسموع نسبياً ب :
-مهما حصل محدش هايعرف الحقيقة ، هي هاتفضل بنتي أنا وبس ، هو مالوش فيها حاجة .. أيوه هي (( ليان )) بنتي أنا وناريمان .. !!!

ثم سلط مهاب عينيه على العبارة المكتوبة في منتصف تلك الورقة القديمة.. [ شهادة ميلاد أصلية ] ، وشرد في ذكريات ماضيه ...

أمسكت ناريمان بأصابعها المرتجفة بورقة ميلاد الرضيعة " ليان " في يدها ، ونظرت إلى زوجها مهاب بعدم تصديق ، وبنبرة مرتعشة أردفت ب :
-إنت .. إنت عملت ايه ؟

ابتسم لها مهاب إبتسامة واثقة وهو يجاوبها ب :
-البنت بقت خلاص باسمي وإسمك ، أنا ظبطت كل حاجة زي ما وعدتك

نظرت هي له بنظرات زائغة قبل أن تسأله بصوت متلعثم ب :
-طب.. طب و..آآ.. وممدوح وتهاني ؟

لوى هو فمه في سخرية ، ثم أجابها ب :
-ممدوح مش في وعيه بعد اللي حصل ، وتهاني أنا لبستها الليلة كلها ، وهتترحل خلاص ..!
-بس إفرض إنهم عرفوا إن بنتهم لسه عايشة ..!
قالتها ناريمان بنبرة جادة للغاية وهي تنظر لمهاب بحيرة ..

أشار هو للورقة التي بحوزتها بإصبعه ، ثم بنبرة متريثة أردف ب :
-معدتش بنتهم يا ناريمان ، الاتنين ماتوا خلاص ، وده اللي اتكتب وهيتقال

بللت ناريمان شفتيها بلسانها ، ثم تابعت بحذر ب :
-بس .. بس هما أكيد هيسألوا عن الجثث عشان يدفنوها وآآآ..

وضع هو كلتا يديه على ذراعيها ، ثم ضغط عليهما قليلاً ، ونظر مباشرة في عينيها بنظرات واثقة ، وبصوت هاديء تحدث ب :
-بصي يا حبيبتي يسألوا زي ما هما عاوزين ، واحدة ماتت محروقة وماتبقاش منها حاجة ، والتانية أصلا ماتت مخنوقة .. وده أصلاً معروف ، وإحنا هنردد الكلام ده

صمتت هي للحظات لتفكر فيما قاله ، فابتسم هو لها في غرور ، ثم تحركت بعيداً عنه ، وأولته ظهرها ، وبصوت مرتعش نطقت ب :
-أنا خايفة أوي يا مهاب ، خايفة يعرفوا ، ساعتها كل حاجة هتبان وهنروح في داهية

وقف هو خلفها ، ومن ثم وضع قبضة يده على كتفها ، وبنبرة واثقة قال :
-لأ ماتخافيش ، أنا وعدتك إني هاظبط كل حاجة

إستدارت هي بجسدها في اتجاهه ، ونظرت إليه بتوتر وهي تقول :
-بس الناس هتسأل البنت دي خلفتها إمتى وآآ..
-ماتشليش هم حاجة ، إنتي بس خدي البنت وسافري على الكويت عند معارفك ، وأنا هاتصرف

نظرت هي إليه بذهول نوعاً ما ، وإرتخى فمها وهي تقول بتعجب :
-هاه .. الكويت !

أومأ برأسه إيماءة خفيفة ، ثم قال بتمهل :
-أيوه .. أنا عملت الفيزا وخلصت الإجراءات كلها بمعرفتي ، شوفي بس انتي ناقصك ايه وبلغيني بيه
-اوكي .. بس خليك على اتصال معايا ، أنا مش عاوزة أسافر وأسيبك وآآ..

قاطعها بنبرة متغطرسة وهو يمسك بكفي يدها بين راحتيه ب :
-متقلقيش عليا ، ده أنا مهاب الجندي

ثم إرتسم على ثغره إبتسامة مغترة ..
تنهدت هي في إرتياح .. وكانت على وشك الإنصراف ، ولكنها تذكرت أمراً هاماً فتسائلت بنزق ب :
-طب وآآ.. وأوس ؟

نظر هو لها بجدية شديدة وهو يسألها ب :
-ماله أوس ؟
-هايقعد فين ومع مين ؟

زم هو فمه قليلاً في حيرة ، ثم أجابها ب:
-مممم.. هافكر وأشوف هاعمل ايه ، ممكن أبعته معاكي أو أسيبه هنا معايا
-براحتك ..

زفر مهاب في عدم إرتياح ، ثم اقترب من زوجته ، وربت على ظهرها برفق ، وهو يآمرها بهدوء ب :
-روحي انتي جهزي نفسك للسفر

نظرت هي إليه بتوجس ، وتسائلت في خوف ب :
-طب وشهادة الميلاد الأصلية ؟
-مالها ؟
قالها مهاب بنفاذ صبر وهو يحك رأسه مجدداً ...

أمعنت هي النظر في عينيه وهي تسأله بإهتمام واضح ب :
-هاتعمل فيها إيه ؟ هاتقطعها ، ولا هتحتفظ بيها ولا ..؟؟!!

مسح هو بيده على وجهه ، ثم أجابها بإنهاك :
-مش عارف ، بس هي معدتش ليها قيمة الوقتي
-أها .. شوف إنت هاتعمل ايه وابقى قولي ، أنا ماشية
-ماشي يا حبيبتي ، مع السلامة

ثم إنصرفت ناريمان وتركته بمفرده يفكر فيما سيفعله لاحقاً مع تهاني طليقته السابقة وزوجة ممدوح الحالية ...

أفاق مهاب من شروده على صوت رنين هاتفه المحمول .. فأغلق فمه المنفرج ، وإبتلع ريقه ، ثم أعاد وضع الملف بالخزانة ، ومن ثم عاود إغلاقها بالمفتاح والرمز السري .. وأرجع اللوحة إلى وضعها .. فبدى كل شيء في مكانه طبيعياً ومرتباً ..
توجه مهاب إلى مكتبه ، ثم مد يده وإلتقط الهاتف ، ونظر إلى اسم المتصل ، ثم قطب جبينه في إندهاش ، وحدث نفسه باستغراب ب :
-دي المستشفى ! بيتصلوا ليه ؟! هما عارفين إن أنا مسافر ..!

إزداد إنعقاد ما بين حاجبيه ، وتابع بغموض ب :
-أكيد في حاجة مهمة حصلت عشان يتصلوا بيا في التوقيت ده ...!!

ضغط هو على زر الإتصال ، ووضع الهاتف على أذنه ، وبهدوء تام أجاب ب:
-ألوو .. معاك الدكتور مهاب ، خير

مط هو شفتيه للأمام دون أن تتبدل ملامح وجهه كثيراً ، ثم فجأة صاح ب :
-اييييه !! مين دي أصلاً عشان يعمل كل ده عشانها ؟ أنا جاي حالاً ....!!!!

في مخفر الشرطة ،،،،

وصلت سيارات الشرطة إلى المخفر ، وترجل منها العساكر والضباط ، وإقتاد إثنين من العساكر فردوس إلى داخل المخفر ليتم استئناف باقي التحقيق معها ، ومن ثم إيداعها بالحجز ..
كانت فردوس تجر رجليها وهي تسير معهما .. نظرت حولها بريبة ،وبصوت مبحوح رددت :
-أنا .. أنا كنت عاوزة أربيها بس .. هي .. هي غلطت ، أنا آآ.. أنا مكونتش هاموتها .. أنا ..آآ..

نهرها أحد العساكر بصوت خشن ب :
-اسكتي يا ولية ، اتكلمي قدام وكيل النيابة وبس

في نفس التوقيت وصلت هياتم هي الأخرى إلى المخفر ، وتابعت بفضول ما يحدث ، ولكنها لم تتدخل .. فهي قد جاءت في مهمة واحدة ، وهي إخراج المريضة تهاني ، وتولي رعايتها وفق الأوراق الرسمية التي إستطاعت بفضل صلاتها القوية أن تنجزها في وقت سريع ..

دلفت هياتم إلى داخل المخفر ، وتوجهت إلى أحد مكاتب ضباط ( النوبطشية ) وسألته بهدوء ب :
-لو سمحت ممكن أقابل المأمور ؟
-ليه ؟
سألها الضابط بصرامة وهو يرمقها بنظرات متفحصة

أجابته هي ببرود ب :
-ده موضوع شخصي

نظر هو لها شزراً ، ثم قال لها بتهكم :
-والله لو شخصي يبقى تقابليه برا ، لكن آآ..

تنحنحت هي في البداية ، ثم بصوت رقيق أردفت ب :
-أنا أقصد يعني موضوع يخص الجمعية اللي أنا بأمثلها

حدجها الضابط بنظرات قوية وهو يخبرها بحدة ب :
-يا مدام إحنا هنا مش ملجأ ولا آآ...

قاطعته هي بإصرار ب :
-يا حضرت الظابط الحكاية بكل بساطة إن في واحدة مسنة ومريصة عقلياً مقبوض عليها هنا عندكم ، وأنا جايبة الأوراق اللي تخليني مسئولة عن رعايتها

أشار هو لها بكف يده وهو يأمرها ب :
-طب استني على جمب شوية لحد ما أفضى وأشوف موضوعك ده بالظبط
-اوكي .. بس بليز بسرعة

طرق هو بكف يده على سطح مكتبه ، ثم قال لها بنبرة شبه منفعلة :
-حضرتك أنا مش أعد فاضي ولا بأزأز لب ، ده قسم شرطة ورانا أشغال

ردت هي عليه بنبرة جادة ب :
-ما أنا برضوه مش جاية ألعب

لوى الضابط فمه وهو يتابع حديثها معها بنفاذ صبر ب :
-بقولك ايه يا مدام ،أنا خلقي ضيق ، وروحي بقت في مناخيري ، فيا ريت تستني على جمب شوية لحد ما أشوفلك حد
-أوووف ... طيب !!
قالتها هياتم على مضض وزفرت لعدة مرات في ضيق واضح ...

بداخل الحجز ،،،،،

أودع أحد العساكر فردوس بداخل حجز النساء ، وأوصد الباب بعدما ولجت للداخل ..
نظرت هي حولها برعب ، فالمكان إلى حد كبير مظلم ، ورائحته عفنة وكريهة ، إستمعت هي إلى صوت همهمات النساء المتواجدات بالداخل ، فتملكها الخوف ، وإبتلعت ريقها بصعوبة ..
كذلك إرتجف جسدها بشدة حينما إقتربت منها إحدى المسجونات لتتفحصها عن كثب .. نظرت لها فردوس بذعر وهي تتحدث بنبرة متلعثمة ب :
-م.. آآ.. مقتلتهاش .. أنا .. أنا .. كنت .. آآ.. بربيها بس
-بتقولي ايه يا مَرَة !
سألتها تلك المسجونة بصوت فج للغاية

نظرت فردوس لها بنظرات زائغة ، وخرج صوتها مبحوحاً وهي تعيد تكرار كلماتها ب :
-هي .. هي عارفة إني .. أنا .. مقتلتهاش ، هي .. هي عصبتني ، أنا .. أنا بأربيها بس
-إنتي بتستهبلي يا ولية ؟؟؟!!!!

-سبيها يا بت ، دي باين عليها خرفانة زي اللي جت قبلها ..!
قالتها مسجونة أخرى بصوت جهوري مرتفع ومسموع للجميع

رمقتها المسجونة الأولى – ذات الوجه القبيح – بنظرات إحتقارية قبل أن تقول بسخرية جلية :
-الحجز لم يا نسوان ...!!!

ابتعدت تلك المسجونة عنها ، فتنفست فردوس بإرتياح ، وحاولت أن تتأمل المكان بعينيها المرهقتين ..
فركت هي معصميها ، وبحثت عن بقعة خالية لتجلس عليها على الأرضية الصلبة والباردة ..
ولكنها تسمرت في مكانها حينما رأت من تعرفها متكورة على نفسها ، وتضم ركبتيها إلى صدرها ..
فغرت شفتيها في ذهول ممزوج بالخوف وهي تتشدق ب :
-ت... تهاني ... أختي !!!!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

وصل مهاب إلى المشفى وعلى وجهه علامات الغضب ، ثم سار بخطوات أقرب للركض في اتجاه الغرفة المتواجد بها أوس ، وبنبرة متذمرة صدح ب :
-إزاي كل ده يحصل وأنا معنديش خبر

حاول كبير الجراحين اللحاق به وهو يبرر موقفه ب :
-يا دكتور مهاب ، وقت ما اطمنت على الباشا أوس اتصلت بيك على طول
-ده اسمه تقصير ، يبقى المستشفى بتاعي ، وشوية زبالة يدخلوا فيه عشان خاطر البيه ابني
-حضرتك هو .. هو مقالناش المريضة دي تقربله إيه أصلاً ، بس من شكلها العام عرفت إنها بنت لوكال

كور مهاب قبضة يده في غضب ، ثم صر على أسنانه وهو يتوعد ابنه ب :
-ماشي يا أوس ، ماشي ..!!

دار مهاب من رواق جانبي حتى وصل إلى غرفة التبرع بالدماء ، فأمسك بمقبض الباب وفتحه وهو يصيح ب :
-ممكن تفهمني اللي انت عملته ده إي..آآآ...

لم يكمل مهاب عبارته الأخيرة ، حيث نظر حوله ، فلم يجد أي شخص بالغرفة ، فإنفعل أكثر ، وإلتفت بجسده للخلف وصرخ ب :
-كمان محدش عارف ابني هنا فين

ابتلع كبير الجراحين ريقه في توتر ، ثم عَدَل من وضعية نظارته الطبية ، ونظر إلى مهاب بحذر ، وقال :
-ممكن يكون راح عند المريضة ، هي اتنقلت العناية المركزة من شوية

لم يعقبْ مهاب على تلك العبارة ، وإكتفى فقط بإعطائه نظرات محتقنة ....

بداخل حجز المخفر ،،،،،،

جثت فردوس على ركبتيها أمام أختها ، ثم وضعت كفي يدها على ذراعيها وهزتها برفق وهي تحدثها بتلهف ب :
-تهاني ، سمعاني ، أنا فردوس أختك !

رمقتها تهاني بنظرات فارغة ، وأشاحت بوجهها للجانب ، وظلت تغمغم كعادتها بكلمات مبهمة ..

وضعت فردوس يدها تحت ذقنها لتحرك رأسها في اتجاهها ، ثم نظرت لها بشجن وهي تسألها بتجهم ب :
-كنتي فين يا تهاني ؟ طفشتي على فين ؟؟ وإيه اللي جابك هنا ؟؟

أمسكت تهاني بمعصم أختها ، ثم ألقته بعيداً عنها ، ورمقتها بنظرات حادة ومميتة قبل أن تجيبها ب :
-ماتلمسنيش ، ابعدي عني ، إنتي زيهم ، ايوه .. زيهم .. خدوا مني عيالي ، ورموني .. خدوهم مني .. آآآآه

-ماتنكتموا في يومكم إنتو الاتنين مش عارفين نتنيل نتخمد في أم الحجز ده
قالتها إحدى السجينات بصوت صادح رج جدران المكان ..
فهزت فردوس رأسها في خوف ، وقالت بخفوت :
-حاضر ياختي ، هانسكت خالص أهوو ....!!

ثم سمع الجميع صوت فتح قفل باب الحجز ، ودلف إليه صَولٌ ما ، ثم بلهجة صارمة تشدق ب :
-المسجونة تهاني شحاته .. إنتي يا مسجونة

لم تجبه تهاني بل ظلت قابعة في مكانها ، فنهضت بدلاً منها فردوس وقالت بصوت مرتبك وهي تقترب منه :
-أنا .. أنا أختها ، انت عاوزها في ايه يا شاويش ؟

دفعها الصول بعنف من كتفها ، ثم أمرها ب :
-أقعدي يا مسجونة مكانك ، فين المسجونة تهاني
-هي عملت ايه طيب ؟
تسائلت فردوس بخوف وهي تنظر للخلف في إتجاه أختها ..

اتجه الصول ناحية تهاني ، ثم إنحنى بجسده المترهل للأسفل ، وقبض على ذراعها ، وتعمد أن يغرس أظافره المتسخة فيها ، وبصرامة أمرها ب :
-قومي معايا يا مسجونة

تأوهت تهاني من الآلم ، ونهضت رغماً عنها وهي تصرخ بصوت متحشرج ب :
-آآآه .. أنا معملتش حاجة ، هما اللي خدوا مني كل حاجة ..!

وقفت فردوس إلى جواره ، وحاولت أن تجذب منه أختها وهي تتوسل له ب :
-أخدها فين يا حضرت الصول ؟ هي عملت ايه بس ؟

دفعها الصول من كتفها بقوة وهو ينهرها ب :
-اتلأحي على جمب يا مسجونة
ثم رمقها بنظرات مهينة قبل أن يتابع بنفس النبرة ب :
-قبر يلم العِفِش ...!!

ثم خرج الاثنين من الحجز ، وأوصد الصول بابه مجدداً ، في حين أمسكت فردوس بقبضانه الحديدية ، وصرخت عالياً ب:
-واخدين تهاني على فين ، أنا مصدقت لاقيتها ، عاوزة أعرف منها اللي حصل ، استنى يا شاويش ، استنى ....!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،
في غرفة العناية المركزة ،،،،

وقف أوس قبالة فراش تقى الطبي وهو عاقد لساعديه أمام صدره ، وظل يراقبها في صمت تام ..
آمال رأسه لليسار تارة ، ولليمين تارة أخرى ليتمعن أكثر في ملامحها بعد أن ذبلت كثيراً بسبب ما حدث ..
لقد بدت أقرب للموتى منها للأحياء ، خاصة وأن أنفها يخرج من فتحاته أنابيب للتنفس الإصطناعي ، وكذلك هناك لاصقات طبية لإبرة موصولة برسغها ، بالإضافة إلى ( مشبك ) معلق بإصبعها ليقيس معدل نبضاتها ..

تابع أوس إنتظام حركة تنفسها ، ووزع بصره بين الحين والأخر إليها وإلى الأجهزة الطبية الموضوعة إلى جوارها ..

إرتسم على ثغره ابتسامة ساخرة وهو يتذكر محاولتها اليائسة لقتله ، وحدث نفسه بصوت مسموع ومعاتب ب :
-أنا السبب في اللي حصل ، لو كنت ركزت شوية كنت منعت أمك من إنها تاخدك مني !

ثم صمت للحظة ليأخذ نفساً مطولاً قبل أن يزفره في ضيق ليتابع ب :
-ملحوئة يا تقى ! إنتي بقيتي بتاعتي الوقتي وبس ، حتى أمك معدتش تقدر تمنعك عني ....!

-لأ يا أوس .. أنا اللي هامنعك عنها ، وغصب عنك ..........!!!!!!!!
قالها مهاب بصوت قاتم وجاد للغاية وهو يدلف إلى داخل غرفة العناية المركزة ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الخامس والثلاثون

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

إستدار أوس بظهره للخلف ، وحدج والده بنظرات نارية ، في حين تحرك مهاب في إتجاهه إلى أن وقف قبالة إبنه ، ثم بصوته الآجش تابع بصرامة ب :
-جايبلي واحدة من الشارع تتعالج عندي في المستشفى يا أوس ؟!

لوى أوس فمه في إستهجان ، ثم رفع حاجبه وهو يجيبه ببرود ب :
-ومين قالك إنها من الشارع !

نظر له مهاب بنظرات حادة وهو يسأله بحنق ب :
-أومال هاتكون جايبها منين ؟
ثم لوح بيده بعصبية ، وبنبرة اكثر حدة تابع ب :
-أنا عارف كويس المناظر القذرة دي جاية من فين ..!!!

ابتسم له أوس إبتسامة قاسية ، وعقد ساعديه أمام صدره ، ولم يعقب .. فإغتاظ مهاب أكثر ، وتسائل بنزق ب :
-إنت سامعني ؟ بقولك البت دي بتعمل إيه هنا يا أوس ؟!!!

بنبرة مقتضبة ولكن ذات مغزى أجابه ب :
-تخصني

جحظ مهاب بعينيه أكثر وهو يسأله بشراسة ب :
-يعني ايه ؟

ببرود ونظرات واثقة أردف أوس ب :
-يعني هي تبعي ..!

ضيق مهاب عينيه وهو يتسائل ب :
-تبعك ؟
-أها .. عندك مانع
قالها أوس ببجاحة وهو ينظر في عيني والده دون أن يرمش للحظة

صر مهاب على أسنانه وهو ينطق بحنق يحمل التهكم ب :
- أيوه عندي ، هو ده اللي ناقص يا أوس إنك تجيبلي بنت **** ، لأ وهنا في المستشفى ...!!!!

زم أوس شفتيه في عدم إكتراث ، وتسائل ببرود مستفز ب :
-وإيه الغريب في كده ؟

وضع هو قبضة يده على ذراعه ، وضغط عليه ، ثم تكلم بصوت حانق ب :
-إنت مش في وعيك ، إنت مش عارف بتعمل ايه .!

أبعد أوس يد والده عن ذراعه ، ثم نظر لها دون أن يطرف بعينيه ، وبثقة زائدة أردف ب :
-لأ عارف كويس

ضيق مهاب عينيه الغاضبتين ، وحدج ابنه بقوة ثم أشار بيده ، وبنبرة مميتة هدر ب :
-الأشكال الوسخة اللي زيها مكانها برا ، مش مستشفى محترم زي ده

لوى أوس فمه في سخرية ، ثم أردف متهكماً ب :
-ده على أساس إن المكان هنا طاهر اوي ، ما انا وإنت عارفين اللي فيها

اتسعت عيناه في ذهول ، ثم سأله بتوجس ب :
-قصدك ايه ؟

حدج هو والده بنظرات أكثر قسوة ثم بكل فظاظة نطق ب :
-انت فاهم كويس يا مهاب بيه أنا قصدي ايه

ابتلع مهاب ريقه بصعوبة ، ولكن إرتخى ثغره للأسفل ، ووجد صعوبة في الرد عليه بوضوح :
-هاه ..آآ ..

تابع أوس بثبات باقي حديثه ب :
-ولا تكونش مفكرني نسيت الممرضات والخدامات بتوع زمان ، لأ كله محفور في دماغي ، ولا حاجة راحت في يوم عن بالي ، الماضي الوسخ ...!

نهره هو بصوت مرتفع ب :
-أوس ..!!

-كنت مفكرني عيل عبيط مش فاهم بتعمل ايه في البيت مع المربيات ولا حتى الممرضات
قالها أوس بصوت قاتم وعينيه تنطقان بالشرر ..

هربت الدماء من وجهه ، وبدى كما لو كان شبحاً أمامه ، وخرج صوته متقطعاً ب :
-آآ.. إنت ..آآ

نظر أوس في عيني والده مباشرة وبحدة ، ولم يحيد عنهما وهو يسرد بصوت قاتم :
-أنا في الأول مكنتش فاهم حاجة بس عرفت بعد كده إنت بتعمل ايه ، فمتستغربش لما أكون بأعمل زيك ..

ثم صمت للحظة قبل أن يتابع بسخرية مريرة ب :
-ده حتى المثل بيقول هذا الشبل من ذاك الأسد .. ولا إيه رأيك يا أسد ..!

لم يجد مهاب الكلمات التي يستطيع بها الرد عليه ، وإشتعلت الدماء في عروقه فصاح منفعلاً ب :
-أنا فعلا معرفتش أربيك

ابتسم أوس بطريقة مستفزة قبل أن يرد عليه بوقاحة ب :
-بالظبط ، إنت مربتنيش أصلا ، لأن أنا تربية ممدوح صاحبك وناريمان هانم مراتك

أخفض مهاب نبرة صوته في حزن زائف وهو يقول :
-مكونتش أتخيل إن في يوم إبني يطلع بالشكل ده آآ......

قاطعه أوس بتهكم صريح ب :
-لأ بلاش تتعب نفسك وتتخيل ، لأن أنا نسخة منك ..

ثم صمت لثانية قبل أن ينطق وهو يضغط على كل كلمة ب :
-بس على أسوأ ...!

وارتسم على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يتعمد النطق بتهكم ب :
-فمستغربش من تصرفاتي يا .. يا بابا

لم يجد مهاب أي جدوى من الحديث مع إبنه ، لذا استدار في مواجهته ، وحدجه بنظرات محتقنة ، ثم أشار له بإصبعه محذراً ب :
-قسماً بالله يا أوس لو فكرت تجيب الزبالة دي على القصر ل آآ...

ابتعد أوس عن والده وهو يتحدث ، ووقف إلى جوار فراش تقى ، ومد إصبعيه ليتلمس جبينها ، ثم إلتفت برأسه نصف إلتفاتة ، وبصوت واثق قاطعه ب :
-متخافش ، أنا مش للدرجادي وسخ .. اللي يخصني بأخده على مكان تبعي

زم مهاب شفتيه ، ونظر إلى ابنه بإحتقار ، ثم سار مبتعداً عنه في اتجاه باب الغرفة ، وأمسك بالمقبض ، وقبل أن يخرج منها ، التفت له ورمقه بنظرات نارية وهو يهينه ب :
-إنت بقيت تقرف

لوى أوس فمه في إمتعاض ، وبكل إستفزاز تشدق ب :
-مجبتوش من برا يعني ، ماهو البركة فيك ..!!

غمغم أبيه بضيق قبل أن يرحل تماماً من الغرفة ووجهه محتقن من الحنق وبدى صوته منفعلاً وهو يتحدث بالخارج ...

جذب أوس المقعد وألصقه بالقرب من فراش تقى، ثم جلس عليه، ومال بجسده للأمام، ومد كف يده ومسح على جبين تقى بعد أن أزاح خصلات شعرها المتمردة، ونظر لها مطولاً ، ثم أردف بنبرة متشنجة ب :
-مش بالساهل إني أسيبك ..!

حركت تقى رأسها ببطء ، ومالت بها ناحيته ، فوضع راحة يده على وجنتها ، وتلمس بشرتها الشاحبة ، وأخفض رأسه للأسفل ليقترب من أذنها ، ثم همس لها بصوت عميق ب :
-إنتي ليا وبس يا تقى

شعر هو بتأثير أنفاسه الساخنة على تعابير وجهها الشاحب الذي تشنج قليلاً ، فأرجع رأسه للوراء ، وظل يراقبها في صمت تام ...

في إحدى دور الرعاية الخاصة بالمسنين ،،،،

أودعت هياتم تهاني بتلك الدار الراقية ، وأوصت المشرفات بها برعايتها ، ثم أشارت لإحداهن بيدها محذرة ب :
-ناريمان هانم بنفسها هي اللي موصية الحالة دي ، فمش عاوزة أي تأخير عنها

هزت المشرفة رأسها بهدوء ، ثم قالت بثقة :
-اطمني يا مدام هياتم ، دي مش أول مرة نتعامل مع حالة بالشكل ده
-تمام .. ولو في أي جديد بلغوني ، وانا يوم بعد يوم هاجي هنا وهتابعكم
-حاضر يا مدام

تنحنحت هياتم قليلاً ، ثم بنبرة صوت ثابتة تابعت ب :
-وأنا حطيت في الحساب بتاعها فلوس عشان لو حبت تشتري أي حاجة
-أوكي .. متقلقيش عليها

أشارت هي بيدها قبل أن تستدير للخلف وبصوت شبه جاد أردفت ب :
-مش هوصيكم بقى ، دي مهمة جدا بالنسبالي
-متقلقيش

وبالفعل انصرفت هياتم من دار الرعاية بعد أن تأكدت من توافر كل شيء من أجل تهاني ...

في شاليه ما بالساحل الشمالي ،،،

أغلق ممدوح حقيبة سفره بعد أن تأكد من وجود جميع متعلقاته الشخصية بالداخل ، ثم أمسك بجواز سفره ، ونظر إلى التأشيرة الموضعة بداخله ، ومن ثم أغلقه ، وأسنده على طرف الفراش قبل أن يجلس عليه ليعقد رباط حذائه ، ثم إعتدل في جلسته ، وحدق مباشرة أمامه وهو يردف بحنق ب :
-معدتش ليها لازمة الأعدة في السعودية ، أنا هاسافر أنهي كل حاجة هناك وراجع تاني أشوف الوضع هايكون إزاي هنا .. !

ثم نهض عن الفراش ، وأمسك بالمقبض المعدني للحقيبة بعد أن وضع الجواز في جيب قميصه ذي اللون السماوي ، ثم أنزل نظارته الشمسية على عينيه ، و إنصرف من الشاليه حيث السيارة التي تنتظره لتقله إلى المطار ...

في قصر عائلة الجندي ،،،،

قرع جرس الباب ، فسارت المدبرة عفاف بخطوات ثابتة نحوه لتفتحه ، فوجدت سامي الجندي يندفع بعنف للداخل وهو يهدر عالياً ب :
-فين مهاب ؟
ثم وقف في منتصف الردهة وظل يجوب المكان ببصره وهو في حالة هياج واضحة ..

أسرعت عفاف خلفه ، وبصوت هاديء أردفت ب :
-سامي باشا ، إتفضل حضرتك في الصالون ، مهاب باشا مش موجود

انفجر فيها بصوت جهوري ب:
-أه طبعاً ، وهايكون موجود إزاي وابنه طايح فينا ومش هامه أي حاجة

ارتعدت عفاف قليلاً من طريقته ، وحاولت أن تحافظ على هدوئها ، وتابعت ب :
-من فضلك ، إهدى بس وآآ...

قاطعها هو بنبرة صوت غاضبة وهو يشيح بكلتا يديه ب :
-أنا مش هامشي من هنا إلا لما مهاب يجي ويشوفلي حل

هزت هي رأسها موافقة ، ثم بنبرة متريثة نطقت ب :
-طيب .. اتفضل ، وأنا لحظة وهابلغه على الموبايل بتاعه

في نفس التوقيت نزلت ناريمان على الدرج ، وتسائلت بصوت عالي وبنبرة منزعجة ب :
-عفاف ، عفاف .. مين جه وبيزعق كده ؟!

سارت المدبرة عفاف بخطوات أقرب للركض في اتجاه الدرج ، ثم نظرت في اتجاه ناريمان ، ومن ثم نطقت ب :
-ده سامي باشا أخو مهاب باشا

لوت هي شفتيها في تأفف حينما سمعت إسمه ، ثم أشارت بعينيها لها وهي تقول بتزمت :
-أها ، طب روحي إنتي كملي اللي وراكي
-حاضر يا هانم

تحركت ناريمان بهدوء في إتجاه الصالون ، فنهض سامي لمصافحتها ، ثم أشارت له ليجلس ، وإبتسمت له إبتسامة مصطنعة قبل أن تنطق بنبرة ناعمة ب :
-أهلا سامي ، نورت القصر
-لا أهلا ولا سهلاً يا ناريمان ، ينفع اللي ابنك عمله ده

تنهدت هي في إنزعاج ، ثم مطت شفتيها للأمام وهي تتسائل بعدم إكتراث ب :
-ماله ؟
-يرضيكي إنه يلغي التعاقد معايا ، ويروح للشركة الأصلية ويسحب التوكيل لنفسه ويخسرني ملايين
-ممممم..
-أومال لو مكونتش أنا عمه ومن لحمه ودمه كان عمل فيا إيه

وضعت ناريمان ساقاً فوق الأخرى بعد أن أرجعت ظهرها للخلف ، ثم نظرت إليه بنظرات غير مبالية وهي تردف ب :
-شوف يا سامي أي حاجة تخص أوس وشغله إتكلم معاه فيها ، إنت عارف كويس إن أنا ماليش كلمة عليه ، ومش بأتدخل في اللي بيخصه

هدر هو بها بإنفعال ب :
-بس إنتي أمه
-يوووه بلاش الكلمة دي بقى ، أنا مش أمه ، مش أمه ، خلاص
قالتها ناريمان بعصبية زائدة بعد أن نهضتمن على الأريكة .. ثم انصرفت غاضبة وهي تغمغم بكلمات بذيئة

تعجب سامي من ردة فعلها المبالغ فيها تجاه أوس ، ثم كور قبضته في حنق ، وقال :
-ماشي ، أنا برضوه مش هاسكت وهاتصرف ...!!

ثم إنصرف بخطوات سريعة نحو باب القصر ، وصفعه بعنف بعد أن خرج منه .....
راقبت المدبرة عفاف ما يحدث بإستغراب ، ثم مطت فمها للجانبين ، حدثت نفسها ب :
-لا حول ولا قوة إلا بالله .. محدش مرتاح في حياته ، ربنا يسترها في الأيام الجاية...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السادس والثلاثون

كانت الأيام تمر ثقيلة على أوس الذي ظل ملازماً لتقى في المشفى ، فهو لم يتركها للحظة واحدة .. بل كان يتابع بإهتمام مبالغ فيه كل صغيرة تخصها .. ورغم هذا كانت حالتها الصحية إلى حد كبير ثابتة ..
ولم يغفل أي طبيب عن دوره معها .. وكان بين الحين والأخر يعود للقصر ليبدل ملابسه ، ثم يرجع إليها مرة أخرى ..
كما أمر رئيس طاقم التمريض أن يحضر له فراشاً أخراً ، ويضعه في نفس الغرفة ليكون دائماً بجوارها ..
وبالفعل امتثل هو له وأحضر الفراش ، وأسنده بجوار الجدار وعلى مقربة من فراشها ..
ولم يغادر هو غرفة العناية إلا عند الضرورة القصوى ..

كما تناثرت الأقاويل عن وجود علاقة خفية بين أوس الجندي وتلك الفتاة الغريبة بين العاملين بالمشفى ، ولكن لم يجرؤ أحد على التحدث جهاراً عنهما ..
في حين تجاهل مهاب التعامل مباشرة مع إبنه أو حتى الإحتكاك به ، وفضل أن يتجنبه حتى لا ينبش في ذكريات الماضي التي جاهد ليبقيها في طي الكتمان ..

وفي صباح يوم ما ، توقفت سيارة الشرطة أمام مدخل المشفى ، وترجل منها عدد من رجال المباحث الجنائية ، ودلفوا إلى الاستقبال ، ثم بنبرة صارمة تسائل أحدهم ب :
-تقى عوض الله موجودة في اوضة كام ؟

رمقهم الموظف بنظرات شبه مضطربة قبل أن يجيبهم بتردد ب :
-مين حضراتكم ؟
-مباحث
قالها أحدهم بجدية شديدة وهو يتفحصه من رأسه لأخمص قدميه

ابتلع الموظف ريقه ، ثم نظر إليهم بتوجس قبل أن يجيبهم بحذر ب :
-بس هي في العناية والزيارة ممنوعة عنها بأوامر من الدكتور وآآ..
-احنا اللي هانشوفها ونقرر
-بس آآ...

حدجه الضابط بصرامة قبل أن يقاطعه بغلظة ب :
-فين مكانها ؟
-هي في الدور التالت غرفة 307
-يالا يا رجالة

قالها أحدهم وهو يتحرك بخطوات ثابتة في اتجاه المصعد الموجود في نهاية الردهة الواسعة ، ولحق به البقية ...

في نفس التوقيت إنتهى عُدي هو الأخر من إكمال الأوراق والعقود الخاصة بالتوكيل الإيطالي ، وقرر العودة إلى القاهرة لمباشرة أعمال المجموعة ..

كاد أن يجن بسبب تجاهل أوس لإتصالاته المتكررة على مدار الأيام السابقة وحتى لرسائله .. فلجأ إلى والده ليعرف منه السبب ، ولم يستغرب حينما أدرك أن وراء ما حدث ( تقى ) ..
طلب مهاب منه بنبرة أبوية راجية أن :
-خليه يرجع عن اللي في دماغه يا عدي ، إنت صاحبه ، وهو أكيد هايسمع كلامك
-ولو إني معتقدش إن أوس بيسمع كلام حد

تحدث مهاب بإصرار ب :
-معلش حاول معاه

لوى هو فمه في عدم اقتناع وهو يجيبه ب :
-طيب ...

حاول عدي قدر الإمكان أن ينتهي من كل شيء بما يتناسب مع المصلحة العامة لهم ، ومن ثم العودة للقاهرة ..
جمع هو متعلقاته الخاصة في حقيبة سفره ، واتجه للمطار ، وإنتهى من إجراءات السفر ، ثم صعد على متن الطائرة ، وحدث نفسه ب :
-أنا من الأول كنت حاسس إن موضوع البت دي مش هايعدي على خير ، لازم أتصرف قبل ما يتورط أكتر من كده معاها ...!!!

أرجع هو ظهره للخلف ، وأحكم ربط حزام الآمان ، ثم أغمض عينيه ليغفو قليلاً ريثما تصل الطائرة للمطار ..

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

خرج رجال المباحث الجنائية من المصعد ، وتوجهوا ناحية غرفة العناية المركزة الخاصة بتقى ..
كان معظم المتواجدون بالطابق ينظرون إليهم بفضول شديد .. وخمن معظمهم أن لوجودهم علاقة بالفتاة الغامضة ..

اقتربوا هم من الغرفة فلمحهم أوس من خلف الجدار الزجاجي ، فنهض من على المقعد ، وولج للخارج ، ووقف بجسده الضخم يعترض طريقهم ، ثم رمقهم بنظرات متفحصة وهو يسألهم ب :
-انتو مين ؟ وعاوزين ايه ؟!

رمقه أحدهم بنظرات مهينة قبل أن يجيبه بإستخفاف ب :
-والبيه بقى مين ؟ حارس الأوضة

إحتقن وجه أوس سريعاً بدمائه الغاضبة ، وكور قبضته في ضيق جلي ، قبل أن يحذره بإنفعال ب :
-اتكلم كويس معايا ، وإلا قسما بالله أفرمك
-تفرم مين ، إنت بتتكلم مع مباحث مش مجرم !!!!

حدجه أوس بنظرات قاتله وهو يصيح بعصبية وتهور ب :
-حتى لو كنت مدير الأمن شخصياً

وقف الضابط أمامه ، وحدجه بنظرات شرسة وهو ينطق بغل ب :
-باين عليك عاوز تتأدب

تجمع العاملون بالمشفى – من أطباء وممرضين - على إثر الصوت العالي ، ومن ضمنهم كبير الجراحين ، وكذلك رئيس طاقم التمريض ، وتدخلوا فوراً للحول دون تطور الوضع ..
أشار كبير الجراحين بيده لأوس ، وبنبرة هادئة تشدق ب :
-اتفضل يا أوس باشا جوا الأوضة ، وأنا هاتصرف

ضيق هو عينيه ، وأمره بصوت متصلب وهو يصر على أسنانه ب :
-دقيقة واحدة وماشوفش أي حد هنا ، فاهم

هز كبير الجراحين رأسه موافقاً وهو يقول :
-حاضر

استشاط الضابط غضباً مما يحدث، وبادر بإنفعال ب :
-إنت أد اللي بتقوله ده !!!

لم يجبه أوس ، بل حدجه بنظرات مميتة ومهينة قبل أن يدلف للغرفة ، ويصفق الباب بقوة خلفه .. ثم أسدل الستائر ليحجب عنهم الرؤية

صدرت همهمات غاضبة بين رجال المباحث ، وكانوا على وشك التصرف بصرامة ، ولكن ...
-إحم .. خير يا حضرات ، في ايه ؟
قالها كبير الجراحين بصوت شبه متوتر وهو يراقب الجميع بخوف

إلتفت إليه الضابط ورمقه بنظرات إستهجان قبل أن يجبيه بحنق ب :
-وإنت مين إنت كمان ؟
-أنا مدير المستشفى

لوى الضابط فمه في استنكار ، ثم تسائل ساخراً ب :
-أها .. اهلا ، وده مين اللي فارد عضلاته علينا

تجشأ كبير الجراحين وهو ينطق بخفوت ب :
-إحم .. ده أوس باشا الجندي ، ابن صاحب المشفى

-طب بص بقى يا دكتور ، إحنا هنا جايين في مهمة رسمية مش جايين نلعب ، وعاوزين نحقق مع المجني عليها تقى عوض الله !
قالها ضابط أخر بصوت رخيم وهو ينظر لكبير الجراحين بنظرات ثابتة ..

-للأسف مش هاينفع ، حالتها ماتسمحش إنه يتم استجوابها الوقتي
-وإمتى حالتها تسمح
-والله على حسب ، هي حالياً زي ما حضرتك شايف في العناية المركزة !

مط الضابط فمه للأمام ، ونظر حوله بتمعن :
-مممم .. لأ واضح
-طيب يا دكتور ، إحنا عاوزينك نبلغنا وقت ما تفوق
-طبعاً اكيد
-ونصيحة مني تقول للبيه اللي جوا يتعدل أحسنله بدل ما احنا نعدله على طريقتنا
قالها الضابط محذراً قبل أن يتركه وينصرف مبتعداً هو و من معه ...

راقبهم كبير الجراحين إلى أن إبتعدوا عن ناظريه ، فلوى فمه في تهكم وهو يقول :
-هو حد يقدر عليه أصلاً ..!!!!

في مطار القاهرة الدولي ،،،،

خرج عُدي من بوابة المطار الرئيسية ، وهو يجر حقيبة سفره ، ثم وضع نظارته القاتمة على عينيه ، ونظر حولها بتمعن ، ثم حدث نفسه بصوت مسموع ب :
-أومال فين العربية ؟ ده أنا لسه مكلم السواق وقالي واقف هنا ، أووف ..!

رأى عدي السيارة مصطفة في الخلف ، والسائق يترجل منها ويركض في اتجاهه وهو يصيح ب :
-عُدي باشا ، أنا أسف .. الشوارع زحمة وآآ..

أشار هو له بيده لكي يصمت ، وبصوت هاديء أردف ب:
-خلاص بلاش رغي ، إطلع على الشركة
-حضرتك مش هاترجع الفيلا ؟
-لأ .. عندي حاجات مهمة عاوز أشوفها الأول في الشركة قبل ما أرجع البيت
-ماشي يا باشا

ثم أمسك السائق بحقيبة السفر وجرها ناحية السيارة ووضعها في الصندوق الخلفي ، في حين ركب عدي في المقعد الخلفي ، وبدأ يعيد تشغيل هاتفه المحمول ، ثم وضعه على أذنه ، وزم فمه ، وحدث نفسه بنفاذ صبر ب :
-برضوه مش بيرد ، ماشي يا أوس ، هاخلص الورق اللي عاوز توقيع وجايلك ....!!!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،
في غرفة العناية المركزة ،،،،،

تحركت تقى قليلاً في الفراش ، وفتحت عينيها إلى حد ما ، ورمشت لعدة مرات محاولة تجنب الإضاءة الشديدة التي تزعجهما ، ثم أغمضتهما مجدداً .. وكادت أن تستسلم للنوم وتغفو ، ولكن صوت ما تآلفه اخترق آذانها ، فجعل حواسها تنتبه بدرجة ما .. ورغم هذا لم تفتح عينيها ..
سمعت هذا الصوت المألوف يهمس لها بخفوت ب :
-انتي موجودة معايا وبس

جاهدت لتفتح عينيها الثقيلتين ، ونظرت حيث مصدر الصوت ولكن كانت الرؤية ضبابية ..
تنهدت هي في تعب ، وأخذت نفساً عميقاً ، وزفرته على مهل ..
ثم شعرت بأصابع ما على جبينها تمسح عليه ، فتشنج وجهها وتوترت .. ورفعت عينيها المرهقتين للأعلى ورمشت لعدة مرات حتى تتمكن من الرؤية بوضوح ..

لمحت هي طيف شخص ما يقف على مقربة شديدة منها ، فحاولت أن تتبين ملامحه أكثر ، فضيقت عينيها ، وعبست بقسمات وجهها ..
جابت هي بمقلتيها صدره العريض أولاً ثم إرتفعت بهما نحو عنقه ، ومن ثم ذقنه ، ونظرت بإندهاش إلى فمه فرأت هي إبتسامة واثقة على ثغره ، فإزدادت حيرة ..
اقترب أوس منها بهدوء حتى تتمكن من رؤيته بوضوح ، وبصوت آجش أردف ب :
-بقالك كتير نايمة

اتسعت عينيها في صدمة ممزوجة بالرعب حينما تأكدت من ظنونها ، وإنفرجت شفتيها ، وجاهدت لتجد الكلمات ولكنها كانت عاجزة عن النطق
غمغمت هي بذعر ب :
-أنا ..آآ.. أنا بأحلم
-لأ يا تقى .. مش بتحلمي !
قالها أوس بغرور ، فإزداد الرعب في قلبها ، و ابتلعت ريقها في توجس شديد .. وإنتفضت كل ذرة في كيانها ...
فتفرس هو في ملامحها المذعورة ، وأمسك بكف يدها المرتعش وقبض عليه أكثر .. ومال برأسه ناحيتها لينظر بعينيه القاسيتين مباشرة في عينيها ، ثم بصوت خافت وثقيل أردف ب :
-وهاتفضلي على طول معايا ..!

حاولت أن تسحب يدها من كفه وهي تنظر إليه برعب ، ولكن لم يكن بها ما يكفي من القوة لتفعل هذا ..
-آآ.. هاه

ابتعد هو عنها وترك كفها ، واعتدل في وقفته ، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله .. ونظر لها بثقة وهو يسألها ب :
-فاكرة اللي حصلك ولا لأ ؟

حدقت هي فيه بخوف ، وتسائلت ب :
-هاه ، ح.. حصلي ؟

أخذ نفساً مطولاً ، وزفره بتمهل شديد ، ثم بنبرة شامتة بادر ب :
-أمك كانت عاوزة تقتلك ، عاوزة تخلص منك ، بس أنا لحقت وجبتك على هنا ..
ثم صمت لثانية ليتفحص رد فعلها المذعور ، ثم تابع بغطرسة ب :
-المستشفى هنا بتاعتنا ، وعلى فكرة دمي بيجري في دمك
-د.. دمك !!
-أيوه .. ماهو احنا طلعنا زي بعض !

اقترب أوس منها ، وجلس على المقعد ووضع ساقاً فوق الأخرى بعد أن أراح ظهره للخلف ، ثم عقد ساعديه أمام صدره ، ورمقها بنظرات دقيقة ، وأردف ب :
-بس أمك خدمتني في اللي هي عملته معاكي ، خلت الطريق سالك !
-ماما .. هي .. انت عملت فيها ايه ؟
-مش أنا اللي عملت ، هي اللي عملت في نفسها
-هاه
-شوفي من الأخر كده انسي إن ليكي أم ، لأن هي هاتتعفن في السجن
-لأ .. أمي !
-والمرادي محدش هايقدر يطلعها من البلوى اللي عملتها

تأوهت تقى من الآلم حينما حاولت النهوض فجأة من على فراشها ، ووضعت يدها على مكان الجرح ، ونطقت بتشنج :
-آآآه .. وأنا مش ه.. هاسيب أمي

أنزل ساقيه ، ومال بجذعه للأمام وهو جالس على المقعد ، ثم رمقها بنظرات جامدة قبل أن ينطق بعنجهية ب :
-تؤ .. مش هتعرفي ! أنا هارتب كل حاجة عشان آآ..

قاطعته تقى بصوت غاضب وهي تهدر فيه بإنفعال ب :
-إنت ايه .. خربت بيتي وضيعتنا .. عاوز ايه تاني ؟ ابعد بقى عننا .. آآآه

عضت هي على شفتيها من الآلم ، وأغمضت عينيها لتقاوم تلك العبرات التي تسللت إلى مقلتيها ...
أمسك أوس بمعصمها فإنتفضت هي فزعاً ، وفتحت عينيها ، وتلوت به لتحرره ، ولكنه أحكم قبضته عليه ، وحدجها بنظرات مخيفة ، ثم تحدث وهو يضغط على أسنانه ب :
-أنا عاوزك إنتي ، مهما عملتي مش هاسيبك للحظة ...!!

في بناية ما حديثة الطراز بمنطقة مصر الجديدة ،،،

وضع ممدوح المفتاح الذي بحوزته في مقبض الباب ، ثم فتحه ، ودلف إلى داخل منزله .. ثم تحسس بكف يده - في الظلام الدامس الذي يسود المكان - الجدار المجاور للباب ليضغط على مفتاح الإنارة ، حتى يتمكن من الرؤية بوضوح ..
لحق به حارس البناية وهو يحمل حقائب سفره ، ثم أسندها في الصالة ، واستدار ليواجه ممدوح ، ورسم على وجهه ابتسامة بلهاء وهو يتجشأ ب:
-نورت مصر يا ممدوح بيه ، هتطول في الزيارة المرادي ولا آآ...

قاطعه ممدوح بصوت جاد ب :
-لأ خلاص ، أنا مش هسافر تاني ، أنا نويت أستقر هنا
-بجد يا سعات البيه ، ده البلد هتنور بيك

أخرج هو حفنة من النقود من جيبه ، ثم مد يده بها ناحية الحارس الذي اندفع واللعاب يسيل من فمه نحوه ، وأخذ النقود ودسها في جيبه ، ثم قال بهدوء
-شكراً .. يالا خد الباب في ايدك

ابتسم الحارس في سعادة واضحة وهي يجيبه بتلهف ب :
-حاضر يا بيه

تأمل ممدوح صالة منزله وجاب ببصره الأثاث الذي كان غالبيته مغطى بالشراشف البيضاء ..
ثم تنهد في إنهاك وقال بهدوء يحمل الوعيد :
-معدتش ورايا حاجة إلا إنت وعيلتك بس يا مهاب ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السابع والثلاثون

في قصر عائلة الجندي ،،،،

رفضت ليان أن يُقام أي حفل للاحتفال بيوم مولدها الذي إعتادت ناريمان إقامته في أبهى صوره بالإضافة إلى نشره في المجلات التي تهتم بسيدات المجتمع الراقي وأخبار المشاهير ..
ولم تتجادل ناريمان كثيراً معها ، فهي الأخرى لم تكنْ في حال جيدة .. فتسارع الأحداث وتعقدها جعلها غير مهيأة نفسياً لمواجهة أي أحد ، أو حتى للإجابة عن تساؤلات البعض .. لذا فضلت الخيار الأخير إلغاء الحفل تماماً ..

كما كانت الاثنتين تتجنبان اللقاء أو الجلوس معاً على قدر الإمكان ، ف ( ليان ) تشمئز من حالها ومما إرتكبته في حق نفسها وكيفية التفريط في شرفها دون مجهود يذكر بعد الوقوع فيما يسمى بفخ الحب ..
في حين إكتفت ( ناريمان ) بتمضية وقتها ما بين الجلوس في حديقة القصر ، أو بمفردها في صالة الألعاب الملحقة بالنادي .. ولم تردْ على غالبية اتصالات رفيقاتها أو حتى عضوات الجمعية .. وبررت هذا بإنشغالها بأحوال ابنتها ..

كذلك لم يعبأ أوس بما يحدث مع كلتاهما ، وكان يعرج على القصر فقط ليستحم ويغير ملابسه .. فنادراً ما كان يجلس مع أي منهما .. أو حتى يستفسر عن أحوال من يقطن بالقصر .. والجميع متعجب من التغيير - الغير مقنع - في طباعه الصارمة ، والتي تحولت إلى اللامبالاة الشديدة
أما مهاب فكان وجهه كفيلاً بالتعبير عما يجول في نفسه ، فهو دائم العبوس والتجهم ..
يهرب من قضاء وقته مع زوجته ناريمان ، ويحاول قدر الإمكان إلهاء نفسه في العمل ...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب :

وصل عدي إلى مقر الشركة ، وقابل معظم الموطفين بإبتسامة هادئة ، ثم عرج إلى مكتبه ، وجلس على مقعده ، وأرجع ظهره للخلف ، ثم أغمض عينيه ، وتنهد في إرتياح ، ثم أردف ب :
-ياه ، أخيراً الواحد رجع شغله تاني

فتح عينيه ، ثم اعتدل في جلسته ، ومد يده ليمسك بسماعة الهاتف الأرضي ، وضغط على زر ما به ، وتحدث بصوت آمر ب :
-تعاليلي بالبوسطة المتأخرة كلها ، والملفات اللي عاوزة مراجعة وتوقيع .. ممممم.. أيوه .. تمام ..!

ثم وضع السماعة في مكانها ، وعبث بمحتويات مكتبه ..
وما هي إلا لحظات حتى دلفت السكرتيرة إلى الداخل وهي تحمل في يدها مجموعة من الملفات والأوراق ..

ابتسمت السكرتيرة ابتسامة رقيقة وهي تمد يدها بالأوراق ناحيته ..
-تمام ، هاتيلي مواعيد النهاردة
-حاضر يا فندم

كانت السكرتيرة على وشك الانصراف تماماً من المكتب حينما تذكرت أمر المظروف البريدي الخاص بأوس ، فإستدارت بجسدها نصف استدارة ، وأردفت ب :
-كان في ظرف جه لأوس باشا بقاله فترة بس هو مجاش الشركة يستلمه وآآ..

ضيق عدي عينيه ، وتسائل بفضول ب :
-ظرف ايه ده ؟
-مش عارفة ، بس في حد سلمه في الريسبشن تحت ، وقال إنه خاص بأوس باشا

تملكه الفضول ليعرف ما الذي يوجد بالطرد ، فأمرها بتلهف ب :
-طب هاتيه بسرعة
-بس آآ..
-من غير بس ، مش يمكن شغل متعطل ولا حاجة ، وأنا هنا مكان الباشا أوس .. يالا ، مش هاعيد وأزيد في كلامي كتير ..!

هزت السكرتيرة رأسها موافقة ، ورسمت على وجهها ابتسامة سخيفة ونطقت ب :
-حاضر يا عدي باشا

بعد دقائق قليلة ، عادت السكرتيرة إلى المكتب ، وأسندت المظروف على سطح المكتب ، ومن ثم إنصرفت في هدوء ، وأغلقت الباب خلفها ..

أمسك عدي بالمظروف ، وقلبه بأصابع يده ، وظل ينظر إليه بفضول وهو يتسأل نفسه بحيرة ب :
-في ايه الظرف ده ؟!

فتح هو المظروف من الجانب ، وأفرغ محتوياته ، ونظر في البداية إلى الصور الفوتغرافية بعدم اكتراث ، وحدث نفسه عالياً ب :
-إيه الصور دي ؟

أمعن هو النظر جيداً في معظم الصور التي كانت تحتوي على مناظر عارية ل ( ليان ) ، واتسعت مقلتيه في ذهول ممزوج بالصدمة ، وقلب صورة تلو الأخرى وهو يحدث نفسه بتلعثم ب :
-دي آآ... دي ليان .. أخت أوس .. مش ممكن

نهض عن مقعده ، ودفعه بقدمه للخلف ، وأعاد النظر - بتفحص أكثر -في الصور مجدداً ، وتأكد من هويتها ، فهو يعرفها جيداً ، فإحتقن وجهه من الضيق ، وتشنج ب :
-إزاي تعمل كده ، إزاي ؟! ده لو أوس شم خبر ولا عرف مش .. مش بعيد إنه آآ.. لألأ .. استحالة الصور دي توصل لأوس ...!!!
ثم قام بجمعهم ودسهم في المظروف ، واندفع راكضاً إلى خارج المكتب ..

نهضت السكرتيرة عن مقعدها حينما رأته يخرج ولمحت تعابيره المنزعجة ، فأسرعت خلفه وتسائلت ب :
-عدي باشا ، حضرتك رايح فين ؟ يا عدي باشا !!

لم يجبها هو ، بل إنطلق في اتجاه المصعد وضغط على زره بعصبية ، ثم طرق على الباب المعدني بقبضته المتكورة ، وصاح غاضباً ب :
-فين أم الأسانسير !!

إنفتح الباب المعدني ، فإندفع بسرعة داخله ، ورمق السكرتيرة بنظرات حادة قبل أن ينغلق الباب عليه ....

في مشفى الجندي الخاص ،،،

أرخى أوس قبضة يده عن تقى ، ثم نهض عن المقعد ، وتجول أمامها في الغرفة بثقة وغرور ، وتابعته هي بنظراتها المذعورة ..
صرت تقى على أسنانها في حنق ، وعاتبت نفسها بصوت هامس ب :
-أنا ايه بس اللي وقعني في سكته ، عملت ايه غلط في حياتي عشان ربنا يبليني بالمصيبة دي

راقبها هو بحذر من طرف عينه ، ولاحظ تحديقها به ، فإلتوى فمه في غرور أكثر ، ثم بنبرة متغطرسة أردف ب :
-بتفكري فيا .. صح ؟

ضيقت هي عينيها في غيظ ، وبصوت مغلول أجابته ب :
-راحمني بقى ، سبني في حالي

في نفس التوقيت دلفت ممرضة ما إلى داخل غرفة العناية وهي تحمل في يدها صينية صغيرة بها أطباق صغيرة بلاستيكية مغلفة ، وترسم على وجهها إبتسامة زائفة .. وبنبرة هادئة بدأت حديثها ب :
-ميعاد الأكل بتاعك يا آنسة
-هاتيه
قالها أوس بصوت آمر وهو يشير للممرضة بعينيه الصارمتين ، فنظرت هي له بتوجس ، ومدت يدها بها إليه ، وقالت بتردد :
-بس أنا هنا .. آآ.. عشان آآ..

حدجها هو بنظرات أكثر حدة ، ثم بصوت جاد آمرها مجدداً ب :
-امشي برا .. يالا

هزت الممرضة رأسها موافقة ، ثم سارت في اتجاه باب الغرفة بخطوات متعثرة ، وأغلقت الباب خلفها

اقترب أوس من تقى وهو يحمل الصينية ، ثم أسندها على الطاولة الملتصقة بفراشها .. وأزال الأغلفة من على الصحون البلاستيكية ، وغرس الملعقة في الأرز الساخن ، ثم قربها من فم تقى ، وبصوت رخيم أمرها ب :
-افتحي بؤك

باغته هي بدفع يده بعيداً عن فمها ، فتناثر الأرز على الملاءة وكذلك على كف يده ..
لم تتغير تعابير وجهه على ردة فعلها المنفعلة تلك ، بل على العكس تماماً تحدث ببرود :
-طب كلي عشان تعرفي تقاوميني كويس ..!

تشنجت تقى وهي تهدر بصوت مبحوح ب :
-إنت ايه يا أخي ، ابعد عني بقى ، خليني أعيش حياتي ، وأصلح اللي انت بوظته

مال أوس بجذعه على الفراش ، فتراجعت هي في ذعر للخلف ، فحاصرها بذراعيه ، وشعر بإرتجافتها الشديدة منه ، فابتسم ابتسامة شيطانية ، ورمقها بنظراته القوية ، وبصوت جاد حدثها ب :
-مش هتعرفي مهما عملتي ، لأني مش هاسيبك تبعدي عني لحظة إلا لما آآآ..

ثم صمت ولم يكمل عبارته ، وغمز لها بعينه اليسرى في لؤم ، ففهمت هي المغزى من نظراته الغير بريئة ، فإحتقن وجهها سريعاً ، وضاقت عينيها ، وحدجته بنظراتها الساخطة ، وهدرت فيه ب :
-إنت حيوان مش بني آدم حتى ...!

صر هو على أسنانه وهو ينطق بعنجهية ب :
-بالظبط .. والحيوان ده هايفضل ملازمك لحد ما يزهق منك ويرميكي !

ثم اقترب برأسه أكثر منها ، فأبعدت وجهها للجانب لتتجنب لهيب أنفاسه التي تخنقها ، وأغمضت عينيها في خوف ، وإزدادت إرتجافة جسدها ، فهمس هو في أذنها ب :
-وإنتي بإيدك تخلصي نفسك وتخلصي أمك من حبل المشنقة

فتحت هي عينيها فجأة وإستدارت برأسها ناحيته ، لتنظر إليه مباشرة في ذهول ..
-هاه .. ح.. حبل المشنقة !!!!
-ايوه .. والمباحث منتظرة مكالمة مني عشان ينهوا كل حاجة
-ايه !!

كانت المسافة بين نظراتهما قصيرة للغاية ..
فإستطاعت أن ترى بوضوح بريق عينيه ، ورأت نيران الحقد تبرز من خلالهما ، وإزدادت يقيناً أنها وقعت بين براثن ذئب لا يرحم ....

إتسعت إبتسامته المغترة على ثغره ، وتمعن هو فيها بنظرات مطولة .. ثم تابع ببرود قاسي ب :
-ايوه .. دي جريمة قتل ، وأنا أقدر أخلي أمك في لحظة تكون متعلقة على حبل المشنقة ، أو أطلعها براءة ..!

-ب...براءة
قالتها هي بصوت متلعثم وهي تنظر إليه دون أن تطرف بعينيها للحظة ..
-أها .. وزي ما قولتلك إنتي اللي بإيدك تختاري

توترت نظراتها ، وسألته بحيرة وتوجس ب :
-قصدك إيه ؟

مط هو شفتيه للأمام ، وتراجع للخلف ليجلس مجدداً على المقعد ، ثم وضع ساقاً فوق الأخرى ، واخذ يهزها بحركة ثابتة قبل أن يكمل بقسوة :
-تسلميلي نفسك يا تقى ، وانا هاطلع أمك من قضية القتل زي الشعرة من العجينة .....!!!!

....................................

في قصر عائلة الجندي ،،،،

دلف عدي إلى داخل غرفة الصالون بعد أن استقبلته المدبرة عفاف ورحبت به ..
ظل هو واقفاً في مكانه ، ولكن ملامح وجهه لا توحي بالخير مطلقاً ..
كانت المدبرة عفاف على مقربة منه ، فتسائلت بنبرة هادئة ب :
-حضرتك تحب تشرب إيه لحد ما أبلغ ناريمان هانم بوجودك

-أنا مش عاوز أشرب حاجة ، ولو سمحتي يا عفاف تناديلي ليان
قالها عدي بصوت قاتم وهو يرمقها بنظرات دقيقة

قطبت عفاف جبينها ، ورفعت حاجبيها في إندهاش ، وقالت بإستغراب :
-ليان هانم ..!
-ايوه ، ويا ريت تبلغيها إن المسألة ضرورية جداً ، وماينفعش تتأجل
-بس هي ممكن ترفض ، وآآآ..
-مافيش بس ، قوليلها الموضوع خاص بصور مهمة

هزت عفاف كتفيها في عدم فهم ، وقالت بهدوء :
-حاضر

انصرفت هي مبتعدة عنه ، واتجهت نحو الدرج ، وتابعها هو بعينيه ، وحدث نفسه بصوت هامس ب :
-الموضوع ممكن يوصل للدم يا ليان لو أنا ملحقتش أتصرف....!

غابت عفاف لبضعة دقائق ، ثم عادت إليه مجدداً ، وقالت له بنبرة شبه يائسة :
-للأسف رافضة تقابل حضرتك ، وبتقول إنها تعبانة
-ماينفعش ترفض تقابلي
قالها عدي بنبرة حادة تقريباً ، فتعجبت عفاف من طريقته ، ورمقته بنظرات غريبة ، فأشار هو لها بيده ، وقال بضيق :
-معلش يا عفاف اطلعي تاني ليها ، وقوليلها لو هي منزلتش تتكلم معايا حالاً ، أنا هاطلعلها

جحظت عفاف بمقلتيها ، وفرغت شفتيها في ذهول وهي تنطق ب :
-اييييه !!
-زي ما سمعتي يا عفاف !!
-مممم.. مش عارفة أقول لحضرتك إيه
-أقولك على حاجة ، خدي وريها دي

عبث عدي في الصور الموجودة بالمظروف دون أن يخرجها ، وإنتقى صورة ما ل ( ليان ) ، ثم شطرها إلى نصفين ، ومد يده بالجزء الذي لا يظهر وجهها بعد أن طواه إلى عفاف ، وقال بنزق :
-وقوليلها بقية الصورة معايا

أومأت عفاف برأسها موافقة ، ثم تحركت نحو الدرج ، وصعدت عليه ..
ظل عدي في مكانه يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً ، وعلامات التوتر جلية على تعابيره العامة ، أما في رأسه كانت ألاف وألاف الأسئلة تدور فيها حول ماهية تلك الصور الفاضحة وأسبابها ، ولكن كان بباله فكرة ما ظن أنها ستناسبه هو وهي إلى حد ما .. وربما ستريح كلاهما من المشاكل والفضائح ، ولكن عليها أن تقتنع بها أولاً قبل أن يجعلها في حيز التنفيذ ....
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثامن والثلاثون

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

برقت عيني تقى في ذهول تام بعدما سمعت العرض البغيض الذي اقترحه أوس عليها ..
لم تعرف بماذا تجبه ، فظلت فقط صامتة ، محدقة في نقطة ما في الفراغ أمامها ، وإزداد شحوب وجهها وهي ترى نظراته الوضيعة المسلطة عليها ..
قاطع هو شرودها بنبرة ماكرة ب :
-مش محتاجة تفكري كتير يا تقي ، حريتك مقابل حرية أمك .. ده لو إنتي بتحبيها فعلاً

صرت على أسنانها في حنق ، ونظرت إليه بغل وهي تنطق ب:
-إنت .. آآ..
-أنا ايه ؟ قولي ! ها مستني أسمع منك !!!

تجمدت الكلمات على شفتيها ، وعجزت عن إكمال عبارتها .. فابتسم هو لها إبتسامة ساخرة ، ثم قال لها بغرور :
-القدر بيلعب لعبته معاكي ، دايما بتيجي الظروف في طريقي ..!

ثم صمت لوهلة قبل أن يتابع بنبرة تحمل التحدي والوعيد :
- وإنتي غصب عنك هتختاري وإلا ..آآ..

قاطعته هي بصوت مبحوح ب :
-ماشي أنا موافقة على عرضك بس بشرط

مط شفتيه في استغراب وضيق عينيه ، ثم بنبرة استهزاء تسأل ب :
-وكمان في شرط !
-أيوه

سألها أوس بفضول وهو محدق بها :
-ممممم... شرط ايه ؟
-تتجوزني !
-أتجوزك ..!
قالها أوس بطريقة متهكمة قبل أن ينفجر ضاحكاً بطريقة هيسترية ، فإشتعلت غضباً وهدرت فيه ب :
-قولت إيه غلط عشان تضحك بالشكل ده ؟؟
-ههههههههه ... أصل انا مش بتاع جواز يا حلوة

عبست هي بملامح وجهها ، وأردفت بنبرة إصرار ب:
-ولا أنا بتاعة ( حرام ) يا باشا

زم هو فمه للأمام ، ووضع يده على رأسه ومررها في خصلات شعره ، ثم نظر لها بنظراته الفارغة مطولاً قبل أن يباغتها بصوت واثق ب :
-ماشي أنا موافق ، بس هاتستحملي اللي هاعمله معاكي ؟

-مش هتفرق ، المهم مش هاغضب ربنا عشان واحد زيك
قالتها تقى وهي ترمقه بنظرات مهينة جعلت عيناه تشتعلان من الغضب الممزوج بالحنق ..

في قصر عائلة الجندي

ركضت ليان هبوطاً على الدرج وهي تحمل في قبضة يدها الصورة الممزقة ، ونظرت حولها بريبة ، ثم توجهت لغرفة الصالون ، فرأت عدي بداخلها ، فإبتلعت ريقها في إرتباك جلي ..
ثم تسألت بصوت متلعثم ب :
-إنت .. جبت الصورة دي منين ؟!

إلتفت عدي بجسده ناحيتهأ ، ثم تحرك خطوة ليقف قبالتها ، وتحدث بلؤم ب :
-جبتها من مطرح ماجبتها ، المهم إنها انتي يا ليان
-أنا .. آآ.. أنا آآ..
-إنتي عارفة لو كانت الصور دي وصلت لأوس كان ممكن يحصلك ؟

اتسعت مقلتيها في خوف ، وظهر الرعب على قسمات وجهها ، وجف حلقها وهي تتوسل له ب :
-بليز عدي ، مش تقوله ، أنا ..آآآ..
-لو كنت عاوز أقوله ، مكونتش جيت على هنا الأول عشان أعرفك بموضوع الصور دي ..!

إنهارت ليان باكية أمامه ، وجلست على الأريكة ، ودفنت وجهها الباكي في راحتي يدها ، وأجهشت أكثر بالبكاء ، وتعالت شهقاتها ..
تنهد هو في ضيق ، واقترب منها ، وأسند كف يده على كتفها ،وضغط عليه قليلاً ، وتحدث بهدوء ب :
-خلاص اهدي .. أنا عندي الحل لمشكلتك دي ، بس لازم أعرف الأول إيه اللي حصل بالظبط ، ومين عمل كده ..

أبعدت هي كفي يدها عن وجهها ، ورفعت عينيها للأعلى لتنظر لها بإمتنان وهي تنطق بصوت مختنق ب :
-اوكي .. بس مش هاينفع أحكي هنا ، تعالى نخرج برا
-ماشي

ثم نهضت عن الأريكة ، ومسحت بأطراف أصابعها العبرات المنهمرة على وجنتيها ، وتابعت بخفوت ب :
-هاطلع بس أغير هدومي ، واحصلك على النادي
-أوكي ، وأنا هستناكي هناك
-deal ( متفقين )

ثم تركته وإنصرفت من الغرفة ، في حين جمع هو باقي الصور الفوتغرافية في المظروف ، وأحكم قبضته عليه ، وإنحنى بجذعه للأسفل ليمسك بفنجان القهوة ، وإرتشف القليل منه ، وحدث نفسه بمكر ب :
-لو طلع اللي في دماغي يبقى أنا اللي كسبت مش هي ..!!!

أسند عدي الفنجان على الطاولة ، ثم مشى بخطوات هادئة نحو باب القصر ...

في مشفى الجندي الخاص ،،،

مسح أوس بلسانه على أسنانه ، وتجشأ قائلاً :
-يبقى تجهزي نفسك ليا ، وأنا عند كلمتي

نظرت هي له بتحدي ، وقالت بإصرار:
-مش هاعمل حاجة غير لما أمي تطلع براءة

ابتسم هو لها بثقة ، ورفع حاجبه في غرور ، وبنبرة متكبرة أردف ب
-متقلقيش .. أنا أد كلامي ، وهاتشوفي يا تقى ..

ثم تحرك هو في اتجاه باب الغرفة ، وقبل أن يخرج منها ، سلط بصره عليها وأمرها ب :
-وكملي أكلك ، لأني عاوزك تبقي بصحتك عشان اللي جاي يا .. يا عروسة

ثم ضحك عالياً بطريقة مستفزة ، وأغلق الباب من خلفه ، فحدجته هي بنظرات ساخطة ، وبصقت عليه ، وقالت بإشمئزاز :
-ربنا ينتقم منك ، وياخدك .. يا قادر يا كريم ، إنت عالم باللي أنا فيه ...!

في أحد النوادي الشهيرة ،،،،

سردت ليان لعدي الفخ الحقير الذي وقعت فيه ، وكيف أسلمت نفسها لفارس تحت إسم الحب ..
أنصت هو إليها بإهتمام واضح ، ولم يعقب حتى انتهت تماماً من الحديث ، فسألته بتوتر ب:
-هاتقول لأوس على اللي حصل ؟

صمت عدي لبرهة من الزمن ، فإزداد توترها ، واضطربت أكثر ، وجف حلقها ، فأمسكت بكوب المشروب البارد الذي أمامها بيد مرتعشة ، ووضعته على شفتيها ، وتجرعته مرة واحدة ...
راقبها هو بتمعن ثم أخذ نفساً مطولاً ، وزفره على مهل قبل أن يجيبها ب :
-لأ .. بس بشرط
-شرط ايه ؟

نظر عدي مباشرة في عينيها ، وصمت للحظة قبل أن ينفرج ثغره لينطق ب :
-نتجوز

فغرت شفتيها في ذهول ، واتسعت عينيها في إندهاش عقب عبارته الأخيرة ، وقالت بتلعثم :
-هاه ..ن.. نتجوز !!!
-أيوه .. ده الحل الوحيد لمشكلتك
-بس آآ..

مد عدي يده ووضعها على كفها المسنود على الطاولة ، فنظرت هي له بإندهاش ، فإبتسم لها في هدوء ، ورمقها بنظرات مليئة بالحنو ، ثم بنبرة رخيمة تابع ب :
-أنا عارف إن كلامي مفاجأة بالنسبالك ، بس أنا عاوزك تفكري في اللي بأقوله بعقلك ، الموضوع مش سهل خالص ، ولو حد من عيلتك عرف باللي حصل صدقيني انتي اللي هتتلامي مش ابن ال *** اللي عمل كده ...!!!!

لم تعرف ليان بماذا تجبه ، فقد باغتها هو بعرضه المغري ، والذي ربما يكون – من الناحية العقلية – طوق النجاة بالنسبة لها من تلك الكارثة التي وقعت ضحيتها .....

في قصر عائلة الجندي ،،،،،

عاد أوس إلى القصر وعلى وجهه ابتسامة إنتصار واضحة ..
لم يعبأ هو بالخدم الذين رمقوه بنظرات إندهاش .. ولا بوالده الذي لم يكف عن حدجه بالنظرات الساخطة ..

ولج هو إلى داخل غرفته ، ثم نظر نحو خزانة الملابس ، وفتح ضلفتها ، وأخرج حقيبة سفر صغيرة ، ثم بدأ يضع بداخلها ثيابه الخاصة ..
وما إن انتهى حتى إندفع ناحية المرحاض ليغتسل ، ويبدل ملابسه ..

كان شعور بالإنتصار يغمره ، فها قد وقعت تلك البائسة في قبضة يده ، وحان الوقت لتلقينها أسوأ دروس حياتها ..

تأكد أوس من هيئته المهندمة أمام المرآة ، ثم أمسك بهاتفه المحمول ، وضغط على عدة أزرار قبل أن يضع الهاتف على أذنه ..
انتظر هو لثوانٍ قبل أن ينطق بصوته الأجش القوي ب :
-عاوزك تروح قسم ( .......) وتشوفلي قضية اللي اسمها فردوس شحاته وصلت لفين ... أها .. حاجة تخصني !

ثم صمت ليستمع إلى ما يقال على الجانب الأخر ، ووضع يده الأخرى في جيب بنطاله ، وتحرك خطوة للأمام قبل أن يتابع بصوت جاف ب :
-اعرفلي كل حاجة عنها ، وخلصلي الموضوع ده نهائي

صمت مجدداً لأقل من دقيقة ، ثم مط فمه للأمام وتحدث ب :
-التفاصيل ..! طيب أنا هاقولك بالظبط على اللي حصل قدامي !

في مشفى الجندي الخاص ،،،

لم يتوقف عقل تقى عن التفكير للحظة فيما حدث لها منذ أن إلتقت بهذا الهمجي ، فحياتها إنقلبت رأساً على عقب ، وتحولت إلى جحيم مستمر ..

لم تمنع عينيها من ذرف الدموع ، فهي المنفس الوحيد لها الآن ..
رفضت أن تتناول طعامها ، وتركته كما هو أمامها ، وحدثت نفسها بصوت مختنق ب :
-أنا عملت إيه في دنيتي عشان يحصلي ده كله ، وليه واحد زي ده يتساب كده من غير ما يتحاسب

ثم رفعت عينيها المتورمتين من البكاء إلى الاعلى ، وتابع بمرارة ب :
-يا رب إنت اللي عالم باللي بيا ، انتقم منه يا رب وريحني ، يا رب فك ضيقة أمي هي مالهاش ذنب في اللي حصل ، أه هي صدقته بس قلبها طيب وبتحبني وبتخاف عليا .. يا رب خد البني آدم ده ونجيني من شره ، يا رب

ثم مدت يدها لتأخذ منشفة ورقية من العبوة الموضوعة على الطاولة ، ومسحت بها عبراتها ، وأنفها المنتفخ ..

سلطت هي بصرها فجأة على باب الغرفة حينما وجدته ينفتح على مصرعيه ، ويدلف من شخص ما هيئته مهيبة وطاعن في السن .. ورغم هذا فيبدو عليه الصرامة والحدة
ابتلعت هي ريقها في توجس ، ونظرت إليه بحذر ..
اقترب منها مهاب وحدجها بنظرات مهينة قبل أن يصيح فيها ب :
-لو إنتي مفكرة إن واحدة زيك هاتقدر تضحك على إبني تبقي غلطانة ومتعرفيش هو مين ولا إبن مين !!!

لم تفهم تقى ما الذي يعنه هذا الرجل بكلامه الجارح والصادم هذا ، ففغرت شفتيها الذابلتين في ذهول :
-هاه .. آآآ

استمر هو في رمقها بتلك النظرات الإحتقارية ، وتابع بإنفعال ب :
-أنا أسوأ من أي حاجة تقدري تتخيليها

ابتلعت ريقها في خوف ، ونظرت له بذعر ، ونطقت بتوتر ب :
-إنت .. إنت مين أصلاً ؟
-أنا الدكتور مهاب الجندي ، وإبني هو أوس الجندي
-إييييه ..!
-بلاش أمور الاستعباط دي ، إبعدي عن إبني أحسنلك بدل ما تندمي

أخفضت تقى عينيها ، وإبتعلت غصه مريرة في حلقها ، وأردفت بصوت يائس ب :
-يا رتني أقدر إبعد

وقف مهاب أمامها ، ثم أمسك بمعصمها ، وهزه بعنف بعد أن أحكم قبضته عليه ، وهدر بها ب :
-شغل بنات ال ***** اللي زيك أنا عارفه كويس

تأوهت تقى من الآلم ، وتلوت بذراعها لتحرره ، ولكن كان مهاب يتعمد إيلامها ، فصرخت ب :
-آآآه .. انت .. إنت بتوجعني

لم يعبأ بها مهاب ، ولم يهتم لنظرات التوسل في عينيها ، بل إستمر في إيذائها ، ونطق بتوعد ب :
-لأخر مرة أنا بأحذرك يا بنت ال *** من إنك آآآآ...

في تلك اللحظة كان أوس هو الأخر بداخل الغرفة ، فصاح عالياً ب :
-بابا ..!!! إنت بتعمل إيه ؟

أرخى مهاب قبضته عن تقى التي نظرت إلى أثار أصابعه على معصمها .. وضغطت على أسنانها في إنكسار وذل ..

اقترب أوس من أبيه ، وحدجه بنظرات مشتعلة ، ثم أردف ب :
-مش أنا قايلك ملكش دعوة باللي يخصني !
-أيوه ، بس إنت تخصني يا أوس

نظر أوس مباشرة في عيني والده ، وقال بصرامة باتة :
-وتقى تخصني أنا يا د. مهاب

أشار مهاب بكف يده لتقى ، ونطق بحنق ب :
-دي بت شمال بنت ***** مالهاش أهل ، وبتستغلك وآآآآ...

قاطعه أوس بنبرة مغترة ب :
-مهاب باشا ، مش انا اللي تضحك عليا واحدة
-يا أوس آآآ.....
-د. مهاب ، زي ما أنا زمان ماتدخلتش في اللي بتعمله ، فيا ريت تسيبني وأنا بأعرف أتصرف

إستشاط مهاب غيظاً من ردود إبنه الفظة عليه ، فالتفت برأسه ناحية تقى وحدجها بنظرات إستعلاء ، وأشار بإصبعه وهو يتابع بضيق ب :
-إنت حر .. بس دي هاتضيعك

إبتسم أوس لأبيه إبتسامة مغترة ، ثم اقترب برأسه منه ، ومال على أذنه ، وهمس له بنبرة تشبه فحيح الأفعى ب :
-مش قبل ما أضيعها ...!!

مرت عدة أيام ، والأوضاع في تطور مستمر ...
فعدي لم يكف عن الاتصال بليان وبمحاولة إقناعها بعرضه ( السخي ) بالزواج منه للخلاص من كل مشاكلها ..
وهي أوشكت على الإقتناع بما يقول ، فليس أمامها أي خيار أخر سوى هذا الحل في الوقت الراهن ...

إنشغل ممدوح في تجهيز معمل التحاليل الجديد الخاص به ، والذي سيكون نقطة البداية له في القاهرة بعد سنوات من الغربة ومحاولة تناسي الماضي .. وأرجأ لبعض الوقت خطته في إفساد حياة مهاب ريثما ينتهي من أموره الحالية ..

تولى المحامي الخاص بمجموعة شركات الجندي للصلب قضية فردوس شحاته ، وأوجد الثغرات التي تمكنه من إخراجها من تلك المعضلة دون توجيه أي تهمة لها ، حيث قرر أن يحول مسار القضية من قتل عمد إلى محاولة إنتحار من قبل المجني عليها ، وأن والدتها كانت تحاول إنقاذها ، ولكن بالخطأ تطور الوضع ، وقاومتها إبنتها بشدة ، وإنغرس السكين في ظهرها ..
وتعاون المحامي مع رفاقه المتخصصون في تلك النوعية من القضايا في وضع الدفوع المناسبة حتى يتم التأكد من براءة فردوس ...

كما لم يترك أوس الفرصة لتقى لتنفرد بنفسها ، بل تعمد يوماً بعد يوم أن يريها مدى سطوته ، وجبروته ، وصلاته القوية ..
ورغم تحسن حالتها الصحية ، إلا أن حالتها النفسية قد ساءت كثيراً ..
فهي تشعر في قرارة نفسها أنها كمن يقبل على الإعدام ، ولا مفر لها منه ..

في أحد الأيام ،،،،

انتهت فردوس من توقيع أوراق إخلائها من السجن ، وتوجهت ناحية بوابته الحديدية وهي غير مصدقة ما حدث لها .....

ترجلت هي من الحافلة ، ومسحت بطرف حجابها وجهها المتعرق ، ثم سارت بخطوات متثاقلة نحو الزقاق الذي يؤدي للحارة الشعبية

كان معظمي قاطني تلك المنطقة ينظرون إليها بإستغراب شديد ، ولم يكفوا عن الغمز واللمز .. ورغم هذا هي لم تهتم بما يقولون .. فقد كان شاغلها الأكبر ( حالياً ) هو إبنتها ...
مطت هي شفتيها ، وحدثت نفسها ب :
-يا مين يقولي على أراضيكي يا بنتي وأنا أجيلك ، آآآه .. أنا اللي ضيعتك ، وإنتي كنتي أرحم من نفسي عليكي ، وطلعتني من النصيبة دي .. يا رب دلني عليها

مرت هي على بائعة تفترش الأرضية الإسفلتية ، وتقف إلى جوارها سيدة ما ، فسمعت إحداهما وهي تتحدث عالياً بشماتة ب :
-هي مش كانت غارت في داهية هي وبنتها ال ***** ، إيه اللي رجعها تاني
-العيب على رجالة الحارة اللي سايبن نسوان كَسر زيهم كده أعدين وسطنا

إستدارت فردوس برأسها نصف إستدارة للخلف ، ورمقتهما بنظرات حادة ومحتقنة ، ثم صرت على أسنانها ، وهدرت ب :
-حسبي الله ونعم الوكيل ، ربنا على المفتري

ثم تركتهما وإنصرفت ، فصاحت إحداهما عالياً ب :
-يا جبروتك ، بتحسبني علينا ، داهية تاخدك إنتي واللي زيك

وأضافت الأخرى بنفس النبرة الغاضبة :
-أمين يا رب

وصلت فردوس إلى البناية التي تقطن بها ، ولكنها لم تستطع أن تدلف للداخل ، فقلبها يعتصر حزناً على ابنتها وعائلتها ..
تملكها اليأس والحزن ، وبدأت العبرات تتجمع في مقلتيها ، فأخرجت منشفة ورقية ومسحت به وجنتيها وعينيها ، وكذلك أنفها ..
-آآآه يا مراري .. يا غلبي على اللي أنا فيه .. آآآآآه ، ألاقيهم فين بس

ثم تنهدت في آسى ، وإنتحبت بصوت مختنق ... وتسائلت بصوت مسموع ب :
-طب مين هايساعدني وآآ..

ثم طرأ ببالها –فجأة - أمراً ما ، فكفكفت عبراتها ، وحدثت نفسها ب :
-مافيش إلا هو اللي هايقدر يساعدني ، أنا هاروحله

وبالفعل إستدارت بجسدها للخلف ، وإتجهت ناحية المسجد الموجود بالحارة ....

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،

جلس أوس على مقعده ، وبدأ في مراجعة بعض الأوراق الموضوعة أمامه .. وظل يعبث بقلمه الحبر بأطراف أصابعه ، وما إن ينتهي من مطالعة ورقة ما حتى يوقع عليها ..
في حين جلس عدي على المقعد المقابل وظل يتابعه في صمت .. ولكن عقله كان مشغولاً في كيفية بدء الحوار معه حول مسألة تقدمه للزواج من ليان ..
تجشأ عدي لأكثر من مرة ، فضيق أوس عينيه ، ونظر له بإستغراب ، وتسائل ببرود ب :
-في حاجة ؟
-هاه .. آآآ
نظر هو له بصرامة ، ثم تشدق ب :
-في ولا مافيش ، إنت شايف أنا عندي شغل أد ايه وعاوز أنجزه

تنحنح عدي قبل أن ينطق بصوت خشن ب :
-بص من غير لف ولا دوران أنا عاوز أتجوز أختك ليان !!!
-نعم ..!!
قالها أوس بإندهاش واضح على جميع قسمات وجهه الصارم ..

-أيوه ، أنا عاوز أتجوزها وماينفعش ترفض

أفاق أوس سريعاً من دهشته ، وعبس بوجهه ، وتحدث بصوت غليظ ب :
-إنت واعي لطلبك ده

لوى عدي فمه في استنكار قبل أن يتابع ببرود ب :
-وهو إيه في طلبي غريب ؟ ما تعرفني

نهض أوس عن مقعده ، ودفعه بساقه للخلف ، وحدجه بنظرات قوية وهو يحذره ب :
-إنت عارف كويس أنا أقصد ايه

أرجع عدي رأسه للخف ، ثم هزها عدة مرات ، وتابع بعدم اكتراث ب :
-أها .. فهمت ..فهمت ..
-ولما انت فاهم كويس أنا أقصد ايه جاي تتطلب مني إنك تتجوز ليان ليه ؟؟

تمطع عدي بذراعيه ، ونظر إلى أوس بنظرات مستفزة ، قبل أن يتابع بنبرة غير مبالية ب :
-لأن محدش هاينفع يتجوزها إلا أنا ..

تحدث أوس من زاوية فمه فقال بنزق :
-أفندم ؟!!!
-في وضعها الحالي مافيش حد هيرضى بيها ، وعشان أنا صاحبك فأخدمك فيها

استشاط أوس غضباً ، ودار حول المكتب ، ثم أمسك بعدي من ياقته ، وجذبه من على المقعد عنوة ، وحجده بنظرات قاتلة وهو يهدر فيه بصوت جهوري ب :
-عدي ..!

وضع عدي يده على قبضتي أوس ، وحاول تخليص نفسه ، ثم قالت بصوت هاديء :
-بالراحة بس يا أوس .. وأنا هاقولك السبب لده ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والثلاثون

وضع أوس كلتا يديه على رأسه ، وضغط عليها بقوة ، فهو لم يتخيل أن تقع أخته ضحية لأكذوبة حقيرة ، وتسلم عرضها دون أي مجهود يذكر ..
راقب عدي ردود فعله بحذر ، وحاول أن يبرر له فعلتها ب :
-هي برضوه صغيرة واتضحك عليها ، وكان ممكن آآ...

قاطعه هو بصوت آجش ومنفعل ب :
-دي بنت ستين *** ، ملاقتش اللي يربيها
-دي أختك يا أوس

صر أوس على أسنانه ، وقال بسخرية مريرة :
-أه اختي ، بس تربية ناريمان ، فهتطلع إزاي ..!

ثم صمت للحظة قبل أن يتسائل مجدداً بضيق ب :
وعرفت مين ال ( وسخ ) اللي عمل كده معاها ؟

هز عدي رأسه بالنفي ، وأجابه ب :
-لأ هي مقالتش عن اسمه ابن ال *** ده

نظر هو لنقطة ما بالفراغ أمامه ، ثم كور قبضة يده ، وتوعد ب :
-أنا هاعرف هو مين وهافرمه ...!

نظر عدي له بتوجس ، وقال بهدوء حذر :
-اهدى بس ، الانفعال مش هايحل حاجة الوقتي ، وأنا قولتلك أنا هاحل الموضوع

حدجه أوس بنظرات محذرة وهو يشير بإصبعه ، وهدر ب :
-عدي ، إنسى الهبل ده

نظر عدي له بنظرات جادة ، ونطق ب :
-ده مش هبل ، ده جواز ، وليان موافقة على كده

لوى هو زاوية فمه في عدم اقتناع ، وقال متهكماً :
-أه طبعاً لازم توافق عشان تداري على فضايحها النجسة
-اللي حصل حصل ، وأنا موافق بها كده

-يا سلام ..
قالها أوس بسخرية واضحة .. في حين تابع عدي بنبرة جادة ب :
-أوس فكر بالعقل ، انت فاهم كويس إن لو حد عرف بالكارثة اللي عملتها ، سيرتها هاتبقى على كل لسان وآآ..

قاطعه أوس بصوت صارم ب :
-تتحمل هي نتيجة غلطتها ، وأنا قسما بالله لهعرف أربيها

ابتسم عدي لنفسه بثقة ، وحدث نفسه ب :
-سيب تربيتها عليا ، وأنا كفاءة بيها

تنحنح عدي مجدداً ، وقال بصوت خشن :
-هي مالهاش ذنب .. اللوم على ابن ال ***** اللي ضحك عليها

طرق أوس على الجدار بعنف بقبضة يده ، وبنبرة تحمل الوعيد أردف ب :
-أعرف بس هو مين ، وهامحيه من على وش الأرض ..!!!!!

هز عدي رأسه ، ثم بصوت واثق تشدق ب :
-هاتعرف ، وساعتها أنا بنفسي اللي هاجيبهولك تحت رجليك

في مسجد الحارة القريب ،،،،،

وقفت فردوس على مدخل المسجد ، وحاولت أن تنظر داخله لتبحث عن الشيخ أحمد ، فلمحته يجلس وسط بعض الأشخاص ويتحدث معهم .. فترددت في الدخول إلى المسجد ، ثم رأت شخصاً ما يلج للداخل ، فطلبت منه برجاء :
-الله يكرمك يا بني تناديلي على الشيخ أحمد من جوا ، وتقوله كلم الست فردوس
-حاضر يا ست
قالها الرجل وهو يخلع نعليه ، ثم دلف للداخل

وبالفعل خرج لها الشيخ أحمد بعد لحظات ، وأخفض بصره ، وتسائل بصوت هاديء :
-خير يا ست فردوس

مدت فردوس يدها لتمسك كف يده ، وتقبله ، ولكنه سحبه للخلف سريعاً ، ونظر لها بإندهاش أشد ، وقال محذراً
-استغفر الله العظيم ، جرى ايه يا ست فردوس

نظرت هي له بأعين دامعة ، وبصوت منتحب توسلت ب :
-شيخ أحمد أنا واقعة في عرضك
-لا حول ولا قوة إلا بالله ، قولي يا ست فردوس على اللي انتي عاوزاه
-عاوزاك تساعدني أبرأ سمعة بنتي من الكلام اللي بيتقال عنها ، هي معملتش حاجة ، أنا اللي اتسرعت وظلمتها
-لله الأمر من قبل ومن بعد
-يا ريت لساني كان اتقطع قبل ما يقول عنها كلمة ظلم ، ولا إيدي كانت اتشلت قبل ما أمدها عليها
-قدر الله وماشاء فعل
-إنت الوحيد يا شيخ أحمد اللي هاتقدر تساعدني
-حاضر ..

ثم صمت الشيخ أحمد للحظة قبل أن يتابع ب :
-ست فردوس هاتعملي ايه مع جوزك عم عوض ؟

نظرت هي له بإنكسار ، وقالت بتلهف :
-دلني عليه وأنا أروحله هوا

مط شفتيه للأمام ، وأجابها بهدوء ب :
-طيب ، هاختم الدرس بس مع الناس الموجودين جوا ، وهاخدك ليه في المستشفى

ارتسمت ابتسامة رضا على وجهها ، وأشارت بيدها للجاني ، وتابعت بحماس ب :
-ماشي يا شيخنا ، وأنا هاقعد هنا
-طيب يا ست فردوس ، عن اذنك

رفعت هي يديها بالدعاء ، وأضافت بصوت يحمل السعادة :
-اتفضل يا بركتنا ، ربنا يجازيك خير عنا ، ويجعلك في كل خطوة سلام

في قصر عائلة الجندي ،،،،

تفاجئت ليان بأوس يقتحم غرفتها ، فإنتفضت فزعة من على فراشها ، ونظرت له بذعر ، وقالت بنبرة مرتجفة :
-آآآ... أوس

تحرك هو في اتجاهها حيث تقف ، وحدجها بنظرات متوعدة ومميتة ، ثم أمسك بها من ذراعها ، وضغط عليه ، وهدر عالياً فيها ب :
-عملتي كده ليه ؟

ثم باغتها بصفعة عنيفة على وجنتها ، فحاولت أن تحمي وجهها من بطشه ، ولكنه كان أقوى منها ، وتمكن من صفعها مجدداً..

تأوهت ليان من الآلم ، وصرخت فيه ب :
-آآآآه .. سبني يا أوس ، كفاية

ضغط أكثر بيده على ذراعها ، وقال بصرامة وهو يرمقها بنظرات متأففة :
-مش قبل ما تقوليلي مين الوسخ اللي عملتي معاه كده

صدر منها أنين مكتوم وهي تحاول أن تبدو قوية أمام أخيها ، فقالت بنزق :
-آآآآه .. معرفش

هزها أوس بعنف ، وصرخ فيها غاضباً ب :
-إزاي متعرفيش ، مفكراني مختوم على قفايا

بكت هي أمامه ببكاء حار ، فلم يعبأ بها ولم يرقْ قلبه لها ، فشعرت بالخزي منه ، وأخفضت رأسها للأسفل ، وقالت بسخرية مريرة :
-يعني هاتفرق معاك

باغتها أوس بصفعة أخرى على وجهها، فإكتست وجنتيها بحمرة الغضب، وسقطت العبرات من طرفي عينيها، فعضت على شفتها السفلى متألمة، ونظرت لأخيها بحزن، وقالت بنبرة معاتبة :
- اضربني ، ده اللي تقدر عليه ، بس خليك فاكر ان اللي اتعمل فيا كان بذنب اللي عملته في غيري
-هاه
قالها أوس بذهول عقب عبارته أخته الأخيرة ، في حين أكملت هي بصوت مبحوح ومختنق ب :
-الكل جاي يلومني ويحاسبني ، وناسيين تحاسبوا نفسكم الأول ، سواء إنت ولا مامي .. أنا معملتش حاجة زيادة عنكم ، أنا عملت زيكم بالظبط ...!

أصغى هو لكل كلمة قالتها بإنصات ، ثم رمقها بنظرات استهجان ، وسألها بسخط ب :
-إنتي بتربينا يعني ؟

حدجته ليان بنظراتها الحادة ، ووجدت القسوة في عيني أخيها ، فزمت شفتيها في إستنكار ، ثم قالت بضيق :
-لأ .. بس قبل ما تتكلم شوف إنت عملت إيه مع غيري

كور قبضة يده في حنق ، وقال بنبرة مغلولة :
-مالكيش دعوة بيا ، ولا باللي بأعمله ، أنا راجل وده حقي
-هه .. حقك
قالتها ليان بتهكم جلي ، وهي تحدج أخيها بنظرات ساخطة ..

تعجب أوس من حالة الجمود وعدم اللامبالاة التي أصابت إخته فجأة ، فهدر فيها بعصبية ب :
-إنتي عارفة باللي عملتيه ده اسمك بقى ايه ؟

لوت هي شفتيها في عدم إكتراث ، وكفكفت دموعها بكف يدها ، ثم تشدقت ب :
-مش فارقة ، أنا خلاص هاتجوز صاحبك

حدجها بنظراته القاسية وهو يسألها ب :
-ده على أساس إيه بالظبط ؟!!

عقدت ساعديها أمام صدرها ، ومدت ساقها اليمنى للأمام ، وقالت ببرود قاسي :
-هو بيحبني وأنا بأحبه

صر على أسنانه بشراسة ، وتسائل بنبرة مغتاظة :
-بجد ؟! وده من امتى إن شاء الله ؟

-أوس ... أنا خلاص معدتش يفرق معايا أي حاجة ، وسواء كنت هاتجوز صاحبك ولا غيره ، فكلهم واحد بالنسبالي
-يا بنتي إنتي متعرفيش عنه حاجة
-مش مهم ..!!

ثم صمتت لبرهة لتبتلع غصة مريرة ، ومن ثم أردفت ب :
-يعني أنا كنت أعرف إيه عن اللي قبله ..!!!

دفعها أوس من كتفها للخلف ، فتألمت وكادت أن تسقط على ظهرها ، وأصدرت أنين مكتوم .. وصاح بها ب :
-خلاص أولعي ، بس مترجعيش تلومي إلا نفسك

إعتدلت هي في وقفتها .. ثم قالت بإصرار :
-أه هاتجوزه ، وهاعيش حياتي معاه

نظر هو لها بسخرية ، ثم قال بإستهزاء :
-من ناحية هاتعيشي معاه حياتك ، فأنا .. آآآ... ماظنش

زفرت هي في ضيق ، ومن ثم تابعت بإصرار ب :
-أووف بقى ، أنا خدت قراري ، وهاعمل اللي شايفاه صح
-ماشي .. بس أنا ماليش دعوة بيكي

نظر هي شزراً له ، وقالت بتهكم :
-وإنت من امتى كان ليك دعوة بيا أصلاً ؟

أشار هو لها بإصبعه ، وتابع حديثه معها بتهكم ب :
-صح .. إنتي بتتكلمي صح ، أنا أصلاً غلطان إني جاي أشوف وساختك هتوديكي لفين

نظرت هي له ببرود ، وقالت بقسوة :
-حتى لو هتوديني في داهية فأنا راضية

أخذ هو نفساً مطولاً محاولاً السيطرة على أعصابه كي لا ينفجر فيها ، ثم زفره بغضب ، وسألها ب :
-وأمك عارفة ده ؟

رمقته بنظراتها الساخطة وهي تجيبه بعدم إهتمام ب :
- عادي ، أنا هاقولها

لوى فمه وهو ينطق بحنق ب :
-ده إنتي مظبطة كل حاجة بقى

هزت رأسها عدة مرات ، ثم سارت مبتعدة عنه ، وأولته ظهرها ، ونظرت له من زاوية عينها ، وقالت بصوت خافت :
-حاجة زي كده

تحرك هو في اتجاهها ، ووقف قبالتها ، وأمسك بها من ذراعها لتنظر هي له بنظرات زائغة ، ثم سألها بحنق ب :
-يعني من الأخر كلامي معاكي لا هيودي ولا هايجيب ؟!!

أشاحت هي بيدها لتتخلص من قبضته ، ثم لوت شفتيها وقالت بإستياء جلي :
-ده بإعتبار إنك قايم معايا بدور الأخ أصلاً ، كنت فين من زمان عشان تفهمني الصح من الغلط ؟ ماتجيش دلوقتي تحاسبني ولا حتى تنصحني ، أنا حرة في اللي هاعمله ، وده الحل المناسب ليا ..!!!

شعر هو بالضيق من عبارتها الأخيرة المصحوبة بنظرات اللوم والعتاب .. وأدرك أن حديثه معها لن يجدي ،فقد اتخذت قرارها ، وستتحمل وحدها اللوم والعتاب عليه ..
كور أوس قبضة يده ، وطرق بعنف على ضلفة خزانة ملابسها ، ثم صاح غاضباً ب :
-ماشي ، بكرة تشوفي هايتعمل فيكي إيه يا تقى ..!

ضيقت ليان عينيها ، ورمقته بنظرات حائرة قبل أن تنطق ب :
-تقى ..!!!

اضطرب أوس على الفور ، وأدرك أن لسانه قد زل دون قصد منه حينما نطق بإسم من تشغل باله ، فحاول أن يتحدث بنبرة طبيعية ، ولكن خرج صوته يشوبه الإرتباك :
-إحم .. قصدي ليان
-وماله
قالتها ليان بطريقة متهكمة وهي تتفحصه بعينيها الحمراوتان ... في حين أبعد هو عينيه عنها ، وتنحنح بصوت خشن ، ثم تركها وإنصرف قبل أن تنهال عليه بأسئلتها الفضولية ويتحول الوضع برمته نحوه هو ....

في منزل ممدوح بمصر الجديدة ،،،،،

خرجت ناريمان من المرحاض وهي تلف جسدها بمنشفة قطنية ، وتجفف شعرها بمنشة أخرى ، وتوجهت ناحية المرآة لتجلس على المقعد الصغير الموضوع أمامها ، ثم إستدارت برأسها نصف إستدارة لتنظر ناحية ممدوح الذي كان جسده ممدداً على الفراش ، ومثنياً لساقه قليلاً .. وينظر في شاشة هاتفه المحمول ..
كانت ملامح وجهها جادة للغاية ، ونظراتها قوية نحوه ، ثم تشدقت ب :
-ممدوح أنا هاطلق من مهاب

انتبه هو لها ، وترك هاتفه من يده ، ونظر لها بإستغراب ، ثم سألها بهدوء ب :
-ليه ؟

تنهدت هي في إستياء ، ثم أردفت ب :
-خلاص أنا تعبت ، مش قادرة أستحمل ضغوط أكتر من كده

زم شفتيه قليلاً ، ونظر لها بتمعن ، وسألها بحذر ب :
-ممممم.. متأكدة من قرارك ده ؟

أومأت برأسها موافقة ، وأضافت :
-أيوه .. أنا هاطلق منه ، ونتجوز إحنا الاتنين
-ربنا يسهل

ثم نهضت عن المقعد ، وجلست على طرف الفراش ، ومدت يدها لتمسك بكف ممدوح ، ونظرت له بحنو ، وتسائلت بتوجس ب :
-يعني انت هتدعمني في قراري ده ؟

ظهر شبح إبتسامة خبيثة من بين أسنانه ، وأجابها بثقة شديدة ب :
-أكيد .. أنا معاكي للنهاية ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الأربعون

في دار الرعاية الخاصة بالمسنين ،،،،

تلقت تهاني رعاية مكثفة خلال الفترة الماضية من أجل تحسين حالتها الصحية والنفسية ..
في البداية رفضت التجاوب مع العلاج ، أو حتى الإندماج مع نزلاء الدار ، ولكن بالمثابرة وإصرار طبيبتها النفسية بدأت تستجيب تدريجياً ..
طرقت المشرفة على باب غرفة الطبيبة النفسية ( رجاء ) ، فسمحت لها بالدخول ، وإبتسمت لتهاني إبتسامة عذبة ، ثم أشارت لها بيدها لكي تجلس ، وقالت بصوت رقيق :
-اتفضلي ارتاحي هنا يا تهاني

بادلتها تهاني إبتسامة عادية ، وجلست على المقعد الجلدي الطويل – ذي اللون الأسود ، وضمت يديها معاً ، وأسندتهما على صدرها ، وأمالت رأسها نحو الطبيبة لتنظر لها ..
لم يخلوْ وجه الطبيبة من تلك الإبتسامة الرقيقة ، ولا من نظراتها الدافئة ، ثم تسائلت بصوت مألوف :
-ها ، جاهزة يا تهاني عشان نبدأ ؟
-أها
-تمام .. عاوزاكي تسترخي خالص ، وتحكي زي ما إتعودنا عن اللي مضايقك وتاعبك ، وأنا هبدأ كالعادة بمين اللي خد منك عيالك ؟ وليه عمل كده

ابتلعت تهاني غصة مريرة في حلقها ، وأغمضت عينيها ، وحاولت أن تستسلم لذكرياتها الآليمة ..
أخذت هي نفساً مطولاً ، وزفرته بتثاقل ، ثم بصوت حزين أجابتها ب :
-مهاب

وقفت تهاني مذهولة في مكانها غير مصدقة ما سمعته أذنها للتو .. جحظت بعينيها في صدمة ، وقالت بصوت مشدوه :
-مهاب ...!

ترنح هو أمامه ، وألقى بثقل جسده على الأريكة ، ونظر لها من طرف عينه ، ثم تابع ببرود ب :
-سبيني بقى أنام

ظلت تعابير وجهها مشدودة ، وقالت بتهور :
-إنت واعي للي عملته الوقتي ؟ إنت طلقتني للمرة التالتة !!!

أولها ظهره وهو ممدد على الأريكة ، وأغمض عينيه ، وقال بنبرة غير مهتمة :
-عادي

دارت تهاني حول الأريكة ، ووضعت يدها على ذراعه ، وهزته بعنف ، وهي تصرخ فيه ب :
-لأ مش عادي ، انت ... انت ضيعتني !!

زفر هو بصوت عالي ، ثم إعتدل في جلسته ، ونظر لها شزراً ، وأردف بنبرة منزعجة ب :
-يوووه ، كل يوم الأسطوانة المشروخة بتاعتك دي

أجابته هي بصوت مختنق بعد أن خانتها عبراتها وإنهمرت على وجنتها ب :
-أيوه عشانها الحقيقة ، أنا استحملت معاك كل حاجة زبالة عشان خاطر إبني ، ودوقت معاك المرار كله وإنت ولا همك لا كرامتي ولا نفسي ولا أي حاجة .. دايماً بتخوني ، وأنا بأسكت ، بتعمل حاجات قذرة ، وأنا بأستحمل عشان الحياة تمشي ، وفي الأخر تكون دي جزاتي !!

تنهد هو في إنهاك ، وتابع بضيق ب :
-انتي عارفة إني لما بأتعصب بأقول كلام مش قاصده

إختنقت الكلمات في صدرها أكثر ، وتابعت بيأس ب :
-ده مش هزار ، ده طلاق يا مهاب

زفر مجدداً في عدم إكتراث ، ثم قال بنفاذ صبر :
-قولتلك مكونتش أقصد

لم تجد تهاني أي مفر من الكارثة التي حلت عليها فجأة ، فنهرته هي بحدة ب :
-دي كانت الطلقة التالتة

ضيق عينيه قليلاً ، وتسائل بهدوء مستفز :
-بجد ؟
-ايوه ، إنت مش حاسس باللي عملته

نهض عن الأريكة ، وسار في اتجاه المرحاض ، وتابع بجدية ب :
-خلاص أنا هاتصرف

تسائلت هي في فضول أشد ب :
-إزاي ؟

أجابه مهاب بإيجاز وهو يلج للمرحاض ب :
-ملكيش فيه

لحقت هي به ، ووقفت على مدخل المرحاض ، وقال بإصرار :
-لأ لازم أعرف

أمسك هو بباب المرحاض ، ونظر لها بقسوة ، ثم قال بسخط :
-تهاني حلي عن نافوخي وأنا هاتصرف وهأردك

حدجته بنظرات مهينة ، ثم قالت بإحباط :
-حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مهاب

صفق هو الباب في وجهها بقوة ، فبصقت عليه ، وحدثت نفسها بنبرة ذليلة ب :
-أنا اللي جبت ده كله لنفسي ...!!

نهض مهاب فجأة من على المقعد المقابل لمكتب مهاب ، وصاح بذهول تام :
-أتجوزها ؟ دي مراتك يا مهاب !!

مط هو فمه قليلاً ، وقال بهدوء :
-ماهو أنا طلقتها للمرة التالتة

انزعج ممدوح كثيراً ، ورد عليه بإندفاع ب :
-وعاوزني أنا بقى أعمل ايه ، أكون لامؤاخذة آآآ..

قاطعه مهاب بصوت جاد ب :
-لأ مش كده
-أومال هاتسميها ايه ؟
-يا سيدي ده لمدة كام يوم بس عشان أعرف أردها لعصمتي

نظر ممدوح له بإزدراء ، قبل أن يجيبه بحدة ب :
-لأ معلش ، أنا مش كده
-هادفعلك اللي انت عاوزه

انفرج فمه للأسفل في إستغراب ، وتسائل ب :
-هاه ، نعم !
-أيوه ، شوف إنت عاوز كام وأنا هادفعه ، وبعدين إنت أولى من الغريب

ثم أخرج مهاب دفتراً لتحرير الشيكات من درج مكتبه، ودون به رقماً ما، ثم نزعه منه، ومد يده به نحو ممدوح الذي أخذه على الفور، ونظر له بأعين زائغة، وسأله ساخراً :
-أنا عاوز أعرف دمك ده معمول من ايه ؟!!
-متخدش في بالك

اعتلى ثغره ابتسامة متهكمة وعلق بعدم إكتراث ب :
-على رأيك ، هو بيفرق معاك أصلاً

أرجع مهاب ظهره للخلف ، وأضاف ببرود :
-بالظبط .. بص إن كان عليا أنا مش عاوزها ، بس عشان تاخد بالها من أوس وتربيه عدل
-وماله .. وإنت عاوزني أتجوزها أد ايه ؟
-كام يوم كده ، وبعد ما تطلقها هاديك مبلغ تاني
-ماشي ، اتفقنا ..!!!!

وبالفعل أقنع مهاب طليقته تهاني بالزواج من ممدوح كي يحل تلك المعضلة ، ولكن ما لم يضعه ممدوح في الحسبان هو أن يخل مهاب بإتفاقه معه حيث رفض إعطائه أي مبالغ مالية أخرى نظير خدماته ، بالإضافة لتخطيطه للزواج من ناريمان ...

-يعني إيه ؟ مش كان في بينا اتفاق
قالها ممدوح والشرر يتطاير من عينيه ..

لم يهتم به مهاب ، بل قال له ببرود مستفز :
-أه .. وأنا رجعت في كلامي

إزداد إنفعال ممدوح ، وصاح فيه ب :
-يعني انت ترجع في كلامك ، وأنا ألبس في تهاني
-ما هو أنا مش هاينفع أردها تاني ، على الأقل الفترة دي لحد ما أضمن إني أتجوز ناريمان

تفاجيء ممدوح بمخطط مهاب ، فإزداد حنقه ، وسأله بسخط :
-وإشمعنا انت تاخد كل حاجة ؟!

أمسك مهاب بسيجارته ، وأشعلها ، ثم زفر دخانها في الهواء ، ونظر له بأعين فارغة ، وقال بنبرة جادة :
-ممدوح .. بقولك إيه ، إنت مش بتعملي حاجة ببلاش ، كله بتمنه يا صاحبي
-بس الاتفاق إتفاق ..!
-والأمور جدت معايا ، فكبر بقى

أدرك ممدوح أن الحوار لن يجدي نفعه مع مهاب ، فرمقه بنظرات متوعدة ، وقال له بقسوة :
-براحتك ، بس افتكر اللي حصل الوقتي كويس ...!!

ارتسمت إبتسامة الرضا الممزوجة بالسعادة على محيا تهاني حينما أخبرها ممدوح بما دار ، فإحتضنت زوجها بذراعيها ، وتعلقت بعنقه ، وقالت بصوت ناعم :
-أنا مش مصدقة إننا هانفضل مع بعض

كانت ردود فعل ممدوح غير مقروءة بالمرة بالنسبة لها ، وتابع بدبلوماسية ب :
-أيوه .. عشان تعرفي أنا حاربت عشانك أد ايه

نظرت هي في عينيه بنظرات عاشقة ، ثم أردفت برقة ب :
-ربنا يخليك ليا ، إنت الحاجة الحلوة اللي ربنا عوضني بيها عن عذاب السنين اللي فاتت

ابتسم هو لها إبتسامة زائفة ، وقال بإيجاز :
-كويس
-أنا كمان عندي ليك خبر حلو

ضيق عينيه قليلاً ، وسألها بفضول ب :
-خبر ايه ده ؟

أمسكت هي بيده ، ووضعتها على بطنها ، وقالت بتلهف :
-أنا حامل

اتسعت مقلتيه في عدم تصديق ، وقال بنزق :
-إييييه .. حامل ؟!!!!!

هزت هي رأسها في سعادة ، وأضافت بحماس واضح :
-أيوه .. البريود إتأخرت عليا بقالها فترة ، وأنا كنت شاكة ، وحللت وإتأكدت لما طلعت النتيجة positive ( إيجابية )
-طب مبروك
قالها ممدوح بفتور ظاهر ، فشعرت تهاني بشيء غريب في ردة فعله ، فسألته بتوجس ب :
-إنت مش مبسوط ؟

وضع هو راحتي يده على وجنتيها ، ومسح عليهما بنعومة ، ثم قال بهدوء :
-لأ يا حبيبتي مبسوط

لم تقتنع هي بما قاله ، فسألته بحذر ب :
-أومال مش باين عليك ليه ؟

تنحنح هو بصوت خشن ، وأضاف بحماس زائف :
-لأ عادي .. أنا بس متاخد ، إنتي عارفة أنا أول مرة اكون فيها أب

أسندت وجنتها على كف يده الأيسر ، وحركت رأسها قليلاً لتحتك به ، وقالت بنعومة :
-هاتكون أحسن أب في الدنيا إن شاء الله
-إن شاء الله ، أنا بس محتاج أدبر أوموري عشان أمور الولادة ومصاريف آآآ...

قاطعته هي بجدية وهي تنظر له ب :
-متحملش هم أي حاجة ، أنا هاديك تحويشة عمري كله تعمل بيهم اللي إنت عاوزه
-يا حبيبتي الموضوع مش كده
-يا قلبي أنا وإنت واحد ، وفلوسي تحت أمرك

مط ممدوح فمه للجانب ، وبضيق زائف أردف ب :
-ممممم.. نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين
-أوكي
قالتها تهاني بصوتها الناعم ، ثم إرتمت في إحضان زوجها ، وأغمضت عينيها لتنعم بوجودها معه ...

راقبهما الصغير أوس –ذو الوجه العابس - من على بعد ونظر إلى كلاهما بنظرات محتقنة ، وصر على أسنانه في غضب ، وركض مسرعاً في اتجاه غرفته ...

علمت تهاني بنشوب حريق هائل في غرفة مكتبها ، فركضت كالمجنونة نحوها ، وصرخت بأعلى صوتها ب :
-ولادي جوا المكتب ، إلحقوهم ، ولادي .. آآآآآه

كان يقف أمام غرفتها حشداً من الأطباء والممرضين والعاملين بالمشفى ، فحالوا دون وصولها للداخل ..
حاولت هي أن تدفعهم وتمر عبرهم لتصل إلى الباب ، ولكن أبعدوها للخلف ، فنظرت لهم بأعين مغرورقة بالعبرات ، وتوسلت ببكاء مرير ب :
-بناتي جوا الأوضة وأوس معاهم ، سيبوني بس أجيبهم

اقترب منها أحد الأطباء ، وأحنى رأسه للأسفل ، وقال بصوت حزين :
-للأسف كل حاجة جوا ولعت

صرخت وهي تجهش بالبكاء بطريقة هيسترية عالياً ب :
-لألألألأ .. ولادي

اندفع ممدوح هو الأخر بين جموع المتواجدين ليصل إلى الغرفة ، وصاح بصوت مرتفع للغاية ب :
-بناتي .. ليان ، بيسان !!!

لمحت تهاني مهاب وهو يقترب منها ، فإستغاثت به بصوت راجي ب :
-إلحق يا مهاب ، أوس ابننا جوا الأوضة ، خليهم يسبوني أجيبه

حدجها هو بنظرات قاسية ، ثم قال بشراسة :
-إنتي مالكيش إبن ، اعتبريه مات
-إنت بتقول إيه !!!

تابع هو بنبرة أشد قسوة ب :
-الأم اللي تهمل في تربية ابنها ماتستحقش تكون أم

صرخت هي عالياً بصوت مبحوح ومختنق ب :
-لألألألألأ ..

اقترب مهاب منها ، ورمقها بنظراته المتوعدة ، وقال بقسوة أشد وهو يشير بيده :
-ابني هاربيه بمعرفتي ، وإنتي هتتحاسبي عن إهمالك وخيانتك

ثم تركها وإنصرف دون أن يلتف إلى صراخها المتواصل ب :
-ولادي ، لأ .. يا مهاب ... مهاب ....!!

أفاقت تهاني من ذكرياتها وهي تتنهد بمرارة ، وتبكي بحرقة وهي تتابع بيأس ب :
-خدوا كل حاجة مني في لحظة ، ولادي وفلوسي ، ورموني في الشارع ، أنا مأهملتش فيهم ، أنا كنت بأحبهم كلهم ، وهما غصب عني راحوا مني .. راحوا مني ومعرفتش أرجعهم تاني ..آآآه .. يا حرقة قلبي على ولادي التلاتة ، يا فرحة عمري اللي ضاعت

أمسكت الطبيبة رجاء بكف يدها ، وضغطت عليه بحنو ، وقالت بصوت هاديء :
-اهدي يا تهاني .. كل حاجة هتتغير للأحسن

هزت هي رأسها بالنفي ، ونظرت لها بحزن دفين ، وقالت بنبرة مليئة بالإحباط :
-ماظنش ، مافيش حاجة بعد الضنا تسوى

ابتسمت لها رجاء ابتسامة رقيقة ، وأكملت بهدوء ب :
-شششش ..كفاية كده النهاردة ، ونكمل وقت تاني

ثم ساعدت تهاني على النهوض من على الأريكة المريحة ، وأوصلتها إلى خارج غرفتها ..

في مشفى عائلة الجندي ،،،،

تماثلت تقى للشفاء تماماً ، وتمكنت من السير بمفردها والدخول للمرحاض دون أي مساعدة من غيرها ...
قررت هي أن تستغل الفرصة وتهرب من المشفى ، فأوس لم يعد يزورها لفترات طويلة مثل الماضي ، واليوم لم يأتْ لزيارتها ، فعقدت العزم على ترك المشفى ، والإختفاء للأبد في مكان لا يستطيع أن يصل إليها ..

حاولت هي أن تجد أي ملابس تناسبها لتستبدل ثياب المشفى ، ولكن كانت الخزانة خاوية ...
لطمت تقى على وجهها في صدمة ، ثم حدثت نفسها ب :
-طب أعمل ايه أنا ؟ ده مافيش أي هدوم ليا !

أغلقت باب الخزانة ، وحدقت أمامها بنظرات حادة ، وقالت بجدية :
-مش مشكلة الهدوم دلوقتي ، أهم حاجة إني أهرب من هنا قبل ما يجي الحيوان ده

سارت تقى بخطوات متمهلة نحو باب غرفتها ، ومدت يدها لتمسك بالمقبض ، وأدارته ، ولكنها تفاجئت بالباب موصداً ، فتملكها الفزع ، وإنقبض قلبها ، وإزدادت ضرباته ..
حركته مجدداً بطريقة أعنف لعلها تتمكن من فتحه ، ولكنها عجزت عن فتحه ..
فإضطرت أن تطرق عليه بشدة وهي تصيح عالياً ب :
-ياللي برا ( طق – طق – طق ) ، أنا محبوسة هنا ولا إيه ( طق – طق –طق ) ، افتحولي الباب

وضعت أذنها على الباب لتستمع إلى صوت من بالخارج ، وأنصتت بتركيز شديد للهمهمات الخارجية ، ولكنها لم تستطع أن تتبين ما يُقال ، ثم زفرت في ضيق ، وطرقت بقبضتها على الباب وهي تصرخ ب :
-افتحوا الباب ده ، هو أنا في السجن ، عاوزة أخرج من هنا ..!!

استمعت هي إلى صوت وقع أقدام شخص ما يقترب من غرفتها ، ثم صوت مفتاح يدار في المكان المخصص له ، فتراجعت خطوة للخلف ، وأمعنت النظر في الباب...

فتحت ممرضة ما باب الغرفة ، فإندفعت تقى نحوها ووجهها ذو تعابير حادة ، وعنفتها ب :
-بتقفلي عليا الباب ليه ؟ ها ؟؟

أمسكتها الممرضة ، وحاولت إرجاعها للداخل وهي تجيبها بهدوء ب :
-لو سمحتي يا آنسة تقى ، ارجعي لسريرك تاني ، أنا معنديش أوامر إنك تغادري الأوضة

لوحت تقى بيدها لأكثر من مرة ، ودفعتها مجدداً بكل ما أوتيت من قوة ، وبنبرة مليئة بالإصرار تابعت ب :
-بس ، سبيني ، أنا هامشي من هنا ، وحالاً

إستخدمت الممرضة قوتها الجسمانية ، وتمكنت من الإمساك بذراع تقى ، وجذبتها للداخل وهي تعقب بهدوء ب :
-مش هاينفع صدقيني
-يوووه ، إبعدي بقى ، أنا هامشي يعني هامشي

ثم إستمعت كلتاهما إلى ذاك الصوت الرجولي الصارم المألوف لهما وهو ينطق ب :
-وماله يا تقى ، إنت هاتمشي فعلاً ، بس معايا ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الحادي والأربعون

في مسجد الحارة القريب ،،،

إعتلى الشيخ أحمد المنبر ، وسعل لعدة مرات قبل أن يبدأ حديثه للمتواجدين بداخل المسجد حتى ينتبهوا إليه ..
صمت غالبية المتواجدين ، وسلطوا أنظارهم عليه ، فبدأ هو كلامه بصوت رخيم وهاديء ب :
-بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام .. أحبائي في الله ، اليوم نتحدث عن أمر هام وهو ظن السوء ، وقذف المحصنات ..

تحدث الشيخ أحمد عن حادثة الإفك الخاصة بالسيدة عائشة – رضي الله عنها – وكيف تم الإساءة إليها ، ثم تطرق إلى الحديث عن تقى ، فصدرت همهمات غير واضحة ، فتعمد هو أن يرفع نبرة صوته قليلاً وهو يضيف :
-المولى عزوجل قال لنا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " .. لذا علينا إخواني في الله أن نتحرى الدقة والصدق فيما نقول وفيما نسمع ، ولا ينبغي علينا أن ندعي بالباطل على فتاة ما كلنا نعرفها حق المعرفة ، تربت بيننا على الأخلاق الطيبة .. وسوف يحاسبنا الله على ظننا بالسوء لها ، إتقوا الله أحبائي ..!

لم يكف هو عن الدفاع عنها ، وعن تبرئة ما قيل في حقها ، فإقتنع البعض بما قاله ، وإعترض البقية .. ورغم هذا أصر على أن يكمل خطبته في الدعوة إلى تحري الدقة في نقل الأخبار ، وعدم قذف المحصنات ...

في داخل مصلى السيدات ،،،
بكت فردوس بحرقة وهي تستمع إلى الخطبة ، وحدثت نفسها بندم ب :
-كان فين عقلي وأنا بإيدي دول خليت اللي يسوى واللي مايسواش يلوم على بنتي ، آآآه ، يا ريتني أقدر أعوضها عن اللي فات ، يا ريتني أقدر ...!!

ظلت بعض النساء تتحدث بالسوء عن فردوس وإبنتها رغم ما قاله الشيخ أحمد، ونهاهن عن فعله.. فألسنتهن كانت الأسرع في نقل الأكاذيب عن كلتاهما..

في مشفى عائلة الجندي

تجمدت تقى في مكانها حينما رأت أوس يقف في الخلف ، ومحدقاً بها ..
أشار هو للممرضة بعينيه الجادتين لكي تنصرف ، وبالفعل أرخت يديها عن تقى ، وخرجت من الغرفة ..

تراجعت تقى بظهرها للخلف ، ونظرت إليه بذعر ، ونطقت بصوت مرتجف ب :
-أنا .. أنا آآ..
-إنتي جاية معايا الوقتي ، خلاص وقتك أذف !!

جحظت عينيها في رعب ، وهربت الدماء من عروقها ، وتسارعت دقات قلبها حتى كادت أن تصم آذانها ..
نظر هو إليها بتفحص ، وإعتلى ثغره إبتسامة وضيعة ، ثم تشدق ب :
-زمان قولتيلي إن جنتي جهنم بالنسبالك ، وأنا هاخلي ده يحصل فعلا

إنفرجت شفتيها في فزع حقيقي ، وزائغت عينيها ، ونطقت بصوت مبحوح ب :
-هاه ، لأ

تحرك هو في اتجاهها بخطوات ثابتة ، ولم يحيد بعينيه القويتين عنها ، وقال بصوت آجش يحمل الوعيد :
-الجحيم رحمة باللي هاعمله فيكي
-آآ.. إنت .. آآ...!
-أنا بنفذ إتفاقنا .. يالا

لم يترك لها المهلة لكي تستوعب حديثه لها ، حيث أمسك بها من معصمها ، وجذبها عنوة نحوه ، ثم إنحنى بجذعه قليلاً للأسفل ليضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ، وحملها بين ذراعيه عالياً ، وأحكم قبضتيه عليها ، فصرخت هي فيه بصوت مرتفع مستغيثة بمن في الخارج ، فنظر لها بقسوة مخيفة وقال ببرود :
-محدش هينجدك مني ، وقتك جه معايا ، وإتفاقنا هيتم ...!

ركلت بساقيها في الهواء ، وتلوت بجسدها كثيراً لتتحرر منه ، ولكنه كان دائم السيطرة على كل حركاتها ، وسار بخطواته الواثقة نحو المصعد ...

تابع العاملون بالمشفى ما يفعله معها بفضول شديد ، ولكن لم يجرؤ أي أحد على التدخل ..
الكل يدعي إنشغاله رغم إختلاسهم النظرات لكليهما ...

في قصر عائلة الجندي ،،،،

أسند عدي كأس المشروب البارد على الطاولة الذهبية التي تتوسط غرفة الصالون ، ثم تابع حديثه مع كلٍ من مهاب وناريمان بنبرة واثقة ب :
-وأنا زي ما قولت لحضراتكم ، أنا مستعد أعمل لليان اللي هي تؤمر بيه ، بس أهم حاجة نتجوز على طول

رفع مهاب أحد حاجبيه في توجس ، وتسائل بجدية ب :
-أنا عاوز أفهم سبب الاستعجال ده إيه

تدخلت ناريمان هي الأخرى في الحديث ، وأضافت بصوت جاف ب :
-أيوه فعلاً ، إيه اللي يخليك تيجي تتجوزها وهي لسه أصلاً مخلصتش كلية

-لأني غلطت في الحرام ، وعدي جاي يتستر عليا
قالتها ليان بنبرة خالية من الحياة وبتعابير وجه غير مقروءة وهي عاقدة لساعديها أمام صدرها ، فأصيب كلاً من مهاب وناريمان بالصدمة الشديدة ، فحالهما كمن صب فوق رأسه دلواً من الماء المثلج ..

نهض مهاب عن الأريكة ، وحدج إبنته بنظراته المحتقنة وهو يسألها بحدة ب :
-إنتي بتقولي ايه ؟

لم يختلف حال ناريمان كثيراً عن زوجها ، حيث صرخت فيها عالياً ب :
-ليان ، إنتي اتجننتي !!

أرخت ليان ساعديها ، وتغنجت بجسدها وهي تتجه نحوهما ، ثم سلطت أنظارها على ناريمان ، وتابعت بفتور :
-لأ ماتجننتش ، أنا عملت زي اللي شوفته بيتعمل في البيت ده

باغتها مهاب بصفعة مؤلمة على وجنتها ، فأصدرت ليان أنيناً مكتوماً وهي تضع يدها على وجهها ، وأدمعت عيناها ، في حين إنتفض عدي فزعاً من مكانه ، ونظر إلى الجميع بصدمة ، وقال بتلهف :
-بالراحة يا عمي ، المسائل دي ماتتحلش بالعصبية

لم تلتفت ليان إلى عدي ، بل ظلت تنظر إلى مهاب بنظرات معاتبة ، وأضافت بصوت شبه ثابت ب :
-ده مش هايمنع يا بابي اللي حصل

كور مهاب قبضة يده ، وهدر فيها بحنق ب :
-أنا فعلا معرفتش أربيكي

إنهارت ناريمان ، ولم تعد تقوى على الوقوف ، فألقت بجسدها على الأريكة ، وأخفضت رأسها للأسفل وبدأت تنتحب ب :
-أنا مش مصدقة اللي بأسمعه منك
-لأ صدقي يا مامي .. ماهو أنا مش جبته من برا

رفعت هي عينيها لتنظر بتوتر إلى ليان وقد رأت في نظراتها إتهاماً صريحاً لها ، فإبتلع غصة في ريقها ، وأردفت بصوت مرتبك ب :
-إنتي .. إنتي آآآ...

-يا جماعة مالوش لازمة العصبية ، أنا اتفقت مع ليان إننا هانتجوز ونحل المشكلة دي

استدار مهاب بجسده ليواجه عدي ، وقال متهكماً :
-لا والله ، طب وأنا لزمتي إيه بقى ؟!
-يا عمي إنت الخير والبركة ، بس مشكلة ليان مالهاش حل إلا كده ، إننا نتجوز ، صدقني يا عمي ده لمصلحتها ولمصلحتك ، سمعة العيلة كلها ممكن تضيع باللي اتعمل

صمت مهاب ولم يعقب على كلامه ، فهو يدرك أهمية ما يقول ، فليان قد أجرمت في حق عائلتها قبل نفسها ..
أضاف عدي بصوت أجش :
-ولعلمك يا عمي أوس عارف بده

استشاط مهاب غضباً ، وقال بنبرة مغلولة :
-كمان ...!
-ومعندوش مانع في إننا نتجوز

لم يجد مهاب بداً من الإعتراض ، فإصرار عدي على الزواج من ليان حقيقة مفروغ منها ..
زفر هو في غضب ، ونظر لليان بنظرات إحتقارية ، وأردف وهو يلوي فمه في إستهجان :
-ماهو إنتي لو بنتي بصحيح مكونتيش عملتي كده

تعجبت ليان مما قاله ونظرت له بطريقة غريبة ، فطريقته في إلقاء تلك العبارة على مسامعها كانت مختلفة إلى حد كبير ، وكأنه يعني كل كلمة فيها ، في حين تجمدت الكلمات على شفتي ناريمان ، ونظرت بذعر إلى الجميع ، وخفق قلبها في خوف ، وخشيت أن يزيد الطين بلة ، ويفصح مهاب عن ذكريات الماضي خلال تعصبه ، فقررت أن تتدارك الأمر سريعاً ، لذا نهضت فجأة من مكانها ، وصرخت عالياً ب :
-كفاية ، مش عاوزة كلام تاني في الموضوع ده ، عدي هيتجوز ليان بكرة .... !!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

إتجه أوس وهو يحمل تقى إلى الطابق دون الأرضي حيث يوجد الجراج الملحق بالمشفى ..
لم تكف هي عن الصراخ ولا عن طلب المساعدة ، ولم يعبأ هو للحظة بأي أحد ينظر إليهما ..
وصل هو إلى سيارته ، وأنزل تقى على ساقيها ، ولكنه أمسك برسغيها بكفه ، وأسند جسدها على صدره ، وتمكن من شل حركتها بدرجة كبيرة ..
قاومته هي بكل ما أوتيت من قوة ، وحاولت أن تتحرر منه ، وظلت تصرخ بصوتها الذي بح ب :
-إلحقوني يا ناس ، حد يساعدني

ضغط هو أكثر على صدرها بذراعه ، وألصق فمه بأذنها ، وهمس لها وهو يصر على أسنانه ب :
-محدش هاينجدك مني ، وبعدين مش ده كان إتفاقنا ، ليه بترجعي فيه ؟

حركت هي رأسها للجانب لتتجنب أنفاسه التي تلهب أذنها ، وقالت بإصرار :
-أنا مش عاوزاك ، مش عاوزاك

لف هو ذراعه الأخر حولها ، وضمها إلى صدره أكثر ، وقال بصوت خافت يحمل الوعيد :
-الإتفاق إتفاق ، بالرضا بالغصب هايتنفذ ، فأحسنلك تكملي اللي باقي بالذوق بدل ما أخده منك عافية ..!

ثم صمت لثانية قبل أن يهمس بنبرة شيطانية ب :
-وده اللي أنا مستنيه من زمان منك

تسارعت أنفاسها في ذعر جلي وهي ترى إصراره المخيف عليها ونظراته الشهوانية لها .. فإزدادت مقاومتها له ، وإزداد تمسكه هو بها ..

نجح أوس في فتح السيارة ، ثم دفع تقى للجلوس في المقعد الأمامي ، فصاحت هي ب :
-مش هاجي معاك ، سيبني

ربط أوس حزام الآمان الخاص بها ، ووضع يده على فكها ، وضغط عليه بقسوة ، وأدار رأسها في إتجاهه ليجبرها على النظر إليه ، وأردف بنبرة محذرة ب :
-اتعدلي أحسنلك معايا ، بدل ما تشوفي اللي خايفة منه ، وبيدور في خيالك هنا ، إتفاقنا هيتنفذ !

ثم وضع إصبعه على رأسها ، وضيق عينيه ، وتابع بصرامة ب :
-حطي ده في دماغك ، أوس الجندي بينفذ كلامه ..

هزت هي رأسها في خوف ، فإبتسم لها بهدوء ، وقال :
-تعجبيني

ثم إعتدل في وقفته ، وأغلق بابها ، ودار حول السيارة ليركب إلى جوارها ، ثم إنطلق بها نحو منزله بمنطقة المعادي ......!

في منزل تقى عوض الله ،،،،

ولج إلى غرفة نوم فردوس عدة رجال وهم يحملون عوض الله على أذرعهم ، ثم أسندوه برفق على الفراش .. ودثره أحدهم بالغطاء ، ووضع أخر وسادة خلف رأسه..
نظرت إليهم فردوس بإمتنان ، وقالت بنبرة شاكرة :
-كتر خيركم يا رجالة ، ربنا ما يوريكم حاجة وحشة في حبايبكم

تنحنح رجل ما بصوت خشن ، وأردف بجدية ب :
-ألف سلامة عليه ، ربنا يديله الصحة ده بركتنا كلنا

وأضاف شخص أخر بصوت عادي :
-يلزمش أي حاجة تانية يا ست فردوس

-تسلموا وتعيشوا يا رب
قالتها هي بنبرة ممتنة وهي تصحب الرجال إلى خارج منزلها ..

تأوه العم عوض من الآلم ، ورفع ذراعه المرتعش في الهواء ، وأشار بإصبعه نحو دورق ما ، وقال بصوت ضعيف :
-م.. ماية .. عطشان

ركضت فردوس مسرعة في اتجاه الغرفة ، وقالت بتلهف :
-حاضر يا عوض ، هاسيقك أهوو

صبت هي الماء في الكوب المعدني ، وجلست على طرف الفراش ، ثم مدت يدها لتعدل من رأس زوجها حتى يتمكن من شرب المياه ، فإرتشف هو القليل ، فنظرت هي له بشفقة ، وقالت بندم :
-سامحني ياخويا على اللي عملته فيك زمان ، أنا كنت بأتبطر على النعمة اللي ربنا إدهاني ، وبألعن حياتي ، لكن انت كنت راضي بأي حاجة تجيلك ...!

ثم تنهدت في إنهاك ، وتابعت بصوت يأس ب :
-آآآه .. يا مين يرجعني بالزمن لورا ، ده أنا كنت أخد بالي منك ومن بنتي الوحيدة .. آآآخ يا زمن .... !!

ظلت تقى طوال الطريق ترتجف بشدة ، وتبكي بمرارة وهي ترى المصير القاتم المقبلة عليه ..
في حين وزع أوس بصره بينها ، وبين الطريق .. وكانت إبتسامة إنتصار تعتلي ثغره من حين لأخر وهو يرى مدى قوته وتأثيره على تلك الهزيلة التي قاومته ..

كان الصمت سائداً بينهما ، فكسر حاجزه أوس ب :
-عاجبك الطريق ؟

لم تلتف إليه ، وظلت تبكي وهي تنظر للطريق من نافذتها ..
أراد هو إستفزازها ، فمد يده وأسندها على كتفها ، فإنتفضت فزعة في مقعدها ، ونظرت إليه بذعر ، فقال لها بغرور :
-مش عاوزك تخافي مني الوقتي ، أنا مش هاعملك حاجة ، بس حطي في بالك إن الخوف الحقيقي جاي بعدين

برقت عينيها المتورمتين في خوف، وإزدادت إرتجافة شفتيها، فتملكته الرغبة في تلمسهما بأصابعه، وكان على وشك فعل هذا، ولكنه تدارك نفسه، وقبض على المقود بيده، وحدق في الطريق أمامه ، وتجشأ مازحاً ب :
-ولأن الحلال أجمل .. هانتظر ليلتك معايا يا تقى !!!

ثم ضحك عالياً وبطريقة مستفزة ليزيد من توترها وإرتباكها ...

في قصر عائلة الجندي ،،،،

أمسك عدي بكفي يد ليان التي جلست تبكي في الحديقة ، وربت عليهما في حنو وزائف ، وبنبرة خافتة قال :
-أنا عارف إنك مكونتيش عاوزة تقوليهم ، بس ده اللي كان هايخليهم يوافقوا من غير مماطلة ....!

تنفست ليان بصعوبة ، وحاولت أن تسيطر على بكائها ، وقالت بصوت متشنج :
-أنا بقيت رخيصة في نظرهم

ضغط هو بإبهاميه على كفيها ، وحركهما حركة دائرية ، ونظر لها بنظرات عاشقة ، وأردف بصوت رومانسي :
-لأ إنتي غالية أوي عندي

هزت هي رأسها بالنفي ، وقالت بتبرم :
-ده كلام .. الحقيقة غير كده

ابتسم لها نصف إبتسامة من زاوية فمه ، وقال بمكر :
-صدقيني يا ليان ، أنا مش هاتجوزك عشان اللي حصل وبس ، لأ .. أنا هانسيكي اللي فات كله ، ومش هاتفتكري حد إلا أنا ...........!

صف أوس سيارته أمام البناية التي يقطن بها بمنطقة المعادي ، وترجل منها ، في حين تمسكت تقى بمقعدها ، وتابعته بنظراته المذعورة وهو يدور حول السيارة ليفتح لها الباب ..
أشار لها أوس بكف يده ، وهو يقف معتدلاً بجسده ، وبصرامة آمرها ب :
-إنزلي

هزت رأسها بالنفي إهتزازة خفيفة ، فحدجها بنظراته القوية ، ومن ثم نطق ب :
-براحتك .. بس هتتحاسبي على ده ( وقتي ) لو ماجتيش معايا

خشيت هي أن تثير غضبه حقاً فيتهور معها ، ويفعل ما لا يُحمد عقباه .. فترجلت بتردد من السيارة ..
تأملت بنظراتها المرتجفة المكان من حولها وهي ممسكة بقبضتيها بباب السيارة ، ولكنها سريعاً ما أخفضت عينيها لتنظر إلى كفي أوس الموضوعين على يديها ، ثم رفعت بصرها نحوه ، فإبتسم هو لها بغرور ، وغمز لها من زاوية عينه ، وقال بخبث :
-شاطرة ، تعجبيني !!

حاولت هي أن تسحب يدها من تحت كفيه ، ولكنه قبض عليهما أكثر ، ونظر لها بنظرات ذات مغزى ، وتابع بنبرة متوعدة :
-جه دوري إني أكسرك وأذلك يا تقي ، بس بالحلال...

إلى اللقاء مع الجزء الثاني غدا إن شاء الله

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الأول الفصول 31-41 والأخير للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الحادي والثلاثون

في منزل تقى عوض الله ،،،،

تجمد أوس في مكانه لثوانٍ وهو يحاول إستيعاب ما قالته تلك العجوز للتو ، وحدق بها بطريقة غريبة وكأنها قد قالت لغزاً غامضاً ..
في حين تراخى جسد تقى بين يديه ، وكادت أن تفلت منه وتسقط على أرضية منزلها ، ولكنه أسرع بالإمساك بها من خصرها ، وأسند رأسها على صدره ، وبالذراع الأخر أحاطها ..

تسمرت فردوس في مكانها وهي ممسكة بالسكين في يدها والتي تقطر منه بقع الدماء الصغيرة من نصله على رسغها والأرضية ولم تتبدل ملامح وجهها .. لقد ظنت أنها ستشعر بالإرتياح إن لقنتها درساً قاسياً وإقتصت لتدنيسها شرف العائلة ، ولكن ما حدث كان العكس ، فقد أفاقت على بشاعة ما فعلت .. وأيقنت أنها أجرمت في حق إبنتها الوحيدة حينما طعنتها ببرود أم قاتلة دون أي شفقة أو رحمة...

أخفض أوس بصره للأسفل ليرى بقعة الدماء تخترق قميصها المنزلي من ظهرها وتتسع بالتدريج ، فشهق بصوت مكتوم ، ولم ينطقْ .. وشعر لوهلة أنه قد إنفصل تماماً عن الواقع الذي يعيش فيه ليعود بذاكرته إلى ذكريات ماضيه المريرة التي تطارده....

كان الصغير أوس يسمع همهمات بجانب أذنه وهو مغمض العينين ولا يستطيع تمييزها بوضوح .. وحاول جاهداً أن يفتح عينيه فلم يتمكن إلا من فتح واحدة فقط ولكن قليلاً .. آمال رأسه للجانب فلمح تلك البقع الحمراء التي تلطخ ملابسه من زاوية عينه ، ورأى أشباح أشخاص يرتدون ملابساً ناصعة البياض يحاوطونه ، وحاول أن يتحدث لكن كان هناك قناعاً بلاستيكياً موضوعاً على فمه وأنفه يعوقه عن الحديث ، ولم تكن لديه القدرة الكافية لكي ينطق ، فحلقه كان يؤلمه بشدة ، لذا قرر أن يركز في الأصوات المبهمة من حوله ، فلم يستمع إلا لصوت تنفسه هو فقط ..

تمكن الصغير أوس من فتح عينيه الاثنين معاً ، فرأى مقدمة رأسوجه شخص ما يألفه تقترب منه ، ثم شعر بمسحه كفه على جبينه ، وركز في صوته فعرف أنه والده حينما نطق ب :
-كان ممكن يضيع فيها ، إنت اتجننت يا بنى آدم

اقترب ذلك العامل منه ، ومال عليه فبدى صوته قريباً من أذن أوس وهو يبرر موقفه ب :
-يا باشا أنا كنت مفكر إنها بس اللي في المكتب !
-وطلعت مش فيه ، وكان إبني هايروح مني
قالها مهاب بحنق وهو يرمق العامل بنظراته النارية الحادة

ابتلع العامل ريقه ، وبنبرة شبه فاترة قال له :
-ربنا ستر ، المهم إن ابن سعادتك بخير

حدجه مهاب بنظرات مميتة قبل أن يجيبه بتهكم ب ..:
-بخير ..!! الله أعلم إن كان الولد هايكون بخير ولا لأ !

أمسك مهاب بمعصم ابنه ، وبدأ يتفحص نبضه ، ثم أسنده إلى جوار جسده الصغير ، وبدأ يتفحص عينيه وحاول التحقق من بؤبؤهما من خلال تسليط ضوء ذلك القلم الضوئي عليهما ..

تأمل العامل ما يفعله مهاب بإكتراث ، ثم بنبرة عادية بادر ب :
-إن شاء الله يا باشا هايقوم ويبقى كويس ، أنا لحقته لما لمحته من الإزاز ، أنا مكنش قصدي إني أجرحه وأنا بأنط بيه برا الأوضة ، بس خوفت يتحرق وآآ.....!

رمقه مهاب بنظرات حادة قبل أن يقاطعه بصوت غاضب ب :
-إياكش إنت اللي كنت اتحرقت بداله
-مقبولة منك يا باشا

أخذ مهاب نفساً عميقاً ، وزفره على عجالة ، ثم حاول أن يسيطر على إنفعاله ، وسأل العامل بهدوء مصطنع ب :
-طب وتهاني ؟ حصلها حاجة ؟

-لا يا باشا ، فلتت منها ، بس آآ.. آآ..
لم يكمل العامل عبارته الأخيرة والتي نطقها بصوت متردد ، ثم أطرق رأسه للأسفل في حزن زائف فأثار حفيظة مهاب الذي سأله بإهتمام ب :
-بس ايه ؟

أجابه هو بصوت متلعثم ب :
-بس بناتها آآ...

نظر إليه مهاب مطولاً ، وسأله بجدية ب:
-مالهم ؟!

أخفض العامل نبرة صوته وهو يفسر له :
-في واحدة فيهم ماتت مخنوقة من الدخان ، لكن التانية مش عارف حالتها الصراحة

اتسعت عيني مهاب في صدمة رهيبة بعدما سمع عبارته الأخيرة ، وتسأل بصوت مرتجف ب :
-ايييه ؟ انت بتقول ايه ؟ هما كانوا في الأوضة ؟
-ايوه ، بس والله مكونتش أعرف

أمسك مهاب بتلابيب العامل ، وهزه بعنف وهو ينهره بصوت حانق ب:
-يخربيتك ، أنا قايلك تخلص على تهاني وممدوح وبس
-ماهو يا باشا إنت كنت قايلي أما ألاقيهم سوا أنفذ اللي آآ... آآ...

قاطعه مهاب بعد أن أرخى قبضتيه عنه قائلاً بإنزعاج :
-باشا إيه وزفت ايه الوقتي ، الله يحرقك ، إنت .. إنت عملتلى مصيبة كبيرة ...!
-متقلقش يا باشا محدش عرف حاجة
-ياخي اسكت خالص السعادي
نهره مهاب بحدة قبل أن يوليه ظهره ، ويضع يده على رأسه ليحكها في حيرة لعدة مرات ..

أجاب عليه العامل ببرود ب:
-حاضر ، أوامرك يا باشا

شرد مهاب للوهلة وهو يفكر في حل فوري لتلك الفاجعة التي تسبب بها ، ثم تحرك في اتجاه النافذة الجانبية المتواجدة على يسار الغرفة وحدق في الفراغ ، وفكر بصوت مسموع نسبياً ب :
-ده ممدوح مش هايسكت ولا تهاني عن اللي حصل لبناتهم ، ده .. ده اللي حصل أصلاً كارثة بكل المقاييس ، أنا مش ضامن ردة فعلهم ، لازم أظبط كل حاجة عشان آآ...

نظر العامل بإستغراب إلى مهاب ، وحك ذقنه بإصبعيه ، ثم سأله بفضول ب :
-بتقول حاجة يا باشا ؟

إستدار مهاب بجسده ناحيته ، ورمقه بنظرات قاسية قبل أن يصدح فيه بصوت قوي ب :
-إنت لسه واقف عندك ، غور دلوقتي أما أشوف أنا هاتصرف في المصيبة دي إزاي ...!!!!

مط العامل شفتيه في استهجان وهو يجيبه ب :
-طيب

ثم سار في اتجاه باب الغرفة وهو يغمغم بخفوت ب :
-أعوذو بالله ، دي أخرت المعروف مع البشوات ...!

أفاق أوس من شروده على صوت صراخ إجلال الهادر ب :
-ليه عملتي كده يا فردوس ؟ قتلتيها ليه ؟
-أنا .. آآ.. انا بأربيها ، و آآ..
لم تستطع فردوس أن تجيبها بكلمات واضحة ، بل وزعت أنظارها ما بين نصل السكين ، وإبنتها الغارقة في دماؤها ..

نظرت لها إجلال بنظرات مصدومة ، ثم عنفتها ب :
-حرام عليكي ، ده بنتك أغلب من الغلب ، ازاي ت.. آآ..

لم تكمل إجلال عبارتها بسبب ما فعله أوس حيث أمسك بتقى من خصرها ، وثنى جذعه للأسف ليتمكن من وضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ليحملها بين ذراعيه ، ثم انطلق بها مسرعاً خارج المنزل ، ونزل على الدرجات دون أن ينبس بكلمة ..

وصل أوس إلى خارج البناية القديمة ، ونظر حوله بريبة محاولاً تذكر أين صف سيارته ، في حين نظر إليه بعض المارة بإستغراب شديد ، وإزداد فضولهم لمعرفة سبب حمله لتقى في تلك الساعة المبكرة ..
ولكنه لم يمهل أي أحد الفرصة لسؤاله أو حتى لإستجاوبه ، حيث ركض بها في اتجاه سيارته المركونة على مدخل الحارة ..

في نفس التوقيت كانت الجارة أم بطة تتجه خارج البناية التي تقطن بها وهي تحمل في يدها حقائب بلاستيكية بها طعام الإفطار للعروسين ..
كانت هي مطرقة الرأس وهي تتأكد مما في يدها ، ولكن اصطدم أوس وهو يركض في طريقه بها ، فصاحت هي عالياً فيه وهي تشيح بيدها في الهواء ب :
-مش تحاسب يا جدع انت ، ماشي طايح في الناس ولا همك .. ايه ده ؟

دققت هي النظر جيداً فيه فرأته يحمل تقى بين ذراعيه ، فجحظت بعينيها ، وقالت بنزق :
-الله ..آآ.. دي .. دي تقى
-وسعي من قدامي
آمرها أوس بصوت قاتم وهو ينظر لها بحدة ..

لم تفسح له المجال أم بطة ، بل سدت عليه الطريق ، وإعترضته وهي تحتج ب :
-لأ مش هاوسع إلا لما تقولي إنت واخدها ورايح فين ؟
-إبعدي عن خلقتي السعادي يا ست إنتي

لوحت أم بطة بيديها في الهواء بعد أن أسندت الحقائب البلاستيكية على الأرضية الإسفلتية ، ثم هدرت عالياً ب :
-يا ناس يا هوو ، تعالوا شوفوا آآ..

-حسبي
قالها أوس وهو يدفعها بكتفه بقوة ، ثم مر من جوارها بخطواته الراكضة ، ولم يهتم بصراخها ولا بما تفعله ، بل سلط نظره على سيارته ، وحاول أن يخرج مفتاحها من جيبه دون أن يضطر لإنزال تقى على ساقيها ..

تمكن هو أخيراً من فتح باب سيارته ، ثم أجلس تقى على المقعد الأمامي بحذر ، وأسند رأسها للجانب براحتي يده ، ثم أبعدهما عن وجنتيها ، وكور قبضة يده في تردد فقد لمح تلك القطرات الباردة التي تبلل وجهها الشاحب ، فمد يده نحوها ، ومسح بكفه حبات العرق من عليه ، وتأمل لثوان ملامح وتشنجات قسمات وجهها الهزيل ..
لوى أوس فمه في ضيق وقد أدرك أنه ترك لنفسه الفرصة ليحيد عن هدفه ، فأسرع بتولي زمام الأمور مجدداً ، حيث أحكم ربط حزام الآمان عليها ، ثم بكل هدوء أغلق باب السيارة ، ومن ثم دار حولها بخطوات سريعة ليركب خلف المقود ، ثم أدار المحرك سريعاً ، وإستدار برأسه للخلف وهو ممسك بعجلة القيادة ، ولم يكف عن إطلاق بوق السيارة كي يتمكن من المرور ، فقد كان المدخل ضيقاً ، وأهل الحارة يسدون الطريق ببضائعهم ، لذا حاول بمهارة فائقة وسرعة غير عادية أن يخترق الجميع ليصل إلى الشارع الرئيسي ..
ما هي إلا لحظات حتى تمكن أوس من الوصول للطريق ، فضغط على دواسة البنزين بكل قوة لتنطلق السيارة بسرعة قصوى نحو مشفى الجندي الخاص .....

في أحد المناطق العشوائية ،،،

تجمع عدد من الأطفال الصغار ذوي الملابس الرثة والهيئة المزرية أمام إحدى مقالب القمامة ، وبدأوا يتقاذفون كرة صغيرة مصنوعة من الجوارب ..
صاح أحدهم عالياً وهو يلوح بيده ب :
-يا عم شوط كويس

رمقه طفل أخر أصغر حجماً منه بنظرات ضيقة قبل أن ينطق بتبرم ب :
-ما أنت اللي أحول مش عارف يمينك من شمالك

أجابه الأول بنبرة حادة ب :
-أنا برضوه ، ولا إنت اللي ****

تملكت العصبية ذلك الطفل الأصغر ، فهدر ب :
-طب بس يا **** !!

تدخل طفل ثالث – رديء المظهر - في المشاجرة ليحول بينهما ، فأردف ب :
-اهدوا يا جدعان ، أنا اللي هاشوط
-طب إنجز في أم يومك ده
-جاهز
-أيوه

ثم ركل ذلك الطفل المشرد الكرة بقوة كبيرة ، فإندفعت في إتجاه تلك السيدة الشمطاء المطأطأة الرأس والجالسة القرفصاء بجوار صندوق القمامة والتي كانت مشغولة بالبحث عن الطعام ..
ضربت الكرة كيس القمامة الذي كان بحوزتها ، فتناثرت محتوياته على الأرض ، فتملكها الغضب ، ورفعت رأسها للأعلى ، وحدجتهم بنظراتها المحتقنة قبل أن تصرخ فيهم ب :
-يا ولاد ال *** .. !

توجس الطفل الأصغر من غضبها ، فنصح رفاقه ب :
-ابعد يا بني انت وهو عنها ..

سأله أحدهم بإستغراب ب :
-ليه يعني ؟
-دي مجنونة !
-أيوه .. تهاني الهبلة ، ملكش دعوة بيها دي تاكلك ياوله
قالها الطفل الأصغر قبل أن يركض مبتعداً عنها ، ولحق به بقية من معه ..

لم تكف تهاني عن إطلاق السباب اللاذع وهي تقف في منتصف الطريق وتشير بيدها لهم ..
ثم إستدارت للخلف ، وعادت لتجلس في مكانها بجوار صندوق القمامة ، وتنهدت بحسرة ب :
-خدوا كل حاجة مني ، ورموني .. آآآآه ... آآآآآه

ثم دوى صوت سيارات الشرطة في أرجاء المكان فأحدثت ضوضاءاً رهيبة ، فنظرت تهاني حولها محاولة معرفة مصدر الصوت ، ورغم هذا لم تبرحْ مكانها .. بل مدت يدها لتمسك ببقايا قطعة الخبز التي وجدتها بداخل القمامة ..

انتشر رجال الشرطة في المكان ، ومعهم بعض السيدات – ذات الهيئة المنمقة – وكذلك عدد من الرجال من ذوي الزي الموحد ..

وقفت سيدة ما – تدعى هياتم – وهي تضع مِحرمة نسائية على أنفها بجوار ضابط الشرطة وسألته بهدوء ب:
-وهايروحوا فين بعد كده ؟
-على الأحداث يا هانم

مطت هي شفتيها للأمام ، وبنبرة مهتمة تابعت ب :
-مممم.. طيب الجمعية عندنا حابة إنها تساعد الأطفال دول واللي زيهم !

نظر الظابط أمامه ليتفقد المكان جيداُ – وكذلك ما يقوم به رجال الداخلية – وأجابها ب :
-حضرتك تقدري تتكلمي مع الجهات المختصة زي الشئون الإجتماعية وغيرها وهما هيفيدوكي أكتر مني

تسائلت هياتم بإهتمام ب :
-طيب وكبار السن ؟ بتعملوا فيهم ايه ؟
-والله إحنا آآآ...

لم يكمل الضابط جملته حيث قاطعه أحد الضباط – ذو رتبة أقل – ب :
-باشا ..
-سيبني ماسكني ليه
قالتها تهاني وهي تحاول تحرير ذراعها من قبضة الضابط الأخر الذي لم أمسك بها ..

نظر الضابط بإشمئزاز لها ، وبنبرة متأففة تسائل ب :
-إيه دي كمان ؟
-لاقيتها يا باشا أعدة عن المقلب اللي هناك ده

رمقها الضابط بنظراته الإحتقارية ، ثم بنبرة صارمة آمره ب :
-طب حطها في البوكس لحد ما نشوف إن كان ليها ملف عندنا في القسم ولا آآ..

تنحنحت هياتم بصوت مرتفع نسبياً لتقاطعه ب :
-بعد إذنك يا فندم
-ايوه يا هانم !
-ممكن تديني ال case ( الحالة ) دي ، وأنا هاتعامل معاها

هز الضابط رأسه بالنفي وهو يرد عليها ب :
-ماينفعش

تلوت تهاني بذراعها بإنفعال محاولة تخليص نفسها منه ، ثم بصوت شبه راجي ونظرات مصدومة قالت :
-أنا معملتش حاجة ، ماسكني ليه ، هما اللي خدوا كل حاجة مني ، خدوا عيالي ، وخدوا فلوسي ، أنا مظلومة ، أنا آآآ..
-اسكتي يا ولية
نهرها الضابط بصوت قوي وهو يجذبها للخلف

وضعت هياتم يدها على ذراع الضابط لتلفت إنتباهه لها ، ثم توسلت له ب :
-لو سمحت يا فندم ، دي باين عليها مريضة عقلية ، أنا بصفتي مسئولة في الجمعية الخيرية بتاعتنا بأطلب من حضرتك تخليني أتولى رعاية الحالة دي

رمقها الضابط بنظرة محذرة ، فأبعدت هي يدها في حرج ، ثم تابع ببرود ب :
-يا هانم دي أشكال **** تربية شوارع ، اللي هاتعمليه معاها هايكون على الفاضي ، دول ولاد حرام

وضعت هي يدها أمام وجهه لتبرر موقفها بهودء ب :
-بعد إذنك يا باشا ، ده دورنا في المجتمع إننا نعالج الحالات اللي زيها كده ، دي ممكن تكون مشكلتها بسيطة تتحل بعلاج نفسي ، وإحنا كمؤسسة خيرية مش بنتأخر عن مساعدة أصحاب الحالات الخاصة زي أطفال الشوارع ، أو كبار السن اللي ممكن يكون ولادهم رموهم في الشارع

زفر الضابط في ضيق قبل أن يتشدق ب:
-يا مدام إنتي مش فاهمة حاجة
-لأ حضرتك ده عمل إنساني بحت ، وحضرتك تقدر تشارك بده
قالتها هياتم بإعتراض شديد وهي تنظر ناحية تهاني ..

تجهم الضابط أكثر ، ثم بنفاذ صبر قال لها :
-والله زي ما قولتلك في جهات رسمية هي اللي لازم تتعامل مع المسائل دي ، أنا أخري ألم الأشكال دي من الشوارع وأحطها في الحجز

هزت هياتم رأسها موافقة وهي ترد بجدية ب :
-طيب تمام ، أنا هاتعامل رسمي مع الموضوع ده ، والست المريضة دي هاتكون تحت رعاية جمعيتنا الخيرية ، وهاثبت لحضرتك دورنا وهدفنا هايتحقق إزاي معاها ومع اللي زيها
-وماله .. !

ثم تركها الضابط وانصرف ليتابع عمله .. في حين وقفت هياتم في مكانها وهي تلاحق بنظراتها تهاني المتجهة إلى سيارة الشرطة ، ثم بنبرة عازمة تعهدت ب :
-ممممم .. مافيش قدامي غير إني أبلغ ناريمان بصفتها رئيسة الجمعية إنها تساعدها ، وتجيب للظابط الرزل ده الطلب رسمي ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثاني والثلاثون

في منزل تقى عوض الله ،،،،

جذبت الجارة إجلال السكين من يد فردوس ذات الملامح المصدومة ، ثم ألقتها على الأرضية ، ومن ثم وضعت يديها على ذراعيها وهزتها بعنف وهي تصرخ فيها ب :
-جالك قلب تقتليها ؟ طب ليه ؟؟ ها ليييه ؟
-هي .. هي .. ب.. آآ... باعت نفسها لل آآ..
غمغمت فردوس بكلمات غير واضحة ، فلم تتمكن إجلال من فهم ما تقول فسألتها ب :
-انتي بتقولي ايه ؟

نظرت فردوس حولها بأعين زائغة وحاولت أن تبرر لها فعلتها ب :
-أنا كنت آآ..
-إنتي قتلتي بنتك الوحيدة من غير ما تتأكدي من أي حاجة ، حرام عليكي يا فردوس ، تقى ماتستهلش ده منك ..!!!!

بدأ الجيران يتجمعون بداخل المنزل والفضول يعتريهم لمعرفة ما الذي حدث.. وسادت حالة من الهرج والمرج في البناية كلها ، وانتشرت بعض الشائعات حول علاقة آثمة بين تقى وأحد الأثرياء تسببت في مقتلها على يد والدتها ...

حزم مهاب أمتعته – وكذلك أمتعة زوجته وليان – ووضعهم بداخل صندوق السيارة ، ثم دار حولها ، وركب في المقعد الأمامي ، وإنتظر قدوم زوجته ناريمان التي كانت تتهادى في خطواتها وهي تسير عابسة الوجه نحوه ..
جلست هي إلى جواره ، ولم تنطق بكلمة ، وإكتفت بالتحديق امامها وهي تضع نظارتها القاتمة ..
لحظات وإنضمت إليهما ليان التي كانت في حالة شرود جلية ..

لم يعرف مهاب ما الذي حدث لها لكي تتبدل من حالة النشاط والحيوية لتلك الحالة المريبة ..
ولكنه عقد العزم على معرفة كل شيء فور عودته للقاهرة ..
أغلقت ليان باب السيارة ، ووضعت السماعات في أذنها ، وقامت بتشغيل الأغاني الصاخبة لتنفصل عما حولها ، ثم أنزلت نظارتها على عينيها ، لتخفي عبراتها التي تذرف رغماً عنها كلما تذكرت ما حدث معها وكيف أنها وقعت بسهولة ضحية أكذوبة غبية ..

أدار مهاب محرك السيارة ، ثم بنبرة جافة تسائل ب :
-كله جاهز ؟
-أها .. يالا
قالتها ناريمان بنبرة غير مكترثة وهي تتفقد محتويات حقيبة يدها ..

نظر مهاب من مرآة السيارة الأمامية إلى ليان القابعة في الخلف ، وبصرامة سألها ب:
-ليان كل حاجتك معاكي

لم تجبه هي ، وإكتفت برسم إبتسامة مصطنعة على ثغرها وهي توميء برأسها ..

إنطلق مهاب بالسيارة في اتجاه الطريق الرئيسي المؤدي إلى القاهرة ..

وقف ممدوح من على بعد يراقب الجميع بنظرات جادة وهو عاقد لساعديه أمام صدره ، ثم حدث نفسه ب :
-مش هاتعرف تهرب من قدرك يا مهاب ، أنا برضوه هافضل وراك ..!!!
رن هاتف ناريمان فتجاهلت النظر إليه في البداية ، فرمقها مهاب بنظرات مهينة قبل أن يسألها :
-مش عاوزة تردي ليه ؟
لم تنظر له ناريمان ، وإكتفت بلوي شفتيها وهي تجيبه ب :
-عادي يعني

مط مهاب شفتيه للأمام في استنكار ، ثم بنبرة متهكمة تابع ب :
-أكيد طبعا صديق العيلة الوفي عاوز يطمن على أحوالك إنتي وبنتي

-يووه يا مهاب ، خلاص بقى ، مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده ، قولتلك 100 مة إن مافيش حاجة بيني وبينه
-عليا برضوه !
-والله براحتك ! عاوز تصدق صدق ، مش عاوز It's up to you ( راجع لك )
-طيب
قالها مهاب بعدم إقتناع ، ولكن فقط لكي يوقف الجدال حالياً ، فهو في حالة مزاجية لا تسمح بالمشاجرة ، خاصة وأنه سيقود بنفسه السيارة لمسافة طويلة ..

تكرر الإتصال مجدداً ، فإلتفت مهاب برأسه قليلاً ناحيتها ، وأصدر صوتاً متحشرجاً ، وتمتم بكلمات مبهمة ، ولكن لم تهتم زوجته به ..
ثم رن الهاتف للمرة الثالثة فنفخت هي في إنزعاج ، وأخرجته من داخل حقيبتها ، ونظرت إلى شاشته فوجدت أن المتصلة هي هياتم ..
لوحت ناريمان بالهاتف في وجه زوجها وهي تتشدق ب :
-دي هياتم اللي بتتصل
-مممم.. طب ما تردي عليها
-لأ ، ماليش مزاج
-شوفيها ، ولا انتي آآآ...

زفرت ناريمان في ضيق ، وضغطت على زر الإيجاب - فقط لتتجنب تلميحات زوجها المزعجة ، ثم وضعته على أذنها ، وبهدوء مصطنع أجابت ب :
-ألوو..
-ايه يا ناريمان ، مش بتردي ليه على الفون ؟

أجابتها هي ببرود تام ب :
-سوري يا هياتم ، مسمعتش

هزت هياتم رأسها ، ثم بهدوء تابعت ب :
-أوكي .. مش مشكلة ، بس إنتي فين دلوقتي ؟
-مع مهاب وليوو في الساحل
-مممم.. طيب بصي أنا كنت عاوزة منك خدمة بصفتك رئيسة الجمعية

تنهدت ناريمان في إنهاك ، ثم بصوت شبه منفعل أردفت ب :
-هياتم أنا مش فاضية لأي حاجة دلوقتي ، بليز استني اما أرجع وابقي قوليلي على كل حاجة !
-دي حاجة مهمة ومش هاينفع تستنى يا نيرمووو !

ثم صمتت للحظة قبل أن تكمل بنبرة ماكرة ب :
-ما إنتي عارفة أنا مش بأتصل غير في المهم وبس

عضت ناريمان على شفتيها ، وزفرت في إرهاق ، ثم تسائلت ب :
-حاجة إيه دي ؟

تنحنحت هياتم قبل أن تجيبها ب :
-أنا كنت عاوزاكي تخلصيلي موضوع واحدة ست مسنة عاوزة معونة وآآ..

قاطعتها ناريمان بنفاذ صبر ب :
-بليز هياتم شوفي ايه المطلوب وابعتيلي الأوراق وأنا هامضي عليه من غير ما تصدعي دماغي بالتفاصيل المملة
-اوكي .. بس أنا كنت حابة أعرفك آآ..

قاطعتها هي مجدداً بصوت جاد ب :
-حبيبتي احنا الاتنين واحد ، والجمعية بتاعتنا كلنا
-تمام ، أنا هاظبط كله ، وأجهز الورق على توقيعك
-Deal ( متفقين ) ، يالا باي
-باي

-أووف ، بجد حاجة تخنق ، ده وقت جمعية وقرف
قالتها ناريمان وهي تعيد هاتفها داخل الحقيبة ، ثم استدارت للجانب لتنظر للطريق من النافذة ..
راقبها مهاب من زاوية عينه ، وحدث نفسه ب :
-مش هترتاحي يا ناريمان إلا لما تهدي المعبد على اللي فيه ، كل اللي عملته عشانك في سنين ، هتهديه بسبب غبائك في لحظة ..!!!

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي ،،،،

قرعت أم بطة الجرس ، وانتظرت أمام الباب ريثما يفتح لها أي أحد بالداخل ..
لوت هي فمها لأكثر من مرة في إزدراء وهي تتفحص الباب ، ثم حدثت نفسها ب :
-ياختي مالهم مش بيفتحوا ليه ؟ يكونوش نايمين لحد الوقتي ! بس اللي أعرفه إن إحسان مش بتنام أبداً وبتصحى من الفجر

بعد عدة دقائق فتحت لها إحسان الباب وهي تعدل من وضعية حجاب رأسها ، ونظرت لها بإحتقار قبل أن تقول :
-هو إنتي ؟

ابتسمت لها أم بطة إبتسامة زائفة ، ثم فتحت ذراعيها في الهواء ، وإقتربت منها لتحتضنها ، ثم قبلتها من وجنتيها وهي تتحدث ب :
-صباحية مباركة يا أم العريس
-الله يبارك فيكي

إبتعدت هي عنها ، ونظرت لها بنظرات عادية قبل أن تتابع بحماس ب :
-أنا جاية من بدري ومعايا فطور العرايس عشان ياكلوا ويتبسطوا كده

مالت إحسان برأسها للجانب لتتفقد الحقائب البلاستيكية وتحصرهم سريعاً بعينيها قبل أن تجيبها ب :
-أه وماله .. خشي

ولجت أم بطة لداخل المنزل بعد أن ناولت إحسان الحقائب ، ثم جلست في الصالة على الأريكة العريضة وثنيت ركبتها أسفل جسدها بعد أن نزعت ( شبشبها ) ونظرت حولها بتفحص ، ثم سألتها:
-اومال العرايس لسه نايمين ؟

جاءت إليها إحسان وهي تحمل صينية صغيرة بها كوب صغير موضوعاً في منتصفها ، و ممتليء لثلاثه أرباعه ، وأجابتها ببرود ب :
-أه ..

مدت أم بطة يدها لتتناول الكوب ، ثم تنحنحت في حرج مصطنع ، وتابعت ب :
-إحم .. نوم العوافي يا رب عليهم ..!

إرتشفت هي بعضاً من المشروب الفاتر ، ونظرت مجدداً لإحسان التي جلست إلى جوارها وتثاءبت لأكثر من مرة أمامها .. فشعرت هي بالخجل منها ، وترددت أن تسألها عنهما ، وفركت أصابع يدها من التوتر .. وصمتت قليلاً ..
ساد الصمت لعدة دقائق بينهما ، فقطعته إحسان في النهاية ب :
-نورتي
-إحم .. ده نورك يا حبيبتي
-أها ..
شعرت أم بطة أن وجودها ربما يكون غير مرغوب به إذا ما ظلت صامتة ، خاصة وأن ردود إحسان عليها كانت مقتضبة للغاية .. لذا بادرت ب :
-معلش كده يا ست إحسان تشأري على العرايس كده وتشوفيهم إن كانوا صحيوا ولا لأ .. أصل أنا .. كنت يعني .. آآ..

نهضت إحسان بجسدها المترهل من على الأريكة ، ثم قالت بفتور :
-مش محتاجة تقولي ، أديني رايحة اشوفهم

-تسلم رجليكي يا رب
قالتها أم بطة وهي تزم شفتيها في رضا زائف ..
وما إن إبتعدت إحسان ، وتوارت عن أنظارها حتى بصقت هي على جانبها في تهكم صريح ، ثم حدثت نفسها ب :
-قطيعة ولية بوزها شبرين ، ياباي .. كويس إني مش هاجي هنا إلا قليل ، يدوب أطمن بس على البت وأمشي .....!

في البناية المتواجد بها منزل تقى ،،،،

وصل الشيخ أحمد إلى البناية وتفاجيء بالحشد الغفير الموجود في مدخلها منذ أن ولجها ، وكذلك على الدرج القديم ، فحاول أن يمر بين الجيران وأبناء الحي ليصعد للأعلى ، ثم تملكته الحيرة ليعرف ما يدور ، فرأى الجارة حكمت تقف مع بعض النساء ، فوقف على مقربة منهن وسألهن ب :
-في ايه حصل هنا ؟

إستدارت إحداهن نحوه ، وأجابته ب :
-دي الست فردوس قتلت بنتها !

اتسعت عيني الشيخ أحمد في صدمة ، ورفع حاجبيه للأعلى في عدم تصديق ، وبصوت مشدوه صاح ب :
-يا ساتر يا رب ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، طب ليه كده بس ؟

اقتربت منه حكمت ، وبنبرة لئيمة أجابته ب :
-محدش عارف ، بس كلام في سرك يا شيخ بيقولوا إنها ظبطتها مع عشيقها

حدجها الشيخ أحمد بنظرات قوية وحذرة قبل أن ينطق ب :
-لا إله إلا الله ، بلاش الكلام ده يا ست حكمت ، إن بعض الظن إثم

مطت حكمت شفتيها في إستنكار ، ثم بصوت عابث ردت ب :
-هو أنا اللي بأقول كده ، ده هي اللي عمالة تبرطم وتقول الكلام ده عليها
-برضوه مايصحش نخوض في الأعراض
قالها الشيخ أحمد محذراً وهو يشير بيده الممسكة بالمسبحة

هزت هي كتفيها في تهكم ، ثم قالت بتبرم :
-يا شيخ متحبكهاش أوي ، ماهو النسوان أهوم كانوا واقفين وشافوا اللي حصل ، إنت نفسك يا شيخنا جاي عشان كده أكيد

أجابها هو بصرامة جلية ب :
-لأ طبعاً
-طب جاي ليه يا شيخنا ؟

أطرق الشيخ أحمد رأسه للأسفل في حزن قبل أن يجيب بصوت آسف ب :
-أنا كنت جاي عشان أبلغ الست فردوس إني عرفت مكان جوزها عم عوض

حدقت فيه حكمت بعينين متسعتين ، ثم قالت له ساخرة :
-ايه ؟؟ عرفت مكانه ، شوف الحظ ! يعني فردوس يوم ما تعرف مكان جوزها ، تقتل بنتها ..!
-يا ست حكمت ربنا يهديكي ، كفاية بقى شماتة في الناس
-أنا بأشمت ، أعوذو بالله ، أنا بس ب آآ..

قاطعها هو بصوت جاد ب :
-خلاص يا ست حكمت ، عن إذنك أما أشوف هاتصرف إزاي

لوت هي زاوية فمها في استهزاء ، ثم قالت :
-اتفضل يا شيخنا ..

صعد الشيخ أحمد على الدرج ليتجه لمنزل تقى ، في حين تابعت حكمت بنبرة شامتة ب :
-على فكرة البوليس زمانته على وصول ، وهايجي يحط الكلابشات في إيد فردوس ، فمش هتلاقي حد أصلاً تكلمه
-سبيها على الله ، وإدعيلهم ربنا يفك ضيقتهم

إدعت هي الحزن وهي تتشدق ب :
-صدقني يا شيخنا .. ده أنا بأدعيلهم من قلبي

رمقها الشيخ أحمد بنظرات إحباط قبل أن يرد عليها ب :
-ماهو باين ....!

عند مشفى الجندي الخاص ،،،،

صف أوس سيارته أمام مدخل المشفى بطريقة مفاجئة ، فإنتبه له الحرس المتواجد بجوار البوابة ..
ثم ترجل من السيارة ولم يغلق بابه الجانبي ، ودار سريعاً حولها ، وفتح الباب ، ثم إنحنى بجذعه للأسفل ، وحل حزام الآمان عن تقى التي لم يكف عن متابعتها طوال الطريق إلى مشفى عائلته الخاص ..
وضع أوس يده خلف ظهرها بعد أن أمالها قليلاً للأمام ، فإرتدت رأسها على كتفه ، فنظر إليها عن كثب لثوانٍ ، ثم وضع يده الأخرى أسفل ركبتيها ، وبكل رفق وحذر حملها بين ذراعيه إلى خارج السيارة ..
ثم سار بها نحو البوابة ، وبصوت جهوري آمر صاح ب :
-هاتلي أكبر دكاترة هنا
-حاضر يا باشا

ركض عدد من الممرضين ، وهم يجرون ( سريراً معدنياً ) نقالاً ، ناحية أوس ، ثم أشار أحدهم له بيده وهو يقول :
-حطها يا أوس باشا على التروللي

أسند أوس تقى بحذر على السرير النقال ، وتوقف ليلتقط أنفاسه ريثما ينتهي الممرضين من تعديل وضعيتها عليه ، ثم ركض الجميع بها داخل إستقبال المشفى ...

تبعهم أوس بخطوات أقرب للركض ، ولأكثر من مرة حاول أن يرى وجهها الذي إزداد ذبولاً وبرودة ..
تعالت صيحات الأطباء الذين جاءوا للمساعدة فور أن علموا بتواجد أوس الجندي بالمشفى ..
وسريعاً تشكل فريق طبي لفحصها ومعالجتها ..
وقف أحد الأطباء قبالة أوس ، وبتردد طلب منه :
-ممكن حضرتك تتفضل ترتاح ، وإحنا هانقوم بالواجب

حدجه أوس بنظراته القوية ، وبصرامة أجابه ب :
-انت مش ولي أمري عشان تقولي أعمل ايه
-آآ.. أسف يا فندم ، أنا .. أنا غرضي راحتك
-راحتي في إنك تعالج تقى فوراً ، إتفضل
قالها أوس وهو يصرعلى أسنانه ونظراته المحتقنة موجهة إلى الطبيب الشاب ...
-ح.. حاضر

تحرك أوس للأمام ليلحق بتقى التي ولجت مع الأطباء والمرضى إلى غرفة العمليات ، ووقف هو أمام بابها يراقب ما يحدث بتوتر شبه ملحوظ ..
جائه أحد السعاة وهو يحمل كوباً من العصير البارد ، ثم وقف خلفه ، وبنبرة هادئة قال :
-اتفضل يا أوس باشا ، العصير ده عشان يروق دمك
-مش عاوز حاجة ، غور من وشي ...!!!!

قالها أوس بعصبية وهو يقذف بيده الصينية الموضوع بها كوب العصير ، فسقطت على الأرضية الرخامية ، وتحطمت ..
إنتفض الساعي مذعوراً من ردة فعله المخيفة ، وتوجس خيفة من أن يجمع حتى حطام الكوب المكسور ، وتراجع للخلف متوراياً عن ناظريه ..

وبالفعل طوال الساعات اللاحقة تجنب معظم العاملون بالمشفى الحديث مع أوس حتى لا يصب جام غضبه عليهم إلى أن خرج أحد الجراحين من الداخل وهو مطرق الرأس و...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثالث والثلاثون

في منزل عبد الحق بالزقاق ،،،

وقفت إحسان أمام باب غرفة نوم إبنها عبد الحق ، وطرقت عليه بطرقات شبه مزعجة ، وهي تصدح ب :
-واد يا عبده ، ( طق – طق ) إصحى بقى ، بت يا بطة أمك هنا عاوزة تشوفك ، كل ده نوم ( طق – طق ) ، إنت ياض .. !!

ثم حدثت نفسها بتهكم ب :
-أعوذو بالله عليك ، خُم نوم !!

نفخت هي في ضيق زائف ، وتمطعت بذراعها قبل أن تطرق بكفها على الباب مجدداً وهي تنادي ب :
-إنت يا واد ، الجيران صحيوا وإنتوا لسه نايمين !!

تململ عبد الحق في الفراش ولم يفتح عينيه بعد ، ومسح بأصابعه على الجانب محاولاً إيقاظ زوجته بطة ، ولكنه وجد مكانها بارداً ، ففتح عينيه على عجالة ، ورفع رأسه قليلاً ليراها ..
-راحت فين دي ؟

تثاءب عبد الحق بصوت مشمئز قبل أن يعتدل قليلاً في نومته ، ثم وضع يده على رأسه وحكها لعدة مرات ، وبصوت شبه ناعس ومتحشرج صاح ب :
-طيب يامه

-إنجز يالا ، حماتك أعدة مستنياكم من بدري
قالتها إحسان قبل أن تسير مبتعدة عن الباب
-جايين أهوو ..

دعك عبد الحق وجهه براحتي يده ، ثم دقق النظر فوجد زوجته غافلة على أرضية الغرفة وهي مازالت ترتدي فستان الزفاف ، فحرك نفسه على الفراش ، ثم مد قدمه ناحية ذراعها ، ولكزها به عدة مرات لكي يوقظها وهو يقول لها بصوته الآجش :
-بطة .. يا بطة .. أمك جت

فتحت بطة عينيها ببطء ، وتثاءبت قليلاً قبل أن تدرك أنها قد غفت بالفعل على الأرضية ، ثم تأوهت من الآلم وهي تحاول النهوض من عليها ..
-هو إنتي نمتي بفستانك ؟
سألها عبد الحق بصوته الناعس والمتحشرج

رمقته بطة بنظرات حاقدة قبل أن تجيبه بنبرة غليظة ب :
-أه .. عندك مانع
-لأ .. مش فارق معايا ، أنا هاخش الحمام وأروح أفطر ، شوفي إنتي هاتعملي ايه مع أمك

نظرت هي شزراً له ولم تعقب ، في حين توجه هو إلى باب الغرفة ، وخرج منها ، وأغلق الباب خلفه ..
وضعت بطة يدها على عنقها لتدعكه حتى يلين التيبس الموجود به بسبب نومتها الخاطئة عليه ، ثم نظرت إلى هيئتها في المرآة ، فوجدت السواد يكسو أسفل عينيها ، وكذلك بقايا مساحيق التجميل ، فتنهد في إنهاك ، وحدثت نفسها بتذمر ب :
-والله ما منظر عروسة يوم صباحيتها أبداً

تفحصت هي وجهها بتمعن شديد ، وظلت تمسح بيدها أسفل عينيها ، وعلى جفونها ..
ثم تنبهت لصوت الطرقات الخافت على باب الغرفة ، فزفرت في غضب ، وصاحت ب :
-أيوه صحيت ، شوية وهاجي ، الله !

ثم رأت والدتها تدلف إلى داخل الغرفة ، فجحظت بعينيها في عدم تصديق ، ثم تهللت أساريرها لرؤيتها ، وركضت في اتجاهها وهي تجر فستانها قائلة :
-أمه !

فتحت أم بطة ذراعيها لترتمي إبنتها في أحضانها ، وبقيت هي فيه لفترة ..
أغمضت بطة عينيها ، وتركت لعبراتها الفرصة لتنهمر على وجنتيها .. هي لا تعرف ماهية تلك العبرات ، هل هي فرحة لرؤيتها إياها ، أم أنها معاتبة منها لما فعلته بها ..
ربتت أم بطة على ظهر إبنتها ، وضمتها أكثر إليها ، ثم بنبرة هادئة قالت لها :
-وحشتني يا عروسة
-وإنتي كمان يامه

أبعدت أم بطة ابنتها عن حضنها ، ثم وضعت كفي يدها على وجنتيها ، ومسحت بهما عبراتها المنهمرة ، ونظرت لها بحنو ، وبصوت خافت سألتها ب :
-مالك بس يا بطة ؟ شكلك عامل كده ليه ؟

ثم أمعنت النظر في ملامحها جيداً ، ونظرت إلى فستانها ، فإنتابها القلق والحيرة ، وسألتها بإرتباك ب :
الله ! إنتي مغيرتيش فستانك !! زايه بس اللي مبهدلك كده يا بت ؟؟

ابتلعت بطة غصة في حلقها ، ونظرت إلى والدتها بجدية ، ثم بنبرة ضائقة أردفت ب :
-يعني يامه مش عارفة هما عملوا ايه فيا ؟
-عملوا ايه ؟ ما تقولي يا بت ، هو أنا هاخد الكلام بالعافية منك !!

عضت بطة على شفتيها في حنق ، ثم سارت للأمام خطوتين ، وأولت ظهرها لوالدتها ، وكورت قبضة يدها في توتر .. ثم أطرقت رأسها للأسفل وهي تقول بصوت مختنق :
-خلوني أدخل على عبده دخلة بلدي
-إيييييييه !!
قالتها بطة بصوت مصدوم للغاية وهي تتأمل هيئة ابنتها ..

أجهشت بطة بالبكاء وهي تسرد لوالدتها ما حدث معها بالأمس ، ونظرت إليها بعينيها المغرورقتين بالدموع لتتابع ردة فعلتها ..
أصغت إليها أم بطة بإهتمام شديد ، ولم تنبس بكلمة ، ولكن تبدلت ملامح وجهها للتجهم والسخط
إنتهت بطة من حديثها بعد أن تقطع صوتها لعدة مرات وهي تتذكر كيف كانت واقعة بين براثن ذئاب لا تعرف الرحمة أو الشفقة يذبحون برائتها ويغتالون إنسانيتها بدم بارد ...
إنتظرت هي لوهلة لتعرف بماذا ستجيبها والدتها ، ولكن كانت الصدمة بالنسبة لها حينما أردفت والدتها ب :
-طب غيري هدومك

اتسعت عينيها في صدمة كبيرة ، وفغرت شفتيها وهي تقول :
-هاه ..آآ.. ايه ؟

أشاحت أم بطة بعينيها بعيداً عن عيني إبنتها ، واتجهت ناحية خزانة الملابس ، وفتحت ضلفتها ، ثم بنبرة جامدة تحدثت ب :
-مش معقول في عروسة يوم صباحيتها تطلع تقابل أهل جوزها بالشكل ده ، عاوزاهم ياكلوا وشي !

شعرت بطة بالمرارة تجتاح حلقها ، ونظرت إليها بيأس وهي تهدر متسائلة ب:
-ايه اللي تقوليه ده يامه .. إنتي .. انتي عارفة دول .. دول عملوا ايه ؟

استدارت والدتها لتواجهها بتعابير وجهها الغير مقروءة ، ثم بكل برود أجابتها ب :
-يعملوا اللي يعملوه ، دول أهل جوزك ، وإنتي ملزمة منهم دلوقتي ، ومن حقهم يتصرفوا معاكي زي ما يشوفوا
-انتي اللي بتقولي كده
قالتها بطة بإستياء وهي تدمع بعينيها ..

ظلت والدتها على حالة الجمود تلك ، ثم بآمرتها ب :
-ايوه .. ويالا غيري هدومك دي

إنتحبت بطة وهي تحاول الاستنجاد بوالدتها لكي تنقذها من تلك العائلة ، ولكن بدون أي جدوى ، ولكن رغم هذا توسلت لها ب :
-يامه .. ده أنا .. آآ.. ده أنا بآآ.. بنزف دم من إمبارح ، وموجوعة ومحدش حاسس بيا

ابتسمت لها من زاوية فمها ، ثم بصوت جاف أردفت ب :
-عادي .. يومين وهتروقي وتبقي قردة ومافكيش حاجة

حدجتها بطة بنظرات إحباط وهي تسألها بيأس ب :
-إنتي شايفة كده يامه ؟!
-ايوه ، كل البنات بيبقوا كده في الأول ، وبعد كده بتلاقي وشهم منور وجسمهم إدور بزيادة ، وجوم على الجواز
-كتر خيرك يامه ..
قالتها بطة بصوت مختنق ، وبدأت تبكي بصوت مكتوم ..

شعرت أم بطة بإنقباضة في قلبها ، وحاولت أن تبدو جامدة أمامها ، فاقتربت منها ، ووضعت يدها على كتفها ، ويدها الأخرى على ذقنها لترفع رأسها للأعلى ، ونظرت لها بنظرات أمومية وقالت بصوت محذر :
-يابت أنا عاوزة مصلحتك ، لو أنا عملت مشكلة الوقتي ، أمه هترميكي في الشارع ، وهاتطلقي وأنا مش ناقصة غلب على اللي عندي ، أنا مصدقت جوزت واحدة ، الله يعيني على الكوم اللي ناقص

أبعدت بطة يدي أمها ، ونظرت لها بجمود ، ثم بصوت متصلب ردت ب :
-خلاص يامه ، معدتش ليه لازمة الكلام ، سيبني أغير هدومي

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

خرج أحد الأطباء من داخل غرفة العمليات وهو مطرق الرأس ، ثم بصوت شبه أسف تحدث ب :
-أوس باشا

وقف قبالته أوس ، ولم يرمش بعينيه ، ولكن نظراته كانت توحي بالقلق البالغ على تقى ، وبصوته الغليظ تسائل ب :
-ها ؟ أخبارها إيه ؟

تنحنح الطبيب قبل أن يجيب بنبرة هادئة ب:
-والله هي الحالة مش مستقرة ، وخصوصا إنها نزفت دم كتير

كانت نظرات أوس قاتمة خالية من الحياة حينما سأله مجدداً بصوت متشنج ب:
-يعني انتو خلصتوا جوا معاها ؟!!

رمش الطبيب عدة مرات قبل أن يجيب بهدوء حذر ب :
-لأ لسه ، أنا قولت أطمن حضرتك على حالتها ..

حدجه أوس بنظراته الصارمة قبل أن يسأله بشراسة وهو يصر على أسنانه ب :
-يعني هي هاتعيش ؟

مط الطبيب فمه ، ثم هز كتفيه وأجابه بعدم إكتراث ب :
-والله دي حاجة بتاعة ربنا

إنفعل أوس فجأة وأمسك بياقة الطبيب ، وجذبه بعنف منها ناحيته ، وهزه بعصبية عدة مرات ، ثم نظر مباشرة في عينيه بنظرات مخيفة قبل أن يهدر بطريقة هيسترية ب :
-أنا عاوزها تعيش ، انت فاهم ، عاوزها تعيش ، ماينفعش تموت دلوقتي ، مش بمزاجها تسيبني وتموت ، سامعني ...!

حاول الطبيب أن يتخلص من قبضتي أوس المحكمتين عليه ، وبصوت مختنق حاول أن يبرر له :
-يا باشا ... إحنا .. إحنا عملنا اللي علينا ، وحياتها أو آآآ... موتها بإيد ربنا

هزه أوس بعنف قبل أن يصرخ بعصبية ب :
-بس انت هنا ملزم تخليها تبقى كويسة ، سامعني !!!

حرك الطبيب رأسه عدة مرات موافقاً ، ثم بصوت مضطرب رد عليه ب :
-حاضر .. حاضر ، أنا على العموم كنت رايح بنك الدم عشان أطلب نوع فصيلتها ، لإنها محتاجة نقل دم

أرخى أوس قبضتيه عنه ، ثم بصرامة آمره ب :
-اتصرف وشوف شغلك ، وماتطلعش من أوضة العمليات إلا لما تطمني عليها
-أوامرك
قالها الطبيب بنبرة مرتجفة ، ثم عدل من وضعية ملابسه الطبية الخضراء ، وسار في اتجاه الرواق مبتعداً عنه ..
وقبل أن يختفي الطبيب تماماً ، سأله أوس بصوت مرتفع ب :
-هي فصليتها ايه ؟

استدار الطبيب بجسده لينظر إليه قبل أن يجيبه بنزق ب :
- O سالب

اتسعت عيني أوس إلى حد ما ، وإرتخى فمه للأسفل قليلاً ، وقال بخفوت :
-هاه ، O سالب

عاود الطبيب أدارجه ، وبنبرة هادئة تابع بثقة ب :
-دي فصيلة نادرة شوية ، بس أنا هاتصرف يا أوس باشا وهحاول أوفرها للمريضة
-أنا فصيلتي زيها
قالها أوس بصوت جاد وهو يضغط على كل كلمة .. فنظر له الطبيب بنظرات تشع بالأمل قبل أن ينطق بحماس ب :
-بجد .. طب ده عظيم أوي ، لو مافيهاش مانع ، إحنا ممكن ناخد من حضرتك آآآ..
-خد اللي انت عاوزه ، مش فارق معايا ، أنا اللي يهمني حاجة واحدة بس ، تقى تعيش
-تمام يا باشا ، اتفضل حضرتك معايا

تحرك أوس أولاً وقد عقد العزم على فعل أي شيء لضمان بقاء تقى على قيد الحياة ، حتى لو تطلب الأمر منه أن يفعل ما لم يتخيل أن يفعله لإمرأة قط ..
لحق به الطبيب دون أن ينطق بأي شيء ، ولكنه كان يتابع بإهتمام ردود فعله الغير مبررة على الإطلاق مع فتاة لا تبدو من مستوى عائلته المرموقة ...

في منزل تقى عوض الله ،،،

إنتهى أفراد الشرطة وكذلك رجال المباحث الجنائية - بالإضافة إلى وكيل النيابة - من معاينة مكان الجريمة وأخذ أقوال جميع الجيران والمقربين من عائلة تقى عوض الله فيما حدث ..
جلست فردوس على الأريكة القديمة غير مصدقة ما فعلته بإبنتها ..
كانت معظم الوقت تجيب بكلمات مقتضبة أو غير مفهومة .. لم يشفق عليها أي أحد .. فأي أم هي تلك التي تقتل ابنتها دون أن تنتظر أن تدافع عن نفسها ..
تهامست بعض الجارات فيما بينهن بكلمات مسيئة عن تقى ووالدتها ، وبدأن يدعين الأكاذيب عنها ، أردفت إحداهن ب ...:
-دي كانت بت شمال

مالت جارة أخرى على أذن من تقف إلى جوارها وهمست بثقة ب :
-لألألأ .. دي أصلا مقضياها مع كل واحد شوية

زمت إحداهن شفتيها في إمتعاض قبل أن تضيف :
-يعني هاتجيبه من برا ، ماهي خالتها كانت كده

ضيقت جارة رابعة عينيها ، وقطبت جبينها وهي تدافع عن تهاني ب :
-لأ خالتها كانت مجنونة
هزت إحداهن حاجبها في إستنكار جلي قبل أن تنطق ب :
-وهي اتجنت من ايه يعني ؟ ده انتي اللي هبلة ، معروف عنهم إنهم عيلة بنت ستين *** !!!

صاح أحد الضباط بنبرة آمرة وهو يشير بيده نحو فردوس ب :
-حطوا الكلابشات في ايديها وخدوها على البوكس

اقترب منها ضابطين من الشرطة ، وأجبراها على النهوض من على الأريكة ، ثم إقتاداها إلى خارج المنزل ..
نظرت هي حولها بأعين زائغة ، وقالت بصوت ضعيف :
-أنا .. أنا .. آآآ.. كنت عاوزة أربيها بس !

رمقتها الجارات المتواجدات بنظرات ما بين شامتة وحاقدة .. ولم تشفق عليها أي واحدة ..
-يالا في داهية ، عقبال كل النسوان اللي زيها
-أيوه ، خلوا البيت ينضف

في قصر عائلة الجندي ،،،

ولج مهاب إلى داخل القصر بعد أن صف سيارته بالجراج الملحق به ، في حين ركضت ليان على الدرج لتصعد إلى غرفتها ، بينما ألقت ناريمان بجسدها المنهك على الأريكة الذهبية الموجودة بغرفة الصالون ..
رمقها مهاب بنظرات ممتعضة قبل أن يتركها ويتجه إلى مكتبه ويصفع الباب بقوة من خلفه ..

تنهدت ناريمان في ضيق ، ثم بحثت عن هاتفها المحمول في حقيبتها ، واختلست النظرات ناحية باب المكتب قبل أن تحدث نفسها ب :
-فرصة أطمن ممدوح علينا ، بدل ما أنا أعدة طول السكة مش عارفة أعمل حاجة

وبالفعل اتصلت هي به ، ووضعت الهاتف على أذنها ، وبصوت هامس قالت :
-الوو .. ايوه يا ممدوح .. احنا وصلنا خلاص ..

ثم مطت شفتيها للأمام ، وبدت متوترة بدرجة كبيرة وهي تجيبه ب :
-مممممم..أها ... طيب بكرة هحاول أقابل

هزت هي رأسها موافقة قبل أن تتابع بخفوت ب :
-اوكي .. اوكي

جاءت المدبرة عفاف إلى غرفة الصالون فلم تنتبه لها ناريمان ، وظلت تتحدث بهمس شديد ، تنحنحت عفاف في البداية ، ووضعت يدها المتكورة على فمها ، ولكن ظلت الأخيرة على وضعها ، فعقدت هي أن تقاطع مكالمتها بصوت شبه عالي ب :
-ناريمان هانم

إنتفضت ناريمان فزعة في مكانها ، وظنت في البداية أنه مهاب زوجها ، ولكن حينما رأت المدبرة عفاف بالغرفة ، نهرتها بحدة ب :
-مش تعملي حس ولا تقولي إنك هنا
-أنا أسفة يا هانم .. بس أنا ناديت على حضرتك أكتر من مرة لكن محدش رد
-طيب عاوزة ايه ؟
سألتها ناريمان بصوت منفعل نسبياً بعد أن أغلقت الهاتف ..
-حضرتك تحبي أجهز الغدى ولا آآآ...

قاطعتها ناريمان بصرامة وهي تشيح بيدها في وجهها :
-شوفي مهاب باشا إن كان هيتغدى هنا ولا لأ .. وبعد كده قوليلي
-حاضر يا هانم

ثم سمعت كلتاهما صوت قرع جرس باب القصر ، فإستدارت ناريمان برأسها ناحية باب الغرفة وأمرت المدبرة عفاف ب :
-روحي شوفي مين
-حاضر
قالتها عفاف قبل أن تنصرف في اتجاه باب القصر ..

بعد لحظات عادت المدبرة عفاف ومعها هياتم التي كانت ترسم ابتسامة سخيفة على وجهها وهي تتحدث بحماس ب :
-حمدلله على السلامة ، أنا قولت ألحقك قبل ما تروحي حتة تانية

ابتسمت لها ناريمان إبتسامة مجاملة ، ثم أشارت لها بيدها لتجلس إلى جوارها وهي تتحدث بصوت ناعم ب :
-هاي هياتم ، اتفضلي

جلست هياتم على الأريكة ، ثم أخرجت من حقيبة يدها عدة أوراق مطوية ، ونظرت إليها بثقة قبل أن تبادر ب :
-مش هاعطلك كتير ، أنا بس عاوزة أخلص من الورق اللي يخص الحالة اللي قولتك عليها

ضيقت ناريمان عينيها في عدم فهم ، وتسائلت ب :
-حالة ايه دي ؟
-الست المسنة إياها ، إنتي نسيتي ولا ايه ؟!

أرجعت ناريمان رأسها للخلف ، ثم بصوت مرهق ردت عليها ب :
-أها .. بصي أنا مش فايقة والله لأي حاجة ، بجد تعبانة ومش قادرة من جسمي ، فخلينا نتكلم في الموضوع ده بعدين

توترت هياتم بدرجة كبيرة ، وبتلهف قالت :
-ده أنا خلصت كل حاجة ، مش ناقص غير بس توقيعك
-ممممم...

وجدت هياتم عدم إهتمام من ناريمان بحالة تهاني ، فأخذت نفساً عميقاً وزفرته ببطء لتستعيد هدوئها ، ثم بنبرة جادة أضافت :
-على فكرة في حالات كتير زيها ، ومحتاجة مننا إهتمام ، وأنا ناوية في الاجتماع الجاي أتكلم عن الموضوع ده مع بقية الأعضاء
-خلاص حطيها في جدول الأعمال
قالتها ناريمان بنفاذ صبر وهي تحاول التملص من هياتم .. ثم نفخت لأكثر من مرة أمامها ..

شعرت هياتم أن وجودها أصبح غير مرغوب فيه في الوقت الحالي لذا قالت بإصرار :
-تمام .. اعتبريه حصل ، بس عاوزين نبدأ مع أول حالة من النوعية دي

أدركت ناريمان أنها لن تتخلص من عِناد هياتم بسهولة ، لذا بصوت يائس أردفت ب :
-اوكي .. فين الورق عشان أوقعه ؟

ارتسمت إبتسامة مشرقة على وجهها ، ثم وضعت الأوراق أمامها ، وبحماس قالت :
-اتفضلي يا ناريمان
-أوكي

فتحت ناريمان الأوراق ، ولم تهتم بقراءة التفاصيل الموجودة بهم ، بل فتحت الجزء الخاص بتوقيع رئيس مجلس الإدارة ، وقامت بإدارج توقيعها .. ثم طوت الأوراق ، ومدت يدها نحو هياتم ، وسألتها بإستغراب ب :
-اشمعنى الحالة دي يعني اللي مهتمية بيها ؟

أجابتها هي بثقة تحمل الجدية ب :
-لأن الظابط كان بيتريق على شغلنا ، ومش مؤمن بيه ، وأنا عاوزة أوريه هو واللي زيه إن إحنا أد كلامنا

هزت هي رأسها بطريقة عادية ، ثم بصوت خافت قالت :
-أها .. اوكي

تابعت هياتم باقي حديثها بحماس زائد ب :
-كمان أنا هايبقى قدامي فرصة حلوة إني أعمل دعاية للجمعية عن طريق الحالة دي ، صحيح أنا عاوزاكي تبقي تشوفيها
-بعدين
قالتها ناريمان بعدم إكتراث ..

اقترحت عليها هياتم بتلهف ب :
-لو حابة أجيبلك الحالة هنا وآآ..

زفرت ناريمان في إنزعاج واضح ، ثم نهضت عن الأريكة وقالت بنزق :
-يوووه ، هياتم ، بليز أنا لسه راجعة من السفر وتعبانة وعاوزة ارتاح

شعرت هياتم بالحرج ، فنهضت هي الأخرى عن الأريكة ، ونطقت بصوت خجل :
-أووه ، سوري ، خلاص وقت تاني

اقتربت ناريمان من هياتم وقبلتها من وجنتها ، ثم قالت :
-أها .. باي
-باي يا روحي
قالتها هياتم وهي تقبلها من وجنتيها .. ثم تركها وانصرفت من الغرفة ، فزفرت ناريمان في إنزعاج ، ثم قالت بصوت متهكم :
-أل أنا ناقصة أشوف متسولين وشحاتين ، أوووف ...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،،،،

نفخ فارس الهواء الموجود بصدره ليهديء من حالة التوتر والقلق الشديدة التي تتملكه وهو يقترب من مكتب الإستقبال الموجود ببهو الشركة الضخم ..
كان الإضطراب واضح على تعابير وجهه ، بدت يده ترتجف إلى حد ما ، ثم أخذ نفساً أخراً مطولاً ، وزفره على مهل ، وحدث نفسه بصوت مسموع ب :
-اهدى يا أبو الفرس ، خليك كوول كده عشان محدش ياخد باله ، إنت بس سلم الظرف وإخلع على طول

توقف هو أمام ذلك المكتب الأنيق ذو السطح الرخامي ، وبصوت متحشرج أردف ب :
-لو سمحت يا أخ

رمقه الموظف – ذو الحلة السوداء الرسمية ، ورابطة العنق الأنيقة – بنظرات متأففة بعد أن تأمله من رأسه لأخمص قدميه ، ثم لوى فمه في تهكم وهو يرد عليه ب :
-آخ
-أقصد يا حضرت ، يا كابتن ، يا برنس ، آي حاجة يعني

-إنت عاوز ايه ؟
سأله الموظف بصوت شبه منزعج من طريقته الهمجية

تجشأ فارس بصوت مقرف قبل أن يجيبه ب :
-عاوز أوصل الظرف ده للباشا أوس وبس
ثم أسند مغلفاً مغلقاً من اللون الأصفر على السطح الرخامي ..

حدق الموظف في المظروف ، ثم عاود النظر إلى فارس وسأله بجدية ب :
-من مين ده ؟

لوى فارس فمه بطريقة مقززة وهو يجيبه ب :
-والله مايخصكش ، دي حاجة تخص الباشا وبس ، وهو مستنيها

حدجه الموظف بنظرات حادة قبل أن يأمره ب :
-طب هاته ، وانا هاسلمه للسكرتارية

جذب فارس المظروف ، ووضعه تحت إبطه ، ثم بصوت غليظ قال :
-لأ .. إيش ضمني إنك توديهوله !

عبس الموظف بملامح وجهه ، وأجابه بنبرة متصلبة ب :
-حضرتك إنت في شركة محترمة ، مش في محطة مصر

حك فارس رأسه بيده عدة مرات ، ثم نظر للموظف بنظرات حائرة وهو يسأله ب :
-أها .. في دي عندك حق ، يعني انت اللي هاتديهوله بإيديك ؟
-لأ .. أنا بس هاسلمه لمكتب السكرتارية وهما هناك اللي هيوصله للباشا
قالها الموظف بنفاذ صبر وهو يرمقه بتلك النظرات الساخطة ..

زم هو شفتيه متسائلاً ب :
-مممم .. يعني محدش هايشوف اللي فيه إلا هو ؟!!

أجابه الموظف بإيجاز ب :
-أيوه
-ماشي .. وأنا هاكلم الباشا وأتأكد منه ، بس يا ويلك لو هو الظرف مرحش عنده ....!
قالها فارس محذراً وهو يعطيه المظروف المغلق ..

تناول الموظف المظروف من يده ، ثم بنبرة إصرار ، ونظرات ممتعضة قال له :
-قولتلك إحنا شركة محترمة
-خلاص ماشي .. حافظ عليه بقى ، مش هوصيك
غمز له فارس بعد أن أخذ منه المظروف
-اتفضل بقى حضرتك خليني أشوف شغلي

عض فارس على شفته السفلى قبل أن يقول بنبرة إستهزاء :
-ماشي يا أخ .. هأو

إغتاظ الموظف من طريقة ذلك الفظ معه ، وتحامل على نفسه حتى لا يخرج عن شعوره وينفعل معه ...
جذب فارس قلم حبر من على سطح المكتب محفور عليه إسم شركات الجندي ، ووضعه نصب عينيه ، ثم قال بغرور :
-حلو البتاع ده ، أهوو ينفع في أي حاجة ، سلام يا آخ ..!

ثم لوح له وهو يوليه ظهره ، ووإنصرف مسرعاً إلى الخارج وعلى ثغرة ابتسامة وضيعة ، وظل يعبث بالقلم الحبر بأصابعه ، ثم بكل غطرسة تحدث ب :
-يا ود يا أبو الفرس يا اللي ملكش زي ولا أد .. ياما نفسي أشوف وشك وأنت بتفتح الظرف وبتتفرج ع صور ال آآ.... مزة أختك وهي معايا

ثم قهقه عالياً بطريقة مستفزة فإنتبه له بعض الموظفين وكذلك العملاء المتواجدين حوله ، ولكنه لم يعبأ بهم ، واستمر في التباهي بنفسه ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الرابع والثلاثون

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

تمدد أوس على الفراش الطبي ، وراقب الأطباء الذين تولوا سحب الدماء من عروقه بصمت تام ..
كان بين الحين والأخر يصر على أسنانه متألماً ، ولكنه لم يشتكي .. بل تابع بأعين كالصقر كل خطوة يقومون بها ..
إنتهى كبير الأطباء الموجود بالغرفة من عملية التبرع بالدماء ، ثم اقترب من أوس ، ونزع عنه الإبرة الطبية ، ثم ابتسم له وهو يقول :
-إحنا خلصنا يا باشا
-هي مش هتحتاج لدم تاني ؟ خد اللي انت عاوزه !
قالها أوس بصوت شبه جاف وهو ينظر له بصلابة ..

-لو في ناقص هانستعين ببنوك الدم اللي آآ..

قاطعه أوس بصوت قاتم وحاد ب :
-أنا بأقولك خد كل اللي انت عاوزه من دمي ، ايه مش بتفهم ؟!

-يا فندم مش كده ، بس أنا مش محتاج أكتر من اللي خدته من حضرتك ، ارتاح إنت يا باشا ، وإحنا هانشوف شغلنا

حدجه أوس بنظرات مخيفة قبل أن يحذره بنبرة قاسية ب :
-أنا بحذرك لو حصلها حاجة ، مش هارحم حد فيكم

هز الطبيب رأسه وهو يجيبه بهدوء حَذِر ب :
-طيب..

ثم أرخى أوس ذراعه بعد أن ثناه الطبيب ووضع عليه لاصقة طبية ، وأغمض عينيه للحظات حتى يستفيق تماماً ...

في نفس التوقيت كان الجميع يعمل على قدم وساق من أجل توفير ما تحتاجه المريضة التي أتى بها ابن صاحب المشفى .. فأي مشكلة ستحدث لها أو مضاعفات ربما سيتعرض أحدهم للتوبيخ ، أو الأسوأ من هذا ..

وقف رئيس طاقم التمريض في الرواق ، ثم جمع حوله فريقه الخاص ونبه عليهم ب :
-خدوا بالكم مش عاوزين مشاكل
-طيب
قالها أحد الممرضين وهو يهز رأسه عدة مرات

أشار هو بيده لممرض أخر وهو يأمره ب :
-انت خليك متابع اللي بيحصل وبلغني بالجديد أول بأول
-حاضر

رفع رئيس طاقم التمريض بصره للسماء ، وبنبرة راجية أردف ب :
-عدي اليوم ده على خير يا رب

بداخل غرفة العمليات ،،،،

أسند الطبيب المشرط في الوعاء المعدني ، وجفف حبات العرق من على جبينه ممرضة تقف خلفه ، ثم أشار بعينيه دون أن ينطق لطبيب أخر لكي يحضر له أداة طبية ليكمل بها عمله ..
في حين راقب طبيب أخر مؤشرات الأجهزة الحيوية الموصولة بتقى ..

جففت طبيبة - متواجدة هي الأخرى بالغرفة – نزيف الدماء المتجمع حول مكان الطعنة ..
مر الوقت بطيئاً على الجميع رغم مهاراتهم المشهودة في مثل تلك النوعيات من العمليات ،ولكن الجميع يعرف مدى تهور أوس وعصبيته ، وبالتالي فتلك العملية ليست كغيرها ..
الوضع برمته حساس للغاية بالنسبة لهم ..

إنضم إليهم كبير جراحي المشفى ، وتأكد من إنتهاء الطبيب المكلف بتقطيب الجرح من عمله ، ثم همس له بشيء في أذنه ، فأومأ الطبيب برأسه موافقاً ، فربت على كتفه كبير الجراحين ، ثم تركه وانصرف خارج غرفة العمليات ..

نزع كبير الجراحين القناع الطبي عن أنفه ، ثم أشار لممرض ما متواجد بالرواق بيده آمراً إياه ب :
-تعالى ورايا
-حاضر يا دكتور

وصل كبير الجراحين إلى غرفة مكتبه بالطابق العلوي ، ثم ألقى بجسده على الأريكة الجلدية – ذات اللون البني – المتواجدة بالقرب من باب الغرفة ، ونظر للممرض بنظرات جادة قبل أن يطلب منه :
-بلغ الريسبشن تحت يتصل بالباشا مهاب ويبلغه باللي حصل فورا
-ماشي يا دكتور ، أي أوامر تانية
-لأ .. واقفل الباب وراك ..
-تمام

زفر كبير الجراحين في إنهاك واضح ، ثم مر أصابع يده على رأسه وفركها قليلاً قبل أن يتشدق ب :
-أوووف ، يوم صعب .. إحنا كنا ناقصين أوس ورزالته ، وبعدين هو عرف الأشكال دي منين !!!!

في قصر عائلة الجندي ،،،،،

وقف مهاب أمام تلك الخزانة المعدنية المدفونة في الجدار ، وتفحص أحد الملفات التي يحتفظ بها بداخلها ..
تطلع هو إلى ما دون في الورقة الأمامية بتركيز شديد .. ثم حدث نفسه بصوت مسموع نسبياً ب :
-مهما حصل محدش هايعرف الحقيقة ، هي هاتفضل بنتي أنا وبس ، هو مالوش فيها حاجة .. أيوه هي (( ليان )) بنتي أنا وناريمان .. !!!

ثم سلط مهاب عينيه على العبارة المكتوبة في منتصف تلك الورقة القديمة.. [ شهادة ميلاد أصلية ] ، وشرد في ذكريات ماضيه ...

أمسكت ناريمان بأصابعها المرتجفة بورقة ميلاد الرضيعة " ليان " في يدها ، ونظرت إلى زوجها مهاب بعدم تصديق ، وبنبرة مرتعشة أردفت ب :
-إنت .. إنت عملت ايه ؟

ابتسم لها مهاب إبتسامة واثقة وهو يجاوبها ب :
-البنت بقت خلاص باسمي وإسمك ، أنا ظبطت كل حاجة زي ما وعدتك

نظرت هي له بنظرات زائغة قبل أن تسأله بصوت متلعثم ب :
-طب.. طب و..آآ.. وممدوح وتهاني ؟

لوى هو فمه في سخرية ، ثم أجابها ب :
-ممدوح مش في وعيه بعد اللي حصل ، وتهاني أنا لبستها الليلة كلها ، وهتترحل خلاص ..!
-بس إفرض إنهم عرفوا إن بنتهم لسه عايشة ..!
قالتها ناريمان بنبرة جادة للغاية وهي تنظر لمهاب بحيرة ..

أشار هو للورقة التي بحوزتها بإصبعه ، ثم بنبرة متريثة أردف ب :
-معدتش بنتهم يا ناريمان ، الاتنين ماتوا خلاص ، وده اللي اتكتب وهيتقال

بللت ناريمان شفتيها بلسانها ، ثم تابعت بحذر ب :
-بس .. بس هما أكيد هيسألوا عن الجثث عشان يدفنوها وآآآ..

وضع هو كلتا يديه على ذراعيها ، ثم ضغط عليهما قليلاً ، ونظر مباشرة في عينيها بنظرات واثقة ، وبصوت هاديء تحدث ب :
-بصي يا حبيبتي يسألوا زي ما هما عاوزين ، واحدة ماتت محروقة وماتبقاش منها حاجة ، والتانية أصلا ماتت مخنوقة .. وده أصلاً معروف ، وإحنا هنردد الكلام ده

صمتت هي للحظات لتفكر فيما قاله ، فابتسم هو لها في غرور ، ثم تحركت بعيداً عنه ، وأولته ظهرها ، وبصوت مرتعش نطقت ب :
-أنا خايفة أوي يا مهاب ، خايفة يعرفوا ، ساعتها كل حاجة هتبان وهنروح في داهية

وقف هو خلفها ، ومن ثم وضع قبضة يده على كتفها ، وبنبرة واثقة قال :
-لأ ماتخافيش ، أنا وعدتك إني هاظبط كل حاجة

إستدارت هي بجسدها في اتجاهه ، ونظرت إليه بتوتر وهي تقول :
-بس الناس هتسأل البنت دي خلفتها إمتى وآآ..
-ماتشليش هم حاجة ، إنتي بس خدي البنت وسافري على الكويت عند معارفك ، وأنا هاتصرف

نظرت هي إليه بذهول نوعاً ما ، وإرتخى فمها وهي تقول بتعجب :
-هاه .. الكويت !

أومأ برأسه إيماءة خفيفة ، ثم قال بتمهل :
-أيوه .. أنا عملت الفيزا وخلصت الإجراءات كلها بمعرفتي ، شوفي بس انتي ناقصك ايه وبلغيني بيه
-اوكي .. بس خليك على اتصال معايا ، أنا مش عاوزة أسافر وأسيبك وآآ..

قاطعها بنبرة متغطرسة وهو يمسك بكفي يدها بين راحتيه ب :
-متقلقيش عليا ، ده أنا مهاب الجندي

ثم إرتسم على ثغره إبتسامة مغترة ..
تنهدت هي في إرتياح .. وكانت على وشك الإنصراف ، ولكنها تذكرت أمراً هاماً فتسائلت بنزق ب :
-طب وآآ.. وأوس ؟

نظر هو لها بجدية شديدة وهو يسألها ب :
-ماله أوس ؟
-هايقعد فين ومع مين ؟

زم هو فمه قليلاً في حيرة ، ثم أجابها ب:
-مممم.. هافكر وأشوف هاعمل ايه ، ممكن أبعته معاكي أو أسيبه هنا معايا
-براحتك ..

زفر مهاب في عدم إرتياح ، ثم اقترب من زوجته ، وربت على ظهرها برفق ، وهو يآمرها بهدوء ب :
-روحي انتي جهزي نفسك للسفر

نظرت هي إليه بتوجس ، وتسائلت في خوف ب :
-طب وشهادة الميلاد الأصلية ؟
-مالها ؟
قالها مهاب بنفاذ صبر وهو يحك رأسه مجدداً ...

أمعنت هي النظر في عينيه وهي تسأله بإهتمام واضح ب :
-هاتعمل فيها إيه ؟ هاتقطعها ، ولا هتحتفظ بيها ولا ..؟؟!!

مسح هو بيده على وجهه ، ثم أجابها بإنهاك :
-مش عارف ، بس هي معدتش ليها قيمة الوقتي
-أها .. شوف إنت هاتعمل ايه وابقى قولي ، أنا ماشية
-ماشي يا حبيبتي ، مع السلامة

ثم إنصرفت ناريمان وتركته بمفرده يفكر فيما سيفعله لاحقاً مع تهاني طليقته السابقة وزوجة ممدوح الحالية ...

أفاق مهاب من شروده على صوت رنين هاتفه المحمول .. فأغلق فمه المنفرج ، وإبتلع ريقه ، ثم أعاد وضع الملف بالخزانة ، ومن ثم عاود إغلاقها بالمفتاح والرمز السري .. وأرجع اللوحة إلى وضعها .. فبدى كل شيء في مكانه طبيعياً ومرتباً ..
توجه مهاب إلى مكتبه ، ثم مد يده وإلتقط الهاتف ، ونظر إلى اسم المتصل ، ثم قطب جبينه في إندهاش ، وحدث نفسه باستغراب ب :
-دي المستشفى ! بيتصلوا ليه ؟! هما عارفين إن أنا مسافر ..!

إزداد إنعقاد ما بين حاجبيه ، وتابع بغموض ب :
-أكيد في حاجة مهمة حصلت عشان يتصلوا بيا في التوقيت ده ...!!

ضغط هو على زر الإتصال ، ووضع الهاتف على أذنه ، وبهدوء تام أجاب ب:
-ألوو .. معاك الدكتور مهاب ، خير

مط هو شفتيه للأمام دون أن تتبدل ملامح وجهه كثيراً ، ثم فجأة صاح ب :
-اييييه !! مين دي أصلاً عشان يعمل كل ده عشانها ؟ أنا جاي حالاً ....!!!!

في مخفر الشرطة ،،،،

وصلت سيارات الشرطة إلى المخفر ، وترجل منها العساكر والضباط ، وإقتاد إثنين من العساكر فردوس إلى داخل المخفر ليتم استئناف باقي التحقيق معها ، ومن ثم إيداعها بالحجز ..
كانت فردوس تجر رجليها وهي تسير معهما .. نظرت حولها بريبة ،وبصوت مبحوح رددت :
-أنا .. أنا كنت عاوزة أربيها بس .. هي .. هي غلطت ، أنا آآ.. أنا مكونتش هاموتها .. أنا ..آآ..

نهرها أحد العساكر بصوت خشن ب :
-اسكتي يا ولية ، اتكلمي قدام وكيل النيابة وبس

في نفس التوقيت وصلت هياتم هي الأخرى إلى المخفر ، وتابعت بفضول ما يحدث ، ولكنها لم تتدخل .. فهي قد جاءت في مهمة واحدة ، وهي إخراج المريضة تهاني ، وتولي رعايتها وفق الأوراق الرسمية التي إستطاعت بفضل صلاتها القوية أن تنجزها في وقت سريع ..

دلفت هياتم إلى داخل المخفر ، وتوجهت إلى أحد مكاتب ضباط ( النوبطشية ) وسألته بهدوء ب :
-لو سمحت ممكن أقابل المأمور ؟
-ليه ؟
سألها الضابط بصرامة وهو يرمقها بنظرات متفحصة

أجابته هي ببرود ب :
-ده موضوع شخصي

نظر هو لها شزراً ، ثم قال لها بتهكم :
-والله لو شخصي يبقى تقابليه برا ، لكن آآ..

تنحنحت هي في البداية ، ثم بصوت رقيق أردفت ب :
-أنا أقصد يعني موضوع يخص الجمعية اللي أنا بأمثلها

حدجها الضابط بنظرات قوية وهو يخبرها بحدة ب :
-يا مدام إحنا هنا مش ملجأ ولا آآ...

قاطعته هي بإصرار ب :
-يا حضرت الظابط الحكاية بكل بساطة إن في واحدة مسنة ومريصة عقلياً مقبوض عليها هنا عندكم ، وأنا جايبة الأوراق اللي تخليني مسئولة عن رعايتها

أشار هو لها بكف يده وهو يأمرها ب :
-طب استني على جمب شوية لحد ما أفضى وأشوف موضوعك ده بالظبط
-اوكي .. بس بليز بسرعة

طرق هو بكف يده على سطح مكتبه ، ثم قال لها بنبرة شبه منفعلة :
-حضرتك أنا مش أعد فاضي ولا بأزأز لب ، ده قسم شرطة ورانا أشغال

ردت هي عليه بنبرة جادة ب :
-ما أنا برضوه مش جاية ألعب

لوى الضابط فمه وهو يتابع حديثها معها بنفاذ صبر ب :
-بقولك ايه يا مدام ،أنا خلقي ضيق ، وروحي بقت في مناخيري ، فيا ريت تستني على جمب شوية لحد ما أشوفلك حد
-أوووف ... طيب !!
قالتها هياتم على مضض وزفرت لعدة مرات في ضيق واضح ...

بداخل الحجز ،،،،،

أودع أحد العساكر فردوس بداخل حجز النساء ، وأوصد الباب بعدما ولجت للداخل ..
نظرت هي حولها برعب ، فالمكان إلى حد كبير مظلم ، ورائحته عفنة وكريهة ، إستمعت هي إلى صوت همهمات النساء المتواجدات بالداخل ، فتملكها الخوف ، وإبتلعت ريقها بصعوبة ..
كذلك إرتجف جسدها بشدة حينما إقتربت منها إحدى المسجونات لتتفحصها عن كثب .. نظرت لها فردوس بذعر وهي تتحدث بنبرة متلعثمة ب :
-م.. آآ.. مقتلتهاش .. أنا .. أنا .. كنت .. آآ.. بربيها بس
-بتقولي ايه يا مَرَة !
سألتها تلك المسجونة بصوت فج للغاية

نظرت فردوس لها بنظرات زائغة ، وخرج صوتها مبحوحاً وهي تعيد تكرار كلماتها ب :
-هي .. هي عارفة إني .. أنا .. مقتلتهاش ، هي .. هي عصبتني ، أنا .. أنا بأربيها بس
-إنتي بتستهبلي يا ولية ؟؟؟!!!!

-سبيها يا بت ، دي باين عليها خرفانة زي اللي جت قبلها ..!
قالتها مسجونة أخرى بصوت جهوري مرتفع ومسموع للجميع

رمقتها المسجونة الأولى – ذات الوجه القبيح – بنظرات إحتقارية قبل أن تقول بسخرية جلية :
-الحجز لم يا نسوان ...!!!

ابتعدت تلك المسجونة عنها ، فتنفست فردوس بإرتياح ، وحاولت أن تتأمل المكان بعينيها المرهقتين ..
فركت هي معصميها ، وبحثت عن بقعة خالية لتجلس عليها على الأرضية الصلبة والباردة ..
ولكنها تسمرت في مكانها حينما رأت من تعرفها متكورة على نفسها ، وتضم ركبتيها إلى صدرها ..
فغرت شفتيها في ذهول ممزوج بالخوف وهي تتشدق ب :
-ت... تهاني ... أختي !!!!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

وصل مهاب إلى المشفى وعلى وجهه علامات الغضب ، ثم سار بخطوات أقرب للركض في اتجاه الغرفة المتواجد بها أوس ، وبنبرة متذمرة صدح ب :
-إزاي كل ده يحصل وأنا معنديش خبر

حاول كبير الجراحين اللحاق به وهو يبرر موقفه ب :
-يا دكتور مهاب ، وقت ما اطمنت على الباشا أوس اتصلت بيك على طول
-ده اسمه تقصير ، يبقى المستشفى بتاعي ، وشوية زبالة يدخلوا فيه عشان خاطر البيه ابني
-حضرتك هو .. هو مقالناش المريضة دي تقربله إيه أصلاً ، بس من شكلها العام عرفت إنها بنت لوكال

كور مهاب قبضة يده في غضب ، ثم صر على أسنانه وهو يتوعد ابنه ب :
-ماشي يا أوس ، ماشي ..!!

دار مهاب من رواق جانبي حتى وصل إلى غرفة التبرع بالدماء ، فأمسك بمقبض الباب وفتحه وهو يصيح ب :
-ممكن تفهمني اللي انت عملته ده إي..آآآ...

لم يكمل مهاب عبارته الأخيرة ، حيث نظر حوله ، فلم يجد أي شخص بالغرفة ، فإنفعل أكثر ، وإلتفت بجسده للخلف وصرخ ب :
-كمان محدش عارف ابني هنا فين

ابتلع كبير الجراحين ريقه في توتر ، ثم عَدَل من وضعية نظارته الطبية ، ونظر إلى مهاب بحذر ، وقال :
-ممكن يكون راح عند المريضة ، هي اتنقلت العناية المركزة من شوية

لم يعقبْ مهاب على تلك العبارة ، وإكتفى فقط بإعطائه نظرات محتقنة ....

بداخل حجز المخفر ،،،،،،

جثت فردوس على ركبتيها أمام أختها ، ثم وضعت كفي يدها على ذراعيها وهزتها برفق وهي تحدثها بتلهف ب :
-تهاني ، سمعاني ، أنا فردوس أختك !

رمقتها تهاني بنظرات فارغة ، وأشاحت بوجهها للجانب ، وظلت تغمغم كعادتها بكلمات مبهمة ..

وضعت فردوس يدها تحت ذقنها لتحرك رأسها في اتجاهها ، ثم نظرت لها بشجن وهي تسألها بتجهم ب :
-كنتي فين يا تهاني ؟ طفشتي على فين ؟؟ وإيه اللي جابك هنا ؟؟

أمسكت تهاني بمعصم أختها ، ثم ألقته بعيداً عنها ، ورمقتها بنظرات حادة ومميتة قبل أن تجيبها ب :
-ماتلمسنيش ، ابعدي عني ، إنتي زيهم ، ايوه .. زيهم .. خدوا مني عيالي ، ورموني .. خدوهم مني .. آآآآه

-ماتنكتموا في يومكم إنتو الاتنين مش عارفين نتنيل نتخمد في أم الحجز ده
قالتها إحدى السجينات بصوت صادح رج جدران المكان ..
فهزت فردوس رأسها في خوف ، وقالت بخفوت :
-حاضر ياختي ، هانسكت خالص أهوو ....!!

ثم سمع الجميع صوت فتح قفل باب الحجز ، ودلف إليه صَولٌ ما ، ثم بلهجة صارمة تشدق ب :
-المسجونة تهاني شحاته .. إنتي يا مسجونة

لم تجبه تهاني بل ظلت قابعة في مكانها ، فنهضت بدلاً منها فردوس وقالت بصوت مرتبك وهي تقترب منه :
-أنا .. أنا أختها ، انت عاوزها في ايه يا شاويش ؟

دفعها الصول بعنف من كتفها ، ثم أمرها ب :
-أقعدي يا مسجونة مكانك ، فين المسجونة تهاني
-هي عملت ايه طيب ؟
تسائلت فردوس بخوف وهي تنظر للخلف في إتجاه أختها ..

اتجه الصول ناحية تهاني ، ثم إنحنى بجسده المترهل للأسفل ، وقبض على ذراعها ، وتعمد أن يغرس أظافره المتسخة فيها ، وبصرامة أمرها ب :
-قومي معايا يا مسجونة

تأوهت تهاني من الآلم ، ونهضت رغماً عنها وهي تصرخ بصوت متحشرج ب :
-آآآه .. أنا معملتش حاجة ، هما اللي خدوا مني كل حاجة ..!

وقفت فردوس إلى جواره ، وحاولت أن تجذب منه أختها وهي تتوسل له ب :
-أخدها فين يا حضرت الصول ؟ هي عملت ايه بس ؟

دفعها الصول من كتفها بقوة وهو ينهرها ب :
-اتلأحي على جمب يا مسجونة
ثم رمقها بنظرات مهينة قبل أن يتابع بنفس النبرة ب :
-قبر يلم العِفِش ...!!

ثم خرج الاثنين من الحجز ، وأوصد الصول بابه مجدداً ، في حين أمسكت فردوس بقبضانه الحديدية ، وصرخت عالياً ب:
-واخدين تهاني على فين ، أنا مصدقت لاقيتها ، عاوزة أعرف منها اللي حصل ، استنى يا شاويش ، استنى ....!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،
في غرفة العناية المركزة ،،،،

وقف أوس قبالة فراش تقى الطبي وهو عاقد لساعديه أمام صدره ، وظل يراقبها في صمت تام ..
آمال رأسه لليسار تارة ، ولليمين تارة أخرى ليتمعن أكثر في ملامحها بعد أن ذبلت كثيراً بسبب ما حدث ..
لقد بدت أقرب للموتى منها للأحياء ، خاصة وأن أنفها يخرج من فتحاته أنابيب للتنفس الإصطناعي ، وكذلك هناك لاصقات طبية لإبرة موصولة برسغها ، بالإضافة إلى ( مشبك ) معلق بإصبعها ليقيس معدل نبضاتها ..

تابع أوس إنتظام حركة تنفسها ، ووزع بصره بين الحين والأخر إليها وإلى الأجهزة الطبية الموضوعة إلى جوارها ..

إرتسم على ثغره ابتسامة ساخرة وهو يتذكر محاولتها اليائسة لقتله ، وحدث نفسه بصوت مسموع ومعاتب ب :
-أنا السبب في اللي حصل ، لو كنت ركزت شوية كنت منعت أمك من إنها تاخدك مني !

ثم صمت للحظة ليأخذ نفساً مطولاً قبل أن يزفره في ضيق ليتابع ب :
-ملحوئة يا تقى ! إنتي بقيتي بتاعتي الوقتي وبس ، حتى أمك معدتش تقدر تمنعك عني ....!

-لأ يا أوس .. أنا اللي هامنعك عنها ، وغصب عنك ..........!!!!!!!!
قالها مهاب بصوت قاتم وجاد للغاية وهو يدلف إلى داخل غرفة العناية المركزة ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الخامس والثلاثون

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

إستدار أوس بظهره للخلف ، وحدج والده بنظرات نارية ، في حين تحرك مهاب في إتجاهه إلى أن وقف قبالة إبنه ، ثم بصوته الآجش تابع بصرامة ب :
-جايبلي واحدة من الشارع تتعالج عندي في المستشفى يا أوس ؟!

لوى أوس فمه في إستهجان ، ثم رفع حاجبه وهو يجيبه ببرود ب :
-ومين قالك إنها من الشارع !

نظر له مهاب بنظرات حادة وهو يسأله بحنق ب :
-أومال هاتكون جايبها منين ؟
ثم لوح بيده بعصبية ، وبنبرة اكثر حدة تابع ب :
-أنا عارف كويس المناظر القذرة دي جاية من فين ..!!!

ابتسم له أوس إبتسامة قاسية ، وعقد ساعديه أمام صدره ، ولم يعقب .. فإغتاظ مهاب أكثر ، وتسائل بنزق ب :
-إنت سامعني ؟ بقولك البت دي بتعمل إيه هنا يا أوس ؟!!!

بنبرة مقتضبة ولكن ذات مغزى أجابه ب :
-تخصني

جحظ مهاب بعينيه أكثر وهو يسأله بشراسة ب :
-يعني ايه ؟

ببرود ونظرات واثقة أردف أوس ب :
-يعني هي تبعي ..!

ضيق مهاب عينيه وهو يتسائل ب :
-تبعك ؟
-أها .. عندك مانع
قالها أوس ببجاحة وهو ينظر في عيني والده دون أن يرمش للحظة

صر مهاب على أسنانه وهو ينطق بحنق يحمل التهكم ب :
- أيوه عندي ، هو ده اللي ناقص يا أوس إنك تجيبلي بنت **** ، لأ وهنا في المستشفى ...!!!!

زم أوس شفتيه في عدم إكتراث ، وتسائل ببرود مستفز ب :
-وإيه الغريب في كده ؟

وضع هو قبضة يده على ذراعه ، وضغط عليه ، ثم تكلم بصوت حانق ب :
-إنت مش في وعيك ، إنت مش عارف بتعمل ايه .!

أبعد أوس يد والده عن ذراعه ، ثم نظر لها دون أن يطرف بعينيه ، وبثقة زائدة أردف ب :
-لأ عارف كويس

ضيق مهاب عينيه الغاضبتين ، وحدج ابنه بقوة ثم أشار بيده ، وبنبرة مميتة هدر ب :
-الأشكال الوسخة اللي زيها مكانها برا ، مش مستشفى محترم زي ده

لوى أوس فمه في سخرية ، ثم أردف متهكماً ب :
-ده على أساس إن المكان هنا طاهر اوي ، ما انا وإنت عارفين اللي فيها

اتسعت عيناه في ذهول ، ثم سأله بتوجس ب :
-قصدك ايه ؟

حدج هو والده بنظرات أكثر قسوة ثم بكل فظاظة نطق ب :
-انت فاهم كويس يا مهاب بيه أنا قصدي ايه

ابتلع مهاب ريقه بصعوبة ، ولكن إرتخى ثغره للأسفل ، ووجد صعوبة في الرد عليه بوضوح :
-هاه ..آآ ..

تابع أوس بثبات باقي حديثه ب :
-ولا تكونش مفكرني نسيت الممرضات والخدامات بتوع زمان ، لأ كله محفور في دماغي ، ولا حاجة راحت في يوم عن بالي ، الماضي الوسخ ...!

نهره هو بصوت مرتفع ب :
-أوس ..!!

-كنت مفكرني عيل عبيط مش فاهم بتعمل ايه في البيت مع المربيات ولا حتى الممرضات
قالها أوس بصوت قاتم وعينيه تنطقان بالشرر ..

هربت الدماء من وجهه ، وبدى كما لو كان شبحاً أمامه ، وخرج صوته متقطعاً ب :
-آآ.. إنت ..آآ

نظر أوس في عيني والده مباشرة وبحدة ، ولم يحيد عنهما وهو يسرد بصوت قاتم :
-أنا في الأول مكنتش فاهم حاجة بس عرفت بعد كده إنت بتعمل ايه ، فمتستغربش لما أكون بأعمل زيك ..

ثم صمت للحظة قبل أن يتابع بسخرية مريرة ب :
-ده حتى المثل بيقول هذا الشبل من ذاك الأسد .. ولا إيه رأيك يا أسد ..!

لم يجد مهاب الكلمات التي يستطيع بها الرد عليه ، وإشتعلت الدماء في عروقه فصاح منفعلاً ب :
-أنا فعلا معرفتش أربيك

ابتسم أوس بطريقة مستفزة قبل أن يرد عليه بوقاحة ب :
-بالظبط ، إنت مربتنيش أصلا ، لأن أنا تربية ممدوح صاحبك وناريمان هانم مراتك

أخفض مهاب نبرة صوته في حزن زائف وهو يقول :
-مكونتش أتخيل إن في يوم إبني يطلع بالشكل ده آآ......

قاطعه أوس بتهكم صريح ب :
-لأ بلاش تتعب نفسك وتتخيل ، لأن أنا نسخة منك ..

ثم صمت لثانية قبل أن ينطق وهو يضغط على كل كلمة ب :
-بس على أسوأ ...!

وارتسم على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يتعمد النطق بتهكم ب :
-فمستغربش من تصرفاتي يا .. يا بابا

لم يجد مهاب أي جدوى من الحديث مع إبنه ، لذا استدار في مواجهته ، وحدجه بنظرات محتقنة ، ثم أشار له بإصبعه محذراً ب :
-قسماً بالله يا أوس لو فكرت تجيب الزبالة دي على القصر ل آآ...

ابتعد أوس عن والده وهو يتحدث ، ووقف إلى جوار فراش تقى ، ومد إصبعيه ليتلمس جبينها ، ثم إلتفت برأسه نصف إلتفاتة ، وبصوت واثق قاطعه ب :
-متخافش ، أنا مش للدرجادي وسخ .. اللي يخصني بأخده على مكان تبعي

زم مهاب شفتيه ، ونظر إلى ابنه بإحتقار ، ثم سار مبتعداً عنه في اتجاه باب الغرفة ، وأمسك بالمقبض ، وقبل أن يخرج منها ، التفت له ورمقه بنظرات نارية وهو يهينه ب :
-إنت بقيت تقرف

لوى أوس فمه في إمتعاض ، وبكل إستفزاز تشدق ب :
-مجبتوش من برا يعني ، ماهو البركة فيك ..!!

غمغم أبيه بضيق قبل أن يرحل تماماً من الغرفة ووجهه محتقن من الحنق وبدى صوته منفعلاً وهو يتحدث بالخارج ...

جذب أوس المقعد وألصقه بالقرب من فراش تقى، ثم جلس عليه، ومال بجسده للأمام، ومد كف يده ومسح على جبين تقى بعد أن أزاح خصلات شعرها المتمردة، ونظر لها مطولاً ، ثم أردف بنبرة متشنجة ب :
-مش بالساهل إني أسيبك ..!

حركت تقى رأسها ببطء ، ومالت بها ناحيته ، فوضع راحة يده على وجنتها ، وتلمس بشرتها الشاحبة ، وأخفض رأسه للأسفل ليقترب من أذنها ، ثم همس لها بصوت عميق ب :
-إنتي ليا وبس يا تقى

شعر هو بتأثير أنفاسه الساخنة على تعابير وجهها الشاحب الذي تشنج قليلاً ، فأرجع رأسه للوراء ، وظل يراقبها في صمت تام ...

في إحدى دور الرعاية الخاصة بالمسنين ،،،،

أودعت هياتم تهاني بتلك الدار الراقية ، وأوصت المشرفات بها برعايتها ، ثم أشارت لإحداهن بيدها محذرة ب :
-ناريمان هانم بنفسها هي اللي موصية الحالة دي ، فمش عاوزة أي تأخير عنها

هزت المشرفة رأسها بهدوء ، ثم قالت بثقة :
-اطمني يا مدام هياتم ، دي مش أول مرة نتعامل مع حالة بالشكل ده
-تمام .. ولو في أي جديد بلغوني ، وانا يوم بعد يوم هاجي هنا وهتابعكم
-حاضر يا مدام

تنحنحت هياتم قليلاً ، ثم بنبرة صوت ثابتة تابعت ب :
-وأنا حطيت في الحساب بتاعها فلوس عشان لو حبت تشتري أي حاجة
-أوكي .. متقلقيش عليها

أشارت هي بيدها قبل أن تستدير للخلف وبصوت شبه جاد أردفت ب :
-مش هوصيكم بقى ، دي مهمة جدا بالنسبالي
-متقلقيش

وبالفعل انصرفت هياتم من دار الرعاية بعد أن تأكدت من توافر كل شيء من أجل تهاني ...

في شاليه ما بالساحل الشمالي ،،،

أغلق ممدوح حقيبة سفره بعد أن تأكد من وجود جميع متعلقاته الشخصية بالداخل ، ثم أمسك بجواز سفره ، ونظر إلى التأشيرة الموضعة بداخله ، ومن ثم أغلقه ، وأسنده على طرف الفراش قبل أن يجلس عليه ليعقد رباط حذائه ، ثم إعتدل في جلسته ، وحدق مباشرة أمامه وهو يردف بحنق ب :
-معدتش ليها لازمة الأعدة في السعودية ، أنا هاسافر أنهي كل حاجة هناك وراجع تاني أشوف الوضع هايكون إزاي هنا .. !

ثم نهض عن الفراش ، وأمسك بالمقبض المعدني للحقيبة بعد أن وضع الجواز في جيب قميصه ذي اللون السماوي ، ثم أنزل نظارته الشمسية على عينيه ، و إنصرف من الشاليه حيث السيارة التي تنتظره لتقله إلى المطار ...

في قصر عائلة الجندي ،،،،

قرع جرس الباب ، فسارت المدبرة عفاف بخطوات ثابتة نحوه لتفتحه ، فوجدت سامي الجندي يندفع بعنف للداخل وهو يهدر عالياً ب :
-فين مهاب ؟
ثم وقف في منتصف الردهة وظل يجوب المكان ببصره وهو في حالة هياج واضحة ..

أسرعت عفاف خلفه ، وبصوت هاديء أردفت ب :
-سامي باشا ، إتفضل حضرتك في الصالون ، مهاب باشا مش موجود

انفجر فيها بصوت جهوري ب:
-أه طبعاً ، وهايكون موجود إزاي وابنه طايح فينا ومش هامه أي حاجة

ارتعدت عفاف قليلاً من طريقته ، وحاولت أن تحافظ على هدوئها ، وتابعت ب :
-من فضلك ، إهدى بس وآآ...

قاطعها هو بنبرة صوت غاضبة وهو يشيح بكلتا يديه ب :
-أنا مش هامشي من هنا إلا لما مهاب يجي ويشوفلي حل

هزت هي رأسها موافقة ، ثم بنبرة متريثة نطقت ب :
-طيب .. اتفضل ، وأنا لحظة وهابلغه على الموبايل بتاعه

في نفس التوقيت نزلت ناريمان على الدرج ، وتسائلت بصوت عالي وبنبرة منزعجة ب :
-عفاف ، عفاف .. مين جه وبيزعق كده ؟!

سارت المدبرة عفاف بخطوات أقرب للركض في اتجاه الدرج ، ثم نظرت في اتجاه ناريمان ، ومن ثم نطقت ب :
-ده سامي باشا أخو مهاب باشا

لوت هي شفتيها في تأفف حينما سمعت إسمه ، ثم أشارت بعينيها لها وهي تقول بتزمت :
-أها ، طب روحي إنتي كملي اللي وراكي
-حاضر يا هانم

تحركت ناريمان بهدوء في إتجاه الصالون ، فنهض سامي لمصافحتها ، ثم أشارت له ليجلس ، وإبتسمت له إبتسامة مصطنعة قبل أن تنطق بنبرة ناعمة ب :
-أهلا سامي ، نورت القصر
-لا أهلا ولا سهلاً يا ناريمان ، ينفع اللي ابنك عمله ده

تنهدت هي في إنزعاج ، ثم مطت شفتيها للأمام وهي تتسائل بعدم إكتراث ب :
-ماله ؟
-يرضيكي إنه يلغي التعاقد معايا ، ويروح للشركة الأصلية ويسحب التوكيل لنفسه ويخسرني ملايين
-ممممم..
-أومال لو مكونتش أنا عمه ومن لحمه ودمه كان عمل فيا إيه

وضعت ناريمان ساقاً فوق الأخرى بعد أن أرجعت ظهرها للخلف ، ثم نظرت إليه بنظرات غير مبالية وهي تردف ب :
-شوف يا سامي أي حاجة تخص أوس وشغله إتكلم معاه فيها ، إنت عارف كويس إن أنا ماليش كلمة عليه ، ومش بأتدخل في اللي بيخصه

هدر هو بها بإنفعال ب :
-بس إنتي أمه
-يوووه بلاش الكلمة دي بقى ، أنا مش أمه ، مش أمه ، خلاص
قالتها ناريمان بعصبية زائدة بعد أن نهضتمن على الأريكة .. ثم انصرفت غاضبة وهي تغمغم بكلمات بذيئة

تعجب سامي من ردة فعلها المبالغ فيها تجاه أوس ، ثم كور قبضته في حنق ، وقال :
-ماشي ، أنا برضوه مش هاسكت وهاتصرف ...!!

ثم إنصرف بخطوات سريعة نحو باب القصر ، وصفعه بعنف بعد أن خرج منه .....
راقبت المدبرة عفاف ما يحدث بإستغراب ، ثم مطت فمها للجانبين ، حدثت نفسها ب :
-لا حول ولا قوة إلا بالله .. محدش مرتاح في حياته ، ربنا يسترها في الأيام الجاية...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السادس والثلاثون

كانت الأيام تمر ثقيلة على أوس الذي ظل ملازماً لتقى في المشفى ، فهو لم يتركها للحظة واحدة .. بل كان يتابع بإهتمام مبالغ فيه كل صغيرة تخصها .. ورغم هذا كانت حالتها الصحية إلى حد كبير ثابتة ..
ولم يغفل أي طبيب عن دوره معها .. وكان بين الحين والأخر يعود للقصر ليبدل ملابسه ، ثم يرجع إليها مرة أخرى ..
كما أمر رئيس طاقم التمريض أن يحضر له فراشاً أخراً ، ويضعه في نفس الغرفة ليكون دائماً بجوارها ..
وبالفعل امتثل هو له وأحضر الفراش ، وأسنده بجوار الجدار وعلى مقربة من فراشها ..
ولم يغادر هو غرفة العناية إلا عند الضرورة القصوى ..

كما تناثرت الأقاويل عن وجود علاقة خفية بين أوس الجندي وتلك الفتاة الغريبة بين العاملين بالمشفى ، ولكن لم يجرؤ أحد على التحدث جهاراً عنهما ..
في حين تجاهل مهاب التعامل مباشرة مع إبنه أو حتى الإحتكاك به ، وفضل أن يتجنبه حتى لا ينبش في ذكريات الماضي التي جاهد ليبقيها في طي الكتمان ..

وفي صباح يوم ما ، توقفت سيارة الشرطة أمام مدخل المشفى ، وترجل منها عدد من رجال المباحث الجنائية ، ودلفوا إلى الاستقبال ، ثم بنبرة صارمة تسائل أحدهم ب :
-تقى عوض الله موجودة في اوضة كام ؟

رمقهم الموظف بنظرات شبه مضطربة قبل أن يجيبهم بتردد ب :
-مين حضراتكم ؟
-مباحث
قالها أحدهم بجدية شديدة وهو يتفحصه من رأسه لأخمص قدميه

ابتلع الموظف ريقه ، ثم نظر إليهم بتوجس قبل أن يجيبهم بحذر ب :
-بس هي في العناية والزيارة ممنوعة عنها بأوامر من الدكتور وآآ..
-احنا اللي هانشوفها ونقرر
-بس آآ...

حدجه الضابط بصرامة قبل أن يقاطعه بغلظة ب :
-فين مكانها ؟
-هي في الدور التالت غرفة 307
-يالا يا رجالة

قالها أحدهم وهو يتحرك بخطوات ثابتة في اتجاه المصعد الموجود في نهاية الردهة الواسعة ، ولحق به البقية ...

في نفس التوقيت إنتهى عُدي هو الأخر من إكمال الأوراق والعقود الخاصة بالتوكيل الإيطالي ، وقرر العودة إلى القاهرة لمباشرة أعمال المجموعة ..

كاد أن يجن بسبب تجاهل أوس لإتصالاته المتكررة على مدار الأيام السابقة وحتى لرسائله .. فلجأ إلى والده ليعرف منه السبب ، ولم يستغرب حينما أدرك أن وراء ما حدث ( تقى ) ..
طلب مهاب منه بنبرة أبوية راجية أن :
-خليه يرجع عن اللي في دماغه يا عدي ، إنت صاحبه ، وهو أكيد هايسمع كلامك
-ولو إني معتقدش إن أوس بيسمع كلام حد

تحدث مهاب بإصرار ب :
-معلش حاول معاه

لوى هو فمه في عدم اقتناع وهو يجيبه ب :
-طيب ...

حاول عدي قدر الإمكان أن ينتهي من كل شيء بما يتناسب مع المصلحة العامة لهم ، ومن ثم العودة للقاهرة ..
جمع هو متعلقاته الخاصة في حقيبة سفره ، واتجه للمطار ، وإنتهى من إجراءات السفر ، ثم صعد على متن الطائرة ، وحدث نفسه ب :
-أنا من الأول كنت حاسس إن موضوع البت دي مش هايعدي على خير ، لازم أتصرف قبل ما يتورط أكتر من كده معاها ...!!!

أرجع هو ظهره للخلف ، وأحكم ربط حزام الآمان ، ثم أغمض عينيه ليغفو قليلاً ريثما تصل الطائرة للمطار ..

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

خرج رجال المباحث الجنائية من المصعد ، وتوجهوا ناحية غرفة العناية المركزة الخاصة بتقى ..
كان معظم المتواجدون بالطابق ينظرون إليهم بفضول شديد .. وخمن معظمهم أن لوجودهم علاقة بالفتاة الغامضة ..

اقتربوا هم من الغرفة فلمحهم أوس من خلف الجدار الزجاجي ، فنهض من على المقعد ، وولج للخارج ، ووقف بجسده الضخم يعترض طريقهم ، ثم رمقهم بنظرات متفحصة وهو يسألهم ب :
-انتو مين ؟ وعاوزين ايه ؟!

رمقه أحدهم بنظرات مهينة قبل أن يجيبه بإستخفاف ب :
-والبيه بقى مين ؟ حارس الأوضة

إحتقن وجه أوس سريعاً بدمائه الغاضبة ، وكور قبضته في ضيق جلي ، قبل أن يحذره بإنفعال ب :
-اتكلم كويس معايا ، وإلا قسما بالله أفرمك
-تفرم مين ، إنت بتتكلم مع مباحث مش مجرم !!!!

حدجه أوس بنظرات قاتله وهو يصيح بعصبية وتهور ب :
-حتى لو كنت مدير الأمن شخصياً

وقف الضابط أمامه ، وحدجه بنظرات شرسة وهو ينطق بغل ب :
-باين عليك عاوز تتأدب

تجمع العاملون بالمشفى – من أطباء وممرضين - على إثر الصوت العالي ، ومن ضمنهم كبير الجراحين ، وكذلك رئيس طاقم التمريض ، وتدخلوا فوراً للحول دون تطور الوضع ..
أشار كبير الجراحين بيده لأوس ، وبنبرة هادئة تشدق ب :
-اتفضل يا أوس باشا جوا الأوضة ، وأنا هاتصرف

ضيق هو عينيه ، وأمره بصوت متصلب وهو يصر على أسنانه ب :
-دقيقة واحدة وماشوفش أي حد هنا ، فاهم

هز كبير الجراحين رأسه موافقاً وهو يقول :
-حاضر

استشاط الضابط غضباً مما يحدث، وبادر بإنفعال ب :
-إنت أد اللي بتقوله ده !!!

لم يجبه أوس ، بل حدجه بنظرات مميتة ومهينة قبل أن يدلف للغرفة ، ويصفق الباب بقوة خلفه .. ثم أسدل الستائر ليحجب عنهم الرؤية

صدرت همهمات غاضبة بين رجال المباحث ، وكانوا على وشك التصرف بصرامة ، ولكن ...
-إحم .. خير يا حضرات ، في ايه ؟
قالها كبير الجراحين بصوت شبه متوتر وهو يراقب الجميع بخوف

إلتفت إليه الضابط ورمقه بنظرات إستهجان قبل أن يجبيه بحنق ب :
-وإنت مين إنت كمان ؟
-أنا مدير المستشفى

لوى الضابط فمه في استنكار ، ثم تسائل ساخراً ب :
-أها .. اهلا ، وده مين اللي فارد عضلاته علينا

تجشأ كبير الجراحين وهو ينطق بخفوت ب :
-إحم .. ده أوس باشا الجندي ، ابن صاحب المشفى

-طب بص بقى يا دكتور ، إحنا هنا جايين في مهمة رسمية مش جايين نلعب ، وعاوزين نحقق مع المجني عليها تقى عوض الله !
قالها ضابط أخر بصوت رخيم وهو ينظر لكبير الجراحين بنظرات ثابتة ..

-للأسف مش هاينفع ، حالتها ماتسمحش إنه يتم استجوابها الوقتي
-وإمتى حالتها تسمح
-والله على حسب ، هي حالياً زي ما حضرتك شايف في العناية المركزة !

مط الضابط فمه للأمام ، ونظر حوله بتمعن :
-مممم .. لأ واضح
-طيب يا دكتور ، إحنا عاوزينك نبلغنا وقت ما تفوق
-طبعاً اكيد
-ونصيحة مني تقول للبيه اللي جوا يتعدل أحسنله بدل ما احنا نعدله على طريقتنا
قالها الضابط محذراً قبل أن يتركه وينصرف مبتعداً هو و من معه ...

راقبهم كبير الجراحين إلى أن إبتعدوا عن ناظريه ، فلوى فمه في تهكم وهو يقول :
-هو حد يقدر عليه أصلاً ..!!!!

في مطار القاهرة الدولي ،،،،

خرج عُدي من بوابة المطار الرئيسية ، وهو يجر حقيبة سفره ، ثم وضع نظارته القاتمة على عينيه ، ونظر حولها بتمعن ، ثم حدث نفسه بصوت مسموع ب :
-أومال فين العربية ؟ ده أنا لسه مكلم السواق وقالي واقف هنا ، أووف ..!

رأى عدي السيارة مصطفة في الخلف ، والسائق يترجل منها ويركض في اتجاهه وهو يصيح ب :
-عُدي باشا ، أنا أسف .. الشوارع زحمة وآآ..

أشار هو له بيده لكي يصمت ، وبصوت هاديء أردف ب:
-خلاص بلاش رغي ، إطلع على الشركة
-حضرتك مش هاترجع الفيلا ؟
-لأ .. عندي حاجات مهمة عاوز أشوفها الأول في الشركة قبل ما أرجع البيت
-ماشي يا باشا

ثم أمسك السائق بحقيبة السفر وجرها ناحية السيارة ووضعها في الصندوق الخلفي ، في حين ركب عدي في المقعد الخلفي ، وبدأ يعيد تشغيل هاتفه المحمول ، ثم وضعه على أذنه ، وزم فمه ، وحدث نفسه بنفاذ صبر ب :
-برضوه مش بيرد ، ماشي يا أوس ، هاخلص الورق اللي عاوز توقيع وجايلك ....!!!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،
في غرفة العناية المركزة ،،،،،

تحركت تقى قليلاً في الفراش ، وفتحت عينيها إلى حد ما ، ورمشت لعدة مرات محاولة تجنب الإضاءة الشديدة التي تزعجهما ، ثم أغمضتهما مجدداً .. وكادت أن تستسلم للنوم وتغفو ، ولكن صوت ما تآلفه اخترق آذانها ، فجعل حواسها تنتبه بدرجة ما .. ورغم هذا لم تفتح عينيها ..
سمعت هذا الصوت المألوف يهمس لها بخفوت ب :
-انتي موجودة معايا وبس

جاهدت لتفتح عينيها الثقيلتين ، ونظرت حيث مصدر الصوت ولكن كانت الرؤية ضبابية ..
تنهدت هي في تعب ، وأخذت نفساً عميقاً ، وزفرته على مهل ..
ثم شعرت بأصابع ما على جبينها تمسح عليه ، فتشنج وجهها وتوترت .. ورفعت عينيها المرهقتين للأعلى ورمشت لعدة مرات حتى تتمكن من الرؤية بوضوح ..

لمحت هي طيف شخص ما يقف على مقربة شديدة منها ، فحاولت أن تتبين ملامحه أكثر ، فضيقت عينيها ، وعبست بقسمات وجهها ..
جابت هي بمقلتيها صدره العريض أولاً ثم إرتفعت بهما نحو عنقه ، ومن ثم ذقنه ، ونظرت بإندهاش إلى فمه فرأت هي إبتسامة واثقة على ثغره ، فإزدادت حيرة ..
اقترب أوس منها بهدوء حتى تتمكن من رؤيته بوضوح ، وبصوت آجش أردف ب :
-بقالك كتير نايمة

اتسعت عينيها في صدمة ممزوجة بالرعب حينما تأكدت من ظنونها ، وإنفرجت شفتيها ، وجاهدت لتجد الكلمات ولكنها كانت عاجزة عن النطق
غمغمت هي بذعر ب :
-أنا ..آآ.. أنا بأحلم
-لأ يا تقى .. مش بتحلمي !
قالها أوس بغرور ، فإزداد الرعب في قلبها ، و ابتلعت ريقها في توجس شديد .. وإنتفضت كل ذرة في كيانها ...
فتفرس هو في ملامحها المذعورة ، وأمسك بكف يدها المرتعش وقبض عليه أكثر .. ومال برأسه ناحيتها لينظر بعينيه القاسيتين مباشرة في عينيها ، ثم بصوت خافت وثقيل أردف ب :
-وهاتفضلي على طول معايا ..!

حاولت أن تسحب يدها من كفه وهي تنظر إليه برعب ، ولكن لم يكن بها ما يكفي من القوة لتفعل هذا ..
-آآ.. هاه

ابتعد هو عنها وترك كفها ، واعتدل في وقفته ، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله .. ونظر لها بثقة وهو يسألها ب :
-فاكرة اللي حصلك ولا لأ ؟

حدقت هي فيه بخوف ، وتسائلت ب :
-هاه ، ح.. حصلي ؟

أخذ نفساً مطولاً ، وزفره بتمهل شديد ، ثم بنبرة شامتة بادر ب :
-أمك كانت عاوزة تقتلك ، عاوزة تخلص منك ، بس أنا لحقت وجبتك على هنا ..
ثم صمت لثانية ليتفحص رد فعلها المذعور ، ثم تابع بغطرسة ب :
-المستشفى هنا بتاعتنا ، وعلى فكرة دمي بيجري في دمك
-د.. دمك !!
-أيوه .. ماهو احنا طلعنا زي بعض !

اقترب أوس منها ، وجلس على المقعد ووضع ساقاً فوق الأخرى بعد أن أراح ظهره للخلف ، ثم عقد ساعديه أمام صدره ، ورمقها بنظرات دقيقة ، وأردف ب :
-بس أمك خدمتني في اللي هي عملته معاكي ، خلت الطريق سالك !
-ماما .. هي .. انت عملت فيها ايه ؟
-مش أنا اللي عملت ، هي اللي عملت في نفسها
-هاه
-شوفي من الأخر كده انسي إن ليكي أم ، لأن هي هاتتعفن في السجن
-لأ .. أمي !
-والمرادي محدش هايقدر يطلعها من البلوى اللي عملتها

تأوهت تقى من الآلم حينما حاولت النهوض فجأة من على فراشها ، ووضعت يدها على مكان الجرح ، ونطقت بتشنج :
-آآآه .. وأنا مش ه.. هاسيب أمي

أنزل ساقيه ، ومال بجذعه للأمام وهو جالس على المقعد ، ثم رمقها بنظرات جامدة قبل أن ينطق بعنجهية ب :
-تؤ .. مش هتعرفي ! أنا هارتب كل حاجة عشان آآ..

قاطعته تقى بصوت غاضب وهي تهدر فيه بإنفعال ب :
-إنت ايه .. خربت بيتي وضيعتنا .. عاوز ايه تاني ؟ ابعد بقى عننا .. آآآه

عضت هي على شفتيها من الآلم ، وأغمضت عينيها لتقاوم تلك العبرات التي تسللت إلى مقلتيها ...
أمسك أوس بمعصمها فإنتفضت هي فزعاً ، وفتحت عينيها ، وتلوت به لتحرره ، ولكنه أحكم قبضته عليه ، وحدجها بنظرات مخيفة ، ثم تحدث وهو يضغط على أسنانه ب :
-أنا عاوزك إنتي ، مهما عملتي مش هاسيبك للحظة ...!!

في بناية ما حديثة الطراز بمنطقة مصر الجديدة ،،،

وضع ممدوح المفتاح الذي بحوزته في مقبض الباب ، ثم فتحه ، ودلف إلى داخل منزله .. ثم تحسس بكف يده - في الظلام الدامس الذي يسود المكان - الجدار المجاور للباب ليضغط على مفتاح الإنارة ، حتى يتمكن من الرؤية بوضوح ..
لحق به حارس البناية وهو يحمل حقائب سفره ، ثم أسندها في الصالة ، واستدار ليواجه ممدوح ، ورسم على وجهه ابتسامة بلهاء وهو يتجشأ ب:
-نورت مصر يا ممدوح بيه ، هتطول في الزيارة المرادي ولا آآ...

قاطعه ممدوح بصوت جاد ب :
-لأ خلاص ، أنا مش هسافر تاني ، أنا نويت أستقر هنا
-بجد يا سعات البيه ، ده البلد هتنور بيك

أخرج هو حفنة من النقود من جيبه ، ثم مد يده بها ناحية الحارس الذي اندفع واللعاب يسيل من فمه نحوه ، وأخذ النقود ودسها في جيبه ، ثم قال بهدوء
-شكراً .. يالا خد الباب في ايدك

ابتسم الحارس في سعادة واضحة وهي يجيبه بتلهف ب :
-حاضر يا بيه

تأمل ممدوح صالة منزله وجاب ببصره الأثاث الذي كان غالبيته مغطى بالشراشف البيضاء ..
ثم تنهد في إنهاك وقال بهدوء يحمل الوعيد :
-معدتش ورايا حاجة إلا إنت وعيلتك بس يا مهاب ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السابع والثلاثون

في قصر عائلة الجندي ،،،،

رفضت ليان أن يُقام أي حفل للاحتفال بيوم مولدها الذي إعتادت ناريمان إقامته في أبهى صوره بالإضافة إلى نشره في المجلات التي تهتم بسيدات المجتمع الراقي وأخبار المشاهير ..
ولم تتجادل ناريمان كثيراً معها ، فهي الأخرى لم تكنْ في حال جيدة .. فتسارع الأحداث وتعقدها جعلها غير مهيأة نفسياً لمواجهة أي أحد ، أو حتى للإجابة عن تساؤلات البعض .. لذا فضلت الخيار الأخير إلغاء الحفل تماماً ..

كما كانت الاثنتين تتجنبان اللقاء أو الجلوس معاً على قدر الإمكان ، ف ( ليان ) تشمئز من حالها ومما إرتكبته في حق نفسها وكيفية التفريط في شرفها دون مجهود يذكر بعد الوقوع فيما يسمى بفخ الحب ..
في حين إكتفت ( ناريمان ) بتمضية وقتها ما بين الجلوس في حديقة القصر ، أو بمفردها في صالة الألعاب الملحقة بالنادي .. ولم تردْ على غالبية اتصالات رفيقاتها أو حتى عضوات الجمعية .. وبررت هذا بإنشغالها بأحوال ابنتها ..

كذلك لم يعبأ أوس بما يحدث مع كلتاهما ، وكان يعرج على القصر فقط ليستحم ويغير ملابسه .. فنادراً ما كان يجلس مع أي منهما .. أو حتى يستفسر عن أحوال من يقطن بالقصر .. والجميع متعجب من التغيير - الغير مقنع - في طباعه الصارمة ، والتي تحولت إلى اللامبالاة الشديدة
أما مهاب فكان وجهه كفيلاً بالتعبير عما يجول في نفسه ، فهو دائم العبوس والتجهم ..
يهرب من قضاء وقته مع زوجته ناريمان ، ويحاول قدر الإمكان إلهاء نفسه في العمل ...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب :

وصل عدي إلى مقر الشركة ، وقابل معظم الموطفين بإبتسامة هادئة ، ثم عرج إلى مكتبه ، وجلس على مقعده ، وأرجع ظهره للخلف ، ثم أغمض عينيه ، وتنهد في إرتياح ، ثم أردف ب :
-ياه ، أخيراً الواحد رجع شغله تاني

فتح عينيه ، ثم اعتدل في جلسته ، ومد يده ليمسك بسماعة الهاتف الأرضي ، وضغط على زر ما به ، وتحدث بصوت آمر ب :
-تعاليلي بالبوسطة المتأخرة كلها ، والملفات اللي عاوزة مراجعة وتوقيع .. ممممم.. أيوه .. تمام ..!

ثم وضع السماعة في مكانها ، وعبث بمحتويات مكتبه ..
وما هي إلا لحظات حتى دلفت السكرتيرة إلى الداخل وهي تحمل في يدها مجموعة من الملفات والأوراق ..

ابتسمت السكرتيرة ابتسامة رقيقة وهي تمد يدها بالأوراق ناحيته ..
-تمام ، هاتيلي مواعيد النهاردة
-حاضر يا فندم

كانت السكرتيرة على وشك الانصراف تماماً من المكتب حينما تذكرت أمر المظروف البريدي الخاص بأوس ، فإستدارت بجسدها نصف استدارة ، وأردفت ب :
-كان في ظرف جه لأوس باشا بقاله فترة بس هو مجاش الشركة يستلمه وآآ..

ضيق عدي عينيه ، وتسائل بفضول ب :
-ظرف ايه ده ؟
-مش عارفة ، بس في حد سلمه في الريسبشن تحت ، وقال إنه خاص بأوس باشا

تملكه الفضول ليعرف ما الذي يوجد بالطرد ، فأمرها بتلهف ب :
-طب هاتيه بسرعة
-بس آآ..
-من غير بس ، مش يمكن شغل متعطل ولا حاجة ، وأنا هنا مكان الباشا أوس .. يالا ، مش هاعيد وأزيد في كلامي كتير ..!

هزت السكرتيرة رأسها موافقة ، ورسمت على وجهها ابتسامة سخيفة ونطقت ب :
-حاضر يا عدي باشا

بعد دقائق قليلة ، عادت السكرتيرة إلى المكتب ، وأسندت المظروف على سطح المكتب ، ومن ثم إنصرفت في هدوء ، وأغلقت الباب خلفها ..

أمسك عدي بالمظروف ، وقلبه بأصابع يده ، وظل ينظر إليه بفضول وهو يتسأل نفسه بحيرة ب :
-في ايه الظرف ده ؟!

فتح هو المظروف من الجانب ، وأفرغ محتوياته ، ونظر في البداية إلى الصور الفوتغرافية بعدم اكتراث ، وحدث نفسه عالياً ب :
-إيه الصور دي ؟

أمعن هو النظر جيداً في معظم الصور التي كانت تحتوي على مناظر عارية ل ( ليان ) ، واتسعت مقلتيه في ذهول ممزوج بالصدمة ، وقلب صورة تلو الأخرى وهو يحدث نفسه بتلعثم ب :
-دي آآ... دي ليان .. أخت أوس .. مش ممكن

نهض عن مقعده ، ودفعه بقدمه للخلف ، وأعاد النظر - بتفحص أكثر -في الصور مجدداً ، وتأكد من هويتها ، فهو يعرفها جيداً ، فإحتقن وجهه من الضيق ، وتشنج ب :
-إزاي تعمل كده ، إزاي ؟! ده لو أوس شم خبر ولا عرف مش .. مش بعيد إنه آآ.. لألأ .. استحالة الصور دي توصل لأوس ...!!!
ثم قام بجمعهم ودسهم في المظروف ، واندفع راكضاً إلى خارج المكتب ..

نهضت السكرتيرة عن مقعدها حينما رأته يخرج ولمحت تعابيره المنزعجة ، فأسرعت خلفه وتسائلت ب :
-عدي باشا ، حضرتك رايح فين ؟ يا عدي باشا !!

لم يجبها هو ، بل إنطلق في اتجاه المصعد وضغط على زره بعصبية ، ثم طرق على الباب المعدني بقبضته المتكورة ، وصاح غاضباً ب :
-فين أم الأسانسير !!

إنفتح الباب المعدني ، فإندفع بسرعة داخله ، ورمق السكرتيرة بنظرات حادة قبل أن ينغلق الباب عليه ....

في مشفى الجندي الخاص ،،،

أرخى أوس قبضة يده عن تقى ، ثم نهض عن المقعد ، وتجول أمامها في الغرفة بثقة وغرور ، وتابعته هي بنظراتها المذعورة ..
صرت تقى على أسنانها في حنق ، وعاتبت نفسها بصوت هامس ب :
-أنا ايه بس اللي وقعني في سكته ، عملت ايه غلط في حياتي عشان ربنا يبليني بالمصيبة دي

راقبها هو بحذر من طرف عينه ، ولاحظ تحديقها به ، فإلتوى فمه في غرور أكثر ، ثم بنبرة متغطرسة أردف ب :
-بتفكري فيا .. صح ؟

ضيقت هي عينيها في غيظ ، وبصوت مغلول أجابته ب :
-راحمني بقى ، سبني في حالي

في نفس التوقيت دلفت ممرضة ما إلى داخل غرفة العناية وهي تحمل في يدها صينية صغيرة بها أطباق صغيرة بلاستيكية مغلفة ، وترسم على وجهها إبتسامة زائفة .. وبنبرة هادئة بدأت حديثها ب :
-ميعاد الأكل بتاعك يا آنسة
-هاتيه
قالها أوس بصوت آمر وهو يشير للممرضة بعينيه الصارمتين ، فنظرت هي له بتوجس ، ومدت يدها بها إليه ، وقالت بتردد :
-بس أنا هنا .. آآ.. عشان آآ..

حدجها هو بنظرات أكثر حدة ، ثم بصوت جاد آمرها مجدداً ب :
-امشي برا .. يالا

هزت الممرضة رأسها موافقة ، ثم سارت في اتجاه باب الغرفة بخطوات متعثرة ، وأغلقت الباب خلفها

اقترب أوس من تقى وهو يحمل الصينية ، ثم أسندها على الطاولة الملتصقة بفراشها .. وأزال الأغلفة من على الصحون البلاستيكية ، وغرس الملعقة في الأرز الساخن ، ثم قربها من فم تقى ، وبصوت رخيم أمرها ب :
-افتحي بؤك

باغته هي بدفع يده بعيداً عن فمها ، فتناثر الأرز على الملاءة وكذلك على كف يده ..
لم تتغير تعابير وجهه على ردة فعلها المنفعلة تلك ، بل على العكس تماماً تحدث ببرود :
-طب كلي عشان تعرفي تقاوميني كويس ..!

تشنجت تقى وهي تهدر بصوت مبحوح ب :
-إنت ايه يا أخي ، ابعد عني بقى ، خليني أعيش حياتي ، وأصلح اللي انت بوظته

مال أوس بجذعه على الفراش ، فتراجعت هي في ذعر للخلف ، فحاصرها بذراعيه ، وشعر بإرتجافتها الشديدة منه ، فابتسم ابتسامة شيطانية ، ورمقها بنظراته القوية ، وبصوت جاد حدثها ب :
-مش هتعرفي مهما عملتي ، لأني مش هاسيبك تبعدي عني لحظة إلا لما آآآ..

ثم صمت ولم يكمل عبارته ، وغمز لها بعينه اليسرى في لؤم ، ففهمت هي المغزى من نظراته الغير بريئة ، فإحتقن وجهها سريعاً ، وضاقت عينيها ، وحدجته بنظراتها الساخطة ، وهدرت فيه ب :
-إنت حيوان مش بني آدم حتى ...!

صر هو على أسنانه وهو ينطق بعنجهية ب :
-بالظبط .. والحيوان ده هايفضل ملازمك لحد ما يزهق منك ويرميكي !

ثم اقترب برأسه أكثر منها ، فأبعدت وجهها للجانب لتتجنب لهيب أنفاسه التي تخنقها ، وأغمضت عينيها في خوف ، وإزدادت إرتجافة جسدها ، فهمس هو في أذنها ب :
-وإنتي بإيدك تخلصي نفسك وتخلصي أمك من حبل المشنقة

فتحت هي عينيها فجأة وإستدارت برأسها ناحيته ، لتنظر إليه مباشرة في ذهول ..
-هاه .. ح.. حبل المشنقة !!!!
-ايوه .. والمباحث منتظرة مكالمة مني عشان ينهوا كل حاجة
-ايه !!

كانت المسافة بين نظراتهما قصيرة للغاية ..
فإستطاعت أن ترى بوضوح بريق عينيه ، ورأت نيران الحقد تبرز من خلالهما ، وإزدادت يقيناً أنها وقعت بين براثن ذئب لا يرحم ....

إتسعت إبتسامته المغترة على ثغره ، وتمعن هو فيها بنظرات مطولة .. ثم تابع ببرود قاسي ب :
-ايوه .. دي جريمة قتل ، وأنا أقدر أخلي أمك في لحظة تكون متعلقة على حبل المشنقة ، أو أطلعها براءة ..!

-ب...براءة
قالتها هي بصوت متلعثم وهي تنظر إليه دون أن تطرف بعينيها للحظة ..
-أها .. وزي ما قولتلك إنتي اللي بإيدك تختاري

توترت نظراتها ، وسألته بحيرة وتوجس ب :
-قصدك إيه ؟

مط هو شفتيه للأمام ، وتراجع للخلف ليجلس مجدداً على المقعد ، ثم وضع ساقاً فوق الأخرى ، واخذ يهزها بحركة ثابتة قبل أن يكمل بقسوة :
-تسلميلي نفسك يا تقى ، وانا هاطلع أمك من قضية القتل زي الشعرة من العجينة .....!!!!

....................................

في قصر عائلة الجندي ،،،،

دلف عدي إلى داخل غرفة الصالون بعد أن استقبلته المدبرة عفاف ورحبت به ..
ظل هو واقفاً في مكانه ، ولكن ملامح وجهه لا توحي بالخير مطلقاً ..
كانت المدبرة عفاف على مقربة منه ، فتسائلت بنبرة هادئة ب :
-حضرتك تحب تشرب إيه لحد ما أبلغ ناريمان هانم بوجودك

-أنا مش عاوز أشرب حاجة ، ولو سمحتي يا عفاف تناديلي ليان
قالها عدي بصوت قاتم وهو يرمقها بنظرات دقيقة

قطبت عفاف جبينها ، ورفعت حاجبيها في إندهاش ، وقالت بإستغراب :
-ليان هانم ..!
-ايوه ، ويا ريت تبلغيها إن المسألة ضرورية جداً ، وماينفعش تتأجل
-بس هي ممكن ترفض ، وآآآ..
-مافيش بس ، قوليلها الموضوع خاص بصور مهمة

هزت عفاف كتفيها في عدم فهم ، وقالت بهدوء :
-حاضر

انصرفت هي مبتعدة عنه ، واتجهت نحو الدرج ، وتابعها هو بعينيه ، وحدث نفسه بصوت هامس ب :
-الموضوع ممكن يوصل للدم يا ليان لو أنا ملحقتش أتصرف....!

غابت عفاف لبضعة دقائق ، ثم عادت إليه مجدداً ، وقالت له بنبرة شبه يائسة :
-للأسف رافضة تقابل حضرتك ، وبتقول إنها تعبانة
-ماينفعش ترفض تقابلي
قالها عدي بنبرة حادة تقريباً ، فتعجبت عفاف من طريقته ، ورمقته بنظرات غريبة ، فأشار هو لها بيده ، وقال بضيق :
-معلش يا عفاف اطلعي تاني ليها ، وقوليلها لو هي منزلتش تتكلم معايا حالاً ، أنا هاطلعلها

جحظت عفاف بمقلتيها ، وفرغت شفتيها في ذهول وهي تنطق ب :
-اييييه !!
-زي ما سمعتي يا عفاف !!
-مممم.. مش عارفة أقول لحضرتك إيه
-أقولك على حاجة ، خدي وريها دي

عبث عدي في الصور الموجودة بالمظروف دون أن يخرجها ، وإنتقى صورة ما ل ( ليان ) ، ثم شطرها إلى نصفين ، ومد يده بالجزء الذي لا يظهر وجهها بعد أن طواه إلى عفاف ، وقال بنزق :
-وقوليلها بقية الصورة معايا

أومأت عفاف برأسها موافقة ، ثم تحركت نحو الدرج ، وصعدت عليه ..
ظل عدي في مكانه يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً ، وعلامات التوتر جلية على تعابيره العامة ، أما في رأسه كانت ألاف وألاف الأسئلة تدور فيها حول ماهية تلك الصور الفاضحة وأسبابها ، ولكن كان بباله فكرة ما ظن أنها ستناسبه هو وهي إلى حد ما .. وربما ستريح كلاهما من المشاكل والفضائح ، ولكن عليها أن تقتنع بها أولاً قبل أن يجعلها في حيز التنفيذ ....
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثامن والثلاثون

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

برقت عيني تقى في ذهول تام بعدما سمعت العرض البغيض الذي اقترحه أوس عليها ..
لم تعرف بماذا تجبه ، فظلت فقط صامتة ، محدقة في نقطة ما في الفراغ أمامها ، وإزداد شحوب وجهها وهي ترى نظراته الوضيعة المسلطة عليها ..
قاطع هو شرودها بنبرة ماكرة ب :
-مش محتاجة تفكري كتير يا تقي ، حريتك مقابل حرية أمك .. ده لو إنتي بتحبيها فعلاً

صرت على أسنانها في حنق ، ونظرت إليه بغل وهي تنطق ب:
-إنت .. آآ..
-أنا ايه ؟ قولي ! ها مستني أسمع منك !!!

تجمدت الكلمات على شفتيها ، وعجزت عن إكمال عبارتها .. فابتسم هو لها إبتسامة ساخرة ، ثم قال لها بغرور :
-القدر بيلعب لعبته معاكي ، دايما بتيجي الظروف في طريقي ..!

ثم صمت لوهلة قبل أن يتابع بنبرة تحمل التحدي والوعيد :
- وإنتي غصب عنك هتختاري وإلا ..آآ..

قاطعته هي بصوت مبحوح ب :
-ماشي أنا موافقة على عرضك بس بشرط

مط شفتيه في استغراب وضيق عينيه ، ثم بنبرة استهزاء تسأل ب :
-وكمان في شرط !
-أيوه

سألها أوس بفضول وهو محدق بها :
-ممممم... شرط ايه ؟
-تتجوزني !
-أتجوزك ..!
قالها أوس بطريقة متهكمة قبل أن ينفجر ضاحكاً بطريقة هيسترية ، فإشتعلت غضباً وهدرت فيه ب :
-قولت إيه غلط عشان تضحك بالشكل ده ؟؟
-ههههههههه ... أصل انا مش بتاع جواز يا حلوة

عبست هي بملامح وجهها ، وأردفت بنبرة إصرار ب:
-ولا أنا بتاعة ( حرام ) يا باشا

زم هو فمه للأمام ، ووضع يده على رأسه ومررها في خصلات شعره ، ثم نظر لها بنظراته الفارغة مطولاً قبل أن يباغتها بصوت واثق ب :
-ماشي أنا موافق ، بس هاتستحملي اللي هاعمله معاكي ؟

-مش هتفرق ، المهم مش هاغضب ربنا عشان واحد زيك
قالتها تقى وهي ترمقه بنظرات مهينة جعلت عيناه تشتعلان من الغضب الممزوج بالحنق ..

في قصر عائلة الجندي

ركضت ليان هبوطاً على الدرج وهي تحمل في قبضة يدها الصورة الممزقة ، ونظرت حولها بريبة ، ثم توجهت لغرفة الصالون ، فرأت عدي بداخلها ، فإبتلعت ريقها في إرتباك جلي ..
ثم تسألت بصوت متلعثم ب :
-إنت .. جبت الصورة دي منين ؟!

إلتفت عدي بجسده ناحيتهأ ، ثم تحرك خطوة ليقف قبالتها ، وتحدث بلؤم ب :
-جبتها من مطرح ماجبتها ، المهم إنها انتي يا ليان
-أنا .. آآ.. أنا آآ..
-إنتي عارفة لو كانت الصور دي وصلت لأوس كان ممكن يحصلك ؟

اتسعت مقلتيها في خوف ، وظهر الرعب على قسمات وجهها ، وجف حلقها وهي تتوسل له ب :
-بليز عدي ، مش تقوله ، أنا ..آآآ..
-لو كنت عاوز أقوله ، مكونتش جيت على هنا الأول عشان أعرفك بموضوع الصور دي ..!

إنهارت ليان باكية أمامه ، وجلست على الأريكة ، ودفنت وجهها الباكي في راحتي يدها ، وأجهشت أكثر بالبكاء ، وتعالت شهقاتها ..
تنهد هو في ضيق ، واقترب منها ، وأسند كف يده على كتفها ،وضغط عليه قليلاً ، وتحدث بهدوء ب :
-خلاص اهدي .. أنا عندي الحل لمشكلتك دي ، بس لازم أعرف الأول إيه اللي حصل بالظبط ، ومين عمل كده ..

أبعدت هي كفي يدها عن وجهها ، ورفعت عينيها للأعلى لتنظر لها بإمتنان وهي تنطق بصوت مختنق ب :
-اوكي .. بس مش هاينفع أحكي هنا ، تعالى نخرج برا
-ماشي

ثم نهضت عن الأريكة ، ومسحت بأطراف أصابعها العبرات المنهمرة على وجنتيها ، وتابعت بخفوت ب :
-هاطلع بس أغير هدومي ، واحصلك على النادي
-أوكي ، وأنا هستناكي هناك
-deal ( متفقين )

ثم تركته وإنصرفت من الغرفة ، في حين جمع هو باقي الصور الفوتغرافية في المظروف ، وأحكم قبضته عليه ، وإنحنى بجذعه للأسفل ليمسك بفنجان القهوة ، وإرتشف القليل منه ، وحدث نفسه بمكر ب :
-لو طلع اللي في دماغي يبقى أنا اللي كسبت مش هي ..!!!

أسند عدي الفنجان على الطاولة ، ثم مشى بخطوات هادئة نحو باب القصر ...

في مشفى الجندي الخاص ،،،

مسح أوس بلسانه على أسنانه ، وتجشأ قائلاً :
-يبقى تجهزي نفسك ليا ، وأنا عند كلمتي

نظرت هي له بتحدي ، وقالت بإصرار:
-مش هاعمل حاجة غير لما أمي تطلع براءة

ابتسم هو لها بثقة ، ورفع حاجبه في غرور ، وبنبرة متكبرة أردف ب
-متقلقيش .. أنا أد كلامي ، وهاتشوفي يا تقى ..

ثم تحرك هو في اتجاه باب الغرفة ، وقبل أن يخرج منها ، سلط بصره عليها وأمرها ب :
-وكملي أكلك ، لأني عاوزك تبقي بصحتك عشان اللي جاي يا .. يا عروسة

ثم ضحك عالياً بطريقة مستفزة ، وأغلق الباب من خلفه ، فحدجته هي بنظرات ساخطة ، وبصقت عليه ، وقالت بإشمئزاز :
-ربنا ينتقم منك ، وياخدك .. يا قادر يا كريم ، إنت عالم باللي أنا فيه ...!

في أحد النوادي الشهيرة ،،،،

سردت ليان لعدي الفخ الحقير الذي وقعت فيه ، وكيف أسلمت نفسها لفارس تحت إسم الحب ..
أنصت هو إليها بإهتمام واضح ، ولم يعقب حتى انتهت تماماً من الحديث ، فسألته بتوتر ب:
-هاتقول لأوس على اللي حصل ؟

صمت عدي لبرهة من الزمن ، فإزداد توترها ، واضطربت أكثر ، وجف حلقها ، فأمسكت بكوب المشروب البارد الذي أمامها بيد مرتعشة ، ووضعته على شفتيها ، وتجرعته مرة واحدة ...
راقبها هو بتمعن ثم أخذ نفساً مطولاً ، وزفره على مهل قبل أن يجيبها ب :
-لأ .. بس بشرط
-شرط ايه ؟

نظر عدي مباشرة في عينيها ، وصمت للحظة قبل أن ينفرج ثغره لينطق ب :
-نتجوز

فغرت شفتيها في ذهول ، واتسعت عينيها في إندهاش عقب عبارته الأخيرة ، وقالت بتلعثم :
-هاه ..ن.. نتجوز !!!
-أيوه .. ده الحل الوحيد لمشكلتك
-بس آآ..

مد عدي يده ووضعها على كفها المسنود على الطاولة ، فنظرت هي له بإندهاش ، فإبتسم لها في هدوء ، ورمقها بنظرات مليئة بالحنو ، ثم بنبرة رخيمة تابع ب :
-أنا عارف إن كلامي مفاجأة بالنسبالك ، بس أنا عاوزك تفكري في اللي بأقوله بعقلك ، الموضوع مش سهل خالص ، ولو حد من عيلتك عرف باللي حصل صدقيني انتي اللي هتتلامي مش ابن ال *** اللي عمل كده ...!!!!

لم تعرف ليان بماذا تجبه ، فقد باغتها هو بعرضه المغري ، والذي ربما يكون – من الناحية العقلية – طوق النجاة بالنسبة لها من تلك الكارثة التي وقعت ضحيتها .....

في قصر عائلة الجندي ،،،،،

عاد أوس إلى القصر وعلى وجهه ابتسامة إنتصار واضحة ..
لم يعبأ هو بالخدم الذين رمقوه بنظرات إندهاش .. ولا بوالده الذي لم يكف عن حدجه بالنظرات الساخطة ..

ولج هو إلى داخل غرفته ، ثم نظر نحو خزانة الملابس ، وفتح ضلفتها ، وأخرج حقيبة سفر صغيرة ، ثم بدأ يضع بداخلها ثيابه الخاصة ..
وما إن انتهى حتى إندفع ناحية المرحاض ليغتسل ، ويبدل ملابسه ..

كان شعور بالإنتصار يغمره ، فها قد وقعت تلك البائسة في قبضة يده ، وحان الوقت لتلقينها أسوأ دروس حياتها ..

تأكد أوس من هيئته المهندمة أمام المرآة ، ثم أمسك بهاتفه المحمول ، وضغط على عدة أزرار قبل أن يضع الهاتف على أذنه ..
انتظر هو لثوانٍ قبل أن ينطق بصوته الأجش القوي ب :
-عاوزك تروح قسم ( .......) وتشوفلي قضية اللي اسمها فردوس شحاته وصلت لفين ... أها .. حاجة تخصني !

ثم صمت ليستمع إلى ما يقال على الجانب الأخر ، ووضع يده الأخرى في جيب بنطاله ، وتحرك خطوة للأمام قبل أن يتابع بصوت جاف ب :
-اعرفلي كل حاجة عنها ، وخلصلي الموضوع ده نهائي

صمت مجدداً لأقل من دقيقة ، ثم مط فمه للأمام وتحدث ب :
-التفاصيل ..! طيب أنا هاقولك بالظبط على اللي حصل قدامي !

في مشفى الجندي الخاص ،،،

لم يتوقف عقل تقى عن التفكير للحظة فيما حدث لها منذ أن إلتقت بهذا الهمجي ، فحياتها إنقلبت رأساً على عقب ، وتحولت إلى جحيم مستمر ..

لم تمنع عينيها من ذرف الدموع ، فهي المنفس الوحيد لها الآن ..
رفضت أن تتناول طعامها ، وتركته كما هو أمامها ، وحدثت نفسها بصوت مختنق ب :
-أنا عملت إيه في دنيتي عشان يحصلي ده كله ، وليه واحد زي ده يتساب كده من غير ما يتحاسب

ثم رفعت عينيها المتورمتين من البكاء إلى الاعلى ، وتابع بمرارة ب :
-يا رب إنت اللي عالم باللي بيا ، انتقم منه يا رب وريحني ، يا رب فك ضيقة أمي هي مالهاش ذنب في اللي حصل ، أه هي صدقته بس قلبها طيب وبتحبني وبتخاف عليا .. يا رب خد البني آدم ده ونجيني من شره ، يا رب

ثم مدت يدها لتأخذ منشفة ورقية من العبوة الموضوعة على الطاولة ، ومسحت بها عبراتها ، وأنفها المنتفخ ..

سلطت هي بصرها فجأة على باب الغرفة حينما وجدته ينفتح على مصرعيه ، ويدلف من شخص ما هيئته مهيبة وطاعن في السن .. ورغم هذا فيبدو عليه الصرامة والحدة
ابتلعت هي ريقها في توجس ، ونظرت إليه بحذر ..
اقترب منها مهاب وحدجها بنظرات مهينة قبل أن يصيح فيها ب :
-لو إنتي مفكرة إن واحدة زيك هاتقدر تضحك على إبني تبقي غلطانة ومتعرفيش هو مين ولا إبن مين !!!

لم تفهم تقى ما الذي يعنه هذا الرجل بكلامه الجارح والصادم هذا ، ففغرت شفتيها الذابلتين في ذهول :
-هاه .. آآآ

استمر هو في رمقها بتلك النظرات الإحتقارية ، وتابع بإنفعال ب :
-أنا أسوأ من أي حاجة تقدري تتخيليها

ابتلعت ريقها في خوف ، ونظرت له بذعر ، ونطقت بتوتر ب :
-إنت .. إنت مين أصلاً ؟
-أنا الدكتور مهاب الجندي ، وإبني هو أوس الجندي
-إييييه ..!
-بلاش أمور الاستعباط دي ، إبعدي عن إبني أحسنلك بدل ما تندمي

أخفضت تقى عينيها ، وإبتعلت غصه مريرة في حلقها ، وأردفت بصوت يائس ب :
-يا رتني أقدر إبعد

وقف مهاب أمامها ، ثم أمسك بمعصمها ، وهزه بعنف بعد أن أحكم قبضته عليه ، وهدر بها ب :
-شغل بنات ال ***** اللي زيك أنا عارفه كويس

تأوهت تقى من الآلم ، وتلوت بذراعها لتحرره ، ولكن كان مهاب يتعمد إيلامها ، فصرخت ب :
-آآآه .. انت .. إنت بتوجعني

لم يعبأ بها مهاب ، ولم يهتم لنظرات التوسل في عينيها ، بل إستمر في إيذائها ، ونطق بتوعد ب :
-لأخر مرة أنا بأحذرك يا بنت ال *** من إنك آآآآ...

في تلك اللحظة كان أوس هو الأخر بداخل الغرفة ، فصاح عالياً ب :
-بابا ..!!! إنت بتعمل إيه ؟

أرخى مهاب قبضته عن تقى التي نظرت إلى أثار أصابعه على معصمها .. وضغطت على أسنانها في إنكسار وذل ..

اقترب أوس من أبيه ، وحدجه بنظرات مشتعلة ، ثم أردف ب :
-مش أنا قايلك ملكش دعوة باللي يخصني !
-أيوه ، بس إنت تخصني يا أوس

نظر أوس مباشرة في عيني والده ، وقال بصرامة باتة :
-وتقى تخصني أنا يا د. مهاب

أشار مهاب بكف يده لتقى ، ونطق بحنق ب :
-دي بت شمال بنت ***** مالهاش أهل ، وبتستغلك وآآآآ...

قاطعه أوس بنبرة مغترة ب :
-مهاب باشا ، مش انا اللي تضحك عليا واحدة
-يا أوس آآآ.....
-د. مهاب ، زي ما أنا زمان ماتدخلتش في اللي بتعمله ، فيا ريت تسيبني وأنا بأعرف أتصرف

إستشاط مهاب غيظاً من ردود إبنه الفظة عليه ، فالتفت برأسه ناحية تقى وحدجها بنظرات إستعلاء ، وأشار بإصبعه وهو يتابع بضيق ب :
-إنت حر .. بس دي هاتضيعك

إبتسم أوس لأبيه إبتسامة مغترة ، ثم اقترب برأسه منه ، ومال على أذنه ، وهمس له بنبرة تشبه فحيح الأفعى ب :
-مش قبل ما أضيعها ...!!

مرت عدة أيام ، والأوضاع في تطور مستمر ...
فعدي لم يكف عن الاتصال بليان وبمحاولة إقناعها بعرضه ( السخي ) بالزواج منه للخلاص من كل مشاكلها ..
وهي أوشكت على الإقتناع بما يقول ، فليس أمامها أي خيار أخر سوى هذا الحل في الوقت الراهن ...

إنشغل ممدوح في تجهيز معمل التحاليل الجديد الخاص به ، والذي سيكون نقطة البداية له في القاهرة بعد سنوات من الغربة ومحاولة تناسي الماضي .. وأرجأ لبعض الوقت خطته في إفساد حياة مهاب ريثما ينتهي من أموره الحالية ..

تولى المحامي الخاص بمجموعة شركات الجندي للصلب قضية فردوس شحاته ، وأوجد الثغرات التي تمكنه من إخراجها من تلك المعضلة دون توجيه أي تهمة لها ، حيث قرر أن يحول مسار القضية من قتل عمد إلى محاولة إنتحار من قبل المجني عليها ، وأن والدتها كانت تحاول إنقاذها ، ولكن بالخطأ تطور الوضع ، وقاومتها إبنتها بشدة ، وإنغرس السكين في ظهرها ..
وتعاون المحامي مع رفاقه المتخصصون في تلك النوعية من القضايا في وضع الدفوع المناسبة حتى يتم التأكد من براءة فردوس ...

كما لم يترك أوس الفرصة لتقى لتنفرد بنفسها ، بل تعمد يوماً بعد يوم أن يريها مدى سطوته ، وجبروته ، وصلاته القوية ..
ورغم تحسن حالتها الصحية ، إلا أن حالتها النفسية قد ساءت كثيراً ..
فهي تشعر في قرارة نفسها أنها كمن يقبل على الإعدام ، ولا مفر لها منه ..

في أحد الأيام ،،،،

انتهت فردوس من توقيع أوراق إخلائها من السجن ، وتوجهت ناحية بوابته الحديدية وهي غير مصدقة ما حدث لها .....

ترجلت هي من الحافلة ، ومسحت بطرف حجابها وجهها المتعرق ، ثم سارت بخطوات متثاقلة نحو الزقاق الذي يؤدي للحارة الشعبية

كان معظمي قاطني تلك المنطقة ينظرون إليها بإستغراب شديد ، ولم يكفوا عن الغمز واللمز .. ورغم هذا هي لم تهتم بما يقولون .. فقد كان شاغلها الأكبر ( حالياً ) هو إبنتها ...
مطت هي شفتيها ، وحدثت نفسها ب :
-يا مين يقولي على أراضيكي يا بنتي وأنا أجيلك ، آآآه .. أنا اللي ضيعتك ، وإنتي كنتي أرحم من نفسي عليكي ، وطلعتني من النصيبة دي .. يا رب دلني عليها

مرت هي على بائعة تفترش الأرضية الإسفلتية ، وتقف إلى جوارها سيدة ما ، فسمعت إحداهما وهي تتحدث عالياً بشماتة ب :
-هي مش كانت غارت في داهية هي وبنتها ال ***** ، إيه اللي رجعها تاني
-العيب على رجالة الحارة اللي سايبن نسوان كَسر زيهم كده أعدين وسطنا

إستدارت فردوس برأسها نصف إستدارة للخلف ، ورمقتهما بنظرات حادة ومحتقنة ، ثم صرت على أسنانها ، وهدرت ب :
-حسبي الله ونعم الوكيل ، ربنا على المفتري

ثم تركتهما وإنصرفت ، فصاحت إحداهما عالياً ب :
-يا جبروتك ، بتحسبني علينا ، داهية تاخدك إنتي واللي زيك

وأضافت الأخرى بنفس النبرة الغاضبة :
-أمين يا رب

وصلت فردوس إلى البناية التي تقطن بها ، ولكنها لم تستطع أن تدلف للداخل ، فقلبها يعتصر حزناً على ابنتها وعائلتها ..
تملكها اليأس والحزن ، وبدأت العبرات تتجمع في مقلتيها ، فأخرجت منشفة ورقية ومسحت به وجنتيها وعينيها ، وكذلك أنفها ..
-آآآه يا مراري .. يا غلبي على اللي أنا فيه .. آآآآآه ، ألاقيهم فين بس

ثم تنهدت في آسى ، وإنتحبت بصوت مختنق ... وتسائلت بصوت مسموع ب :
-طب مين هايساعدني وآآ..

ثم طرأ ببالها –فجأة - أمراً ما ، فكفكفت عبراتها ، وحدثت نفسها ب :
-مافيش إلا هو اللي هايقدر يساعدني ، أنا هاروحله

وبالفعل إستدارت بجسدها للخلف ، وإتجهت ناحية المسجد الموجود بالحارة ....

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،

جلس أوس على مقعده ، وبدأ في مراجعة بعض الأوراق الموضوعة أمامه .. وظل يعبث بقلمه الحبر بأطراف أصابعه ، وما إن ينتهي من مطالعة ورقة ما حتى يوقع عليها ..
في حين جلس عدي على المقعد المقابل وظل يتابعه في صمت .. ولكن عقله كان مشغولاً في كيفية بدء الحوار معه حول مسألة تقدمه للزواج من ليان ..
تجشأ عدي لأكثر من مرة ، فضيق أوس عينيه ، ونظر له بإستغراب ، وتسائل ببرود ب :
-في حاجة ؟
-هاه .. آآآ
نظر هو له بصرامة ، ثم تشدق ب :
-في ولا مافيش ، إنت شايف أنا عندي شغل أد ايه وعاوز أنجزه

تنحنح عدي قبل أن ينطق بصوت خشن ب :
-بص من غير لف ولا دوران أنا عاوز أتجوز أختك ليان !!!
-نعم ..!!
قالها أوس بإندهاش واضح على جميع قسمات وجهه الصارم ..

-أيوه ، أنا عاوز أتجوزها وماينفعش ترفض

أفاق أوس سريعاً من دهشته ، وعبس بوجهه ، وتحدث بصوت غليظ ب :
-إنت واعي لطلبك ده

لوى عدي فمه في استنكار قبل أن يتابع ببرود ب :
-وهو إيه في طلبي غريب ؟ ما تعرفني

نهض أوس عن مقعده ، ودفعه بساقه للخلف ، وحدجه بنظرات قوية وهو يحذره ب :
-إنت عارف كويس أنا أقصد ايه

أرجع عدي رأسه للخف ، ثم هزها عدة مرات ، وتابع بعدم اكتراث ب :
-أها .. فهمت ..فهمت ..
-ولما انت فاهم كويس أنا أقصد ايه جاي تتطلب مني إنك تتجوز ليان ليه ؟؟

تمطع عدي بذراعيه ، ونظر إلى أوس بنظرات مستفزة ، قبل أن يتابع بنبرة غير مبالية ب :
-لأن محدش هاينفع يتجوزها إلا أنا ..

تحدث أوس من زاوية فمه فقال بنزق :
-أفندم ؟!!!
-في وضعها الحالي مافيش حد هيرضى بيها ، وعشان أنا صاحبك فأخدمك فيها

استشاط أوس غضباً ، ودار حول المكتب ، ثم أمسك بعدي من ياقته ، وجذبه من على المقعد عنوة ، وحجده بنظرات قاتلة وهو يهدر فيه بصوت جهوري ب :
-عدي ..!

وضع عدي يده على قبضتي أوس ، وحاول تخليص نفسه ، ثم قالت بصوت هاديء :
-بالراحة بس يا أوس .. وأنا هاقولك السبب لده ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والثلاثون

وضع أوس كلتا يديه على رأسه ، وضغط عليها بقوة ، فهو لم يتخيل أن تقع أخته ضحية لأكذوبة حقيرة ، وتسلم عرضها دون أي مجهود يذكر ..
راقب عدي ردود فعله بحذر ، وحاول أن يبرر له فعلتها ب :
-هي برضوه صغيرة واتضحك عليها ، وكان ممكن آآ...

قاطعه هو بصوت آجش ومنفعل ب :
-دي بنت ستين *** ، ملاقتش اللي يربيها
-دي أختك يا أوس

صر أوس على أسنانه ، وقال بسخرية مريرة :
-أه اختي ، بس تربية ناريمان ، فهتطلع إزاي ..!

ثم صمت للحظة قبل أن يتسائل مجدداً بضيق ب :
وعرفت مين ال ( وسخ ) اللي عمل كده معاها ؟

هز عدي رأسه بالنفي ، وأجابه ب :
-لأ هي مقالتش عن اسمه ابن ال *** ده

نظر هو لنقطة ما بالفراغ أمامه ، ثم كور قبضة يده ، وتوعد ب :
-أنا هاعرف هو مين وهافرمه ...!

نظر عدي له بتوجس ، وقال بهدوء حذر :
-اهدى بس ، الانفعال مش هايحل حاجة الوقتي ، وأنا قولتلك أنا هاحل الموضوع

حدجه أوس بنظرات محذرة وهو يشير بإصبعه ، وهدر ب :
-عدي ، إنسى الهبل ده

نظر عدي له بنظرات جادة ، ونطق ب :
-ده مش هبل ، ده جواز ، وليان موافقة على كده

لوى هو زاوية فمه في عدم اقتناع ، وقال متهكماً :
-أه طبعاً لازم توافق عشان تداري على فضايحها النجسة
-اللي حصل حصل ، وأنا موافق بها كده

-يا سلام ..
قالها أوس بسخرية واضحة .. في حين تابع عدي بنبرة جادة ب :
-أوس فكر بالعقل ، انت فاهم كويس إن لو حد عرف بالكارثة اللي عملتها ، سيرتها هاتبقى على كل لسان وآآ..

قاطعه أوس بصوت صارم ب :
-تتحمل هي نتيجة غلطتها ، وأنا قسما بالله لهعرف أربيها

ابتسم عدي لنفسه بثقة ، وحدث نفسه ب :
-سيب تربيتها عليا ، وأنا كفاءة بيها

تنحنح عدي مجدداً ، وقال بصوت خشن :
-هي مالهاش ذنب .. اللوم على ابن ال ***** اللي ضحك عليها

طرق أوس على الجدار بعنف بقبضة يده ، وبنبرة تحمل الوعيد أردف ب :
-أعرف بس هو مين ، وهامحيه من على وش الأرض ..!!!!!

هز عدي رأسه ، ثم بصوت واثق تشدق ب :
-هاتعرف ، وساعتها أنا بنفسي اللي هاجيبهولك تحت رجليك

في مسجد الحارة القريب ،،،،،

وقفت فردوس على مدخل المسجد ، وحاولت أن تنظر داخله لتبحث عن الشيخ أحمد ، فلمحته يجلس وسط بعض الأشخاص ويتحدث معهم .. فترددت في الدخول إلى المسجد ، ثم رأت شخصاً ما يلج للداخل ، فطلبت منه برجاء :
-الله يكرمك يا بني تناديلي على الشيخ أحمد من جوا ، وتقوله كلم الست فردوس
-حاضر يا ست
قالها الرجل وهو يخلع نعليه ، ثم دلف للداخل

وبالفعل خرج لها الشيخ أحمد بعد لحظات ، وأخفض بصره ، وتسائل بصوت هاديء :
-خير يا ست فردوس

مدت فردوس يدها لتمسك كف يده ، وتقبله ، ولكنه سحبه للخلف سريعاً ، ونظر لها بإندهاش أشد ، وقال محذراً
-استغفر الله العظيم ، جرى ايه يا ست فردوس

نظرت هي له بأعين دامعة ، وبصوت منتحب توسلت ب :
-شيخ أحمد أنا واقعة في عرضك
-لا حول ولا قوة إلا بالله ، قولي يا ست فردوس على اللي انتي عاوزاه
-عاوزاك تساعدني أبرأ سمعة بنتي من الكلام اللي بيتقال عنها ، هي معملتش حاجة ، أنا اللي اتسرعت وظلمتها
-لله الأمر من قبل ومن بعد
-يا ريت لساني كان اتقطع قبل ما يقول عنها كلمة ظلم ، ولا إيدي كانت اتشلت قبل ما أمدها عليها
-قدر الله وماشاء فعل
-إنت الوحيد يا شيخ أحمد اللي هاتقدر تساعدني
-حاضر ..

ثم صمت الشيخ أحمد للحظة قبل أن يتابع ب :
-ست فردوس هاتعملي ايه مع جوزك عم عوض ؟

نظرت هي له بإنكسار ، وقالت بتلهف :
-دلني عليه وأنا أروحله هوا

مط شفتيه للأمام ، وأجابها بهدوء ب :
-طيب ، هاختم الدرس بس مع الناس الموجودين جوا ، وهاخدك ليه في المستشفى

ارتسمت ابتسامة رضا على وجهها ، وأشارت بيدها للجاني ، وتابعت بحماس ب :
-ماشي يا شيخنا ، وأنا هاقعد هنا
-طيب يا ست فردوس ، عن اذنك

رفعت هي يديها بالدعاء ، وأضافت بصوت يحمل السعادة :
-اتفضل يا بركتنا ، ربنا يجازيك خير عنا ، ويجعلك في كل خطوة سلام

في قصر عائلة الجندي ،،،،

تفاجئت ليان بأوس يقتحم غرفتها ، فإنتفضت فزعة من على فراشها ، ونظرت له بذعر ، وقالت بنبرة مرتجفة :
-آآآ... أوس

تحرك هو في اتجاهها حيث تقف ، وحدجها بنظرات متوعدة ومميتة ، ثم أمسك بها من ذراعها ، وضغط عليه ، وهدر عالياً فيها ب :
-عملتي كده ليه ؟

ثم باغتها بصفعة عنيفة على وجنتها ، فحاولت أن تحمي وجهها من بطشه ، ولكنه كان أقوى منها ، وتمكن من صفعها مجدداً..

تأوهت ليان من الآلم ، وصرخت فيه ب :
-آآآآه .. سبني يا أوس ، كفاية

ضغط أكثر بيده على ذراعها ، وقال بصرامة وهو يرمقها بنظرات متأففة :
-مش قبل ما تقوليلي مين الوسخ اللي عملتي معاه كده

صدر منها أنين مكتوم وهي تحاول أن تبدو قوية أمام أخيها ، فقالت بنزق :
-آآآآه .. معرفش

هزها أوس بعنف ، وصرخ فيها غاضباً ب :
-إزاي متعرفيش ، مفكراني مختوم على قفايا

بكت هي أمامه ببكاء حار ، فلم يعبأ بها ولم يرقْ قلبه لها ، فشعرت بالخزي منه ، وأخفضت رأسها للأسفل ، وقالت بسخرية مريرة :
-يعني هاتفرق معاك

باغتها أوس بصفعة أخرى على وجهها، فإكتست وجنتيها بحمرة الغضب، وسقطت العبرات من طرفي عينيها، فعضت على شفتها السفلى متألمة، ونظرت لأخيها بحزن، وقالت بنبرة معاتبة :
- اضربني ، ده اللي تقدر عليه ، بس خليك فاكر ان اللي اتعمل فيا كان بذنب اللي عملته في غيري
-هاه
قالها أوس بذهول عقب عبارته أخته الأخيرة ، في حين أكملت هي بصوت مبحوح ومختنق ب :
-الكل جاي يلومني ويحاسبني ، وناسيين تحاسبوا نفسكم الأول ، سواء إنت ولا مامي .. أنا معملتش حاجة زيادة عنكم ، أنا عملت زيكم بالظبط ...!

أصغى هو لكل كلمة قالتها بإنصات ، ثم رمقها بنظرات استهجان ، وسألها بسخط ب :
-إنتي بتربينا يعني ؟

حدجته ليان بنظراتها الحادة ، ووجدت القسوة في عيني أخيها ، فزمت شفتيها في إستنكار ، ثم قالت بضيق :
-لأ .. بس قبل ما تتكلم شوف إنت عملت إيه مع غيري

كور قبضة يده في حنق ، وقال بنبرة مغلولة :
-مالكيش دعوة بيا ، ولا باللي بأعمله ، أنا راجل وده حقي
-هه .. حقك
قالتها ليان بتهكم جلي ، وهي تحدج أخيها بنظرات ساخطة ..

تعجب أوس من حالة الجمود وعدم اللامبالاة التي أصابت إخته فجأة ، فهدر فيها بعصبية ب :
-إنتي عارفة باللي عملتيه ده اسمك بقى ايه ؟

لوت هي شفتيها في عدم إكتراث ، وكفكفت دموعها بكف يدها ، ثم تشدقت ب :
-مش فارقة ، أنا خلاص هاتجوز صاحبك

حدجها بنظراته القاسية وهو يسألها ب :
-ده على أساس إيه بالظبط ؟!!

عقدت ساعديها أمام صدرها ، ومدت ساقها اليمنى للأمام ، وقالت ببرود قاسي :
-هو بيحبني وأنا بأحبه

صر على أسنانه بشراسة ، وتسائل بنبرة مغتاظة :
-بجد ؟! وده من امتى إن شاء الله ؟

-أوس ... أنا خلاص معدتش يفرق معايا أي حاجة ، وسواء كنت هاتجوز صاحبك ولا غيره ، فكلهم واحد بالنسبالي
-يا بنتي إنتي متعرفيش عنه حاجة
-مش مهم ..!!

ثم صمتت لبرهة لتبتلع غصة مريرة ، ومن ثم أردفت ب :
-يعني أنا كنت أعرف إيه عن اللي قبله ..!!!

دفعها أوس من كتفها للخلف ، فتألمت وكادت أن تسقط على ظهرها ، وأصدرت أنين مكتوم .. وصاح بها ب :
-خلاص أولعي ، بس مترجعيش تلومي إلا نفسك

إعتدلت هي في وقفتها .. ثم قالت بإصرار :
-أه هاتجوزه ، وهاعيش حياتي معاه

نظر هو لها بسخرية ، ثم قال بإستهزاء :
-من ناحية هاتعيشي معاه حياتك ، فأنا .. آآآ... ماظنش

زفرت هي في ضيق ، ومن ثم تابعت بإصرار ب :
-أووف بقى ، أنا خدت قراري ، وهاعمل اللي شايفاه صح
-ماشي .. بس أنا ماليش دعوة بيكي

نظر هي شزراً له ، وقالت بتهكم :
-وإنت من امتى كان ليك دعوة بيا أصلاً ؟

أشار هو لها بإصبعه ، وتابع حديثه معها بتهكم ب :
-صح .. إنتي بتتكلمي صح ، أنا أصلاً غلطان إني جاي أشوف وساختك هتوديكي لفين

نظرت هي له ببرود ، وقالت بقسوة :
-حتى لو هتوديني في داهية فأنا راضية

أخذ هو نفساً مطولاً محاولاً السيطرة على أعصابه كي لا ينفجر فيها ، ثم زفره بغضب ، وسألها ب :
-وأمك عارفة ده ؟

رمقته بنظراتها الساخطة وهي تجيبه بعدم إهتمام ب :
- عادي ، أنا هاقولها

لوى فمه وهو ينطق بحنق ب :
-ده إنتي مظبطة كل حاجة بقى

هزت رأسها عدة مرات ، ثم سارت مبتعدة عنه ، وأولته ظهرها ، ونظرت له من زاوية عينها ، وقالت بصوت خافت :
-حاجة زي كده

تحرك هو في اتجاهها ، ووقف قبالتها ، وأمسك بها من ذراعها لتنظر هي له بنظرات زائغة ، ثم سألها بحنق ب :
-يعني من الأخر كلامي معاكي لا هيودي ولا هايجيب ؟!!

أشاحت هي بيدها لتتخلص من قبضته ، ثم لوت شفتيها وقالت بإستياء جلي :
-ده بإعتبار إنك قايم معايا بدور الأخ أصلاً ، كنت فين من زمان عشان تفهمني الصح من الغلط ؟ ماتجيش دلوقتي تحاسبني ولا حتى تنصحني ، أنا حرة في اللي هاعمله ، وده الحل المناسب ليا ..!!!

شعر هو بالضيق من عبارتها الأخيرة المصحوبة بنظرات اللوم والعتاب .. وأدرك أن حديثه معها لن يجدي ،فقد اتخذت قرارها ، وستتحمل وحدها اللوم والعتاب عليه ..
كور أوس قبضة يده ، وطرق بعنف على ضلفة خزانة ملابسها ، ثم صاح غاضباً ب :
-ماشي ، بكرة تشوفي هايتعمل فيكي إيه يا تقى ..!

ضيقت ليان عينيها ، ورمقته بنظرات حائرة قبل أن تنطق ب :
-تقى ..!!!

اضطرب أوس على الفور ، وأدرك أن لسانه قد زل دون قصد منه حينما نطق بإسم من تشغل باله ، فحاول أن يتحدث بنبرة طبيعية ، ولكن خرج صوته يشوبه الإرتباك :
-إحم .. قصدي ليان
-وماله
قالتها ليان بطريقة متهكمة وهي تتفحصه بعينيها الحمراوتان ... في حين أبعد هو عينيه عنها ، وتنحنح بصوت خشن ، ثم تركها وإنصرف قبل أن تنهال عليه بأسئلتها الفضولية ويتحول الوضع برمته نحوه هو ....

في منزل ممدوح بمصر الجديدة ،،،،،

خرجت ناريمان من المرحاض وهي تلف جسدها بمنشفة قطنية ، وتجفف شعرها بمنشة أخرى ، وتوجهت ناحية المرآة لتجلس على المقعد الصغير الموضوع أمامها ، ثم إستدارت برأسها نصف إستدارة لتنظر ناحية ممدوح الذي كان جسده ممدداً على الفراش ، ومثنياً لساقه قليلاً .. وينظر في شاشة هاتفه المحمول ..
كانت ملامح وجهها جادة للغاية ، ونظراتها قوية نحوه ، ثم تشدقت ب :
-ممدوح أنا هاطلق من مهاب

انتبه هو لها ، وترك هاتفه من يده ، ونظر لها بإستغراب ، ثم سألها بهدوء ب :
-ليه ؟

تنهدت هي في إستياء ، ثم أردفت ب :
-خلاص أنا تعبت ، مش قادرة أستحمل ضغوط أكتر من كده

زم شفتيه قليلاً ، ونظر لها بتمعن ، وسألها بحذر ب :
-ممممم.. متأكدة من قرارك ده ؟

أومأت برأسها موافقة ، وأضافت :
-أيوه .. أنا هاطلق منه ، ونتجوز إحنا الاتنين
-ربنا يسهل

ثم نهضت عن المقعد ، وجلست على طرف الفراش ، ومدت يدها لتمسك بكف ممدوح ، ونظرت له بحنو ، وتسائلت بتوجس ب :
-يعني انت هتدعمني في قراري ده ؟

ظهر شبح إبتسامة خبيثة من بين أسنانه ، وأجابها بثقة شديدة ب :
-أكيد .. أنا معاكي للنهاية ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الأربعون

في دار الرعاية الخاصة بالمسنين ،،،،

تلقت تهاني رعاية مكثفة خلال الفترة الماضية من أجل تحسين حالتها الصحية والنفسية ..
في البداية رفضت التجاوب مع العلاج ، أو حتى الإندماج مع نزلاء الدار ، ولكن بالمثابرة وإصرار طبيبتها النفسية بدأت تستجيب تدريجياً ..
طرقت المشرفة على باب غرفة الطبيبة النفسية ( رجاء ) ، فسمحت لها بالدخول ، وإبتسمت لتهاني إبتسامة عذبة ، ثم أشارت لها بيدها لكي تجلس ، وقالت بصوت رقيق :
-اتفضلي ارتاحي هنا يا تهاني

بادلتها تهاني إبتسامة عادية ، وجلست على المقعد الجلدي الطويل – ذي اللون الأسود ، وضمت يديها معاً ، وأسندتهما على صدرها ، وأمالت رأسها نحو الطبيبة لتنظر لها ..
لم يخلوْ وجه الطبيبة من تلك الإبتسامة الرقيقة ، ولا من نظراتها الدافئة ، ثم تسائلت بصوت مألوف :
-ها ، جاهزة يا تهاني عشان نبدأ ؟
-أها
-تمام .. عاوزاكي تسترخي خالص ، وتحكي زي ما إتعودنا عن اللي مضايقك وتاعبك ، وأنا هبدأ كالعادة بمين اللي خد منك عيالك ؟ وليه عمل كده

ابتلعت تهاني غصة مريرة في حلقها ، وأغمضت عينيها ، وحاولت أن تستسلم لذكرياتها الآليمة ..
أخذت هي نفساً مطولاً ، وزفرته بتثاقل ، ثم بصوت حزين أجابتها ب :
-مهاب

وقفت تهاني مذهولة في مكانها غير مصدقة ما سمعته أذنها للتو .. جحظت بعينيها في صدمة ، وقالت بصوت مشدوه :
-مهاب ...!

ترنح هو أمامه ، وألقى بثقل جسده على الأريكة ، ونظر لها من طرف عينه ، ثم تابع ببرود ب :
-سبيني بقى أنام

ظلت تعابير وجهها مشدودة ، وقالت بتهور :
-إنت واعي للي عملته الوقتي ؟ إنت طلقتني للمرة التالتة !!!

أولها ظهره وهو ممدد على الأريكة ، وأغمض عينيه ، وقال بنبرة غير مهتمة :
-عادي

دارت تهاني حول الأريكة ، ووضعت يدها على ذراعه ، وهزته بعنف ، وهي تصرخ فيه ب :
-لأ مش عادي ، انت ... انت ضيعتني !!

زفر هو بصوت عالي ، ثم إعتدل في جلسته ، ونظر لها شزراً ، وأردف بنبرة منزعجة ب :
-يوووه ، كل يوم الأسطوانة المشروخة بتاعتك دي

أجابته هي بصوت مختنق بعد أن خانتها عبراتها وإنهمرت على وجنتها ب :
-أيوه عشانها الحقيقة ، أنا استحملت معاك كل حاجة زبالة عشان خاطر إبني ، ودوقت معاك المرار كله وإنت ولا همك لا كرامتي ولا نفسي ولا أي حاجة .. دايماً بتخوني ، وأنا بأسكت ، بتعمل حاجات قذرة ، وأنا بأستحمل عشان الحياة تمشي ، وفي الأخر تكون دي جزاتي !!

تنهد هو في إنهاك ، وتابع بضيق ب :
-انتي عارفة إني لما بأتعصب بأقول كلام مش قاصده

إختنقت الكلمات في صدرها أكثر ، وتابعت بيأس ب :
-ده مش هزار ، ده طلاق يا مهاب

زفر مجدداً في عدم إكتراث ، ثم قال بنفاذ صبر :
-قولتلك مكونتش أقصد

لم تجد تهاني أي مفر من الكارثة التي حلت عليها فجأة ، فنهرته هي بحدة ب :
-دي كانت الطلقة التالتة

ضيق عينيه قليلاً ، وتسائل بهدوء مستفز :
-بجد ؟
-ايوه ، إنت مش حاسس باللي عملته

نهض عن الأريكة ، وسار في اتجاه المرحاض ، وتابع بجدية ب :
-خلاص أنا هاتصرف

تسائلت هي في فضول أشد ب :
-إزاي ؟

أجابه مهاب بإيجاز وهو يلج للمرحاض ب :
-ملكيش فيه

لحقت هي به ، ووقفت على مدخل المرحاض ، وقال بإصرار :
-لأ لازم أعرف

أمسك هو بباب المرحاض ، ونظر لها بقسوة ، ثم قال بسخط :
-تهاني حلي عن نافوخي وأنا هاتصرف وهأردك

حدجته بنظرات مهينة ، ثم قالت بإحباط :
-حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مهاب

صفق هو الباب في وجهها بقوة ، فبصقت عليه ، وحدثت نفسها بنبرة ذليلة ب :
-أنا اللي جبت ده كله لنفسي ...!!

نهض مهاب فجأة من على المقعد المقابل لمكتب مهاب ، وصاح بذهول تام :
-أتجوزها ؟ دي مراتك يا مهاب !!

مط هو فمه قليلاً ، وقال بهدوء :
-ماهو أنا طلقتها للمرة التالتة

انزعج ممدوح كثيراً ، ورد عليه بإندفاع ب :
-وعاوزني أنا بقى أعمل ايه ، أكون لامؤاخذة آآآ..

قاطعه مهاب بصوت جاد ب :
-لأ مش كده
-أومال هاتسميها ايه ؟
-يا سيدي ده لمدة كام يوم بس عشان أعرف أردها لعصمتي

نظر ممدوح له بإزدراء ، قبل أن يجيبه بحدة ب :
-لأ معلش ، أنا مش كده
-هادفعلك اللي انت عاوزه

انفرج فمه للأسفل في إستغراب ، وتسائل ب :
-هاه ، نعم !
-أيوه ، شوف إنت عاوز كام وأنا هادفعه ، وبعدين إنت أولى من الغريب

ثم أخرج مهاب دفتراً لتحرير الشيكات من درج مكتبه، ودون به رقماً ما، ثم نزعه منه، ومد يده به نحو ممدوح الذي أخذه على الفور، ونظر له بأعين زائغة، وسأله ساخراً :
-أنا عاوز أعرف دمك ده معمول من ايه ؟!!
-متخدش في بالك

اعتلى ثغره ابتسامة متهكمة وعلق بعدم إكتراث ب :
-على رأيك ، هو بيفرق معاك أصلاً

أرجع مهاب ظهره للخلف ، وأضاف ببرود :
-بالظبط .. بص إن كان عليا أنا مش عاوزها ، بس عشان تاخد بالها من أوس وتربيه عدل
-وماله .. وإنت عاوزني أتجوزها أد ايه ؟
-كام يوم كده ، وبعد ما تطلقها هاديك مبلغ تاني
-ماشي ، اتفقنا ..!!!!

وبالفعل أقنع مهاب طليقته تهاني بالزواج من ممدوح كي يحل تلك المعضلة ، ولكن ما لم يضعه ممدوح في الحسبان هو أن يخل مهاب بإتفاقه معه حيث رفض إعطائه أي مبالغ مالية أخرى نظير خدماته ، بالإضافة لتخطيطه للزواج من ناريمان ...

-يعني إيه ؟ مش كان في بينا اتفاق
قالها ممدوح والشرر يتطاير من عينيه ..

لم يهتم به مهاب ، بل قال له ببرود مستفز :
-أه .. وأنا رجعت في كلامي

إزداد إنفعال ممدوح ، وصاح فيه ب :
-يعني انت ترجع في كلامك ، وأنا ألبس في تهاني
-ما هو أنا مش هاينفع أردها تاني ، على الأقل الفترة دي لحد ما أضمن إني أتجوز ناريمان

تفاجيء ممدوح بمخطط مهاب ، فإزداد حنقه ، وسأله بسخط :
-وإشمعنا انت تاخد كل حاجة ؟!

أمسك مهاب بسيجارته ، وأشعلها ، ثم زفر دخانها في الهواء ، ونظر له بأعين فارغة ، وقال بنبرة جادة :
-ممدوح .. بقولك إيه ، إنت مش بتعملي حاجة ببلاش ، كله بتمنه يا صاحبي
-بس الاتفاق إتفاق ..!
-والأمور جدت معايا ، فكبر بقى

أدرك ممدوح أن الحوار لن يجدي نفعه مع مهاب ، فرمقه بنظرات متوعدة ، وقال له بقسوة :
-براحتك ، بس افتكر اللي حصل الوقتي كويس ...!!

ارتسمت إبتسامة الرضا الممزوجة بالسعادة على محيا تهاني حينما أخبرها ممدوح بما دار ، فإحتضنت زوجها بذراعيها ، وتعلقت بعنقه ، وقالت بصوت ناعم :
-أنا مش مصدقة إننا هانفضل مع بعض

كانت ردود فعل ممدوح غير مقروءة بالمرة بالنسبة لها ، وتابع بدبلوماسية ب :
-أيوه .. عشان تعرفي أنا حاربت عشانك أد ايه

نظرت هي في عينيه بنظرات عاشقة ، ثم أردفت برقة ب :
-ربنا يخليك ليا ، إنت الحاجة الحلوة اللي ربنا عوضني بيها عن عذاب السنين اللي فاتت

ابتسم هو لها إبتسامة زائفة ، وقال بإيجاز :
-كويس
-أنا كمان عندي ليك خبر حلو

ضيق عينيه قليلاً ، وسألها بفضول ب :
-خبر ايه ده ؟

أمسكت ه