ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والثلاثون

في منزل تقى عوض الله
توجهت فردوس ناحية باب منزلها بعد أن سمعت الطرقات الخافتة عليه..
عدلت من وضعية حجابها المنزلي، وفتحته، فوجدت منسي واقفاً على عتبته وعلى وجهه إبتسامة سخيفة، فنظرت له بإندهاش وسألته قائلة:
-منسي! خير يا بني
نظر لها بإستغراب مصطنع وهو يسأله بصوت آجش:
-إيه يا ست فردوس مش هاتقوليلي اتفضل ؟

تنحنحت بخفوت قبل أن تتنحى للجانب، ثم أشارت بيدها وهي تقول:
-لا مؤاخذة، اتفضل
ابتسم لها مجاملاً وهو يردف قائلاً:
-يزيد فضلك
إختلس منسي النظرات محاولاً رؤية تقى، ولكن كان باب غرفتها مغلقاً، فلاحظت فردوس نظراته المتفحصة لمنزلها، فسألته بضجر:
-بس مقولتليش إنت جاي ليه ؟
إنتبه هو لها، وسلط أنظاره عليها، ثم أجابها بصوت رخيم:
-أنا جاي أسأل على تقى وعلى أحوالها!

تنهدت في حزن وهي ترد عليه قائلة:
-نحمد الله على كل حال!
سألها بإهتمام واضح وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-هي عاملة ايه الوقتي ؟
مطت فمها للأمام، وأجابته بيأس:
-يعني.. اهو طول الوقت نايمة
تابع منسي حديثه بجدية وإهتمام واضح ب:
-أنا كنت ناوي أجيبلها ضاكتور كفاءة بس الحاجة إجلال قالت إنها جابتلها واحد.

أومأت برأسها وهي ترد عليه بصوت خافت:
-أه كتر خيرها..
لاحظ هو إجابتها المقتضبة عليه، فحاول أن يطيل فرصة الحديث معها، فسألها بإهتمام زائف قائلاً:
-وعم عوض إزيه ؟
ردت عليه بفتور وهي تشير بيدها:
-أهوو.. يوم كده ويوم كده
زم فمه قائلاً بصوت خشن:
-مممم.. ربنا يديله الصحة.

أخذت فردوس نفساً عميقاً، وزفرته بإحباط وهي تهتف ب:
-يا رب أمين، متأخذنيش يا بني، أنا مش عارفة أضايفك كويس، إنت مش غريب!
أشار لها بكف يده قائلاً بجدية:
-لا ماتتعبيش نفسك يا ست فردوس، أنا جاي بس أطمن على ست البنات
مطت فمها في إنكسار، وحدثت نفسها بتهكم:
-أل ست البنات أل.. ما اللي حصل حصل خلاص، وضاعت!

تأمل منسي حالة الحزن الجلية المسيطرة على فردوس، وتعجب من صمتها المفاجيء، فسألها بفضول ب:
-مالك يا ست فردوس ؟ انتي بتكلمي نفسك ؟!
انتبهت له، ومسحت تلك العبرة المعلقة في أهدابها، وقالت بصوت شبه مختنق:
-هاه، لا يا بني!
مسح منسي بلسانه على أسنانه، ثم قال بهدوء:
-طيب، هابقى أعدي وقت تاني، ولو عوزتي حاجة أنا في الخدمة.

إبتسمت له وهي تجيبه بإمتنان:
-تسلم يا منسي من كل رَضي ( سوء )
ثم صاحبته إلى باب المنزل، وودعته، ومن ثم إتجهت إلى المطبخ لتكمل إعداد طعام الغذاء، ولكن أوقفها صوت صراخ يأتي من داخل غرفة ابنتها، فلطمت على صدرها في رعب، وهتفت بهلع:
-بنتي!

في مشفى الجندي الخاص
تسمر مهاب أمام فراش إبنه الطبي، ونظر له بصدمة وقد كانت أثار الكدمات لا تزال باقية على وجهه..
إزداد عبوس وتشنج قسمات وجهه، وإحتقنت عينيه من الغضب، ثم أمسك بالتقرير الطبي المعلق على طرف فراشه، وقرأ ما دون فيه..
نظر شزراً إلى كبير الأطباء وصاح محتداً:
-إنت ازاي تعمل كده ؟
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يجيبه بتوتر:
-ده.. ده إجراء مؤقت عشان أضمن انه تحت السيطرة
هتف مهاب بصرامة واضحة والشرر يتطاير من عينيه ب:
-ابني مش هياخد مهدئات تاني!
رد عليه كبير الأطباء بقلق قائلاً:
-أنا كنت مضطر لمصلحته
حدجه مهاب بنظراته الشيطانية وهو يأمره بصوت حاسم:
-أوس ابني يفوق فوراً
-ح.. حاضر.

ثم تابع بصلابة وهو يشير بإصبعه مهدداً:
-وكل هنا خصم اسبوع من مرتبهم، ويترفد بتوع الأمن، ويجي مكانهم ناس أفضل يعرفوا يشوفوا شغلهم كويس!
هز رأسه موافقاً وهو يجيبه دون تردد ب:
-اللي تؤمر بيه يا دكتور مهاب

في دار الرعاية الخاص بالمسنين
أعطت مديرة الدار للسكرتيرة الخاصة بها الخطاب الرسمي لحضور الحفل السنوي للجمعية الخيرية التي تديرها ناريمان..
ثم نهضت عن مقعدها، وأدرفت بنبرة رسمية:
-الكل يستعد للحفلة، خلاص ميعادها اتحدد
أجابتها السكرتيرة بصوتها الهادي قائلة:
-متقلقيش يا مدام، كل حاجة اتعملت زي ما قولتي
إبتسمت في زهو وهي تتابع بجدية:
-عظيم، وماتنسيش دِرع الدار لناريمان هانم.

هزت السكرتيرة رأسها بثقة، وردت عليها قائلة:
-اه طبعاً، أنا هاستلمه بالليل
لوت هي فمها قليلاً، وأضافت بصوت متزن:
-تمام، وأنا هاروح أمر على بقية الأقسام هنا وأشوف أخر الترتيبات
-تمام يا مدام

إبتسمت الطبيبة رجاء وهي تربت بيدها على كف تهاني، وهتفت بحماس:
-هاتوحشيني يا تهاني
-وانتي أكتر يا دكتورة
-ابقي تعالي زورينا، مش تنسينا
-أكيد
-وأنا موجودة لو احتاجتي أي حاجة، وخلي أرقام تليفوناتي معاكي
-شكراً ليكي يا دكتورة على كل حاجة عملتيها عشاني
-متقوليش كده، أنا بأعتبرك زي أختي
وفجأة سُمع صوت هرج ومرج في الخارج، فضيقت رجاء عينيها في استغراب، وإلتفتت للجانب، وتسائلت بفضول:
-في ايه برا ؟

بادلتها تهاني نظرات الحيرة، وقالت وهي تمط شفتيها للأمام:
-مش عارفة
خرجت الإثنتين من الغرفة، ونظرتا في الرواق، فوجدتا المشرفة هالة تركض، فأوقفتها رجاء من ذراعها، وسألتها بتوجس:
-في إيه ؟
-الحاجة نجاة تعيشي إنتي!
فغرت تهاني ثغرها مصدومة، وشحب لون وجهها، وهي تقول
-هاه.. ماتت
نظرت ناحيتها هالة، وأردفت قائلة بحزن:
-أيوه
سألتها رجاء بإهتمام واضح قائلة:
-هي ماتت إزاي ؟

أجابتها هالة بنبرة لاهثة وهي تشرح بيدها:
-لاقوها أعدة على الكرسي بتاعها مش بتتحرك، وأما جت زميلتها في الأوضة تصحيها، كانت مش بتتنفس و.. وجسمها سايب، فشافتها الدكتورة شروق، و.. ولاقيتها ماتت
قالت رجاء بصوت حزين وهي دامعة العينين:
-لا حول ولا قوة إلابالله
أردفت تهاني قائلة بصوت أسف:
-إنا لله وإنا إليه راجعون!
سألتها رجاء بإهتمام، وهي تمسح عبراتها قبل أن تتجمع:
-طيب في حد من أهلها عرف ؟

أجابتها هالة بنبرة شبه يائسة:
-إحنا بنحاول نتصل بحد منهم، بس مش لاقيين رد خالص
ضيقت تهاني عينيها عقب تلك العبارة الأخيرة، وسألتها بفضول شديد وهي تنظر لها بإمعان:
-ليه ؟ محدش بيرد ليه ؟
نظرت لها بخيبة أمل وهي تجيبها بإحباط:
-هما أصلاً رموها هنا في الدار من سنين، وكل فين وفين لما بيجوا يزوروها، فكان متوقع إن لو جرالها حاجة محدش من أهلها هيعرف، الفكرة بس إن الإدارة عاوزة تشوف هاتتصرف ازاي مع المرحومة.

تنهدت تهاني في حزن وهي تضيف:
-ربنا يرحمها، ويجعل مثواها الجنة
ردت عليها رجاء بصوت أسف:
-يا رب أمين، حقيقي كانت ست طيبة
هزت هالة رأسها موافقة، ثم قالت بتعجل:
-اه فعلا.. عن اذنكم.. هاشوف هاعمل ايه
أشارت لها رجاء بكف يدها وهي تجيبها بصوتها الهاديء:
-ربنا معاكي، وأنا موجودة لو في حاجة
ابتسمت لها هالة نصف إبتسامة وهي تسرع في خطاها قائلة بجدية:
-اكيد يا دكتورة رجاء
أطرقت تهاني رأسها في إنكسار وحزن، وإبتعدت عن الطبيبة رجاء، واتجهت ناحية الحديقة الخارجية....

في منزل تقى عوض الله
ركضت فردوس بخطواتها الثقيلة في إتجاه غرفة إبنتها، فوجدتها متكورة على نفسها في الفراش، وضامة ركبتيها إلى صدرها، وجسدها بالكامل يرتجف بشدة، و محدقة أمامها..
اقتربت منها ونظرات الخوف بادية في عينيها، وقالت بصوت خافت:
-تقى، مالك يا ضنايا ؟

ثم جلست على طرف الفراش، وإنحنت ناحية إبنتها، ولفت ذراعيها حول كتفيها، وضمتها إلى صدرها بعاطفة أم حقيقية، ومسدت على رأسها وقبلت جبينها، وهي تقول بصوت دافيء:
-متخافيش يا حبيبتي، أنا معاكي
أجهشت تقى بالبكاء، وصدر منها أنيناً خافتاً، فأشفقت عليها والدتها أكثر، ورددت بصوت شبه مختنق:
-يا بنتي كفاية عياط، وشك دِبِل، وحالك اتبدل، مالوش لازمة قهرة النفس دي، مافيش حاجة هترجع زي الأول.

ثم أغمضت فردوس عينيها، وأخذت نفساً عميقاً حبسته في صدرها، وحدثت نفسها بمرارة قائلة:
-منه لله اللي كان السبب، منه لله اللي خرب البيت!
حدقت تقى بعينيها - المتورمتين من كثرة البكاء - في ذلك الطيف المتجسد أمامها لشبح مغتصبها..
إبتسامته الشرسة، ضحكاته اللئيمة، نظراته الوضيعة، جسده الحيواني، كل شيء يبدو واضحاً وكأنه متواجد معها في نفس الغرفة..
أغمضت عينيها بقسوة حتى لا تراه، ولكنه طاردها في خيالها، إقتحم عزلتها الوحيدة بصوته المخيف، وأوامره المميتة..

اضطربت فردوس لرؤية ابنتها على تلك الحالة السيئة، فهزت جسدها برفق وهي تهمس لها بخوف:
-تقى، ردي عليا يا بنتي، تقى!
في تلك اللحظة دلف والدها عوض الله إلى داخل الغرفة وهو يتعكز على تلك العصا التي أحضرها الشيخ أحمد له لتساعده في السير، وهتف قائلاً بصوته المرهق وهو يتأمل حال تلك الفتاة التي يرق قلبه لها دوماً بصورة عجيبة:
-في.. في.. ايه، يا.. يا..آآآآ.. انتي تقى، صح ؟

وكأن في صوته البلسم لجراح تقى التي لم تندمل بعد.. حيث رفعت رأسها في إتجاهه، ونظرت له بنظرات غريبة، وكأن وجوده يبعث على الأمان.. نعم ذلك الإحساس الذي إفتقدته لأشهر..
فهو والدها الذي عاهدته طيباً وحنوناً، يرفق بها في أشد اللحظات صعوبة، وفي أحلك المواقف، لذا دون أدنى لحظة تردد، أبعدت ذراعي والدتها عنها، ونهضت عن الفراش، وركضت في إتجاهه، لترتمي في أحضانه، وتلف ذراعيها حوله وهي تهتف قائلة بصوتها المختنق واللاهث:
-بابا.. احميني منه يا بابا
عجز لسان عوض عن النطق، ولكن يكفيه رؤيته لتلك المشاعر الصادقة وهي تغمره دون أن يعارضها أو يتصدى لها..
ربما لا يتذكرها جيداً، ولكنه لم يستطع أن يقاوم رغبته في ضمها، وتقبيل رأسها..

فأحاطها بذراعيه بعد أن ترك عكازه يسقط على الأرضية، وجعل رأسها يغوص في صدره المتعب.. وظل يمسح على رأسها وجسدها برفق شديد حتى إستكانت داخله..
فغرت فردوس ثغرها في صدمة..
لم تتوقع أن يفعل عوض هذا بعد أشهر من محاولاتها اليائسة في علاجه، ولكنه وجد الدواء الحقيقي له في وجود إبنته معه وفي أحضانه...

في مشفى الجندي الخاص
بدأ أوس يستعيد وعيه تدريجياً بعد أن خف تأثير المهديء.. وحرك رأسه للجانبين بحركة خفيفة، وبتثاقل شديد فتح جفنيه..
كانت الرؤية في البداية ضبابية، وذاكرته إلى حد ما لا تسعفه.. ولكن سريعاً تذكر ما حدث، فإنتفض مذعوراً من نومته..
-إهدى يا أوس، أنا معاك!
قالها والده بصوت رجولي صارم، فإلتفت ناحيته أوس، وضيق عينيه، ورمقه بنظرات حادة قبل أن ينطق بصوت متحشرج:
-ب.. بابا.

-أيوه يا بني، أنا موجود هنا
عاود أوس النظر إلى جسده، وتأمل كفيه والإبر الطبية المغروزة في أحدهما، فدون تردد إنتزعها عنه.. فنظر له والده مهاب بتوتر قائلاً:
-بالراحة يا أوس، في ايه ؟
أزاح ابنه كل الأسلاك الموصولة بجسده، ونهض عن الفراش، وأردف قائلاً بصرامة:
-أنا عاوز أمشي من هنا!
ثم إتجه نحو الخزانة الرفيعة الموضوعة في زاوية الغرفة، وقام بفتح ضلفتها، ونظر بإهتمام داخلها..

وقف والده خلفه، وهتف قائلاً بإعتراض:
-لأ.. مش هتمشي قبل ما أطمن عليك، ده.. ده انت مضروب، وكنت في شبه غيبوبة!
إلتقط أوس قميصاً نظيفاً من على الشماعة المثبتة بالداخل، وسحب بنطالاً قماشياً، وإستدار بجسده ليقف قبالته، وصاح قائلاً بصوت جهوري:
-بأقولك أنا مش هاقعد هنا لحظة واحدة!
سأله والده وهو ينظر مباشرة في عينيه بإحتقان:
-عاوز تطلع تروح فين ؟
صمت أوس ولم يعلق، فإكفهر وجه مهاب أكثر، وتابع قائلاً بسخط:
-هاتروح للبنت اياها ؟

نزع أوس لباسه الطبي، وبدأ في إرتداء البنطال، ثم أجاب والده بإيجاز:
-تخصني
نفخ مهاب من الغيظ، وهتف بصوت مشتعل وهو يهز رأسه:
-أها.. يعني زي ما بيتقال هنا إنها مراتك!
أغلق أوس السحاب، وإلتفت بجسده ليقف على بعد خطوة واحدة من والده، وثبت عينيه عليه وهو يقول بجدية شديدة:
-ايوه.. تقى مراتي!

انفجر مهاب غاضباً عقب تلك الكلمات الصادمة والمؤكدة لما ظن أنها شائعات، وصاح صارخاً وهو يلوح بيده في الهواء:
-إنت اتجننت عشان تعمل عَملة زي دي
تحرك أوس خطوة للأمام لتصبح المسافة الفاصلة بينهما أقل من سنتيمترات معدودة، وقال بثبات عجيب دون أن تطرف عينيه:
-أنا مسئول عن تصرفاتي، ومحدش ليه الحق إنه يحاسبني!
هتف مهاب بصراخ وهو يبادله النظرات المشتعلة:
-بس أنا أبوك.

رد عليه أوس قائلاً بصوت محتقن وهو يتعمد الضغط على كل حرف:
-وهي مراتي!
أشار له مهاب بإصبعه وهو يهتف بعصبية:
-أوس، اتكلم كويس معايا، ماتنساش نفسك
ألقى أوس بالقميص على كتفيه، ثم مد يده ليلتقط متعلقاته الخاصة ( من ميدالية مفاتيحه وحافظة نقوده ) ودسهما في جيبه، وتابع بنبرة منفعلة وهو يرمقه بنظراته المشتعلة:
-لأ أنا مش ناسي إنت مين، ورايح أشوف فين مراتي
إهتاج مهاب وهو يضيف قائلاً:
-البت البيئة الزبالة اللي دخلتها هي وأهلها هنا، وعاملوا فضايحهم في المكان، ولوثوا سمعته!

اقترب أوس من أبيه، وحدجه بنظرات شرسة ذات مغزى قبل أن ينطق بقسوة:
-لو على السمعة، فبلاش إنت بالذات تتكلم عنها، لأنك أكبر مثال على آآآ..
قاطعه مهاب وهو يصفعه بقوة على وجهه قائلاً بصراخ هادر:
-إخرس
لم يهتز كيان أوس الذي تفاجيء بالصفعة، فقط إزداد إحتقان لهيب الغضب في عينيه، وبرزت عروقه الثائرة من عنقه.. وكور قبضته بشراسة..
إبتلع والده ريقه في توتر شديد، فإنفعال إبنه يريبه بدرجة مزعجة، وأضاف قائلاً بجموح:
-لو مفكر إنك كبرت عليا، تبقى غلطان، أنا لسه أبوك.

-خلصت ؟ ولا هتضرب تاني!
قالها أوس ببرود مستفز وكأن شيئاً لم يحدث رغم النيران المستعرة في نفسه.. نعم قالها بصلابة وكأنه يدفعه دفعاً لصفعة مجدداً..
كانت نظراته وحدها كافية لتري مهاب فداحة فعلته معه..
هو المُلام فيما يرتكبه.. فتركيبة شخصية ابنه هي نتيجة تربيته له..
حاول أن يبدو هادئاً أمامه، وصر على أسنانه وهو يتابع قائلاً بغيظ:
-إنت ليه كده ؟ طالع بالشكل البشع ده لمين ؟

إكتسى وجه أوس بنظرات ساخطة وهو يلوي فمه قائلاً بتهكم:
-بجد مش عارف ؟! حقيقي أنا مستغربك يا.. يا دكتور مهاب
ثم اتجه نحو باب الغرفة، وأمسك بالمقبض، وفتحه، وإنطلق للخارج، فحاول والده أن يلحق به وهو يصرخ قائلاً:
-استنى هنا أنا مخلصتش كلامي
لم يلتفت له أوس، ولم يجبه، بل تركه يتابع كلماته المنفعلة، وتحرك في إتجاه المصعد، ووهو يكمل غلق أزرار قميصه..

ثم ضرب بقوة على مفتاح إستدعاء المصعد، وأدار رأسه للخلف ليحدج والده بنظرات مطولة و مشمئزة حتى سمع صوت صافرة وصول المصعد، فدلف للداخل، وأغلق الباب خلفه..
تسمر مهاب في مكانه مصدوماً من رد فعل إبنه المثير للإنفعال، وأخفض عينيه لينظر إلى قبضة يده التي صفعت إبنه، ثم كورها، وحدث نفسه بصوت محتد ومتوعد ب:
-مش هاسيبك تضيع نفسك مع الزبالة دول، ولو حكمت أنا هامحيهم من على وش الأرض، ماشي يا أوس، ماشي!

في دار الرعاية الخاصة بالمسنين
اقتربت تهاني من المقعد الخالي الموجود في أبعد جزء في الحديقة.. وجلست عليه، وأجفلت عينيها لتنظر إلى النجيلة الخضراء أسفل قدميها، ثم أطلقت تنهيدة صارخة من بين ضلوعها، وهتفت قائلة:
-مش عاوزة أموت لوحدي، عاوزة أكون وسط أهلي.. ومع.. ومع ابني اللي خدوه مني!
ثم دفنت وجهها التعيس بين راحتي يدها، وإنتحبت بإنين خاغت وهي تتذكر أصعب يوم في حياتها..
يوم أن ضاع منها كل شيء..

إندلع الحريق في مكتب تهاني بالمشفى الخاص الذي كانت تعمل به، ووصلتها أنباء عن إحتجاز أطفالها الثلاثة بداخله..
فركضت مهرولة في فزع ناحيته، وصرخت بإهتياج قائلة:
-ولادي جوا، الحقوهم، ولادي هيروحوا مني!
كانت كالمجنونة وهي تكرض صارخة بأعلى صوتها ب:
-ولادي جوا المكتب، إلحقوهم، ولادي.. آآآآآه
كان يقف أمام غرفتها حشداً من الأطباء والممرضين والعاملين بالمشفى، فحالوا دون وصولها للداخل..

حاولت هي أن تدفعهم وتمر عبرهم لتصل إلى الباب، ولكن أبعدوها للخلف، فنظرت لهم بأعين مغرورقة بالعبرات الحارقة، وتوسلت ببكاء مرير ب:
-بناتي جوا الأوضة وأوس معاهم، سيبوني بس أجيبهم
اقترب منها أحد الأطباء، وأحنى رأسه للأسفل، وقال بصوت حزين:
-للأسف كل حاجة جوا ولعت
صرخت وهي تجهش بالبكاء بطريقة هيسترية عالياً ب:
-لألألألأ.. ولادي.

اندفع ممدوح هو الأخر بين جموع المتواجدين ليصل إلى الغرفة، وصاح بصوت مرتفع للغاية ب:
-بناتي.. ليان، بيسان!
لمحت تهاني مهاب وهو يقترب منها، فإستغاثت به بصوت راجي ب:
-إلحق يا مهاب، أوس ابننا جوا الأوضة، خليهم يسبوني أجيبه
حدجها هو بنظرات قاسية، ثم قال بشراسة:
-إنتي مالكيش إبن، اعتبريه مات
-إنت بتقول إيه!
تابع هو بنبرة أشد قسوة ب:
-الأم اللي تهمل في تربية ابنها ماتستحقش تكون أم
صرخت هي عالياً بصوت مبحوح ومختنق ب:
-لألألألألأ..

اقترب مهاب منها، ورمقها بنظراته المتوعدة، وقال بقسوة أشد وهو يشير بيده:
-ابني هاربيه بمعرفتي، وإنتي هتتحاسبي عن إهمالك وخيانتك
ثم تركها وإنصرف دون أن يلتف إلى صراخها المتواصل ب:
-ولادي، لأ.. يا مهاب.. مهاب...!
فإنهارت متشنجة على الأرضية الباردة ولسان حالها يصرخ منادياً على أطفالها الصغار..

لاحقاً، أفاقت تهاني في غرفة ما غريبة، جدرانها مطلية باللون الرمادي الكئيب، فنهضت من نومتها، ونظرت حولها برعب..
كان حلقها جافاً، فمدت يدها المرتعشة نحو الطاولة القصيرة الملتصقة بالفراش لتمسك بكوب الماء المسنود..
ارتشفت منه البعض، ونظرت إلى حيث يوجد باب الغرفة.. وإتسعت عينيها مذهولة وهي تهتف قائلة بصوت متحشرج:
-م.. ممدوح
نظر لها شزراً، وأجابها بصوت قاتم:
-أخيراً فوقتي
تلفتت تهاني حولها بريبة، وسألته بصوت متقطع:
-هو.. هو حصل إيه ؟ وأنا.. وأنا فين ؟

أجابها ممدوح بصوت متهكم يحمل المرارة:
-إيه لحقتي تنسي بالسرعة دي ؟
ثم صمت لثانية قبل أن يصرخ مهتاجاً ب:
-إنتي أم انتي!
فغرت ثغرها مصدومة ونظرات الرعب متجسدة على وجهها وهي تنطق بتلعثم:
-هاه.. و.. ولادي!
كز على أسنانه ليتابع قائلاً بشراسة وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-أيوه.. قولي بناتك اللي ماتوا، اللي اتحرقوا وانتي زي ما إنتي، مافيش حاجة حصلتلك!

صرخت في عدم تصديق وهي تهز رأسها مستنكرة لعباراته الصادمة:
-إنت.. إنت بتكدب!
اقترب منها حتى أمسك بذراعها، ثم قبض عليه بقسوة لم تعهدها منه، وصاح قائلاً بإهتياج وهو مستمر في رمقها بنظرات مميتة:
-إنتي السبب، هما ماتوا بسببك، سامعة بسببك!
إنفطر قلبها وهو يؤكد عليها وفاة رضيعتيها، وشعرت بأن أنفاسها ثقيلة، وروحها سحبت منها، وتعالى صدرها صعوداً وهبوطاً..
ثم صرخت بصوت متحشرج مستنكرة حديثه ب:
-إنت بتقول ايه، لألألألألألأ.. بناتي مماتوش، بناتي عايشين، لألألألأ.. حرام، بناتي! آآآآآآآه!

ظلت تصرخ لعدة دقائق متواصلة، فصمت وظل يتابعها بنظرات مغلولة، ثم إنهارت هي مجدداً على فراشها، فأرخى قبضته عن ذراعها، وتراجع عدة خطوات للخلف.. واستمر في رمقها بنظراته المحتقنة، وهنا تدخلت ممرضة ما، وأمرته بجدية:
-اطلع برا يا أستاذ، المدام حالتها ماتسحمش بالزيارة
رمقها بنظراته النارية وهو يجيب قائلاً بتوعد:
-لسه كلامي مخلصش معاها، وراجعلك تاني يا تهاني، راجع تاني!
تشنجت تهاني أكثر وهي تتابع عويلها قائلة:
-بناتي، آآآآآآه، بناتي!
أولاها ممدوح ظهره، وتركها تعاني من آلم الفقدان الذي كان رفيقه الدائم..

عانت هي لعدة أيام، وواظب الطبيب النفسي على علاجها، واستمر ممدوح في زيارتها.. فهو لم ينتهي بعد منها.. ولكن منعت عنها الزيارة..
فلم ينقطع عن الحضور حتى أتيحت له الفرصة أخيراً لزيارتها بعد إستقرار وضعها النفسي..
عقد ممدوح ساعديه أمام صدره وهو يراها جالسة على المقعد، ونظر لها بنظراته القاتلة..
كانت ذابلة الوجه، ذات عينين مرهقتين، وهناك هالات سوداء قد تشكلت أسفلهما.. ونحل جسدها إلى حد ما..

إستمر في التحديق بشراسة لها، ومن ثم أردف بسخط:
-بناتك ماتوا! احساسك إيه لما اتاخدت أغلى حاجة في حياتك ؟ ردي!
سلطت أنظارها عليه بعد أن إنتبهت لصوته ولكلماته اللاذعة، ورمقته بذهول وهي تسأله بصوت متشنج:
-قصدك.. قصدك ايه ؟ ده أنا قلبي بيتقطع كل يوم على فراقهم، على بناتي اللي مالحقتش أشبع منهم، حرام عليك إنت مش حاسس بالنار اللي جوايا .!
ثم أجهشت بالبكاء الحارق، وتنهدت بصوت مرتفع وهي تردد:
-بناتي.. قلبي، آآآه!

نظر لها بإزدراء غير مصدقاً لمشاعر الأم المكلومة، وأردف قائلاً بقسوة بالغة بعد أن أرخى ساعديه:
-الأم اللي تقتل بناتها مالهاش لازمة في حياتي!
رفعت عينيها الحمراوتين لتنظر له برجاء وهي تهتف فيه بصوتها المختنق:
-حرام عليك، ده.. ده أنا كنت معاك، ليه بتقول إني أقتلتهم ؟ لييييه ؟
لوح بيده أمام وجهه وهو يصيح فيها بصوت محتد:
-متبرريش جريمتك، هما ماتوا بسببك، سامعة بسببك!

نهضت عن مقعدها، وأمسكت به من ذراعيه بقبضتيها الضعيفتين، وهتفت بصوتها المتحشرج:
-لأ يا ممدوح، لألألأ.. أنا قلبي محروق عليهم، ليه إنت كمان تعمل فيا كده ؟
أزاح قبضتيها عنه، وقبض على عضديها، وهز جسدها بعنف وهو يهدر بإنفعال:
-لأنها الحقيقة، لو كنتي باقية عليهم كنتي عرفتي إزاي تحميهم
إنتحبت وهي تجيبه بصوتها الحزين:
-أنا أمهم، أمهم.

قبض على فكها بكفه، وإعتصره بأصابعه الغليظة، ثم نظق بشراسة من بين أسنانه وهو يحدجها بنظراته القاسية:
-خلاص يا مدام، اللي بينا انتهى، وانتي.. وانتي معنتيش تلزميني
اتسعت عينيها في ذعر مريب، وسألته بتوجس:
-يعني ايه ؟
صرخ بصوت هائج وهو يدفعها بعنف للخلف:
-يعني إنتي طالق، طالق، طالق!
سقطت تهاني على الأرضية الصلبة، وإرتطم جسدها بقسوة به، وهتفت بعدم تصديق:
-لألألألأ..

ثم تركها ممدوح وإنصرف وهي تلطم وتصرخ بإهتياج..
نعم.. فالخطب جلل بالنسبة لها، لقد خسرت رضيعتيها، والآن زوجها، وأصبحت بائسة بدونهم.. ولم يبقْ لها إلا ابنها.. ليكون هو فقط سندها في تلك الحياة القاسية..
ولكن لم يدمْ الأمر طويلاً..
فحينما أرادت أن يعود الصغير أوس إلى حضنها تفاجئت بمهاب يقول ببرود:
-اعتبري ابنك مات!

أمسكت به من ياقته، وهزته بعنف وهي تصرخ منفعلة أمام باب منزله:
-إنت بتقول ايه ؟ ابني لسه عايش وهاخده في حضني!
خدش قبضتيها وهو يبعدهما عنه، ونهرها بصوته الأجش قائلاً:
-نزلي إيدك، إنتي مالكيش حاجة عندي، إبنك مات، سامعة مات!
هزت رأسها رافضة بقوة ما يقول، وإحتجت قائلة وهي تشير مهددة بإصبعها:
-لألألأ.. أوس عايش وهاخده منك بالقانون
ضحك مستهزئاً بها، وهتف بثقة بالغة:
-هع هع.. قانون!

ثم ربت على كتفها بعنف وهو يتابع بصوت قاتم، ونظرات محذرة:
-طب يا مدام تهاني أحسنلك ماتلعبيش معايا
سلطت أنظارها الغاضبة عليه وهي تجيبه بثبات ب:
-مش هاخاف منك يا مهاب، ابني هيرجع ليا تاني، إن شاء الله أصرف كل اللي معايا، بس هاخده منك!
أرجع رأسه للخلف، وفغر فمه ضاحكاً بإستهزاء، ثم تابع بسخرية:
-أها.. قولتيلي، فلوسك.. هو ممدوح جوزك مقالكيش انه سحب كل رصيدك وضمه لحسابه ؟!

إتسعت مقلتيها في إندهاش بعد عبارته الأخيرة، ورفعت حاجبيها للأعلى في ذهول، وإكتسى وجهها بعلامات الصدمة، وهتفت غير مصدقة ب:
-هاه، مش ممكن!
تقوس فمه في عبث وهو يراها مشدوهة بما حدث، فتابع بإستفزاز:
-لأ بجد مقالكيش، تؤ.. تؤ.. تؤ.. مالوش حق، دي أول حاجة عملها بعد ما عملتيله التوكيل!
تحشرج صوتها، وهزت رأسها نافية وهي تهتف بصوت مصدوم:
-ممدوح مش هايعمل كده، هو.. هو بيحبني!

غمز لها مهاب بطرف عينه وهو يضيف ببرود:
-واللي بيحب واحدة بيطلقها برضوه يا مدام ؟ ممدوح اتجوزك بأوامر مني، وطلقك لأنه خد اللي عاوزه منك!
صرخت فيه بإنفعال وهي تهز رأسها بعصبية:
-اسكت، ممدوح مش كده
تسلى مهاب برؤية طليقته السابقة وهي تعاني من حالة الإنهيار عقب إكتشافها لحقيقة زوجها..
فقد شعر بإنتشاء عجيب وهو يراها منكسرة محطمة..

وأراد أن يتسلى أكثر معها، فقال بمكر:
-الحق يتقال هو زعل على موت بناته، وهما اللي عجلوا بقرار طلاقك منه!
وضعت يديها على أذنيها لتسدهما وتكتم صوت الحقيقة القاسية، وأغمضت عينيها مستنكرة ما يحدث، وصرخت بصدمة:
-مش ممكن، مش ممكن!
أردف مهاب قائلاً بسخرية وتهكم:
-ما انتي مش عايشة معانا في الدنيا، هاقول ايه غير هبلة!
فتحت عينيها وأطلقت صرخة مدوية وهي تهتف قائلة:
-حرام عليكم، آآآآآه، ليييييييييييه ؟؟ ليييييه كده ؟!

في تلك اللحظة خرج الصغير أوس من غرفته، وهتف بصوت طفولي بريء وهو ينظر في إتجاه باب المنزل:
-مامي!
خفق قلب تهاني بقوة وهي ترى صغيرها – وسندها الوحيد – أمامها، منادياً إياها بأحب الألقاب وأغلاها.. فهتفت بلهفة دون تردد بعاطفة قوية:
-أوس.. ابني
سد مهاب الطريق عليها بجسده، ووقف حائلاً دون دخولها، وصرخ بصوت آمر:
-خش جوا يا أوس!

نظر الصغير إلى والدته بإندهاش غريب، وتسائل ببراءة وهو فاغر ثغره الصغير:
-مامي إنتي.. إنتي عايشة ؟
ثم فرك عينيه بقبضتيه الضئيلتين ليتأكد من أنها حقيقية.. فقد تمنى أن يراها ليسرد لها ما عاناه بعد غيابها لفترة طويلة لعل روحه الصغيرة المنتهكة تجد راحته في وجودها معه..
لعله يستطيع أن يبوح لها بأبشع أسراره..
فهو وحده من ذاق مرارة الفقد.. وعذاب إغتيال البراءة
تسمرت نظرات تهاني على صغيرها وهي تراه متشوقاً لرؤيتها..
صاح الصغير أوس بصوت مليء بالشجن وهو يقترب منهما:
-مامي عايشة!

شعرت تهاني بإنكسارة غريبة في نبرة صوت وليدها، وحزن عجيب بدى واضحاً وهو يقترب منها.. فحدقت في مهاب بنظرات محتقنة، وسألته بصوت محتد:
-إنت قولت لإبني إني مت ؟
لم يجبها مهاب، بل عَمِد إلى دفعها للخلف، وأدار رأسه ناحية ابنه، وهدر قائلاً بصلابة:
-أوس، خش جوا، ناريمان، تعالي خدي أوس!

ركضت ناريمان نحو الصغير أوس، ثم أمسكت به من ذراعه، ونفخت في ضيق وهي تقول بصوت غاضب:
-ايه اللي طلعك من أوضتك، تعالى معايا
حرك الصغير أوس ذراعه بكل ما أوتي من قوة ليتحرر من قبضتها وهو يصيح معترضاً بصوت مختنق:
-ابعدي، أنا عاوز مامي، استني، أنا عاوز أتكلم معاكي! مامي!
قبضت ناريمان عليه بقوة أكبر، وجرته خلفها بعيداً عن والدته، في حين استمر هو في صراخه قائلاً:
-مامي، استني، مامي، أنا عاوز مامي، سبيني!

رأت تهاني بعينيها الصراع الدائر بين وحيدها الصغير وزوجة أبيه، فإهتاجت بشدة، وصرخت قائلة بإصرار وهي تحاول دفع جسد مهاب لتلج للداخل:
-لألألأ.. هاتلي ابني، رجعهولي يا مهاب، حرام عليك، ده أنا أم
لكزها في صدرها وهو ينطق بقسوة ب:
-بأقولك انسيه خالص!
نظرت له بنظرات نارية من بين عينيها الحمراوتين، وهتفت بصوت جهوري:
-أنا هاخده منك بالعافية.

أطبق على فكها بكف يده، وإعتصره بقسوة آلمتها، ثم صر على أسنانه قائلاً بشراسة:
-لو فكرتي بس تروحي تشتكي، أنا هاوديكي في داهية، ومعايا اللي يثبت ده
تآلمت من عنفه معها، وقالت بإصرار أموي معهود:
-آآآه، مش مهم، ابني هاخده منك
أرخى قبضته عن فكها، ودفعها للخلف، وصاح مهدداً:
-يبقى إنتي الجانية على نفسك!

رمقته بنظراته الإحتقارية، وأجابته بعدم إكتراث:
-مش مهم أي حاجة في الدنيا غير إني أخد ابني في حضني
-حتى لو هاتتعدمي ؟!
ضيقت تهاني عينيها في عدم إستيعاب عقب عبارته الأخيرة، هي لا تريد منه أي شيء سوى إبنها الوحيد، والذي تبقى لها بعد خسارتها لكل شيء، ومتحجر القلب هذا يهددها بالإعدام وكأنه متيقن من أنها مجرمة بالفعل..

لذا سألته بفضول كبير وهي عابسة الوجه:
-قصدك ايه ؟
أجابها دون أن يهتز له جفن:
-التحاليل الغلط اللي عملتيها
إزداد إنعقاد ما بين حاجبيها، وتسائلت بتلهف:
-تحاليل ؟!
أومأ برأسه إيجابياً وهو يرد بهدوء مخيف:
-أها، ماهو في كام عيان مات بسبب غلطك في نتايج التحاليل
شحب لون وجهها، ورمشت بعينيها وهي تهتف معترضة:
-أنا معملتش كده!

إلتوى فمه بإبتسامة لئيمة وهو يتابع بعبث:
-إثبتي ده، وكل الورق طالع بإسمك
صرخت فيه بإنفعال وهي تبكي – لا إرادياً – بحرقة:
-إنت ايه ؟ حرام عليك ياخي! حرام!
أشار لها بإصبعه وهو يأمرها بفظاظة:
-برا يا تهاني، إنتي خلاص ورقة واتحرقت من حياتي
نظرت له بتحدٍ سافر وهي تصرخ بنبرة مهددة:
-مش هاسيبك يا مهاب، ابني هاخده منك، وهايرجعلي تاني.

رد عليها بتوعد قائلاً وهو يقبض على عنقها لتختنق بأصابعه القوية:
-وقت ما تفكري تعملي ده هتلاقي نفسك بتعفني في أوسخ سجن هنا، وأنا بنفسي هاجيب ابنك يشوف أمه
تلوت تهاني بجسدها محاولة تخليص عنقها من قبضته حيث إزداد شعورها بالإختناق.. وبدأت تتنفس بصعوبة، وهتفت متوسلة:
-لألألأ.. ارحمني
دفعها للخلف بقوة أشد لترتد وتسقط على الأرضية وهو يتابع قائلاً بجمود:
-يالا، برا!

ثم صفق الباب بقوة في وجهها، فتحاملت على نفسها، ونهضت عن الأرضية، ثم ألصقت جسدها بباب المنزل، وظلت تدق عليه بعنف، وهي تصرخ متوسلة ك
-افتح يا مهاب، سيبلي ابني، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده، حرام...!
ولكنه لم يعبأ بصراخها، ولا بما تفعله، فقد اكتفى برسم إبتسامة انتصار على وجهه، ففي النهاية ظفر بكل شيء، ابنه الوحيد، وزوجته الجديدة، وطفلة بديلة، وحياة أخرى لا يعكر صفوها ركام الماضي...
ولأيام عديدة ظلت تهاني قابعة أمام باب منزل مهاب، وهي تصرخ بهذيان من أجل إبنها حتى أرسل هو في إستدعاء الأمن لها، وتم حبسها لبضعة أيام، ثم نجح - بفضل معارفه، وصلاته الإجتماعية - في ترحيلها لتعود لمصر فاقدة لكل شيء حتى عقلها...

أفاقت تهاني من ذكرياتها وهي تشهق بآلم وحسرة..
هزت رأسها رافضة لهذا الواقع الآليم الذي كانت تخوضه يومياً بمفردها، واليوم بعد أن إستعادت كامل وعيها عليها أن تستعد من أجل أن تستعيد أخر فرد في أسرتها.. ابنها الوحيد أوس الجندي
نعم لقد عقدت العزم على أن تبدأ رحلة البحث عنه فور خروجها من هذه الدار..
وستكون تلك هي مهمتها حتى الرمق الأخير في حياتها...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والثلاثون

في الجراج الملحق بمشفى الجندي الخاص
جلس أوس خلف عجلة القيادة، وعَدَل من وضعية المرآة الأمامية ليرى أثار تلك الكدمات أسفل عينيه، وكذلك بقايا خدوش قديمة على عنقه، فزفر في ضيق..
لقد استعاد في ذاكرته ما حدث معه بداخل غرفة العناية المركزة، فصر على أسنانه بغضب.. ثم إلتفت برأسه ناحية المقعد المجاور له ليرى قطرات الدم الجافة مطبوعة على الجلد.. فمد يده ليتحسسها بحذر.. نعم هي دماء تقى التي تركت أثارها لتذكره بجريمته البشعة معها..

أغمض أوس جفنيه، وأخذ نفساً عميقاً حبسه في صدره لعل قلبه الثائر يهدأ قليلاً.. ثم زفره مرة واحدة، ورفع رأسه للأعلى بعد أن فتح عينيه، وحدث نفسه قائلاً بإصرار:
-هاوصلك يا تقى، إنتي مراتي، ومش هاسيبك للكلاب دول ياخدوكي مني..!
فهو مازال رغم صلابته يعاني من الآلم والإنهاك.. فهو أمامه معركة حامية.. وعليه أن يستعد لها..
فلو أراد إستعادة زوجته، عليه أن يكون قادراً على فعل هذا وهو بكامل قواه الجسمانية حتى لا يسقط مرة أخرى، ويفقدها للأبد..
وضع أوس المفتاح في مكانه المخصص، وأدار المحرك، وبحذر شديد قاد السيارة نحو الخارج..
أفسح له رجال الأمن الطريق ليمر، وتبادلوا نظرات الحيرة والفضول حوله.. ولكن لم يجرؤ أحد على السؤال علناً...

في قصر عائلة الجندي
إنتفضت ناريمان مذعورة من على مقعدها الوثير بغرفتها على إثر صوت مهاب الصارخ وهو يدلف لداخل القصر..
ثم نهضت عنه، وسارت بخطوات حذرة خارج الغرفة، واتجهت نحو الرواق، ووقفت بجانب الدرج، وتسائلت بإستغراب وهي تنظر نحوه:
-في ايه يا مهاب بتزعق كده ليه ؟
أجابها بصوت منفعل وهو يصعد عليه:
-يعني مش عارفة بأزعق ليه يا هانم
نظرت له ببرود وهي تجيبه بعدم إكتراث:
-لأ معرفش!

وقف قبالتها، ورمقها بنظراته الساخطة قبل أن يتابع قائلاً بحدة:
-ماهو إنتي لو بتحسي ولا عندك دم كنتي عرفتي إيه اللي بيجرى من وراكي!
لم تعرف ناريمان ما الذي أصاب زوجها لكي تثور ثائرته بتلك الصورة الغير معقولة، لذا سألته بحيرة بادية على قسمات وجهها:
-حصل ايه لكل ده ؟
تحرك خطوة نحوها حتى تقلصت المسافة إلى بوصتين، ونطق بشراسة من بين أسنانه:
-أوس!

لوت فمها في تأفف، وسألته بإنزعاج وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-أووف، ماله ؟!
هدر مهاب عالياً وهو يلوح بكف يده في الهواء:
-البيه اتجوز يا هانم وإنتي مش دريانة!
إرتسمت علامات الإندهاش على وجهها، وفغرت شفتيها مصدومة وهي تنطق ب:
-نعم ؟ بتقول ايه ؟ أوس اتجوز!
رمقها بنظرات محتقنة وهو يسألها متهكماً:
-يعني مش عارفة ؟!

نفخت في ضيق، وأجابته ببرود وهي تسير في إتجاه غرفتها:
-لأ معرفش، هو ابنك بيقولي حاجة!
لحق بها وأضاف متهكماً وهو ينظر لها بإحتقار:
-على رأيك، هايقولك ليه أصلاً، هو أنتي كنتي أمه!
إستدارت بجسدها لتواجهه، فرأى نظرات الغضب جلية في مقلتيها، بينما صاحت هي محذرة مشيرة بإصبعها:
-مهاب، خد بالك من اسلوبك معايا، مش أنا اللي تكلمها بالشكل ده!

أعاد رأسه للخلف وهو يرد عليها ساخراً:
-اه صح، بنت الحسب والنسب
زفرت بغضب وهي تلوح بيديها:
-يوووه، هو كل مصيبة ابنك يعملها تحاسبني عليها، ما تحاسبه هو!

في نفس الوقت كانت ليان قد ولجت إلى داخل بهو القصر بعد أن استقبلتها المدبرة عفاف بالأحضان والقبلات الدافئة لرؤيتها إياها..
وضعت هي يديها على كتفيها، وقالت بحماس:
-نورتي القصر يا ليان هانم
إبتسمت لها ليان وهي تجيبها بنبرة مرحة:
-ميرسي يا ناني عفاف!
سألتها عفاف بإهتمام عن زوجها قائلة:
-أخبار العريس ايه ؟

أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة، ثم قالت بفتور واضح وهي تتحاشى النظر في عينيها:
-عادي.. مافيش جديد
شعرت عفاف من طريقتها في الحديث عن زوجها بأن هناك خطب ما بها، فحاولت أن تستشف منها ما الذي حدث، فسألتها بحذر:
-هو.. هو عدي بيه مش هايجي ؟
ردت عليها بإيجاز قائلة وهي عابسة الوجه:
-لأ..!

سألتها مجدداً بإهتمام أكبر وهي تتفرس تعبيرات وجهها:
-يعني معملش حسابه معانا في الغدا ؟!
زفرت ليان بضيق واضح وهي تنطق بنبرة منزعجة:
-ناني عفاف، بليز، أنا مخنوقة ومش حابة اتكلم كتير عنه!
أخفضت عفاف نبرة صوتها وهي تجيبها ب:
-زي ما تحبي..!

تنهدت مجدداً وهي ترفع بصرها للأعلى متسائلة:
-قوليلي هو مامي هنا ولا دادي ؟
-الاتنين موجودين، تحبي أديهم خبر
هزت رأسها نافية وردت عليها بجدية وهي تتجه نحو الدرج:
-No ( لأ )، أنا هاطلع أسلم عليهم بنفسي
صعدت ليان عليه برشاقة تتناسب مع جسدها النحيف.. فهي مشتاقة للعودة إلى القصر وحياتها السابقة بعيداً عن تلك الصدمات المؤلمة في حياتها..
سريعاً وصلت للطابق العلوي، ولكنها تسمرت في مكانها حينما سمعت أصوات مشاجرة ما تصدح خارج غرفة والديها.. فسارت بحذر شديد – وعلى أطراف أصابعها – لتتصنت عليهما..

ظلت ليان على مسافة قريبة لتتمكن من الإستماع بوضوح لما يقولان.. خاصة وأن باب الغرفة كان موارباً..
هتف مهاب بصوت منفعل وهو يلوح بيده:
-لأ والبجاحة إنك سايبة الشغالة هي اللي تتابعه
نظرت له بقسوة وهي تجيبه ببرود مستفز:
-يعني عاوزني أعمل ايه ؟ هو مش بيطقني أصلاً!
صاح قائلاً بعصبية وهو يحدجها بتلك النظرات المحتقنة:
-تقفي جمبه، وتفضلي معاه!
عقدت ساعديها أمام صدرها وهي تجيبه بنفاذ صبر:
-والله ده ابنك مش ابني!

أمسك مهاب بذراع زوجته، فأرخته رغماً عنها، وسألها بحدة وهو يهزها منه:
-ومن إمتى بنقول الكلام ده يا ناريمان ؟
نزعت هي ذراعها من قبضته، وأولته ظهرها وهي ترد عليه بصوتها المنفعل:
-من زمان، وانت عارف كويس ده، مش شرط أقوله عشان تتأكد، كفاية تصرفات أوس لوحدها!
-ده طبعه، والمفروض كنتي آآآ..
قاطعته بصوت محتد وهي تصر على أسنانها بعد أن استدارت بجسدها نحوه:
-ماتقوليش ايه المفروض معايا أنا بالذات، ابنك عمره ما حبني ولا أنا حبيته، فأموره كلها متفرقش معايا!

هتف محتجاً على أسلوبها المستفز ب:
-وأنا مطالبتش منك تحبيه، كل اللي طلبته إنك تاخدي بالك منه!
نفخت من الضيق، وتحركت للجانب، وأردفت قائلة ببرود قاتل:
-أووف، وهو مش صغير عشان أنا أهتم بيه
استشاط مهاب غضباً من ردودها المثيرة للإنفعال، وصاح بهياج:
-انتي عمرك ما إهتميتي إلا بنفسك وبس
زفرت بضيق وهي تجيبه بإنهاك:
-مهاب، بليز، أنا زهقت وقرفت من كل حاجة هنا.

اتجه نحوها وجذبها من ذراعها وهو يصرخ مهتاجاً ب:
-انتي استحالة تكوني أم عاقلة، وواخدة بالها من بيتها وعيالها
أشاحت بذراعها، وتراجعت خطوة للخلف وهي تجيبه بغضب هادر:
-أيوه، أنا مش عاوزة أكون أم لولاد تهاني! سامعني، أنا مش بأحب ولادها
هنا إتسعت مقلتي ليان في صدمة كبيرة عقب تلك الجملة الأخيرة.. وشهقت بذهول واضح ولكنها سريعاً ما وضعت يدها على فمها لتكتم صوتها حتى لا ينتبه أحدهما لوجودها.. وأصغت بإهتمام كبير للبقية.. فهي لم تستوعب بعد المغزى من حديثهما هذا..

تابع مهاب حديثه الساخط قائلاً بعصبية:
-ولما انتي مش بتحبيهم وافقتي ليه تربيهم، ووافقتي على تزوير شهادة ميلاد ليان، ورضيتي إنك تكوني أمها ؟
ردت عليه بنزق وهي ترمقه بنظرات إحباط:
-كنت مفكرة انهم هايطلعوا زيي، شبهي، أخدين صفاتي، لكن كل حاجة بيعملوها فيها نفس تهاني، فيها شكلها وطريقتها!
صمت كلاهما للحظة ليسترجعا ما حدث قبل سنوات من جرائم فادحة، وكيف شجعته ناريمان على الخوض في مخططاته الدنيئة وتنفيذها دون تردد، وباركت أفعاله وساندته..

إذن هي لم تعترض من البداية على ما يريد، بل كانت الداعم الأول له، والآن تنكر كل هذا ببساطة، وتبرر فعلتها.. لذا قطع مهاب هذا الصمت قائلاً بصراخ:
-إنتي السبب في ضياعهم، وفي اللي وصلوله!
صاحت محتجة على إتهاماته لها وهي تنظر مباشرة في عينيه دون أن يرتد لها جفن ب:
-لأ، مش أنا، هما عمرهم ما كانوا ولادي، وإنت عارف ده كويس!
صر على أسنانه قائلاً بغلظة:
-بس لو كان أوس معرفتيش تربيه، فليان شاربة منك كل حاجة، وضاعت بسببك!
هتفت قائلة بصوت مسموع إرتد صداه للخارج:
-مش بنتي قولتلك، مش بنتي، أي حاجة هايعملوها إنت اللي هتتحاسب عنها مش أنا، إنت اللي خططت لكل حاجة، وإنت اللي وقعتنا في كل ده!

كانت ليان تتلقى الصدمة وراء الأخرى في صمت تام وهي تصغي لمصارحتهما المؤسفة..
إزداد شحوب لون بشرتها، وتسارعت دقات قلبها.. وحبست أنفاسها داخل صدرها حتى لا يسمع أحدهما صوت شهقاتها المريرة
نعم هي أدركت أنها لا تتوهم ما تسمعه، إنها الحقيقة المشينة..
ناريمان ليست والدتها، وهي لم تكن يوماً إبنتها.. ولم تكن لتعبأ بها لولا المظهر الإجتماعي..
هي لم تحاسبها لخطيئتها، ولم تنصحها لتكن الابنة المثالية، ولم تكن لها القدوة الحسنة لتصير على خطاها..
هي مجرد أكذوبة في حياتها.. إذن فمن هي أمها الحقيقية ؟

أردف مهاب قائلاً بإنفعال وهو يشير بيده:
-جاية الوقتي تقولي الكلام ده بعد السنين دي كلها
ردت عليه بقوة وهي تنظر بشراسة له:
-ايوه، وأكتر من كده كمان لأني جبت أخري معاك
-مممم.. فعلاً
أضافت قائلة بإمتعاض وهي تلوي شفتيها ناظرة إليه بإزدراء:
-أيوه، احنا الحياة بينا بقت مستحيلة
سألها مستفهماً بعد أن قبض على ذراعها:
-معناه ايه كلامك ده ؟

اقتربت منه لتنظر له بقسوة، ولم تهتم بأصابعه الضاغطة عليها، وقالت بصوت أشد صلابة وقوة:
-طلقني يا مهاب
سألها بصوت محتد وهو يحدجها بنظراته الملتهبة:
-أطلقك ؟
ردت عليه بجموح وهي ترمقه بنظرات غير مبالية:
-ايوه، عاوزني أعيش معاك وأنا كارهاك
صرخ فيها غاضباً وهو يعتصر ذراعها:
-أطلقك عشان تروحي ترمي نفسك في حضن عشيقك ؟
تلوت بذراعها محاولة تحريره، وإبتلعت ريقها متوترة، ثم أشاحت بوجهها للجانب وهي تجيبه بخفوت:
-هه.

هزها بعنف وهو يسألها بصوت غاضب:
-ما تردي يا هانم ؟ ولا مفكراني مش واخد بالي من اللي بتعمليه!
ثم دفعها بقسوة للخلف، وظل يرمقها بنظراته المهينة.. بينما أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة وهي تهدر قائلة:
-والله أنا مش فارق معايا تفكر في ايه بالظبط، كل اللي يهمني تطلقني وبس
كز على أسنانه وهو يجيبها بقساوة واضحة:
-وماله، هاطلقك
ثم صمت لثانية قبل أن يتابع بصوت قاتم وهو يرمقها بنظراته الشيطانية:
-بس نصفي حسابتنا الأول كلها!
ابتلعت ريقها وهي تسأله بإرتباك واضح:
-قصدك ايه ؟
-إنتي فهماني كويس.

وصلت عفاف إلى الطابق العلوي، فوجدت ليان تقف على مقربة من باب غرفة مهاب الجندي، فقطبت جبينها في إندهاش، وتسائلت مع نفسها بريبة:
-الله! ليان واقفة هنا ليه ؟
ثم خطت بثبات في إتجاهها، وسألتها بصوت شبه مرتفع:
-ليان هانم، إيه اللي موقفك كده ؟

توقف كلاًهما عن شجارهما المحتد، وأصغى بإنتباه شديد لصوت عفاف.. ثم تحركا خارج الغرفة..
صُدم مهاب حينما رأى ليان تقف في حالة ذهول غريبة بجوار باب الغرفة، فإبتلع ريقه بخوف، وهو ينطق قائلاً:
-هاه ليان!
إهتاجت ليان حينما رفعت عينيها نحوه، وهدرت صارخة ب:
-كفاية بقى، إنتو الاتنين كدابين ؟
عجزت ناريمان عن النطق، وإكتفت بمتابعة ما يحدث في صمت.. فقد ألجمت المفاجأة لسانها..
تابعت ليان صراخها العنيف قائلة:
-أنا أبقى بنت مين ؟ بنت مين ؟

اقترب منها مهاب، وأمسك بها من كتفيها، وحاول أن يضمها إلى صدره وهو يقول بحنان:
-إنتي بنتي يا ليان، ماتصدقيش أي حاجة سمعتيها!
نظرت له بأعين مغرورقة بالعبرات وهي تسأله بصوت مختنق:
-لييييه أنا ؟ ليه عملتوا فيا كده ؟ من أهلي الحقيقيين ؟
ضم وجهها بكفيه، ورفعه نحوه وهو ينظر لها بندم، ثم هتف بإصرار:
-احنا اهلك اللي ربوكي، صدقيني يا بنتي، واسألي أوس أخوكي، إنتي بنتنا!

هزت رأسها رافضة لكل كلمة يقولها.. وأغمضت عينيها في خزي واضح متجنبة النظر إليه..
اعتصر قلبه آلماً وهو يراها على تلك الحالة، وإلتفت برأسه نحو زوجته، وصرخ فيها بقوة:
-اتكلمي يا ناريمان، وردي عليها، قوليلها هي بنتك، وأوس أخوكي!
حاولت هي أن تجيبها، ولكن خرج صوتها متقطعاً، وبدت أكثر إرتباكها وهي تقول:
-أنا.. آآ..
هتفت بها عفاف قائلة بذعر بعد أن رأت حالة الهياج التي أصابتها:
-ليان هانم!

تشنجت ليان بجسدها، وحاولت إبعاد نفسها عنه، فتمسك بها مهاب أكثر، واحتضنها بذراعيه متوسلاً:
-اهدي يا حبيبتي، أنا بابي حبيبك!
إستجمعت قوتها، ودفعته بشدة للخلف، فأفلت ذراعيه عنها، ونظر لها بأسف حقيقي، في حين ظلت هي تصرخ فيه بعنف:
-ابعدوا عني محدش يلمسني، أنا بأقرف منكم، مش تلمسوني!
أشار لها مهاب بيده محاولاً تهدئتها وهو يقول بنبرة حذرة:
-حاضر، مش هاقرب منك، بس انتي بنتنا، وأوس أخوكي، دي الحقيقة اللي لازم تسمعيها، وآآآ..

قاطعته بصراخها الحاد قائلة:
-ابعدوا عني
ثم تراجعت بظهرها للخلف، وظلت تهز رأسها مستنكرة كل شيء وهي تبكي بحرقة.. فالحقيقة أكبر من طاقتها على التحمل..
كل شيء قد إنهار في لحظة.. كيان الأسرة وعمادها كان مجرد وهم كبير.. ولم يتبقْ لها إلا أوس لتعرف منه الحقيقة كاملة..
استمرت في تراجعها وهي تكتم شهقاتها وحسرتها، مبتعدة عن الجميع، فحاول مهاب أن يلحق بها وهو يقول بصوت مرتفع:
-ليان استني، ليان، اسمعيني الأول!

ركضت مهرولة على الدرج والدموع تنساب بغزارة من مقلتيها.. فشعورها بالنفور من تلك العائلة أصبح بديهياً..
دار في خلدها فكرة واحدة، والتي ترسخت الآن في عقلها، أنها لم يعد لها أي ملجأ أو مهرب من هذا المكان لتعيش فيه سوى مع زوجها الذي تبغضه.. والذي تظن إن عرف حقيقتها فسيتخلى عنها ويتركها في الطرقات.. فزواجهما حُكم عليه منذ بدايته بالنهاية المأساوية.. وما حدث لها سيدمر الباقي من حياتها..
أسرعت ليان خارج هذا القصر الكئيب، وركبت سيارتها، وقادتها دون تفكير نحو بوابة القصر الرئيسية..

ظلت تضغط على البوق بصورة هيسترية حتى يستجيب الحرس لها، ويفتح البوابة..
كان مهاب في طريقه إليها، ولكنه لم يتمكن من إيقافها، فوقف غاضباً في مكانه، ولعن ذاك الحظ العثر الذي جعلها تصغي لفضائحهما..
أدارت هي عجلة القيادة في إتجاه الطريق الرئيسي، ومنه زادت من سرعة السيارة لتتجه نحو مقر الشركة..
فهناك ستجد الجواب الحاسم لحقيقة نسبها من أوس.. شقيقها الأكبر!

في منزل أوس بمنطقة المعادي
صف أوس سيارته أمام مدخل البناية، وترجل منها بحذر شديد، ولم ينتبه لوقوع هاتفه المحمول من جيب بنطاله على مقعد قائد السيارة..
ثم رفع بصره للأعلى لينظر إلى واجهة شقته العلوية..
كم يكره هذا المكان الذي شهد على فُحشه وأفعاله المخزية.. وأخيراً على ذبح تلك الروح النقية دون ذرة ندم وقتها..
أطرق رأسه في أسف وحسرة، وسار بخطوات متمهلة في إتجاه المدخل بعد أن صفق باب السيارة بعنف..
وما إن رأه حارس البناية جابر حتى نهض من على مقعده الخشبي، ونظر له بتأفف وهو يتفحصه من رأسه لأخمص قدميه، ثم سأله ببرود:
-عاوز مين يا أخ ؟!

حدجه أوس بنظرات نارية مخيفة وهو يجيبه بشراسة ك
-نعم! انتِ مين أصلا ؟
إلتوى فم جابر وهو يسأله بإمتعاض:
-أنا اللي بسألك الأول، هاترد على سؤالي بسؤال يا راجل إنت ؟!

تفاجيء حارس البناية بقبضة أوس تمسك به من عنقه، وبأظافره الحادة تغرز فيه، ثم دفعه الأخير بعنف نحو الحائط، وضغط على رقبته أكثر، فحاول أن يصرخ مستغيثاً بأي شخص، ولكنه كان مشلولاً أمامه، وتحشرج صوته وإختنق..
هدر به أوس قائلاً وهو يحدجه بتلك النظرات المحتقنة:
-محدش يسأل أوس باشا الجندي هو مين، إنت فاهم!
-آآآآآ..
تابع هو بنفس القوة، والشرر يتطاير من عينيه:
-ده أنا أدفنك مطرح ما انت واقف هنا
-آآآ.. أنا..

ثم أضاف قائلاً وهو يتعمد الضغط أكثر على عنق جابر ليزيد من صعوبة تنفسه:
-ولو مش عارف أنا مين، أنا بأعرف أهوو
تحول لون وجه جابر إلى الأزرق، وبدت علامات الإختناق جلية على وجهه وهو يتوسل له قائلاً:
-آآ.. ه.. هاتخنق آآآ..أسف يا بيه.. آآ..
أرخى أوس قبضته عنه.. ولكنه لم يكف عن رمقه بنظراته المميتة.. سعل جابر بشدة محاولاً إلتقاط أنفاسه المقطوعة، وتحاشى النظر في إتجاه هذا الرجل القوي..
ثم إتجه بعدها نحو المدخل، ومنه إلى المصعد..

بعد دقائق قليلة، كان أوس الجندي يقف عند عتبة باب منزله..
أخذ نفساً عميقاً، وزفره ببطء شديد، وأطرق رأسه للأسفل وهو يتذكر كيف سحب تقى في الأمس القريب إلى الداخل ليذبحها بلا رحمة ظناً منه أنه ينال بذلك راحته..
وبحذر شديد وضع المفتاح في مكانه المخصص، وبأنفاس متقطعة أداره لينفتح الباب مصدراً صريراً واضحاً..
شعر هو بثقل كبير يجثو على صدره وهو يستنشق ذلك الهواء المكتوم الذي إندفع إلى الخارج محملاً برائحة العذاب والقسوة..
دلف إلى الداخل بخطوات بطيئة، وتحسس موضع مصباح الإنارة ليضاء المكان بالكامل..

عض على شفته السفلى، وأطرق رأسه في ندم وهو يرى تلك المواضع التي نهش فيها لحم تقى بلا شفقة..
أغلق الباب خلفه، وسار بخطوات ثقيلة نحو الرواق، حيث غرفة النوم المتواجدة في نهايته، و التي شهدت على لحظة اغتيال تلك الروح النقية..
كان كل شيء كما تركه، وكأنه يؤكد له بقسوة أنه السبب فيما وصلت إليه، أنه ذئباً وحشياً إفترس ضحيته بلا رحمة..
تلاحقت أنفاسه وهو يقترب من باب غرفة النوم..
بدأت يصدر أنيناً مكتوماً وهو يسلط عينيه على بقايا الزجاج المحطم في الأرضية، وثوب عرسها..

رفع عينيه تدريجياً للأعلى لينظر إلى الفراش.. الذي كان كالمقصلة حيث نفذ حكم الإعدام في سجينته..
رأى قطرات دمائها – والتي جفت – مازالت مطبوعة على الملاءة..
وضع يده على فمه ليكتم تلك الشهقة القوية التي خرجت رغماً عنه..
فهناك قيدها، وتمكن منها، وأخذها رغماً عنها، محطماً إنسانيتها وإنسانيته..
هناك أثبت أنه ذئباً لا يغفر ولا يعرف الحب..
لم تقوْ قدميه على حمله، فإنهار على الأرضية، وطأطأ رأسه مخزياً، وإنتحب بأنين خافت قائلاً:
-أنا أسف يا تقى، أنا أسف.. أنا اللي دبحتك بإيدي!

ثم إرتفع صدره وهبط بعد أن تركه لنفسه العنان في البكاء الآسف ندماً على فعلته النكراء..
وإزداد نحيبه وهو يتابع قائلاً:
-بس غصب عني، كنت معمي، يا ريتك تسامحيني يا تقى، وتنسي اللي عملته.. آآآآه..
تنهد بحرقة وهو يضيف قائلاً بمرارة وقد تلونت عينيه بالحمرة:
-أنا عارف إنه صعب عليكي ده، بس.. بس عندي أمل إنك تسامحيني، آآآآه!
ظل لبعض الوقت جالساً على تلك الوضعية.. متأملاً ما خلفه من أثار إعتدائه الوحشي، ومستعيداً في ذاكرته كل لحظة أساء فيها إلى زوجته البريئة..

أرجع رأسه للخلف ليحدق في سقفية الغرفة، وقال بعزم جلي:
-مش لازم أستنى في المكان ده تاني، كل حاجة هاتتغير للأحسن!
ثم أخفض رأسه قليلاً، ومسح عبراته بكف يده، وتلفت حوله بإشمئزاز واضح على محياه قائلاً بحسم:
-أوعدك يا تقى إني هأبدأ من أول وجديد، وفي مكان تاني خالص غير ده!
ثم إستند على مرفقه لينهض عن الأرضية، ونظر للفراش بنظرات أسفة وهو يتابع قائلاً بصوت متحشرج:
-اللي حصل هنا لازم يدفن، يتمحى من الوجود، المكان النجس ده ماينفعش لملاك زيك...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والثلاثون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
وصل عدي إلى مكتبه، وألقى بمفاتيحه وهاتفه على سطح مكتبه، ثم أردف قائلاً بصوت جاد وهو ينظر في إتجاه السكرتيرة:
-كل حاجة عندك كانت متأجلة يجلي بيها تقرير مختصر فوراً، وأنا هاتعامل مع كل حاجة بطريقتي
أومأت برأسها موافقة، ثم دونت شيئاً ما في تلك المفكرة الجلدية الصغيرة التي تحملها في يدها، وأجابته بهدوء:
-تمام يا فندم، أنا مجهزة كل الأوراق!

جلس على مقعده، وانتصب في جلسته، وسلط أنظاره عليها، وهتف بصوت أمر ب:
-أوكي، هاتيها بسرعة، ونسقيلي المواعيد مع العملاء من الأهم فالمهم، وهكذا!
هزت رأسها مجدداً وهي تجيبه بثبات:
-حاضر يا فندم، ربع ساعة وهاتكون القائمة موجودة على مكتبك
أشار لها بعينيه وهو يتابع قائلاً:
-تمام.. اتفضلي
ابتسمت له مجاملة وهي ترد عليه ب:
-عن اذن حضرتك
ثم أولته ظهرها، فتابعها بنظراته المتفحصة لجسدها من أسفل حتى إنصرفت من غرفته، فحدث نفسه قائلاً بسخرية:
-نرجع نركز في الشغل أحسن بدل ما حالنا يقف أكتر ما هو واقف!

في نفس التوقيت ترجل فارس من سيارة الأجرة أمام مقر الشركة، ونظر حوله بتفحص للمكان، ثم سار في إتجاه البوابة الرئيسية، وولج إلى الردهة الواسعة..
توجه هو ناحية موظف الإستقبال، ورسم على وجهه قناع الجدية الزائف، وعَدَل من نبرة صوته، ونطق بصوت رخيم وخشن للغاية:
-مساء الخير
رد عليه موظف الإستقبال وهو يرسم إبتسامة مصطنعة على ثغره قائلاً:
-مساء النور يا فندم
-كنت عاوز أسأل عن أوس باشا الجندي
مط فمه قليلاً وهو يجيبه قائلاً:
-للأسف الباشا مش موجود.

قطب فارس جبينه وهو يسأله بإستفهام واضح:
-ليه ؟ ده أنا المفروض هاحدد معاه ميعاد عشان عرض جديد للشركة، ازاي هو مش موجود ؟
تنحنح الموظف بصوت خافت قبل أن يرد عليه بهدوء حذر:
-حضرتك تقدر تتكلم مع عدي بيه، هو متواجد دلوقتي في الشركة
بدى الإنفعال واضحاً في نبرة صوته وهو يهتف ب:
-بس أنا اتفاقي كان هايكون مع أوس باشا
هز الموظف كتفيه في حيرة، وأردف قائلاً بأسف:
-مش هاينفع حاليا يا فندم.

نفخ فارس من الضيق، وغمغم متسائلاً:
-طب هو هيرجع امتى ؟
أجابه الموظف بإيجاز:
-معنديش خبر
طرق فارس بيده على سطح المكتب الرخامي، وقال بحزم:
-تمام.. أنا هاحاول أوصله
ابتسم له الموظف ابتسامة سخيفة وهو يجيبه بهدوء:
-براحتك يا فندم، شرفتنا
إستدار فارس بظهره، وخطى في إتجاه مخرج الشركة وهو يحدث نفسه قائلاً بإنزعاج:
-أوووف، طب وده مختفي فين ؟

كانت ليان قد صفت سيارتها أمام مدخل الشركة، وترجلت منها وصفقت الباب بعصبية شديدة، وسارت بخطوات أقرب إلى الركض - دون أن تعبأ بحالتها المزرية، ولا بتلطخ وجهها ببقايا مساحيق التجميل – نحو المدخل.. فما يهمها الآن هو معرفة حقيقة نسبها من أوس...
لم تنتبه إلى من حولها، فقد كانت مغيبة العقل تماماً.. في حين كان فارس هو الأخر يتلفت حوله شارداً ومحاولاً التفكير في طريقه تمكنه من الوصول إلى أوس.. لذا اصطدم كلاهما بالأخر دون قصد..

كادت ليان أن تتعثر في خطواتها وتسقط، ولكن أسرع فارس بالإمساك بها من ذراعها، وتثبيتها جيداً فحال دون وقوعها..
تفاجئت هي بإرتطامها بجسد شخص ما، فرفعت رأسها على عجل مبدية رغبتها في الإعتذار، ولكن تجمدت تعابير وجهها من هول المفاجأة، وجحظت بعينيها الحمراوتين مشدوهة..
وفغرت شفتيها في صدمة حقيقية..

لم يختلف حال فارس كثيراً عنها، فقد تسمر في مكانه، وإنتابته حالة من الصدمة والدهشة من رؤيتها، ورفع حاجبيه للأعلى في إندهاش واضح، فبعد غيابٍ دام لأشهر - وخاصة بعد فخه معها، وإيقاعها في المحظور - قد إلتقى بها، ومصادفةً..
نطق بإسمها قائلاً بصوت متحشرج ومتلعثم:
-ل.. ليان!
لم تجبه، بل ظلت صامتة، ومحدقة به بطريقة غريبة.. فهي تحاول إستيعاب تلك الصدمة الكبرى..

وفجأة صرت على أسنانها بقوة، وتشنجت تعابير وجهها، وتحولت مقلتيها لجمرتين من النيران..
فقد مر أمام عينيها شريط ذكرياتها المؤسف معه، وخداعه لها بإسم الحب، ثم الزج بها في مصيدة العشق، والنيل من شرفها بأرخص الطرق في ذنب لم ترتكبه..
رفعت هي ذراعيها نحوه، ثم قامت بخدش وجهه بأظافرها، وهي تصرخ بصورة هيسترية وملتفتة للأنظار قائلة:
-لييييه أنا ؟ ليييييه ؟

إبتلعت فارس ريقه بخوف، وتلفت حوله بريبة، وأمسك بها من كفيها، وحاول إبعادهما عن وجهه قائلاً بذعر:
-آآ.. اهدي يا ليان، أنا.. أنا آآآ..
إزداد صراخها وهي تضيف قائلة:
-لييييه تعمل فيا كده ؟
ثم جاهدت لتتخلص من قبضتيه، لتنال منه، وتابعت بصوت هادر ومتشنج نجح في لفت جميع الأنظار نحوهما ب:
-لييييه يا حيوان، إنت السبب في كل حاجة حصلتلي بعد كده، إنت ضيعتني.. وأنا مش هاسيبك، مش هاسيبك!

إزدادت حالة الإرتباك والتوتر لدى فارس، وبدأ يتفرس أوجه المارين بهما في رعب واضح، ثم صاح بها بصوت أمر:
-اسكتي بقى! الناس بتتفرج علينا
أسرع بعض رجال الأمن في إتجاههما، وسأل أحدهم بجدية:
-في ايه ؟
صُدم الحارس الأمني من رؤية ليان، فهو يعرفها جيداً، فتدخل سريعاً لتحرير يديها قائلاً بشراسة:
-ابعد ايدك عن ليان هانم يا بني آدم انت!

ونجح في الفصل بينهما، ووقف حائلاً بجسده أمام فارس الذي ابتلع ريقه بصعوبة واضحة وهو يرد عليه بخوف:
-أنا.. أنا مجتش جمبها، ده.. ده هي اللي اتعرضتلي
لم تكف ليان عن الصراخ، وحاول أن تخترق جسد الحارس الأمني لتصل إلى فارس وتضربه وهي تصيح بصوت هيستري:
-آآه يا حيوان يا واطي يا....، أنا مش هاسيبك النهاردة، مش هاسيبك!
بعد تلك العبارات الحادة منها، أشار الحارس الأمني لزملائه بإمساك هذا الرجل قائلاً بصرامة:
-امسكوا الراجل ده لحد ما نبلغ الباشا عدي عنه!

وبالفعل حاصره الحرس الأمني، ولف أحدهم ذراعيه للخلف، وقيده، وجذبه الأخر من ياقته نحو المدخل الجانبي للمقر، وتبعهما الثالث للتأمين والتأكد من عدم إفلاته.. فقاومهم فارس وهو يصرخ برعب:
-أنا.. أنا معملتش حاجة!
فهو يعلم جيداً أن وقوعه في براثن أحد أفراد عائلة الجندي يعني موته الحتمي خاصة إذا عرفوا أنه الجاني فيما حدث لإبنتهم..
صاح الحارس الأمني بصوت جهوري:
-ودوه على مكتب الأمن.

إنتفض فارس بجسده محاولاً تحرير نفسه قائلاً برجاء:
-يا عم سيبني، أنا مجتش جمبها
ركضت ليان خلفه لتنال منه وتضربه، وهي تصرخ بإهتياج:
-هاموتك يا حيوان، هاقتلك، إنت السبب.. إنت اللي ضيعتني!
أمسك بها الحارس الأمني من الخلف، وأبعدها عن فارس، وحاول تهدئتها قائلاً بحذر:
-اهدي يا ليان هانم.. تعالي معايا.

هزت جسدها بقوة من أجل إفلات نفسها حتى تلحق بمن إغتصبها تحت شعار الحب وتنقض عليه، فصاحت معترضة:
-سيبني عليه!
ثم إزداد صراخها، وركلاتها وسبابها اللاذع..
فحاول الحارس الأمني قدر المستطاع السيطرة على نوبة الإنفعال الشديدة التي إنتابتها قائلاً بتوجس:
-اهدي، احنا هنجيبلك حقك منه..!
هدرت قائلة بصوت محتد وقد بح صوتها:
-أوعى، مش تلمسني، أنا هاقتله، هاقتله!
ثم جذبها معه نحو الغرفة الجانبية الخاصة بأفراد الأمن متحاشياً التسبب في فضيحة أخرى بداخل مقر الشركة..

في منزل أوس بمنطقة المعادي
بحث أوس عن هاتفه المحمول في جيبي بنطاله فلم يجده، فزفر في ضيق..
هو يتذكر أنه أخذه معه قبل أن يترك المشفى.. ولكنه نسى أين وضعه..
سار على حطام الزجاج المتناثر في أرضية غرفة النوم بحذر، وإتجه نحو التسريحة باحثاً عن الهاتف الإحتياطي الأخر الموضوع بداخل أحد الأدراج..
وبالفعل وجده في علبته كما إشتراه.. فنزع الغطاء الكرتوني عنه ومزقه، ثم أخرج الهاتف وقام بتشغيله..
نفخ مجدداً من الضيق، وهتف قائلاً بحنق:
-مافيش أرقام هنا! أوووف!

وضع يده على رأسه، ومررها على شعره، ثم نزل بكف يده على وجهه، وعنقه، فتحسس بأنامله بقايا خدوشها.. فخفق قلبه واضطربت أنفاسه.. ثم أغمض عينيه منهكاً لتتشكل صورة تقى في مخيلته بنظراتها المذعورة، ووجهها الهزيل وهي تقاومه رغم ضعفها..
حبس أنفاسه محاولاً السيطرة على نفسه، وتنهد في حسرة، ثم فتح عينيه، ورمق تلك الغرفة بمحتوياتها بنظرات أخيرة مطولة..
ضرب بقبضته على الحائط وهو يحدث نفسه بإصرار:
-كله هايتغير يا تقى، هايتغير، وهارجعك تاني!
ثم سار بخطوات سريعة نحو الخارج، وقد تجمد وجهه بصورة عجيبة..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
هب عدي واقفاً من على مقعده وهو ممسك بسماعة الهاتف الأرضي، ومحدقاً أمامه بذهول تام..
ثم فغر فمه متسائلاً بصدمة:
-إنت بتقول ايييه ؟ ده حصل امتى بالظبط ؟؟
ثم صمت للحظة ليستمع إلى الرد من الطرف الأخر، وهتف قائلاً بإنفعال:
-أنا جاي فوراً، ومحدش يعرف حاجة عن الموضوع ده إنت فاهم، وإلا هاتصرف مع الكل بطريقتي.

أغلق عدي سماعة الهاتف وهو يركض بعصبية في إتجاه باب الغرفة..
فقد غليت الدماء في عروقه، وتلون وجهه بحمرة الغضب حينما أبلغه موظف الإستقبال بتعرض أحد الأشخاص لزوجته أثناء دخولها لمقر الشركة..
تعجبت السكرتيرة من رؤيته يركض مهرولاً في إتجاه المصعد، فنهضت سريعاً من على مكتبها، وحاولت اللحاق به وهي تهتف قائلة بتوجس:
-عدي بيه، في حاجة حصلت يا فندم ؟
أشار لها بإصبعه وهو يرمقها بتلك النظرات النارية قائلاً بصوت آمر:
-ارجعي مكتبك، ومالكيش دعوة.

نظرت له مندهشة، لم تجد أي مبرر لتصرفاته العجيبة، ولكن هناك إرتباطات خاصة مع العملاء عليها أن تتعامل فوراً معها، لذا دون تردد سألته بتوتر واضح في نبرة صوتها ب:
-طب.. طب مواعيد النهاردة وآآآ..
قاطعها بصوت حاد وهو يدلف داخل المصعد قائلاً:
-خلي كل حاجة زي ما هي، أنا راجع تاني!
أومأت برأسها إيجابياً وهي تجيبه بهدوء:
-اوكي يا فندم!

ظل عقل عدي يعمل دون توقف خلال تلك الدقائق التي قضاها بداخل المصعد.. وحاول لأكثر من مرة تهدئة نفسه..
هو يدرك عيبه كرجل عاجز، ولكنه في نفس الوقت لا يقبل أن يتعرض أي أحد لما يخصه..
وكون الأمر قد تطرق إلى زوجته، فهو لن يتهاون في حقه مع ذلك الذي تجرأ عليها..
تسائل مع نفسه بحيرة واضحة وهو يكز على أسنانه محدثاً نفسه ب:
-طب مين ده ؟ وعملها إيه خلاها تهجم عليه بالشكل ده ؟

إتجه أوس إلى مدخل البناية بعدما أوصد باب ذلك المنزل الملعون للأبد.. فيكفي ما يضمره في صدره من ذكريات بشعة ومؤسفة حفرت في مخيلته للأبد، فلا حاجة له بأن يتذكرها كلما مكث بداخله..
نظر جابر بذعر له، وإنكمش في مقعده وهو يراه يمر من جواره، في حين إكتفى أوس بحدجه بنظراته الساخطة قبل أن يخرج تماماً من البناية ليقف بجوار سيارته..
حانت منه إلتفاتة خفيفة من رأسه للأعلى ليلقي نظرة أخيرة لذلك المكان الكريه الذي شهد على ماضيه المخزي..
ثم اتجه بثبات نحو سيارته، ولمح وهو يفتح بابها وجود هاتفه على المقعد، فإنحنى ليلتقطه، وهو يغمغم قائلاً:
-كويس، كده أحط الشريحة وأبدأ أشوف هاعمل ايه بالظبط عشان أرجع تقى ليا!
ثم جلس خلف عجلة القيادة، وبدأ في تشغيل هاتفه الجديد..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
اتجه عُدي نحو غرفة الأمن الموجودة بالطابق الأرضي، فوجد أحد الحرس بإنتظاره، وما إن رأه حتى اقترب منه راكضاً وهو يقول:
-احنا يا باشا اتحفظنا على البني آدم اللي اتعرض للهانم
رمقه عدي بنظرات قوية، ثم تسائل قائلاً بصوت صارم:
-فينه الحيوان ده ؟ وفين ليان ؟
-جوا يا باشا، والهانم في مكتب الخدمات التاني!
-أمسك عدي بمقبض الباب وفتحه بإنفعال، وبحث بعينيه عن ذلك الرجل، فوجد شخص ما محني الرأس، ومقيد من ذراعيه خلف أحد المقاعد المعدنية، فلم يتبين ملامحه، وتسائل بصوت محتد ب:
-عملتوا فيه إيه ؟

أجابه الحارس الأمني بهدوء وهو يشير بيده:
-محدش جه جمبه يا باشا، هو كان عاوز يهرب فإحنا كتفناه
هز عدي رأسه قائلاً بخفوت:
-أها
ثم اقترب منه، وأمسك به من فروة رأسه، وجذبه منها للأعلى لينظر في ملامح وجهه ويتفرسها جيداً، وإعتلت علامات الحيرة تعبيرات وجهه الحادة..
فقد كانت ملامح وجه هذا الرجل مألوفة له إلى حد كبير.. فهو يعتقد أنه رأه من قبل في مكان ما.. ولكن يصعب عليه تذكر هذا حالياَ..
إبتلع فارس ريقه بخوف بائن، وسرت قشعريرة قوية في جسده وهو يرى نظرات عدي القوية مسلطة عليه..

فهو يعرفه تمام المعرفة.. فقد كان من رواد الملهى القديم الذي يتواجد به مع لوزة.. ولكنه لم يكن على صلة شخصية به.. فقد كان من عمالة الصف الخلفي.. أي أن دوره منحصر في الإشراف والترتيب للعلاقات الغير مشروعة بين رواد الملهى وساقطاته دون ظهور واضح له..

خشي فارس من أن يتعرف عليه عدي، وينكشف الأمر برمته.. فحاول أن يسيطر على رعشته، وعبس بوجهه ثم هتف قائلاً بصوت مرتجف:
-أنا.. أنا معملتش حاجة ؟ إنتو.. إنتو ماسكني ليه ؟
سأله عدي بصوت قاتم وهو ممسك بفكه:
-إنت مين ؟
هز فارس وجهه محاولاً إبعاده عن كف عدي القابض عليه قائلاً بحنق زائف:
-أنا.. أنا واحد ماليش دعوة بحد!

انحنى عدي بجذعه للأسفل، ونظر له مباشرة وهو يضيف قائلاً بصوت محتد:
-الأمن بيقول إنك اتعرضت لمراتي
ابتلع ريقه بخوف، وجحظت عينيه في رعب بعد تلك العبارة الأخيرة، وفغر فمه قائلاً:
-هاه.. مراتك آآآ..!
إزداد إرتباكه، وتصبب عرقاً بارداً وهو يحاول أن يبدو متحكماً في نفسه، وحاول أن يختلق أكذوبة سريعة، فصاح بغضب زائف:
-أنا مجتش جمبها.. دي.. دي هي اللي جت فجأة تهجم عليا، وأنا.. وأنا كنت بأحاول أمنعها.

تدخل الحارس الأمني في الحوار، وأضاف قائلاً بجدية:
- يا باشا، الهانم كانت بتحلف إنها هاتقتله! أكيد مش هاتقول كده من غير سبب
إستدار عدي برأسه للخلف، وضيق عينيه في إستغراب قائلاً بعدم فهم:
-هاتقتله!
راقب فارس ردود فعل عدي، وأيقن أنه ربما يفتك به إن أخبرته ليان بأنه هو من واقعها بعقد زواج زائف..

فحاول أن يستمر في كذبته، وهتف قائلاً بإعتراض:
-أنا.. أنا مش عارف، هي.. هي مالها ومالي، يمكن.. يمكن متلخبطة فيا، وتقصد حد تاني، بس اللي بيحصل ده أنا.. أنا مش هاسكت عليه، وهابلغ البوليس.. ده.. ده ضد القانون!
صرخ فيه عدي بصرامة بعد أن أطبق على فكه أكثر:
-اخرس، وماتفتحش بؤك!
هتف الحارس الأمني من وراء عدي قائلاً بصرامة:
-اسمع كلام الباشا!

رمش فارس بعينيه بصورة مرتعدة، وتابع بتلعثم خائف:
-انتو.. انتو اللي مسكتوني وأنا.. آآ.. وأنا كنت خارج من الشركة، أنا.. أنا مش هاسكت!
أرخى عدي قبضته عن فارس، وإعتدل في وقفته، ونظر إلى الحارس الأمني بنظرات جادة، وأردف قائلاً بشراسة:
-تخليك مع البني آدم ده لحد ما أرجعلك تاني.

هز الحارس الأمني رأسه ممتثلاً لأوامره قائلاً بنبرة رسمية:
-أوامرك يا باشا
في حين اتجه عدي نحو باب الغرفة محدثاً نفسه بجدية واضحة:
-وأنا بنفسي هاعرف ايه اللي حصل بالظبط مع ليان...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والثلاثون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
سار عدي بخطوات سريعة إلى حد ما في الرواق المؤدي إلى غرفة الخدمات الأمنية - و المتواجدة في الجانب الخلفي من الشركة - حيث تجلس فيها زوجته ليان..
كان الفضول والحيرة يعتصران عقله لمعرفة سبب إشتباكها مع هذا الرجل..
وقد حاول قدر الإمكان أن يتحكم في غضبه وفي إنفعالاته حتى لا يرتكب حماقة يندم عليها لاحقاً..

وصل إلى باب الغرفة، وإستمع إلى نحيب وصراخ ليان من الداخل وهي تقول:
-افتح الباب خليني أموته، مش هاسيبه، ده السبب في كل اللي أنا فيه
أدار هو المقبض، وفتح الباب ووقف متسمراً في مكانه، مراقباً إياها بأعين كالصقر.. ثم سألها ببرود:
-مين ده يا.. يا مدام ؟
بادلته هي نظرات حادة، وركضت نحوه، وأمسكت به من ياقته وهي تهدر بصوت مختنق:
-بتسألني مين ده ؟ عني مش عارفه ؟

رفع حاجبه للأعلى في استغراب واضح، وسألها بجدية وهو يحاول إبعاد يديها عن ياقته:
-نعم ؟ انتي قصدك ايه ؟
لم تفلته ليان بل إستمرت في حالة هياجها العصبي وهي تجيبه قائلة:
-هو ده اللي ضحك عليا واستغلني، هو ده اللي وهمني إنه بيحبني واتجوزني كدب، سيبني أموته، قول للأمن بتوعك يجبوه عندي وأنا هاقتله، أيوه هاقتله!
إتسعت مقلتي عدي في محجريهما من الصدمة، وتحول وجهه للجمود..

كذلك ألجمت المفاجأة لسانه، فعجز عن الرد عليها.. ورغم هذا حاول عقله سريعاً أن يستجمع خيوط الأمر معاً..
بينما تابعت ليان صراخها الباكي ب:
-هو ده اللي خلاني أوافق عليك، واتجوزك، وأرمي نفسي في النار بإيدي
تبدلت حالته للصدمة الممزوجة بالغضب.. وإتضحت الصورة كاملة في عقله.. إذن فذلك البغيض المحبوس في غرفة الأمن هو من إعتدى عليها بصورة مقنعة..
وهي كانت ضحيته المغيبة..

راقبهما الحارس الأمني الأخر بفضول، ولكنه لم ينبس بكلمة، بل أطرق رأسه للأسفل، وتراجع خطوة للخلف وكأنه صنم لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم...
أجهشت ببكاءٍ أشد وهو تكمل قائلة بصراخ أعنف:
-خليني أروح أقتله بايدي دول، أنا معدش فارق معايا حاجة، أنا مش عندي أهل ولا آآ..
قاطعها عدي بصوت راجي بعد أن احتضن وجهها بكفيه، ونظر لها بنظرات حزينة:
-ششششش.. اسكتي يا ليان، إهدي
حاولت هي أن تتحدث مجدداً، ولكن وضع عدي يده على فمها، فكممه، ولف اليد الأخرى خلف رأسها، وضمها إلى صدره عنوة..

ثم استدار برأسه ناحية الحارس ورمقه بنظرات نارية وهو يأمره بصرامة:
-اطلع برا الوقتي
هز الحارس الأمني رأسه وهو يجيبه بتلعثم قائلاً:
-آآ.. أوامر معاليك يا فندم
تابعه عدي بنظراته الحادة إلى أن إنصرف خارج الغرفة، فدفع الباب بقدمه لينغلق على كليهما..

لم تستكن ليان على صدره، بل قاومته بعصبية لتبتعد برأسها عنه، فأرخى ذراعه عنها، وأبعد يده عن فمها، فهتف قائلة بصوت محتد ومختنق:
-اوعى ايدك، عاوز تكتم نفسي ليه انت كمان ؟ ما هي دي الحقيقة، أهلي طلعوا مش أهلي، وجوزي ضحك عليا، واللي وقعني في وهم الحب موجود هنا، وانتوا عارفينه كويس، سيبني أقتله وأروح في داهية
أشار لها بيديه متوسلاً بعد أن ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه قائلاً:
-اهدي يا ليان، اهدي!

تشنجت أكثر وهي تصرخ ببكاء حارق لتتابع بصوت متآلم وهي تتراجع للخلف مشيرة بإصبعها:
-أنا كنت مفكرة ان الحيوان ده هايعوضني عن الحب والاهتمام، فاترميت في حضنه.. اشتكيله! ولما شوفت مامي في حضن عشيقها، هو لعب عليا صح واستغلني، بالظبط زي ما انت كملت اللعبة وضيعت اللي باقي من عمري!
مط فمه قائلاً برجاء:
-ششش.

دفنت وجهها بين كفيها ليختنق صوتها وهي تضيف:
-وكله في ذنب أنا مش عملته، عشان ينتقموا من أوس ضعت أنا، ضيعوني! آآآآه!
نظر لها بإشفاق واضح.. فهي تعاني حقاً من تبعات ما مرت به، وهو كغيره استغلها لأغراضه الدنيئة..
أزاحت يديها عن وجهها ليرى بوضوح تلك الحمرة الغاضبة تكسوه، تلاحقت أنفاسها بصورة مقلقة وهي تهدر بصوت مبحوح:
-افتح الباب ده!

اقترب منها عدي وهو يشير بكفيه أمام وجهها، وهتف متوعداً:
-اهدي، أنا هاجيبلك حقك منه!
استمرت في هز رأسها مستنكرة كل شيء، فحاول عدي أن يحتضنها بذراعيه، ولكنها دفعته بكل قسوة، وهدرت فيه بصوتها المبحوح قائلة:
-اوعى، كلكم زي بعض كدابين، منافقين، وأنا كرهت كلكم وكرهت نفسي والدنيا اللي أنا عايشة فيها!

شعر بحزن عميق يسيطر عليه عقب رؤيتها على تلك الحالة البائسة، ولمعت عينيه أسفاً وندماً.. وأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على نفسه، وجاهد ليبقى هادئاً أمامها رغم حالة الغضب العارمة التي تثور بداخله..
نادها هو بصوت شبه خافت قائلاً برجاء:
-ليان، بصي آآ..
أصبحت الرؤية أمامها مشوشة بدرجة كبيرة، وبدت كما لو كانت تعاني من صعوبة في التنفس وهي تصرخ مقاطعة اياه بآلم:
-ليه أتحمل ده كله لوحدي ليه ؟

أمسك بها من كتفيها، ونظر في عينيها بتوسل، وهتف بجدية:
-اسمعيني يا ليان، أنا ها..آآ....
قاطعته مرة أخرى بصوت مختنق ب:
-إنت.. انت آآ..آآآه
نظر لها عدي بخوف حقيقي، فقد شحب لون وجهها، وبدأت تعلو شهقاتها كمن يختنق..فهتف بإسمها مذعوراً:
-ليان، ليان.

ثم تراخى جسدها، فأسندها بين ذراعيه، وإنحنى بجذعه ليحملها من أسفل ركبتيها، بينما مالت هي برأسها على صدره، ثم وضعها على الفراش الصغير الموجود في زاوية الغرفة..
جثى عدي على ركبته أمامها، ومد يده ليمسد على رأسها، ثم مسح على وجهها برفق، وهتف لها بإصرار واضح:
-هاجيب حقك يا ليان، مش هاسيبه!
كانت تتنفس بصعوبة واضحة، وجسدها يرتعش بصورة مخيفة، فأمسك بكفها وضغط عليه قليلاً، ومن ثم رفعه إلى فمه وقبله قبلة عميقة، وأردف قائلاً بتوعد:
-صدقيني.. هادفن اللي عمل فيكي كده بالحيا!

في قصر عائلة الجندي
ظل مهاب واقفاً في مكانه خارج القصر محاولاً الإتصال بعدي هاتفياً، ولكن الأخير لم يجبْ عن إتصالاته المتكررة، فقال بصوت محتقن:
-وده مش بيرد ليه هو التاني! طب هاوصل لليان ازاي ؟
ثم نظر ناحية القصر، وأردف قائلاً بسخط:
-إنتي السبب يا ناريمان، كانت كل حاجة ماشية كويس لكن إنتي خربتيها بغباءك!
نفخ من الضيق وهو ينظر في شاشة هاتفه المحمول محدثاً نفسه ب:
-طب أجرب أتصل بأوس أسئله يمكن تكون جت عنده، أو يعرف حاجة عنها!

بداخل سيارة أوس
بدل أوس شريحة هاتفه المحمول، وبدأ في تفقد قائمة الأسماء لديه، ولكنه تفاجيء بإتصال يَرَد إليه من والده، فضيق عينيه في إستغراب، ولوى فمه منزعجاً.. ولم يجبْ على إتصاله..
ولكن تكرر اتصاله به مجدداً، فنفخ في ضيق، وضغط على زر الإيجاب قائلاً بفتور:
-ألو!
سمع صوت والده يصدح عالياً وهو يقول:
-انت مش بترد ليه ؟
تنهد بعمق ثم اجابه ببرود مستفز:
-عادي
سأله مهاب بصوت محتد:
-اختك مكالمتكش ؟

رد عليه بإيجاز متسائلاً بنبرة غير مبالية:
-لأ.. وهاتكلمني ليه ؟
أضاف قائلاً بقلق واضح في نبرة صوته:
-حصلت كارثة عندنا من شوية، ليان اختك شدت مع ناريمان وأنا كنت عاوزك آآآ..
قاطعه أوس بصوت جاد ب:
-مايفرقش معايا اللي حصل معاكو!
استشاط مهاب غضباً عقب رده الأخير، فهتف قائلاً بحنق شديد:
-هاتفضل لحد امتى بارد كده ؟

أجابه أوس بصوت قاتم وهو ينظر مباشرة أمامه:
-وليه مستغرب ده، ما أنا بأعمل زي ما كان بيتعمل فيا زمان، كنت بأتحرق من جوايا، وإنت كنت بارد معايا، فمستغرب اسلوبي ليه ؟ ما انت ربيتني على كده!
لوى مهاب فمه وهو يتابع متهكماً:
-أنا أصلاً مربتكش يا أوس
تقوس فم أوس بإبتسامة ساخرة وهو يجيبه بنبرة غير عابئة:
-ما هي دي الحقيقة يا دكتور مهاب
صاح فيه مهاب بصوت صارم قائلاً:
-اقفل، أنا هاتصرف بمعرفتي
لم يجبْ عليه أوس، بل ضغط على زر إنهاء الإتصال، وظل محدقاً أمامه في الفراغ محدثاً نفسه بصوت محتج:
-بتستغربوا تصرفاتي ليه وإنتو من البداية عاملتوني كده، وعلمتوني أتعامل كده!

في قصر عائلة الجندي
جلست ناريمان على المقعد الوثير المتواجد بغرفة نومها، وظلت تهز ساقيها بعصبية مفرطة، في حين راقبتها المدبرة عفاف بنظرات أسفة على حال تلك العائلة البائسة..
فهم جميعاً يعيشون في شقاء مستمر رغم ثرائهم الفاحش.. لا يعرفون معنى الترابط الأسري، ولا للحب العفوي للأبوين..
دائماً كانت تظن أن ربة هذا القصر سيدة باردة المشاعر في التعامل مع ابنتها، ولم تجدْ بها يوماً حِمية الأم على صغيرتها.. واليوم عرفت السبب الحقيقي لتلك التصرفات..

فهي لم تكنْ يوماً أماً حقيقية.. بل نسخة زائفة لصورتها أمام الجميع..
مسحت ناريمان على وجهها الذي بدى شاحباً بدرجة كبيرة، ونظرت إلى عفاف بنظرات زائغة وهي تصرخ قائلة:
-بتبصيلي كده ليه ؟
أبعدت عفاف نظراتها عنها، وأجفلت عينيها وهي تجيبها بهدوء حذر:
-مافيش حاجة يا هانم
هتفت ناريمان بصوت متوتر للغاية ب:
-أنا.. أنا معملتش حاجة!
ثم أشاحت بوجهها للجانب، وتابعت بصوت محتد:
-أنا تعبت من القصر ده، ومن اللي فيه!

صمتت عفاف ولم تجبها.. في حين إستأنفت ناريمان حديثها المضطرب قائلة بإرتباك:
-أنا.. أنا زهقت من كل حاجة هنا، نفسي أرتاح
لم تقتنع عفاف بما قالته الأخيرة، وتحاشت النظر إليها حتى لا ترى نظراتها الساخطة.. واكتفت بالإيماء برأسها إيماءة خفيفة..
تلمست ناريمان خصلات شعرها، وقالت بتوتر:
-أنا.. أنا عاوزة سجاير، شوفيلي يا عفاف سجاير بسرعة!
-بس يا هانم آآ..
قاطعتها ناريمان بصوت صادح وهي تشير بإصبعها:
-يوووه، اعملي اللي بأقولك عليه!
نظرت لها عفاف من طرف عينها قبل أن تتركها وتتجه إلى خارج الغرفة..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
اعتدل عدي في وقفته، ونظر إلى ليان بحزن واضح في عينيه المشتعلتين من الغضب..
ثم اتجه ناحية باب الغرفة، وفتحه، ووقف على عتبتها، وتلفت حوله ليجد حارس الأمن يقف على بعد، فأشار له بعينيه وهو يصيح بصوت غليظ:
-تقف على الباب هنا، وتمنع أي حد يدخل جوا على المدام لحد ما أرجع، فاهم
ركض حارس الأمن نحوه، وهو يجيبه بنبرة رسمية:
-أوامر سيادتك.

أضاف عدي قائلاً بصرامة وهو يرمقه بنظرات قوية:
-ولو كلمة واحدة بس خرجت من اللي حصل جوا برا، هأقطع رقبتك، مفهوم!
هز الأخير رأسه موافقاً وهو يرد قائلاً بخفوت:
-اطمن يا باشا
تركه عدي وإنصرف مسرعاً في اتجاه غرفة الأمن حيث يتواجد فارس بداخلها...

في قصر عائلة الجندي
رن هاتف ناريمان، فنفضت دخان سيجارتها، وتركت الشرفة، وتوجهت نحو الطاولة لتلتقط هاتفها بأنامل مرتعشة، ثم نظرت إلى شاشته فوجدت اسم هياتم يُضيئها..
زفرت بضيق واضح قائلة:
-أووف، مش نقصاكي الوقتي
ثم ألقت الهاتف على الفراش، وولجت إلى الشرفة مجدداً، ودخنت ما تبقى من سيجارتها بشراهة..
ظل الهاتف يرن بصورة متواصلة مما جعل ناريمان تصرخ غاضبة وهي تتجه نحوه ب:
-يوووه، مش عاوزة أكلم حد الوقتي! أوووف، لسه محدش بيريحني خالص!

تفحصت هي أرقام المتصلين، فوجدت عدداً من أعضاء جمعيتها الخيرية، فنفخت في إنزعاج، ثم حدثت نفسها قائلة بحيرة:
-في ايه عشان كل دول يتصول بيا السعادي!
اضطرت في النهاية أن تعاود الإتصال ب هياتم، ثم وضعت الهاتف على أذنها، وأردفت قائلة بضيق:
-هاي هياتم
هتفت هياتم قائلة بنبرة مستفهمة:
-اهلا يا مدام ناريمان، حضرتك مش بترد عليا ليه ؟

ردت عليها ناريمان بعدم إكتراث وهي تنفث دخان سيجارتها:
-سوري، كنت مشغولة شوية!
تابعت هياتم بصوت جاد قائلة:
-طب يا مدام ناريمان أنا بأكد على حضرتك إن الحفلة بالليل
ضيقت ناريمان عينيها بحيرة بائنة، ورددت بإستغراب:
-حفلة!

أجابتها هي بصوت جاد:
-أيوه، الحفلة السنوية الخاصة بالجمعية، هو حضرتك نسيتي ولا ايه ؟
عبست ناريمان بوجهها، وقطبت جبينها في ضيق، ثم زفرت بصوت مكتوم..
وحدثت نفسها قائلة بتذمر:
-وده وقته!
طال صمت ناريمان، فشعرت هياتم بالقلق، وسألتها متوجسة ب:
-ها يا مدام ناريمان، حضرتك معايا ؟
تنحنحت بخفوت، ثم ردت عليها بإقتضاب:
-احم.. ايوه
أردفت هياتم قائلة بحماس:
-احنا هانكون في إنتظار حضرتك النهاردة
-أوكي..

تابعت هي بنفس الصوت المتحمس هاتفة:
-تمام.. مش هاعطلك أكتر من كده، وهابلغ الجميع بإني وصلت لحضرتك، وإنك شور ( أكيد ) هتشرفينا
ردت عليها ناريمان بإيجاز ب:
-اوكي.. باي!
ثم ألقت بالهاتف على الفراش، ورفعت يديها على رأسها، وغرزت أصابعها في خصلات شعرها، وأطرقت رأسها للأسفل، ثم زفرت في توتر وهي تقول:
-أووف، أنا نسيت خالص الموضوع، حفلة ايه اللي هاحضرها وأنا بالشكل ده!

أنزلت يديها، وإلتفت برأسها ناحية المرآة لتنظر إلى هيئتها، ثم قالت بذعر:
-أوبس.. ده شكلي بشع خالص، ايه المنظر ده، مش ممكن أروح الحفلة بالشكل ده، لازم أروح اظبط كل حاجة في البيوتي سنتر!
خطت بخطوات سريعة ناحية المرحاض، ولكنها توقفت في مكانها، وسألت نفسها بحيرة وعلامات الضجر جلية على وجهها:
-طب وليان، هاعمل ايه في موضوعها ؟!

نفخت في ضيق، وتابعت قائلة بسخط:
-يوووه.. كل حاجة في المكان ده بقت صعب اوي ومقرفة!
أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على مهل، ثم أضافت بهدوء مصطنع:
-اهدي يا ناريمان، مافيش حاجة تستاهل، أنا هانسى كل حاجة الوقتي، وهاركز بس في البارتي.. ايوه أهم حاجة صورتي قصاد الناس ومظهري، ومش لازم حد يعرف باللي بيحصل هنا!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
وقف عدي أمام مكتب الأمن، وأشار بإصبعه للحرس المرابط أمامه قائلاً بصرامة:
-مش عاوز حد يقرب من هنا لحد ما أخلص مع الكلب اللي جوا
-تمام يا باشا
ثم أمسك بالمقبض وأداره، ودلف إلى الداخل ووجهه يوحي بشر مطلق..
ابتلع فارس ريقه بخوف واضح في عينيه وهو يرى تبدل وجه عدي للأسوأ..

حاول أن يبدو مسيطراً على نفسه أمامه، واستجمع شجاعته قائلاً بتلعثم:
-انتو.. انتو حاسبني هنا ليه ؟ أنا.. أنا معملتش حاجة!
سلط عدي أنظاره على الحارس الأخر الواقف بجوار سجينه، وأشار برأسه وهو يقول بصوت قاتم:
-اطلع برا مع زمايلك
رد عليه بصوت خافت ورسمي ب:
-حاضر يا عدي باشا
إزداد توتر فارس بدرجة كبيرة بعد تلك العبارات الأخيرة، وإرتعدت فرائصه.. وتلفت حوله بريبة وهو يتسائل بذعر:
-هو.. هوفي ايه ؟

تابع عدي الحارس بنظراته المحتقنة إلى أن انصرف من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، فسلط أنظاره على عدي، وأردف قائلاً بحنق:
-دلوقتي نقدر نتحاسب على القديم كله
ارتجف أكثر وهو يردد بخوف:
-أنا.. أنا مش فاهم حاجة!
نزع عدي سترته، وألقاها على الأرضية، ثم شمر عن ساعديه، وأجابه بصوت قاتم وهو يحدجه بتلك النظرات الشرسة المتوعدة:
-وأنا هافهمك كويس
اتسعت عيني فارس في هلع، وسأله برعب:
-ف.. في ايه يا بيه ؟ إنت.. انت هاتعمل ايه ؟

سدد عدي أول لكمة عنيفة في وجه فارس، مما جعلت الأخير يترنح بجسده المقيد على المقعد للخلف، ومن ثم يفقد توازنه، ويسقط على الأرضية..
صرخ فارس متآلماً وهو يهتف برعب:
-أنا معملتش حاجة يا بيه ؟
جثى عليه عدي، وظل يكيل له لكمات مؤلمة واحدة تلو الأخرى دون توقف، فصرخ فارس متوسلاً:
-آآآه.. حرام يا بيه، آآآآه
سبه عدي بصوت محتد قائلاً:
-مش هارحم م**** أهلك!

ثم لكمه في صدره ووجهه مرة أخرى ولكن بقسوة، فتأوه فارس بآلم شديد، وذرف الدماء من أنفه وفمه..
صاح فيه عدي قائلاً بغضب:
-عملت فيها كده ليه يا بن ال *** ؟!
كز فارس على أسنانه متآلما وهو يسأله بصوت متحشرج:
-آآآآه.. مين دي.. ؟!
هتف عدي غاضباً وهو يصفعه بعنف:
-ليان الجندي يا *****

أصدر فارس أنيناً واضحاً وهو يحاول أن ينطق قائلاً:
-آآآه.. آآ.. أنا.. آآآآ..
تابع عدي ضربه الوحشي عليه وهو يهتف ب:
-ايه مفكر إنها مش هاتقول عنك، ده أنت وقعت مع ناس مابتحرمش حد!
تكور فارس على نفسه متألماً، وقال بصوت مختنق وهو مغمض العينين:
-مش.. مش أنا، آآآآه!

صاح عدي بجنون وهو يركله أسفل معدته بعد أن نهض عنه:
-ده أنت هاتشوف عذاب الدنيا والأخرة معايا يا ****
عصر فارس عينيه من شدة الآلم، وصرخ متوسلاً:
-آآآآآآه.. آآآآآه.. لألأ.. أنا.. أنا عبد المأمور يا عدي بيه، ماليش دعوة بحاجة ؟
سأله عدي بشراسة واضحة وهو يعيد ركله:
-مين اللي خلاك تعمل كده يا بن ال ******.

رد عليه الأخير بتلهف قائلاً:
-آآآه.. دي.. دي البت ل.. لوزة
توقف عدي عما يفعل، وسأله بإهتمام كبير وهو يحدجه بنظراته الحادة:
-مين؟
نظر له فارس بنصف عين وهو يتابع قائلاً بخوف:
-لوزة يا بيه، لوزة بتاعة الباشا أوس
جحظ عدي بعينيه في ذهول كبير، وردد قائلاً بصدمة:
-ايييييييه...؟!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والثلاثون

في سيارة أوس الجندي
تحرك أوس بسيارته بعيداً عن تلك البناية التي تحمل ذكرياته المخجلة والمشينة نادما حقا على ما إرتكبه، وخاصة جريمته النكراء من تقى
.. ثم قادها بحذر في إتجاه مقر شركته الرئيسي..
ظل طوال الطريق يفكر في طريقة للبدء من جديد وإستعادة زوجته تقى.. فهو يعلم أنه بحاجة إلى استعادة عافيته بالكامل حتى يتمكن من هذا..
أمسك بالمقود بيد، وباليد الأخرى بحث عن إسم المحامي الخاص بالعائلة ليهاتفه..

وبالفعل ضغط على زر الإتصال به، ووضع الهاتف على وضعية السماعة الخارجية، وسلط أنظاره على الطريق، وأصغى بإنتباه إلى رنين الهاتف..
انتظر بفارغ الصبر أن يجيبه المحامي، وكز على أسنانه مغتاظاً لعدم إجابته، وأردف قائلاً بصوت متصلب:
-رد!
عاود الإتصال به وهو يوزع نظراته بين مرآة السيارة الأمامية والجانبية..
ثم سمع صوتاً هادئاً يأتيه من الهاتف قائلاً:
-أوس باشا، مش مصدق نفسي، حضرتك بنفسك اللي بتتصل.

لوى أوس فمه وهو يضيف بسخط:
-ساعة عشان ترد عليا
ابتلع المحامي ريقه، ورد عليه بتوتر قائلاً:
-أسف يا باشا، كان عندي جلسة في المحكمة وآآآ..
قاطعه أوس بصوت صارم ب:
-اسكت واسمعني كويس!
-اتفضل
أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره وهو يقول بهدوء جدي:
-عاوزك آآآ...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
ظلت حالة الذهول المصحوبة بالإندهاش مسيطرة على عدي عقب معرفة المتسبب الحقيقي فيما حدث لليان..
لم يخطر بباله أن تكون تلك العاهرة الرخيصة هي من تقف وراء هذه الخدعة الدنيئة..
وبكل خسة نجحت في إيقاع ليان في مصيدتها، ونالت من عرضها بسهولة..

غليت الدماء في عروقه أكثر، وإنقض على فارس وإعتدى عليه إعتداءاً أكثر وحشية عن ذي قبل..
وتعالت صيحات وتأوهات الأخير بصورة مخيفة..
لم يتدخل أي من الحراسة الأمنية فيما يحدث، بل راقبوا الممر جيداً، واكتفوا بتبادل النظرات الحائرة.. فلن يجرؤ أحدهم على سؤال عدي عما يحدث بالداخل..

بعد عدة دقائق خرج عدي من الغرفة ووجهه يتصبب عرقاً غزيراً، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، وأردف قائلاً بصوت لاهث:
-الكلب اللي جوا ده يتشحن في عربية من عريبات الشركة، ويتبعت على المخزن
استدارت الحراسة الأمنية نحوه، وهتف أحدهم قائلاً بجدية:
-أوامرك يا باشا!
أنزل عدي أكمام قميصه، وتابع قائلاً بضيق:
-ومش عاوز حد ياخد باله، مفهوم!
-تمام يا فندم
خطى عدي في الإتجاه المعاكس ليعاود أدراجه ناحية غرفة الخدمات الأمنية

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
دارت بطة في غرفة نومها ذهاباً وإياباً وهي تفكر بإهتمام شديد في تنفيذ خطوتها التالية في خطتها الموضوعة للإنتقام من إحسان..
وضعت إصبعها على فمها، وظلت تهزه بحركة ثابتة وتحدث نفسها بجدية قائلة:
-مش لازم أغلط خالص وأنا بأعمل كده، وإلا كل تعبي هايروح على الفاضي، والولية دي هاتركب عليا وتدلدل!

ثم سارت على أطراف أصابعها في إتجاه الباب، وفتحته بحذر شديد، وإختلست النظرات للخارج لترى إحسان، والتي كانت مندمجة في مشاهدة إحدى الأفلام العربية القديمة وتتناول الفول السوداني واللب الأسمر الشهير ، فتراجعت للخلف بهدوء، وأغلقت الباب، وإرتسم على ثغرها إبتسامة شيطانية، وهتفت قائلة بثقة:
-والوقتي هيبدأ ملعوبي معاكي يا حيزبونة!

بحثت بطة عن ملابسها الغير نظيفة، وبعض من ثياب زوجها، وقامت بجمعهم، ثم إتجهت إلى الخارج حيث يتواجد المرحاض، وقامت بإحضار طبق بلاستيكي واسع، ووضعت به تلك الملابس، وأضافت إليهم الماء، ثم تركتهم، وأحضرت مسحوق الغسيل ونثرته على الأرضية.. وتأكدت من وجود تجمعات للمياه لتضمن حدوث إنزلاق وهمي..

ثم وضعت يدها على صدرها، وأخرجت من جيبها زجاجة صغيرة بها صبغة الطعام الحمراء ، وتقوس فمها بإبتسامة شرسة وهي تقول:
-جه الدور عليكي يا ولية عشان تدوقي شوية من اللي بتعمليه فيا!
ثم ألقت جزء من محتويات الزجاجة على الأرضية لتصطبغ سريعاً باللون الأحمر..
كذلك بللت طرف قميصها المنزلي بالماء، وتأكدت من تلونه هو الأخر بالصبغة.. وعمدت إلى نكش شعرها..
ثم إتجهت نحو نافذة المرحاض العلوية الصغيرة، وألقت بالزجاجة خارجه.. ثم أخذت نفساً عميقاً، وفجأة صرخت بصوت مخيف ومرتفع وهي تردد:
-حرام عليكي، أنا عملتلك اييييه، يا ناس إلحقوني، هاموووت.. آآآآه.. آآآآآه

هبت إحسان من مكانها مذعورة على إثر الصراخ الهادر، وركضت في إتجاه المرحاض وهي تسأل بإستفهام:
-في ايه بت، بتصوتي كده ليه ؟
ثم وقفت على عتبة المرحاض تنظر إلى بطة بإندهاش واضح..
فغرت هي فمها مصدومة حينما رأت الفوضى الموجودة على الأرضية.. في حين تابعت بطة صراخها قائلة بتشنج وهي تمزق قميصها من الأعلى:
-يالهوي، آآآآه، ليه بتضربيني، ده أنا حبلى، آآآآآه، ارحميني شوية، طب اللي في بطني ذنبه ايييه، آآآآه، يا ناس حوشوها عني.. آآآآه!

جحظت إحسان بعينيها في صدمة، وأشارت لها بيدها وهي تهتف بعدم فهم:
-انتي يا بنت ال *** بتقولي ايه ؟ هو أنا جيت جمبك ؟
تابعت بطة صراخها المخيف قائلة:
-آآآآه.. ابعدي عني، آآآآه، أنا هاروح لأمي.. يا ناس هاتسقطني
ثم تعمدت بطة الإنزلاق أمامها ليبدو كما لو كانت أسقطتها عمداً، فتبلل قميصها بالمياه الملونة بالصبغة الحمراء..
نظرت لها إحسان بإندهاش، واحتجت قائلة:
-يا بنت الأبلسة، ايه اللي بتعمليه ده!

ثم سمعت كلتاهما صوت طرقات عنيفة على باب المنزل، فتركتها إحسان، وخطت مسرعة نحوه..
ثم فتحته، وتفاجئت بتجمع بعض الجيران، وسؤال إحداهن بقلق:
-في ايه اللي بيحصل عندك يا أم عبده ؟
مطت إحسان شفتيها، وكذلك هزت كتفيها في حيرة وهي تجيبها بنبرة مصدومة:
-وربنا ياختي ما اعرف، البت اتهبلت في عقلها
أضافت جارة أخرى قائلة بتوجس:
-ده احنا سامعين صويت وصريخ لم التايهين يا ست إحسان
-آآآآآآه.. الحقوني يا ناس.

قالتها بطة بصوت مبحوح من الداخل، فإندفع على إثر صوتها جميع المتواجدين إلى الداخل، فرأوا بطة ممددة على الأرضية وملابسها ملوثة.. فظنوا أنها دمائها، فشهقت إحداهن بفزع، وأضاف أحد ما قائلاً بتوجس:
-حرام عليكي يا حاجة احسان، انتي عملتي ايه في مرات ابنك
نظرت له إحسان بصدمة وهي تجيبه مدافعة عن نفسها قائلة ك
-ماجتش جمبها يا ناس
تأوهت بطة بصوت مرتفع، وعضت على شفتها متآلمة وهي تقول بتوسل:
-آآآآه.. خرجوني من هنا، ودوني عند أمي، ماتسبونيش معاها.. آآآآآه.. بطني آآآآآه.

إنحنت إحدى السيدات عليها، وقامت بإسنادها من أسفل إبطيها قائلة بإهتمام:
-تعالي يا بنتي اتسندي عليا
أضاف رجل أخر بصوت ضجر متواجد بخارج المرحاض:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، مافيش في قلبك شوية رحمة
لوحت إحسان بكفي يدها في الهواء قائلة بإعتراض:
-ماجتش جمبها!

صاحت إحداهن بإزدراء:
-اتقوا الله فيها دي نفس برضوه!
ثم تعاونت سيدتين في إسناد بطة وإخراجها خارج المرحاض، وتأمل البقية بذعر ما ظنوا أنها دماء تقطر منها..
نشجت بطة وهي تتعكز على السيدتين قائلة برجاء:
-رجعوني عند أمي.. أنا مش قادرة، آآآه.. ايييه الدم ده، هو أنا بأسقط ولا إيييه ؟ آآآآه...!
وبالفعل خرجت بطة من المنزل وقلبها يرقص طرباً لنجاح خظتها إلى الآن..

وأصدرت أنيناً مكتوماً وهي تستند على الدرج لتكمل تمثيليتها بنجاح، في حين راقبها بقية الجيران بحسرة وحزن، وسمعت إحداهن وهي تقول:
-ربنا يسترها، شكل الحكاية مش هاتعدي على خير
في حين أضافت أخرى تقف إلى جوارها:
-ولية مفترية، معذبة البت ومعندهاش شفقة
كاد فم بطة يتلوى بإبتسامة إنتصار، ولكنها جاهدت لتخفي فرحتها.. فعليها أن تبدو حتى أخر لحظة المجني عليها..
أسرعت إحدى السيدات بإحضار عباءة سوداء لتغطيتها حتى لا يتفحص رجال الحارة جسدها المتكشف..
وتبرعت أخرى بحجابها لتغطي شعرها الأشعث..
وبسرعة البرق إنتشر خبر إعتداء إحسان على زوجة ابنها، وشروعها في إجهاضها.. فأصبح الجميع ما بين مستنكر ومتذمر..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب:
صعد عدي إلى مكتبه ووجهه محتقن بالدماء الغاضبة..
رأته السكرتيرة فتعجبت من تبدل حاله، ودلفت خلفه لتسأله بإهتمام:
-أجهز يا فندم لل آآآآ..
قاطعها بصوت جهوري وهو يوليها ظهره قائلاً:
-الغي كل حاجة النهاردة، مش عاوز أشوف بني آدم
نظرت له بإستغراب وهي تتابع بصوت مضطرب:
-بس يا عدي بيه حضرتك قولتى آآ...

إلتفت بجسده لينظر لها بنظرات حادة وهو يقاطعها بصوت محتد:
-أنا قولت ايه ؟ مافيش حاجة هاتتعمل النهاردة، مفهوم!
أومأت برأسها عدة مرات وهي تجيبه بتوتر:
-تمام.. اللي.. اللي تؤمر بيه يا فندم
ثم أسرعت في خطاها خارج المكتب والفضول يقتلها لمعرفة ما الذي حدث خلال النصف ساعة الماضية..

في نفس الوقت، كان أوس الجندي يصف سيارته أمام المدخل الرئيسي، فركض أحد رجال الحراسة الأمنية نحوه، وهتف بصوت مرتفع:
-أوس باشا، حمدلله على سلامتك، ده الشركة نورت
أشار له أوس بإصبعه من نافذة السيارة قائلاً بخفوت:
-شششش
تنحنحت بصوت خافض وأطرق رأسه، ثم قال بجدية:
-احم.. تمام معاليك.. هادي خبر إن حضرتك جيت
رد عليه أوس بصوت هاديء وآمر:
-امشي.

تراجع الحارس الأمني بظهره للخلف وهو مطأطأ لرأسه، في حين ترجل أوس من السيارة، وتأمل المكان بنظرات متفحصة، ثم صفق الباب بقوة، وسار بخطوات ثابتة نحو البوابة الزجاجية..
رحب الجميع به حينما رأوه يدلف للداخل، بينما سار هو بثقة وثبات دون أن ينطق بكلمة..
كذلك تفحصوا خلسة تعبيرات وجهه الجامدة، والتي لم تتغير كثيراً، بل على العكس كانت أكثر جموداً وصلابة عن ذي قبل، وكأن شيئاً لم يمسه أو يحدث له..
أسرع الساعي بفتح باب المصعد له، وتنحى جانباً، فولج هو للداخل، وضغط على زر الإغلاق..

في منزل أم بطة
تفاجئت أم بطة بدقات قوية على باب منزلها، فركضت مهرولة لتفتحه، وصُدمت حينما رأت إبنتها بحالتها الرثة ومعها بضعة نساء يحاوطن إياها، فطلمت على صدرها، وقالت وهي تشهق برعب:
-يانصيبتي، في ايه اللي حصل ؟
تأوهت بطة بآلم زائف وهي تنطق بصوت مبحوح:
-إلحقيني يامه.. آآآآه.. آآآه
صرخت بذعر وهي تسأل بقلق واضح:
-بنتي، جرالك ايه ؟ مالها يا نسوان ؟ ما تنطقوا
هتفت إحداهن بحزن واضح في نبرتها:
-أم عبده الله يسامحها بقى!

نظرت لها أم بطة في خوف، وسألتها بتوجس:
-عملت فيها ايه ؟
زمت تلك السيدة شفتيها في ضيق، وأجابتها بإنزعاج:
-ضربتها وطردتها، وآآ..
جحظت أم بطة بذهول حينما رأت ملابس إبنتها المتسخة، فظنت أنها دماؤها، فصرخت متسائلة بشهقة:
-يالهوي، ايه الدم ده ؟
أنزلت بطة يدها لتمسك بأسفل معدتها، وتلوت قائلة بآلم:
-آآآآه.. بطني.. آآآآه
سألتها أمها بنبرة خائفة وهي تحاول إمساكها:
-في يا بت ؟

صرت بطة على أسنانها، وهتفت بصوت متشنج:
-آآآآه.. خديني جوا على أوضتي يامه
أشارت والدتها للسيدات المتواجدات بيدها، وهتفت قائلة برجاء:
-ايدكم معايا يا نسوان
أسندت إحداهن بطة من خصرها، وقالت بجدية:
-حاضر يا أم بطة
بينما أضافت أخرى بصوت حزين:
-ربنا يلطف بيها!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
تفاجيء عدي بوجود أوس في مقر الشركة حينما أبلغته السكرتيرة بعودته، فركض ناحية مكتبه، ودلف إلى الداخل وهو يقول بصوت مرتفع:
-أوس
أدار أوس مقعده الجلدي الكبير لينظر إلى رفيقه عدي بنظرات ثابتة، ورد عليه بهدوء شديد:
-اهلاً عدي
تحرك عدي نحوه بخطوات سريعة، وأسند كفيه على السطح الزجاجي لمكتبه قائلاً بحنق:
-تعالى معايا حالاً
نظر له أوس بثبات وهو يسأله ببرود:
-خير ؟

هتف عدي بصوت متشنج وهو يحرك جسده بعصبية:
-ليان أختك
-مالها ؟
أجابه بصوت منفعل وهو يشير بكفه:
-أنا عرفت مين اللي عمل فيها الملعوب إياه
ضيق أوس عينيه في إهتمام واضح، ثم سأله بصوت متصلب:
-قصدك ايه ؟
سرد عدي على عجالة ما حدث مع ليان بعد إصطدامها خارج الشركة بفارس وإنهيارها، وإمساك الأمن به، ومن ثم إعترافه بتخطيط لوزة للإنتقام منه عن طريق شقيقته..

هنا إنتفض أوس من على مقعده، وتحولت مقلتيه لجمرتين متقدتين، وصاح بصوت قاتم:
-بتقول مين، لوزة ؟!
كز عدي على أسنانه قائلاً بحنق وهو مكور قبضة يده:
-ايوه البت ال ****** دي هي اللي سلطت الواد ال *** ده على ليان ولعبوها صح عليها وآآآ..
إشتعلت عينيه أكثر وهو يضيف قائلاً بشراسة:
-آه يا بنت ال******، بقى انتي تعملي معايا أنا كده، وتضربيني في اختي!
هتف عدي قائلاً بصوته المحتد وهو يشير بإصبعه للخلف:
-الكلب بتاعها أنا فرمته، وشحنته على مخزنا القديم عشان أكمل تصفية حسابي معاه!

رفع أوس كفه في وجه عدي قائلاً بتوعد حقيقي:
-لأ ده تسيبهولي!
طرق عدي على السطح الزجاجي بقبضة يده بقوة وهو يصرخ بإحتقان، وناظراً إلى أوس بنظرات محتدة:
-أنا هادفنه يا أوس بإيدي، هادفنه خليك سامع!
رد عليه أوس بصوت قاتم ونظرات قوية:
-مش لوحدك، يالا بينا على هناك!

ثم دار حول مكتبه، ووقف إلى جوار عدي الذي أكمل قائلاً بشراسة:
-ورحمة الغاليين كله لأخليه آآآ....
قاطعه أوس بصوت مخيف قائلاً وهو محدقاً في الفراغ بنظرات أكثر قساوة:
-ششششش.. الليلة دي من أولها لأخرها عندي، وأوس الجندي مش بيسيب تاره...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والثلاثون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
جثى أوس على ركبته أمام فراش ليان المنخفض بعد أن رأى حالتها النفسية السيئة، وأمسك بكف يدها، وضغط عليه قليلاً بأصابعه، ومسح بيده الأخرى على وجنتها، وهمس لها قائلاً:
-ليان، أنا أوس
ذرفت عبراتها الحارقة، ولم تجبه، فمسحها بأنامله برقة، وأضاف قائلاً بتوعد:
-انا هاجيبلك حقك ماتقلقيش.

حركت ليان رأسها في إتجاهه، ونظرت له بأعينها الدامعة، وقالت بتشنج:
-جاي ليه ؟ عشان تشمت فيا ؟ قولي ؟
ابتلع تلك الغصة في حلقه، فحالتها البائسة ذكرته بتقى التي كانت تشبهها كثيراً في حالة الضعف والعجز وقلة الحيلة..
هو لم يكنْ يوماً شقيقاً حقيقياً لها.. بل مجرد صورة زائفة.. وربما يكن له ضلعاً - بطريقة غير مباشرة – فيما حدث لها..
تنفس بعمق ليسيطر على غضبه، ونطق بصوت شبه مختنق:
-ليان، اهدي!

صرخت فيه بصوتها المتشنج قائلة بعصبية:
-انتو كلكم زي بعض، أنا ماليش أهل أصلاً!
ضيق عينيه في عدم فهم، وسألها بجدية:
-ايه الكلام الغريب اللي بتقوليه ده، أنا عرفت اللي حصل كله، وهاجيب حقك من ابن ال آآ..
قاطعته بصراخها الحاد وهي تسحب يدها من كفه قائلة:
-بسسس، مش عاوزة أسمع حاجة منك، انت السبب، انت السبب!
أمسك بكفها عنوة، وأسند رأسه على جبينها، وأردف قائلاً بصوت نادم وآسف:
-شششش.. ماتكلميش!

هزت رأسها بعصبية وهي تتابع قائلة بنشيج:
-محدش فيكم حاسس بيا، وليه هاتحسوا ؟ إنتو مش أهلي، مش أهلي، أنا مش أعرفكم!
سألها أوس بإهتمام واضح بعد ترديدها لتلك العبارة لأكثر من مرة فأثارت حفيظته قائلاً بفضول:
-ليه بتقولي كده ؟
نظرت له بعينيها اللامعتين وأجابته بصوت مهتاج:
-عشان دي الحقيقة
فغر فمه في عدم فهم، وهتف قائلاً بجدية:
-حقيقة، أنا مش فاهمك!

أشاحت بوجهها عنه، وتشنجت أكثر وهي تضيف قائلة ببكاء مرير:
-أنا مش بنتها، ولا هي مامي، هي مش بتحبني، أنا بنت مين؟ مين ؟؟؟
جلس عدي على طرف الفراش، وجذب يد ليان من قبضته، واحتضن كفها براحتيه، وهتف قائلاً بقلق:
-ليان، اهدي يا حبيبتي!
ثم نظر في إتجاه أوس وسأله بخوف واضح في نبرة صوته وملامح وجهه:
-مالها يا أوس، هي بتقول ايه ؟
مط فمه للأمام وهو يجيبه بصوت شبه محتد:
-أنا مش فاهم حاجة منها، وبأحاول قدامك أهوو!

ثم مد يده ناحيتها، ووضعها على طرف ذقنها ليدير وجهها في إتجاهه، وأردف قائلاً بإستفهام:
-ليان بصيلي، بنت مين ؟ في ايه اللي بيتقال ؟
أجابته بصوتها الباكي بعد أن أغمضت عينيها قائلة:
-مش بتحب ولاد تهاني، مش بتحبهم، هي مش مامي اللي أنا أعرفها، مش مامي!
تسائل عدي بحيرة واضحة وهو يوزع أنظاره ما بين ليان وأوس قائلاً:
-تهاني مين دي ؟ هه ؟
اتسعت مقلتي أوس في صدمة واضحة وهو يردد بصوت قاتم:
-ايييه! تهاني!

في منزل أم بطة
تمددت بطة على الفراش، وغطتها والدتها بالملاءة، ومسحت على وجهها، وتلفتت حولها قائلة بنبرة ممتنة:
-كتر خيركم يا نسوان على اللي عملتوه مع بنتي
في حين أغمضت إبنتها عينيها، وأصدرت أنيناً مكتوماً.. وتكورت على نفسها في الفراش..
أردفت إحداهن قائلة بجدية:
-اطلبي ضاكتور يجي يشوف مالها
فغرت أم بطة فمها بتوتر، فهي تعلم أن حمل إبنتها زائف، وبدأت تستوعب ما حدث حينما غمزت لها بطة بطرف عينها وهي تدلف معها لداخل الغرفة لتؤكد لها شكوكها..

أفاقت سريعاً من شرودها، وردت عليها بتلعثم محاولة إخفاف إرتباكها:
-هاه.. اه ما.. آآ.. ما أنا هاعمل كده
هتفت سيدة أخرى قائلة بضيق:
-منها لله اللي كانت السبب
ردت عليها أم بطة قائلة بحزن زائف:
-ربنا مطلع وشايف!
صاحت إحداهن قائلة بإمتعاض وهي تلوي فمها:
-إنتي غلطانة يا أم بطة تدي بنتك لواحد مايصونهاش
تنهدت في إنهاك وهي تجيبها بآلم زائف:
-أعمل ايه بس.. يالا الحمدلله!
ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على مهل، ونظرت لهم بجدية قائلة:
-معلش البت محتاجة ترتاح!

قالت إحداهن بصوت متأفف وهي تحرك فمها للجانبين:
-ايوه
بينما قالت أخرى بصوت جاد:
-وماله ياختي.. ربنا يطمنك عليها
في حين تابعت أم بطة حديثها بتلهف:
-وأنا هابعت أجيب أم نجاح تشوفها وتطمني
أضافت سيدة ثالثة قائلة بنبرة متفائلة:
-ربنا يريح بالك ويطمنك!
ثم اصطحبتهن أم بطة إلى خارج الغرفة، في حين إلتوى فم إبنتها بإبتسامة خبيثة وهي تحدث نفسها قائلة بفخر:
-اشربي بقى يا ولية لما يعرف المحروس ابنك باللي عملتيه!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
ظلت كلمات ليان الأخيرة تتردد في أذني أوس.. تهاني .. هذا الإسم الذي حفر في ذاكرته منذ أمد بعيد، وتسائل مع نفسه بحيرة عجيبة عن سبب إنهيارها الكبير هذا..
فلماذا تقول أن ناريمان صرحت بأنها ليست إبنتها ؟ وأنها تبغض رؤية وتربية أبناء تهاني ؟ كيف تقول هذا على ابنتها الوحيدة إن لم تكن حقاً من أنجبتها..

هناك حلقة مفقودة في هذا الحوار.. وهو لن يمرر الأمر مرور الكرام، بل عقد نيته على التحري بدقة وكشف الحقيقة كاملة، فهناك شكوكاً تساوره حول هوية ليان، ويخشى أن تكون صحيحة..
إحتضن عدي زوجته وأسند رأسها على صدره، ومسح على ظهرها برفق، وهمس لها قائلاً:
-هانتقم من الكلب اللي وصلك للحالة دي
ثم أبعد رأسها للخلف لينظر لملامح وجهها الذابلة، وتابع ثائلاً بإختناق:
-حقك هايرجع يا ليان.

وكأن وعود عدي لزوجته أيقظت إحساس أوس بتقى أكثر، فقد اشتاق لرؤيتها وللمسها، ولإحتضانها وتعويضها عما اقترفه في حقها..
تنهد بضيق، وأولاهما ظهره ليخفي تلك العبرات التي تسربت إلى مقلتيه..
فالآلم يعتصر قلبه بشدة، هو لم يكفر عن ذنبه بعد مع تقى، ودائماً يذكر نفسه انه قبل أي شيء كان ذئباً همجياً يعاشر النساء بصورة غير سوية من أجل امتاع نفسه وإشباع رغباته..

أقاق أوس من تفكيره المشحون على صوت عدي وهو يهتف قائلاً بجدية:
-أنا هودي ليان على الفيلا عندي
هز أوس رأسه موافقاً وهو يرد عليه بهدوء حذر:
-يكون أفضل برضوه، وعاوزين نشوفلها دكتور يتابعها
سأله عدي بإهتمام واضح:
-نكلم حد من عندكم في المستشفى ؟

غمز له أوس نافياً، وأردف قائلاً بصوت جاد للغاية:
-لأ.. انسى المستشفى عندنا خالص، أنا هاكلم حد ثقة أعرفه
-تمام، والكلب اللي آآآ...
قاطعه أوس بصوت متصلب، وهو ينظر له بنظراته القاتلة قائلاً:
-اطمن، هاندمه على انه اتعرض لليان، المهم هاتها ورايا، وأنا هابلغ الأمن يجيب العربية من المدخل اللي ورا
-اوكي

في منزل أم بطة بالحارة الشعبية
لكزت أم بطة ابنتها في الفراش لتجبرها على النهوض وهي تصرخ فيها بصوت متوتر:
-قومي يا مزغودة، ايه اللي هببتيه ده ؟
نفخت بطة بصوت متذمر وهي تجيبها بضيق:
-بالراحة يامه، في ايه ؟
لوحت والدتها بيديها أمام وجهها قائلة بإنفعال:
-يعني مش عارفة النصيبة اللي عملتيها
ضربت بطة على فخذيها مجيبة إياها بضجر:
-الله يامه، مش احنا متفقين.

لوت أم بطة فمها في إستنكار، وهزت حاجبها وهي ترد عليها:
-لأ يا روح أمك إحنا ماتفقناش على خراب البيوت
زفرت بطة بضيق، ثم قالت بإحباط:
-أعمل ايه يعني، قرفت من الولية الشر اللي هناك دي!
سحبت والدتها الملاءة من عليها، وتابعت بصوت جاد وهي تعيد طيها:
-انتي كده هتخربي بيتك بإيدك، وانا مش ناقصة هم فوق القرف اللي عندي.

نهضت بطة من على الفراش، وإتجهت ناحية خزانة ملابسها القديمة، ثم إستدارت لتواجه والدتها وهي تضيف قائلة بإختناق:
-يامه انا اللي بتعامل مع الولية دي كل يوم، ولو مكونتش عملت كده كانت هتسوق فيها معايا!
وضعت والدتها إصبعها على جبين إبنتها، وضربتها بخفة وهي تحذرها قائلة:
-ومخك ده اللي هايوديكي في نصيبة!

وضعت بطة ذراعها في منتصف خصرها، ورفعت إصبعها على جبينها، وقالت بثقة:
-لأ مخي ده اللي هايخلي أم أربعة وأربعين دي تتعامل معايا عدل
أسندت والدتها كفها على طرف ذقنها، وهتفت بنزق:
-مش خايفة الواد عبده يعرف ويطلقك.
إلتوى فم بطة بإبتسامة ماكرة وهي تجيب:
-لأ مش هايعرف، أنا فكرت في كل حاجة!

ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على مهل لتكمل حديثها قائلة بثقة:
-وبعدين أنا فضحتها قصاد الحتة كلها، يعني هي اللي هاتطلع غلطانة قدامهم
تنهدت والدتها في إنهاك، وردت عليها بتوجس قائلة:
-والله ما أنا عارفة مخك ده هيوديكي لحد فين
هتفت بطة بصوت محتد وهي ترمق والدتها بنظراتها المعاتبة:
-يامه انتي اللي جوزتيني غصب منه، فخلاص سبيني أتصرف معاهم براحتي!
نظرت هي لها بحنو أمومي وهي تحذرها بجدية:
-أنا عاوزة أحميكي يا بت، انتي كده آآ..

قاطعتها بطة بإصرار واضح وهي تشير بكفها ب:
-خلاص يامه.. انتي ملكيش دعوة، أنا المسئولة في كل حاجة، وخليني بقى أكمل التمثلية دي
سألتها والدتها بحيرة وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-انتي هاتقولي انك سقطتي ؟
إرتسمت ابتسامة لئيمة على ثغرها وهي تجيبها:
-اه طبعاً، وابعتي أم نجاح تيجي، وأنا هاحينها ( أعطيها ) باللي فيه النصيب
أشارت أم بطة بكفيها في الهواء بحركة قلقة وهي تضيف قائلة بتوتر:
-ياخوفي أم نجاح تقول لأحسان على سرك!

أخرجت بطة قميصاً نظيفاً من ضلفتها بالخزانة، وإستدارت قائلة بهدوء:
-مش هاتعمل ده، هي ليها مصلحة معايا
تنهدت أمها في خوف قائلة:
-ربنا يسترها، ويكملها على خير

في مخزن الجندي القديم
فُتح الباب على مصرعيه ليقف على عتبته كلاً من أوس وعدي وعلى وجهها نذير شر..
توقف الحرس المرافق لأوس في الخارج، و انضم إليهم الموظف المسئول عن إدارة المخزن وكذلك حارسه..
وظل الجميع باقياً على مسافة قريبة، ولكن تجوب أنظارهم المكان.. وخاصة الحراسة الأمنية..
كان فارس مُلقى في أحد الأركان المظلمة بالمخزن، ووجهه مغطى بكيس قماشي.. ويديه وقدميه مكبلتين..

اقترب أوس منه، ونظر له بإحتقار متأملاً حالته المزرية بعد أ، تكفل حرس الشركة بضربه ضرباً مبرحاً
كاد عدي أن يتجاوز أوس لينقض على فارس ويفتك به صارخاً بإهتياج:
-هادفنك يا كلب، ومحدش هيعرفلك طريق جرة عشان تعرف مين هما أسيادك!
ولكن أوقفه أوس بذراعه قبل أن يهجم عليه قائلاً بصرامة:
-مش هايموت قبل ما نعرف منه اللي احنا عاوزينه.

قاومه عدي وحاول أن يندفع في إتجاه فارس ليبرحه ضرباً صارخاً بإنفعال:
-سيبني يا أوس أموته
نظر له أوس بصرامة قائلاً بصوته الغليظ:
-اهدى!
انفجر عدي غاضباً، وصرخ قائلاً بعد أن تراجع خطوة للخلف:
-أنا كنت مفكر ليان بتشتغلني وبتسرح عليا، ولما شوفت صورها مبعوتة هنا قولت بس جت لحد عندي الفرصة أعوض اللي فات!
إحتدت نظرات أوس وهو يسأله بعدم فهم ب:
-صور ايه ؟

بصق عدي في إتجاه فارس، ثم قال بصوت متشنج وهو يشير بإصبعه:
-ابن الكلب ده مصورها صور وهي في أوضاع زبالة وعريانة وآآآ..
قاطعه أوس سائلاُ إياه بإستفهام:
-وانت عرفت الكلام ده إزاي ؟
إرتبك عدي للحظة، ومط فمه قليلاً، ثم أجابه بصوت متلعثم:
-ماهو.. ما هو الصور كانت جيالك، بس أنا استلمتها وشوفتها!

احتقن وجه أوس، واشتعلت عينيه أكثر، وصاح قائلاً بقوة:
-وإزاي ماتقوليش الموضوع ده
أجابه عدي بصوت شبه هاديء:
-أنا.. أنا كان غرضي ألم الموضوع قبل ما تكبر الفضيحة
حدجه أوس بنظرات مخيفة وهو يسأله بجموح:
-ازاي يا عدي تخبي عني حاجة زي كده ؟
ابتلع ريقه وهو يجيبه بتوجس:
-ما أنا.. ما فكرت إنها كانت على علاقة بيه برضاها
استشاط غضباً وهو يتابع قائلاً:
-برضوه كنت تقولي، إزاي تبقى عارف ده وتخبيه.

هتف عدي قائلاً بضيق:
-ماهو أبوك وأمك كانوا عارفين وآآآ...
قاطعه أوس بصوت هادر وهو يلوح بإصبعه:
-ماتقولش أمي، الولية دي مش امي ولا تعرف للأمومة حاجة!
ثم نفخ في ضيق، ووضع يده في منتصف وسطه، وفرك بيده الأخرى وجهه المحتقن من الغضب..
أطرق عدي رأسه في خجل، وأردف قائلاً وهو يوليه ظهره:
-وأنا طلعت واطي زي الكلب ده واستغلتها!
وضع أوس يده على كتف عدي وضغط عليه قائلاً بجدية:
-مش وقت كلام في اللي حصل!

ثم سلط أنظاره الشرسة على فارس، وتابع قائلاً بتوعد:
-يهمنا الوقتي ننتقم من اللي عملت ده، ونعرف ال **** ده هو غلط مع مين!
اقترب أوس من فارس، وركله بقسوة أسفل معدته، فصرخ الأخير بصوت مكتوم بسبب تكميم فمه..
ثم إنحنى بحذعه لأسفل لينزع الكيس القماشي عن وجهه، وجثى على ركبته لينظر له بإزدراء قبل أن يمسك بفكه ويعتصره بشدة..
صر على أسنانه وهو ينطق بشراسة:
-هاتحكي كل اللي حصل من أول ما مخك الوسخ ده وزاك عليا!
هز فارس رأسه مستسلماً وهو ينزف دماءاً من أنفه..

في النادي الشهير
تسابق العاملون في النادي في رص المزهريات ذات الورود البيضاء على الطاولات ليكملوا وضع اللمسات النهائية الخاصة بالحفل السنوي للجمعية الخيرية التي ترأسها ناريمان..
كذلك وقفت عضوات النادي في مجموعات متقاربة ليتبادلن أحاديثاً جانبية عن أخر الأخبار الإجتماعية التي تتعلق بصفوة رجال ونساء المجتمع..
أمسكت هياتم بورقة في يدها، وطالعتها بإهتمام كبير لتتأكد من وجود كل شيء في محله..

ثم نظرت حولها باحثة عن مديرة دار المسنين، فلمحتها تقف مع عضوات الدار على مسافة بعيدة.. فسارت بخطوات سريعة نحوهن..
وكانت من بين الحاضرات تهاني التي إرتسم على ثغرها ابتسامة رقيقة وهي تصغي بإنتباه لحديث الطبيبة رجاء الشيق..
أشارت مديرة الدار للطبيبة بيدها وهي تهتف قائلة:
-دكتورة رجاء، تعالي معانا شوية
ابتسمت لها رجاء وهي ترد قائلة بخفوت:
-حاضر.

-عن اذنك يا تهاني
هزت تهاني رأسها بإيماءة خفيفة، وهي تقول بإيجاز:
-اتفضلي
ثم وقفت هي بمفردها وظلت هي تتأمل المكان بإعجاب واضح..
فالحديقة التي يُقام فيها الحفل الخيري على قدر من الجمال الطبيعي..
-مدام تهاني!
إلتفتت تهاني برأسها للخلف بعد أن سمعت صوتاً أنثوياً ينادي اسمها، فوجدت هياتم تقترب منها وعلى ثغرها ابتسامة عريضة..

أخذت هي نفساً عميقاً لتعيد ضبط أنفاسها اللاهثة وهي تقول بحماس:
-إن شاء الله رئيسة الجمعية هتنورنا، وأنا حابة أعرفك بيها، وأوريها المستوى العلاجي اللي وصلتي ليه من خلال الدار، ده إن مكنش يضايقك
-عادي
تابعت هياتم حديثها بنبرة متلهفة وهي تنظر لها بنظرات جادة:
-انتي فاهمة ان أصحاب الجمعيات الخيرية بيحبوا من وقت للتاني يشوفوا نتيجة التبرعات على أرض الواقع وآآ..
قاطعتها تهاني بصوت هاديء قائلة:
-مافيش داعي للتبرير، بالعكس أنا المفروض أشكركم على اللي عملتوه معايا
إبتسمت لها مجاملة وهي تردد:
-شكراً ليكي على ذوقك
ثم تركتها وإنصرفت لتكمل باقي عملها..

في المخزن القديم التابع لشركات الجندي للصلب
فرغ أوس من إعتدائه الوحشي على فارس، وعرف منه بأدق التفاصيل خطة لوزة للإيقاع به وإذلاله عن طريق النيل من شرف ليان..
لم يتحمل عدي هو الأخر ما سمعه، فإنهال بالركلات الموجعة والضربات المؤلمة على أنحاء جسده..
نفض أوس يديه، وإعتدل في وقفته، وهتف قائلاً بغلظة:
-بنت ال ***** هاطلعه على جتتها بالحيا
أطلق عدي هو الأخر سبة وهو يرد عليه بصوت محتد:
-دي طلعت مَرَة ****.

برزت علامات الإحتقان الشديدة من عينيه وهو يصر على أسنانه قائلاً بصوت أكثر قتامة:
-مش أنا اللي يضحك عليا، مش أنا!
سأله عدي بصوت منزعج وهو يقف خلفه:
-ناوي على ايه ؟
إلتفت نحوه ليرد عليه بصوت يحمل التهديد وهو محدق في الفراغ بنظراته النارية قائلاً:
-هاتعرف..!

في النادي الشهير
ولجت ناريمان إلى داخل الحديقة المقام بها حفلها السنوي وهي متألقة كعادتها..
ارتدت فستاناً أسود اللون من الحرير - يتناقض مع سنها - وصدره مطعم بالفصوص الصغيرة السوداء اللامعة، و يبرز مفاتنها بصورة مستفزة.. ورفعت شعرها للأعلى، وزينته بتاج من الآلماس.. ووضعت حول عنقها عقداً ماسياً ذو فص أسود بارز في المنتصف..
سارت بخيلاء بين الحضور، ولاقت نظرات استحسان من رفيقاتها، ونظرات استهجان من أخريات حيث رأينّ أن ما ترتديه لا يناسب سنها، وشعرن بالغيرة منها..
في حين داعبتها عدسات الكاميرات الخاصة بالمصورين، وإلتقطت لها صوراً مميزة..

ثم جلست هي في مقدمة الصفوف، ووضعت ساقاً فوق الأخرى بعد أن إنتصبت في جلستها، ونظرت لمن حولها بإستعلاء بائن..
صعدت هياتم على المنصة، وابتسمت للجميع بإبتسامة عريضة قائلة بصوت مرتفع:
-أهلا وسهلاً بحضراتكم في الحفل الخيري السنوي اللي بتنظمه جمعيتنا الخيرية..
بدأت هي في الترحيب بالضيوف، وفي سرد ملخص مختصر لأهم إنجازات الجمعية خلال العام المنصرم.. وأشارت بيدها إلى شاشة عرض جانبية حيث تم عرض مقتطفات مسجلة لأهم الأعمال التي ساهمت فيها الجمعية..
ابتسم معظم الحاضرين في فخر، والبعض الأخر أومأ برأسه بإعجاب..

تنهدت هياتم بخفوت، ثم أردفت قائلة بصوت حماسي:
-والوقتي معادنا مع السيدة الفاضلة صاحبة الدور الرائد في العمل الخيري مدام ناريمان شوقي عشان تقول كلمتها نيابة عن الجمعية!
ثم إبتسمت لها، وأشارت بيدها وهي تتابع بنبرة متشوقة:
-اتفضلي يا مدام ناريمان.

صفق الحضور لها، فنهضت بكبرياء من على مقعدها، وإلتفتت بجسدها قليلاً للخلف، لتلوح بيدها بحركة خفيفة لهم.. ثم خطة بثقة نحو المنصة..
كانت تهاني تقف في الخلفية تتابع بإهتمام واضح ما يُقال، وإسترعي إنتباهها ذلك الإسم ناريمان شوقي .. فإقتربت بخطوات محسوبة من المقاعد الأمامية لتنظر بتفحص شديد إلى وجه صاحبة هذا الإسم..

في نفس الوقت اعتلت ناريمان المنصة برشاقة، ورسمت على وجهها إبتسامة مغترة وهي تنظر للجميع.. ثم بدأت تتحدث بصوت ناعم في الميكروفون..
أصحبت تهاني على بعد مسافة قريبة منها.. واتسعت عينيها في صدمة كبيرة حينما رأت تلك الملامح التي تحفظها عن ظهر قلب متجسدة في تلك السيدة التي تتحدث بتفاخر أمام الجميع، فحدثت نفسها بإندهاش قائلة:
-مش ممكن.. مش معقول، ن.. ناريمان، هي.. أيوه هي!
وبحركة عفوية جابت ناريمان بنظراتها أوجه الحاضرين، فإلتقت عينيها بوجه تهاني المذهول، فقفز قلبها رعباً بين ضلوعها و...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع والثلاثون

وقعت عيني ناريمان على من لم تتوقع أن تراها يوماً في حياتها..
تلعثم وهي تتحدث أمام الحضور، وبدت كما لو رأت شبحاً أمامها وتلاشت إبتسامتها تماماً.. ولم تحيد بنظراتها عنها..
في حين إكتفت تهاني بالنظر بسخط إليها لتستوعب هي الأخرى تلك المفاجأة الصادمة..
كذلك مر ببالها شريط ذكريات عمرها بأكمله..
فتلك التي تسمي نفسها بسيدة المجتمع الراقي ما هي إلا أفعى خبيثة سعت لتدميرها هي وطليقها السابق..

حاولت ناريمان أن تسيطر على زمام الأمور، وتبدو هادئة وهي تتحدث، ولكن الإضطراب الذي اعتراها فجأة لفت إنتباه الحاضرين..
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تتابع قائلة:
-و..آآ.. وكل حاجة آآ.. هتلاقوها م.. موجودة في ال.. في الفيديو قدامكم
أفاقت تهاني من حالة الذهول المسيطرة عليها، وعادت إلى رشدها..
لقد آن الآوان لتعيد لم شمل أسرتها، وتأخذ بقوة ما أغتصب منها عنوة..
تجهم وجهها، وتبدلت تعابيره للإصرار والقوة، وبدأت تتحرك للأمام نحو عدوتها..

تجمدت الدماء في عروق ناريمان، وهربت الكلمات من على طرف لسانها وهي ترى شبح الماضي المتمثل في تهاني مقبل عليها..
لذا دون تردد تركت المنصة، وهرعت مبتعدة عن الجميع مما أحدث حالة من الهرج بين الجالسين والمتابعين لها..
وتسائلوا عن سبب ذهابها.. فإعتلت هياتم المنصة بدلاً منها، وبدأت في التحدث محاولة جذب إنتباه الجميع مرة أخرى بعد حالة الفوضى المؤقتة التي حدثت..
كانت ناريمان تبدو كالمذعورة وهي تسير بخطوات أقرب للركض، وتعثرت لأكثر من مرة وهي تحاول الفرار، وإصطدمت بعدة أشخاص في طريقها، ولم تعتذر لهم.. فقد كان هدفها الأساسي هو الإختفاء عن أنظار تهاني التي تابعتها بأعين كالصقر وحاولت اللحاق بها وإمساكها..

وبالفعل نجحت في هذا..
وقبضت على ذراع ناريمان، وتشبثت بها قائلة بصوت مرتفع يحمل المرارة والآسى:
-بتهربي مني ليه يا ناريمان ؟
حاولت ناريمان أن تنفض ذراعها بقوة لتتخلص من قبضتها وهي تصرخ بخوف:
-ابعدي عني، سبيني!
غرزت تهاني أظافرها في ذراعها محدثة خدوشاً به وهي تقول بإصرار:
-لأ يا ناريمان، المرادي مش هابعد
إنتبه أحد الصحفيين إلى وجود مشادة كلامية بين ناريمان وإحدى السيدات، فإقترب منهما خلسة، وحاولت استراق السمع وإلتقاط بعض الصور لعلها تفيده في خبر حصري لجريدته الصفراء تحت عنوان ( فضائح مشاهير المجتمع المخملي )..

صاحت فيها تهاني بصوت قاتم وقوي وهي تحدجها بنظراتها الحادة:
-فين أوس ابني يا ناريمان ؟
وضعت ناريمان يدها على قبضة تهاني، وصاحت بصوت مرتجف:
-سبيني يا مجنونة
هتفت بها تهاني قائلة بصوت محتد وهي تحدجها بنظراتها المحتقنة:
-المجنونة دي بقت كده بسببكم، خدتم مني ولادي وفلوسي ورمتوني في الشارع!
تلوت ناريمان بذراعها محاولة تخليصه وهي تهتف بصوت خائف:
-ابعدي عني.

صرخت فيها تهاني بقوة وهي ترمقها بنظرات شرسة قائلة:
-لأ يا ناريمان، مش هايحصل أبداً، أنا رجعت بس عشان أخد منك كل اللي خدتيه مني زمان، وأولهم أوس ابني!
خفق قلب ناريمان بقوة، ودب في أوصالها إرتجافة قوية، فتهديداتها الصريحة كانت جادة للغاية..
ابتلعت ريقها بذعر وهي تقول بعناد زائف:
-اوعي كده سبيني، أنا.. أنا معرفكيش!

نظرت تهاني في عينيها بنظراتها المحتقنة، وصاحت بها بصوت يحمل الآسى رغم قوته:
-لأ إنتي عارفاني كويس، ايييه، عاوزة تفهميني إنك نسيتي تهاني شحاته طليقة جوزك مهاب الجندي، مش معقول، ده أنا حتى مانستكيش للحظة!
تلعثم صوتها وهي ترد عليها بذعر:
-آآ.. أنا.. إنتي كدابة.

كزت تهاني على أسنانها وهي تسألها بصوت متشنج:
-لما أنا كدابة بتهربي مني ليه ؟
-آآ.. هاه
ثم لمحت ناريمان بطرف عينها وجود شخص ما يراقبهما، فتملكها الخوف أكثر، وابتلعت ريقها بصعوبة، فما يحدث الآن يمكن أن يتسبب في فضيحة علنية لها تهدم في لحظة ما شيدته في سنوات.. لذا إدعت القوة، واستجمعت شجاعتها المصطنعة، وعاودت النظر إلى تهاني، وهتفت صارخة بقوة عجيبة:
-سبيني يا مجنونة!

ردت عليها تهاني بنزق:
-ده أنا أبقى مجنونة فعلا لو مخدتش ابني منك الوقتي.

تلفتت ناريمان حولها بنظرات مضطربة، وقالت بصوت مرتفع لتجذب الأنظار إليها عن عمد:
-ابعدوا المتخلفة دي عني!
هتفت بها تهاني قائلة بإصرار وهي تزيد من إحكام قبضتها عليها:
-لأ يا ناريمان، محدش هايحوشني عنك!
خدشتها ناريمان في قبضتها بأظافرها المطلية وهي تصيح بعنف:
-آآآه.. اوعي ايدك!
ثم جابت بأنظارها المكان، وصرخت قائلة:
-فين الأمن اللي هنا ؟

صاحت تهاني بصوت جهوري وهي تهزها من كتفيها:
-ابني فين ؟ رجعيلي ابني أوس!
رأت ناريمان بعض رجال أمن النادي يقتربون من على بعد، فسلطت أنظارها عليهم وهي تصرخ بإنفعال:
-إزاي تسمحوا للمهزلة دي تحصل، وتخلوا للأشكال البيئة دي تيجي هنا ؟!

وبالفعل وصل أفراد أمن النادي عندهما، وتدخلوا للحول بينهما، ونجح اثنين منهما في إبعاد تهاني عن ناريمان والتي لم تكف عن الصراخ قائلة:
-ابني الوحيد مش هاسيبهولك يا ناريمان، سمعاني، مش هاسيبه، هايرجع تاني لحضن أمه الحقيقة، انتي خلاص أيامك بقت معدودة، وأنا هاكشف كل حاجة، ومش هاسكت يا ناريمان، سمعاني مش هاسكت عن حقي..!

أشارت ناريمان بإصبعها وهي ترمق تهاني بنظرات إحتقارية قائلة بصرامة زائفة:
-إرموا الأشكال دي برا
هتفت تهاني بصوت مرتفع صدح في أرجاء النادي ولفت إنتباه بعض المتواجدين قائلة:
-أنا الماضي اللي هايفضل يطاردك يا ناريمان مهما عملتي، مش هاسيب حقي، وهاخد أوس منك، هاخده!

راقبتها ناريمان بنظرات مرتبكة رغم حالة الصلابة المصطنعة التي تدعيها، ثم إستدارت بظهرها للخلف لتجد صحفي ما يصورها، فصرخت فيها بغضب قائلة:
-بتصور إيه انت كمان، اتفضل ابعد عن وشي
تقوس فم الصحفي بإبتسامة مستهزأة وهي يرمق ناريمان بنظرات مهينة، فقد كشف النقاب عن زيف إدعاء مثيلتها للإنسانية والعمل الخيري، بالإضافة إلى حصوله على أخبار مثيرة ستفيد في زيادة توزيع نسخ الجريدة الراكدة..

ألقى فردي الأمن تهاني خارج أسوار النادي، فسقطت على الأرضية الإسفلتية، وهتفت قائلة بقوة:
-مش هاتبعدوني عنها، أنا خلاص معدتش ورايا حاجة إلا ابني وبس، وهارجعه تاني ليا، وهاوصلك يا ناريمان، هاوصلك!
نظر لها أحدهما بسخط وهو يأمرها بقسوة:
-امشي يا ست إنتي من هنا، يالا!

جاهدت لتنهض بجسدها المنهك عن الأرضية الإسفلتية، وقالت متحدية:
-لأ مش هامشي
أردف فرد الأمن قائلاً بتحذير واضح:
-يا ست لو مبعدتيش هنوديكي القسم وهاتتسجني، الناس اللي انتي بتتعرضيلهم واصلين أوي
وقفت قبالته، وقالت بإصرار وهي تنفض يديها:
-محدش هايبعدني عن ابني!

أسند فرد الأمن الأخر يده على كتف زميله، وهتف قائلاً بسخرية:
-باينها مجنونة فعلاً، يالا يا عم نبعد عنها، مش ناقصين وجع دماغ!
أجابه بصوت غير مكترث وهو يوليها ظهره:
-على رأيك!
تابعتهما تهاني بنظراتها المحتدة، وحدثت نفسها قائلة بتوعد وإصرار:
-حتى لو قفلتوا كل الأبواب في وشي، برضوه مش هابعد ولا هاسيب ابني، هاوصله، وهاخده تاني في حضني!
ثم استدارت بجسدها للخلف، وتابعت قائلة بصوت مختنق وهي تسير بخطوات متثاقلة:
-حقي في ابني مش هاضيعه تاني!

في فيلا عدي
أغلق أوس باب غرفة النوم المتواجدة بها ليان، وتحرك مع عدي في الرواق، وبصحبتهما طبيب ما..
دون الطبيب شيئاً ما في ورقة صغيرة، ثم مد بها يده نحو أوس وهو يقول بجدية:
-أتمنى تعرضوها على طبيب نفساني متخصص، حالتها محتاجة متابعة
أومأ عدي برأسه ايماءة واضحة وهو يجيبه بإيجاز:
-تمام
أضاف أوس قائلاً بجدية شديدة وهو يطوي الورقة ويدسها في جيبه:
-أنا هاشوف الموضوع ده.

ابتسم له الطبيب ابتسامة خفيفة، وتابع قائلاً بنبرة هادئة:
-يا ريت يا أوس باشا، عن أذنك، وتحت أمرك في اي حاجة
أشار له أوس بعينيه وهو يرد عليه قائلاً بصوت جاد:
-شكراً..
سار الطبيب نحو الدرج، فإلتفت عدي لأوس برأسه وأردف قائلاً بتلهف وهو يلحقه:
-أنا هاروح أوصله
هز أوس رأسه بإيماءة خفيفة وأشار بإصبعه وهو يتبعهما بحركات ثابتة:
-اوكي، وأنا هستناك تحت
-تمام.

بعد لحظات، كان أوس يجلس في المكتب الموجود بالطابق الأرضي على الأريكة الجلدية العريضة، واضعاً ساقه فوق الأخرى، ومشعلاً لسيجارته الكوبية الفاخرة..
ظل محدقاً في الفراغ أمامه، ولكن عقله كان لا يتوقف عن التفكير في طريقة للإنتقام ممن تسبب في أذية ليان..
انضم له عدي وهو مكفهر الوجه، وأغلق الباب خلفه، ثم جلس على الأريكة الصغيرة المجاورة قائلاً بصوت محتقن:
-شايف اختك جرالها ايه.

ثم سلط أنظاره على أوس متأملاً تعابير وجهه الجامدة، ومحاولاً تخمين ما الذي يدور في خلده، ثم تابع بصوت جاد:
-أنا هأوديها مستشفى نفسي على أعلى مستوى، مش هاسيبها في الحالة دي
رد عليه أوس بصوت جاد وهو ينفض بقايا سيجارته:
-اصبر.. هاشوفلها حاجة محترمة تفضل فيها الفترة الجاية!
كور عدي قبضته، وضرب كفه بها في حنق، وهتف قائلاً بصوت محتد:
-ولاد الكلب لعبوها صح!

تابعه أوس بنظراته النارية ولم يعقب.. ثم ساد صمت متوتر لعدة لحظات قبل أن يقطعه هو بصوته الغليظ:
-أنا هابعت أجيب عفاف تقعد معاها هنا الفترة الجاية!
رد عليه عدي بتلهف وهو يرمقه بنظرات ممتنة:
-اه يا ريت!
أكمل أوس حديثه الجاد قائلاً وهو يشير بإصبعيه:
-عفاف ثقة وعندها ضمير، وهي اكتر واحدة هتاخد بالها منها
هز عدي رأسه موافقاً إياه، ونطق بصوت شبه متوجس:
-ماشي، بس أبوك هيوافق إنك آآ..

قاطعه أوس بصوته الصارم بعد أن إزداد عبوس وجهه:
-مالوش فيها، يخليه في اللي معاه
سأله عدي بحيرة واضحة وهو يحك رأسه:
-إنت هاتقوله إن ليان عندي ؟
لوى أوس فمه قائلاً بتأفف:
-أنا مش عاوزه يعرف، بس لأنه هايقلب الدنيا عليها، فإنت هاتكلمه وتقوله انها عندك وكويسة ومافيش حاجة حصلت!
-يعني من الأخر مقولش على الحالة بتاعتها
-لأ طبعاً!

ثم سأله مجدداً بإستفسار وهو يرمقه بنظرات ضيقة:
-طب ولوزة ؟
نهض أوس من على الأريكة، ووضع يديه في جيبي بنطاله وهو يتحرك للأمام، وأجابه بصوت قاتم وهو محدق أمامه:
-لأ دي بقى هاتعامل معاها شخصياً..!

في منزل تقى عوض الله
وقفت فردوس خلف إبنتها الجالسة على المقعد، وأكملت تمشيط شعرها المبتل بهدوء شديد ونظرت لوجهها الذابل والمنعكس في المرآة قائلة بحنو:
-فاكرة يا تقى، كنت قبل كل عيد أحميكي وأقصلك شوية من شعرك عشان يطول، وإنتي تقوليلي بسرعة ياماما عشان تلبسي هدومك الجديدة و تنزلي مع أبوكي تصلي، فاكرة ؟

لم تجبها تقى بل ظلت صامتة شاردة في عالم أخر..
تنهدت فردوس في حسرة، ونظرت بإشفاق لإبنتها، وغمغمت قائلة مع نفسها بخيبة أمل:
-يا ريتك فضلتي زي ما إنتي عيلة صغيرة، أخري أسرحلك شعرك وأربطلك ضفايرك، لكن حسرة عليا، هافضل شايلة عارك لحد ما أموت!
ثم زادت تنهيدتها حرارة وهي تضيف قائلة:
-مين اللي هايرضى ياخد واحدة آآ.. يا حرقة قلبي عليكي!

ثم سمعت صوت طرقات خافتة على باب منزلها، فربتت على كتفي إبنتها، وقالت لها بجدية:
-أنا هاروح أشوف مين، خليكي مطرحك يا بنتي!
ومدت يدها لتسند المشط على التسريحة المتواضعة، وإتجهت بخطوات متهادية نحو الخارج..
فركت فردوس وجهها بيدها، ثم أمسكت بالمقبض وأدارته لتتفاجيء بأختها تقف أمامها، فجحظت بعينيها وهي تنطق بنبرة مشدوهة:
-ت.. تهاني!

-ازيك يا فردوس
رمشت بعينيها وهي تتأمل هيئتها الجديدة وملابسها النظيفة ووجها النضر، فقد مر وقت طويل منذ أن رأتها على حالتها العادية تلك..
هتفت قائلة بصوت مصدوم ومتقطع وهي محدقة بها:
-إنتي.. انتي آآ..
ردت عليها تهاني وهي تبتسم لها إبتسامة باهتة:
-هاتسبيني واقفة على الباب كده كتير
تنحت جانباً وهي تشير بيدها لها قائلة بنبرة شبه فرحة:
-لأ، خشي ياختي ده بيتك.

دلفت تهاني إلى الداخل وتأملت منزلها بنظرات متفحصة.. فكم إشتاقت للبقاء فيه بصحبة أهلها، والتنعم بدفئه الحقيقي..
فهنا – رغم بساطته وتواضعه – إلا أنه أحب الأماكن وأصدقها إلى قلبها..
وقفت فردوس خلفها، ورمقتها بنظرات متفحصة إياها من رأسها لأخمص قدميها..
حقاً لقد تغيرت تهاني كثيراً عن ذي قبل.. فلم تعد تلك الشمطاء ذات الملابس الرثة ولا الرائحة الكريهة.. بل عادت كما كانت تراها من قبل سيدة منمقة في مظهرها العام..

إستدارت تهاني لتواجه أختها، وأردفت قائلة بنبرة مشتاقة:
-البيت وحشني أوي يا فردوس، أنا حاسة إني بقالي سنين كنت غايبة عنه
أرجعت فردوس رأسها للخلف، وأجابتها بسخرية:
-أها.. ما انتي عقلك كان في راحة!
تنهدت تهاني بإرتياح، ثم ردت عليها بهدوء حذر:
-الحمدلله، كانت فترة وعدت، وأديني الوقتي رجعت زي زمان
مطت فردوس ثغرها وهي تضيف قائلة:
-ربنا يكملك بعقلك!

جابت تهاني أنظارها المكان مجدداً وهي تتسائل بحيرة:
-أومال فين تقى ؟ أنا مش شيفاها ؟
لوت فردوس فمها في حزن، وقالت بإمتعاض:
-تقى!
حدقت فيها تهاني بإستغراب، فقد كانت تعبيرات وجهها الحزينة ونظراتها المنكسرة تشير إلى وجود خطب ما، لذا تشدقت متسائلة بإهتمام:
-ايه مالها ؟ هي مع أصحابها بتذاكر صح ؟ مش هي كانت في اعدادي باين ؟

إبتسمت لها أختها بسخرية وهي ترد بحزن:
-اعدادية ايه بس، دي تقى كانت في المعهد قبل ما آآ.. ما آآ..
قاطعتها تهاني بحماس واضح في نبرتها وهي تبتسم لها:
-معهد، هي كبرت أوام كده
تقوس فم فردوس وهي تهتف قائلة بنبرة متهكمة:
-ما انتي ماكونتيش حاسة بالوقت!

بادلتها تهاني بإبتسامة مجاملة وهي تجيبها بحذر:
-على رأيك، طب هي فين ؟ وهترجع امتى ؟
ردت عليها فردوس بصوت متلعثم وهي تشير بعينيها المنكسرتين:
-هي.. هي جوا
عبست تهاني بوجهها، وهتفت قائلة بنبرة معاتبة:
-وساكتة، ده نفسي أخدها في حضني أوي!

ثم صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها قبل أن تتابع بحماس واضح:
-تعرفي يا فردوس لو ابني كان معايا كنت جوزتهاله على طول، معزهاش عليه!
تمتمت أختها بندم مع نفسها وهي تهز رأسها مستنكرة:
-يا ريته كان موجود، كان ستر عليها!
ضيقت تهاني عينيها، وسألتها بإهتمام وهي تضع يدها على كتفها:
-بتقولي ايه مش سمعاكي ؟

ربتت تهاني على كف أختها، وأبعدته عن كتفها وهي تجيبها بفتور:
-مافيش!
-أنا هاخش اشوفها
قالتها تهاني وهي تتجه نحو الغرفة بصوت مرتفع..
إرتفعت نبرة صوتها أكثر وهي تنادي قائلة:
-يا تقى، تقى!
ثم ولجت إلى غرفتهما القديمة فرأتها جالسة أمام المرآة.. فتهللت أساريرها، واقتربت منها، ثم مالت عليها بجسدها المرهق، وإحتضنتها من الخلف وهي تقبل رأسها قائلة بعاطفة قوية:
-وحشتني يا تقى أوي، صوتك دايما كان في دماغي!

ثم ضيقت عينيها لتنظر لها بتمعن أكثر.. فقد طال صمتها ولم تتحرك قيد أنملة من مكانها، فسألتها بإندهاش وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-اوعي تكوني مش عرفاني ؟ ده أنا خالتك تهاني!
ضمتها إلى صدرها، واستنشقت عبير شعرها المبتل، وتنهدت بحرارة.. فوجدت ردة فعل تقى غريبة للغاية..
فهي جامدة، وجهها شاحب، نظراتها شاردة.. بشرتها شبه باردة، فإنقبض قلبها، وسألتها بقلق:
-تقى إنتي ساكتة ليه ؟ ومال شكلك متغير كده ؟
إستندت فردوس على باب الغرفة وهتفت قائلة بجمود:
-هي مش هترد عليكي!

انتصبت تهاني في وقفتها، وإلتفتت برأسها في إتجاهها، وسألتها بإهتمام واضح:
-ليه ؟
ردت عليها فردوس بصوت حزين وهي تشير بيدها نحو ابنتها:
-لأنها على الحال ده وكانت أصعب من كده من ساعة اللي حصل!
سألتها تهاني بتوجس وهي توزع نظراتها بينهما:
-في ايه اللي حصل؟ ما تقولي يا فردوس!

في فيلا عدي
كان أوس قد إنتهى مع عدي من وضع خطة محكمة للإنتقام من لوزة، ورد الصاع صاعين لها..
ورغم صغر دور عدي فيها إلا أنه كان معجباً بتفكير رفيقه، ونطق قائلاً بإعجاب:
-فعلاً، خطة ماتخورش المياه!
نظر له أوس بنظراته الحادة قبل أن يجيبه بصلابة:
-هي تتنفذ بس صح!
سألها عدي بنبرة ممتعضة وهو يشير بكف يده:
-والكلب المرمي في المخزن ؟

أشاح أوس بوجهه للجانب، وأردف قائلاً بسخط:
-ده هيطلعوا عليه القَرَافة ( المقبرة ) قريب!
-تمام
توجه أوس نحو الشرفة الملحقة بغرفة المكتب، وتطلع بأنظاره للحديقة الجانبية.. وبقى صامتاً لبرهة.. فراقبه رفيقه بإهتمام.. ثم اقترب منه، ووقف إلى جواره، وسأله بنبرة مهتمة وهو ينظر له بتفرس:
-المهم، قولي انت احوالك ايه ؟

أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره مرة واحدة وهو يجيبه بإيجاز:
-عادي
رفع عدي حاجبه للأعلى، وسلط أنظاره عليه أكثر ليتابع رده فعله وهو يسألها بفضول:
-والبت إياها ؟
إلتفت أوس برأسه نحوه، وحدق مباشرة في عينيه، ورد عليه بقوة:
-قصدك تقى
هز عدي رأسه قائلاً بجدية:
-ايوه
تجهم وجه أوس، وتشنجت قسماته وهو يسأله بإقتضاب:
-مالها ؟
رد عليه عدي بتساؤل أخر قائلاً بتوجس:
-شيلتها من دماغك ؟

تقوس فم أوس بإبتسامة خفيفة وهو يجيبه بثقة واضحة:
-لأ.. اتجوزتها
اتسعت حدقتيه في صدمة، فلم يتوقع مثل هذا الرد الصادم والجاد، وفغر ثغره مدهوشاً ب:
-ايييه ؟
نظر له أوس من طرف عينه، ثم سلط أنظاره على الحديقة، وهتف قائلاً بصوت قاتم
-زي ما سمعت!

أصيب عدي بحالة من الذهول لفترة من الوقت، فقد كان يظن أن رفيقه يعبث معها فقط، وربما يجدها تحدياً لرجولته، لكن لم يخطر بباله أن يتزوجها هكذا، ودون وجود أي مقدمات.. هي حقاً بالنسبة له مفاجأة بكل المقاييس..
أثارت فعلته تلك فضوله ليعرف أكثر عن كيفية حدوثها، فهتف عدي متسائلاً بإهتمام:
-طب ازاي ؟ وده حصل امتى ؟ وأنا كنت فين ؟
تنهد أوس بحرارة، ونظر أمامه بجمود عجيب، ثم عقد ساعديه أمام صدره، وأردف قائلاً بصوت جاد:
-مش مهم عندي ده كله، أنا اللي يهمني ازاي هارجعها تاني ليا!
سأله عدي بإستغراب وهو مقطب الجبين:
-ليه في ايه ؟

أرخى أوس ساعديه، وإستند بأحد ذراعيه على جانب نافذة الشرفة قائلاً بإنزعاج:
-مش حابب أحكي
مط عدي فمه، ثم أمعن النظر في حالة رفيقه، وتلوى فمه بإبتسامة خفيفة وهو يتابع قائلاً بمزاح:
-مممم.. ماشي.. بس أنا من زمان قايلك إن نهايتك هاتكون على إيد البت دي يا صاحبي
أنزل أوس ذراعه، وحدجه بنظرات محذرة قبل أن ينطق بصرامة:
-ماسمهاش بت، دي بقت مراتي.

تنحنح عدي بصوت خشن، ولوح بكف يده أمام وجهه، وسأله بهدوء حذر:
-سوري! طيب ناوي تعمل ايه معاها ؟
رد عليه أوس بحسم وهو ينظر أمامه:
-هاجيبها عندي، بس أرتب كل أموري الأول، وأجيب مكان جديد نعيش فيه سوا!
تعجب عدي من رده، وسأله بإستفهام أكثر وهو يرمقه بنظراته الحائرة:
-انت مش هاتقعد في البيت اياه ؟

هز أوس رأسه نافياً، وقال بصرامة:
-لأ.. ده ماضي وانتهى بكل ما فيه، وأنا ناوي اشوفله بيعة كويسة
-أها..
ثم مط ذراعيه في الهواء وفرقع أصابع يده وهو يتابع قائلاً بتوعد:
-وتقى هاترجع حتى لو كانوا مخبينها في بطن الجبل
ابتسم عدي قائلاً بمزاح وهو يربت على ظهره:
-اوعى تكون ناوي تخطفها ؟
غمز له أوس بعينه، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله، وأجابه بصوت واثق وهو يبتسم إبتسامة مغترة:
-هع.. هو في حد بيخطف مراته يا.. يا عدي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن والثلاثون

في قصر عائلة الجندي
عادت ناريمان إلى القصر، وإندفعت نحو الدرج وجسدها يرتجف بشدة بعد رؤيتها لتهاني..
هاتفت مهاب لتخبره بأمرها، ولكنه تجاهل إتصالاتها، فإزداد توترها، وبدت عصبية عن ذي قبل..
اقتربت منها عفاف وسألتها بصوتها الدافيء ب:
-أجهز العشا يا مدام
صرخت فيها ناريمان بإنفعال وهي تدفعها بيدها:
-لأ، سبيني لوحدي، مش عاوزة أشوف حد خالص!

نظرت لها عفاف بعتاب، ثم أطرقت رأسها للأسفل، وتراجعت بظهرها للخلف قائلة بضيق:
-حاضر يا هانم، اللي تشوفيه!
ثم أكملت ناريمان صعودها على الدرج وهي تعض على أناملها من الخوف..
ولجت إلى داخل غرفتها، وصفقت الباب بقوة خلفها، وألقت بحقيبتها الصغيرة على الفراش، ثم ضغطت على زر الإتصال بممدوح، ووضعت الهاتف على أذنها، وظلت تدور حول نفسها منتظرة رده عليها.. وحدثت نفسها قائلة بتوتر جلي:
-رد عليا إنت كمان، رد!

نظرت إلى هاتفها بعد أن أبعدته عن أذنها بحنق، ووجدت إتصالاً يردها من هياتم، فزفرت في ضيق وهي تقول:
-مش وقتك خالص!
ثم اضطرت أن تجيب عليها حينما لم تتوقف إتصالاتها المتتالية..
فقالت متذمرة:
-ايوه يا هياتم، أنا مش آآ...
قاطعتها هياتم بصوت متلهف قائلة:
-مدام ناريمان، اسمعيني بس!
رمشت ناريمان بعينيها متوترة، وسألتها بقلق:
-في ايه ؟

ردت عليها هياتم بصوت منزعج ب:
-السوشيال ميديا مقلوبة على حضرتك
فغرت هي ثغرها في صدمة قائلة:
-ايييه ؟
سألتها هياتم بإستغراب ب:
-حضرتك مش متابعة ولا ايه ؟
صاحت بها ناريمان بإنفعال وهي مقطبة الجبين:
-في ايه ما تقولي ؟
تنحنحت هي قبل أن تجيبها بصوت جاد:
-الكل بيحكي عن ضربك لواحدة من المسنات!
صرخت ناريمان بإهتياج:
-نعم!

ثم أعادت تبديل وضعية الهاتف من على أذنها بعد أن نزعت عنه القرط، ووضعته على أذنها الأخرى قائلة بإستنكار:
- ده كدب محصلش!
ردت عليها هياتم بهدوء حذر ب:
-مش عارفة أقول لحضرتك ايه، بس التفاصيل كلها بالصور على الفيس بوك وتويتر
صاحت ناريمان بقوة وهي تشير بيدها:
-أكيد في حد مفبرك الصور دي
أجابتها الأخيرة بحزم واضح في نبرة صوتها:
-لأ يا مدام ناريمان، دي صور الحفلة، يعني النهاردة.

إتسعت حدقتيها في رعب جلي وهي تهتف بتلعثم:
-هاه، ده.. ده معناه إنها كارثة!
تابعت هياتم حديثها بصوت جاد ب:
-أنا بلغت حضرتك عشان تحاولي تتصرفي وتردي، وإلا هايحصل مشاكل كتير والدنيا هاتتقلب علينا
إزداد عبوس وجه ناريمان، وشعرت بالحرارة العالية تبعث من رأسها، فهتفت قائلة بإقتضاب:
-اوكي.. سلام.

ثم ألقت بالهاتف على الفراش، ووضعت كلتا يديها على رأسها، وضغطت عليها وهي تنفخ بغضب قائلة:
-أووف.. مش بيجي من ورا مكالمتك يا هياتم إلا المصايب وبس!
ثم جلست على طرف الفراش، وتنهدت في إنهاك، وحدثت نفسها بقلق ب:
-المفروض أحل المشاكل دي كلها لوحدي إزاي ؟!

في أحد الملاهي الليلية
تمايلت الراقصة التي تعتلي المسرح بخلاعة وبجسدها المتعري أمام رواد هذا المكان لتثير شهواتهم وتدفعهم لإغراقها بالأموال..
وبالفعل نهض أحدهم، وسار بتثاقل وجسده يترنح بشدة ليلقي في وجهها بنقود طائلة، فتزيد هي من رقصتها المغرية له..
بينما في أحد زوايا ذلك الملهى، وتحديداً عند البار المخصص لتناول المشروبات الكحلية، رفعت لوزة الكأس عالياً لتقذف ما به من خمر في فمها في رشفة واحدة، ثم أسندته بعنف على سطحه الرخامي وهي تعيد رأسها للأمام قائلة بصوت حاد وهي عابسة الوجه:
-واحد تاني يالا!

رد عليها العامل المرابط أمام البار وهو ينظف أحد الكؤوس قائلاً بجدية:
-ده الليلة في أولها يا لوزة، بلاش تسكري أوي
انفعلت عليه بحدة، وألقت بالكأس الزجاجي في وجهه، قائلة بغضب:
-وإنت مالك، هو أنت بتدفعلي حاجة من جيبك، إنت تجيب اللي أقولك عليه وإنت ساكت!
نظر لها العامل متوجساً، وتراجع للخلف متجنباً الدوس على الزجاج المتناثر على الأرضية اللامعة أمامه، وهتف بتوجس:
-أنا بس آآآ..

قاطعته بنبرة محتدة وهي تلوح بيدها:
-يوووه، انت هتلكلك كتير معايا، هات آآآ..
-انت يا بني آدم، مش المدام أمرت، يبقى انت تنفذ فورا
قالها أوس بصوته الصارم وهو يحدجه بنظرات نارية..
إلتفتت لوزة برأسها ناحية صاحب الصوت الذي تألفه جيداً، فرأته أمامها بهيبته المعهودة، وشموخه الذي تعشقه متأنقاً في حلته الرمادية الداكنة وقميصه الأسود، فإنتفضت في مقعدها، ونظرت له بذهول، وهتفت قائلة بصوت متحمس:
-هاه.. آآ.. أوس!

نظر لها مطولاً وهو يجيبها بهدوء عجيب:
-أيوه يا لوزة!
تبدل حال وجهها للإشراق، ولمعت عينيها ببريق مريب وهي تهتف قائلة بعدم تصديق:
-أنا أكيد بأحلم، معقول انت هنا قصادي، ولا أنا بايني سكرت!
إلتوى فمه بإبتسامة خفيفة، ورد عليها بصوت جاد:
-لأ مش بتحلمي!

ثم أمسكها من كف يدها، وجذبها عنوة من على مقعدها، وأردف قائلاً بصوت آمر وهو يسحبها خلفه:
-تعالي معايا
لم تقاومه لوزة بل استسلمت لقوته التي تثيرها، وتلهب قلبها.. وهتفت متسائلة بفضول:
-هاه.. و..آآ.. واخدني على فين!
إستدار برأسه قليلاً نحوها ليجيبها بغرور:
-هاقعد في مكاني المعتاد، مش معقول أوس الجندي يقعد على البار!

إنفرجت شفتيها بإبتسامة عاشقة، وحدقت فيه بنظراتها المشتاقة، ثم ردت عليه بتنهيدة حارة:
-والله وحشتني أيامك أوي
هز رأسه بخفة دون أن ينظر لها قائلاً بخفوت:
-أها
خرج الإثنين من الملهى، وإتجه أوس نحو سيارته التي أحضرها له عامل ما، فتناول منه المفتاح، وفتح باب المقعد الأمامي للوزة لتركب السيارة، ثم صفقه برفق، ودار حولها ليجلس في مقعده..

ظلت لوزة تتابعه بشغف جلي، فقد اشتاقت كثيراً لحضنه القاسي، ولرغباته الجامحة التي تشعل من لهيب مشاعرها..
فقد عانت لفترة من فتور عاطفي، ولم تستطع أن تنجذب لرجل أخر غيره.. فقد كان هو دائِها الذي أدمنته..
أدار أوس محرك السيارة دون أن ينبس بكلمة.. في حين ظلت أنظار لوزة متعلقة به، وأسندت كفها على كتفه لينتبه هو لها، ومن ثم سألته بفضول وهي تتفرس ملامح وجهه الخالية من التعبيرات ب:
-بس قولي البت اللي كانت معاك آآ..

احتقن وجهه بدماء شبه منفعلة، وبرقت عينيه بشرر مخيف، وقاطعها بصوت قاطع ومحذر ب:
-ماتجبيش سيرتها
نظرت له بخوف وهي تهمس ب:
-هاه
أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم ابتسم له إبتسامة قاسية وهو يجيبها بصوت متصلب:
-أقصد.. دي خلاص انتهت من حياتي!

تنهدت لوزة في إرتياح، ووضعت يدها على رأسه لتعبث بخصلات شعره وهي تهمس له بصوتها الأنثوي المغري:
-أنا كنت واثقة إنك هترجعلي، ده أنا الوحيدة اللي فهماك وبأشوف كيفك كويس!
نظر لها بإستخفاف، ثم أشاح بوجهه لينظر أمامه، وأجابها بإقتضاب ب:
-فعلاً!
مررت إصبعها على جبينه، ثم مالت بجسدها نحوه، وسألته بنبرة هامسة:
-طب هانروح فين ؟ على شقتك ؟
-تؤ
تراجعت للخلف بظهرها، وتوقفت عما تفعل، وضيقت عينيها وهي تسأله بحيرة:
-ليه ؟

نظر في إتجاهها، وأجابها بصوته الأجش:
-المكان معدتش ينفع، الكلام بقى كتير عليه!
أومأت برأسها موافقة إياه، وإبتسمت له بسعادة وهي تقول:
-اه عندك حق، التجديد حلو برضوه
-أها
ثم سألته بفضول وهي تنظر له بعشق:
-أومال هتوديني فين ؟

رد عليها بجمود دون أن ينظر نحوها:
-في مكان جديد عدي قالي عليه
هتفت بحماس وهي تهز كتفيها:
-الله، عدي بيه! والله وهاترجع أيام زمان تاني
تقوس فمه بإبتسامة شيطانية وهو يرد يإيجاز ك
-طبعاً
وضعت لوزة يدها على فخذ أوس في مباغتة منها لتزيد من جو الإثارة لديه، وتلمسته بنعومة وهي تغمز له قائلة بمكر:
-عاوزني أعملك ايه ؟

إنتفض هو في مقعد سيارته على إثر لمستها، ونظر لها شزراً، ثم قبض على كفها بقبضته الغليظة، و ضغط عليها وهو يبعدها عنه..
فنظرت هي له بإستغراب يشوبه القلق، بينما عاود هو النظر أمامه دون أن يحل قبضته عنها، وهتف قائلاً بصرامة:
-هاتعملي كل اللي أنا عاوزه وزيادة، بس اصبري..!

في منزل تقى عوض الله
سردت فردوس لأختها بإيجاز ما حدث مع ابنتها منذ لحظة ظنها السوء بوجود علاقة ما مع شاب ثري، ثم طعنها إياها، وإنتقالها للمخفر ومن ثم حبسها..
صعقت تهاني مما قالته، وظنت أنها تتوهم ماسمعته، أيعقل أن تتعرض تلك الصغيرة الطيبة الساذجة ذات العود الغض لكل هذا بمفردها..
صرخت هي فيها بمعاتبة واضحة ب:
-ازاي يا فردوس تعملي كده في بنتك ؟

أخفضت فردوس نظرها، وأجابت بصوت نادم:
-الشيطان كان عميني
لوحت تهاني بيدها أمام وجهها، وباليد الأخرى ضمت تقى إليها، وعاتبتها قائلة بلوم:
-حرام عليكي، انتي ايه ؟
مطت فردوس شفتيها وهي تتنهد بأسف قائلة:
-مش وقت ملامة!
هزت أختها رأسها مستنكرة ما تقول، وتابعت قائلة بضيق:
-أومال وقت إيه بس، وايه تاني حصل ؟

أكملت فردوس سرد بقية الأحداث من الإفراج عنها، وما تلاها من اختفاء ابنتها لبرهة، ثم إيجادها في مشفى خاص بالأثرياء بعد تعرضها للإغتصاب..
جحظت تهاني بعينيها برعب واضح، وضمت تقى إلى حضنها وهتفت قائلة بصدمة:
-ايه اللي بتقوليه ده ؟ اغتصاب!
أخذت فردوس نفساً عميقاً وزفرته ببطء وهي تتحسر حال إبنتها مضيفة:
-أه يا تهاني.. وقت ما ربنا عترني فيها، لاقيتها زي ما انتي شايفة! معدتش تنفع بحاجة بعد ما خدوا الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا كلنا.. واتحطت راسنا في الطين!

إشتعلت حدقتي تهاني بنظرات غاضبة، وهتفت فيها بصوت محتج على تعبيراتها الغير مسئولة:
-انتي سامعة نفسك ؟
حركت هي شفتيها في أسف، وردت عليها بضيق وهي تشير بعينيها:
-آآآآه.. قلبي محروق ياختي، مش عارفة مين هيرضى بيها بعد اللي حصل!

وكأن كلمات فردوس كانت كعيدان الثقاب التي أشعلت ذاكرة تقى بنيران ذكرياتها المهينة مع من أذلها، وقتل فيها إنسانيتها..
لقد تجسد أمام عينيها لحظات إغتيال أوس لبرائتها، والنيل منها وهي عاجزة مقيدة في الفراش لا تقدر حتى على الصراخ..
شعرت بآلام مبرحة تضرب أسفل معدتها، وكأنها تتعمد تذكيرها هي الأخرى بتلك اللحظات الموجعة.. لمساته المقززة لجسدها، أنفاسه التي تبغضها وهي تلفح وجهها ليظل عبقها محفوراً في ذاكرتها.. معاشرتها غصباً وقسراً ليقتل ما تبقى من روحها الضعيفة..
أغمضت عينيها في مهانة، وحبست أنفاسها لتكتم شهقاتها الذليلة التي تحرق صدرها أكثر..

استمرت فردوس في حديثها الغير مكترث بمشاعر ابنتها قائلة بفتور:
-يعني فكرك حد في الحارة هايستجرى يبصلها ولا يفكر يتقدملها، أهي هاتفضل كده طول عمرها!
صاحت فيها تهاني بصوت صارم وهي تحدجها بنظرات محتقنة:
-اسكتي بقى، ارحمي نفسك!
تابعت فردوس حديثها المقيت قائلة بصوت منكسر:
-ما هي دي الحقيقة، هاسكت ليه بقى!

وضعت تقى يديها على أذنيها لتمنع صوت والدتها المتحسر في إختراقهما..
فعقلها – وكذلك جسدها – لم يعدْ يقوى على الصمود أمام أوجاع اغتيال عذريتها..
نظرت لها تهاني بإشفاق حقيقي، فقلبها ملتاع بشدة على ما تعرضت له.. لذا سألتها بتوجس وهي تنحني عليها بجسدها المرهق:
-مالك يا تقى ؟ ردي عليا يا بنتي ؟!

صرخت تقى بصوت حاد ومتشنج وهي تهز رأسها بعصبية:
-كفاية بقى، كفاية، مش عاوزة اسمع حاجة، أنا بأموت كل لحظة ومحدش حاسس بيا، أنا مغلطش، أنا ادبحت.. وماكنش ليا ذنب.. مش عاوزة أعيش، يا ريتني أموت عشان ترتاحوا، يا ريتني!
أبعدت تهاني يديها عن أذنيها، وأنزلتهما للأسفل، وضمتهما إلى صدر تقى، وضغطت عليهما بحنو، وألصقت صدرها بظهر ابنة اختها، وقالت لها بصوت شبه باكي وهي مدمعة العينين:
-اهدي يا بنتي!

شهقت تقى بصوت مختنق وهي تتابع بمرارة، وتاركة لعبراتها العنان لتغرق وجهها بالكامل بدموع الحسرة والذل:
-هو دبحني، وانا الغلطانة، هو بريء وأنا المجرمة، ليييه أنا شايلة الذنب في كل حاجة وأنا كنت في حالي بدافع عن أمي ؟
تنهدت تهاني بحرقة وهي تضمها أكثر، وقبلتها من أعلى رأسها وهي تهتف بتوسل:
-حبيبتي!
أضافت تقى بصعوبة و بنشيج وهي تحاول إلتقاط أنفاسها:
-أنا راحت مني كل حاجة، أحلامي، حياتي، حتى أبسط حقوقي في اني اتجوز الانسان اللي اختاره..!

ثم صمتت لثانية لتأخذ نفساً عميقاً لتكمل حديثها الموجع قائلة بنحيب جلي:
-كله كان بالغصب، بالغصب، و أنا ماستهلش ده كله، ماستهلش!
همست لها تهاني قائلة برجاء وهي تكبح دموعها:
-بس يا تقى!
إزداد أنينها المصاحب لصوتها المنتحب وهي تصرخ بجنون:
-لييييه أنا ؟ أنا عملت ايييه ؟ نفسي أعرف فين غلطتي ؟

زاد رجاء خالتها لها وهي تردف قائلة بصوتها الدافيء:
-شششش.. كله هايتعوض يا بنتي
هزت رأسها نافية بقوة وهي تصرخ بإهتياج:
-مافيش حاجة بتتعوض، ده كدب، كدب، أنا زي أمي ما بتقول عار، مصيبة، فضيحة لازم أدارى يا أموت عشان الكل ينساني!
مسحت تهاني عبراتها عنها، ووضعت يدها على رأس تقى محاولة تثبيتها، وهتفت قائلة بيأس:
-متقوليش كده، انتي ست البنات!

أصدرت تقى صرخة حقيقة تعبر عن آلامها الدفينة قائلة:
-آآآآآآه.. يا رب خدني عشان ترتاحوا كلكم، يا رب خدني!
في نفس الوقت دلف عوض بخطواته المتعرجة إلى داخل الغرفة ليتسمع إلى حديث ابنته المؤلم.. فخفق قلبه لها، وقال عفوياً بعاطفة حقيقية بادية على ملامح وجهه المجعدة، وفي نظراته الأبوية الحانية:
-تقى.. بنتي!

رفعت تقى رأسها للأعلى، وإستدارت بها ناحيته، وهتفت بصراخ موجع:
-بابا.. آآآآآآه
ثم نهضت عن المقعد، وأزاحت يدي خالتها عنها، وركضت نحوه لترتمي في أحضانه، فيضمها إلى صدره، ويربت على ظهرها، فتنطق بصوت مختنق وهي مغمضة العينين:
-يا ريتني فضلت في حضنك ومحدش لمسني غيرك، آآآآه!

لم يخلو وجه تهاني من التعبيرات المعاتبة لأختها عما حدث..
ونظرت بإندهاش لزوجها، فقد بدى كمن كبر عشرات السنين في وقت قصير..
هي تتذكره رغم حالتها النفسية الغير متزنة.. ولكن تبدل حاله للعجز والإرهاق..
أثرت أن تظل صامتة لتترك لإبنة اختها الفرصة لتبوح عما يخنقها مع من تثق به... ثم انسحبت بهدوء من الغرفة، وأشارت لفردوس لتتبعها إلى الخارج..

أمسكت تهاني بذراع أختها وسألتها بقلق وهي تتجه نحو المطبخ:
-ماله جوزك ؟
-ماهو ده التاني جراله اللي ما جرى!
ثم سردت لها بإختصار ما حدث له من تعرضه لحادث سير أثناء بحثه عنها، وفقدانه للذاكرة، وكسر ساقه، وتكلفة العلاج التي تحملها الأتقياء أمثال الشيخ أحمد..
أطرقت تهاني رأسها في حزن وهي تقول بأسف على حاله:
-يا ساتر يارب!

هزت فردوس أصابع يديها بحركة مستنكرة وهي تجيبها بآسى:
-مش بأقولك غلب من كله!
تنهد تهاني في إحباط وهي تضيف قائلة:
-ومين في البيت ده حاله فضل زي ما هو!
ردت عليها بإيجاز ووجهها ممتعض:
-مافيش
أضافت تهاني قائلة بصوت حاد وهي تشير بإصبعها:
-بس إنتي غلطانة يا فردوس تقولي الكلام ده قدام بنتك!

زفرت فردوس بإنزعاج وهي تجيبها ب:
-يوووه، من قرفي وتعبي!
ثم جذبت مقدمة قميصها المنزلي للأمام لتشير إلى قيلة حيلتها، وتابعت قائلة بصوت محتد:
-ما هو أنا اللي بأشيل الهم كله لوحدي!
نهرتها تهاني قائلة بنظراتها المعاتبة ب:
-يا شيخة حرام عليكي، انتي مش شايفة حالتها!

زمت فردوس شفتيها وهي تجيبها ببرود:
-هأعملها ايه بس، ما أنا واخدة بالي منها وبأكلها وبأشربها والجيران جابولها ضاكتور من الوحدة يديها دوا وآآآ..
قاطعتها تهاني بصوت جاد وهي تشير بيدها:
-دي محتاجة دكتور نفسي مش دكتور عادي
ضيقت فردوس عينيها في إستغراب، ورفعت حاجبها للأعلى في عدم فهم، ورددت قائلة:
-نفسي!

أومأت تهاني برأسها وهي تتابع بنبرة مهتمة:
-ايوه، دي اغتصبوها يا فردوس، وحالتها بتسوء كل يوم لو سبيناها كده!
وضعت فردوس إصبعيها على طرف ذقنها، وشهقت متسائلة برعب:
-يعني البت اتجننت ؟
نفخت تهاني من الغيظ، فأختها تفسر الأمور بطريقة تثير الإنفعال، فحاولت أن تبدو هادئة وهي تجيبها بحذر:
-يا فردوس بأقولك دكتور نفساني يتكلم معاها وتحكيله ويحاول يشوف العلاج المناسب ليها، وإنتي تقوليلي اتجننت!

وضعت فردوس يديها على رأسها لتلطم بحسرة وهي تغمغم بمرارة:
-بقى دي أخرتها، البت تروح السرايا الصفرا
صاحت فيها تهاني بصوت محتقن ب:
-افهمي يا ستي، هي محتاجة الدكتور ده عشان تتعالج وترجع زي الأول!
أنزلت فردوس يديها، ونظرت لها بحيرة وهي تقول:
-أنا مش فاهمة حاجة!

تنهدت تهاني في تعب، فقد يأست من أن تتفهم أختها طبيعة مرض إبنتها.. فهي تظن أن الشكوى تنحسر في كونها عضوية، وتتغاضى تماماً عن أن المشكلة نفسية بحتة تحتاج لمتخصص لكي يضع يده على مواضع الآلم ويعالجها بالأساليب النفسية السليمة..
لذا هتفت بجدية وهي تشير بكفها:
-مش مهم تفهمي يا فردوس، بصي من الأخر سبيلي الموضوع ده، أنا أعرف دكتورة كويسة ساعدتني كتير، وهاكلمها عشان تقى
مطت فردوس شفتيها وهي تجيبها بإستنكار:
-هايفيد بإيه ؟ ماهي هاتفضل زي ما هي، لا تنفع بكده ولا آآآ...

قاطعتها تهاني بصوت صارم وهي تزفر في ضيق:
-يوووه، والله وجود تقى معاكي هيدمرها مش هايفيدها
إنفعلت عليها أختها وهي ترد قائلة:
-جرى ايه يا تهاني، قلبي محروق عليها ياختي!
نظرت لها بإزدراء وهي تجيبها وفمها ملتوي بإمتعاض:
-ماهو باين!
أضافت فردوس قائلة بصوت شبه حزين:
-هو أنا يعني أكره إن بنتي تبقى كويسة، بس ببص لقدام ولكلام الناس!
نظرت له تهاني بجدية، وأردفت قائلة بقوة:
-سيبك من الناس، محدش بينفع حد، إحنا يهمنا تقى وبس، وأنا بإذن الله مش هاسيبها كده، وهافضل جمبها زي ما كانت هي جمبي زمان!
-وماله، اعملي اللي في الصالح
-إن شاء الله

في سيارة أوس الجندي
راقبت لوزة الطريق من نافذة السيارة المجاورة لها، واستغربت كثيراً منه.. فهو كان معتماً في غالبيته، ومهجوراً إلى حد ما.. ويخلو من السيارات أو المارة..
لذا إستدارت برأسها ناحية أوس وسألته بتوجس:
-هو احنا رايحين فين ؟
نظر لها أوس بصرامة من طرف عينه دون أن يحرك رأسه، ولم يجبها..
إزداد قلقها من صمته المريب هذا، فسألته مرة أخرى بنبرة مضطربة:
-هو احنا مش.. مش هانروح على بيت عدي بيه
رد عليها بإيجاز وهو مسلط أنظاره على الطريق أمامه:
-لأ.

شعرت بالقشعريرة تهاجم جسدها، فعضت على شفتها من الخوف، وسألتها بإرتباك وهي تتلفت حولها:
-طب.. طب انت واخدني على فين ؟
رد أوس على سؤالها بسؤال أخر قائلاً بهدوء مخيف:
-بتسألي ليه ؟
أجابته بصوت متقطع وهي تحاول أن تبدو ثابتة أمامه:
-آآآ.. يعني.. آآ.. أنا.. أنا عاوزة أطمن
إلتفت أوس برأسه فجأة ليحدجها بنظرات قاتمة ومخيفة تسربت إليها لتزيد من خوفها وهو يسألها بنبرة أقرب للهمس:
-هو انتي خايفة مني ؟

إبتسمت له ابتسامة باهتة وهي تجيبه بتوتر:
-لأ . بس.. بس أنا مش عارفة احنا فين كده!
إلتوى فمه قليلاً بإبتسامة شيطانية وهو يجيبها بمكر:
-متقلقيش، أنا واخدك على مكان هايعجبك أوي!
نظرت حولها بريبة، وأشارت بيدها في إستنكار قائلة:
-هنا! في الهِوْ ( مكان خالي ) ده!
نظر لها بحدة وهو يسألها بصوته المتصلب:
-ايه ؟ مش حابة تجربي الخلا ؟

حاولت ألا تجعل إبتسامتها المصطنعة تتلاشى من على شفتيها.. فقد كانت تشعر بالريبة والغموض مما يحدث.. وخشيت أن يسيطر قلقها عليها، فيغضب من تعشقه، لذا تنهدت بحرارة وأجابته بصوتٍ أنثوي مغري:
-يعني.. أنا.. أنامش متعودة معاك إلا.. إلا على حاجات معينة
حرك أوس رأسه قليلاً ناحيتها، ثم وضع كفه البارد على فخذها وضغط عليه قليلاً ليثيرها، قائلاً بتهور لم تتوقعه:
-التجديد مطلوب برضوه، ولا إيه رأيك يا لوزة
ابتلعت ريقها بخوف وهي تجيبه بخفوت:
-أها
ثم نظرت بفرح إلى يده الموضوعة عليها، وأسندت قبضتها عليه لتزيد من ضغطته وإتسعت إبتسامتها الراضية..

بعد برهة وصلت السيارة على مقربة من مخزن الصلب القديم، فأوقفها أوس فجأة مما جعل جسد لوزة يرتد للأمام، ثم نظر إليها بنظراته النارية قائلاً بصرامة:
-انزلي
نظرت حولها برعب وهي تجيبه بنبرة مرتجفة بعد حركته المفاجأة تلك:
-هنا ؟
إزدادت نظراته حدة، وأمرها بصوت غليظ ب:
-يالا!
ابتلعت ريقها وأومأت برأسها موافقة وهي تجيبه بتلعثم:
-ح.. حاضر.

ثم ترجلت من السيارة، وتأملت المكان المظلم حولها برهبة بادية على قسمات وجهها، ولم تنكر أن إرتجافة قوية دبت في جسدها، وجعلتها ترتعش من الخوف..
فالمكان شبه مهجور إلا من مخزن قديم مصنوعة أبوابه من الصاج.. والإضاءة حولها باهتة ماعدا أضواء السيارة الأمامية..
حاولت أن تبتسم لأوس لتخفي خوفها أمامه فهي لم ترغب في إفساد ليلتها معه، وهي التي تتوق للإرتماء في أحضانه، وإرتشاف مذاق الحب منه..
لذت سارت بحذر نحو مقدمة السيارة متسائلة بثبات زائف:
-هانعمل ايه بقى ؟

عبس أوس بوجهه كثيراً، وتجهمت نظراته حتى بدت أكثر قسوة عن ذي قبل، ثم رفع يده ليهوي بها فجأة على وجنتها ليصفعها بقوة باغتها وهو يقول بصوت محتقن للغاية
-هاتعرفي الوقتي.. يا.. يا بنت ال ***...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع والثلاثون

عند المخزن القديم التابع لشركات الجندي للصلب
فغرت لوزة ثغرها في صدمة بعد أن تلقت تلك الصفعة المؤلمة على وجنتها، ونظرت لأوس بنظرات مشدوهة غير مصدقة ما فعله..
أفاقت من صدمتها تلك بعد لحظات قائلة بصوت متقطع:
-إنت.. انت بتضربني ؟
هدر بها أوس بصوت قاتم قائلاً وهو يحدجها بنظراته المشتعلة:
-هو إنتي شوفتي حاجة يا ***** يا *****
ثم قبض على ذراعها، وهزها بعنف وهو يصرخ بها بصوت جهوري:
-مش أوس الجندي اللي يتلعب عليه، ولا يضحك على أخته!

لم يخلو وجهها من تعابيره الصادمة، وابتلعت ريقها وهي تردد بتلعثم:
-هاه، إنت.. إنت عرفت ؟!
رد على تساؤلها بتهكم وهو يرمقها بسخط:
-هو إنتي مكونتش عاوزاني أعرف
-آآ..
هزها بعنف مجدداً وهو يغرز أظافره في ذراعها ليزيد من آلمها قائلاً بإهتياج:
-عملتي كده ليه ؟

أجابته بصوت منفعل وهي تشير بإصبعها:
-عشان أحرق قلبك على اختك زي ما حرقت قلبي عليك
حدجها بنظرات شيطانية نارية، بينما تابعت هي بصراخ هادر غير عابئة بما سيفعله بها وقد نجحت في تحرير ذراعها من قبضته ب:
-ماهو مش أنا اللي اترمى زي الكلاب وغيري يخدك على الجاهز، وأولع أنا، لأ يا باشا، لوزة مش رخيصة للدرجادي، ده أنا لحمي مر، ومُر أوي، وماسبش حد حطيته في دماغي!

إكتفى أوس بتقويس فمه بسخط متابعاً إياها بتوعد بعد أن ظنت أنها قد نالت الفرصة لتجيش عما بصدرها.. فقد كان يريدها أن تفصح أكثر لتكتمل خطته معها بتشفي دون أن يندم للحظة معها..
-ممم..
أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته وهي تصرخ بصوت منفعل وهي تشير بإصبعها:
-وإنت بقى مليت دماغي، وروقت كيفي زي ما أنا كنت بأشوف مزاجك!
إنتظرت منه أن يهتاج أو يثور، ولكن صمته المريب جعلها تمتد في حديثها النزق قائلة:
-هو انت فاكرني هبلة أسيبك بالساهل، يبقى ماتعرفش لوزة كويس!

حدجها بنظرات مخيفة وهو يسألها بإيجاز:
-خلصتي ؟
هزت رأسها نافية وهي تهتف بصوت أكثر حدة:
-لأ لسه يا باشا، أنا قلبي بيقيد نار لما بأشوفك مع حد تاني، مين غيري استحملت اللي بتعمله زيي، وكملت معاك السنين دي كلها.. أنا موجودة جواك يا باشا، بأجري في دمك.. صعب أوي أسيبك تبعد عني، ولا واحدة تلوف عليك غيري!

صرخ في وجهها قائلاً:
-تقومي تستغلي أختي وتوقعيها
إلتوى فمها بإبتسامة متهكمة وهي تجيبه بتشفي:
-كانت قرصة ودن، كنت عاوزة أشوفك مذلول زي ما أنا بأتذل معاك!
ثم تبدلت نبرة صوتها للضيق، وعبست بوجهها أكثر، وزادت نظراتها المحتقنة وهي تتابع قائلة:
-بس ولا فرق معاك اللي حصلها، وهي كملت حياتها عادي، وأنا اللي بقيت بأتكوي بناري أكتر.. وإنت يا باشا عايش حياتك ولا همك ايه اللي بيجرى في الدنيا، وشوفت نفسك مع غيري!

ضيق عينيه في فضول، وسألها بجمود:
-قصدك مين ؟
هتفت بجموح وهي ترمقه بنظراتها الإحتقارية:
-البت الزبالة اللي اتلميت عليها في البيت إياه، اللي شاف ليالينا الوسخة كلها، وهي أخدة هناك مكاني، ومتربعة فيه عشان تشوف مزاجك، بس مهما عملت مش هاتكون زيي!
هوت يده فجأة على وجهها ليصفعها بقوة أشد وهو يهدر بها بصوت متشنج وهو يقتلها بنظراته النارية:
-اخرسي، هي فعلاً مش زيك، ولا تشبهك في شيء!

شعرت بفكها يحطم من قوة صفعته، ووضعت يدها عليه لترى الدماء تذرف من بين أسنانها.. فشهقت بصوت منفعل قائلة:
-آآآي.. اضربني تاني يا باشا، ما أنا واخدة عليكي، وبأتبسط أوي من ده، زيك بالظبط، ماهو المزاج واحد، ولا هي نستك ده ؟ تلاقيها مش بتشوف شغلها كويس!
أطبق على عنقها بقبضة يده، وإعتصره بقوة مفرطة جعلتها تختنق بشدة، وتلهث بصعوبة محاولة التنفس، وصرخ فيها بصوت هادر قائلاً وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-اخرسي، ماتجبيش سيرتها على لسانك القذر ده، هي أشرف من أي حد، هي مراتي يا *****.

أخرجت لسانها محاولة إلتقاط أنفاسها وهي تقول:
-آآآ.. لآ..آآآآ
زاد من قوة ضعطته وهو يكز على أسنانه قائلاً بشراسة:
-مراتي اللي اسمها انضف من واحدة زيك تتكلم عنها
تلون وجهها بزرقة غريبة وهي تحاول الإستغاثة قائلة:
-آآآ..كح..آآ.. ه.. هاموت!

إتسعت حدقتيه الحمراوتين لترمقها بنظراته المخيفة، وأكمل قائلاً بنبرة مميتة:
-إنتي غلطتي، وهتتحاسبي يا *****
هنا تدخل أحد الأفراد الذين يرتدون زياً مدنياً، ولكن هيئته توحي بأنه من رجال الشرطة، وهتف قائلاً بصوت جاد من على مسافة شبه قريبة:
-سيبها يا باشا، إحنا هنتعامل معاها!
ثم اقترب منه بحذر، ووضع يده على كتفه، وربت عليه بخفة قائلاً بنبرة شبه متوسلة:
-من فضلك يا باشا
لم يهتم به أوس، ولم يستدر نحوه، بل ظل مطبقاً على عنقها، محدجاً إياها بنظراته القاتلة، ورد قائلاً بصوت غليظ:
-مش هاسيبها إلا ميتة!

حاول الضابط إزاحه ذراعه بعيداً عن عنقها قائلاً بنبرة جادة:
-هي اعترفت يا باشا، واحنا هانكمل الباقي!
لم يطرف له جفن، وهتف قائلاً بقساوة:
-مش فارق معايا، الكلب اللي جوا اعترف عليها
نظر له الضابط برجاء قائلاً بصوت شبه منزعج بعد أن رأى علامات الإختناق جلية عليها:
-يا باشا، دي بت ***** ماتستهلش توسخ ايدك!

بعد محاولات جادة من الضابط مع أوس، تركها هو بصعوبة، فسعلت بصوت قوي، وتحشرج صوتها وحاولت إلتقاط أنفاسها، فقد كانت قاب قوسين أو أدنى من لفظ أنفاسها الأخيرة على يده..
وضعت يديها على عنقها لتتحسسه، وأطرقت رأسها للأسفل..
بينما سحب رجلين من الداخل فارس الذي تراخى جسده بفعل الضربات المبرحة، وألقوه عند قدمي أوس الجندي، فنظرت إليه لوزة بذعر..

كان فارس يبكي بحرقة، ويصدر أنيناً خافتاً وهو يحاول التكور على نفسه، ثم وضع يده أسفل معدته ليتحسس الجزء السفلي من جسده، والذي كان ملوثاً بالدماء..
لم تفهم هي سبب بكائه الجلي.. ولكن خفقات قلبها المرتعدة، ونظرات فارس المخذوله تشير إلى أنه تعرض لإيذاء وحشي له صله برجولته..
ومن ثم رفعت بصرها المرتجف ناحية وجه أوس لتتفرس تعبيراته المخيفة..

أشار هو لها بإصبعه وهو يتابع بصوت قاتم ونظرات متشفية:
-كلبك أهوو.. معدتش ينفع بنكلة، وعرف قيمة اللي عمله كويس، وهايفتكره لحد أخر عمره، ده لو فضل عايش
سألته بصوت مبحوح ومتلعثم وهي توزع أنظارها المذعورة بينهما:
-إنت.. إنت عملت فيه إيه ؟
رد على سؤالها بنبرة مخيفة ب:
-قولي هاعمل فيكي ايه ؟

رأت في عينيه الإنتقام الحقيقي من جريمتها، فحاولت أن تستجديه قائلة بنبرة شبه نادمة:
-أنا مغلطتش عشان تعمل كل ده، أنا واحدة بتحبك، وعملت كل اللي انت عاوزه عشان ترضيك!
تجهم وجه أوس وإزداد قتامة، فخشي الضابط أن يتهور ويرتكب ما لا يحمد عقباه على مرآى ومسمع منه، فقال بنبرة رسمية بعد أن تحرك ليقف أمامه ويسد عليه الطريق:
-باشا، ماتوسخش إيدك مع واحدة زيها، المحاضر متظبطة، وأنا هأخليها تتروق في الحجز.

لم يحدْ أوس بنظراته النارية عنها، وهتف قائلاً بجمود:
-عاوزها تخش القسم مفضوحة، سامعني!
أومأ الضابط برأسه قائلاً بثقة:
-ده أقل واجب معاها
تراجعت للخلف بخوف بائن على كل جسدها، وابتلعت ريقها وصرخت مذعورة:
-إنت.. إنتو هاتعملوا ايه ؟
أجابها أوس بصوت مخيف قائلاً:
-شغل آداب.. حاجة مش غريبة عليكي يا.. يا *****!
صرخت بأعلى صوتها وهي تشير بكفي يدها في الهواء:
-لألألألألألألأ....!

في الملهى الجديد
إبتسم ممدوح وهو يرى تلك الشابة الجديدة بجسدها المغري وهي تتلوى بحركات مثيرة أمامه لتزيد من رغبته فيها، وإستجابت هي بإحترافية لنظراته المتفحصة لجسدها المشتعل بالأنوثة..
وأتقنت بمهارة دورها كما علمها رب عملها بهججة ليغدق عليها الرواد بسخاء..
وما إن إنتهت من فقرتها الغنائية حتى أسرعت بالإستجابة لطلبه، وجلست ملاصقة له، فمد ذراعه حول كتفيها، ونظر لها بشهوة قائلاً:
-وجه جديد
ردت عليه رحمة بنعومة شديدة ألهبته:
-أيوه.. ها يجي مني ؟

إبتسم لها بإبتسامة مراوغة وهو يجيبها بمكر:
-أكيد، بهججة بيعرف ينقي موظفينه كويس
هزت كتفيها بطريقة مثيرة وهي تجيبه قائلة بدلال:
-عندك حق
مد ممدوح أصابعه ليتحسس بشرتها متسائلاً بلؤم:
-قوليلي بقى إنتي عندك كام سنة ؟
ردت عليه بتساؤل بصوت مغري وهي تتأمله بنظرات ذات مغزى:
-تديني كام ؟
فهم نظراتها الوضيعة، فمط فمه ليقول بعبث:
-مممم.. خليها بيني وبينك أحسن.

-ممم.. وماله، طالما كله بحسابه
أضاف قائلاً بثقة وهو يرمقها بنظراته المتعالية:
-لأ مع ممدوح متعديش.. هاغرقك فلوس
إزدادت ابتسامتها الطامعة اتساعاً.. فمال عليها ليهمس لها في أذنها بشيء ما، فضحكت هي بطريقة رقيعة، وغمزت له بطرف عينها وهي تتابع قائلة:
-خلاص.. زي ما تحب!

قطع حديثهما اللعوب رنين هاتف ممدوح، فتراجع بجسده للخلف، ومد يده في جيب سترته، ليخرج الهاتف وينظر إلى شاشته، فوجد اسم ناريمان يضيئها، فمط فمه في إستهجان، ثم تجاهلها، ولكن رن مجدداً معلناً وصول رسالة نصية، فقرأها دون اكتراث لوهلة، ولكن تبدلت ملامحه للجمود والصدمة، فأزاح ذراعه بعيداً عن رحمة، وقال بجدية:
-ثواني كده وجايلك
ثم نهض عن أريكته المريحة، وإتجه بخطوات أقرب إلى الركض نحو الخارج
تابعته رحمة بنظرات ساخطة، وحدثت نفسها بتهكم قائلة:
-باينه من إياهم بتاع كلام وبس.. أوووف.. المصلحة خدها الغراب وطار..!

نزل ممدوح على درجات الملهى وهو يضع هاتفه المحمول على أذنه، ومحدقاً أمامه بنظرات قلقة..
هتف قائلاً بصوت شبه منزعج حينما ردت عليه ناريمان ب:
-ايه اللي انتي كتباه ده ؟
أجابته قائلة بسخط ب:
-ماهو انتو مش عاوز ترد على تليفوناتي
سألها بصوت جاد وهو يتجه نحو سيارته:
-يعني ايه تهاني ظهرت ؟
ردت عليه بصوت منفعل قائلة:
-يعني زي ما بأقولك تهاني عايشة وشوفتها واشتبكنا مع بعض!
أخذ نفساً عميقاً ليسيطر على إنفعالاته، وزفره على مهل ليسألها بجدية:
-احكيلي بالظبط اللي حصل.

وقفت تهاني أمام محل البقالة الموجود على مقربة من بنايتهم السكنية القديمة لتتحدث بصوت جاد قائلة:
-ممكن الموبايل لو سمحت
نظر له صاحب المحل بإستغراب، فملامح تلك السيدة مألوفة، ولكن يتعذر عليه تخمين هويتها..
شعرت هي بغرابة نظراته لها، ولم تهتم.. بل أعادت تكرار طلبها بصوت مهذب، فإستجاب لها قائلاً:
-إحم.. لامؤاخذة.. اتفضلي، بس الدقيقة بنص جنية
-حاضر.

تناولت الهاتف المحمول منه، ونظرت إلى الكارت الصغير المطوي في يدها، وأولت ظهرها لصاحب المحل، واتصلت برقم ما..
ثم وضعت الهاتف على أذنها لتستمع إلى صوت هاديء يجيب عليها ب:
-أيوه
هتفت قائلة بتلهف وهي تضع يدها على مقرب من فمها:
-دكتورة رجاء
-مين معايا ؟
-أنا تهاني
ردت عليها الطبيبة رجاء باستغراب ب:
-حاجة تهاني!
ثم سألتها بإهتمام دون تردد للحظة:
-انتي فين ؟ واختفتي فجأة ساعة الحفلة، وآآ..

قاطعتها تهاني بصوت أقرب للهمس وهي تتلفت حولها:
-دكتورة رجاء أنا عاوزاكي في حاجة مهمة
ردت عليها بإيجاز ب:
-اتفضلي
اخفضت تهاني نبرة صوتها أكثر، وهمست قائلة بحذر وهي مطرقة الرأس:
-هي حاجة بخصوص بنت أختي ومش هاينفع أقولها في التليفون
أجابتها الطبيبة رجاء بإهتمام ب:
-طب هاتيها وتعالي الدار
هزت تهاني رأسها رافضة، وقالت بإعتراض:
-لأ مش هاينفع، أنا مش عاوزة أجي هناك!

تنهدت بصوت مسموع، وأضافت قائلة بإهتمام:
-طب قوليلي فكرة عنه!
تلعثم صوتها وهي تجيبها بحذر ب:
-الموضوع اصله آآآ.. آآآ.. يعني صعب يتحكي كده!
مطت رجاء شفتيها، وصمتت للحظات قبل أن تجيبها بصوت جاد:
-ممم.. طب بصي اكتبي في ورقة عنوان العيادة بتاعتي، وتعاليلي على هناك، أنا بأكون متواجدة من بعد الساعة 6 بالليل
هتفت تهاني بنبرة متحمسة وقد أدمعت عينيها:
-ربنا يباركلك يا دكتورة رجاء، أنا مش هانسى معروفك ده.

-أنا معملتش لسه حاجة
مسحت بطرف إصبعها تلك العبرات العالقة بأهدابها وهي تكمل قائلة بإمتنان:
-كفاية إنك مش بتتأخري عن حد
ردت عليها بهدوء ب:
-ده واجبي، خلاص هستناكي بكرة، وإن شاء الله خير
-يا رب.

في سيارة ممدوح
تابع ممدوح حديثه الخطير مع ناريمان بشأن ظهور تهاني في الحفل السنوي للجمعية الخيرية بداخل سيارته حتى لا يستمع إليه أي أحد، ونهرها بحدة لتعاملها بإستهتار مع الموضوع.. وأضاف قائلاً بصوت محتد:
-إنتي بغباءك فضحتي نفسك!
خرج صوتها صارخاً من الهاتف ب:
-وأنا كنت أعرف منين يعني إني هاشوفها!
حك ممدوح رأسه، ثم أردف قائلاً بهدوء حذر:
-خلاص سيبك من اللي حصل الوقتي، واعرفي مكانها فين.

سألته بنبرة حائرة ب:
-إزاي؟
رد عليها بصوت جاد وهو يدير محرك سيارته:
-شوفي مين اللي جابها عندك، ماهو استحالة تكون دخلت النادي ده منها لنفسها!
-أها
-اسألي كل الناس
ابتلعت ريقها لتسأله مجدداً بضيق:
-طب.. طب والسوشيال ميديا والكلام اللي اتنشر عني ؟
أجابها بصوت غير مكترث وهو يدير عجلة القيادة:
-كبري منه، إحنا نركز بس في تهاني ومكانها
-اوكي.

أضاف ممدوح قائلاً بجدية شديدة وهو مسلط أنظاره على الطريق:
-ناريمان، حطي في بالك إن وجود تهاني بيهددنا كلنا، وهايقلب الدنيا علينا
أجابته بتنهيدة إنهاك قائلة:
-ما أنا عارفة ده كويس، أومال يعني بأكلمك ليه
سألها بإهتمام واضح وهو يلوي فمه:
-وجوزك عرف ؟

ردت عليه بفتور ب:
-لأ.. مش بيرد عليا
هتف قائلاً بصرامة وهو عابس الوجه:
-عرفيه هو كمان، ماهو متنيل معانا في البلوى دي
ردت عليه بضجر ب:
-مش أما يعبرني الأول
زفر بصوت مسموع وهو يصرخ قائلاً:
-يوووه، ناريمان انسي مشاكلك مع مهاب الوقتي لحد ما نتصرف مع المصيبة دي
-اوكي.. اوكي
ثم أضاف قائلاً بجدية:
-وكلميني لما تعرفي حاجة
-ماشي
-سلام!

في منزل تقى عوض الله
غفت تقى بعد حالة الهياج العصبي التي أصابتها في حضن والدها الذي جلس إلى جوارها على الفراش.. ثم بكل هدوء وحذر إنسل من بين ذراعيها ليتركها بمفردها وسار بخطى متعرجة نحو الخارج
خرجت تهاني وهي تحمل في يدها مشروباً دافئاً من المطبخ، ولحقت بها فردوس وهي تسألها بخفوت:
-يعني إنتي متأكدة إنها هتوافق تعالجها ؟

إستدارت تهاني بجسدها، ونظرت لها بإرهاق وهي تجيبها بصوت منخفض:
-بأمر الله، هي مش بتتأخر عن حد
لوت هي فمها بسخط قائلة:
-يا ريته يجي بفايدة
إكفهر وجه تهاني من ردود أختها المحبطة، والتي تعبث على اليأس وفقدان الأمل، وهتفت قائلة بصوت شبه حاد:
-إن شاء الله، طالما هنمشي على العلاج النفسي الصح هيفرق معاها أوي
ثم تركتها وإتجهت ناحية الغرفة، ولكن أوقفها صوت فردوس المتسائل بفضول:
-بس هي هتاخد أد ايه مننا ؟

إلتفتت برأسها ناحيتها، وعقدت ما بين حاجبيها لتجيب على تساؤلها قائلة:
-يعني ايه، مش فاهمة ؟
حركت إصبعيها بطريقة تشير إلى دفع مبلغ مادي قائلة بضيق:
-فلوس يعني!
نفخت تهاني في إنهاك، وحدجت أختها بنظراتها المنزعجة قائلة بإقتضاب
-معرفش
أضافت فردوس قائلة بتذمر:
-أنا مش حمل تكاليف زيادة، ده أنا يدوب ممشية البيت بالضالين
ردت عليها تهاني قائلة بجدية:
-ماتشليش هم، أنا هاتصرف.

مطت فردوس فمها في سخط وأردفت قائلة بتهكم:
-هاتتصرفي منين، وإنتي يا حسرة لا شغلة ولا مشغلة!
صرخت فيها تهاني قائلة بحدة وهي تحدجها بنظرات محتقنة:
-فردوس
فشاغل أختها الأكبر هو تدبير المال وإنفاقه وليس سلامة إبنتها الوحيدة، نعم سندها في تلك الدنيا القاسية لا يقارن بأي أموال..
رأت فردوس نظرات الغضب والإستهجان واضحة على تعبيرات وجهها، فحاولت أن تلطف من الأمر قليلاً، فرفعت كفها في وجهها وهي تقول ببرود مستفز:
-أنا مقصدتش، بس دي الحقيقة.

رمقتها بنظرات حانقة وهي ترد عليها بإستنكار:
-خلاص، هاتصرف، وربنا هايكرم
تنهدت في يأس فهي تعلم ضيق ذات اليد مع أسرتها البائسة، ولكنها لم ترد أن تتشاجر مع أختها، لذا تابعت بفتور:
-ماشي
نظرت تهاني بسخط لها، فقد إستكفت من النقاش غير المجدي معها، وأردفت قائلة بصوت متصلب:
-أنا داخلة أنام مع تقى
قطبت فردوس جبينها، ورفعت حاجبها للأعلى قليلاً قائلة بإستغراب:
-مش هاتسهري شوية ونحكي.

ردت عليها تهاني بصوت ممتعض ب:
-لأ.. أنا تعبانة
لوت فمها للجانب وهي تهمس بعدم اكتراث:
-براحتك
ثم تابعتها بنظرات مطولة حتى توارت عنها، وحدثت نفسها قائلة بتذمر وهي تزم ثغرها:
-وأدي أخرتها هم زفتي بينطر على ميت غمر..!

في قصر عائلة الجندي
صاح مهاب بصوت جهوري في وجه ناريمان حينما أبلغته بظهور تهاني مجدداً قائلاً:
-وساكتة
هتفت هي قائلة بنبرة محتدة:
-ما إنت مش معبرني
رمقها بنظراته البغيضة قائلاً بسخط:
-اه طبعاً، حطي كل بلاويكي عليا
لم تهتم برده المستفز، بل سألته بإهتمام وهي تعبث بخصلات شعرها:
-طب هاتتصرف إزاي ؟

رد عليها بصوت قاتم وهو يفرك وجهه في حيرة:
-معرفش، هافكر الأول
فكرت هي في أن تذيل حاجز الضيق بينهما بإدعائها الإهتمام بمعرفة أحوال ليان، فسألته بصوت متقطع وهي تختلس النظرات إليه:
-آآآ.. طب.. طب وعرفت حاجة عن ليان ؟
أجابها مهاب بصوت بارد وهو يلقي بجسده على الفراش:
-أيوه.. هي مع جوزها!
سألتها مرة أخرى وهي تتابعه بنظراتها قائلة بإهتمام زائف:
-هي بخير ؟

هز رأسها مجيباً إياها بإختصار ب:
-أها..
-اوكي..
ثم حدق مهاب أمامه ليحدث نفسه بضجر ب:
-كل حاجة بتتعقد، أنا محتاج أرتب أموري كلها، وإلا اللي بنيته في سنين هايتهد في ثواني....!

في منزل ما بمنطقة مصر الجديدة
جاب أوس بعينين حادتين كالصقر تفاصيل وديكورات ذلك المنزل الجديد الذي اقترحه مكتب الإستشارات العقارية عليه لكي يمكث فيه..
فالصالة متسعة للغاية ومفروشة على أحدث طراز..
كذلك يوجد بالمنزل أربع غرفات أخرى، منهما إثنين للنوم، وواحدة معيشة، وأخرى معدة كمكتب، بالإضافة إلى وجود ثلاث مراحيض، واحد ملحق بغرفة الإستقبال الخارجية، وإثنين بغرف النوم.. ومطبخ متسع بجوار باب المنزل..
بدى على وجه أوس علامات الجمود رغم بريق الإعجاب الذي ظهر في مقلتيه..

ثم إستدار بجسده ليواجه المهندس المسئول قائلاً بجدية:
-تمام، هاخده
اتسعت ابتسامة المهندس، وتشدق قائلاً بحماس جلي:
-المكان يتشرف بيك يا فندم، وتقدر وقت ما توقع على العقود تستلم المفتاح فوراً
أولاه أوس ظهره، وتابع قائلاً بصوت صارم:
-التفاصيل دي كلها المحامي هيخلصها معاك الوقتي
برزت أسنان المهندس وهو يجيبه بسعادة:
-أوكي يا باشا، وإحنا تحت أمرك
ثم تحرك أوس خطوتين للأمام ليكمل حديثه الواثق مع نفسه وقد إلتوى فمه بإبتسامة مغترة:
-كل حاجة هاتكون جاهزة يا تقى! ما إنتي هتنوري بيتك ده.. بكرة...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الأربعون

في صباح اليوم التالي
في قصر عائلة الجندي
لم يغمض لناريمان أي جفن طوال الليل، وظلت تفكر فيطريقة تمكنها من الوصول إلى تهاني..
فأسلم الطرق للحفاظ على حياتها الآن هي بالتخلص منها.. هكذا أهداها تفكيرها..
ومع أول ساعات النهار، إتصلت هي بهياتم - والتي لم تجيبها في البداية - لمعرفة أي تفاصيل تخصها..

وبعد عدة مرات ردت عليها هياتم قائلة بتوجس:
-صباح الخير يا مدام ناريمان، سوري كنت بأخد شاور وآآ..
قاطعتها ناريمان بصوت جاد ومحتد ب:
-مش عاوزة أعرف تفاصيل يا هياتم، أنا عاوزاكي في حاجة مهمة
ابتلعت هياتم ريقها بتوتر، وهتفت قائلة بجدية:
-اتفضلي.

سألتها ناريمان بصوت شبه محتقن ب:
-انتي كنتي المسئولةعن تنظيم الحفلة، صح ؟
-أيوه
تابعت أسئلتها المستفسرة بصوت شبه هاديء ب:
-يعني عارفة كل اللي فيها ؟
ردت عليها هياتم بثقة:
-أكيد.

وفجأة إزدادت نبرة صوتها حدة وهي تصرخ فيها قائلة:
-مين الست اللي دخلت النادي دي واشتبكت معايا ؟ وإزاي أصلاً تدخل بدون عضوية أو دعوة خاصة
تعجبت هياتم من حالة العصبية التي إنتابتها، وردت عليها بإستغراب ب:
-دي تهاني الحالة الإنسانية اللي كنت كلمت حضرتك عنها
جحظت ناريمان بمقلتيها في صدمة فاغرة شفتيها وهي تقول:
-نعم!

أضافت هياتم متسائلة بهدوء:
-حضرتك مش فاكرة ولا إيه ؟
قطبت ناريمان جبينها، وعبس وجهها أكثر وهي تقول بنزق:
-حالة ايه ؟ انتي مش قولتيلي حاجة زي كده!
حافظت هياتم على حالة الهدوء وهي تتابع قائلة:
-أكيد حضرتك ناسية، الموضوع ده كان من فترة!
سألتها ناريمان بإنفعال وهي تدور حول نفسها في الغرفة:
-امتى يعني ؟

أجابتها هياتم بحذر ب:
-أنا كنت قولت لحضرتك عن اني لاقيت حالة انسانية صعبة أوي في الشارع وفكرت إننا لو ساعدناها وقدمنا العلاج المناسب ليها هتبقى أفضل، وفاتحت حضرتك في الموضوع وانتي بنفسك وافقتي على ده!
هزت ناريمان رأسها غير مصدقة ما سمعته للتو، وإتسعت حدقتيها في ذهول.. وهتفت قائلة بصدمة:
-مش ممكن.

ثم حدثت نفسها بإندهاش وهي تلوم نفسها بشدة ب:
-يعني.. يعني أنا بفلوسي وافقت على علاج تهاني دي، مش معقول!
أطلقت سبة خافتة، وكزت على أسنانها بغيظ وهي تسألها ب:
-انتي عارفة مكانها فين يا هياتم ؟
-أها
صاحت فيها متسائلة بقوة ب:
-فين ؟ قولي ؟
أجابتها بنبرتها الهادئة وهي تتنهد بخفوت:
-دي مقيمة في دار المسنين التابعة لجمعيتنا.

وكأن الصدمات تتوالى على رأسها تباعاً، إذن فتهاني كانت تقيم منذ فترة في الدار، وهي بنفسها من خطت على عقد إيداعها بها دون وعي منها.. واليوم تتلقى الصفعات منها لتهدم حياتها..
أفاقت من شرودها المؤقت وهي تأمرها بصوت جاد:
-هاتلي عنوان الدار دي بسرعة!
-حاضر يا مدام ناريمان
أصغت ناريمان بإنتباه تام لهياتم، وحفظت عن ظهر قلب عنوان دار الرعاية الخاصة بالمسنين.. ففيها تمكث عدوتها، وهناك ستجد الوسيلة للتخلص منها..
ما عليها إلا الذهاب فقط إلى هناك..!

في منزل تقى عوض الله
إنتهت تهاني من إطعام تقى بنفسها، ومدت يدها لتمسح بقايا الطعام عن فمها، وهي تبتسم لها قائلة بحنو:
-إن شاء الله يا بنتي هتخفي وهاتبقي أحسن بكتير
بادلتها تقى ابتسامة باهتة ولم تعقب..
بينما تابعت تهاني حديثها الدافيء قائلة بنبرة أمومية حانية:
-أنا مانستش اللي عملتيه عشاني يا بنتي وأنا تعبانة ومش في حالتي، صحيح كان عقلي مش فيا، بس كنت حاسة بكل اللي بيحصل حواليا، وإن شاء الله ربنا يقدرني وأقدر أعمل ده معاكي وترجعي تقى بتاعة زمان.

تنهدت تقى بعمق، ونظرت لها بأعينها الحزينة اللامعة.. فوضعت تهاني يدها على وجنتها وفركتها برفق قائلة بهدوء:
-سبيها على الله وماتفكريش إلا في الحلو وبس
في تلك اللحظة ولجت فردوس إلى الداخل، وحدقت في كلتاهما بنظرات متفحصة، ثم أردفت قائلة بجدية:
-أنا نازلة أشتري خضار من السوق، مش هتأخر يا تهاني، خلي بالك من البت
أمسكت تهاني بكف يد تقى، وضغطت عليه بأصابعها المجعدة قائلة بنعومة:
-دي نور عيني، متقلقيش عليها.

ردت عليها فردوس بجمود وهي تشير بيدها:
-ماشي، وعوض نايم جوا في الأوضة، هو خد الدوا بتاعه ومش محتاج حاجة
أومأت برأسها إيماءة خفيفة وهي تضيف قائلة:
-بالشفا يا رب
تنهدت فردوس في حسرة وهي ترمق إبنتها بنظرات مخزية، ثم أولتهما ظهرها، وإنصرفت من الغرفة
إنهمرت عبرات تقى عفوياً وهي ترى تلك النظرات دوماً في عيني والدتها لتزيد من عذابها وآلمها النفسي، وتقهر روحها أكثر..

شعرت تهاني بغصة في حلقها وهي ترى حالة الحزن تعود من جديد لتسيطر عليها، فوضعت صحن الطعام جانباً، وفتحت ذراعيها، وضمتها إلى صدرها بقوة، وربتت على ظهرها قائلة بنبرة أسفة:
-بس يا بنتي متعيطيش، دموعك بتقطع قلبي، والله كل حاجة هاتعدي..
صاحت تقى بصوت متشنج وهي تهز رأسها المطرقة للأسفل بعصبية بعد أن أغمضت عينيها:
-مافيش حاجة هاتعدي، أنا ماغلطتش، ماغلطتش!

هتفت تهاني بتوسل قائلة وهي تقاوم عبراتها:
-شششش.. أنا عارفة ومتأكدة من ده، طب أقولك على حاجة!
رفعت تقى وجهها لتنظر نحوها بفضول، فأكملت تهاني قائلة بصوت شبه باكي:
-عارفة أنا لو كان ربنا كتب لبناتي النجاة كان زمانهم بقوا أدك كده في السن
هتفت تقى بصوت متعجب وموجز وهي تمسح عبراتها:
-بناتك.

هزت تهاني رأسها بخفة وهي تجيبها بخفوت:
-اها.. ما أنا كنت متجوزة بس ربنا أراد يسترد أمانته عنده
سألتها تقى بإستغراب وهي عابسة الوجه:
-هما ماتوا ؟
تنهدت بعمق وهي تجيبها بمرارة:
-الحمدلله على كل حال، دي مشيئة الله في الأول وفي الأخر!
وبالفعل نجحت تهاني بطريقة لبقة في إخراج ابنة اختها من حالتها للحديث في أمور تخصها هي لعلها تلهيها مؤقتاً عن التفكير في ذكرياتها الموجعة..

في دار رعاية المسنين
إنتفضت مديرة الدار من على مقعدها لتهرول خارج المكتب حينما تم إبلاغها بوصول السيدة ناريمان شوقي في الخارج..
تهللت أساريرها، وعمت الفرحة نفسها وهي تحدث نفسها قائلة:
-ناريمان هانم بنفسها هنا، كده اتفتحت طاقة القدر لينا
لمحتها هي من على بعد وهي تترجل من سيارتها، فهتفت قائلة بنبرة عالية ومتحمسة:
-أهلاً بيكي ناريمان هانم، نورتي الدار!
رمقتها ناريمان بنظراتها المتفحصة، ورغم حالة النفور البادية على وجهها، إلا أنها رسمت إبتسامة مجاملة زائفة على ثغرها وهي ترد بإيجاز:
-هاي.

أشارت لها مديرة الدار بيدها وهي تتابع قائلة بنبرة أكثر حماسة:
-اتفضلي حضرتك شرفيني في المكتب نتكلم هناك
نظرت له ناريمان شزراً، وأجابتها بتكبر قائلة:
-لأ.. ميرسي، كده أفضل
هتفت مديرة الدار بإصرار وهي تنظر لها بسعادة:
-مايصحش يا هانم والله!
نفخت هي بضيق وهي تتابع قائلة بإنزعاج:
-أووف، بليز.. أنا جاية أسأل عن حد هنا
أشارت الأخيرة بيدها وهي تضيف بصوت متلهف:
-اتفضلي، المكان كله تحت أمرك
جابت ناريمان بعينيها المكان متفحصة إياه وهي تتسائل بصوت جاد
-فين اللي اسمها تهاني ؟
-تهاني!

أومأت برأسها إيماءة خفيفة وهي تكمل بإدعاء زائف أنها غي مكترثة من خلال نبرة صوتها رغم حالة الفضول المسيطرة عليها:
-أها.. الحالة اللي جت من فترة هنا وكانت شكلها ياي مقرف وعندها مشاكل في الذاكرة وآآ..
قاطعتها مديرة الدار بصوت جاد قائلة:
-ايوه ايوه يا هانم أنا افتكرتها.. بس هي مشيت من هنا
فغرت ناريمان ثغرها في صدمة وهي تهتف ب:
-مشيت
هزت مديرة الدار رأسها بهدوء وهي تجيبها بثقة دون أن تطرف عينيها:
-أيوه، من ساعة الحفلة، كان أخر يوم ليها هنا!
إرتفع حاجبي ناريمان للأعلى في صدمة أكبر، وهتفت قائلة بنبرة مدهوشة:
-إييييييه!

تابعت مديرة الدار حديثها بأريحية ب:
-هي كانت عاوزة تمشي من فترة، واستنت بس لحد الحفلة ومشيت بعدها
سألتها ناريمان بإهتمام وهي عاقدة ما بين حاجبيها:
-راحت فين ؟
هزت مديرة الدار كتفيها في عدم معرفة قائلة بهدوء:
-معرفش والله أي تفاصيل عنها
صاحت ناريمان بصوت شبه محتد وهي تشير بإصبعها وترمقها بنظراتها الساخطة:
-وإزاي الناس تدخل وتمشي من غير ما يكون في متابعة ؟!

تعجبت مديرة الدار من إنفعال ناريمان الغير مبرر، وردت عليها بنبرة جادة ووجهها جامد التعبيرات:
-يا هانم احنا دار قايمة على التبرعات والجهود الذاتية، ولو في حد حب يمشي مش هانمنعه، طالما دي رغبته الشخصية!
لم تعقب ناريمان عليها، بل حدثت نفسها بصوت مصدوم قائلة بخوف:
-دي كارثة، أعمل ايه الوقتي ؟ وهوصلها بس إزاي ؟

لاحظت مديرة الدار شرود ناريمان، وتبدل قسمات وجهها للإحتقان والضيق، فحاولت أن تخفف من حدة توترها، فأردفت قائلة بإبتسامة مجاملة:
-اتفضلي يا هانم ارتاحي جوا شوية
رمقتها ناريمان بنظرات مغتاظة قبل أن تجيبها بصوت قاتم:
-لأ.. مش عاوزة، أنا ماشية
قطبت مديرة الدار جبينها، وهتفت بإستغراب:
-بدري كده، ده حتى احنا ملحقناش نقوم مع حضرتك بالواجب وآآ...

قاطعتها ناريمان وهي تشير بإصبعها وبنبرة متأففة:
-شششش.. خلاص، وقت تاني.. باي
ثم ركبت سيارتها، وصفقت الباب بعنف خلفها، وظلت تغمغم مع نفسها بكلمات مبهمة.. وأشارت للسائق بعينيها لينصرف قبل أن تخفيهما خلف نظارتها القاتمة..
تابعتها مديرة الدار بإندهاش عجيب متسائلة مع نفسها بصوت مسموع ب:
-مالها دي ؟ جت في ايه ومشيت في ايه ؟!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
ولجت السكرتيرة إلى داخل مكتب أوس الجندي، وبحثت عنه بعينيها فوجدته يقف بشموخ أمام الحائط الزجاجي المطل على الواجهة الخارجية للشركة ويضع كلتا يديه في جيبي بنطاله..
فإبتلعت ريقها بخفوت، وسارت بحذر نحوه..
وقفت خلفه، وتنحنحت بخفوت قائلة بصوت هاديء:
-أوس باشا، كل حاجة جاهزة
إستدار برأسه قليلاً ليرمقها بنظراته القوية قبل أن يسألها بصوت جامد:
-ومنعم المحامي ؟

ردت عليه بنبرة شبه خائفة وهي ترمش بعينيها:
-موجود يا باشا تحت في عربية سيادتك!
تابع قائلاً بصوت آمر وقد عاود التحديق أمامه:
-تمام، امشي انتي
هزت رأسها إمتثالاً لأوامره وهي تتراجع للخلف قائلة بهدوء:
-حاضر
أخرج أوس يديه من جيبي بنطاله، وإستدار بجسده كليةً للخلف، وإلتوى فمه بإبتسامة واثقة وهو يحدث نفسه قائلاً:
-و ده وقت رجوعك ليا يا تقى!
ثم إلتقط بخفة مفاتيح سيارته وهاتفه المحمول، وتوجه نحو باب غرفة مكتبه لينطلق بخطوات ثابتة نحو الخارج..

في منزل تقى عوض الله
أكملت تهاني إرتداء ملابسها بعد أن تأكدت من إنتهاء تقى من وضع ثيابها عليها.. ثم اقتربت منها، ولفت الحجاب حول رأسها، وقبلتها من وجنتيها قائلة بحنان واضح في نبرتها:
-زي القمر يا بنتي.. ربنا يزيح عنك كل حاجة وحشة
وقفت فردوس على عتبة الغرفة، ورمقت كلتاهما بنظرات مراقبة وهي عاقدة لساعديها أمام صدرها، ثم قالت بنزق:
-برضوه هاتخديها وتروحي
إلتفت تهاني برأسها للخلف، وقالت بضيق:
-مش احنا اتكلمنا في الموضوع ده امبارح!

أرخت فردوس ساعديها، وسارت نحوهما، ثم سلطت أنظارها على ابنتها متأملة حالة الذبول والشحوب البادية على وجهها، وأردفت قائلة بإحباط:
-ايوه، بس أنا خايفة تطلب منك فلوس أد كده، وإحنا على أد حالنا، وأديكي شايفة العين بصيرة والإيد قصيرة
صاحت فيها تهاني بجدية وهي ترمقها بنظراتها المحتدة:
-قولتلك ماتشليش هم، أنا هاتصرف.

مطت فمها بإمتعاض وهي تضيف قائلة:
-ماشي.. متتأخروش برا!
تنهدت تهاني بضيق وهي تجيبها بصوت شبه منزعج
-هانخلص ونرجع على طول
-طيب
ثم ربتت تهاني على ظهر تقى وقالت بصوت دافيء:
-يالا يا بنتي..
ثم سارت الإثنتين نحو باب المنزل، وتبعتهما فردوس، وأغلقت الباب خلفهما بعد أن توجهتا للخارج..

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
خشيت إحسان أن تبلغ ابنها عبد الحق الذي وصل لتوه من الخارج بعد غيابه ليومين في سَفرةٍ قصيرة من أجل العمل بما حدث مع بطة..
واكتفت بالجلوس صامتة على الأريكة القديمة ومسلطة أنظارها على شاشة التلفاز..
خرج عبد الحق من غرفة نومه متسائلاً بحيرة ب:
-أومال بطة فين يامه
لم تنظر نحوه وردت عليه بفتور وهي تتناول اللب الأسمر ط
-عند أمها
جلس إلى جوارها وسألها بقلق:
-ليه ؟

لوت فمها في تأفف، وردت عليه بجمود:
-اسألها
إنزعج وجهه، وهتف قائلاً بضيق وهو محدق بها:
-آآآخ.. عملت فيها ايه يامه، قولي!
نظرت له من طرف عينها بسخط، ثم أجابته ببرود مستفز:
-ولا جيت جمبها، هي اللي حاطة نقرها من نقري
احتقن وجهه قليلاً وهو يتشدق ب:
-هي برضك يامه!

تركت هي اللب من يدها، ورمقته بنظرات حادة وهي تنهره قائلة:
-جرى ايه ياض، انت هاتقف في صفها، وتجي على أمك
نهض من جوارها، وأشار بيديه وهو يقول بتذمر:
-لا صفها ولا صفك، بس أنا عارفك، ما بتصدقي
لوت فمها وهي تسأله بإستخفاف:
-مش عارفة إنت إيه اللي عاجبك فيها بنت ال *** دي ؟
رد عليها بصوت شبه محتد ب:
-بأحبها يامه وهي أم عيالي.

ابتلعت ريقها بتوتر وحاولت أن تبدو هادئة وهي ترد عليه بجمود بعد كلمته الأخيرة:
-طلقها يا بني وريحني منها، دي ماتنفعكش!
فغر فمه قائلاً بصوت مصدوم:
-أطلقها، بأقولك يامه دي حبلى في ابني، أقوم أطلقها!
رمقته بنظرات ساخطة، ثم اكتفت بلوي فمها في إزدراء، في حين هتف هو قائلاً بنبرة حاسمة:
-أنا هاروح أجبها هنا تاني
ثم إتجه نحو باب المنزل، فصاحت هي بصوت مرتفع قائلة بتهكم صريح:
-خليك كده دلدول لحد ما تجيبك ورا!
صفق عبد الحق الباب بعنف خلفه، وتمتم مع نفسه قائلاً بنبرة قاتمة:
-والله يامه إنتي اللي جيباني معاها ورا..!

في إحدى العيادات النفسية
صعدت تهاني وهي متأبطة في ذراع تقى على الدرج حيث تتواجد عيادة الطبيبة رجاء النفسية في الطابق الثاني..
قرأت تهاني اسم اللافتة بصوت مسموع، ثم إلتفتت برأسها ناحية تقى وقالت بهدوء:
-يالا يا بنتي، دي العيادة
سارت معها تقى بإستسلام رهيب، وولجت إلى الداخل دون أن تنبس بكلمة..

جابت تهاني بعينيها المكان متفحصة معالمه على عجالة، ثم أشارت لإبنة أختها لتجلس على مقعد معدني شاغر قائلة بجدية:
-استنيني هنا يا بنتي
ثم إتجهت هي نحو مكتب موظفة الإستقبال، ومالت عليها سائلة إياها بصوت جاد:
-هي الدكتورة رجاء موجودة
أومات الموظفة برأسها وهي تجيبها بإيجاز:
-أيوه
إبتسمت لها تهاني بهدوء وهي تتابع قائلة:
-طيب ممكن تقوليها إن الحاجة تهاني هنا
سألتها الموظفة بصوت جاد وهي تتفحص هيئتها بنظرات ثاقبة:
-في حجز سابق ؟

هزت رأسها بخفة وهي تقول بنبرة واثقة:
-ايوه، هي عارفة بده
نظرت الموظفة في الورقة الموضوعة أمامها، وقالت بصوت شبه منزعج وهي تنظر لها بإحتقار:
-بس اسمك مش مكتوب عندي
أخذت تهاني نفساً عميقاً، وزفرته على مهل وهي تتابع قائلة بحذر:
-يا استاذة هي عارفة إن أنا جايلها النهاردة، بلغيها بس بده، مش هاتخسري حاجة
مطت الموظفة شفتيها بضيق، ثم نهضت بتثاقل عن مقعدها، وأشارت لها بعينيها المنزعجتين، وقالت بجدية:
-ثواني!

ثم غابت للحظات في الداخل، في حين ظلت تهاني واقفة في مكانها، وتتابع عن كثب تفاصيل المكان..
كانت العيادة شبه خالية من المرضى، فعادة لا يستعين أي أحد هنا بالطبيب النفسي - وكما يحدث بالخارج - إلا في حالات قصوى..
ورغم هذا كان المكان راقياً في تصميمه وطلائه الهاديء الذي يبعث الهدوء والإستقرار على النفس..
سمعت صوتاً أنثوياً تألفه يأتيها من الداخل قائلاً بحماس:
-حاجة تهاني
دارت هي برأسها نحو مصدر الصوت، وتهللت أساريرها بسعادة حينما رأت الطبيبة رجاء تقترب منها وهي فاتحة لذراعيها..

احتضنتها تهاني ونظرت لها بإمتنان قائلة:
-دكتورة رجاء، أنا.. أنا مش عارفة أقولك ايه
بادلتها الطبيبة رجاء الإبتسامة الرقيقة قائلة:
-متقوليش حاجة، تعالي نتكلم جوا أحسن
هزت رأسها موافقة، ثم أشارت بكف يدها وهي تتابع قائلة:
-ماشي، وأنا جبت معايا بنت اختي!
سلطت رجاء أنظارها نحو الخلف، وتسائلت بهدوء:
-هي اللي أعدة هناك دي ؟
-أها
اعتلى ثغرها ابتسامة عذبة وهي تضيف قائلة بصوت ناعم:
-ماشاء الله دي ملامحها جميلة ورقيقة.

تنهدت تهاني بحزن وهي ترد عليها بإحباط ونظراتها منكسرة:
-بس يا عيني متبهدلة وآآ..
قاطعتها رجاء قائلة بجدية:
-نتكلم جوا أفضل
ردت عليها تهاني بإستسلام:
-اللي تشوفيه يا دكتورة
ثم سارت كلتاهما في إتجاه تقى التي كانت شاردة مع نفسها في عالم أخر..

وقفت أمامها رجاء وتأملتها بنظرات إشفاق، فقد كانت صغيرة السن، وملامح وجهها ذابلة، وحزينة للغاية بالإضافة إلى شحوبها..
تسائلت مع نفسها بفضول عن سبب إنطفاء نضارة شبابها، وجعلها بتلك الصورة المؤسفة..
ثم مدت يدها نحو كتف تقى، وقالت بخفوت:
-مساء الخير
إنتبهت لها تقى، ورفعت رأسها في إتجاهها، ونظرت لها بأعينها الزرقاء اللامعة قائلة بصوت مبحوح:
-مساء النور.

ابتسمت لها بخفة وهي تقدم نفسها بصوت دافيء:
-أنا الدكتورة رجاء، إنتي بقى مين؟
أجابتها تهاني بصوت متلهف وهي توزع نظراتها بينهما:
-دي تقى بنت أختي
أشارت لها رجاء بعينيها محذرة إياها، وقالت بإنزعاج رغم خفوت نبرة صوتها:
-أنا بسألها هي يا حاجة تهاني
أطرقت تهاني رأسها قليلاً في حرج، وردت عليها بصوت منخفض:
-أها.. معلش.

لاحظت رجاء حالة التوتر البادية على تقى، وفركها لأصابع يديها بإرتباك.. كذلك إهتزاز ساقيها بحركة ثابتة.. فزمت فمها للأمام، ثم أخذت نفساً عميقاً وزفرته وهي تقول بهدوء:
-بيتهيألي نتكلم جوا أفضل
أومأت تهاني برأسها موافقة، ثم أجبرت تقى على النهوض وهي تقول بنبرة شبه آمرة:
-ماشي، يالا يا تقى
وبالفعل اتجه ثلاثتهن للداخل حيث غرفة الطبيبة رجاء المتواجدة على يسار الرواق الصغير الذي يفصل ما بين الإستقبال ومكتبها..

جلست تهاني على المقعد المقابل لمكتب رجاء، وفي مواجهتها جلست تقى التي ظلت تنظر للأسفل نحو قدميها المتشابكتين معاً..
وساد الصمت لبعض الوقت..
سلطت رجاء أنظارها على تقى محاولة اكتشاف طريقة آمنة تمكنها من فتح الحديث معها..
قطعت تهاني هذا الصمت قائلة بصوت شبه مختنق:
-أنا عارفة إننا بنتقل عليكي يا دكتورة رجاء، بس معنديش حد بعد ربنا غيرك يساعد الغلبانة دي في اللي حصلها
ابتسمت رجاء لها بهدوء وهي تجيبها ب:
-متقوليش كده يا حاجة تهاني.

ابتلع تهاني تلك الغصة المريرة في حلقها وهي تتابع بحزن في نبرة صوتها ونظراتها:
-تقى دي ماتستهلش اللي جرى معاها، بس كل يوم حالتها بتسوء من بعد ما اغتصبوها ولاد الهرمة
إتسعت مقلتي رجاء في صدمة، ونظرت سريعاً إلى تقى وهي تهتف قائلة بذهول:
-اييييه، اغتصاب!
انتفضت تقى بجسدها مذعورة، وإرتجف جسدها بشدة، فقد لامست الكلمة وتراً حساساً لديها..

لقد ذكرتها بكل بساطة بأبشع جريمة يمكن أن تحدث لأنثى.. وأجبرتها على خوض تلك التجربة مرة أخرى لتتعالى شهقاتها المرتعدة
نظرت تهاني بتوجس إلى تقى، وهتفت قائلة بخوف بعد رؤيتها لتبدل حالها ب:
-وأنا عاجزة عن اني أساعدها وآآآ..
خشيت الطبيبة رجاء من تطور الوضع للأسوأ مع مريضتها الجديدة، فقاطعتها بجدية شديدة وهي تشير بيدها:
-طب هستأذنك يا حاجة تهاني تطلعي تستنينا برا، وأنا هتعامل معاها
تعجبت تهاني من قرارها المفاجيء، وضيقت عينيها مندهشة وهي تقول بإعتراض
-بس آآ..

صرت الطبيبة رجاء على أسنانها قائلة بحذر:
-ده أفضل صدقيني
نهضت تهاني عن مقعدها، ونظرت إلى تقى بإشفاق وحزن، وأردفت بإستسلام:
-طيب
ثم إتجهت بخطوات متهادية خارج الغرفة، في حين نهضت رجاء عن مقعدها، وجذبت مقعداً أخراً، وأسندته إلى جوار تقى، ومدت يدها لتمسك بكفها، وإحتضنته براحتيها، وهمست قائلة بحذر شديد:
-مش عاوزاكي تخافي، أنا موجودة هنا عشانك وبس.

سحبت تقى كفها على الفور، وإنكمشت في مقعدها مذعورة، وصرخت بخوف:
-مش عاوزة حد يلمسني، مش عاوزة حد يقرب مني
أشارت لها رجاء بكفها، وتراجعت للخلف قليلاً بجسدها، وردت عليها بهدوء:
-أنا مش هأذيكي صدقيني!
صرخت تقى بهياج عصبي وقد تركت العنان لعبراتها بالإنهمار:
-أنا بأقرف من نفسي، وبأكره كل حاجة بتفكرني بيه، أنا معملتش حاجة عشان يدبحني كده، آآآآه.. محدش حاسس بيا، أنا بأموت في اليوم ألف مرة مع كل لحظة بتعدي عليا وصورته قصادي!

سألتها رجاء بحذر وهي تتابع حالتها الإنفعالية بترقب شديد:
-هو مين ده ؟
ردت عليها بنشيج وهي ترتجف أكثر:
-اللي أخدني غصب، واتجوزني عشان يدبحني
صدمت رجاء من عبارتها الأخيرة، وهتفت قائلة بجدية:
-اتجوزك!
أكملت تقى صراخها الهيستري قائلة بحرقة وهي تشير بيديها:
-أنا.. أنا كنت بأحمي أمي من الموت، وهو موتي مليون مرة.. آآآه.. مصعبتش عليه للحظة.. دبحني وأنا معرفتش ادافع عن نفسي، يا ريتني أموت وأرتاح من النار اللي فيا!

مدت رجاء يدها لتربت على فخذها قائلة بخفوت:
-شششش.. اهدي هو مش هايعملك حاجة
تعالى صدرها وهبط بشهقاتها المختنقة وهي تتابع قائلة بصوتها الباكي و المختنق:
-أنا بأكره جسمي، وبأكره نفسي، ، وبأكره ايده اللي بتلمسني، ونفسه اللي بيخنقني!
ثم رفعت يديها عالياً لتضعهما على أذنيها وهي تكمل بصوتها المتشنج:
وبأكره صوته اللي بأسمعه في وداني، مش عاوزة أسمعه تاني، كفاية بقى، كفاية!
أشارت لها رجاء برأسها وهي تهتف قائلة بخوف:
-حاضر

جلست تهاني في الخارج وقلبها ينبض بسرعة من فرط التوتر على ابنة اختها البريئة..
كم كانت تود أن تساعدها في تجاوز تلك الأزمة الفاصلة في حياتها، وتريحها من عذابها النفسي الذي أضناها..
فقد عانت تلك الصغيرة منذ نعومة أظافرها، ولم تعرف طعم الراحة مطلقاً..
بعد قليل خرجت الطبيبة رجاء وهي تحاوط تقى تحت ذراعها، فهب تهاني من مكانها واقفة وركضت نحوهما..
أشارت رجاء للممرضة قائلة بجدية:
-خدي مدام تقى للتويلت تغسل وشها.

تعجبت تهاني من تلك الكلمة، وحدثت نفسها قائلة بإندهاش:
-مدام
وبالفعل اصطحبت الممرضة تقى إلى زاوية غرفة الإستقبال حيث يتواجد المرحاض، في حين تابعت رجاء حديثها الجاد قائلة:
-انتي مش عارفة إنها متجوزة ؟
شهقت مصدومة وهي تضع يدها على فمها قائلة:
-اييه ؟ متجوزة
هزت رأسها بهدوء، ثم تابعت بصوت رزين:
-ايوه، هي قالت ده جوا، إن اللي عمل فيها كده جوزها
اتسعت مقليتها في صدمة، وهتفت قائلة بإستنكار جلي:
-مش ممكن.

تنهدت رجاء بأسف وهي تكمل ب:
-هو اعتدى عليها بصورة وحشية، يمكن هي مقالتش ده صراحة، بس باين من تصرفاتها وعصبيتها إن الموضوع مش سهل خالص، وصعب يتنسي!
-هه
ثم أضافت بصوت جاد وهي تشير بإصبعها:
-هي محتاجة لعلاج نفسي مكثف، وبيئة نفسية هادية عشان أقدر أخليها تتخطى المرحلة دي
نظرت لها تهاني بنوع من الأمل وهي تهتف قائلة بعشم:
-يا ريت يا دكتورة.

مدت رجاء يدها بورقة صغيرة مطوية وهي تكمل بصوت جاد:
-عامة أنا هاجهز كل حاجة مناسبة لحالتها، وهبدأ معاها على طول، وإنتي هاتيهالي في المواعيد دي
-حاضر
-وبأكد عليكي تاني، ماتشليش هم تكاليف!
ردت عليها تهاني بتلعثم حرج قائلة:
-بس.. بس كده كتير!
ابتسمت لها بعذوبة وهي تضيف بنبرة متفائلة:
-لا كتير ولا حاجة، وربنا يقدم اللي فيه الخير!
نظرت لها تهاني بإمتنان كبير قائلة بنبرة سعيدة:
-ربنا يباركلك يا دكتورة.

وصل إلى مدخل الحارة الشعبية سيارتي دفع رباعي من الطراز الحديث، ومن خلفهما سيارة سوداء فارهة.. فنجحوا في لفت أنظار الجميع..
ترجل من إحدى السيارتين بعض الرجال ذوي الملابس الرسمية السوداء، والأجسام الضخمة والعريضة.. وجابوا بأنظار ثاقبة وحادة أرجاء المكان..
فظن قاطنيه أن مسئولاً حكومياً قد حضر لزيارة الحارة بصورة مفاجئة.. نعم.. لقد كان المشهد مريباً ومهيباً في آن واحد.

فإختفى البلطجية ومعتادي الإجرام عن المشهد خوفاً على حياتهم، وتوارى بعض المنحرفين عن الأنظار حتى لا يتم إلقاء القبض عليهم..
بعد أقل من دقيقة، ترجل أوس الجندي من سيارته - وكذلك فعل المحامي منعم الجالس إلى جواره – وسلط أنظاره على تلك البناية القديمة..
نزع نظارته القاتمة عن وجهه، لتظهر عينيه القاتمتين وهما محدقتان بمدخل البناية و...

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني الفصول 31-40 للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والثلاثون

في منزل تقى عوض الله
توجهت فردوس ناحية باب منزلها بعد أن سمعت الطرقات الخافتة عليه..
عدلت من وضعية حجابها المنزلي، وفتحته، فوجدت منسي واقفاً على عتبته وعلى وجهه إبتسامة سخيفة، فنظرت له بإندهاش وسألته قائلة:
-منسي! خير يا بني
نظر لها بإستغراب مصطنع وهو يسأله بصوت آجش:
-إيه يا ست فردوس مش هاتقوليلي اتفضل ؟

تنحنحت بخفوت قبل أن تتنحى للجانب، ثم أشارت بيدها وهي تقول:
-لا مؤاخذة، اتفضل
ابتسم لها مجاملاً وهو يردف قائلاً:
-يزيد فضلك
إختلس منسي النظرات محاولاً رؤية تقى، ولكن كان باب غرفتها مغلقاً، فلاحظت فردوس نظراته المتفحصة لمنزلها، فسألته بضجر:
-بس مقولتليش إنت جاي ليه ؟
إنتبه هو لها، وسلط أنظاره عليها، ثم أجابها بصوت رخيم:
-أنا جاي أسأل على تقى وعلى أحوالها!

تنهدت في حزن وهي ترد عليه قائلة:
-نحمد الله على كل حال!
سألها بإهتمام واضح وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-هي عاملة ايه الوقتي ؟
مطت فمها للأمام، وأجابته بيأس:
-يعني.. اهو طول الوقت نايمة
تابع منسي حديثه بجدية وإهتمام واضح ب:
-أنا كنت ناوي أجيبلها ضاكتور كفاءة بس الحاجة إجلال قالت إنها جابتلها واحد.

أومأت برأسها وهي ترد عليه بصوت خافت:
-أه كتر خيرها..
لاحظ هو إجابتها المقتضبة عليه، فحاول أن يطيل فرصة الحديث معها، فسألها بإهتمام زائف قائلاً:
-وعم عوض إزيه ؟
ردت عليه بفتور وهي تشير بيدها:
-أهوو.. يوم كده ويوم كده
زم فمه قائلاً بصوت خشن:
-مممم.. ربنا يديله الصحة.

أخذت فردوس نفساً عميقاً، وزفرته بإحباط وهي تهتف ب:
-يا رب أمين، متأخذنيش يا بني، أنا مش عارفة أضايفك كويس، إنت مش غريب!
أشار لها بكف يده قائلاً بجدية:
-لا ماتتعبيش نفسك يا ست فردوس، أنا جاي بس أطمن على ست البنات
مطت فمها في إنكسار، وحدثت نفسها بتهكم:
-أل ست البنات أل.. ما اللي حصل حصل خلاص، وضاعت!

تأمل منسي حالة الحزن الجلية المسيطرة على فردوس، وتعجب من صمتها المفاجيء، فسألها بفضول ب:
-مالك يا ست فردوس ؟ انتي بتكلمي نفسك ؟!
انتبهت له، ومسحت تلك العبرة المعلقة في أهدابها، وقالت بصوت شبه مختنق:
-هاه، لا يا بني!
مسح منسي بلسانه على أسنانه، ثم قال بهدوء:
-طيب، هابقى أعدي وقت تاني، ولو عوزتي حاجة أنا في الخدمة.

إبتسمت له وهي تجيبه بإمتنان:
-تسلم يا منسي من كل رَضي ( سوء )
ثم صاحبته إلى باب المنزل، وودعته، ومن ثم إتجهت إلى المطبخ لتكمل إعداد طعام الغذاء، ولكن أوقفها صوت صراخ يأتي من داخل غرفة ابنتها، فلطمت على صدرها في رعب، وهتفت بهلع:
-بنتي!

في مشفى الجندي الخاص
تسمر مهاب أمام فراش إبنه الطبي، ونظر له بصدمة وقد كانت أثار الكدمات لا تزال باقية على وجهه..
إزداد عبوس وتشنج قسمات وجهه، وإحتقنت عينيه من الغضب، ثم أمسك بالتقرير الطبي المعلق على طرف فراشه، وقرأ ما دون فيه..
نظر شزراً إلى كبير الأطباء وصاح محتداً:
-إنت ازاي تعمل كده ؟
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يجيبه بتوتر:
-ده.. ده إجراء مؤقت عشان أضمن انه تحت السيطرة
هتف مهاب بصرامة واضحة والشرر يتطاير من عينيه ب:
-ابني مش هياخد مهدئات تاني!
رد عليه كبير الأطباء بقلق قائلاً:
-أنا كنت مضطر لمصلحته
حدجه مهاب بنظراته الشيطانية وهو يأمره بصوت حاسم:
-أوس ابني يفوق فوراً
-ح.. حاضر.

ثم تابع بصلابة وهو يشير بإصبعه مهدداً:
-وكل هنا خصم اسبوع من مرتبهم، ويترفد بتوع الأمن، ويجي مكانهم ناس أفضل يعرفوا يشوفوا شغلهم كويس!
هز رأسه موافقاً وهو يجيبه دون تردد ب:
-اللي تؤمر بيه يا دكتور مهاب

في دار الرعاية الخاص بالمسنين
أعطت مديرة الدار للسكرتيرة الخاصة بها الخطاب الرسمي لحضور الحفل السنوي للجمعية الخيرية التي تديرها ناريمان..
ثم نهضت عن مقعدها، وأدرفت بنبرة رسمية:
-الكل يستعد للحفلة، خلاص ميعادها اتحدد
أجابتها السكرتيرة بصوتها الهادي قائلة:
-متقلقيش يا مدام، كل حاجة اتعملت زي ما قولتي
إبتسمت في زهو وهي تتابع بجدية:
-عظيم، وماتنسيش دِرع الدار لناريمان هانم.

هزت السكرتيرة رأسها بثقة، وردت عليها قائلة:
-اه طبعاً، أنا هاستلمه بالليل
لوت هي فمها قليلاً، وأضافت بصوت متزن:
-تمام، وأنا هاروح أمر على بقية الأقسام هنا وأشوف أخر الترتيبات
-تمام يا مدام

إبتسمت الطبيبة رجاء وهي تربت بيدها على كف تهاني، وهتفت بحماس:
-هاتوحشيني يا تهاني
-وانتي أكتر يا دكتورة
-ابقي تعالي زورينا، مش تنسينا
-أكيد
-وأنا موجودة لو احتاجتي أي حاجة، وخلي أرقام تليفوناتي معاكي
-شكراً ليكي يا دكتورة على كل حاجة عملتيها عشاني
-متقوليش كده، أنا بأعتبرك زي أختي
وفجأة سُمع صوت هرج ومرج في الخارج، فضيقت رجاء عينيها في استغراب، وإلتفتت للجانب، وتسائلت بفضول:
-في ايه برا ؟

بادلتها تهاني نظرات الحيرة، وقالت وهي تمط شفتيها للأمام:
-مش عارفة
خرجت الإثنتين من الغرفة، ونظرتا في الرواق، فوجدتا المشرفة هالة تركض، فأوقفتها رجاء من ذراعها، وسألتها بتوجس:
-في إيه ؟
-الحاجة نجاة تعيشي إنتي!
فغرت تهاني ثغرها مصدومة، وشحب لون وجهها، وهي تقول
-هاه.. ماتت
نظرت ناحيتها هالة، وأردفت قائلة بحزن:
-أيوه
سألتها رجاء بإهتمام واضح قائلة:
-هي ماتت إزاي ؟

أجابتها هالة بنبرة لاهثة وهي تشرح بيدها:
-لاقوها أعدة على الكرسي بتاعها مش بتتحرك، وأما جت زميلتها في الأوضة تصحيها، كانت مش بتتنفس و.. وجسمها سايب، فشافتها الدكتورة شروق، و.. ولاقيتها ماتت
قالت رجاء بصوت حزين وهي دامعة العينين:
-لا حول ولا قوة إلابالله
أردفت تهاني قائلة بصوت أسف:
-إنا لله وإنا إليه راجعون!
سألتها رجاء بإهتمام، وهي تمسح عبراتها قبل أن تتجمع:
-طيب في حد من أهلها عرف ؟

أجابتها هالة بنبرة شبه يائسة:
-إحنا بنحاول نتصل بحد منهم، بس مش لاقيين رد خالص
ضيقت تهاني عينيها عقب تلك العبارة الأخيرة، وسألتها بفضول شديد وهي تنظر لها بإمعان:
-ليه ؟ محدش بيرد ليه ؟
نظرت لها بخيبة أمل وهي تجيبها بإحباط:
-هما أصلاً رموها هنا في الدار من سنين، وكل فين وفين لما بيجوا يزوروها، فكان متوقع إن لو جرالها حاجة محدش من أهلها هيعرف، الفكرة بس إن الإدارة عاوزة تشوف هاتتصرف ازاي مع المرحومة.

تنهدت تهاني في حزن وهي تضيف:
-ربنا يرحمها، ويجعل مثواها الجنة
ردت عليها رجاء بصوت أسف:
-يا رب أمين، حقيقي كانت ست طيبة
هزت هالة رأسها موافقة، ثم قالت بتعجل:
-اه فعلا.. عن اذنكم.. هاشوف هاعمل ايه
أشارت لها رجاء بكف يدها وهي تجيبها بصوتها الهاديء:
-ربنا معاكي، وأنا موجودة لو في حاجة
ابتسمت لها هالة نصف إبتسامة وهي تسرع في خطاها قائلة بجدية:
-اكيد يا دكتورة رجاء
أطرقت تهاني رأسها في إنكسار وحزن، وإبتعدت عن الطبيبة رجاء، واتجهت ناحية الحديقة الخارجية....

في منزل تقى عوض الله
ركضت فردوس بخطواتها الثقيلة في إتجاه غرفة إبنتها، فوجدتها متكورة على نفسها في الفراش، وضامة ركبتيها إلى صدرها، وجسدها بالكامل يرتجف بشدة، و محدقة أمامها..
اقتربت منها ونظرات الخوف بادية في عينيها، وقالت بصوت خافت:
-تقى، مالك يا ضنايا ؟

ثم جلست على طرف الفراش، وإنحنت ناحية إبنتها، ولفت ذراعيها حول كتفيها، وضمتها إلى صدرها بعاطفة أم حقيقية، ومسدت على رأسها وقبلت جبينها، وهي تقول بصوت دافيء:
-متخافيش يا حبيبتي، أنا معاكي
أجهشت تقى بالبكاء، وصدر منها أنيناً خافتاً، فأشفقت عليها والدتها أكثر، ورددت بصوت شبه مختنق:
-يا بنتي كفاية عياط، وشك دِبِل، وحالك اتبدل، مالوش لازمة قهرة النفس دي، مافيش حاجة هترجع زي الأول.

ثم أغمضت فردوس عينيها، وأخذت نفساً عميقاً حبسته في صدرها، وحدثت نفسها بمرارة قائلة:
-منه لله اللي كان السبب، منه لله اللي خرب البيت!
حدقت تقى بعينيها - المتورمتين من كثرة البكاء - في ذلك الطيف المتجسد أمامها لشبح مغتصبها..
إبتسامته الشرسة، ضحكاته اللئيمة، نظراته الوضيعة، جسده الحيواني، كل شيء يبدو واضحاً وكأنه متواجد معها في نفس الغرفة..
أغمضت عينيها بقسوة حتى لا تراه، ولكنه طاردها في خيالها، إقتحم عزلتها الوحيدة بصوته المخيف، وأوامره المميتة..

اضطربت فردوس لرؤية ابنتها على تلك الحالة السيئة، فهزت جسدها برفق وهي تهمس لها بخوف:
-تقى، ردي عليا يا بنتي، تقى!
في تلك اللحظة دلف والدها عوض الله إلى داخل الغرفة وهو يتعكز على تلك العصا التي أحضرها الشيخ أحمد له لتساعده في السير، وهتف قائلاً بصوته المرهق وهو يتأمل حال تلك الفتاة التي يرق قلبه لها دوماً بصورة عجيبة:
-في.. في.. ايه، يا.. يا..آآآآ.. انتي تقى، صح ؟

وكأن في صوته البلسم لجراح تقى التي لم تندمل بعد.. حيث رفعت رأسها في إتجاهه، ونظرت له بنظرات غريبة، وكأن وجوده يبعث على الأمان.. نعم ذلك الإحساس الذي إفتقدته لأشهر..
فهو والدها الذي عاهدته طيباً وحنوناً، يرفق بها في أشد اللحظات صعوبة، وفي أحلك المواقف، لذا دون أدنى لحظة تردد، أبعدت ذراعي والدتها عنها، ونهضت عن الفراش، وركضت في إتجاهه، لترتمي في أحضانه، وتلف ذراعيها حوله وهي تهتف قائلة بصوتها المختنق واللاهث:
-بابا.. احميني منه يا بابا
عجز لسان عوض عن النطق، ولكن يكفيه رؤيته لتلك المشاعر الصادقة وهي تغمره دون أن يعارضها أو يتصدى لها..
ربما لا يتذكرها جيداً، ولكنه لم يستطع أن يقاوم رغبته في ضمها، وتقبيل رأسها..

فأحاطها بذراعيه بعد أن ترك عكازه يسقط على الأرضية، وجعل رأسها يغوص في صدره المتعب.. وظل يمسح على رأسها وجسدها برفق شديد حتى إستكانت داخله..
فغرت فردوس ثغرها في صدمة..
لم تتوقع أن يفعل عوض هذا بعد أشهر من محاولاتها اليائسة في علاجه، ولكنه وجد الدواء الحقيقي له في وجود إبنته معه وفي أحضانه...

في مشفى الجندي الخاص
بدأ أوس يستعيد وعيه تدريجياً بعد أن خف تأثير المهديء.. وحرك رأسه للجانبين بحركة خفيفة، وبتثاقل شديد فتح جفنيه..
كانت الرؤية في البداية ضبابية، وذاكرته إلى حد ما لا تسعفه.. ولكن سريعاً تذكر ما حدث، فإنتفض مذعوراً من نومته..
-إهدى يا أوس، أنا معاك!
قالها والده بصوت رجولي صارم، فإلتفت ناحيته أوس، وضيق عينيه، ورمقه بنظرات حادة قبل أن ينطق بصوت متحشرج:
-ب.. بابا.

-أيوه يا بني، أنا موجود هنا
عاود أوس النظر إلى جسده، وتأمل كفيه والإبر الطبية المغروزة في أحدهما، فدون تردد إنتزعها عنه.. فنظر له والده مهاب بتوتر قائلاً:
-بالراحة يا أوس، في ايه ؟
أزاح ابنه كل الأسلاك الموصولة بجسده، ونهض عن الفراش، وأردف قائلاً بصرامة:
-أنا عاوز أمشي من هنا!
ثم إتجه نحو الخزانة الرفيعة الموضوعة في زاوية الغرفة، وقام بفتح ضلفتها، ونظر بإهتمام داخلها..

وقف والده خلفه، وهتف قائلاً بإعتراض:
-لأ.. مش هتمشي قبل ما أطمن عليك، ده.. ده انت مضروب، وكنت في شبه غيبوبة!
إلتقط أوس قميصاً نظيفاً من على الشماعة المثبتة بالداخل، وسحب بنطالاً قماشياً، وإستدار بجسده ليقف قبالته، وصاح قائلاً بصوت جهوري:
-بأقولك أنا مش هاقعد هنا لحظة واحدة!
سأله والده وهو ينظر مباشرة في عينيه بإحتقان:
-عاوز تطلع تروح فين ؟
صمت أوس ولم يعلق، فإكفهر وجه مهاب أكثر، وتابع قائلاً بسخط:
-هاتروح للبنت اياها ؟

نزع أوس لباسه الطبي، وبدأ في إرتداء البنطال، ثم أجاب والده بإيجاز:
-تخصني
نفخ مهاب من الغيظ، وهتف بصوت مشتعل وهو يهز رأسه:
-أها.. يعني زي ما بيتقال هنا إنها مراتك!
أغلق أوس السحاب، وإلتفت بجسده ليقف على بعد خطوة واحدة من والده، وثبت عينيه عليه وهو يقول بجدية شديدة:
-ايوه.. تقى مراتي!

انفجر مهاب غاضباً عقب تلك الكلمات الصادمة والمؤكدة لما ظن أنها شائعات، وصاح صارخاً وهو يلوح بيده في الهواء:
-إنت اتجننت عشان تعمل عَملة زي دي
تحرك أوس خطوة للأمام لتصبح المسافة الفاصلة بينهما أقل من سنتيمترات معدودة، وقال بثبات عجيب دون أن تطرف عينيه:
-أنا مسئول عن تصرفاتي، ومحدش ليه الحق إنه يحاسبني!
هتف مهاب بصراخ وهو يبادله النظرات المشتعلة:
-بس أنا أبوك.

رد عليه أوس قائلاً بصوت محتقن وهو يتعمد الضغط على كل حرف:
-وهي مراتي!
أشار له مهاب بإصبعه وهو يهتف بعصبية:
-أوس، اتكلم كويس معايا، ماتنساش نفسك
ألقى أوس بالقميص على كتفيه، ثم مد يده ليلتقط متعلقاته الخاصة ( من ميدالية مفاتيحه وحافظة نقوده ) ودسهما في جيبه، وتابع بنبرة منفعلة وهو يرمقه بنظراته المشتعلة:
-لأ أنا مش ناسي إنت مين، ورايح أشوف فين مراتي
إهتاج مهاب وهو يضيف قائلاً:
-البت البيئة الزبالة اللي دخلتها هي وأهلها هنا، وعاملوا فضايحهم في المكان، ولوثوا سمعته!

اقترب أوس من أبيه، وحدجه بنظرات شرسة ذات مغزى قبل أن ينطق بقسوة:
-لو على السمعة، فبلاش إنت بالذات تتكلم عنها، لأنك أكبر مثال على آآآ..
قاطعه مهاب وهو يصفعه بقوة على وجهه قائلاً بصراخ هادر:
-إخرس
لم يهتز كيان أوس الذي تفاجيء بالصفعة، فقط إزداد إحتقان لهيب الغضب في عينيه، وبرزت عروقه الثائرة من عنقه.. وكور قبضته بشراسة..
إبتلع والده ريقه في توتر شديد، فإنفعال إبنه يريبه بدرجة مزعجة، وأضاف قائلاً بجموح:
-لو مفكر إنك كبرت عليا، تبقى غلطان، أنا لسه أبوك.

-خلصت ؟ ولا هتضرب تاني!
قالها أوس ببرود مستفز وكأن شيئاً لم يحدث رغم النيران المستعرة في نفسه.. نعم قالها بصلابة وكأنه يدفعه دفعاً لصفعة مجدداً..
كانت نظراته وحدها كافية لتري مهاب فداحة فعلته معه..
هو المُلام فيما يرتكبه.. فتركيبة شخصية ابنه هي نتيجة تربيته له..
حاول أن يبدو هادئاً أمامه، وصر على أسنانه وهو يتابع قائلاً بغيظ:
-إنت ليه كده ؟ طالع بالشكل البشع ده لمين ؟

إكتسى وجه أوس بنظرات ساخطة وهو يلوي فمه قائلاً بتهكم:
-بجد مش عارف ؟! حقيقي أنا مستغربك يا.. يا دكتور مهاب
ثم اتجه نحو باب الغرفة، وأمسك بالمقبض، وفتحه، وإنطلق للخارج، فحاول والده أن يلحق به وهو يصرخ قائلاً:
-استنى هنا أنا مخلصتش كلامي
لم يلتفت له أوس، ولم يجبه، بل تركه يتابع كلماته المنفعلة، وتحرك في إتجاه المصعد، ووهو يكمل غلق أزرار قميصه..

ثم ضرب بقوة على مفتاح إستدعاء المصعد، وأدار رأسه للخلف ليحدج والده بنظرات مطولة و مشمئزة حتى سمع صوت صافرة وصول المصعد، فدلف للداخل، وأغلق الباب خلفه..
تسمر مهاب في مكانه مصدوماً من رد فعل إبنه المثير للإنفعال، وأخفض عينيه لينظر إلى قبضة يده التي صفعت إبنه، ثم كورها، وحدث نفسه بصوت محتد ومتوعد ب:
-مش هاسيبك تضيع نفسك مع الزبالة دول، ولو حكمت أنا هامحيهم من على وش الأرض، ماشي يا أوس، ماشي!

في دار الرعاية الخاصة بالمسنين
اقتربت تهاني من المقعد الخالي الموجود في أبعد جزء في الحديقة.. وجلست عليه، وأجفلت عينيها لتنظر إلى النجيلة الخضراء أسفل قدميها، ثم أطلقت تنهيدة صارخة من بين ضلوعها، وهتفت قائلة:
-مش عاوزة أموت لوحدي، عاوزة أكون وسط أهلي.. ومع.. ومع ابني اللي خدوه مني!
ثم دفنت وجهها التعيس بين راحتي يدها، وإنتحبت بإنين خاغت وهي تتذكر أصعب يوم في حياتها..
يوم أن ضاع منها كل شيء..

إندلع الحريق في مكتب تهاني بالمشفى الخاص الذي كانت تعمل به، ووصلتها أنباء عن إحتجاز أطفالها الثلاثة بداخله..
فركضت مهرولة في فزع ناحيته، وصرخت بإهتياج قائلة:
-ولادي جوا، الحقوهم، ولادي هيروحوا مني!
كانت كالمجنونة وهي تكرض صارخة بأعلى صوتها ب:
-ولادي جوا المكتب، إلحقوهم، ولادي.. آآآآآه
كان يقف أمام غرفتها حشداً من الأطباء والممرضين والعاملين بالمشفى، فحالوا دون وصولها للداخل..

حاولت هي أن تدفعهم وتمر عبرهم لتصل إلى الباب، ولكن أبعدوها للخلف، فنظرت لهم بأعين مغرورقة بالعبرات الحارقة، وتوسلت ببكاء مرير ب:
-بناتي جوا الأوضة وأوس معاهم، سيبوني بس أجيبهم
اقترب منها أحد الأطباء، وأحنى رأسه للأسفل، وقال بصوت حزين:
-للأسف كل حاجة جوا ولعت
صرخت وهي تجهش بالبكاء بطريقة هيسترية عالياً ب:
-لألألألأ.. ولادي.

اندفع ممدوح هو الأخر بين جموع المتواجدين ليصل إلى الغرفة، وصاح بصوت مرتفع للغاية ب:
-بناتي.. ليان، بيسان!
لمحت تهاني مهاب وهو يقترب منها، فإستغاثت به بصوت راجي ب:
-إلحق يا مهاب، أوس ابننا جوا الأوضة، خليهم يسبوني أجيبه
حدجها هو بنظرات قاسية، ثم قال بشراسة:
-إنتي مالكيش إبن، اعتبريه مات
-إنت بتقول إيه!
تابع هو بنبرة أشد قسوة ب:
-الأم اللي تهمل في تربية ابنها ماتستحقش تكون أم
صرخت هي عالياً بصوت مبحوح ومختنق ب:
-لألألألألأ..

اقترب مهاب منها، ورمقها بنظراته المتوعدة، وقال بقسوة أشد وهو يشير بيده:
-ابني هاربيه بمعرفتي، وإنتي هتتحاسبي عن إهمالك وخيانتك
ثم تركها وإنصرف دون أن يلتف إلى صراخها المتواصل ب:
-ولادي، لأ.. يا مهاب.. مهاب...!
فإنهارت متشنجة على الأرضية الباردة ولسان حالها يصرخ منادياً على أطفالها الصغار..

لاحقاً، أفاقت تهاني في غرفة ما غريبة، جدرانها مطلية باللون الرمادي الكئيب، فنهضت من نومتها، ونظرت حولها برعب..
كان حلقها جافاً، فمدت يدها المرتعشة نحو الطاولة القصيرة الملتصقة بالفراش لتمسك بكوب الماء المسنود..
ارتشفت منه البعض، ونظرت إلى حيث يوجد باب الغرفة.. وإتسعت عينيها مذهولة وهي تهتف قائلة بصوت متحشرج:
-م.. ممدوح
نظر لها شزراً، وأجابها بصوت قاتم:
-أخيراً فوقتي
تلفتت تهاني حولها بريبة، وسألته بصوت متقطع:
-هو.. هو حصل إيه ؟ وأنا.. وأنا فين ؟

أجابها ممدوح بصوت متهكم يحمل المرارة:
-إيه لحقتي تنسي بالسرعة دي ؟
ثم صمت لثانية قبل أن يصرخ مهتاجاً ب:
-إنتي أم انتي!
فغرت ثغرها مصدومة ونظرات الرعب متجسدة على وجهها وهي تنطق بتلعثم:
-هاه.. و.. ولادي!
كز على أسنانه ليتابع قائلاً بشراسة وهو يحدجها بنظراته المميتة:
-أيوه.. قولي بناتك اللي ماتوا، اللي اتحرقوا وانتي زي ما إنتي، مافيش حاجة حصلتلك!

صرخت في عدم تصديق وهي تهز رأسها مستنكرة لعباراته الصادمة:
-إنت.. إنت بتكدب!
اقترب منها حتى أمسك بذراعها، ثم قبض عليه بقسوة لم تعهدها منه، وصاح قائلاً بإهتياج وهو مستمر في رمقها بنظرات مميتة:
-إنتي السبب، هما ماتوا بسببك، سامعة بسببك!
إنفطر قلبها وهو يؤكد عليها وفاة رضيعتيها، وشعرت بأن أنفاسها ثقيلة، وروحها سحبت منها، وتعالى صدرها صعوداً وهبوطاً..
ثم صرخت بصوت متحشرج مستنكرة حديثه ب:
-إنت بتقول ايه، لألألألألألأ.. بناتي مماتوش، بناتي عايشين، لألألألأ.. حرام، بناتي! آآآآآآآه!

ظلت تصرخ لعدة دقائق متواصلة، فصمت وظل يتابعها بنظرات مغلولة، ثم إنهارت هي مجدداً على فراشها، فأرخى قبضته عن ذراعها، وتراجع عدة خطوات للخلف.. واستمر في رمقها بنظراته المحتقنة، وهنا تدخلت ممرضة ما، وأمرته بجدية:
-اطلع برا يا أستاذ، المدام حالتها ماتسحمش بالزيارة
رمقها بنظراته النارية وهو يجيب قائلاً بتوعد:
-لسه كلامي مخلصش معاها، وراجعلك تاني يا تهاني، راجع تاني!
تشنجت تهاني أكثر وهي تتابع عويلها قائلة:
-بناتي، آآآآآآه، بناتي!
أولاها ممدوح ظهره، وتركها تعاني من آلم الفقدان الذي كان رفيقه الدائم..

عانت هي لعدة أيام، وواظب الطبيب النفسي على علاجها، واستمر ممدوح في زيارتها.. فهو لم ينتهي بعد منها.. ولكن منعت عنها الزيارة..
فلم ينقطع عن الحضور حتى أتيحت له الفرصة أخيراً لزيارتها بعد إستقرار وضعها النفسي..
عقد ممدوح ساعديه أمام صدره وهو يراها جالسة على المقعد، ونظر لها بنظراته القاتلة..
كانت ذابلة الوجه، ذات عينين مرهقتين، وهناك هالات سوداء قد تشكلت أسفلهما.. ونحل جسدها إلى حد ما..

إستمر في التحديق بشراسة لها، ومن ثم أردف بسخط:
-بناتك ماتوا! احساسك إيه لما اتاخدت أغلى حاجة في حياتك ؟ ردي!
سلطت أنظارها عليه بعد أن إنتبهت لصوته ولكلماته اللاذعة، ورمقته بذهول وهي تسأله بصوت متشنج:
-قصدك.. قصدك ايه ؟ ده أنا قلبي بيتقطع كل يوم على فراقهم، على بناتي اللي مالحقتش أشبع منهم، حرام عليك إنت مش حاسس بالنار اللي جوايا .!
ثم أجهشت بالبكاء الحارق، وتنهدت بصوت مرتفع وهي تردد:
-بناتي.. قلبي، آآآه!

نظر لها بإزدراء غير مصدقاً لمشاعر الأم المكلومة، وأردف قائلاً بقسوة بالغة بعد أن أرخى ساعديه:
-الأم اللي تقتل بناتها مالهاش لازمة في حياتي!
رفعت عينيها الحمراوتين لتنظر له برجاء وهي تهتف فيه بصوتها المختنق:
-حرام عليك، ده.. ده أنا كنت معاك، ليه بتقول إني أقتلتهم ؟ لييييه ؟
لوح بيده أمام وجهه وهو يصيح فيها بصوت محتد:
-متبرريش جريمتك، هما ماتوا بسببك، سامعة بسببك!

نهضت عن مقعدها، وأمسكت به من ذراعيه بقبضتيها الضعيفتين، وهتفت بصوتها المتحشرج:
-لأ يا ممدوح، لألألأ.. أنا قلبي محروق عليهم، ليه إنت كمان تعمل فيا كده ؟
أزاح قبضتيها عنه، وقبض على عضديها، وهز جسدها بعنف وهو يهدر بإنفعال:
-لأنها الحقيقة، لو كنتي باقية عليهم كنتي عرفتي إزاي تحميهم
إنتحبت وهي تجيبه بصوتها الحزين:
-أنا أمهم، أمهم.

قبض على فكها بكفه، وإعتصره بأصابعه الغليظة، ثم نظق بشراسة من بين أسنانه وهو يحدجها بنظراته القاسية:
-خلاص يا مدام، اللي بينا انتهى، وانتي.. وانتي معنتيش تلزميني
اتسعت عينيها في ذعر مريب، وسألته بتوجس:
-يعني ايه ؟
صرخ بصوت هائج وهو يدفعها بعنف للخلف:
-يعني إنتي طالق، طالق، طالق!
سقطت تهاني على الأرضية الصلبة، وإرتطم جسدها بقسوة به، وهتفت بعدم تصديق:
-لألألألأ..

ثم تركها ممدوح وإنصرف وهي تلطم وتصرخ بإهتياج..
نعم.. فالخطب جلل بالنسبة لها، لقد خسرت رضيعتيها، والآن زوجها، وأصبحت بائسة بدونهم.. ولم يبقْ لها إلا ابنها.. ليكون هو فقط سندها في تلك الحياة القاسية..
ولكن لم يدمْ الأمر طويلاً..
فحينما أرادت أن يعود الصغير أوس إلى حضنها تفاجئت بمهاب يقول ببرود:
-اعتبري ابنك مات!

أمسكت به من ياقته، وهزته بعنف وهي تصرخ منفعلة أمام باب منزله:
-إنت بتقول ايه ؟ ابني لسه عايش وهاخده في حضني!
خدش قبضتيها وهو يبعدهما عنه، ونهرها بصوته الأجش قائلاً:
-نزلي إيدك، إنتي مالكيش حاجة عندي، إبنك مات، سامعة مات!
هزت رأسها رافضة بقوة ما يقول، وإحتجت قائلة وهي تشير مهددة بإصبعها:
-لألألأ.. أوس عايش وهاخده منك بالقانون
ضحك مستهزئاً بها، وهتف بثقة بالغة:
-هع هع.. قانون!

ثم ربت على كتفها بعنف وهو يتابع بصوت قاتم، ونظرات محذرة:
-طب يا مدام تهاني أحسنلك ماتلعبيش معايا
سلطت أنظارها الغاضبة عليه وهي تجيبه بثبات ب:
-مش هاخاف منك يا مهاب، ابني هيرجع ليا تاني، إن شاء الله أصرف كل اللي معايا، بس هاخده منك!
أرجع رأسه للخلف، وفغر فمه ضاحكاً بإستهزاء، ثم تابع بسخرية:
-أها.. قولتيلي، فلوسك.. هو ممدوح جوزك مقالكيش انه سحب كل رصيدك وضمه لحسابه ؟!

إتسعت مقلتيها في إندهاش بعد عبارته الأخيرة، ورفعت حاجبيها للأعلى في ذهول، وإكتسى وجهها بعلامات الصدمة، وهتفت غير مصدقة ب:
-هاه، مش ممكن!
تقوس فمه في عبث وهو يراها مشدوهة بما حدث، فتابع بإستفزاز:
-لأ بجد مقالكيش، تؤ.. تؤ.. تؤ.. مالوش حق، دي أول حاجة عملها بعد ما عملتيله التوكيل!
تحشرج صوتها، وهزت رأسها نافية وهي تهتف بصوت مصدوم:
-ممدوح مش هايعمل كده، هو.. هو بيحبني!

غمز لها مهاب بطرف عينه وهو يضيف ببرود:
-واللي بيحب واحدة بيطلقها برضوه يا مدام ؟ ممدوح اتجوزك بأوامر مني، وطلقك لأنه خد اللي عاوزه منك!
صرخت فيه بإنفعال وهي تهز رأسها بعصبية:
-اسكت، ممدوح مش كده
تسلى مهاب برؤية طليقته السابقة وهي تعاني من حالة الإنهيار عقب إكتشافها لحقيقة زوجها..
فقد شعر بإنتشاء عجيب وهو يراها منكسرة محطمة..

وأراد أن يتسلى أكثر معها، فقال بمكر:
-الحق يتقال هو زعل على موت بناته، وهما اللي عجلوا بقرار طلاقك منه!
وضعت يديها على أذنيها لتسدهما وتكتم صوت الحقيقة القاسية، وأغمضت عينيها مستنكرة ما يحدث، وصرخت بصدمة:
-مش ممكن، مش ممكن!
أردف مهاب قائلاً بسخرية وتهكم:
-ما انتي مش عايشة معانا في الدنيا، هاقول ايه غير هبلة!
فتحت عينيها وأطلقت صرخة مدوية وهي تهتف قائلة:
-حرام عليكم، آآآآآه، ليييييييييييه ؟؟ ليييييه كده ؟!

في تلك اللحظة خرج الصغير أوس من غرفته، وهتف بصوت طفولي بريء وهو ينظر في إتجاه باب المنزل:
-مامي!
خفق قلب تهاني بقوة وهي ترى صغيرها – وسندها الوحيد – أمامها، منادياً إياها بأحب الألقاب وأغلاها.. فهتفت بلهفة دون تردد بعاطفة قوية:
-أوس.. ابني
سد مهاب الطريق عليها بجسده، ووقف حائلاً دون دخولها، وصرخ بصوت آمر:
-خش جوا يا أوس!

نظر الصغير إلى والدته بإندهاش غريب، وتسائل ببراءة وهو فاغر ثغره الصغير:
-مامي إنتي.. إنتي عايشة ؟
ثم فرك عينيه بقبضتيه الضئيلتين ليتأكد من أنها حقيقية.. فقد تمنى أن يراها ليسرد لها ما عاناه بعد غيابها لفترة طويلة لعل روحه الصغيرة المنتهكة تجد راحته في وجودها معه..
لعله يستطيع أن يبوح لها بأبشع أسراره..
فهو وحده من ذاق مرارة الفقد.. وعذاب إغتيال البراءة
تسمرت نظرات تهاني على صغيرها وهي تراه متشوقاً لرؤيتها..
صاح الصغير أوس بصوت مليء بالشجن وهو يقترب منهما:
-مامي عايشة!

شعرت تهاني بإنكسارة غريبة في نبرة صوت وليدها، وحزن عجيب بدى واضحاً وهو يقترب منها.. فحدقت في مهاب بنظرات محتقنة، وسألته بصوت محتد:
-إنت قولت لإبني إني مت ؟
لم يجبها مهاب، بل عَمِد إلى دفعها للخلف، وأدار رأسه ناحية ابنه، وهدر قائلاً بصلابة:
-أوس، خش جوا، ناريمان، تعالي خدي أوس!

ركضت ناريمان نحو الصغير أوس، ثم أمسكت به من ذراعه، ونفخت في ضيق وهي تقول بصوت غاضب:
-ايه اللي طلعك من أوضتك، تعالى معايا
حرك الصغير أوس ذراعه بكل ما أوتي من قوة ليتحرر من قبضتها وهو يصيح معترضاً بصوت مختنق:
-ابعدي، أنا عاوز مامي، استني، أنا عاوز أتكلم معاكي! مامي!
قبضت ناريمان عليه بقوة أكبر، وجرته خلفها بعيداً عن والدته، في حين استمر هو في صراخه قائلاً:
-مامي، استني، مامي، أنا عاوز مامي، سبيني!

رأت تهاني بعينيها الصراع الدائر بين وحيدها الصغير وزوجة أبيه، فإهتاجت بشدة، وصرخت قائلة بإصرار وهي تحاول دفع جسد مهاب لتلج للداخل:
-لألألأ.. هاتلي ابني، رجعهولي يا مهاب، حرام عليك، ده أنا أم
لكزها في صدرها وهو ينطق بقسوة ب:
-بأقولك انسيه خالص!
نظرت له بنظرات نارية من بين عينيها الحمراوتين، وهتفت بصوت جهوري:
-أنا هاخده منك بالعافية.

أطبق على فكها بكف يده، وإعتصره بقسوة آلمتها، ثم صر على أسنانه قائلاً بشراسة:
-لو فكرتي بس تروحي تشتكي، أنا هاوديكي في داهية، ومعايا اللي يثبت ده
تآلمت من عنفه معها، وقالت بإصرار أموي معهود:
-آآآه، مش مهم، ابني هاخده منك
أرخى قبضته عن فكها، ودفعها للخلف، وصاح مهدداً:
-يبقى إنتي الجانية على نفسك!

رمقته بنظراته الإحتقارية، وأجابته بعدم إكتراث:
-مش مهم أي حاجة في الدنيا غير إني أخد ابني في حضني
-حتى لو هاتتعدمي ؟!
ضيقت تهاني عينيها في عدم إستيعاب عقب عبارته الأخيرة، هي لا تريد منه أي شيء سوى إبنها الوحيد، والذي تبقى لها بعد خسارتها لكل شيء، ومتحجر القلب هذا يهددها بالإعدام وكأنه متيقن من أنها مجرمة بالفعل..

لذا سألته بفضول كبير وهي عابسة الوجه:
-قصدك ايه ؟
أجابها دون أن يهتز له جفن:
-التحاليل الغلط اللي عملتيها
إزداد إنعقاد ما بين حاجبيها، وتسائلت بتلهف:
-تحاليل ؟!
أومأ برأسه إيجابياً وهو يرد بهدوء مخيف:
-أها، ماهو في كام عيان مات بسبب غلطك في نتايج التحاليل
شحب لون وجهها، ورمشت بعينيها وهي تهتف معترضة:
-أنا معملتش كده!

إلتوى فمه بإبتسامة لئيمة وهو يتابع بعبث:
-إثبتي ده، وكل الورق طالع بإسمك
صرخت فيه بإنفعال وهي تبكي – لا إرادياً – بحرقة:
-إنت ايه ؟ حرام عليك ياخي! حرام!
أشار لها بإصبعه وهو يأمرها بفظاظة:
-برا يا تهاني، إنتي خلاص ورقة واتحرقت من حياتي
نظرت له بتحدٍ سافر وهي تصرخ بنبرة مهددة:
-مش هاسيبك يا مهاب، ابني هاخده منك، وهايرجعلي تاني.

رد عليها بتوعد قائلاً وهو يقبض على عنقها لتختنق بأصابعه القوية:
-وقت ما تفكري تعملي ده هتلاقي نفسك بتعفني في أوسخ سجن هنا، وأنا بنفسي هاجيب ابنك يشوف أمه
تلوت تهاني بجسدها محاولة تخليص عنقها من قبضته حيث إزداد شعورها بالإختناق.. وبدأت تتنفس بصعوبة، وهتفت متوسلة:
-لألألأ.. ارحمني
دفعها للخلف بقوة أشد لترتد وتسقط على الأرضية وهو يتابع قائلاً بجمود:
-يالا، برا!

ثم صفق الباب بقوة في وجهها، فتحاملت على نفسها، ونهضت عن الأرضية، ثم ألصقت جسدها بباب المنزل، وظلت تدق عليه بعنف، وهي تصرخ متوسلة ك
-افتح يا مهاب، سيبلي ابني، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده، حرام...!
ولكنه لم يعبأ بصراخها، ولا بما تفعله، فقد اكتفى برسم إبتسامة انتصار على وجهه، ففي النهاية ظفر بكل شيء، ابنه الوحيد، وزوجته الجديدة، وطفلة بديلة، وحياة أخرى لا يعكر صفوها ركام الماضي...
ولأيام عديدة ظلت تهاني قابعة أمام باب منزل مهاب، وهي تصرخ بهذيان من أجل إبنها حتى أرسل هو في إستدعاء الأمن لها، وتم حبسها لبضعة أيام، ثم نجح - بفضل معارفه، وصلاته الإجتماعية - في ترحيلها لتعود لمصر فاقدة لكل شيء حتى عقلها...

أفاقت تهاني من ذكرياتها وهي تشهق بآلم وحسرة..
هزت رأسها رافضة لهذا الواقع الآليم الذي كانت تخوضه يومياً بمفردها، واليوم بعد أن إستعادت كامل وعيها عليها أن تستعد من أجل أن تستعيد أخر فرد في أسرتها.. ابنها الوحيد أوس الجندي
نعم لقد عقدت العزم على أن تبدأ رحلة البحث عنه فور خروجها من هذه الدار..
وستكون تلك هي مهمتها حتى الرمق الأخير في حياتها...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والثلاثون

في الجراج الملحق بمشفى الجندي الخاص
جلس أوس خلف عجلة القيادة، وعَدَل من وضعية المرآة الأمامية ليرى أثار تلك الكدمات أسفل عينيه، وكذلك بقايا خدوش قديمة على عنقه، فزفر في ضيق..
لقد استعاد في ذاكرته ما حدث معه بداخل غرفة العناية المركزة، فصر على أسنانه بغضب.. ثم إلتفت برأسه ناحية المقعد المجاور له ليرى قطرات الدم الجافة مطبوعة على الجلد.. فمد يده ليتحسسها بحذر.. نعم هي دماء تقى التي تركت أثارها لتذكره بجريمته البشعة معها..

أغمض أوس جفنيه، وأخذ نفساً عميقاً حبسه في صدره لعل قلبه الثائر يهدأ قليلاً.. ثم زفره مرة واحدة، ورفع رأسه للأعلى بعد أن فتح عينيه، وحدث نفسه قائلاً بإصرار:
-هاوصلك يا تقى، إنتي مراتي، ومش هاسيبك للكلاب دول ياخدوكي مني..!
فهو مازال رغم صلابته يعاني من الآلم والإنهاك.. فهو أمامه معركة حامية.. وعليه أن يستعد لها..
فلو أراد إستعادة زوجته، عليه أن يكون قادراً على فعل هذا وهو بكامل قواه الجسمانية حتى لا يسقط مرة أخرى، ويفقدها للأبد..
وضع أوس المفتاح في مكانه المخصص، وأدار المحرك، وبحذر شديد قاد السيارة نحو الخارج..
أفسح له رجال الأمن الطريق ليمر، وتبادلوا نظرات الحيرة والفضول حوله.. ولكن لم يجرؤ أحد على السؤال علناً...

في قصر عائلة الجندي
إنتفضت ناريمان مذعورة من على مقعدها الوثير بغرفتها على إثر صوت مهاب الصارخ وهو يدلف لداخل القصر..
ثم نهضت عنه، وسارت بخطوات حذرة خارج الغرفة، واتجهت نحو الرواق، ووقفت بجانب الدرج، وتسائلت بإستغراب وهي تنظر نحوه:
-في ايه يا مهاب بتزعق كده ليه ؟
أجابها بصوت منفعل وهو يصعد عليه:
-يعني مش عارفة بأزعق ليه يا هانم
نظرت له ببرود وهي تجيبه بعدم إكتراث:
-لأ معرفش!

وقف قبالتها، ورمقها بنظراته الساخطة قبل أن يتابع قائلاً بحدة:
-ماهو إنتي لو بتحسي ولا عندك دم كنتي عرفتي إيه اللي بيجرى من وراكي!
لم تعرف ناريمان ما الذي أصاب زوجها لكي تثور ثائرته بتلك الصورة الغير معقولة، لذا سألته بحيرة بادية على قسمات وجهها:
-حصل ايه لكل ده ؟
تحرك خطوة نحوها حتى تقلصت المسافة إلى بوصتين، ونطق بشراسة من بين أسنانه:
-أوس!

لوت فمها في تأفف، وسألته بإنزعاج وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-أووف، ماله ؟!
هدر مهاب عالياً وهو يلوح بكف يده في الهواء:
-البيه اتجوز يا هانم وإنتي مش دريانة!
إرتسمت علامات الإندهاش على وجهها، وفغرت شفتيها مصدومة وهي تنطق ب:
-نعم ؟ بتقول ايه ؟ أوس اتجوز!
رمقها بنظرات محتقنة وهو يسألها متهكماً:
-يعني مش عارفة ؟!

نفخت في ضيق، وأجابته ببرود وهي تسير في إتجاه غرفتها:
-لأ معرفش، هو ابنك بيقولي حاجة!
لحق بها وأضاف متهكماً وهو ينظر لها بإحتقار:
-على رأيك، هايقولك ليه أصلاً، هو أنتي كنتي أمه!
إستدارت بجسدها لتواجهه، فرأى نظرات الغضب جلية في مقلتيها، بينما صاحت هي محذرة مشيرة بإصبعها:
-مهاب، خد بالك من اسلوبك معايا، مش أنا اللي تكلمها بالشكل ده!

أعاد رأسه للخلف وهو يرد عليها ساخراً:
-اه صح، بنت الحسب والنسب
زفرت بغضب وهي تلوح بيديها:
-يوووه، هو كل مصيبة ابنك يعملها تحاسبني عليها، ما تحاسبه هو!

في نفس الوقت كانت ليان قد ولجت إلى داخل بهو القصر بعد أن استقبلتها المدبرة عفاف بالأحضان والقبلات الدافئة لرؤيتها إياها..
وضعت هي يديها على كتفيها، وقالت بحماس:
-نورتي القصر يا ليان هانم
إبتسمت لها ليان وهي تجيبها بنبرة مرحة:
-ميرسي يا ناني عفاف!
سألتها عفاف بإهتمام عن زوجها قائلة:
-أخبار العريس ايه ؟

أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة، ثم قالت بفتور واضح وهي تتحاشى النظر في عينيها:
-عادي.. مافيش جديد
شعرت عفاف من طريقتها في الحديث عن زوجها بأن هناك خطب ما بها، فحاولت أن تستشف منها ما الذي حدث، فسألتها بحذر:
-هو.. هو عدي بيه مش هايجي ؟
ردت عليها بإيجاز قائلة وهي عابسة الوجه:
-لأ..!

سألتها مجدداً بإهتمام أكبر وهي تتفرس تعبيرات وجهها:
-يعني معملش حسابه معانا في الغدا ؟!
زفرت ليان بضيق واضح وهي تنطق بنبرة منزعجة:
-ناني عفاف، بليز، أنا مخنوقة ومش حابة اتكلم كتير عنه!
أخفضت عفاف نبرة صوتها وهي تجيبها ب:
-زي ما تحبي..!

تنهدت مجدداً وهي ترفع بصرها للأعلى متسائلة:
-قوليلي هو مامي هنا ولا دادي ؟
-الاتنين موجودين، تحبي أديهم خبر
هزت رأسها نافية وردت عليها بجدية وهي تتجه نحو الدرج:
-No ( لأ )، أنا هاطلع أسلم عليهم بنفسي
صعدت ليان عليه برشاقة تتناسب مع جسدها النحيف.. فهي مشتاقة للعودة إلى القصر وحياتها السابقة بعيداً عن تلك الصدمات المؤلمة في حياتها..
سريعاً وصلت للطابق العلوي، ولكنها تسمرت في مكانها حينما سمعت أصوات مشاجرة ما تصدح خارج غرفة والديها.. فسارت بحذر شديد – وعلى أطراف أصابعها – لتتصنت عليهما..

ظلت ليان على مسافة قريبة لتتمكن من الإستماع بوضوح لما يقولان.. خاصة وأن باب الغرفة كان موارباً..
هتف مهاب بصوت منفعل وهو يلوح بيده:
-لأ والبجاحة إنك سايبة الشغالة هي اللي تتابعه
نظرت له بقسوة وهي تجيبه ببرود مستفز:
-يعني عاوزني أعمل ايه ؟ هو مش بيطقني أصلاً!
صاح قائلاً بعصبية وهو يحدجها بتلك النظرات المحتقنة:
-تقفي جمبه، وتفضلي معاه!
عقدت ساعديها أمام صدرها وهي تجيبه بنفاذ صبر:
-والله ده ابنك مش ابني!

أمسك مهاب بذراع زوجته، فأرخته رغماً عنها، وسألها بحدة وهو يهزها منه:
-ومن إمتى بنقول الكلام ده يا ناريمان ؟
نزعت هي ذراعها من قبضته، وأولته ظهرها وهي ترد عليه بصوتها المنفعل:
-من زمان، وانت عارف كويس ده، مش شرط أقوله عشان تتأكد، كفاية تصرفات أوس لوحدها!
-ده طبعه، والمفروض كنتي آآآ..
قاطعته بصوت محتد وهي تصر على أسنانها بعد أن استدارت بجسدها نحوه:
-ماتقوليش ايه المفروض معايا أنا بالذات، ابنك عمره ما حبني ولا أنا حبيته، فأموره كلها متفرقش معايا!

هتف محتجاً على أسلوبها المستفز ب:
-وأنا مطالبتش منك تحبيه، كل اللي طلبته إنك تاخدي بالك منه!
نفخت من الضيق، وتحركت للجانب، وأردفت قائلة ببرود قاتل:
-أووف، وهو مش صغير عشان أنا أهتم بيه
استشاط مهاب غضباً من ردودها المثيرة للإنفعال، وصاح بهياج:
-انتي عمرك ما إهتميتي إلا بنفسك وبس
زفرت بضيق وهي تجيبه بإنهاك:
-مهاب، بليز، أنا زهقت وقرفت من كل حاجة هنا.

اتجه نحوها وجذبها من ذراعها وهو يصرخ مهتاجاً ب:
-انتي استحالة تكوني أم عاقلة، وواخدة بالها من بيتها وعيالها
أشاحت بذراعها، وتراجعت خطوة للخلف وهي تجيبه بغضب هادر:
-أيوه، أنا مش عاوزة أكون أم لولاد تهاني! سامعني، أنا مش بأحب ولادها
هنا إتسعت مقلتي ليان في صدمة كبيرة عقب تلك الجملة الأخيرة.. وشهقت بذهول واضح ولكنها سريعاً ما وضعت يدها على فمها لتكتم صوتها حتى لا ينتبه أحدهما لوجودها.. وأصغت بإهتمام كبير للبقية.. فهي لم تستوعب بعد المغزى من حديثهما هذا..

تابع مهاب حديثه الساخط قائلاً بعصبية:
-ولما انتي مش بتحبيهم وافقتي ليه تربيهم، ووافقتي على تزوير شهادة ميلاد ليان، ورضيتي إنك تكوني أمها ؟
ردت عليه بنزق وهي ترمقه بنظرات إحباط:
-كنت مفكرة انهم هايطلعوا زيي، شبهي، أخدين صفاتي، لكن كل حاجة بيعملوها فيها نفس تهاني، فيها شكلها وطريقتها!
صمت كلاهما للحظة ليسترجعا ما حدث قبل سنوات من جرائم فادحة، وكيف شجعته ناريمان على الخوض في مخططاته الدنيئة وتنفيذها دون تردد، وباركت أفعاله وساندته..

إذن هي لم تعترض من البداية على ما يريد، بل كانت الداعم الأول له، والآن تنكر كل هذا ببساطة، وتبرر فعلتها.. لذا قطع مهاب هذا الصمت قائلاً بصراخ:
-إنتي السبب في ضياعهم، وفي اللي وصلوله!
صاحت محتجة على إتهاماته لها وهي تنظر مباشرة في عينيه دون أن يرتد لها جفن ب:
-لأ، مش أنا، هما عمرهم ما كانوا ولادي، وإنت عارف ده كويس!
صر على أسنانه قائلاً بغلظة:
-بس لو كان أوس معرفتيش تربيه، فليان شاربة منك كل حاجة، وضاعت بسببك!
هتفت قائلة بصوت مسموع إرتد صداه للخارج:
-مش بنتي قولتلك، مش بنتي، أي حاجة هايعملوها إنت اللي هتتحاسب عنها مش أنا، إنت اللي خططت لكل حاجة، وإنت اللي وقعتنا في كل ده!

كانت ليان تتلقى الصدمة وراء الأخرى في صمت تام وهي تصغي لمصارحتهما المؤسفة..
إزداد شحوب لون بشرتها، وتسارعت دقات قلبها.. وحبست أنفاسها داخل صدرها حتى لا يسمع أحدهما صوت شهقاتها المريرة
نعم هي أدركت أنها لا تتوهم ما تسمعه، إنها الحقيقة المشينة..
ناريمان ليست والدتها، وهي لم تكن يوماً إبنتها.. ولم تكن لتعبأ بها لولا المظهر الإجتماعي..
هي لم تحاسبها لخطيئتها، ولم تنصحها لتكن الابنة المثالية، ولم تكن لها القدوة الحسنة لتصير على خطاها..
هي مجرد أكذوبة في حياتها.. إذن فمن هي أمها الحقيقية ؟

أردف مهاب قائلاً بإنفعال وهو يشير بيده:
-جاية الوقتي تقولي الكلام ده بعد السنين دي كلها
ردت عليه بقوة وهي تنظر بشراسة له:
-ايوه، وأكتر من كده كمان لأني جبت أخري معاك
-مممم.. فعلاً
أضافت قائلة بإمتعاض وهي تلوي شفتيها ناظرة إليه بإزدراء:
-أيوه، احنا الحياة بينا بقت مستحيلة
سألها مستفهماً بعد أن قبض على ذراعها:
-معناه ايه كلامك ده ؟

اقتربت منه لتنظر له بقسوة، ولم تهتم بأصابعه الضاغطة عليها، وقالت بصوت أشد صلابة وقوة:
-طلقني يا مهاب
سألها بصوت محتد وهو يحدجها بنظراته الملتهبة:
-أطلقك ؟
ردت عليه بجموح وهي ترمقه بنظرات غير مبالية:
-ايوه، عاوزني أعيش معاك وأنا كارهاك
صرخ فيها غاضباً وهو يعتصر ذراعها:
-أطلقك عشان تروحي ترمي نفسك في حضن عشيقك ؟
تلوت بذراعها محاولة تحريره، وإبتلعت ريقها متوترة، ثم أشاحت بوجهها للجانب وهي تجيبه بخفوت:
-هه.

هزها بعنف وهو يسألها بصوت غاضب:
-ما تردي يا هانم ؟ ولا مفكراني مش واخد بالي من اللي بتعمليه!
ثم دفعها بقسوة للخلف، وظل يرمقها بنظراته المهينة.. بينما أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة وهي تهدر قائلة:
-والله أنا مش فارق معايا تفكر في ايه بالظبط، كل اللي يهمني تطلقني وبس
كز على أسنانه وهو يجيبها بقساوة واضحة:
-وماله، هاطلقك
ثم صمت لثانية قبل أن يتابع بصوت قاتم وهو يرمقها بنظراته الشيطانية:
-بس نصفي حسابتنا الأول كلها!
ابتلعت ريقها وهي تسأله بإرتباك واضح:
-قصدك ايه ؟
-إنتي فهماني كويس.

وصلت عفاف إلى الطابق العلوي، فوجدت ليان تقف على مقربة من باب غرفة مهاب الجندي، فقطبت جبينها في إندهاش، وتسائلت مع نفسها بريبة:
-الله! ليان واقفة هنا ليه ؟
ثم خطت بثبات في إتجاهها، وسألتها بصوت شبه مرتفع:
-ليان هانم، إيه اللي موقفك كده ؟

توقف كلاًهما عن شجارهما المحتد، وأصغى بإنتباه شديد لصوت عفاف.. ثم تحركا خارج الغرفة..
صُدم مهاب حينما رأى ليان تقف في حالة ذهول غريبة بجوار باب الغرفة، فإبتلع ريقه بخوف، وهو ينطق قائلاً:
-هاه ليان!
إهتاجت ليان حينما رفعت عينيها نحوه، وهدرت صارخة ب:
-كفاية بقى، إنتو الاتنين كدابين ؟
عجزت ناريمان عن النطق، وإكتفت بمتابعة ما يحدث في صمت.. فقد ألجمت المفاجأة لسانها..
تابعت ليان صراخها العنيف قائلة:
-أنا أبقى بنت مين ؟ بنت مين ؟

اقترب منها مهاب، وأمسك بها من كتفيها، وحاول أن يضمها إلى صدره وهو يقول بحنان:
-إنتي بنتي يا ليان، ماتصدقيش أي حاجة سمعتيها!
نظرت له بأعين مغرورقة بالعبرات وهي تسأله بصوت مختنق:
-لييييه أنا ؟ ليه عملتوا فيا كده ؟ من أهلي الحقيقيين ؟
ضم وجهها بكفيه، ورفعه نحوه وهو ينظر لها بندم، ثم هتف بإصرار:
-احنا اهلك اللي ربوكي، صدقيني يا بنتي، واسألي أوس أخوكي، إنتي بنتنا!

هزت رأسها رافضة لكل كلمة يقولها.. وأغمضت عينيها في خزي واضح متجنبة النظر إليه..
اعتصر قلبه آلماً وهو يراها على تلك الحالة، وإلتفت برأسه نحو زوجته، وصرخ فيها بقوة:
-اتكلمي يا ناريمان، وردي عليها، قوليلها هي بنتك، وأوس أخوكي!
حاولت هي أن تجيبها، ولكن خرج صوتها متقطعاً، وبدت أكثر إرتباكها وهي تقول:
-أنا.. آآ..
هتفت بها عفاف قائلة بذعر بعد أن رأت حالة الهياج التي أصابتها:
-ليان هانم!

تشنجت ليان بجسدها، وحاولت إبعاد نفسها عنه، فتمسك بها مهاب أكثر، واحتضنها بذراعيه متوسلاً:
-اهدي يا حبيبتي، أنا بابي حبيبك!
إستجمعت قوتها، ودفعته بشدة للخلف، فأفلت ذراعيه عنها، ونظر لها بأسف حقيقي، في حين ظلت هي تصرخ فيه بعنف:
-ابعدوا عني محدش يلمسني، أنا بأقرف منكم، مش تلمسوني!
أشار لها مهاب بيده محاولاً تهدئتها وهو يقول بنبرة حذرة:
-حاضر، مش هاقرب منك، بس انتي بنتنا، وأوس أخوكي، دي الحقيقة اللي لازم تسمعيها، وآآآ..

قاطعته بصراخها الحاد قائلة:
-ابعدوا عني
ثم تراجعت بظهرها للخلف، وظلت تهز رأسها مستنكرة كل شيء وهي تبكي بحرقة.. فالحقيقة أكبر من طاقتها على التحمل..
كل شيء قد إنهار في لحظة.. كيان الأسرة وعمادها كان مجرد وهم كبير.. ولم يتبقْ لها إلا أوس لتعرف منه الحقيقة كاملة..
استمرت في تراجعها وهي تكتم شهقاتها وحسرتها، مبتعدة عن الجميع، فحاول مهاب أن يلحق بها وهو يقول بصوت مرتفع:
-ليان استني، ليان، اسمعيني الأول!

ركضت مهرولة على الدرج والدموع تنساب بغزارة من مقلتيها.. فشعورها بالنفور من تلك العائلة أصبح بديهياً..
دار في خلدها فكرة واحدة، والتي ترسخت الآن في عقلها، أنها لم يعد لها أي ملجأ أو مهرب من هذا المكان لتعيش فيه سوى مع زوجها الذي تبغضه.. والذي تظن إن عرف حقيقتها فسيتخلى عنها ويتركها في الطرقات.. فزواجهما حُكم عليه منذ بدايته بالنهاية المأساوية.. وما حدث لها سيدمر الباقي من حياتها..
أسرعت ليان خارج هذا القصر الكئيب، وركبت سيارتها، وقادتها دون تفكير نحو بوابة القصر الرئيسية..

ظلت تضغط على البوق بصورة هيسترية حتى يستجيب الحرس لها، ويفتح البوابة..
كان مهاب في طريقه إليها، ولكنه لم يتمكن من إيقافها، فوقف غاضباً في مكانه، ولعن ذاك الحظ العثر الذي جعلها تصغي لفضائحهما..
أدارت هي عجلة القيادة في إتجاه الطريق الرئيسي، ومنه زادت من سرعة السيارة لتتجه نحو مقر الشركة..
فهناك ستجد الجواب الحاسم لحقيقة نسبها من أوس.. شقيقها الأكبر!

في منزل أوس بمنطقة المعادي
صف أوس سيارته أمام مدخل البناية، وترجل منها بحذر شديد، ولم ينتبه لوقوع هاتفه المحمول من جيب بنطاله على مقعد قائد السيارة..
ثم رفع بصره للأعلى لينظر إلى واجهة شقته العلوية..
كم يكره هذا المكان الذي شهد على فُحشه وأفعاله المخزية.. وأخيراً على ذبح تلك الروح النقية دون ذرة ندم وقتها..
أطرق رأسه في أسف وحسرة، وسار بخطوات متمهلة في إتجاه المدخل بعد أن صفق باب السيارة بعنف..
وما إن رأه حارس البناية جابر حتى نهض من على مقعده الخشبي، ونظر له بتأفف وهو يتفحصه من رأسه لأخمص قدميه، ثم سأله ببرود:
-عاوز مين يا أخ ؟!

حدجه أوس بنظرات نارية مخيفة وهو يجيبه بشراسة ك
-نعم! انتِ مين أصلا ؟
إلتوى فم جابر وهو يسأله بإمتعاض:
-أنا اللي بسألك الأول، هاترد على سؤالي بسؤال يا راجل إنت ؟!

تفاجيء حارس البناية بقبضة أوس تمسك به من عنقه، وبأظافره الحادة تغرز فيه، ثم دفعه الأخير بعنف نحو الحائط، وضغط على رقبته أكثر، فحاول أن يصرخ مستغيثاً بأي شخص، ولكنه كان مشلولاً أمامه، وتحشرج صوته وإختنق..
هدر به أوس قائلاً وهو يحدجه بتلك النظرات المحتقنة:
-محدش يسأل أوس باشا الجندي هو مين، إنت فاهم!
-آآآآآ..
تابع هو بنفس القوة، والشرر يتطاير من عينيه:
-ده أنا أدفنك مطرح ما انت واقف هنا
-آآآ.. أنا..

ثم أضاف قائلاً وهو يتعمد الضغط أكثر على عنق جابر ليزيد من صعوبة تنفسه:
-ولو مش عارف أنا مين، أنا بأعرف أهوو
تحول لون وجه جابر إلى الأزرق، وبدت علامات الإختناق جلية على وجهه وهو يتوسل له قائلاً:
-آآ.. ه.. هاتخنق آآآ..أسف يا بيه.. آآ..
أرخى أوس قبضته عنه.. ولكنه لم يكف عن رمقه بنظراته المميتة.. سعل جابر بشدة محاولاً إلتقاط أنفاسه المقطوعة، وتحاشى النظر في إتجاه هذا الرجل القوي..
ثم إتجه بعدها نحو المدخل، ومنه إلى المصعد..

بعد دقائق قليلة، كان أوس الجندي يقف عند عتبة باب منزله..
أخذ نفساً عميقاً، وزفره ببطء شديد، وأطرق رأسه للأسفل وهو يتذكر كيف سحب تقى في الأمس القريب إلى الداخل ليذبحها بلا رحمة ظناً منه أنه ينال بذلك راحته..
وبحذر شديد وضع المفتاح في مكانه المخصص، وبأنفاس متقطعة أداره لينفتح الباب مصدراً صريراً واضحاً..
شعر هو بثقل كبير يجثو على صدره وهو يستنشق ذلك الهواء المكتوم الذي إندفع إلى الخارج محملاً برائحة العذاب والقسوة..
دلف إلى الداخل بخطوات بطيئة، وتحسس موضع مصباح الإنارة ليضاء المكان بالكامل..

عض على شفته السفلى، وأطرق رأسه في ندم وهو يرى تلك المواضع التي نهش فيها لحم تقى بلا شفقة..
أغلق الباب خلفه، وسار بخطوات ثقيلة نحو الرواق، حيث غرفة النوم المتواجدة في نهايته، و التي شهدت على لحظة اغتيال تلك الروح النقية..
كان كل شيء كما تركه، وكأنه يؤكد له بقسوة أنه السبب فيما وصلت إليه، أنه ذئباً وحشياً إفترس ضحيته بلا رحمة..
تلاحقت أنفاسه وهو يقترب من باب غرفة النوم..
بدأت يصدر أنيناً مكتوماً وهو يسلط عينيه على بقايا الزجاج المحطم في الأرضية، وثوب عرسها..

رفع عينيه تدريجياً للأعلى لينظر إلى الفراش.. الذي كان كالمقصلة حيث نفذ حكم الإعدام في سجينته..
رأى قطرات دمائها – والتي جفت – مازالت مطبوعة على الملاءة..
وضع يده على فمه ليكتم تلك الشهقة القوية التي خرجت رغماً عنه..
فهناك قيدها، وتمكن منها، وأخذها رغماً عنها، محطماً إنسانيتها وإنسانيته..
هناك أثبت أنه ذئباً لا يغفر ولا يعرف الحب..
لم تقوْ قدميه على حمله، فإنهار على الأرضية، وطأطأ رأسه مخزياً، وإنتحب بأنين خافت قائلاً:
-أنا أسف يا تقى، أنا أسف.. أنا اللي دبحتك بإيدي!

ثم إرتفع صدره وهبط بعد أن تركه لنفسه العنان في البكاء الآسف ندماً على فعلته النكراء..
وإزداد نحيبه وهو يتابع قائلاً:
-بس غصب عني، كنت معمي، يا ريتك تسامحيني يا تقى، وتنسي اللي عملته.. آآآآه..
تنهد بحرقة وهو يضيف قائلاً بمرارة وقد تلونت عينيه بالحمرة:
-أنا عارف إنه صعب عليكي ده، بس.. بس عندي أمل إنك تسامحيني، آآآآه!
ظل لبعض الوقت جالساً على تلك الوضعية.. متأملاً ما خلفه من أثار إعتدائه الوحشي، ومستعيداً في ذاكرته كل لحظة أساء فيها إلى زوجته البريئة..

أرجع رأسه للخلف ليحدق في سقفية الغرفة، وقال بعزم جلي:
-مش لازم أستنى في المكان ده تاني، كل حاجة هاتتغير للأحسن!
ثم أخفض رأسه قليلاً، ومسح عبراته بكف يده، وتلفت حوله بإشمئزاز واضح على محياه قائلاً بحسم:
-أوعدك يا تقى إني هأبدأ من أول وجديد، وفي مكان تاني خالص غير ده!
ثم إستند على مرفقه لينهض عن الأرضية، ونظر للفراش بنظرات أسفة وهو يتابع قائلاً بصوت متحشرج:
-اللي حصل هنا لازم يدفن، يتمحى من الوجود، المكان النجس ده ماينفعش لملاك زيك...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والثلاثون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
وصل عدي إلى مكتبه، وألقى بمفاتيحه وهاتفه على سطح مكتبه، ثم أردف قائلاً بصوت جاد وهو ينظر في إتجاه السكرتيرة:
-كل حاجة عندك كانت متأجلة يجلي بيها تقرير مختصر فوراً، وأنا هاتعامل مع كل حاجة بطريقتي
أومأت برأسها موافقة، ثم دونت شيئاً ما في تلك المفكرة الجلدية الصغيرة التي تحملها في يدها، وأجابته بهدوء:
-تمام يا فندم، أنا مجهزة كل الأوراق!

جلس على مقعده، وانتصب في جلسته، وسلط أنظاره عليها، وهتف بصوت أمر ب:
-أوكي، هاتيها بسرعة، ونسقيلي المواعيد مع العملاء من الأهم فالمهم، وهكذا!
هزت رأسها مجدداً وهي تجيبه بثبات:
-حاضر يا فندم، ربع ساعة وهاتكون القائمة موجودة على مكتبك
أشار لها بعينيه وهو يتابع قائلاً:
-تمام.. اتفضلي
ابتسمت له مجاملة وهي ترد عليه ب:
-عن اذن حضرتك
ثم أولته ظهرها، فتابعها بنظراته المتفحصة لجسدها من أسفل حتى إنصرفت من غرفته، فحدث نفسه قائلاً بسخرية:
-نرجع نركز في الشغل أحسن بدل ما حالنا يقف أكتر ما هو واقف!

في نفس التوقيت ترجل فارس من سيارة الأجرة أمام مقر الشركة، ونظر حوله بتفحص للمكان، ثم سار في إتجاه البوابة الرئيسية، وولج إلى الردهة الواسعة..
توجه هو ناحية موظف الإستقبال، ورسم على وجهه قناع الجدية الزائف، وعَدَل من نبرة صوته، ونطق بصوت رخيم وخشن للغاية:
-مساء الخير
رد عليه موظف الإستقبال وهو يرسم إبتسامة مصطنعة على ثغره قائلاً:
-مساء النور يا فندم
-كنت عاوز أسأل عن أوس باشا الجندي
مط فمه قليلاً وهو يجيبه قائلاً:
-للأسف الباشا مش موجود.

قطب فارس جبينه وهو يسأله بإستفهام واضح:
-ليه ؟ ده أنا المفروض هاحدد معاه ميعاد عشان عرض جديد للشركة، ازاي هو مش موجود ؟
تنحنح الموظف بصوت خافت قبل أن يرد عليه بهدوء حذر:
-حضرتك تقدر تتكلم مع عدي بيه، هو متواجد دلوقتي في الشركة
بدى الإنفعال واضحاً في نبرة صوته وهو يهتف ب:
-بس أنا اتفاقي كان هايكون مع أوس باشا
هز الموظف كتفيه في حيرة، وأردف قائلاً بأسف:
-مش هاينفع حاليا يا فندم.

نفخ فارس من الضيق، وغمغم متسائلاً:
-طب هو هيرجع امتى ؟
أجابه الموظف بإيجاز:
-معنديش خبر
طرق فارس بيده على سطح المكتب الرخامي، وقال بحزم:
-تمام.. أنا هاحاول أوصله
ابتسم له الموظف ابتسامة سخيفة وهو يجيبه بهدوء:
-براحتك يا فندم، شرفتنا
إستدار فارس بظهره، وخطى في إتجاه مخرج الشركة وهو يحدث نفسه قائلاً بإنزعاج:
-أوووف، طب وده مختفي فين ؟

كانت ليان قد صفت سيارتها أمام مدخل الشركة، وترجلت منها وصفقت الباب بعصبية شديدة، وسارت بخطوات أقرب إلى الركض - دون أن تعبأ بحالتها المزرية، ولا بتلطخ وجهها ببقايا مساحيق التجميل – نحو المدخل.. فما يهمها الآن هو معرفة حقيقة نسبها من أوس...
لم تنتبه إلى من حولها، فقد كانت مغيبة العقل تماماً.. في حين كان فارس هو الأخر يتلفت حوله شارداً ومحاولاً التفكير في طريقه تمكنه من الوصول إلى أوس.. لذا اصطدم كلاهما بالأخر دون قصد..

كادت ليان أن تتعثر في خطواتها وتسقط، ولكن أسرع فارس بالإمساك بها من ذراعها، وتثبيتها جيداً فحال دون وقوعها..
تفاجئت هي بإرتطامها بجسد شخص ما، فرفعت رأسها على عجل مبدية رغبتها في الإعتذار، ولكن تجمدت تعابير وجهها من هول المفاجأة، وجحظت بعينيها الحمراوتين مشدوهة..
وفغرت شفتيها في صدمة حقيقية..

لم يختلف حال فارس كثيراً عنها، فقد تسمر في مكانه، وإنتابته حالة من الصدمة والدهشة من رؤيتها، ورفع حاجبيه للأعلى في إندهاش واضح، فبعد غيابٍ دام لأشهر - وخاصة بعد فخه معها، وإيقاعها في المحظور - قد إلتقى بها، ومصادفةً..
نطق بإسمها قائلاً بصوت متحشرج ومتلعثم:
-ل.. ليان!
لم تجبه، بل ظلت صامتة، ومحدقة به بطريقة غريبة.. فهي تحاول إستيعاب تلك الصدمة الكبرى..

وفجأة صرت على أسنانها بقوة، وتشنجت تعابير وجهها، وتحولت مقلتيها لجمرتين من النيران..
فقد مر أمام عينيها شريط ذكرياتها المؤسف معه، وخداعه لها بإسم الحب، ثم الزج بها في مصيدة العشق، والنيل من شرفها بأرخص الطرق في ذنب لم ترتكبه..
رفعت هي ذراعيها نحوه، ثم قامت بخدش وجهه بأظافرها، وهي تصرخ بصورة هيسترية وملتفتة للأنظار قائلة:
-لييييه أنا ؟ ليييييه ؟

إبتلعت فارس ريقه بخوف، وتلفت حوله بريبة، وأمسك بها من كفيها، وحاول إبعادهما عن وجهه قائلاً بذعر:
-آآ.. اهدي يا ليان، أنا.. أنا آآآ..
إزداد صراخها وهي تضيف قائلة:
-لييييه تعمل فيا كده ؟
ثم جاهدت لتتخلص من قبضتيه، لتنال منه، وتابعت بصوت هادر ومتشنج نجح في لفت جميع الأنظار نحوهما ب:
-لييييه يا حيوان، إنت السبب في كل حاجة حصلتلي بعد كده، إنت ضيعتني.. وأنا مش هاسيبك، مش هاسيبك!

إزدادت حالة الإرتباك والتوتر لدى فارس، وبدأ يتفرس أوجه المارين بهما في رعب واضح، ثم صاح بها بصوت أمر:
-اسكتي بقى! الناس بتتفرج علينا
أسرع بعض رجال الأمن في إتجاههما، وسأل أحدهم بجدية:
-في ايه ؟
صُدم الحارس الأمني من رؤية ليان، فهو يعرفها جيداً، فتدخل سريعاً لتحرير يديها قائلاً بشراسة:
-ابعد ايدك عن ليان هانم يا بني آدم انت!

ونجح في الفصل بينهما، ووقف حائلاً بجسده أمام فارس الذي ابتلع ريقه بصعوبة واضحة وهو يرد عليه بخوف:
-أنا.. أنا مجتش جمبها، ده.. ده هي اللي اتعرضتلي
لم تكف ليان عن الصراخ، وحاول أن تخترق جسد الحارس الأمني لتصل إلى فارس وتضربه وهي تصيح بصوت هيستري:
-آآه يا حيوان يا واطي يا....، أنا مش هاسيبك النهاردة، مش هاسيبك!
بعد تلك العبارات الحادة منها، أشار الحارس الأمني لزملائه بإمساك هذا الرجل قائلاً بصرامة:
-امسكوا الراجل ده لحد ما نبلغ الباشا عدي عنه!

وبالفعل حاصره الحرس الأمني، ولف أحدهم ذراعيه للخلف، وقيده، وجذبه الأخر من ياقته نحو المدخل الجانبي للمقر، وتبعهما الثالث للتأمين والتأكد من عدم إفلاته.. فقاومهم فارس وهو يصرخ برعب:
-أنا.. أنا معملتش حاجة!
فهو يعلم جيداً أن وقوعه في براثن أحد أفراد عائلة الجندي يعني موته الحتمي خاصة إذا عرفوا أنه الجاني فيما حدث لإبنتهم..
صاح الحارس الأمني بصوت جهوري:
-ودوه على مكتب الأمن.

إنتفض فارس بجسده محاولاً تحرير نفسه قائلاً برجاء:
-يا عم سيبني، أنا مجتش جمبها
ركضت ليان خلفه لتنال منه وتضربه، وهي تصرخ بإهتياج:
-هاموتك يا حيوان، هاقتلك، إنت السبب.. إنت اللي ضيعتني!
أمسك بها الحارس الأمني من الخلف، وأبعدها عن فارس، وحاول تهدئتها قائلاً بحذر:
-اهدي يا ليان هانم.. تعالي معايا.

هزت جسدها بقوة من أجل إفلات نفسها حتى تلحق بمن إغتصبها تحت شعار الحب وتنقض عليه، فصاحت معترضة:
-سيبني عليه!
ثم إزداد صراخها، وركلاتها وسبابها اللاذع..
فحاول الحارس الأمني قدر المستطاع السيطرة على نوبة الإنفعال الشديدة التي إنتابتها قائلاً بتوجس:
-اهدي، احنا هنجيبلك حقك منه..!
هدرت قائلة بصوت محتد وقد بح صوتها:
-أوعى، مش تلمسني، أنا هاقتله، هاقتله!
ثم جذبها معه نحو الغرفة الجانبية الخاصة بأفراد الأمن متحاشياً التسبب في فضيحة أخرى بداخل مقر الشركة..

في منزل أوس بمنطقة المعادي
بحث أوس عن هاتفه المحمول في جيبي بنطاله فلم يجده، فزفر في ضيق..
هو يتذكر أنه أخذه معه قبل أن يترك المشفى.. ولكنه نسى أين وضعه..
سار على حطام الزجاج المتناثر في أرضية غرفة النوم بحذر، وإتجه نحو التسريحة باحثاً عن الهاتف الإحتياطي الأخر الموضوع بداخل أحد الأدراج..
وبالفعل وجده في علبته كما إشتراه.. فنزع الغطاء الكرتوني عنه ومزقه، ثم أخرج الهاتف وقام بتشغيله..
نفخ مجدداً من الضيق، وهتف قائلاً بحنق:
-مافيش أرقام هنا! أوووف!

وضع يده على رأسه، ومررها على شعره، ثم نزل بكف يده على وجهه، وعنقه، فتحسس بأنامله بقايا خدوشها.. فخفق قلبه واضطربت أنفاسه.. ثم أغمض عينيه منهكاً لتتشكل صورة تقى في مخيلته بنظراتها المذعورة، ووجهها الهزيل وهي تقاومه رغم ضعفها..
حبس أنفاسه محاولاً السيطرة على نفسه، وتنهد في حسرة، ثم فتح عينيه، ورمق تلك الغرفة بمحتوياتها بنظرات أخيرة مطولة..
ضرب بقبضته على الحائط وهو يحدث نفسه بإصرار:
-كله هايتغير يا تقى، هايتغير، وهارجعك تاني!
ثم سار بخطوات سريعة نحو الخارج، وقد تجمد وجهه بصورة عجيبة..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
هب عدي واقفاً من على مقعده وهو ممسك بسماعة الهاتف الأرضي، ومحدقاً أمامه بذهول تام..
ثم فغر فمه متسائلاً بصدمة:
-إنت بتقول ايييه ؟ ده حصل امتى بالظبط ؟؟
ثم صمت للحظة ليستمع إلى الرد من الطرف الأخر، وهتف قائلاً بإنفعال:
-أنا جاي فوراً، ومحدش يعرف حاجة عن الموضوع ده إنت فاهم، وإلا هاتصرف مع الكل بطريقتي.

أغلق عدي سماعة الهاتف وهو يركض بعصبية في إتجاه باب الغرفة..
فقد غليت الدماء في عروقه، وتلون وجهه بحمرة الغضب حينما أبلغه موظف الإستقبال بتعرض أحد الأشخاص لزوجته أثناء دخولها لمقر الشركة..
تعجبت السكرتيرة من رؤيته يركض مهرولاً في إتجاه المصعد، فنهضت سريعاً من على مكتبها، وحاولت اللحاق به وهي تهتف قائلة بتوجس:
-عدي بيه، في حاجة حصلت يا فندم ؟
أشار لها بإصبعه وهو يرمقها بتلك النظرات النارية قائلاً بصوت آمر:
-ارجعي مكتبك، ومالكيش دعوة.

نظرت له مندهشة، لم تجد أي مبرر لتصرفاته العجيبة، ولكن هناك إرتباطات خاصة مع العملاء عليها أن تتعامل فوراً معها، لذا دون تردد سألته بتوتر واضح في نبرة صوتها ب:
-طب.. طب مواعيد النهاردة وآآآ..
قاطعها بصوت حاد وهو يدلف داخل المصعد قائلاً:
-خلي كل حاجة زي ما هي، أنا راجع تاني!
أومأت برأسها إيجابياً وهي تجيبه بهدوء:
-اوكي يا فندم!

ظل عقل عدي يعمل دون توقف خلال تلك الدقائق التي قضاها بداخل المصعد.. وحاول لأكثر من مرة تهدئة نفسه..
هو يدرك عيبه كرجل عاجز، ولكنه في نفس الوقت لا يقبل أن يتعرض أي أحد لما يخصه..
وكون الأمر قد تطرق إلى زوجته، فهو لن يتهاون في حقه مع ذلك الذي تجرأ عليها..
تسائل مع نفسه بحيرة واضحة وهو يكز على أسنانه محدثاً نفسه ب:
-طب مين ده ؟ وعملها إيه خلاها تهجم عليه بالشكل ده ؟

إتجه أوس إلى مدخل البناية بعدما أوصد باب ذلك المنزل الملعون للأبد.. فيكفي ما يضمره في صدره من ذكريات بشعة ومؤسفة حفرت في مخيلته للأبد، فلا حاجة له بأن يتذكرها كلما مكث بداخله..
نظر جابر بذعر له، وإنكمش في مقعده وهو يراه يمر من جواره، في حين إكتفى أوس بحدجه بنظراته الساخطة قبل أن يخرج تماماً من البناية ليقف بجوار سيارته..
حانت منه إلتفاتة خفيفة من رأسه للأعلى ليلقي نظرة أخيرة لذلك المكان الكريه الذي شهد على ماضيه المخزي..
ثم اتجه بثبات نحو سيارته، ولمح وهو يفتح بابها وجود هاتفه على المقعد، فإنحنى ليلتقطه، وهو يغمغم قائلاً:
-كويس، كده أحط الشريحة وأبدأ أشوف هاعمل ايه بالظبط عشان أرجع تقى ليا!
ثم جلس خلف عجلة القيادة، وبدأ في تشغيل هاتفه الجديد..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
اتجه عُدي نحو غرفة الأمن الموجودة بالطابق الأرضي، فوجد أحد الحرس بإنتظاره، وما إن رأه حتى اقترب منه راكضاً وهو يقول:
-احنا يا باشا اتحفظنا على البني آدم اللي اتعرض للهانم
رمقه عدي بنظرات قوية، ثم تسائل قائلاً بصوت صارم:
-فينه الحيوان ده ؟ وفين ليان ؟
-جوا يا باشا، والهانم في مكتب الخدمات التاني!
-أمسك عدي بمقبض الباب وفتحه بإنفعال، وبحث بعينيه عن ذلك الرجل، فوجد شخص ما محني الرأس، ومقيد من ذراعيه خلف أحد المقاعد المعدنية، فلم يتبين ملامحه، وتسائل بصوت محتد ب:
-عملتوا فيه إيه ؟

أجابه الحارس الأمني بهدوء وهو يشير بيده:
-محدش جه جمبه يا باشا، هو كان عاوز يهرب فإحنا كتفناه
هز عدي رأسه قائلاً بخفوت:
-أها
ثم اقترب منه، وأمسك به من فروة رأسه، وجذبه منها للأعلى لينظر في ملامح وجهه ويتفرسها جيداً، وإعتلت علامات الحيرة تعبيرات وجهه الحادة..
فقد كانت ملامح وجه هذا الرجل مألوفة له إلى حد كبير.. فهو يعتقد أنه رأه من قبل في مكان ما.. ولكن يصعب عليه تذكر هذا حالياَ..
إبتلع فارس ريقه بخوف بائن، وسرت قشعريرة قوية في جسده وهو يرى نظرات عدي القوية مسلطة عليه..

فهو يعرفه تمام المعرفة.. فقد كان من رواد الملهى القديم الذي يتواجد به مع لوزة.. ولكنه لم يكن على صلة شخصية به.. فقد كان من عمالة الصف الخلفي.. أي أن دوره منحصر في الإشراف والترتيب للعلاقات الغير مشروعة بين رواد الملهى وساقطاته دون ظهور واضح له..

خشي فارس من أن يتعرف عليه عدي، وينكشف الأمر برمته.. فحاول أن يسيطر على رعشته، وعبس بوجهه ثم هتف قائلاً بصوت مرتجف:
-أنا.. أنا معملتش حاجة ؟ إنتو.. إنتو ماسكني ليه ؟
سأله عدي بصوت قاتم وهو ممسك بفكه:
-إنت مين ؟
هز فارس وجهه محاولاً إبعاده عن كف عدي القابض عليه قائلاً بحنق زائف:
-أنا.. أنا واحد ماليش دعوة بحد!

انحنى عدي بجذعه للأسفل، ونظر له مباشرة وهو يضيف قائلاً بصوت محتد:
-الأمن بيقول إنك اتعرضت لمراتي
ابتلع ريقه بخوف، وجحظت عينيه في رعب بعد تلك العبارة الأخيرة، وفغر فمه قائلاً:
-هاه.. مراتك آآآ..!
إزداد إرتباكه، وتصبب عرقاً بارداً وهو يحاول أن يبدو متحكماً في نفسه، وحاول أن يختلق أكذوبة سريعة، فصاح بغضب زائف:
-أنا مجتش جمبها.. دي.. دي هي اللي جت فجأة تهجم عليا، وأنا.. وأنا كنت بأحاول أمنعها.

تدخل الحارس الأمني في الحوار، وأضاف قائلاً بجدية:
- يا باشا، الهانم كانت بتحلف إنها هاتقتله! أكيد مش هاتقول كده من غير سبب
إستدار عدي برأسه للخلف، وضيق عينيه في إستغراب قائلاً بعدم فهم:
-هاتقتله!
راقب فارس ردود فعل عدي، وأيقن أنه ربما يفتك به إن أخبرته ليان بأنه هو من واقعها بعقد زواج زائف..

فحاول أن يستمر في كذبته، وهتف قائلاً بإعتراض:
-أنا.. أنا مش عارف، هي.. هي مالها ومالي، يمكن.. يمكن متلخبطة فيا، وتقصد حد تاني، بس اللي بيحصل ده أنا.. أنا مش هاسكت عليه، وهابلغ البوليس.. ده.. ده ضد القانون!
صرخ فيه عدي بصرامة بعد أن أطبق على فكه أكثر:
-اخرس، وماتفتحش بؤك!
هتف الحارس الأمني من وراء عدي قائلاً بصرامة:
-اسمع كلام الباشا!

رمش فارس بعينيه بصورة مرتعدة، وتابع بتلعثم خائف:
-انتو.. انتو اللي مسكتوني وأنا.. آآ.. وأنا كنت خارج من الشركة، أنا.. أنا مش هاسكت!
أرخى عدي قبضته عن فارس، وإعتدل في وقفته، ونظر إلى الحارس الأمني بنظرات جادة، وأردف قائلاً بشراسة:
-تخليك مع البني آدم ده لحد ما أرجعلك تاني.

هز الحارس الأمني رأسه ممتثلاً لأوامره قائلاً بنبرة رسمية:
-أوامرك يا باشا
في حين اتجه عدي نحو باب الغرفة محدثاً نفسه بجدية واضحة:
-وأنا بنفسي هاعرف ايه اللي حصل بالظبط مع ليان...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والثلاثون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
سار عدي بخطوات سريعة إلى حد ما في الرواق المؤدي إلى غرفة الخدمات الأمنية - و المتواجدة في الجانب الخلفي من الشركة - حيث تجلس فيها زوجته ليان..
كان الفضول والحيرة يعتصران عقله لمعرفة سبب إشتباكها مع هذا الرجل..
وقد حاول قدر الإمكان أن يتحكم في غضبه وفي إنفعالاته حتى لا يرتكب حماقة يندم عليها لاحقاً..

وصل إلى باب الغرفة، وإستمع إلى نحيب وصراخ ليان من الداخل وهي تقول:
-افتح الباب خليني أموته، مش هاسيبه، ده السبب في كل اللي أنا فيه
أدار هو المقبض، وفتح الباب ووقف متسمراً في مكانه، مراقباً إياها بأعين كالصقر.. ثم سألها ببرود:
-مين ده يا.. يا مدام ؟
بادلته هي نظرات حادة، وركضت نحوه، وأمسكت به من ياقته وهي تهدر بصوت مختنق:
-بتسألني مين ده ؟ عني مش عارفه ؟

رفع حاجبه للأعلى في استغراب واضح، وسألها بجدية وهو يحاول إبعاد يديها عن ياقته:
-نعم ؟ انتي قصدك ايه ؟
لم تفلته ليان بل إستمرت في حالة هياجها العصبي وهي تجيبه قائلة:
-هو ده اللي ضحك عليا واستغلني، هو ده اللي وهمني إنه بيحبني واتجوزني كدب، سيبني أموته، قول للأمن بتوعك يجبوه عندي وأنا هاقتله، أيوه هاقتله!
إتسعت مقلتي عدي في محجريهما من الصدمة، وتحول وجهه للجمود..

كذلك ألجمت المفاجأة لسانه، فعجز عن الرد عليها.. ورغم هذا حاول عقله سريعاً أن يستجمع خيوط الأمر معاً..
بينما تابعت ليان صراخها الباكي ب:
-هو ده اللي خلاني أوافق عليك، واتجوزك، وأرمي نفسي في النار بإيدي
تبدلت حالته للصدمة الممزوجة بالغضب.. وإتضحت الصورة كاملة في عقله.. إذن فذلك البغيض المحبوس في غرفة الأمن هو من إعتدى عليها بصورة مقنعة..
وهي كانت ضحيته المغيبة..

راقبهما الحارس الأمني الأخر بفضول، ولكنه لم ينبس بكلمة، بل أطرق رأسه للأسفل، وتراجع خطوة للخلف وكأنه صنم لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم...
أجهشت ببكاءٍ أشد وهو تكمل قائلة بصراخ أعنف:
-خليني أروح أقتله بايدي دول، أنا معدش فارق معايا حاجة، أنا مش عندي أهل ولا آآ..
قاطعها عدي بصوت راجي بعد أن احتضن وجهها بكفيه، ونظر لها بنظرات حزينة:
-ششششش.. اسكتي يا ليان، إهدي
حاولت هي أن تتحدث مجدداً، ولكن وضع عدي يده على فمها، فكممه، ولف اليد الأخرى خلف رأسها، وضمها إلى صدره عنوة..

ثم استدار برأسه ناحية الحارس ورمقه بنظرات نارية وهو يأمره بصرامة:
-اطلع برا الوقتي
هز الحارس الأمني رأسه وهو يجيبه بتلعثم قائلاً:
-آآ.. أوامر معاليك يا فندم
تابعه عدي بنظراته الحادة إلى أن إنصرف خارج الغرفة، فدفع الباب بقدمه لينغلق على كليهما..

لم تستكن ليان على صدره، بل قاومته بعصبية لتبتعد برأسها عنه، فأرخى ذراعه عنها، وأبعد يده عن فمها، فهتف قائلة بصوت محتد ومختنق:
-اوعى ايدك، عاوز تكتم نفسي ليه انت كمان ؟ ما هي دي الحقيقة، أهلي طلعوا مش أهلي، وجوزي ضحك عليا، واللي وقعني في وهم الحب موجود هنا، وانتوا عارفينه كويس، سيبني أقتله وأروح في داهية
أشار لها بيديه متوسلاً بعد أن ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه قائلاً:
-اهدي يا ليان، اهدي!

تشنجت أكثر وهي تصرخ ببكاء حارق لتتابع بصوت متآلم وهي تتراجع للخلف مشيرة بإصبعها:
-أنا كنت مفكرة ان الحيوان ده هايعوضني عن الحب والاهتمام، فاترميت في حضنه.. اشتكيله! ولما شوفت مامي في حضن عشيقها، هو لعب عليا صح واستغلني، بالظبط زي ما انت كملت اللعبة وضيعت اللي باقي من عمري!
مط فمه قائلاً برجاء:
-ششش.

دفنت وجهها بين كفيها ليختنق صوتها وهي تضيف:
-وكله في ذنب أنا مش عملته، عشان ينتقموا من أوس ضعت أنا، ضيعوني! آآآآه!
نظر لها بإشفاق واضح.. فهي تعاني حقاً من تبعات ما مرت به، وهو كغيره استغلها لأغراضه الدنيئة..
أزاحت يديها عن وجهها ليرى بوضوح تلك الحمرة الغاضبة تكسوه، تلاحقت أنفاسها بصورة مقلقة وهي تهدر بصوت مبحوح:
-افتح الباب ده!

اقترب منها عدي وهو يشير بكفيه أمام وجهها، وهتف متوعداً:
-اهدي، أنا هاجيبلك حقك منه!
استمرت في هز رأسها مستنكرة كل شيء، فحاول عدي أن يحتضنها بذراعيه، ولكنها دفعته بكل قسوة، وهدرت فيه بصوتها المبحوح قائلة:
-اوعى، كلكم زي بعض كدابين، منافقين، وأنا كرهت كلكم وكرهت نفسي والدنيا اللي أنا عايشة فيها!

شعر بحزن عميق يسيطر عليه عقب رؤيتها على تلك الحالة البائسة، ولمعت عينيه أسفاً وندماً.. وأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على نفسه، وجاهد ليبقى هادئاً أمامها رغم حالة الغضب العارمة التي تثور بداخله..
نادها هو بصوت شبه خافت قائلاً برجاء:
-ليان، بصي آآ..
أصبحت الرؤية أمامها مشوشة بدرجة كبيرة، وبدت كما لو كانت تعاني من صعوبة في التنفس وهي تصرخ مقاطعة اياه بآلم:
-ليه أتحمل ده كله لوحدي ليه ؟

أمسك بها من كتفيها، ونظر في عينيها بتوسل، وهتف بجدية:
-اسمعيني يا ليان، أنا ها..آآ....
قاطعته مرة أخرى بصوت مختنق ب:
-إنت.. انت آآ..آآآه
نظر لها عدي بخوف حقيقي، فقد شحب لون وجهها، وبدأت تعلو شهقاتها كمن يختنق..فهتف بإسمها مذعوراً:
-ليان، ليان.

ثم تراخى جسدها، فأسندها بين ذراعيه، وإنحنى بجذعه ليحملها من أسفل ركبتيها، بينما مالت هي برأسها على صدره، ثم وضعها على الفراش الصغير الموجود في زاوية الغرفة..
جثى عدي على ركبته أمامها، ومد يده ليمسد على رأسها، ثم مسح على وجهها برفق، وهتف لها بإصرار واضح:
-هاجيب حقك يا ليان، مش هاسيبه!
كانت تتنفس بصعوبة واضحة، وجسدها يرتعش بصورة مخيفة، فأمسك بكفها وضغط عليه قليلاً، ومن ثم رفعه إلى فمه وقبله قبلة عميقة، وأردف قائلاً بتوعد:
-صدقيني.. هادفن اللي عمل فيكي كده بالحيا!

في قصر عائلة الجندي
ظل مهاب واقفاً في مكانه خارج القصر محاولاً الإتصال بعدي هاتفياً، ولكن الأخير لم يجبْ عن إتصالاته المتكررة، فقال بصوت محتقن:
-وده مش بيرد ليه هو التاني! طب هاوصل لليان ازاي ؟
ثم نظر ناحية القصر، وأردف قائلاً بسخط:
-إنتي السبب يا ناريمان، كانت كل حاجة ماشية كويس لكن إنتي خربتيها بغباءك!
نفخ من الضيق وهو ينظر في شاشة هاتفه المحمول محدثاً نفسه ب:
-طب أجرب أتصل بأوس أسئله يمكن تكون جت عنده، أو يعرف حاجة عنها!

بداخل سيارة أوس
بدل أوس شريحة هاتفه المحمول، وبدأ في تفقد قائمة الأسماء لديه، ولكنه تفاجيء بإتصال يَرَد إليه من والده، فضيق عينيه في إستغراب، ولوى فمه منزعجاً.. ولم يجبْ على إتصاله..
ولكن تكرر اتصاله به مجدداً، فنفخ في ضيق، وضغط على زر الإيجاب قائلاً بفتور:
-ألو!
سمع صوت والده يصدح عالياً وهو يقول:
-انت مش بترد ليه ؟
تنهد بعمق ثم اجابه ببرود مستفز:
-عادي
سأله مهاب بصوت محتد:
-اختك مكالمتكش ؟

رد عليه بإيجاز متسائلاً بنبرة غير مبالية:
-لأ.. وهاتكلمني ليه ؟
أضاف قائلاً بقلق واضح في نبرة صوته:
-حصلت كارثة عندنا من شوية، ليان اختك شدت مع ناريمان وأنا كنت عاوزك آآآ..
قاطعه أوس بصوت جاد ب:
-مايفرقش معايا اللي حصل معاكو!
استشاط مهاب غضباً عقب رده الأخير، فهتف قائلاً بحنق شديد:
-هاتفضل لحد امتى بارد كده ؟

أجابه أوس بصوت قاتم وهو ينظر مباشرة أمامه:
-وليه مستغرب ده، ما أنا بأعمل زي ما كان بيتعمل فيا زمان، كنت بأتحرق من جوايا، وإنت كنت بارد معايا، فمستغرب اسلوبي ليه ؟ ما انت ربيتني على كده!
لوى مهاب فمه وهو يتابع متهكماً:
-أنا أصلاً مربتكش يا أوس
تقوس فم أوس بإبتسامة ساخرة وهو يجيبه بنبرة غير عابئة:
-ما هي دي الحقيقة يا دكتور مهاب
صاح فيه مهاب بصوت صارم قائلاً:
-اقفل، أنا هاتصرف بمعرفتي
لم يجبْ عليه أوس، بل ضغط على زر إنهاء الإتصال، وظل محدقاً أمامه في الفراغ محدثاً نفسه بصوت محتج:
-بتستغربوا تصرفاتي ليه وإنتو من البداية عاملتوني كده، وعلمتوني أتعامل كده!

في قصر عائلة الجندي
جلست ناريمان على المقعد الوثير المتواجد بغرفة نومها، وظلت تهز ساقيها بعصبية مفرطة، في حين راقبتها المدبرة عفاف بنظرات أسفة على حال تلك العائلة البائسة..
فهم جميعاً يعيشون في شقاء مستمر رغم ثرائهم الفاحش.. لا يعرفون معنى الترابط الأسري، ولا للحب العفوي للأبوين..
دائماً كانت تظن أن ربة هذا القصر سيدة باردة المشاعر في التعامل مع ابنتها، ولم تجدْ بها يوماً حِمية الأم على صغيرتها.. واليوم عرفت السبب الحقيقي لتلك التصرفات..

فهي لم تكنْ يوماً أماً حقيقية.. بل نسخة زائفة لصورتها أمام الجميع..
مسحت ناريمان على وجهها الذي بدى شاحباً بدرجة كبيرة، ونظرت إلى عفاف بنظرات زائغة وهي تصرخ قائلة:
-بتبصيلي كده ليه ؟
أبعدت عفاف نظراتها عنها، وأجفلت عينيها وهي تجيبها بهدوء حذر:
-مافيش حاجة يا هانم
هتفت ناريمان بصوت متوتر للغاية ب:
-أنا.. أنا معملتش حاجة!
ثم أشاحت بوجهها للجانب، وتابعت بصوت محتد:
-أنا تعبت من القصر ده، ومن اللي فيه!

صمتت عفاف ولم تجبها.. في حين إستأنفت ناريمان حديثها المضطرب قائلة بإرتباك:
-أنا.. أنا زهقت من كل حاجة هنا، نفسي أرتاح
لم تقتنع عفاف بما قالته الأخيرة، وتحاشت النظر إليها حتى لا ترى نظراتها الساخطة.. واكتفت بالإيماء برأسها إيماءة خفيفة..
تلمست ناريمان خصلات شعرها، وقالت بتوتر:
-أنا.. أنا عاوزة سجاير، شوفيلي يا عفاف سجاير بسرعة!
-بس يا هانم آآ..
قاطعتها ناريمان بصوت صادح وهي تشير بإصبعها:
-يوووه، اعملي اللي بأقولك عليه!
نظرت لها عفاف من طرف عينها قبل أن تتركها وتتجه إلى خارج الغرفة..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
اعتدل عدي في وقفته، ونظر إلى ليان بحزن واضح في عينيه المشتعلتين من الغضب..
ثم اتجه ناحية باب الغرفة، وفتحه، ووقف على عتبتها، وتلفت حوله ليجد حارس الأمن يقف على بعد، فأشار له بعينيه وهو يصيح بصوت غليظ:
-تقف على الباب هنا، وتمنع أي حد يدخل جوا على المدام لحد ما أرجع، فاهم
ركض حارس الأمن نحوه، وهو يجيبه بنبرة رسمية:
-أوامر سيادتك.

أضاف عدي قائلاً بصرامة وهو يرمقه بنظرات قوية:
-ولو كلمة واحدة بس خرجت من اللي حصل جوا برا، هأقطع رقبتك، مفهوم!
هز الأخير رأسه موافقاً وهو يرد قائلاً بخفوت:
-اطمن يا باشا
تركه عدي وإنصرف مسرعاً في اتجاه غرفة الأمن حيث يتواجد فارس بداخلها...

في قصر عائلة الجندي
رن هاتف ناريمان، فنفضت دخان سيجارتها، وتركت الشرفة، وتوجهت نحو الطاولة لتلتقط هاتفها بأنامل مرتعشة، ثم نظرت إلى شاشته فوجدت اسم هياتم يُضيئها..
زفرت بضيق واضح قائلة:
-أووف، مش نقصاكي الوقتي
ثم ألقت الهاتف على الفراش، وولجت إلى الشرفة مجدداً، ودخنت ما تبقى من سيجارتها بشراهة..
ظل الهاتف يرن بصورة متواصلة مما جعل ناريمان تصرخ غاضبة وهي تتجه نحوه ب:
-يوووه، مش عاوزة أكلم حد الوقتي! أوووف، لسه محدش بيريحني خالص!

تفحصت هي أرقام المتصلين، فوجدت عدداً من أعضاء جمعيتها الخيرية، فنفخت في إنزعاج، ثم حدثت نفسها قائلة بحيرة:
-في ايه عشان كل دول يتصول بيا السعادي!
اضطرت في النهاية أن تعاود الإتصال ب هياتم، ثم وضعت الهاتف على أذنها، وأردفت قائلة بضيق:
-هاي هياتم
هتفت هياتم قائلة بنبرة مستفهمة:
-اهلا يا مدام ناريمان، حضرتك مش بترد عليا ليه ؟

ردت عليها ناريمان بعدم إكتراث وهي تنفث دخان سيجارتها:
-سوري، كنت مشغولة شوية!
تابعت هياتم بصوت جاد قائلة:
-طب يا مدام ناريمان أنا بأكد على حضرتك إن الحفلة بالليل
ضيقت ناريمان عينيها بحيرة بائنة، ورددت بإستغراب:
-حفلة!

أجابتها هي بصوت جاد:
-أيوه، الحفلة السنوية الخاصة بالجمعية، هو حضرتك نسيتي ولا ايه ؟
عبست ناريمان بوجهها، وقطبت جبينها في ضيق، ثم زفرت بصوت مكتوم..
وحدثت نفسها قائلة بتذمر:
-وده وقته!
طال صمت ناريمان، فشعرت هياتم بالقلق، وسألتها متوجسة ب:
-ها يا مدام ناريمان، حضرتك معايا ؟
تنحنحت بخفوت، ثم ردت عليها بإقتضاب:
-احم.. ايوه
أردفت هياتم قائلة بحماس:
-احنا هانكون في إنتظار حضرتك النهاردة
-أوكي..

تابعت هي بنفس الصوت المتحمس هاتفة:
-تمام.. مش هاعطلك أكتر من كده، وهابلغ الجميع بإني وصلت لحضرتك، وإنك شور ( أكيد ) هتشرفينا
ردت عليها ناريمان بإيجاز ب:
-اوكي.. باي!
ثم ألقت بالهاتف على الفراش، ورفعت يديها على رأسها، وغرزت أصابعها في خصلات شعرها، وأطرقت رأسها للأسفل، ثم زفرت في توتر وهي تقول:
-أووف، أنا نسيت خالص الموضوع، حفلة ايه اللي هاحضرها وأنا بالشكل ده!

أنزلت يديها، وإلتفت برأسها ناحية المرآة لتنظر إلى هيئتها، ثم قالت بذعر:
-أوبس.. ده شكلي بشع خالص، ايه المنظر ده، مش ممكن أروح الحفلة بالشكل ده، لازم أروح اظبط كل حاجة في البيوتي سنتر!
خطت بخطوات سريعة ناحية المرحاض، ولكنها توقفت في مكانها، وسألت نفسها بحيرة وعلامات الضجر جلية على وجهها:
-طب وليان، هاعمل ايه في موضوعها ؟!

نفخت في ضيق، وتابعت قائلة بسخط:
-يوووه.. كل حاجة في المكان ده بقت صعب اوي ومقرفة!
أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على مهل، ثم أضافت بهدوء مصطنع:
-اهدي يا ناريمان، مافيش حاجة تستاهل، أنا هانسى كل حاجة الوقتي، وهاركز بس في البارتي.. ايوه أهم حاجة صورتي قصاد الناس ومظهري، ومش لازم حد يعرف باللي بيحصل هنا!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
وقف عدي أمام مكتب الأمن، وأشار بإصبعه للحرس المرابط أمامه قائلاً بصرامة:
-مش عاوز حد يقرب من هنا لحد ما أخلص مع الكلب اللي جوا
-تمام يا باشا
ثم أمسك بالمقبض وأداره، ودلف إلى الداخل ووجهه يوحي بشر مطلق..
ابتلع فارس ريقه بخوف واضح في عينيه وهو يرى تبدل وجه عدي للأسوأ..

حاول أن يبدو مسيطراً على نفسه أمامه، واستجمع شجاعته قائلاً بتلعثم:
-انتو.. انتو حاسبني هنا ليه ؟ أنا.. أنا معملتش حاجة!
سلط عدي أنظاره على الحارس الأخر الواقف بجوار سجينه، وأشار برأسه وهو يقول بصوت قاتم:
-اطلع برا مع زمايلك
رد عليه بصوت خافت ورسمي ب:
-حاضر يا عدي باشا
إزداد توتر فارس بدرجة كبيرة بعد تلك العبارات الأخيرة، وإرتعدت فرائصه.. وتلفت حوله بريبة وهو يتسائل بذعر:
-هو.. هوفي ايه ؟

تابع عدي الحارس بنظراته المحتقنة إلى أن انصرف من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، فسلط أنظاره على عدي، وأردف قائلاً بحنق:
-دلوقتي نقدر نتحاسب على القديم كله
ارتجف أكثر وهو يردد بخوف:
-أنا.. أنا مش فاهم حاجة!
نزع عدي سترته، وألقاها على الأرضية، ثم شمر عن ساعديه، وأجابه بصوت قاتم وهو يحدجه بتلك النظرات الشرسة المتوعدة:
-وأنا هافهمك كويس
اتسعت عيني فارس في هلع، وسأله برعب:
-ف.. في ايه يا بيه ؟ إنت.. انت هاتعمل ايه ؟

سدد عدي أول لكمة عنيفة في وجه فارس، مما جعلت الأخير يترنح بجسده المقيد على المقعد للخلف، ومن ثم يفقد توازنه، ويسقط على الأرضية..
صرخ فارس متآلماً وهو يهتف برعب:
-أنا معملتش حاجة يا بيه ؟
جثى عليه عدي، وظل يكيل له لكمات مؤلمة واحدة تلو الأخرى دون توقف، فصرخ فارس متوسلاً:
-آآآه.. حرام يا بيه، آآآآه
سبه عدي بصوت محتد قائلاً:
-مش هارحم م**** أهلك!

ثم لكمه في صدره ووجهه مرة أخرى ولكن بقسوة، فتأوه فارس بآلم شديد، وذرف الدماء من أنفه وفمه..
صاح فيه عدي قائلاً بغضب:
-عملت فيها كده ليه يا بن ال *** ؟!
كز فارس على أسنانه متآلما وهو يسأله بصوت متحشرج:
-آآآآه.. مين دي.. ؟!
هتف عدي غاضباً وهو يصفعه بعنف:
-ليان الجندي يا *****

أصدر فارس أنيناً واضحاً وهو يحاول أن ينطق قائلاً:
-آآآه.. آآ.. أنا.. آآآآ..
تابع عدي ضربه الوحشي عليه وهو يهتف ب:
-ايه مفكر إنها مش هاتقول عنك، ده أنت وقعت مع ناس مابتحرمش حد!
تكور فارس على نفسه متألماً، وقال بصوت مختنق وهو مغمض العينين:
-مش.. مش أنا، آآآآه!

صاح عدي بجنون وهو يركله أسفل معدته بعد أن نهض عنه:
-ده أنت هاتشوف عذاب الدنيا والأخرة معايا يا ****
عصر فارس عينيه من شدة الآلم، وصرخ متوسلاً:
-آآآآآآه.. آآآآآه.. لألأ.. أنا.. أنا عبد المأمور يا عدي بيه، ماليش دعوة بحاجة ؟
سأله عدي بشراسة واضحة وهو يعيد ركله:
-مين اللي خلاك تعمل كده يا بن ال ******.

رد عليه الأخير بتلهف قائلاً:
-آآآه.. دي.. دي البت ل.. لوزة
توقف عدي عما يفعل، وسأله بإهتمام كبير وهو يحدجه بنظراته الحادة:
-مين؟
نظر له فارس بنصف عين وهو يتابع قائلاً بخوف:
-لوزة يا بيه، لوزة بتاعة الباشا أوس
جحظ عدي بعينيه في ذهول كبير، وردد قائلاً بصدمة:
-ايييييييه...؟!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والثلاثون

في سيارة أوس الجندي
تحرك أوس بسيارته بعيداً عن تلك البناية التي تحمل ذكرياته المخجلة والمشينة نادما حقا على ما إرتكبه، وخاصة جريمته النكراء من تقى
.. ثم قادها بحذر في إتجاه مقر شركته الرئيسي..
ظل طوال الطريق يفكر في طريقة للبدء من جديد وإستعادة زوجته تقى.. فهو يعلم أنه بحاجة إلى استعادة عافيته بالكامل حتى يتمكن من هذا..
أمسك بالمقود بيد، وباليد الأخرى بحث عن إسم المحامي الخاص بالعائلة ليهاتفه..

وبالفعل ضغط على زر الإتصال به، ووضع الهاتف على وضعية السماعة الخارجية، وسلط أنظاره على الطريق، وأصغى بإنتباه إلى رنين الهاتف..
انتظر بفارغ الصبر أن يجيبه المحامي، وكز على أسنانه مغتاظاً لعدم إجابته، وأردف قائلاً بصوت متصلب:
-رد!
عاود الإتصال به وهو يوزع نظراته بين مرآة السيارة الأمامية والجانبية..
ثم سمع صوتاً هادئاً يأتيه من الهاتف قائلاً:
-أوس باشا، مش مصدق نفسي، حضرتك بنفسك اللي بتتصل.

لوى أوس فمه وهو يضيف بسخط:
-ساعة عشان ترد عليا
ابتلع المحامي ريقه، ورد عليه بتوتر قائلاً:
-أسف يا باشا، كان عندي جلسة في المحكمة وآآآ..
قاطعه أوس بصوت صارم ب:
-اسكت واسمعني كويس!
-اتفضل
أخذ أوس نفساً عميقاً، وزفره وهو يقول بهدوء جدي:
-عاوزك آآآ...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
ظلت حالة الذهول المصحوبة بالإندهاش مسيطرة على عدي عقب معرفة المتسبب الحقيقي فيما حدث لليان..
لم يخطر بباله أن تكون تلك العاهرة الرخيصة هي من تقف وراء هذه الخدعة الدنيئة..
وبكل خسة نجحت في إيقاع ليان في مصيدتها، ونالت من عرضها بسهولة..

غليت الدماء في عروقه أكثر، وإنقض على فارس وإعتدى عليه إعتداءاً أكثر وحشية عن ذي قبل..
وتعالت صيحات وتأوهات الأخير بصورة مخيفة..
لم يتدخل أي من الحراسة الأمنية فيما يحدث، بل راقبوا الممر جيداً، واكتفوا بتبادل النظرات الحائرة.. فلن يجرؤ أحدهم على سؤال عدي عما يحدث بالداخل..

بعد عدة دقائق خرج عدي من الغرفة ووجهه يتصبب عرقاً غزيراً، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، وأردف قائلاً بصوت لاهث:
-الكلب اللي جوا ده يتشحن في عربية من عريبات الشركة، ويتبعت على المخزن
استدارت الحراسة الأمنية نحوه، وهتف أحدهم قائلاً بجدية:
-أوامرك يا باشا!
أنزل عدي أكمام قميصه، وتابع قائلاً بضيق:
-ومش عاوز حد ياخد باله، مفهوم!
-تمام يا فندم
خطى عدي في الإتجاه المعاكس ليعاود أدراجه ناحية غرفة الخدمات الأمنية

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
دارت بطة في غرفة نومها ذهاباً وإياباً وهي تفكر بإهتمام شديد في تنفيذ خطوتها التالية في خطتها الموضوعة للإنتقام من إحسان..
وضعت إصبعها على فمها، وظلت تهزه بحركة ثابتة وتحدث نفسها بجدية قائلة:
-مش لازم أغلط خالص وأنا بأعمل كده، وإلا كل تعبي هايروح على الفاضي، والولية دي هاتركب عليا وتدلدل!

ثم سارت على أطراف أصابعها في إتجاه الباب، وفتحته بحذر شديد، وإختلست النظرات للخارج لترى إحسان، والتي كانت مندمجة في مشاهدة إحدى الأفلام العربية القديمة وتتناول الفول السوداني واللب الأسمر الشهير ، فتراجعت للخلف بهدوء، وأغلقت الباب، وإرتسم على ثغرها إبتسامة شيطانية، وهتفت قائلة بثقة:
-والوقتي هيبدأ ملعوبي معاكي يا حيزبونة!

بحثت بطة عن ملابسها الغير نظيفة، وبعض من ثياب زوجها، وقامت بجمعهم، ثم إتجهت إلى الخارج حيث يتواجد المرحاض، وقامت بإحضار طبق بلاستيكي واسع، ووضعت به تلك الملابس، وأضافت إليهم الماء، ثم تركتهم، وأحضرت مسحوق الغسيل ونثرته على الأرضية.. وتأكدت من وجود تجمعات للمياه لتضمن حدوث إنزلاق وهمي..

ثم وضعت يدها على صدرها، وأخرجت من جيبها زجاجة صغيرة بها صبغة الطعام الحمراء ، وتقوس فمها بإبتسامة شرسة وهي تقول:
-جه الدور عليكي يا ولية عشان تدوقي شوية من اللي بتعمليه فيا!
ثم ألقت جزء من محتويات الزجاجة على الأرضية لتصطبغ سريعاً باللون الأحمر..
كذلك بللت طرف قميصها المنزلي بالماء، وتأكدت من تلونه هو الأخر بالصبغة.. وعمدت إلى نكش شعرها..
ثم إتجهت نحو نافذة المرحاض العلوية الصغيرة، وألقت بالزجاجة خارجه.. ثم أخذت نفساً عميقاً، وفجأة صرخت بصوت مخيف ومرتفع وهي تردد:
-حرام عليكي، أنا عملتلك اييييه، يا ناس إلحقوني، هاموووت.. آآآآه.. آآآآآه

هبت إحسان من مكانها مذعورة على إثر الصراخ الهادر، وركضت في إتجاه المرحاض وهي تسأل بإستفهام:
-في ايه بت، بتصوتي كده ليه ؟
ثم وقفت على عتبة المرحاض تنظر إلى بطة بإندهاش واضح..
فغرت هي فمها مصدومة حينما رأت الفوضى الموجودة على الأرضية.. في حين تابعت بطة صراخها قائلة بتشنج وهي تمزق قميصها من الأعلى:
-يالهوي، آآآآه، ليه بتضربيني، ده أنا حبلى، آآآآآه، ارحميني شوية، طب اللي في بطني ذنبه ايييه، آآآآه، يا ناس حوشوها عني.. آآآآه!

جحظت إحسان بعينيها في صدمة، وأشارت لها بيدها وهي تهتف بعدم فهم:
-انتي يا بنت ال *** بتقولي ايه ؟ هو أنا جيت جمبك ؟
تابعت بطة صراخها المخيف قائلة:
-آآآآه.. ابعدي عني، آآآآه، أنا هاروح لأمي.. يا ناس هاتسقطني
ثم تعمدت بطة الإنزلاق أمامها ليبدو كما لو كانت أسقطتها عمداً، فتبلل قميصها بالمياه الملونة بالصبغة الحمراء..
نظرت لها إحسان بإندهاش، واحتجت قائلة:
-يا بنت الأبلسة، ايه اللي بتعمليه ده!

ثم سمعت كلتاهما صوت طرقات عنيفة على باب المنزل، فتركتها إحسان، وخطت مسرعة نحوه..
ثم فتحته، وتفاجئت بتجمع بعض الجيران، وسؤال إحداهن بقلق:
-في ايه اللي بيحصل عندك يا أم عبده ؟
مطت إحسان شفتيها، وكذلك هزت كتفيها في حيرة وهي تجيبها بنبرة مصدومة:
-وربنا ياختي ما اعرف، البت اتهبلت في عقلها
أضافت جارة أخرى قائلة بتوجس:
-ده احنا سامعين صويت وصريخ لم التايهين يا ست إحسان
-آآآآآآه.. الحقوني يا ناس.

قالتها بطة بصوت مبحوح من الداخل، فإندفع على إثر صوتها جميع المتواجدين إلى الداخل، فرأوا بطة ممددة على الأرضية وملابسها ملوثة.. فظنوا أنها دمائها، فشهقت إحداهن بفزع، وأضاف أحد ما قائلاً بتوجس:
-حرام عليكي يا حاجة احسان، انتي عملتي ايه في مرات ابنك
نظرت له إحسان بصدمة وهي تجيبه مدافعة عن نفسها قائلة ك
-ماجتش جمبها يا ناس
تأوهت بطة بصوت مرتفع، وعضت على شفتها متآلمة وهي تقول بتوسل:
-آآآآه.. خرجوني من هنا، ودوني عند أمي، ماتسبونيش معاها.. آآآآآه.. بطني آآآآآه.

إنحنت إحدى السيدات عليها، وقامت بإسنادها من أسفل إبطيها قائلة بإهتمام:
-تعالي يا بنتي اتسندي عليا
أضاف رجل أخر بصوت ضجر متواجد بخارج المرحاض:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، مافيش في قلبك شوية رحمة
لوحت إحسان بكفي يدها في الهواء قائلة بإعتراض:
-ماجتش جمبها!

صاحت إحداهن بإزدراء:
-اتقوا الله فيها دي نفس برضوه!
ثم تعاونت سيدتين في إسناد بطة وإخراجها خارج المرحاض، وتأمل البقية بذعر ما ظنوا أنها دماء تقطر منها..
نشجت بطة وهي تتعكز على السيدتين قائلة برجاء:
-رجعوني عند أمي.. أنا مش قادرة، آآآه.. ايييه الدم ده، هو أنا بأسقط ولا إيييه ؟ آآآآه...!
وبالفعل خرجت بطة من المنزل وقلبها يرقص طرباً لنجاح خظتها إلى الآن..

وأصدرت أنيناً مكتوماً وهي تستند على الدرج لتكمل تمثيليتها بنجاح، في حين راقبها بقية الجيران بحسرة وحزن، وسمعت إحداهن وهي تقول:
-ربنا يسترها، شكل الحكاية مش هاتعدي على خير
في حين أضافت أخرى تقف إلى جوارها:
-ولية مفترية، معذبة البت ومعندهاش شفقة
كاد فم بطة يتلوى بإبتسامة إنتصار، ولكنها جاهدت لتخفي فرحتها.. فعليها أن تبدو حتى أخر لحظة المجني عليها..
أسرعت إحدى السيدات بإحضار عباءة سوداء لتغطيتها حتى لا يتفحص رجال الحارة جسدها المتكشف..
وتبرعت أخرى بحجابها لتغطي شعرها الأشعث..
وبسرعة البرق إنتشر خبر إعتداء إحسان على زوجة ابنها، وشروعها في إجهاضها.. فأصبح الجميع ما بين مستنكر ومتذمر..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب:
صعد عدي إلى مكتبه ووجهه محتقن بالدماء الغاضبة..
رأته السكرتيرة فتعجبت من تبدل حاله، ودلفت خلفه لتسأله بإهتمام:
-أجهز يا فندم لل آآآآ..
قاطعها بصوت جهوري وهو يوليها ظهره قائلاً:
-الغي كل حاجة النهاردة، مش عاوز أشوف بني آدم
نظرت له بإستغراب وهي تتابع بصوت مضطرب:
-بس يا عدي بيه حضرتك قولتى آآ...

إلتفت بجسده لينظر لها بنظرات حادة وهو يقاطعها بصوت محتد:
-أنا قولت ايه ؟ مافيش حاجة هاتتعمل النهاردة، مفهوم!
أومأت برأسها عدة مرات وهي تجيبه بتوتر:
-تمام.. اللي.. اللي تؤمر بيه يا فندم
ثم أسرعت في خطاها خارج المكتب والفضول يقتلها لمعرفة ما الذي حدث خلال النصف ساعة الماضية..

في نفس الوقت، كان أوس الجندي يصف سيارته أمام المدخل الرئيسي، فركض أحد رجال الحراسة الأمنية نحوه، وهتف بصوت مرتفع:
-أوس باشا، حمدلله على سلامتك، ده الشركة نورت
أشار له أوس بإصبعه من نافذة السيارة قائلاً بخفوت:
-شششش
تنحنحت بصوت خافض وأطرق رأسه، ثم قال بجدية:
-احم.. تمام معاليك.. هادي خبر إن حضرتك جيت
رد عليه أوس بصوت هاديء وآمر:
-امشي.

تراجع الحارس الأمني بظهره للخلف وهو مطأطأ لرأسه، في حين ترجل أوس من السيارة، وتأمل المكان بنظرات متفحصة، ثم صفق الباب بقوة، وسار بخطوات ثابتة نحو البوابة الزجاجية..
رحب الجميع به حينما رأوه يدلف للداخل، بينما سار هو بثقة وثبات دون أن ينطق بكلمة..
كذلك تفحصوا خلسة تعبيرات وجهه الجامدة، والتي لم تتغير كثيراً، بل على العكس كانت أكثر جموداً وصلابة عن ذي قبل، وكأن شيئاً لم يمسه أو يحدث له..
أسرع الساعي بفتح باب المصعد له، وتنحى جانباً، فولج هو للداخل، وضغط على زر الإغلاق..

في منزل أم بطة
تفاجئت أم بطة بدقات قوية على باب منزلها، فركضت مهرولة لتفتحه، وصُدمت حينما رأت إبنتها بحالتها الرثة ومعها بضعة نساء يحاوطن إياها، فطلمت على صدرها، وقالت وهي تشهق برعب:
-يانصيبتي، في ايه اللي حصل ؟
تأوهت بطة بآلم زائف وهي تنطق بصوت مبحوح:
-إلحقيني يامه.. آآآآه.. آآآه
صرخت بذعر وهي تسأل بقلق واضح:
-بنتي، جرالك ايه ؟ مالها يا نسوان ؟ ما تنطقوا
هتفت إحداهن بحزن واضح في نبرتها:
-أم عبده الله يسامحها بقى!

نظرت لها أم بطة في خوف، وسألتها بتوجس:
-عملت فيها ايه ؟
زمت تلك السيدة شفتيها في ضيق، وأجابتها بإنزعاج:
-ضربتها وطردتها، وآآ..
جحظت أم بطة بذهول حينما رأت ملابس إبنتها المتسخة، فظنت أنها دماؤها، فصرخت متسائلة بشهقة:
-يالهوي، ايه الدم ده ؟
أنزلت بطة يدها لتمسك بأسفل معدتها، وتلوت قائلة بآلم:
-آآآآه.. بطني.. آآآآه
سألتها أمها بنبرة خائفة وهي تحاول إمساكها:
-في يا بت ؟

صرت بطة على أسنانها، وهتفت بصوت متشنج:
-آآآآه.. خديني جوا على أوضتي يامه
أشارت والدتها للسيدات المتواجدات بيدها، وهتفت قائلة برجاء:
-ايدكم معايا يا نسوان
أسندت إحداهن بطة من خصرها، وقالت بجدية:
-حاضر يا أم بطة
بينما أضافت أخرى بصوت حزين:
-ربنا يلطف بيها!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
تفاجيء عدي بوجود أوس في مقر الشركة حينما أبلغته السكرتيرة بعودته، فركض ناحية مكتبه، ودلف إلى الداخل وهو يقول بصوت مرتفع:
-أوس
أدار أوس مقعده الجلدي الكبير لينظر إلى رفيقه عدي بنظرات ثابتة، ورد عليه بهدوء شديد:
-اهلاً عدي
تحرك عدي نحوه بخطوات سريعة، وأسند كفيه على السطح الزجاجي لمكتبه قائلاً بحنق:
-تعالى معايا حالاً
نظر له أوس بثبات وهو يسأله ببرود:
-خير ؟

هتف عدي بصوت متشنج وهو يحرك جسده بعصبية:
-ليان أختك
-مالها ؟
أجابه بصوت منفعل وهو يشير بكفه:
-أنا عرفت مين اللي عمل فيها الملعوب إياه
ضيق أوس عينيه في إهتمام واضح، ثم سأله بصوت متصلب:
-قصدك ايه ؟
سرد عدي على عجالة ما حدث مع ليان بعد إصطدامها خارج الشركة بفارس وإنهيارها، وإمساك الأمن به، ومن ثم إعترافه بتخطيط لوزة للإنتقام منه عن طريق شقيقته..

هنا إنتفض أوس من على مقعده، وتحولت مقلتيه لجمرتين متقدتين، وصاح بصوت قاتم:
-بتقول مين، لوزة ؟!
كز عدي على أسنانه قائلاً بحنق وهو مكور قبضة يده:
-ايوه البت ال ****** دي هي اللي سلطت الواد ال *** ده على ليان ولعبوها صح عليها وآآآ..
إشتعلت عينيه أكثر وهو يضيف قائلاً بشراسة:
-آه يا بنت ال******، بقى انتي تعملي معايا أنا كده، وتضربيني في اختي!
هتف عدي قائلاً بصوته المحتد وهو يشير بإصبعه للخلف:
-الكلب بتاعها أنا فرمته، وشحنته على مخزنا القديم عشان أكمل تصفية حسابي معاه!

رفع أوس كفه في وجه عدي قائلاً بتوعد حقيقي:
-لأ ده تسيبهولي!
طرق عدي على السطح الزجاجي بقبضة يده بقوة وهو يصرخ بإحتقان، وناظراً إلى أوس بنظرات محتدة:
-أنا هادفنه يا أوس بإيدي، هادفنه خليك سامع!
رد عليه أوس بصوت قاتم ونظرات قوية:
-مش لوحدك، يالا بينا على هناك!

ثم دار حول مكتبه، ووقف إلى جوار عدي الذي أكمل قائلاً بشراسة:
-ورحمة الغاليين كله لأخليه آآآ....
قاطعه أوس بصوت مخيف قائلاً وهو محدقاً في الفراغ بنظرات أكثر قساوة:
-ششششش.. الليلة دي من أولها لأخرها عندي، وأوس الجندي مش بيسيب تاره...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والثلاثون

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
جثى أوس على ركبته أمام فراش ليان المنخفض بعد أن رأى حالتها النفسية السيئة، وأمسك بكف يدها، وضغط عليه قليلاً بأصابعه، ومسح بيده الأخرى على وجنتها، وهمس لها قائلاً:
-ليان، أنا أوس
ذرفت عبراتها الحارقة، ولم تجبه، فمسحها بأنامله برقة، وأضاف قائلاً بتوعد:
-انا هاجيبلك حقك ماتقلقيش.

حركت ليان رأسها في إتجاهه، ونظرت له بأعينها الدامعة، وقالت بتشنج:
-جاي ليه ؟ عشان تشمت فيا ؟ قولي ؟
ابتلع تلك الغصة في حلقه، فحالتها البائسة ذكرته بتقى التي كانت تشبهها كثيراً في حالة الضعف والعجز وقلة الحيلة..
هو لم يكنْ يوماً شقيقاً حقيقياً لها.. بل مجرد صورة زائفة.. وربما يكن له ضلعاً - بطريقة غير مباشرة – فيما حدث لها..
تنفس بعمق ليسيطر على غضبه، ونطق بصوت شبه مختنق:
-ليان، اهدي!

صرخت فيه بصوتها المتشنج قائلة بعصبية:
-انتو كلكم زي بعض، أنا ماليش أهل أصلاً!
ضيق عينيه في عدم فهم، وسألها بجدية:
-ايه الكلام الغريب اللي بتقوليه ده، أنا عرفت اللي حصل كله، وهاجيب حقك من ابن ال آآ..
قاطعته بصراخها الحاد وهي تسحب يدها من كفه قائلة:
-بسسس، مش عاوزة أسمع حاجة منك، انت السبب، انت السبب!
أمسك بكفها عنوة، وأسند رأسه على جبينها، وأردف قائلاً بصوت نادم وآسف:
-شششش.. ماتكلميش!

هزت رأسها بعصبية وهي تتابع قائلة بنشيج:
-محدش فيكم حاسس بيا، وليه هاتحسوا ؟ إنتو مش أهلي، مش أهلي، أنا مش أعرفكم!
سألها أوس بإهتمام واضح بعد ترديدها لتلك العبارة لأكثر من مرة فأثارت حفيظته قائلاً بفضول:
-ليه بتقولي كده ؟
نظرت له بعينيها اللامعتين وأجابته بصوت مهتاج:
-عشان دي الحقيقة
فغر فمه في عدم فهم، وهتف قائلاً بجدية:
-حقيقة، أنا مش فاهمك!

أشاحت بوجهها عنه، وتشنجت أكثر وهي تضيف قائلة ببكاء مرير:
-أنا مش بنتها، ولا هي مامي، هي مش بتحبني، أنا بنت مين؟ مين ؟؟؟
جلس عدي على طرف الفراش، وجذب يد ليان من قبضته، واحتضن كفها براحتيه، وهتف قائلاً بقلق:
-ليان، اهدي يا حبيبتي!
ثم نظر في إتجاه أوس وسأله بخوف واضح في نبرة صوته وملامح وجهه:
-مالها يا أوس، هي بتقول ايه ؟
مط فمه للأمام وهو يجيبه بصوت شبه محتد:
-أنا مش فاهم حاجة منها، وبأحاول قدامك أهوو!

ثم مد يده ناحيتها، ووضعها على طرف ذقنها ليدير وجهها في إتجاهه، وأردف قائلاً بإستفهام:
-ليان بصيلي، بنت مين ؟ في ايه اللي بيتقال ؟
أجابته بصوتها الباكي بعد أن أغمضت عينيها قائلة:
-مش بتحب ولاد تهاني، مش بتحبهم، هي مش مامي اللي أنا أعرفها، مش مامي!
تسائل عدي بحيرة واضحة وهو يوزع أنظاره ما بين ليان وأوس قائلاً:
-تهاني مين دي ؟ هه ؟
اتسعت مقلتي أوس في صدمة واضحة وهو يردد بصوت قاتم:
-ايييه! تهاني!

في منزل أم بطة
تمددت بطة على الفراش، وغطتها والدتها بالملاءة، ومسحت على وجهها، وتلفتت حولها قائلة بنبرة ممتنة:
-كتر خيركم يا نسوان على اللي عملتوه مع بنتي
في حين أغمضت إبنتها عينيها، وأصدرت أنيناً مكتوماً.. وتكورت على نفسها في الفراش..
أردفت إحداهن قائلة بجدية:
-اطلبي ضاكتور يجي يشوف مالها
فغرت أم بطة فمها بتوتر، فهي تعلم أن حمل إبنتها زائف، وبدأت تستوعب ما حدث حينما غمزت لها بطة بطرف عينها وهي تدلف معها لداخل الغرفة لتؤكد لها شكوكها..

أفاقت سريعاً من شرودها، وردت عليها بتلعثم محاولة إخفاف إرتباكها:
-هاه.. اه ما.. آآ.. ما أنا هاعمل كده
هتفت سيدة أخرى قائلة بضيق:
-منها لله اللي كانت السبب
ردت عليها أم بطة قائلة بحزن زائف:
-ربنا مطلع وشايف!
صاحت إحداهن قائلة بإمتعاض وهي تلوي فمها:
-إنتي غلطانة يا أم بطة تدي بنتك لواحد مايصونهاش
تنهدت في إنهاك وهي تجيبها بآلم زائف:
-أعمل ايه بس.. يالا الحمدلله!
ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على مهل، ونظرت لهم بجدية قائلة:
-معلش البت محتاجة ترتاح!

قالت إحداهن بصوت متأفف وهي تحرك فمها للجانبين:
-ايوه
بينما قالت أخرى بصوت جاد:
-وماله ياختي.. ربنا يطمنك عليها
في حين تابعت أم بطة حديثها بتلهف:
-وأنا هابعت أجيب أم نجاح تشوفها وتطمني
أضافت سيدة ثالثة قائلة بنبرة متفائلة:
-ربنا يريح بالك ويطمنك!
ثم اصطحبتهن أم بطة إلى خارج الغرفة، في حين إلتوى فم إبنتها بإبتسامة خبيثة وهي تحدث نفسها قائلة بفخر:
-اشربي بقى يا ولية لما يعرف المحروس ابنك باللي عملتيه!

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
ظلت كلمات ليان الأخيرة تتردد في أذني أوس.. تهاني .. هذا الإسم الذي حفر في ذاكرته منذ أمد بعيد، وتسائل مع نفسه بحيرة عجيبة عن سبب إنهيارها الكبير هذا..
فلماذا تقول أن ناريمان صرحت بأنها ليست إبنتها ؟ وأنها تبغض رؤية وتربية أبناء تهاني ؟ كيف تقول هذا على ابنتها الوحيدة إن لم تكن حقاً من أنجبتها..

هناك حلقة مفقودة في هذا الحوار.. وهو لن يمرر الأمر مرور الكرام، بل عقد نيته على التحري بدقة وكشف الحقيقة كاملة، فهناك شكوكاً تساوره حول هوية ليان، ويخشى أن تكون صحيحة..
إحتضن عدي زوجته وأسند رأسها على صدره، ومسح على ظهرها برفق، وهمس لها قائلاً:
-هانتقم من الكلب اللي وصلك للحالة دي
ثم أبعد رأسها للخلف لينظر لملامح وجهها الذابلة، وتابع ثائلاً بإختناق:
-حقك هايرجع يا ليان.

وكأن وعود عدي لزوجته أيقظت إحساس أوس بتقى أكثر، فقد اشتاق لرؤيتها وللمسها، ولإحتضانها وتعويضها عما اقترفه في حقها..
تنهد بضيق، وأولاهما ظهره ليخفي تلك العبرات التي تسربت إلى مقلتيه..
فالآلم يعتصر قلبه بشدة، هو لم يكفر عن ذنبه بعد مع تقى، ودائماً يذكر نفسه انه قبل أي شيء كان ذئباً همجياً يعاشر النساء بصورة غير سوية من أجل امتاع نفسه وإشباع رغباته..

أقاق أوس من تفكيره المشحون على صوت عدي وهو يهتف قائلاً بجدية:
-أنا هودي ليان على الفيلا عندي
هز أوس رأسه موافقاً وهو يرد عليه بهدوء حذر:
-يكون أفضل برضوه، وعاوزين نشوفلها دكتور يتابعها
سأله عدي بإهتمام واضح:
-نكلم حد من عندكم في المستشفى ؟

غمز له أوس نافياً، وأردف قائلاً بصوت جاد للغاية:
-لأ.. انسى المستشفى عندنا خالص، أنا هاكلم حد ثقة أعرفه
-تمام، والكلب اللي آآآ...
قاطعه أوس بصوت متصلب، وهو ينظر له بنظراته القاتلة قائلاً:
-اطمن، هاندمه على انه اتعرض لليان، المهم هاتها ورايا، وأنا هابلغ الأمن يجيب العربية من المدخل اللي ورا
-اوكي

في منزل أم بطة بالحارة الشعبية
لكزت أم بطة ابنتها في الفراش لتجبرها على النهوض وهي تصرخ فيها بصوت متوتر:
-قومي يا مزغودة، ايه اللي هببتيه ده ؟
نفخت بطة بصوت متذمر وهي تجيبها بضيق:
-بالراحة يامه، في ايه ؟
لوحت والدتها بيديها أمام وجهها قائلة بإنفعال:
-يعني مش عارفة النصيبة اللي عملتيها
ضربت بطة على فخذيها مجيبة إياها بضجر:
-الله يامه، مش احنا متفقين.

لوت أم بطة فمها في إستنكار، وهزت حاجبها وهي ترد عليها:
-لأ يا روح أمك إحنا ماتفقناش على خراب البيوت
زفرت بطة بضيق، ثم قالت بإحباط:
-أعمل ايه يعني، قرفت من الولية الشر اللي هناك دي!
سحبت والدتها الملاءة من عليها، وتابعت بصوت جاد وهي تعيد طيها:
-انتي كده هتخربي بيتك بإيدك، وانا مش ناقصة هم فوق القرف اللي عندي.

نهضت بطة من على الفراش، وإتجهت ناحية خزانة ملابسها القديمة، ثم إستدارت لتواجه والدتها وهي تضيف قائلة بإختناق:
-يامه انا اللي بتعامل مع الولية دي كل يوم، ولو مكونتش عملت كده كانت هتسوق فيها معايا!
وضعت والدتها إصبعها على جبين إبنتها، وضربتها بخفة وهي تحذرها قائلة:
-ومخك ده اللي هايوديكي في نصيبة!

وضعت بطة ذراعها في منتصف خصرها، ورفعت إصبعها على جبينها، وقالت بثقة:
-لأ مخي ده اللي هايخلي أم أربعة وأربعين دي تتعامل معايا عدل
أسندت والدتها كفها على طرف ذقنها، وهتفت بنزق:
-مش خايفة الواد عبده يعرف ويطلقك.
إلتوى فم بطة بإبتسامة ماكرة وهي تجيب:
-لأ مش هايعرف، أنا فكرت في كل حاجة!

ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على مهل لتكمل حديثها قائلة بثقة:
-وبعدين أنا فضحتها قصاد الحتة كلها، يعني هي اللي هاتطلع غلطانة قدامهم
تنهدت والدتها في إنهاك، وردت عليها بتوجس قائلة:
-والله ما أنا عارفة مخك ده هيوديكي لحد فين
هتفت بطة بصوت محتد وهي ترمق والدتها بنظراتها المعاتبة:
-يامه انتي اللي جوزتيني غصب منه، فخلاص سبيني أتصرف معاهم براحتي!
نظرت هي لها بحنو أمومي وهي تحذرها بجدية:
-أنا عاوزة أحميكي يا بت، انتي كده آآ..

قاطعتها بطة بإصرار واضح وهي تشير بكفها ب:
-خلاص يامه.. انتي ملكيش دعوة، أنا المسئولة في كل حاجة، وخليني بقى أكمل التمثلية دي
سألتها والدتها بحيرة وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-انتي هاتقولي انك سقطتي ؟
إرتسمت ابتسامة لئيمة على ثغرها وهي تجيبها:
-اه طبعاً، وابعتي أم نجاح تيجي، وأنا هاحينها ( أعطيها ) باللي فيه النصيب
أشارت أم بطة بكفيها في الهواء بحركة قلقة وهي تضيف قائلة بتوتر:
-ياخوفي أم نجاح تقول لأحسان على سرك!

أخرجت بطة قميصاً نظيفاً من ضلفتها بالخزانة، وإستدارت قائلة بهدوء:
-مش هاتعمل ده، هي ليها مصلحة معايا
تنهدت أمها في خوف قائلة:
-ربنا يسترها، ويكملها على خير

في مخزن الجندي القديم
فُتح الباب على مصرعيه ليقف على عتبته كلاً من أوس وعدي وعلى وجهها نذير شر..
توقف الحرس المرافق لأوس في الخارج، و انضم إليهم الموظف المسئول عن إدارة المخزن وكذلك حارسه..
وظل الجميع باقياً على مسافة قريبة، ولكن تجوب أنظارهم المكان.. وخاصة الحراسة الأمنية..
كان فارس مُلقى في أحد الأركان المظلمة بالمخزن، ووجهه مغطى بكيس قماشي.. ويديه وقدميه مكبلتين..

اقترب أوس منه، ونظر له بإحتقار متأملاً حالته المزرية بعد أ، تكفل حرس الشركة بضربه ضرباً مبرحاً
كاد عدي أن يتجاوز أوس لينقض على فارس ويفتك به صارخاً بإهتياج:
-هادفنك يا كلب، ومحدش هيعرفلك طريق جرة عشان تعرف مين هما أسيادك!
ولكن أوقفه أوس بذراعه قبل أن يهجم عليه قائلاً بصرامة:
-مش هايموت قبل ما نعرف منه اللي احنا عاوزينه.

قاومه عدي وحاول أن يندفع في إتجاه فارس ليبرحه ضرباً صارخاً بإنفعال:
-سيبني يا أوس أموته
نظر له أوس بصرامة قائلاً بصوته الغليظ:
-اهدى!
انفجر عدي غاضباً، وصرخ قائلاً بعد أن تراجع خطوة للخلف:
-أنا كنت مفكر ليان بتشتغلني وبتسرح عليا، ولما شوفت صورها مبعوتة هنا قولت بس جت لحد عندي الفرصة أعوض اللي فات!
إحتدت نظرات أوس وهو يسأله بعدم فهم ب:
-صور ايه ؟

بصق عدي في إتجاه فارس، ثم قال بصوت متشنج وهو يشير بإصبعه:
-ابن الكلب ده مصورها صور وهي في أوضاع زبالة وعريانة وآآآ..
قاطعه أوس سائلاُ إياه بإستفهام:
-وانت عرفت الكلام ده إزاي ؟
إرتبك عدي للحظة، ومط فمه قليلاً، ثم أجابه بصوت متلعثم:
-ماهو.. ما هو الصور كانت جيالك، بس أنا استلمتها وشوفتها!

احتقن وجه أوس، واشتعلت عينيه أكثر، وصاح قائلاً بقوة:
-وإزاي ماتقوليش الموضوع ده
أجابه عدي بصوت شبه هاديء:
-أنا.. أنا كان غرضي ألم الموضوع قبل ما تكبر الفضيحة
حدجه أوس بنظرات مخيفة وهو يسأله بجموح:
-ازاي يا عدي تخبي عني حاجة زي كده ؟
ابتلع ريقه وهو يجيبه بتوجس:
-ما أنا.. ما فكرت إنها كانت على علاقة بيه برضاها
استشاط غضباً وهو يتابع قائلاً:
-برضوه كنت تقولي، إزاي تبقى عارف ده وتخبيه.

هتف عدي قائلاً بضيق:
-ماهو أبوك وأمك كانوا عارفين وآآآ...
قاطعه أوس بصوت هادر وهو يلوح بإصبعه:
-ماتقولش أمي، الولية دي مش امي ولا تعرف للأمومة حاجة!
ثم نفخ في ضيق، ووضع يده في منتصف وسطه، وفرك بيده الأخرى وجهه المحتقن من الغضب..
أطرق عدي رأسه في خجل، وأردف قائلاً وهو يوليه ظهره:
-وأنا طلعت واطي زي الكلب ده واستغلتها!
وضع أوس يده على كتف عدي وضغط عليه قائلاً بجدية:
-مش وقت كلام في اللي حصل!

ثم سلط أنظاره الشرسة على فارس، وتابع قائلاً بتوعد:
-يهمنا الوقتي ننتقم من اللي عملت ده، ونعرف ال **** ده هو غلط مع مين!
اقترب أوس من فارس، وركله بقسوة أسفل معدته، فصرخ الأخير بصوت مكتوم بسبب تكميم فمه..
ثم إنحنى بحذعه لأسفل لينزع الكيس القماشي عن وجهه، وجثى على ركبته لينظر له بإزدراء قبل أن يمسك بفكه ويعتصره بشدة..
صر على أسنانه وهو ينطق بشراسة:
-هاتحكي كل اللي حصل من أول ما مخك الوسخ ده وزاك عليا!
هز فارس رأسه مستسلماً وهو ينزف دماءاً من أنفه..

في النادي الشهير
تسابق العاملون في النادي في رص المزهريات ذات الورود البيضاء على الطاولات ليكملوا وضع اللمسات النهائية الخاصة بالحفل السنوي للجمعية الخيرية التي ترأسها ناريمان..
كذلك وقفت عضوات النادي في مجموعات متقاربة ليتبادلن أحاديثاً جانبية عن أخر الأخبار الإجتماعية التي تتعلق بصفوة رجال ونساء المجتمع..
أمسكت هياتم بورقة في يدها، وطالعتها بإهتمام كبير لتتأكد من وجود كل شيء في محله..

ثم نظرت حولها باحثة عن مديرة دار المسنين، فلمحتها تقف مع عضوات الدار على مسافة بعيدة.. فسارت بخطوات سريعة نحوهن..