ازرار التواصل



رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الحادي والثلاثون بعنوان: جروح لن تندمل

تنهد بيأس ليضمها بذراعٍ واحدة وكأنها بعالم أخر...ليستند برأسه علي الحائط خلفه بألم والدموع تسيل علي صفحة وجهه وصمت مخيف الا من صوت أنفاسه المتثاقلة والرؤية تتشوش من حوله وكأن ذلك الظلام يسحبه الي القاع...ليهمس بضعف وتقطع :
- غص..ب... غصب عني...انا مش عايز أسيبك لوحدك !
ليغلق جفونه ببطء مستسلماً لذلك الظلام الذي يسحبه لكن يده لم تفلتها بل ظلت متمسكة بها كقلبه الذي بدأت نبضاته بالتثاقل كأنفاسه الي تلفح وجهها المختبئ بكتفه...

تركض بانطلاق وسط تلك الزهور الخلابة وابتسامة هادئة تزين ثغرها الوردي ، أمسكت بطرف فستانها الأزرق لتدور حول نفسها وشعور بالارتياح يغمرها ونسيم الهواء يداعب بشرتها وخصلاتها السوداء التي تتطاير بفعل الرياح لتسمع صوتاً عذباً يتسلل الي سمعها :
- ميرا !

فتحت عيناها لتصدم بذلك الظلام وتجد نفسها في نفق مظلم مخيف وهدوء مريب وكأن زهورها أضحت رماداً...لتتلفت حولها بخوف فتجد بصيص نور يظهر من نهاية النفق المظلم لتسير ببطء باتجاهه وكأنها مسحورة بذلك الضوء وسط الظلام ليدق قلبها بعنفوان حين استمعت لصوته يناديها لتنظر خلفها لتجده يقف في نهاية النفق من الجهة الأخرى ويضع كفه علي صدره الذي تقطر منه الدماء! وملامحه متعبة يكسوها الألم لا تدري كيف رأته وسط ذلك الظلام الذي يحيطه بعكس الجهة الأخرى للنفق لينادي بصوته الجريح :
- ارجعي ! متروحيش هناك !

طالعته بحيرة وهي تعاود النظر لذلك النور الذي يجذبها لتسيل دموعها كما سالت في الواقع لتنفي برأسها هامسه :
- أسفة !
لتستدير وتخطو ببطء تجاه ذلك الضوء فقد اكتفت من الظلام بحياتها نظرت أرضاً لتجد الدماء تقطر من قدميها رغم عدم شعورها بذلك فلم تهتم لتكمل طريقها حافية القدمين بروح خالية وعيناها الزرقاء تلتمع بوميض غريب لذلك الضوء الذي أنار ظلمة عينيها...وابتسامة شاحبه تلوح علي محياها فاستسلمت لذلك الشعور ومضت بطريقها وهي تصم أذنيها عن صوته الجريح وكأن جراح قلبها قد اكتفت لتحثها علي السير بذلك الطريق وحدها لعلها لن تتألم مرة أخرى...

- ميرا علشان خاطري فوقي ! يوسف محتاجلك !
هتفت بها "ليلي" ببكاء من بين شهقاتها وهي تحاول افاقتها وقد أخبرها احد الحراس ان المسعفون اخبروهم انها في حالة صدمة وليس بها مشكلة عضوية ، تذكرت ما حدث قبل بضع ساعات...

Flash back.
صرخت برعب وقد ظنت ان الشاحنة ستصدمهم لكنه تدارك الأمر في اللحظات الأخيرة ليحيد بسيارته جانباً بسرعة وتوقف سريعاً قبل ان يصطدم باي شئ أخر ، تنفست الصعداء وهي تلتفت حوله بلهفه :
- داني...انت بخير ؟
تنفس بعمق لينظم أنفاسه ثم التفت له ورمقها بنظرة معاتبة وكأنه يقول ألم تطلبي الانفصال من دقائق فكيف تقلقين علي حالي ؟..

تلمست وجهه وذراعه بلهفه والدموع تتجمع بعينيها البندقية وتوقفت حين رأت نظراته المعاتبة كادت تعتذر ليشير لها بكفه بالصمت ثم اردف بهدوء :
- لم أكن يوماً متجبراً ولن أقيدك بي مرة أخرى...لقد اكتفيت من تهوركِ الذي كاد يقتلنا للتو واكتفيت من سعيي خلفك لأنال رضاكِ ! انا لن أتزوج بفتاة مندفعة لا تعي عواقب حديثها وكلامتها القاسية التي لا تنفكين رميي بها ! انا سأعود للندن وبرفقة أبي ولن اتخلي عن تلك الصغيرة وسأواصل اعتنائي بها حتي ولو اكن موجوداً !
اتسعت عيناها بخوف وهي تنفي برأسها هامسة :
- لا تقل انك تريد تركِ ! انا اعلم اني أخطأت و...بي عيوب كثيرة لكني أحبك !

مسح علي خصلاته بضيق بدلاً من ان يتهور ويمسح علي خصلاتها ويحتضنها بقوة ليردف :
- الحب ليس كل شئ ليلي ! انا لم أعد أحتمل كلماتك الجارحة وخيانتي التي تذكريني بها بكل مشكلة تقابلنا مهما كانت صغيرة! ستظل خيانتي السابقة عائق بعلاقتنا دوماً...انتِ لم تتخطي هذا اليوم بعد ولن تفعلي ! لذا من الأفضل ان ننفصل بهدوء...
ضاقت ذراعاً به لتصرخ بانفعال بلا تفكير :
- تتحدث وكأنك لم تخطأ من قبل ! انت الخائن لست أنا ! وانت أيضاً بك الكثير من العيوب فانت خائن ومغرور وسريع الانفعال...انت لا تبرع بشئ سوي التخلي عمن يحبك لقد تخليت عن ابيك فلما انتظر ان تتمس...

قاطع استرسالها في الحديث صفعته المدوية علي وجهها! اتسعت حدقتيها بعدم تصديق وذلك الألم الذي غزا وجهها كما قلبها الذي تسارعت دقاته لتطالعه بصدمة كما صدمته مما فعل فهي أول امرأة يرفع يده عليها ومن ؟ صغيرته...مدللته...عشقه ! لكن حقاً لم يتمالك نفسه فقد تخطت كل حدودها! لتمسح دموعها الهاربة بعنف وهي تطالعه بنظرات مشتعلة ليهتف بتردد :
- ليلي...انا...لم.

قاطعته بحده وقد عادت لشراستها فمهما كان قريباً علي قلبها فلن تسمح له بإهانتها :
- أنت محق ! انت لن تستطيع البقاء مع فتاة مليئة بالعيوب مثلي وانا لن استطيع البقاء مع شخص همجي !
فتحت الباب وكادت تترجل ليمسك ذراعها قائلاً بأسف :
- انتظري...انا لم أقصد فعل ذلك انا فقط...
كادت تصرخ بوجهه ليقطع ذلك الشجار رنين هاتفها لتجيب وهي مسلطة نظراتها الحادة تجاهه لتختفي حدتها وتصيح بقلق :
- انت بتقول ايه ؟ أخويا ماله ؟

ليجيب الطرف الاخر بأسف :
- احنا لسه منعرفش ايه الي حصل كل الي وصلنا رسالة من يوسف باشا اننا نجيله ولما وصلنا لقينا صاحب يوسف باشا مقتول والباشا متصاب برصاصة والاسعاف لسه ماشية من دقايق وانا المفروض اروح وراهم بس مقدرش اسيب ميرا هانم لوحدها وسارة هانم تليفونها مقفول فلازم حضرتك تيجي !
ابتعلت غصة بحلقها لتقول بنبرة باكية :
- مش فاهمه وميرا مراحتش معاه ليه هي كمان حصلها حاجة ؟
اجابها بغموض :
- أفضل حضرتك تيجي بنفسك واول ما نطمن علي يوسف باشا هبلغك ! وهبعتلك العنوان في رسالة...

اغلقت الهاتف بصدمة ليقول بتساؤل :
- ما خطبكِ ؟ هل كل شئ علي ما يرام ؟
وكأنها نست صراخهم منذ قليل لتهتف ببكاء وهو يتجول بعينيه علي ملامحها المصدومة :
- يوسف في المشفى اصيب بطلق ناري وزوجته لا أعلم ما بها !
استرسلت في حديثها ببكاءٍ حتي ادار السيارة ليهتف مطمئناً :
- سيكون بخير لا تقلقي...

أمسكت كفه ببكاء وقد هالها ما سمعته حتي نست خلافهم وحتي انفصالهم! ليصل الي العنوان الذي ارسله الحارس ليترجل كلاهما ويسيرا نحو الداخل لتنصدم بزوجة أخيها تلك المرأة القوية التي لقبتها يوماً بالمرأة الحديدية التي أخافتها شراستها رغم اعجابها بها تستلقي أرضاً متكومة بوضع الجنين تضم جسدها المرتجف وعيناها شاردتان في الفراغ والمنزل وكأن اعصار ضربه فكل شئ محطم والدماء تلون الارضية! لتقترب ببطء وتهبط جوارها قائلة بصدمة :
- ميرا !
End flash back.

انتشلها من شرودها يده علي كتفها لتطالعه بحزن وتهتف بتساؤل قلق :
- كيف حال أخي ؟
طالعها بشفقة ثم جال ببصره علي تلك النائمة علي الفراش بلا حول ولا قوة وكأنها بعالم غير عالمهم ليجلس علي ذلك المقعد امامها قائلاً :
- لقد تخطي مرحلة الخطر...لقد اصابت الرصاصة جانب قلبه ببضع سنتيمترات لولا ذلك لكان الأن في عداد الموتى لكنه سيكون بخير...كيف حال تلك المسكينة ؟
اجابته بشرود وهي تلمس علي خصلاتها بحنان وأعين دامعة :
- لقد رحل الطبيب منذ قليل واخبرني انها بحالة صدمة و ليست بخير علي الاطلاق ويجب نقلها لمصحة نفسية !

أجابها بأسف :
- ذلك الأفضل لها فلا نريد لحالتها ان تزداد سوء...
لتهتف باستنكار وانفعال :
- ما اللعنة التي حدثت لهم ! من اطلق النيران علي اخي ومتي عادت اليه ؟ ومن ذلك الشخص الذي وجدوه مقتولاً ؟ انا سأجن ولا اصدق ان تلك التي أمامي هي ميرا التي كنت أخشاها يوماً بهذا الضعف وهذه الحالة !
اردف بنبرته الهادئة :
- سنعلم كل شئ حين يفيق شقيقك واتمني ان يفعل ذلك قريباً !

زأر بشراسة ليندفع كالوحش الكاسر وهو يضربهم بعنف غير عابئاً كون ذلك جريمة يعاقب عليها فقط ما يهمه صغيرته حتي "سارة" انصدمت من تلك الشراسة التي لم تراها به يوماً!
ليتكالبوا عليه ويقيدوا حركته فيصرخ بعصبية :
- سيبوني ! وديني لأقتلكم ! بنتي محدش هيقرب منها !
هرع أحدهم للداخل رغم محاولات "سارة" لمنعه وخرج بعد قليل حاملاً الصغيرة الباكية التي تصرخ بخوف :
- باااااابي !

وتمسك الصغيران بساق والدتهم ببكاء خائف ، زاد هياجه حين وصل لمسامعه صراخ طفلته لتصيح "سارة" بعصبية :
- سيبوهم ! انتوا اتجننتوا !
ليصرخ بعصبية مفرطة حتي تثاقلت أنفاسه وشعور بالخدر يسري بجسده ليتركوه فيرتمي جسده أرضاً من فرط عصبيته وهو يلهث بعنف والاصوات تتداخل بعقله وتتشوش الرؤية لتنغلق جفونه علي مشهد أخير بركض "سارة" نحوه بهلع والضباط يرحلون وصغيرته تصرخ ببكاء وتمد يديها له حتي اختفي صوتها حين صعدوا لسيارتهم واختفت كما اختفي وعيه ليغمض عيناه هامساً بتقطع ثم استسلم لذلك الدوار الذي يفتك به :
- سيبوها...بنتي !

ولج الي المنزل حاملاً الصغيرة التي نامت من كثرة بكاءها لينادي بصوته الخشن :
- سميرة ! انتي يا ولية !
هرعت اليه تلك المدعوة "سميرة" بتأفف :
- جاية يا اخويا فيه ايه الدنيا هتطير !
لطمت علي صدرها قائلة بصدمة :
- مش معقول ! دي البت مني بنت اختي ! لقيتها فين يا منيل ؟!

القي بالصغيرة علي الاريكة بفظاظة غير عابئاً بجسدها الصغير ليجلس قائلاً بصوته الغليظ :
- كنت رايح اقضي مصلحة في حته نضيفة لقيت المزغودة دي مع واحدة ست شكلها من الناس الأكابر وخارجين من مول واحنا الي بندور عليها بقالنا سنة طلعت عايشة عيشة فل واحنا الي طالع عنينا بسببها !
جلست بجواره ترمقه بغيظ قائلة :
- انت نسيت عملت ايه يا عبد الفتاح ؟ مش انت بردو الي رحت طلعتلها شهادة وفاة والبت تايهه ؟ وخليت الورث يروح علينا !

اجابها بغلظة :
- مكفياكي تقطيم بقي يا ولية ! مكنتش اعرف ان الورث هيروح لما البت تموت ! وبعدين مش هي الي هربت ؟! دانا طلع عيني علما جبتها ده طلع ظابط متبنيها وخدت علقة محترمة انا والظباط الي راحوا معايا علشان نعرف تاخدها !
شهقت باندهاش :
- بقي الي عمل فيك كده جدع بطوله ! دانا فكرت شوية بلطجية اتلموا عليك ورنوك العلقة دي !
استشاط غضباً من شماتتها الخفية ليدفعها بغلظة :
- طب اخفي من وشي يا سميرة لحسن ارنك نفس العلقة دي !

ابتعدت بامتعاض وهي تتمتم بتأفف :
- مش فالح غير يمد ايده عليا اما غيري يضربه ميقدرش يتكلم...رجالة أخر زمن !
رفع حاجبه صائحاً باستنكار :
- بتبرطمي بتقولي ايه يا بومة سمعيني ؟!
اجابته بامتعاض وسخرية متوارية :
- بقول هقوم احضرلك لقمة ترم عضمك بيها يا سبع الرجالة !
تغاضي عن سخريتها فليس به طاقة ليضربها ككل مرة يشعر برجولته تسقط! وكأن ضربها يعيد له القليل من ثقته بقدراته!
فتحت جفونها بضعف لتفرك عينيها بعبوس من اثر بكاءها لتنظر حولها لتشهق ببكاء حين أدركت انها عادت لذلك المنزل ليدور عقلها بمشاهد من الماضي...

Flash back.
سارت في الطريق الي المنزل تدور حول نفسها وتبتسم بسعادة وبيدها حلواها المفضلة التي خرجت لتشتريها لتقف بصدمة وهي تجد منزلها تأكله النيران من كل جهة لتسقط حلواها أرضاً وتركض باتجاه منزلها لولا جارتها التي امسكت بها واخذتها بعيداً رغم صراخها ومحاولتها الافلات وهي تصيح بانهيار لا يناسب سنها الصغير :
- مااااامي !

احتضنتها بقوة وهي تبكي بكاءٍ عنيف! والأخيرة تربت عليها بشفقة وقد وصل رجال الاطفاء محاولين اخماد تلك النيران لتشعر بسكونها بين ذراعيه ابعدتها لتجدها فقدت وعيها لتهتف بشفقة :
- اغمي عليكي يا حبة عيني...غلبانة اتيتمتي بدري !
اخذتها لتتجه بها الي منزلها ، سلمتها بعد يومان الي خالتها وزوجها فهما أصبحا الوصيان عليها وعلي كل ما ورثته من أبيها الذي وصل الي المنزل قبلها بدقائق ومات محترقاً كزوجته بسبب تركها لغاز الموقد وقد نست اطفاءه ليشتعل المنزل بمجرد دخول زوجها واشعاله لسيجارته! أخذتها خالتها والتي ما ان عادت معها خرجت عن صمتها قائلة بنبرتها الطفولية الهادئة :
- هو انتي مين ؟

وقتها علمت خالتها وزوجها ان الصغيرة فقدت ذاكرتها من اثر الصدمة لتبدأ تعاستها مع زوج خالتها غليظ الطباع ودارت مشاهد أخرى حين طلبت منه باستحياء :
- عمو...انا عايزة حاجة حلوة !
رفع حاجبه هادراً باستنكار :
- عايزة ايه يا روح *** ؟ هو انا خلفتك ونسيتك يا بت ؟

ودفعها بخشونة لتسقط ارضاً وتطالعه بأعين دامعة وجسدها يرتجف بخوف لتنهض وتدلف الي غرفتها تختبأ بها من بطشه ومشاهد أخري كثيرة من قسوته وقسوة خالتها التي لا تستوعب حقدها ونظراتها الغاضبة دوماً رغم انها لم تخطئ! ليأتي يوماً وتشهد علي شجارهم بإحدى نوبات جنونه الذي انتهي بضرباته العنيفة لخالتها ثم خلع حزامه لينهال عليها بلا رحمة ظنت انه سيحين دورها ويقتلها كخالتها فقط ظنتها ماتت من ارتخاء جسدها الزاخر بالكدمات وتغطيه الدماء لتهرب من المنزل مستغلة التهائه بقتل خالتها كما تظن لتتجول بالشوارع بلا هدي وهي ترتجف بخوف ولا تتوقف عن البكاء حتي اقترب شاب ليجلس علي ركبتيه أمامها قائلاً بابتسامة خبيثة :
- ايه يا عسل انتي تايهه ؟

نظرت له بخوف ولم تجيبه ليكمل بلطف زائف :
- متخافيش...تعالي معايا اوديكي عند ماما !
عبست ملامحها لتجيبه بصوت خافت باستغراب :
- هو انا عندي ماما ؟
رغم استغرابه من سؤالها اردف مبتسماً وهو يحملها ويسير بها :
- اه طبعاً هو في حد معندوش ماما ؟

بعد ذلك انقذها أبيها الروحي "إلياس" لتعيش في كنفه مطمئنة البال ولم تخبره عن خالتها حتي لا يعيدها اليهم مرة اخرى الي ان رأت ذلك الرجل المخيف زوج خالتها اثناء تسوقها برفقة والدتها الروحية "سارة" لا تدري كيف تذكرت كل ما حدث لها لتنهار باكية بخوف بين يديها!
End flash back.

شهقت بخوف تزامناً مع تعالي دقات قلبها الصغير رهبه من دخوله مبتسماً بخبث وبيده عصا خشبية صغيرة ليهتف بصوته الغليظ :
- والله ليكي وحشة يا بت ! بقي كده حد يهرب من عمه ؟ بس بردو معاكي حق مانا كنت مدلعك ! والبنات مينفعش معاهم دلع يتعوجوا لو مخدوش علي دماغهم !
صرخت بهلع حين اقترب منها ملوحاً بتلك العصا الخشبية ليصيح :
- بت يا سميرة ! اقفلي الباب مش عايز صوتها يطلع بره !
ولجت الي الغرفة تطالع الصغيرة بشماته لتقول بطاعة :
- من عنيا بس خلي بالك متشدش عليها اوي ليحصلها حاجة وتجبلنا مصيبة !

لتخرج وتغلق خلفها الباب وهي تضع حجراً من قسوة علي قلبها وتستمتع بصرخات الصغيرة المتألمة وكأنها سنفونية عذبة علي مسامعها لتهتف في نفسها بشماته :
- زي ما خدتي مني الراجل الي حبيته وخليتني البس في الراجل ال*** ده لأدوق بنتك المر ومخليهاش تتهني يا بنت امي وابويا !

بعد مرور شهر... !
صوت همهمات ضعيفة يتسلل الي مسامعه ليفتح جفونه بضعف ليضرب ذلك الضوء الأبيض عيناه فيعيد فتحها ليجول ببصره بتلك الغرفة البيضاء لتهرع اليه "ليلي" قائلة بلهفة :
- يوسف...حمدلله علي سلامتك ! حاسس بايه ؟
حول بصره ناحيتها ليحاول النهوض والجلوس باعتدال بصعوبة من ذلك الألم بصدره ليسألها بنبرة جافة :
- هو ايه الي حصل ؟وانا بعمل ايه في المستشفى ؟

ابتلعت غصة بحلقها وهي تتهرب بعينيها ولا تدري ماذا تجيبه ليبدأ عقله بتذكيره بكل ما حدث حين اختطفها من ذلك الزفاف وانهيارها بين يديه تذكر تلك الليلة التي تمسكت به حين وضعها علي الفراش في دعوة صامته ورغم حالتها الغريبة لم يستطع الا ان يلبي نداءها فقد اشتاق لها كثيراً وحمد ربه كثيراً انها لم تتذكر ما حدث تلك الليلة فقد غير لها ثيابها حتي لا تزداد غضباً حين تعلم لينتهي اليوم بخلافهم وتركه للمنزل ثم اتسعت عيناه بادراك حين تذكر محاوله صديقه لاغتصاب جميلته وحضوره بالوقت المناسب وقتله لصديق عمره! وحالتها التي اصابها قبل ان يغيب عن الوعي ليهتف بانفعال متلهف :
- ميرا فين ؟ وانا هنا من امتي ؟

اجابته بقلق :
- يوسف...ارجوك اهدا العصبية غلط عليك !
ليهدر بعصبية غير مبررة وهو يحاول النهوض ونزع تلك الأسلاك المتصلة بجسده :
- ردي عليا ! ميرا فين ؟
اجابته مسرعة كي لا تسوء حالته :
- انت هنا من شهر علشان دخلت في غيبوبة وميرا...
بللت شفاهها لتقول بتردد :
- ميرا...جالها حالة صدمة ودخلت مصحة نفسية !

صعق من حديثها ليعود ليفيق ويصرخ بها بانفعال :
- انتوا اتجننتوا مين سمحلكم تعملوا كده ؟ ميرا مش مجنونة علشان تدخلوها مصحة ! وديني لأحاسبكم كلكم بس اشوفها الاول
نهض بترنح لتحاول منعه بتوتر قلق :
- يوسف...علشان خاطري اهدي والله ده لمصلحتها...طب هتروح فين بس ؟
دفعها بخشونة ليندفع ويفتح الباب فيجد حارسه الذي هرع اليه بلهفة :
- يوسف باشا...حمدلله علي سلامتك...حضرتك رايح فين بس ؟
ليمسكه من مقدمه بذلته ويجذبه نحوه ويهمس بتهديد رغم لهاثه :
- وديني عند مراتي...حالاً !

ازدرد ريقه ليقول بتردد :
- بس يا باشا كده خطر عليك...سيادتك لسه تعب...
قاطعه لكمته العنيفة رغم اجهاده الواضح ليعود ويجذبه قائلاً بلهاث :
- بقولك وديني عند مراتي لحسن ادفنك مطرحك !

اومأ له بقلق وهو يسنده حتي لا يسقط من شده الألم الذي ينحر صدره صعد الي السيارة ليستلقي بتعب حتي وصل به الي المشفى ليصعد بخطوات مترنحة من الألم ليرشده احد الممرضات علي غرفتها لم يستمع لتحذيرات الأمن ان الزيارة ممنوعة ولا صوت الطبيبة ليدفع باب غرفتها ليجدها جالسه علي فراشها تطالع الفراش بتلك الثياب البيضاء التي تخص المشفى وعيناها الجميلة فقدت بريقها اقترب ببطء ليجلس امامها ويحاوط وجهها بكفيه هامساً بلهاث وقد تحررت دموعه الحبيسة :
- انا جيت يا روحي...يوسف جه متخافيش...عملوا فيكي ايه يا حبيبيتي ؟

رفعت بصرها لتطالعه بأعين خاوية وكأنها تعرفت علي صوته ليستند برأسه علي جبهتها بضعف ولا يصدق وجودها بهذا المكان ليبتعد قاطباً جبينه وهو يتسأل بصدمة :
- ميرا...انتي مش بتردي عليا ليه ؟
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثاني والثلاثون بعنوان: سأرحل

عودة للوقت الحالي...
فتح عيناه ليبتسم بنعاس وهو يتطلع عليها فهي منكمشه بين ذراعيه كطفلة صغيرة ابتعد بحذر ليسند رأسها علي الوسادة ويميل ويقبل وجنتيها ثم ينهض ويدلف الي المرحاض ، خرج بعد دقائق ليفتح الباب ويهتف بأمر لحارسه بنبرته الباردة :
-عايز القهوة بتاعتي...وبلغ السكرتيرة تلغي اي مواعيد إنهارده !

اومأ سريعاً لينصرف وينفذ ما أمره به ، عبث بخصلاته البنية التي طالت قليلاً ليجدها استيقظت من نومها ابتسم تلقائياً ما ان فتحت عيناها الزرقاء رغم بهوتها وفراغها الواضح الا انها مازالت محتفظة بجمالها الذي جعله يقع صريعاً لهواها اقترب ليحملها كعادته لتتعلق برقبته ويجلس علي الأريكة بجوار فراشها وهو يضعها علي ساقيه وتستند برأسها علي صدره بشرود كعادتها ليبدأ في اطعامها وهو يقبل وجنتيها من حين لأخر حتي دلفت الطبيبة قائلة بابتسامة  :
- صباح الخير...

سرعاً ما غزت الحمرة وجهها حين راته يطعمها بتلك الطريقة ، أخفت ضيقها ليجيبها ببرود ولم يغير من وضعهم بل مازال يطعمها ويقبلها وكأنهم بمفردهم! :
-صباح الخير يا دكتور...
جلست وهي تتحاشي النظر اليهم قائلة بعملية :
-انا شايفة تحسن كبير في حالة مدام ميرا بس عايزة اتناقش مع حضرتك في طريقة علاجها صدقني الي حضرتك رافضه ده هيساعدها جداا !
رمقها بنظرة مشتعلة لتتمني لو لم تتحدث بهذا الأمر ليشيح ببصره وهو يحملها ويضعها علي فراشها ويدثرها بغطائها ثم التفتت ليجلس أمام الطبيبة قائلاً بتهديد بارد :
-شوفي يا دكتورة رضوي قسماً عظماً لو فتحتي الموضوع ده تاني هيبقي فيها موتك ! وانتي عارفاني مبهزرش !

ابتلعت غصة بحلقها بخوف لتردف بارتباك محاولة اقناعه :
-يا يوسف بيه حضرتك فاهم غلط احنا مش هنأذيها ونسبة الكهربا بسيطة جداا بس هتساعدها ترجع لوعيها في اقرب وقت !
قست نظراته وهو يردف ببرود :
-انا مش بعيد كلامي مرتين ! علاج بالكهربا ده للمجانين وانا مراتي مش مجنونة وعمري ما هعرضها لحاجة زي دي ولو هتفضل كده بقية العمر !

يأست من محاولة اقناعه لتهتف مغيرة الموضوع :
-طب انا في حاجة محيراني ازاي مدام ميرا حامل في 3 شهور وانتوا اصلاً انفصلتم بقالكم كتير والحالة دي جتلها في وقت رجوعكم زي ما حكيتلي ؟
أشعل سيجارته ليضع ساق فوق الأخرى ليجيبها بلا خجل وكأنه يتحدث عن أحوال الطقس! :
-حصل في نفس اليوم الي خطفتها فيه رغم خناقنا بس هي مكانتش في وعيها وانا كنت مشتاقلها جداا ولما صحيت الصبح مفتكرتش اي حاجة وانا غيرت هدومها علشان متعرفش والخلاف بينا يزيد ، لو خلصتي كلامك ياريت تتفضلي وتبعتيلي الممرضة بالعلاج بتاعها !
نهضت بحرج وضيق من تصرفه وكأنه بمنزله وبنفوذه استطاع المبيت بالمشفى متي شاء تكاد تقسم انه المريض وليس زوجته ويكفي تحملها لطريقته الجافة انه مخيف بحق! وكأنه مصنوع من قسوة وبلا قلب تكاد لا تصدق قصة الحب بينهم!

تأففت بضيق وهي ترفض اتصاله للمرة التي لا تذكر عددها لتصلها رسالة اعتادت وصولها في هذا الوقت يومياً لتقرأها وهي تحارب ابتسامتها من الظهور :
(" دقَاتي تقرعُ كالطبول وتنادي بحروفك وكأن قلبي موشوماً بحبك فارحمي انفاسي التي أبت الخروج دون ان تلامس بوجهك ")
ابتسمت رغماً عنها وهي تقرأ كلماته التي يرسلها يومياً بلا كلل او ملل منذ انفصالهم ، غيرت ثيابها لتغادر المنزل وما ان صعدت الي سيارتها حتي وصلتها رسالة أخرى :
(" جميلة انتِ بفستانك البني بلون عينيكِ البندقية وبتلك الحقيبة السواء التي تماثل اهدابك التي تظلل وهج البندق المميز بقطتي البرية ")

غزت الحمرة وجنتيها لتبتسم وتكمل طريقها وصلت الي مركز التسوق لتشتري ما تحتاجه وما ان وصلت الي سيارتها لتنفخ بضيق :
-ايه الحظ ده ! ده وقته الكوتش ينام !
ابتعدت لتحاول ايقاف سيارة أجرة لتجد سيارته تقف أمامها لينزل النافذة ويهتف بأمر :
-اصعدي...سأوصلك للمنزل !
رمقته بغضب لتلتف وتصعد جانبه قائلة بشك :
-لما اشعر انك من افسد الاطارات ؟
طالعها بعيناه الزرقاء التي تعشقها قائلاً ببراءة :
-بالتأكيد لا ، انا فقط كنت امر بالصدفة فوجدتك لا أكثر !

تنهد ليردف بهدوء :
-ألن تسامحيني ليلي ؟ لقد مضي ثلاثة أشهر منذ تلك الليلة وكلانا أخطأ !
تنهدت بعمق لتردف بشرود :
-أتعلم داني منذ ان كنت طفلة صغيرة اعتدت ان اري الامهات يضربن اطفالهن وبقسوة لكني لم أجربه قط لان أمي لم تضربني انا او شقيقتي من قبل واعتادت ان تقول لنا دوماً اننا لا نضرب سوي الحيوانات ! نحن بشر لنا عقل نتحدث به ونتناقش به ذلك العقل الذي يحل كل الامور التي يعجز العنف عن فعلها ! انا صرت أخشاك داني...واخشي اغضابك...لم أعد أمن نفسي معك !

تألم لحديثها أهذا كان شعورها حين صفعها! رغم بساطة الأمر الا ان كبرياءها عنيد مثله ليهتف :
-لما لا تعطيني فرصة أخرى ! وسأثبت لكِ انني لست سوي أمانك وسأمحو ذلك الخوف من قلبك أعدك !.
دمعت عيناها وهي تهتف بجمود :
-لقد انفصلنا منذ ثلاثة أشهر  داني انت لم تدرك ذلك بعد وهذه ليست مشكلتي !
كان قد وصل امام منزلها لتترجل دون ان تنتظر رده هي بالفعل سامحته لكن يجب ان تجعله يدرك فداحة خطأة والا يتخذها وسيلة للتعبير عن غضبه فيما بعد فاذا صمتت علي فعلته سيكررها كعادة كل البشر...

تسلل الصغير الي غرفته بحذر ليجده جالس وسط الظلام كعادته ليعض علي شفتيه قائلاً بأدب :
-ينفع أدخل يا بابا ؟
لاح شبح ابتسامة شاحبه علي محياه ليهتف بخفوت :
-تعالى يا يزن...
اقترب الصغير ليحمله ويجلسه علي ساقيه قائلاً بحنان :
-ايه يا روح بابا ناقصك حاجة ؟
نفي الصغير قائلاً بنبرته الطفولية :
-لا يا بابا انت بتجبلي كل حاجة بس انا عايزك ترجع تلعب معانا زي الأول ، انت مبقتش تلعب معانا من ساعة ما توتا مشيت !

اختفت ابتسامته ليشعر بألم طفيف يضرب قلبه من سيرة صغيرة التي فقدها ليهتف بنبرة جاهد لإخراجها طبيعية :
-معلش يا حبيبي...بابا تعبان شوية الأيام دي اول ما ابقي كويس هرجع العب معاك انت ومازن...متزعلش مني...
قبله الصغير علي وجنته قائلاً بلطف :
-مش زعلان...وانا هقول لربنا يارب بابا يخف ويلعب معانا...علشان ماما قالتلي لما نعوز حاجة نقول لربنا وهتحصل !
نهض الصغير وغادر الغرفة ، لينظر في أثره بدهشة فهو قد تناسي صلاته في خضم حزنه علي فراق صغيرته وقد نبهه الصغير الذي لم يتعدى عمره بضع سنوات!

لينهض ويدلف للمرحاض ويتوضأ ثم بدأ بالصلاة ليختمها بمناجاة ربه بأن يعيد له صغيرته فقد تعلق بها حتي بات فراق مستحيلاً ليهمس بضعف ولم يشعر بتلك الدموع التي شقت طريقها علي وجنتيه :
-يا رب ترجعلي...انا مقدرش أعيش من غيرها انا معدتش عايز اخلف خلاص انا كنت مكتفي بيها هي ويزن ومازن...قلبي بيوجعني عليها...
بالأسفل دلفت "سارة" الي المنزل برفقة صغيرها "مازن" لتجد والدة زوجها تعد الطعام لتقترب منها قائلة بعتاب رقيق:
-كده يا ماما مش قولتلك انا الي هعمل الأكل وانتي متتعبيش نفسك ؟

اجابتها بابتسامة حنونة :
-ولا يهمك يا حبيبيتي انتي هتعملي ايه ولا ايه ؟ مش كفاية شغل البيت والعيال وكمان انتي لسه راجعة من برا اطلعي غيري هدومك وارتاحي وانا شوية وهخلص الأكل وهبقي اندهلكم !
قبلت كفها بحب قائلة :
-ربنا ميحرمنا من وجودك يا ماما...
علي الرغم من بغضها لها ببداية زواجها الا ان أنها استطاعت استمالتها فأصبحت العلاقة بينهم ودودة ، صعدت الي الأعلى لتجده بنفس جلسته الواجمة متعب الملامح لا ينام الا قليلاً حتي الطعام تجبره علي الأكل بحجة الا يقلده الصغيرين جلست بجواره علي الفراش ليهتف بهدوء :
-مرات أخوكي عاملة ايه ؟

تنهدت بحرارة مردفة :
-يعني في تحسن بسيط ويوسف مبيسبهاش...بس اتغير اوي يا الياس...مبقاش يوسف الي اعرفه طريقته باقت ناشفة وبقي فيه برودة فظيعة وبقي مهمل في نفسه اوي مش بياكل كويس وطول الوقت عصبية وميعديش يوم من غير ما يضرب حد سواء من الممرضين او الحرس بتوعه !
ابتسم ساخراً فهو لا يختلف كثيراً عن حالة شقيقها لتنتشله من شروده قائلة بشفقة :
-مش ناوي تخرج من العزلة دي بقي ؟
اجابها بنفس هدوءه :
-لا مش ناوي الا لما بنتي ترجعلي !

تنفست بعمق قائلة :
-انت عارف ان الي حصل كان صح وكان لازم يحصل ؟
رمقها بتساؤل لتكمل :
-انت كتبتها علي اسمك والتبني حرام شرعاً يعني تقدر تكفلها وتجيب كل احتياجاتها وتربيها وتكبرها بس مينفعش تكتبها علي اسمك ! انا عارفة انك عملت كده مضطر بس طالما اهلها ظهروا يبقي ده الصح !
صمت لا يجد اجابة فهي محقة لتكمل فهي تطرق علي الحديد وهو ساخن كما يقال :
-وكمان متنساش انها مش بنتك بجد...اهلها الحقيقين هما الأحق بيها مننا والله أعلم كانت حالتهم عاملة ازاي لما تاهت !

اشتعلت النيران بداخله ليصرخ بها بعصبية :
-لأ ! تقي بنتي غصباً عن اي حد ومش هتعيش بعيد عني !
ابتلعت ريقها قائلة بمهادنة :
-طب اهدي بس...انا عندي فكرة كويسة تحل الموضوع ده !
نظر لها ليحثها علي الاكمال لتسترسل :
-ايه رأيك تروح لأهلها وتقنعهم نجيبها كل اسبوع مثلاً تقضي معانا يومين وبردو تجبلها اي حاجة ناقصاها وتخرج معانا عادي واهو منه تبقي مبعدتش عن أهلها ومنه بردو تفضل قدامنا !

فكر ملياً في حديثها ليجده منطقياً نوعاً ما لينهض قائلاً بلهفة وهو يخرج ثيابه :
-هروحلهم دلوقتي واكيد هيوافقوا !
ابتسمت بحنو من لهفته الظاهرة وضحكت بخجل حين بدأ يغير ثيابه أمامها لتخفي وجهها بين كفيها حتي انتهي ليقترب ويقبل جبينها مسرعاً ليغادر وهي تناديه :
-طب استني اتغدي الاول  ؟
اجابها مسرعاً وهو شبه راكضاً من فرط لهفته للقاء صغيرته :
-بعدين ، بعدين...

ابتسم بحنو وهو يصنع لها جديلة أنيقة انتهي ليديرها ليلثم جبينها ويداعب وجنتها بكفه قائلاً بخفوت :
-وحشتيني...
قاطع لحظتهم رنين هاتفه لينهض ويخرج من الغرفة وهو يتحدث مع أحد عملاء شركته غير منتبهاً لطبق الفاكهة الذي كان يقطعها لها ونسي أخذ السكين! التي أمسكتها وهي تطالعها بغرابة وعيناها تلتمع ببريق مخيف... !

تناولت طعامها بشرود لينتشلها صوت والدتها بعتاب رقيق :
-رضوي ! ايه يا بنتي بقالي شوية بكلمك ؟!
انتبهت قائلة باهتمام :
-معلش سرحت شوية يا ماما كنتي بتقولي ايه ؟
نظرت له نظرات متفحصه لتقول بضيق :
-الكلام عندك انتي مش انا ! خلاص كبرتي وبقيتي تخبي علي امك !
تنحنحت بتوتر قائلة :
-هخبي ايه بس يا ماما هو ارهاق من الشغل مش اكتر !

لم تزيح بصرها وكأنها تحثها علي الاعتراف لتتنهد بيأس وهي تسترسل :
-بصراحة في حالة عندي في المستشفى شغلة دماغي ، في مريضة عندي جوزها بيحب حب عمري ما شوفت زيه كنت متخيلة ان الرجالة الي شبهه انقرضت ، ده من اكبر رجال الأعمال في مصر وبيجي يبات في المصحة بس علشان مراته ده حتي بيأكلها ويحميها وينيمها ده مبيعديش يوم من غير ما يجي المصحة رغم ان ده ممكن يضر بسمعته كرجل أعمال معروف !

اجابتها باستغراب :
-طب يا بنتي وايه الي مضايقك في كده ؟ راجل وبيحب مراته !
لتهتف بضيق والنيران تعتمر بداخلها :
-بس يا ماما هو حكالي كل حاجة عن حياتهم بحكم علاجها وكده وهي بصراحة متستحقوش ! دي كانت عصبية ومغرورة ودايماً بتعامله الند بالند وكمان اتحبست قبل كده يعني تعتبر رد سجون !
رفعت حاجبها بدهشة لتهتف بحده :
-ويتري جوزها رجل الأعمال جناحاته بيضا ولا زرقا يا بنت بطني ؟

ابتلعت ريقها فقد فهمت مقصد والدتها فدار بعقلها حديثه عن حياته وشخصيته فهو أيضاً عصبي وحاد الطباع ولا يتعامل مع الناس باحترام!  لتكمل والدتها :
-محدش فينا مفهوش عيوب يا رضوي زي ما هو اتقبل عيوبها وحبها ولسه متمسك بيها هو كمان أكيد مليان عيوب وهي استحملته والا مكانش هيبقي بينهم الحب الكبير ده !

هربت من نظرات والدتها التي تفضح ما يدور بعقلها لتنهض متعللة :
-طب انا هدخل انام علشان عندي شغل الصبح عن إذنك يا ماما...
بعد ان غادرت لغرفتها هتفت والدتها في نفسها بقلة حيلة :
-يارب يا بنتي تفوقي قبل ما تعلقي نفسك في حبال دايبة هتاخدك وتغرق !

انهي مكالمته ليجد ضجة اتية من غرفتها لينقبض قلبه ويسير باتجاه غرفتها ، وصل الي الغرفة ليندفع بهلع ليجد مجموعة من الممرضين  يقفون أمامها محاولون استمالتها لتترك ما بيدها وما كان سوي السكين الحادة !  اقترب بحذر ليهتف بتوتر :
- ميرا حبيبتي سيبي الي في ايدك ده !
رفعت بصرها تطالعة ببسمة غريبة وأعين فارغة لتتعالي دقات قلبه المنقبض بخوف حين رفعت السكين لأعلي قليلاً وهي تمد ذراعها الأخر للأمام وتديره ليكون باطن كفها والشريان الذي يتصل بالقلب في مواجهة السكين!

وصل الي تلك المنطقة الشعبية بعدما استطاع الحصول علي العنوان بطرقه الخاصة ليسأل احد المارة :
-الاقي فين بيت عبد الفتاح محمد العيسوي ؟
اجابه الرجل :
-قصدك عبده النقاش ؟ هتلاقي اخر بيت علي ايدك اليمين !
اومأ له بامتنان ليكمل طريقه حتي وصل الي ذلك المنزل دق الباب حتي وصل الي مسامعه صوت أثار اشمئزازه :
-ايوة جاية مستعجل علي ايه يالي بتخبط ؟!
  فتحت الباب لتوبخ ذلك الطارق لتصدم بجسده الضخم والذي يبدو كرجال الشرطة لتهتف بتوتر من هيبته التي تفرض وجودها :
-اؤمرني يا حضرت ؟

حمحم مجيباً اياها وهو يتطلع خلفها لعله يلمح صغيرته :
-انا المقدم الياس وجيت علشان...
لم يكمل حديثه مع صرختها المصاحبة لصفعتها علي صدرها في حركة سوقية قائلة بحسرة :
-يا خرابي ! حصلت يا ام سالم تدخلي بينا الحكومة اخس عليكي مكانتش جمعية وكام ملطوش تحبسيني بيهم !
رمقها باحتقار قائلاً بضيق :
-بس بس ام سالم ايه وبتاع ايه انا جاى علشان بنت أختك !

تنفست الصعداء لتدرك انه من تبني الصغيرة اذن فهو "ابن الأكابر" كما اخبرها زوجها لتقول بلهفة :
-يقطعني...اتفضل يا بيه اتفضل !
دلف وهو مازال يرمقها باحتقار ليهتف بأمر :
-امشي اندهيلي جوزك عايز اتكلم معاه !
رغم طريقة حديثه المهينة اومأت بلهفة :
-من عنيا استريح انت بس وانا اندهولك !

دلفت الي غرفته لتوقظه بعنف وهي تلكزه بجانبه لينهض متاوهاً ويقول بغلظة :
-جري ايه يا ولية انتي اتهبلتي في مخك حد يصحي حد كده ؟
رمقته بغيظ قائلة :
-ياخي اتوكس ! قوم فز ده الظابط الي كان واخد المزغودة بنت اختي برا وعايز يتكلم معاك قوم !
انتفض قائلاً بامتعاض :
-وايه الكويس في كده ؟ افرضي عايز ياخد البت تاني ؟

جزت علي أسنانها بغيظ وهتفت :
-بقولك ايه صحح معايا كده ! احنا واخدين البت بالقانون ولما البيه يجي بنفسه لحد هنا يبقي متعلق بالبت وعايز يشوفها نقوم احنا نستغل ده باننا نطلب منه فلوس بحجة اننا غلابة ومش هنعرف نجيب للبت الي هي عايزاه !
ابتسم بخبث وهو يثني علي ذكاءها :
-عفارم عليكي يا بت طول عمرك دماغك نضيفة وسعي اما اقوم اشوف طاقة القدر الي اتفتحتلنا دي !

أخذتها قدماها الي منزله بحجة ان تزور والده المريض فقد توقف عن مراسلتها منذ أخر لقاء بينهم دلفت الي المنزل لجد "زهرة" التي ما ان رأتها هرعت الي غرفتها بارتباك من رؤيتها لتزفر الأخيرة بضيق وهي تتجه لغرفة والده وجلست برفقته ما يقرب للنصف ساعة ولم يأتي لتخرج وتسأل الحارس متظاهرة بعدم الاهتمام :
-هو دانيال باشا مجاش النهاردة ؟
اجابها الحارس برسمية :
-لا يا فندم دانيال باشا سافر من ساعتين...رجع لندن ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثالث والثلاثون بعنوان: لقاء القلوب

انهي مكالمته ليجد ضجة اتية من غرفتها لينقبض قلبه ويسير باتجاه غرفتها ، وصل الي الغرفة ليندفع بهلع ليجد مجموعة من الممرضين  يقفون أمامها محاولون استمالتها لتترك ما بيدها وما كان سوي السكين الحادة !  اقترب بحذر ليهتف بتوتر :
- ميرا حبيبتي سيبي الي في ايدك ده !

رفعت بصرها تطالعة ببسمة غريبة وأعين فارغة لتتعالي دقات قلبه المنقبض بخوف حين رفعت السكين لأعلي قليلاً وهي تمد ذراعها الأخر للأمام وتديره ليكون باطن كفها والشريان الذي يتصل بالقلب في مواجهة السكين! ، لكنه اسرع وامسك يديها والقي السكين بعيداً وصفعها بقوة ! ثم جذبها ليضمها اليه وهي تبكي بشهقات متتالية كالأطفال من ألم صفعته...تنفس الصعداء ولام نفسه علي ضربه لها لكنه لم يشعر وكأنه يعاقبها علي محاولة تركها له ! يعلم انها غير واعية لكنه لن يتحمل فقدانها ليهمس بحنان :
- انا أسف يا حبيبتي أسف متزعليش..

حملها ليضعها علي فراشها وهي مازالت في أحضانه ! ربت علي رأسها بحنان وأخذ يقبل وجنتها التي صفعها من حين لأخر وهو يدلكها برفق ، تراجع العاملون وخرجوا من الغرفة ، لكنها ظلت تبكي ليهمس بأسف :
- وجعاكي يا روحي ؟ أسف والله محستش بنفسي…
فكر بإلهائها حتي تتوقف عن البكاء ليشدد من ضمها ويتنهد بعمق قبل ان يهمس بأذنها بتوتر من بكاءها الذي يزداد فهو يعلم انه لا يمكنهم اعطاءها المهدئات لخطورته علي الجنين :
- طب اغنيلك وتبطي عياط ؟ انا أنا مقولتلكيش قبل كده ان صوتي حلو صح ؟ ششش...اسمعي كده...

ليبدأ بالغناء بنبرة عذبة متألمة ويشوبها حزن عميق ورغم ارتعاش نبرته الا انها هدأت وتيرة بكاءها ولم يشعر بتلك العبرة الهاربة من أسر عينيه :
- أأ...أنا بعشق البحر...زيك يا حبيبي حنون وساعات زيك مجنون... ومهاجر ومسافر...وساعات زيك حيران...وساعات زيك زعلان...وساعات مليان بالصمت...أنا بعشق البحر.....
مسح دموعه ليجدها راحت في سبات عميق بين ذراعيه ليتمدد جوارها فيكفيه وجودها بجواره رغم عدم وعيها...سينتظر ولو مر الدهر كاملاً فقلبه لن يدق لسواها...

وصلت الي المطار بخطوات مرتجفة وهي تبحث عنه بأعين لامعة بالدموع كالطفلة التي تبحث عن والدها لتهرع الي أحد العاملين قائلة بصوت مرتعش :
- لو سمحت هي طيارة لندن هتطلع امتي ؟
اجابها قائلاً :
- لا دي طلعت بقالها نص ساعة يا انسة !
نفت ببكاء ليبتعد الرجل باستغراب لتقف في منتصف المطار وهي تبكي بانهيار ولم تشعر بارتخاء قدميها لتسقط جاثية علي ركبتيها وهي تتطلع للا شئ وتهمس ببكاء مصدوم :
- بالسهولة دي سبتني ؟ من غير حتي ما تقولي ؟ هنت عليك يا داني ؟!

انهمرت عبراتها بغزارة ليأتيها صوت سيدة مسنة قائلة بشفقة :
- انتي كويسة يا بنتي ؟
نفي برأسها ببكاء وهي تهمس ببكاء وهي تشتكي لتلك السيدة رغم عم معرفتها بها :
- سابني ومشي ! وانا مش قصدي ازعله والله !
ربتت علي كتفها قائلة بحزن علي حالتها :
- طب قومي يا بنتي ميصحش قعدتك دي...
وبنفس التوقيت نجده يقف بأحد الجوانب يتحدث بهاتفه بعصبية :
- اخبرتك ان سيارتي تعطلت ولم الحق بالطائرة فتوقف عن التذمر ديفيد ! فلتذهب انت واجتماعك الطارئ الي الجحيم !

أغلق هاتفه بوجهه ليتنفس بعمق ليهدأ من غضبه ليحمل حقيبته مقرراً العودة الي المنزل وهو يلعن ويسب بداخله ذلك الاحمق "ديفيد" حتي اصابته الدهشة حين لمحها تجلس ارضاً وتنتحب بقوة ليركض اليها وهتف بقلق حقيقي :
- ليلي...صغيرتي ما بكِ ولماذا تبكين بتلك الطريقة ؟ ماذا حدث ؟
رفعت بصرها بصدمة ما ان تسلل لمسامعها صوته لتهتف بدموع :
- داني...انت هنا بجد ؟

ساعدها لتقف وهي تطالعه بصدمه وهو يتفحصها بخوف قائلاً :
- هل انتِ بخير ؟ اخبريني ؟ هل يؤلمك شئ ولما جئتِ الي هنا ؟
علي حين غرة ارتمت بأحضانه مع صدمته من فعلتها لتبكي بانهيار قائلة بصياح من بين شهقاتها :
- ظننتك تركتني ورحلت ! انا سامحتك لكن لا ترحل !
أبعدها برفق من نظرات الناس من حولهم المستهجنة فعلتهم ليمسح دموعها قائلاً بلطف :
- اهدئي حلوتي انا لم ارحل انا فقط كنت سأحضر اجتماعاً هام واعود ان لم يكن لأجلك سيكون لأجل والدي !

ابتعد قليلاً ليهتف بجمود زائف :
- ثم الم تخبريني ان علاقتنا انتهت اذن لم اتيتي ولما تبكين بتلك الطريقة ؟
مسحت دموعها بظهر كفها كالأطفال وهي تهمس بأسف وهي تخفض بصرها :
- أسفة...تعلم اني أحبك فقط كنت غاضبة ولم اعني حرفاً مما قلته ...
ابتسم بحنو ليسحب كفها ويقبله برقة قائلاً بنبرته الرجولية :
- أعلم ذلك...هيا دعينا نرحل انا لن أغادر !

ليصل الي مسامعهم صوت ساخر :
- مبقاش في حيا ولا خشا عينك عينك كده ؟ ربنا يستر علي ولايانا !
التفت له بنظرة غاضبة ليهتف موجها حديثه لها بعصبية :
- ماذا يقول ؟ هل يسبني ؟
اخفت ابتسامتها لتسحبه من يده قائلة بضحك :
- لا عزيزي لا يسبك وحدك بل يسبنا معاً !
رفع حاجبه قائلاً :
- وما المضحك في الامر ؟ اتركيني سأعود واحطم فكه ذلك الوقح !

اجابته بابتسامة :
- انت بمصر داني والذي فعلناه بالداخل لا يجوز واذا حطمت فكه ستجد الاف غيره يشيرون الينا هذا يعتبر فعل فاضح في مكان عام نحن لسنا بلندن حيث يصفق الجميع بحرارة حين يجدوا قصة حب تكتمل هنا الحب ممنوع !
قطب جبينه باستغراب فحقاً تلك البلاد تثير دهشته بحق! ليزفر بلا اهتمام قائلاً :
- هيا لأوصلك الي المنزل...

- يا مرحب يا بيه عليا الطلاق المنطقة نورت !
هتف بها "عبد الفتاح " بترحيب مبالغ به ليقطعه بنبرة حادة :
- فين تقي ؟ انا عايز اشوفها !
ابتلع ريقه بخوف فقد ضربها بالأمس لذلك قد غفت من كثرة بكاءها ليهتف بارتباك وابتسامة سمجة علي وجهه :
- اصلها نايمة يا بيه تعبت من كتر اللعب انت عارف العيال وشقاوتهم بقي !

طالعه بشك للحظات ليتنحنح قائلاً بنبرة اقل حده :
- انا كنت عايز استأذنك اخد تقي منك يومين في الاسبوع تقضيهم معايا انت اكيد عرفت هي متعلقة بيا قد ايه ، وهتعيش معاكوا عادي
لمعت عيناه بخبث ليردف :
- والله يا بيه معنديش مانع بس دلوقتي الوضع اتغير البت رجعتلنا وانت شايف عيشتنا فهيبقي صعب تروح معاك بلبسها الي ميلقش بمكان ساعتك وكمان كده هتعودها علي الاكل النضيف فمش هتعرف تاكل هنا ، داحنا ناس علي اد حالنا يا بيه...
نظر له ملياً محاولاً عبور سبل اغواره ليقول بجدية :
- تاخد كام وتتنازل عن حضانة البنت ؟

صدم كلاهما لتسارع بالصياح المبالغ بحزن زائف  :
- اخس عليك يا باشا هو الضنا بيتباع ؟ البت مني دي بنتي...دانتا متعرفش كنت عاملة ازاي لما تاهت مننا دانا قلبي كان بيتقطع عليها ، وحياة سيدي الدرديري ما دوقت طعم النوم الا لما رجعت !
ليدعمها زوجها قائلاً بكبرياء زائف :
- صحيح احنا غلابة وزرقنا علي الله بس الضفر عمره ما طلع من اللحم يا سعادة الباشا !

لا يدري لما يشك بنواياهم ام طبيعة عمله التي جعلته لا يثق بأحد ليهتف باستسلام :
- طب خلاص انا هبعتلكم مبلغ كويس كل شهر بس بشرط تقي تيجي معايا كل اخر اسبوع تقضي يومين عندي...
اخفي ابتسامته المنتصرة ليهتف بارتباك :
- يباشا ميصحش بردو...
قاطعه بجدية :
- مش علشانكم ده علشان تقي تقدر تعيش مرتاحة ! انا هتكفل باي حاجة تخصها ولو احتاجت اي حاجة بلغوني !

التقط ورقة متهالكة وبجانبها قلم ليدون رقم هاتفه قائلاً :
- ده رقم تليفوني كلموني في اي وقت ، وياريت تجبيلي البت علشان امشي...
رمقت زوجها بعنف ليتصرف ليهتف بارتباك :
- لمؤاخذة يا باشا البت هدومها متبهدله من اللعب والتنطيط وكمان نامت متأخر امبارح تعالى بكره تكون سميرة حميتها ولبستها كويس مش معقول هتمشي بيها كده يا باشا !
ود لو يخبره انه كان أحياناً يحممها بنفسه ولن يهتم بمظهرها اطلاقاً ليهتف :
- مش هتفرق ناديها بس...

شهقت قائلة بعتاب :
- لا طبعاً ميصحش يا بيه دانتوا عالم أكابر هتاخدها مبهدلة كده يفكروك ماشي بشحاتة !
زفر بضيق من الحاحهم الغريب علي عدم اخذها اليوم ليهتف بيأس :
- خلاص بكره من اول اليوم هاجي اخدها !

غادر المنزل بضيق وحزن يجتاحه بعنف فهي لم تعد طفلته وفقد الكثير من حقوقه تجاهها أجاء اليوم الذي يستأذن به لأخذ طفلته لساعات معدودة فقط! ابتسم ساخراً أثناء سيره ليتوقف فجأة وصوت ذلك الرجل الغليظ يتردد بأذنه :
-مكناش نعرف انها عايشة ! فكرنها ماتت مع ابوها وامها لم البيت ولع بيهم !
ويعود ليصدع بصوت زوجته هذه المرة :
- اخس عليك يا باشا هو الضنا بيتباع ؟ البت مني دي بنتي...دانتا متعرفش كنت عاملة ازاي لما تاهت مننا دانا قلبي كان بيتقطع عليها !

تنفس بغضب وهو يدرك وجود مخطط من قبلهم فقد كذبوا عليه وزاد غضبه حين ادرك رفضهم لرؤية صغيرته وكأن بها علة ! فصغيرته لا تنام بوقت متأخر كما اخبره ليعود ادراجه وبداخله بركان من الغضب سينفجر بوجه احد حتماً! وصل الي منزلهم ليستمع الي صياحهم قبل ان يطرق الباب :
- بقولك ايه يا ولية متوجعيش دماغي غوري هاتلها مرهم كدمات ولو البيه جه بكره وقال حاجة ابقي قوليه اتخبطتت في حاجة مكانوش قلمين يعني !
اندفعت الدماء لعروقه واحمر وجهه من فرط الغضب ليكسر الباب بقدمه بعنف ويدلف وسط شهقاتهم وصدمتهم ليمسكه من تلابيبه صارخاً بعصبية :
- عملتوا ايه في بنتي يا زبالة منك ليها ؟ بتضحكوا عليا انا ؟ وديني لأحبسك !

دفعه بعنف لينهال عليه بلكمات في اجزاء متفرقة من جسده والأخير لم يستطع صد ضرباته المتمرسه واكتفي بالصراخ كالنساء! وزوجته تلطم وجهها بنحيب ليدفعه ارضاً ويقتحم الغرف بعنف حتي وجدها في أحد الغرف المهترئة متكومة بوضع الجنين ابتلع ريقه بصعوبة ليقترب لينقبض قلبه ألماً حين راي تلك الكدمات علي وجهها وذراعيها وكفيها الذي خطت عليه علامات العصا بعنف! حملها بألم والنيران بداخله تزداد اشتعالاً ليخرج ويوجه حديثه الغاضب لتلك التي مازالت تلطم بحسره :
- بقولك ايه انا هاجي بكره ومعايا محامي وهتمضولي علي عقد التنازل من سكات والا هحبسك انتي وجوزك ومش صعب عليا الفألكم قضية !

واقترب منها تحت خوفها الظاهر ورجفتها ليجذبها من حجابها الموضوع بإهمال بيد وهو بحمل صغيرته باليد الأخرى هادراً بعنف :
- والضرب الي ضربتوه لبنتي ده وحياة سيدك الدرديري! لأخليكي تتحسري علي شبابك وعلي جوزك ال*** ده !

وصل الي حجرتها ليخلع سترته ويتجه نحوها ويقبل وجنتها كعادته ، دلفت الممرضة لتهتف بتوتر خوفاً من غضبه الذي يصبه عليهم بسبب وبدون سبب! :
- يوسف باشا...دكتورة رضوي عايزة حضرتك في مكتبها !
اتتها صوته بنبرته الجافة دون ان يلتفت لها :
- ليه ؟
ابتلعت ريقها قائلة بارتباك :
- م..معرفش !

اشار لها بازدراء ان تغادر ليتنهد بعمق متجهاً لمكتب الطبيبة ومان وصل فتح الباب دون ان يطرقه كعادته ليجلس ويضع ساق فوق الأخرى ويخرج سيجارته ليشعلها ببرود ، خرجت الأخيرة من المرحاض لترتبك من وجوده تنحنحت لتجلس قائلة بابتسامة :
- ازيك يا يوسف بيه ؟
نفث دخان سيجارته قائلاً ببرود :
- خير ؟

ابتلعت ريقها بحرج لتهتف بنبرة جاهدت لخروجها رسمية :
- انا طلبتك علشان ابلغك ان دكتورة النسا كانت موجودة إنهارده علشان مدام حضرتك ولما كشفت عليها بلغتني انها حامل...في توأم !
اعتدل قائلاً بدهشة لم يستطع اخفاءها :
- ايه ؟ توأم ! ده بجد ؟
اومأت بابتسامة عذبة وقلبها يرقص طرباً لسعادته الظاهرة ، لاح شبح ابتسامة علي وجهه المتعب ثم اختفت مرة أخرى وهو يسألها بقلق :
- كده فاضل 5 شهور علي الولادة وحالة ميرا زي ما هي كده هيأثر علي الأجنة  ؟

عدلت نظاراتها الطبية قائلة :
- لا انشاء الله مش هيأثر وهنحاول نسيطر علي حالتها اثناء الولادة بوجودك طبعاً !
تنهد بحزن ألن تري اطفالها ايضاً ؟ كيف سيراعيهم بمفرده انتشله من شروده صوتها الذي يشوبه دلال انثوي لم يلاحظه :
- بس انت ليه متجوزتش لحد دلوقتي يا يوسف بيه ، انت اكيد محتاج ست تراعيك ؟
نظر لها ببرود ولأول مرة يلمح أحمر الشفاه الخاص بها رغم انها لم تضعه من قبل ، نهضت ليلاحظ ثيابها الضيقة تكاد ترسم علي جسدها زاد استغرابه فملابسها دوماً محتشمة! ضربه الادراك ان كل هذا العرض فقط لأجله ابتسم بتسلية ولم يجيب لتكمل بدلال وجرأة غريبة تلبستها وهي تجلس أمامه بعد سيرها بخيلاء :
- انت شخصية مبتتكررش يا يوسف...بيه انا لو اتجوزت واحد زيك هبقي خدامة تحت رجليه !

لم يستطع كبح ضحكاته ليضحك بانطلاق ولأول مرة منذ عرفته تراه يضحك! لتهتف بابتسامة مرتبكة :
- هو ايه الي بيضحك في كلامي ؟
توقف عن الضحك فجأة ليميل ويقرب وجهه من وجهها هامساً بخفوت خطير :
- عارفة بجد اللحظة دي اكتر لحظة اتمنيت فيها ان ميرا تخف وترجع لطبيعتها عارفة ليه ؟

ازدردت ريقها بقلق من قربه لتنفي برأسها فيكمل بتسلية :
- اصلك متعرفيهاش دي مجنونة غيرة! مرة كنا في مول وعاكست موظفة في محل ساعتها خلتني استناها في العربية وراحت جابتها من شعرها ! بس اوعي تقوليلها اني عارف ! بس اراهنك انها لو كانت كويسة دلوقتي كان زمانها غيرت خريطة وشك !
ارتجف جسدها قليلاً وقد توقعت استجابته من تاريخه الحافل مع النساء الذي علمت به مؤخراً ليكمل وهو يرمقها بازدراء ثم القي سيجارته ارضاً وهو يدهسها بقدمه تزامناً مع حديثه :
- بس عارفة انتي معاكِ حق انت فعلاً هتبقي تحت رجلين جوزك اقولك ليه ؟ لان ده مكان واحدة رخيصة زيك تحت الجزمة !
شحبت بشرتها من وقع كلماته الجارحة التي القاها بوجهها بقسوة ولم تنتبه لدموعها التي هبطت علي صفحة وجهها ككلماته التي هبطت علي قلبها فقسمته لنصفين!  لينهض ويغادر ببرود وكأنه لم يفعل شيئاً !

طالعهم بيأس قائلاً بنفاذ صبر :
- طب وبعدين يعني هنفضل قاعدين نعيط للصبح ؟
التفت له الجميع بأعين حمراء من البكاء ف"سارة" تجلس محتضنة الصغيرة ببكاء علي حالتها منذ نصف ساعة وبجوارها والدته التي تتلمس وجه الصغيرة ببكاء والصغيرين يجلسوا ارضاً يبكون لبكاء صغيرته ما ان افاقت ووجدت نفسها بينهم تنهد ليقترب ويحملها رغم اعتراض زوجته قائلاً بهدوء موارياً حزنه ولولا الملامة لكان جالس بينهم يبكي لأجلها! :
- اظن كفاية لحد كده انا سايبهالكم بقالي نص تعيطوا براحتكم خلاص توتا رجعتلنا ومش هتسيبنا تاني ممكن نهدي بقي ؟

اشار بعينه لزوجته لتصعد معه الي غرفتهم وبحوزتها ثياب للصغيرة وعلاج للكدمات ليدلف كلاهما الي المرحاض ثم يجهز حماماً دافئاً لتساعده "سارة" بخلع ملابس الصغيرة ووضعها بالمياه تألمت قليلاً لتقوس فمها للأسفل وتهتف بنبرتها الطفولية :
- بيوجع بابي !
ابتلع غصة بحلقه حتي لا يبكي أمامها وهو يلمس علي خصلاتها بحنان وهي ملأت الحوض بصابون فلم يظهر منها سوي رأسها :
- معلش يا قلب بابي هي هتوجعك شوية وهتخف...

مر الوقت عليهم وهم يساعدوها بالاستحمام وسط ضحكاتهم وضحكات الصغيرة التي تغمر قلبه بالارتياح ثم حاوطتها "سارة" بمنشفة لتجففها بحنان أمومي ثم يحملها "إلياس" وهو يخرج بها ويترنح بتمثيل قائلاً بمرح :
- هنوقع هنوقع ! امسكي كويس يا توتا !
ضحكت بسعادة وكأنها نست ما حدث لها فهكذا هم الأطفال كلمة تلقي بهم الي أعماق الحزن وكلمة تسحبهم لأفاق السماء ، وضعها علي الفراش ليتركها تغير لها ثيابها وتضع لها دواءها ويعود حاملاً طعامها المفضل من يد جدتها ليهتف بصرامة زائفة :
- الأكل ده كله يخلص لحسن أعمل زي مامي ما بتقول...وأكلكم !

ابتسمت بخجل لتذكره كلمتها السابقة لتجاريه في مرحه قائلة ببراءة :
- الله وانا مالي يا لمبي ؟
ضحكوا بسعادة رغم كل ما يحمله قلب كل منهم لينتهوا من اطعام الصغيرة ليقبلها "الياس" بحنان من وجنتيها وهو يرفع غطاءها ليدثرها ليهمس بحنو :
- تصبحي علي خير يا روح بابي !
كاد ينهض لتمسك كفه قائلة ببراءة :
- انا بحبك بابي مش تسيبني تاني !

دمعت عيناه ليرفع كفها الصغير ويقبله برفق قائلاً :
- عمري ! نامي ومتخافيش يا توتا بابي مش هيسيبك تاني ابداً !
قبلته الصغيرة بلطافة علي وجنته ثم التفتت للطرف الاخر للفراش وقبلت "سارة" قائلة بلطف :
- واحبك انتي كمان مامي !

ابتسمت بحب لتغلق الضوء وتخرج من الغرفة برفقته وما ان جلسا بالأسفل حتي اجاب علي هاتفه لتعود نبرته للقوة والحزم قائلاً :
- زي ما فهمتك تقبض عليهم بتهمة انهم شغالين في الدعارة وانا هاجي بالمحامي بكره واخليهم يمضوا علي التنازل عن الحضانة مقابل خروجهم من السجن وطبعاً مش محتاج اقولك ان مفيش محضر هيتكتب ده مجرد تهويش علشان اخد منهم التنازل !
اغلق هاتفه بعد دقائق ليهتف وكأنه تذكر امراً :
- انا هطلع اطمن علي تقي نامت ولا لأ وهقعد جمبها لحد ما تنام علشان عارفها بتخاف لو جالها كابوس وكانت لوحدها !

اومأت له بابتسامة هادئة وسعيدة لأجله ولأجل عودة الصغيرة وما ان صعد للغرفة فتح الباب ليصدم بالصبيان ينامان بجوارها و"مازن" يحتضنها بحماية ومن الجهة الأخرى "يزن" يلمس علي خصلاتها بحنان طفولي ويضع غطاءها بعناية ابتسم بحنو علي أطفاله الثلاث ليدرك ان الصبيان سيكونا خير سند وحماية لشقيقتهم في المستقبل...لو رأي احد هذه الاسرة لن يصدق تماسكها رغم كونهم لا تربطهم الدماء بل تربطهم روابط أرقي من ذلك يسمونها...الحب !

مرت الأيام والليالي هادئة علي الجميع فقد عادت "تقي" لأسرتها الروحية واستطاع "الياس" الحصول علي التنازل وبدأت علاقته تزداد حباً وأمانا مع رفيقة دربه "سارة" ومن جهة أخرى بدأت علاقة "ليلي" بأبيها بالتحسن تدريجياً تفهمت مبرراته ونوعاً ما تقبلتها! كما شقيقتها وقد تحدد زفافها علي عشقها الوحيد " دانيال" او يمكننا القول " آدم " بعد بضعة أشهر وعلي الصعيد الأخر تركت الطبيبة "رضوي" حالة مريضتها "ميرا" لطبيب أخر بعد ما دار بينها وبين الرجل الذي أحبته او بالأدق أعجبت بحبه لزوجته لا لشخصه وقد ادركت ذلك بقليل من القسوة!

...بعد مرور خمسة أشهر...
هرعت الطبيبة الي مكتبها بشكل أشبه بالركض وصلت الي مكتبها لترفع هاتفها قائلة بلهاث من بين انفاسها :
- يوسف بيه...تعالى بسرعة مدام ميرا بتولد وحالتها صعبة اوي وجالها حالة هياج عصبي ومش قادرين نسيطر عليها...ارجوك تعالى بسرعة الحالة بتضيع مني  ...
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الرابع والثلاثون بعنوان: طوارئ

تنفست بعمق لتنظم ضربات قلبها المتسارعة وهي تتطلع علي فستانها الأبيض وزينتها بقلق ، فتح الباب ليدلف ويقف أمامها ببذلته السوداء وتلك الهالة الجذابة التي تحيطه وخاصاً ذقنه النامية التي أعطته وقاراً وزادته وسامة ، ابتسمت برقة قائلة :
- شكلي حلو ؟

لاح شبح ابتسامة شاحبه لا تظهر سوي نادراً ليقترب ويلثم جبينها بحنان قائلاً :
- زي القمر...ده كفاية لمعة عنيكي...ربنا يسعدك يا ليلي...
ابتسمت بخجل وهي تتأبط ذراعه في استعداد للخروج ليوقفها قائلاً بنبرة غريبة :
- سامحتيني يا ليلي ؟

ابتسمت قائلة ببساطة :
- انت أخويا يا يوسف وشخصيتك زمان مكانتش غلطك كلنا كنا ضحايا بيت متدمر !
باغتها بسؤاله :
- طب ليه لسه مسامحتيش ابوكي ؟ ومتقوليش لأ لان لو سامحتيه كنت وافقتي يسلمك لعريسك بدالي !
تهربت بعينيها قائلة بخفوت :
- هو كان الاساس يا يوسف حتي بيسموه رب الاسرة عامودها وهو الي فرقنا بانانيته وسلبيته ، انا سامحته فعلاً بس محتاج شوية وقت علشان اتعود علي وجوده في حياتي !

اومأ بتفهم لتغير الموضوع متسائلة بنبرة صادقة  :
- طب ومامتك عاملة ايه ؟
اجابها ببساطة :
- انا بسأل عليها من وقت للتاني واتجوزت ! يلا ربنا يسعدها
أخفت دهشتها لتكمل طريقها برفقته الي الخارج ليعود قلبها وينبض بقلق لتصعد مع شقيقها السيارة وهي تتمالك نفسها الا تهاتفه وتخبره بخوفها ليطمئنها! فهي تحتاجه الأن كأب فيبدو ان مهما حدث سيظل يحتل كل الأدوار بحياتها!

ومن الجهة الأخرى نتجه لسارق قلوبنا جميعاً "دانيال" ، نظر الي المرآه ليطالع مظهره الوسيم للغاية بعيناه الزرقاء التي تلمع بوميض السعادة فاليوم سيتوج صغيرته أميرة علي عرش قلبه ابتسم لتزداد وسامته المهلكة خاصة بتلك البذلة السوداء التي تكاد تتمزق من ضخامة عضلاته ذهب باتجاه والده الذي يحاول ارتداء حذائه ، انحني جاثياً علي ركبتيه ليلبس والده الحذاء فيربت الأخير علي رأسه قائلاً بابتسامة صادقة :
- ربنا يسعدك يا ابني...ليلي بنت كويسة...هي صحيح عندها كام سنة انا حاسس انها صغيرة اوي علي الجواز دلوقتي  ؟
ابتسم مردفاً ببطء بعربيته الركيكة فقد بدأ تعلم اللغة العربية مؤخراً ليستطيع التواصل مع والده :
- أ..ندها...22 س..نة  !

لم يستطع نطق حرف العين فيستبدله ب "أ " كمعظم الغربيون الذين يتعلمون اللغة العربية ، ابتسم والده قائلاً بضحك :
- انت العربي بتاعك مدمر يا ابني !
لم يستوعب كثيراً مما قال لينهض ويسحب كرسيه المتحرك ليخرج متجهاً الي زفافه وصغيرته التي قد يجن جنونها ان وصلت قبله!

نظرت له بعبوس وهي تكتف ذراعيها بضيق ليقبل جبينها بحنان  قائلاً باسترضاء :
- خلاص بقي يا روحي والله شكلك زي القمر !
اجابته بتذمر حانق :
- متجاملش يا الياس علشان شكلي وحش اوي...بص واسعة ازاي متلبسني خيمة أحسن !
كتم ابتسامته وهو يميل ويقبل وجنتها هامساً بدعابة :
- والله قمر...وبعدين ماسموش واسع اسمه محتشم...محترم حاجة في الرينج ده !
اخفت ابتسامتها من عبثه لتكمل :
- طب علفكرة الفستان البيبي بلو كان شكلوا حلو جداا بس انت الي رفضت وصممت تجيب علي ذوقك !

رفع حاجبه قائلاً باستنكار :
- بيبي ايه ؟! انتوا بتجيبوا الالوان دي منين انا مش فاهم ده هما 7 الوان ، الوان الطيف الي خدناهم في 6 ابتدائي ومعرفش غيرهم يا عالم يا قادرة !
ابتسمت رغماً عنها لتكتم ضحكتها قائلة بتذمر :
- توه يا الياس توه بردو مش هخرج بالفستان ده !
تنهد ليدفعها برفق علي المقعد ليغيب ويعود حاملاً حذائها الأبيض ويجلس علي ركبتيه امامها وهو يلبسها اياه في حركة اعتادتها منه ليقول بهدوء وهو يضع الحذاء بقدمها :
- لما تطلعي زي القمر ويبقي شكلك حلو مين اولي بحلاوتك دي ؟

اجابته بخجل من تدليله لها بتلك الطريقة :
- انت...
ابتسم مردفاً وهو ينزل قدميها ويمسك كفها :
- يبقي من حقي اغير علي مراتي ان محدش يشوفها غيري ولا لأ ؟
اجابته بخفوت :
- حقك...
ساعدها علي النهوض وهو يتجه بها نحو المرآه قائلاً بلطف :
- الفستان فعلاً واسع بس شكله حلو ورقيق زي صاحبته !

تكاد تصرخ بحبه من معاملته التي تعشقها فلأول مرة بحياتها منذ تزوجته علمت معني "المودة والرحمة" فهو حقاً خير زوج وأب...حمقاء زوجته الأولي التي فكرت بترك رجل مثله لا يعوض لكنها حقاً تشكرها فلولا تركها له ما كانت هي تزوجته فدوماً ما يجعلها تنصاع لرأيه برضاها التام! لتهمس بامتنان صادق :
- ربنا ميحرمني منك يا الياس
ابتسم ليقترب وعيناه تتركز علي شفتيها وهي أغمضت عيناها وقبل ان يلامس شفتيها فتحت عينيها علي وسعها صارخة :
- نهار اسود اتأخرنا ! وسع اما انزل اشوف العيال خلصوا ولا لسه...

مرت بجانبه وخرجت من الغرفة وهو مازال يقف ينظر بأثرها بصدمة لتنتشله من صدمته ندائها المتعجل :
- يلا يا الياس عايزين نمشي...اوعي تكون ناسي حاجة ؟
حك ذقنه بعصبية قائلاً :
- اه نسيت هدومك يا روحي مانا هرجعك لأخوكي...علشان البضاعة طلعت مضروبة !

قرعت الطبول وارتفع صوت المزمار معلناً عن وصول عروس الحفل...ابتسمت بتوتر وهي تشدد علي كف أخيها بقلق ليطمئنها بابتسامته الحانية لتنفتح الأبواب ببطء وتلك الأضواء الرائعة تزين الحفل ليظهر لها متقدماً تلك الجموع بابتسامته الواثقة وهو يمد كفه لها سارت بخطوات متمهلة فذلك الفستان الطويل يعيق سيرها بعض الشئ حتي وقفت أمامه ليضع "يوسف" كفها بكف "دانيال" قائلاً بهدوء بنفس لغته :
- تذكر ان شقيقتي كنز ثمين ان فرطت فيه لن تجده مرة أخرى أيها الأجنبي !

ابتسم له بتفهم قائلاً :
- اعتنيت بشقيقتك لسنوات وفي اعتقادي ان ليس لها من يحميها واليوم تظن ان بإمكاني ايذائها وقد عادت لعائلتها !
التقط كفها ليأخذها وتسود موسيقي غربية هادئة ويبدأ كلاهما بالتمايل بخفه وهو يلف يديه حول خصرها او لنكن أدق "يضمها" ليهمس بأذنها بنبرة عاشقة :
- ب.ح.بك !
اتسعت عيناها لتردف بفرحة :
- انت اتعلمت عربي بجد ؟ قصدي...لتعود وتتحدث بالإنجليزية :
- أعني انت تعلمت التحدث بالعربية ؟ اوه داني هذا مدهش !

اجابها بابتسامة :
- لم أتعلمها فقط بضع كلمات لأستطيع التواصل مع والدي...انا اتحدث بخمس لغات مختلفة ولكن حقاً لغتكم صعبة للغاية ! أظنني سأحتاج لأعوام لأتعلمها !
ضحكت بخفوت مردفة :
- لا بأس عزيزي سأعلمك انا كيف تتحدث العربية دعني ارد لك قليلاً مما علمتني اياه !
ومن جهة أخري دلف "الياس" وبرفقته أميرتيه زوجته وطفلته ويرتديان نفس الفستان باللون الزهري وعلي يمينه صغاره "يزن" و "مازن" ببذلتهم التي تماثل بذلة والدهم بحجم اصغر بالطبع لتهتف بحماس :
- ايه ده السلو اشتغل ! انا عايزة ارقص سلو اوي...

ابتسم علي تلك الطفلة التي يسمونها "زوجته" ليحذر أطفاله بنبرة حادة الا يبتعدوا عن نطاق الحفل ويسحبها ليرقصوا مع الثنائيات علي أنغام تلك الموسيقي الهادئة...
وقف جانباً يطالع سعادة شقيقته برضا ويتمني لو تكتمل سعادته برفقة جميلته النائمة في سبات عميق بعالم أخر فقط تعود ويقسم الا يجعل الدموع تعرف الطريق الي عينيها الجميلة مرة أخرى انتشله من شروده رنين هاتفه وما ان اجاب حتي صدع صوت الطبيبة الصارخة :
- يوسف بيه...تعالى بسرعة مدام ميرا بتولد وحالتها صعبة اوي وجالها حالة هياج عصبي ومش قادرين نسيطر عليها...ارجوك تعالى بسرعة الحالة بتضيع مني  ...!

انتفض ليغلق الهاتف مسرعاً ليجد "سارة" تقف امامه تسأله بقلق فقد رأته وهو يتحدث بالهاتف وكيف تغيرت تعابير وجهه الراضية الي اخرى قلقة :
- في ايه يوسف ؟ ميرا كويسة ؟
اجابها مسرعاً وهو يبتعد بخطوات راكضة!  :
- ميرا بتولد !
خرج مسرعاً لتهرع الي شقيقتها قائلة بلهفة :
- ليلي...ميرا بتولد انا لازم امشي !
والتفتت لزوجها قائلة وهي ترفع فستانها قليلاً لتستطيع السير او الركض! :
- الياس خد انت العيال روحهم وابقي حصلني علي هناك !

لم يكد يتحدث حتي تركته وهي تهرع خلف شقيقها اشبه بالركض! التفتت لتزيد دهشته حين وجد "ليلي" "العروس" ترفع فستانها هي الأخري وتجري خلفهم ويلحقهم زوجها علي عجل وجميع الموجودين يطالعوهم بدهشة فقد هربت العروس وخلفها عريسها من الزفاف ! ليهتف في نفسه ساخراً :
- انا قلت دي عيلة كلها مجانين محدش صدقني !

وصل الجميع الي المشفى لتخرج الطبيبة قائلة بلهفة :
- يوسف بيه احنا محتاجينك...مش عارفين نسيطر عليها !
اومأ مسرعاً ليرتدي ثياب المشفى المعقمة ودقاته تقرع كالطبول! ، دلف الي الغرفة ليجدهم يقيدوها من الجانبين وهي تنتفض بصراخ عنيف! هاله مظهرها فقد شحب وجهها بشده والتصقت بعض خصلات شعرها بجبينها المبتل ، ابعدهم ليقترب ويمسك بها بقوة وقد عمد لاستخدام قوته البدنية ليهتف بقلق:
- اهدي...هتبقي كويسة والله...معلش استحملي شوية !

صرخت بشراسه من فرط ذلك الألم التي لا تدرك مصدره ليسند جبينه الي جبينها هامساً بتعب وهو يتألم لأجلها :
- عيالنا هيجوا...استحملي علشان خاطرهم...ساعديهم يجوا الدنيا !
ظلت تتلوي بعنف وعينيها فارغة كعادتها لتصيح الطبيب بلهفة :
- خليك ماسكها كويس راس البيبي ظهرت !

صرخت صرخة دوت بأرجاء المشفى ووصلت الي مسامع الجالسين بالخارج بقلق تضاعف من صراخها العنيف! ليسكن جسدها وتدوي صرخة أخري خافتة ضعيفة وما كان سوي الرضيع الأول الذي امسكته الطبيبة واعطته للمرضة لتكمل بلهفة قائلة :
- خلاص قربنا...
خدشت صدره بأظافرها الحادة لأكثر من مرة وهو لم يهتم فهو يعلم انها تتألم اضعاف اضعافه ليهمس بتعب :
- استحملي شوية كمان...انا عارف انك بتتألمي جامد...معلش يا روحي خلاص هانت...

نبحت أحبالها الصوتية من شدة صراخها لتعود وتنتفض بين يديه بصرخة قوية لتواجهها صرخة أخري صغيرة ضعيفة اشبه بمواء القطط ليسكن جسدها وتستلقي بإنهاك وهو مازال يضمها ويهمس بأذنها ليطمئنها :
- عيالنا وصلوا بالسلامة يا ميرا !
فتحت عيناها لتصدم بذلك الضوء الذي يضرب عينيها لتشعر بأن جسداً يضمها بقوة تعرفت عليه من رائحته ولما تشعر بكل ذلك الألم وماذا حدث ؟ لتهمس بضعف :
- يو..يوسف !

تصلب جسده ليبتعد بصدمة فيجدها تنظر له باستغراب متعب ليهتف بعدم تصديق :
- ميرا...انتي رجعتي ؟ انتي اتكلمتي دلوقتي صح ؟
أحاطت جسدها لتأن بصوت خافت ابتعد ليركض منادياً الطبيبة التي اتت مسرعة ليجدوها تتلفح متذرعة بالغطاء حول جسدها المرتعش وهي تنكمش بوضع الجنين ليهتف بقلق :
- هي مالها ؟ مقامتش ليه ؟
اجابته بعملية :
- متقلقش يا يوسف بيه مراتك رجعتلك بفضل ربنا...ألم الولادة أجبر عقلها انها ترجع للواقع وأكيد كلامك معاها اثناء الولادة ساهم في كده بس هتاخد وقت علشان تقدر ترجع لطبيعتها ومينفعش نضغط عليها !

اومأ لها ليقترب ويستلقي بجورها يود ان يجعلها تنام بين ذراعيه كعادته ليجدها تضم جسدها بحماية وتزداد ارتجاف لمعت عيناه بدموع أبي ان تخرج ليهمس بنبرة متألمة:
- انا يوسف !
مال يقبل جبينها رغم ارتجافها ثم نهض ليترك لها وقتاً لتلملم شتات نفسها فيكفي انها عادت  ليخرج وما ان فتح الباب ليجد "ليلي" تحمل أحد الصغيرين و"دانيال" يحمل الطفل الأخر لترفع ذراعيها له ليأخذه تردد قليلاً وابتلع ريقه ليحمله بتوتر بالغ ويد مرتعشة فهو صغير للغاية يكاد يشابه كفه حجماً لتهتف بابتسامة :
- الف مبروك يا يوسف يتربوا في عزك...معلش سارة شافتهم ومشيت عالطول علشان يزن سخن وتعبان...

اومأ لها رغم انه لم ينتبه لحرف مما قالته وهو يتطلع بذلك الجسد الصغير ليحمله بيد واحدة ويلتفت مشيراً ل"دانيال" ان يعطيه الصغير الأخر قائلاً :
- هاتوا وخدي جوزك وامشي يا ليلي...النهاردة فرحك متقلقيش انا هعرف أخد بالي منهم...
اومأت له بتردد فلا يمكنها البقاء بملابس الزفاف التي أثارت دهشة كل من رأها لتمسك كف "دانيال" ويغادر كلاهما...

جلس يحمل الصغيرين بتوتر واستغرب ان احدهم اصغر حجماً من الأخر رغم كونهما توأمان! دلفت الطبيبة وهي تتفحص الأطفال ثم هتفت بابتسامة وهي تداعبهم :
- الف مبروك...ما شاء الله ربنا يباركلك فيهم...بس خلي بالك هتطلع عصبية اوي عكس الهادي العسل ده...دي جننت الممرضات!
قطب جبينه قائلاً بدهشة :
- هما ولد وبنت ؟

اومأت بابتسامة هادئة لتغادر وهو طالعهم بسعادة بالغة فقد ظنهم صبيان الان فقط ادرك لما احدهم اصغر حجماً من الاخر اذن هي الفتاة حملها ليضمها برفق هامساً بحب صادق ودموعه لم تنتظر الاذن لتنهمر :
- اهلاً بأميرتي الصغيرة ... تعرفي انا كان نفسي في بنت اوي !
ليكبر في أذنها بصوت مرتعش ثم وضعها وحمل الصغير هامساً له :
- اهلاً بالباشا الصغير...
ليعاود التكبير بأذنه ثم وضع كليهما بتلك الآسرة الصغيرة التي أحضرها مؤخراً لينحني ويقبل جبين كل منهم برقة حتي لا يوقظهم ثم نظر بحزن لجميلته النائمة ليستلقي علي الأريكة بتعب من هذا اليوم المرهق بحق...

دلفت برفقته الي المنزل وما كادت تتحدث حتي اختطف قبلة من شفتيها ثم أسند جبينه اليها هامساً :
- لطالما تمنيت ان أفعل ذلك !
ابتسمت بخجل ليكمل بهمس :
- أتذكرين صغيرتي حين احضرتك للعيش برفقتي بلندن ؟
اومأت مغمضة الأعين ليكمل بابتسامة هادئة :
- أتذكرين كيف كنت أعاقبك حين تخطئين ؟

ضحكت بخفوت قائلة بعبوس بسيط  :
- كنت قاسي القلب داني فقد كنت تجعلني أمارس تمرينات كالمصارعين بلا ذرة شفقة !
ابتسم بغموض متسائلاً :
- جيد...أتذكرين كم العدد الذي كنت تتمرنين عليه ؟
اجابته باستغراب :
- نعم...لقد كان ما يقرب الخمسون عدة !
ابتعد فجأة قائلاً بصرامة رغم ابتسامته :
- ستأخذ وقت طويل لذلك اقترح ان تبدئي العد من الأن !
اختفت ابتسامتها قائلة بحده :
- اتمزح معي داني ؟

اجابها بجدية :
- وهل ابدو لكِ انني امزح ؟ هيا تعلمين ما يجب عليكِ فعله قبل ان أزيد العدد !
تركها تحت صدمتها وجلس مسترخياً علي الأريكة ثم خلع سترته ووضع ساق فوق الأخرى ليراقبها ببرود قائلاً ببراءة :
- ماذا ؟ لقد أقسمت علي فعل ذلك ولن أخنث بقسمي ايتها الصغيرة سليطة اللسان !
استشاطت غضباً من بردو فهو جاد حقاً لتهتف بعبوس :
- داني ! الا تدرك ان الليلة ليلة زفافنا ؟ حقاً تريد مني ان امارس تلك التمارين ؟ والان ؟!

اجابها ببرود :
- حسناً لقد اصبحوا مائة عدة !
اتسعت عينيها لتردف مسرعة  بنبرة لينة لعلها تثير يتراجع بقراره :
- لكن داني ماذا فعلت انا ؟ ارجوك فكر بالأمر...سأتعب كثيراً...
طالعها ببرود قائلاً :
- لا لن تفلح حيلك هذه المرة فقد اقسمت يا حلوتي...ثم انك اصبحتِ وقحة وسليطة اللسان للغاية منذ عدتي الي مصر لذا توقفي عن الكلامي وابدئي فوراً!
نظرت له بضيق وهي تزم شفتيها بحزن طفولي قائلة وهي تشير لنفسها :
- هذا الفستان ثقيل للغاية ! أيمكنني فعلها بعد ان أغيره ؟

تمتم ببرود :
- مائة وخمسون عدة اذن !
انتفضت ببكاء لتهبط ارضاً وتبدأ بالعد بينما تلامس الأرض وترتفع قليلاً وتعود لتلامس الأرض...
مر بضع دقائق ولم يستطيع تجاهل قلبه المشفق عليها فهي ستظل صغيرته العنيدة ليجدها وصلت للعدد الثلاثون بصعوبة بالغة لينهض ويقترب ويحملها ولم تستطع التعلق برقبته بذراعيها يؤلماها بحق! ليهمس بيأس :
- تباً لقلبي اللعين ! فقط اتمني ان أكمل عقاباً ولو لمرة واحدة دون ان اشفق عليكِ !
اخفت ابتسامتها وهي تمثل الانهاك والتعب فهي لم تكمل حتي عشرة عدة بل استغلت شروده في انهاء عقابه وافتعلت هذا العدد فهي تعلم انه يجعلها تصل لنصف عقابه حتي!

وضعها علي الفراش لتستلقي بضعف زائف ليهتف بأسف :
- هل تتألمين لهذا الحد صغيرتي ؟
واقترب وقبل جبينها باعتذار وفجأة ضيق عيناها بشك قائلاً :
- كيف أنهيتِ الثلاثون في دقائق ؟
ارتبكت لتهتف بتوتر :
- لقد اردت الانتهاء بسرعة...
جز علي أسنانه بغيظ قائلاً :
- أيتها المخادعة  ! ماذا افعل بكي ؟

ابتسمت بخوف قائلة بخفوت وأعين بريئة كالقطط :
- أسفة...
ابتسم رغماً عنه ليقترب قائلاً بخفوت خطير :
- حسناً اذن سأوجل عقابي لاحقاً فلدينا الكثير لفعله !
أطفا الضوء ليبدا كلاهما حياتهم الجديدة معاً وقد قرر قلمي كتابة السعادة لهم بعد طول معاناة...

...بعد مرور يومان...
تنفس بغضب وهو يحمل الصغير فلم يعد يحتمل ودلف الي غرفتها ليقبض علي ذراعها هادراً بعصبية :
- كفاية هروب بقي ! طول حياتك بتهربي بس دلوقتي معادش ينفع ابنك هيموت !
سحبت رسغها وهي تنكمش في نفسها قائلة بنفي ونبرة مرتجفة :
- مش ابني انا معنديش عيال !

صاح بها بعصبية :
- فوقي بقي كفاية ! بقولك ابنك بيموت ! لازم يرضع !
صاحت بشراسة لأول مرة منذ عادت من عالمها المظلم :
- مليش دعوة ! ابعد عني انا مش عايزة اشوف حد ولا اعرف حد وقولتلك مش ابني !
تنفس بعمق ليردف بهدوء نسبي ونبرة متألمة لأجل صغيره وقلبه ينتفض رعباً ليقربه لها :
- طب بصي ده عنده نفس لون عنيكي بصيله هتعرفي انه ابنك...هو محتاجلك...مرضيش يقبل اي لبن تاني غير لبن رضاعتك علشان انتي امه !

دق قلبها بعنف لرؤية عيناه وشحوب بشرته فالصغير يحتضر بالفعل! ازدردت ريقها لتنفي برأسها وتغطي وجهها بالغطاء هامسة بتقطع مرتجف :
- معرفش...امشي...خده وامشي...
ليهمس بتوسل حزين :
- ميرا...أرجوكي...ابننا بيروح مننا !
سالت دموعها لتحيط نفسها بحماية هامسه وجسدها يرتجف بصورة غير طبيعية :
- ده أحسنله...الموت راحة من كل تعب...لو عاش هيتعب زيي وهيتمني الموت في كل لحظة !

مسح وجهه بألم فقد ساءت حالتها منذ افاقت ورافضة ان تري أحداً حتي هو رفضت رؤيته ولا حتي رؤية الطفلين فقد دخلت في حالة اكتئاب شديدة...تنهد باستسلام ليضع الصغير بجوارها علي الفراش ويهتف بنبرة قاسية :
- اهو خليه جمبك واتفرجي عليه وهو بيموت واطمني مش هياخد كتير الدكتورة قالت كلها كام ساعة وخلاص !
ثم رحل بقلب متألم فكانت هذه محاولة أخيرة لإنقاذه فللأسف الصغير لم يقبل اي لبن خارجي علي عكس الصغيرة التي استطاعوا احضار مرضعة لها وتقبلتها ، جلس امام الغرفة بقلب ينحره الألم ليغمض عيناه بتعب ليجد الطبيبة تهتف بحزن :
- لسه برضو ؟

اومأ لها بضعف لتكمل بشفقة :
- للأسف مدام ميرا دخلت في حالة انها شايفة الموت بيحوم من كل حته وان اي شخص هيقرب منها هيموت فمش عايزة حد يقرب منها عايزة تقطع علاقتها بالكل وتعيش في عزله !

بعد نصف ساعة...
قبلت الصغير الساكن بلا صوت بلطف وأعين لامعة لتنهض وتخرج من الغرفة فلم تجد أحد لتسير ببطء وخطوات مترنحة فهي علي الأغلب لم تنهض منذ شهور لتصعد الي الدور العلوي حتي وصلت الي سطح المبني ، سارت بخطوات متمهلة...شاردة بذلك الرداء الأبيض الخاص بالمرضي وخصلاتها السوداء تغطي ظهرها وغروب الشمس ينعكس علي عينيها الزرقاء لتقترب من الحافة وترفع قدمها ببطء ليصلها صوته الساخر :
- لسه بردو بتحاولي تهربي مش بتزهقي ؟

التفتت له بحده قائلة وهي ترفع القدم الأخري :
- ملكش دعوة بيا !
اقترب بهدوء لتحذره بحده :
- اياك تقرب ! ومتحاولش تقنعني اني انزل...انا بقيت جثة من غير روح فوفر كلامك ملوش لازمة !
نفي برأسه لتصدم به يصعد ويقف بجوارها قائلاً ببرود :
- لا فاكس الجو القديم بتاع انزلي ولااا متسبنيش وبتاع...دلوقتي في حاجات اجدد واحسن زي...اننا هننتحر مع بعض دلوقتي ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الخامس والثلاثون والأخير بعنوان: تحرر

- لا فاكس الجو القديم بتاع انزلي ولااا متسبنيش وبتاع...دلوقتي في حاجات اجدد واحسن زي...اننا هننتحر مع بعض دلوقتي ... !!!
صدمها بحديثه ليخفق قلبها وتتحول عيناها للضياع والتشتت هامسه :
- طب وولادك ؟
اجابها بلا مبالاة مشدداً علي كلمته الأولي :
- ولادنا...ربنا يتولاهم ، ايه الي هيحصلهم مثلا ؟ هيترموا في دار أيتام ؟ هيشوفوا ايام سودا ؟ هيتحرموا من جو الاسرة والاب والام ؟ طب وايه يعني ما احنا كمان اتحرمنا منه !

ابتلعت ريقها بتعب ليكمل :
- انت عيشتي مع اب وحش وبيكرهك ومامتك تعبت من الوجع وربنا رحمها وانا مفرقتش كتير امي كانت مشغولة ازاي تأذي اخواتي وتاخد بتارها وابويا كان مشغول بتأنيب ضميره وسلبيته !
اجابته بضعف وأعين شارده وكأنها طفلة مذنبة وتبرر فعلتها :
- انا...تعبت...وهي وحشتني أوي!
طالعها بأعين حزينة فهو أدري بحالتها وان حديثها صادر من قلبها المتعب والرياح تلامس وجههم بقوة ليهتف :
- وانتي فاكرة ان الموت بالطريقة دي راحة ؟ عذاب الدنيا ومهما شوفتي فيه ارحم مليون مرة من عذاب جهنم !

سالت دموعها هامسه بتقطع :
- انا م...مريضة ! هأذيك وهأذي عيالك...انا حمل تقيل محدش ينفع يستحمله...انا شوفت محسن بيموت قدام عنيا ومتحركتش ! انت كنت بتموت قدامي ومساعدتكش ! انا مش فاكرة ايه الي حصل بس الي متأكدة منه اني مش السبب في انقاذك...
سالت دموعه رغماً عنه من حديثها المتألم خاصة عند حديثها عن "والدها" الذي لم يعلم عنه شيئاً ليخفي صدمته قائلاً :
- لو كنت فعلاً مؤذية كنتي سيبتي ابنك يموت !

Flash back.        
وضعه بجوار فراشها وخرج من الغرفة لتغمض عيناها بقوة محاولة تجاهل وجوده وهي تحتضن جسدها بحماية ليتسلل الي مسامعها صوت بكاءه الأشبه بمواء القطط ، ضعيف...خافت...متألم! وهي خير من يميز الأصوات المتألمة نفت برأسها وهي ترفع الغطاء علي وجهها وتضع كفيها علي أذنها حتي لا تستمع له حتي بدأت تبكي هي الأخري! ثم مددت كفها بارتعاش ورجفة تعتريها لتتلمس وجهه بحذر ورهبة! قربته قليلاً من جسده ليفتح عيونه الزرقاء المماثلة لعينيها ليخفق قلبها بشدة! لتهمس بتقطع وارتباك كطفلة صغيرة :
- م...متعيطش !

اعتدلت قليلاً لتحمله بارتجاف وحذر وكأنها تحمل قطعة زجاج! تخاف ان تكسرها ليهدأ بكاء الصغير ما ان حملته وهو يطالعها بتلك الأعين الجميلة لتهمس مرة أخري وكأنه سيجيبها! :
- أأا ...انت ابني...انا ؟
فاضت عيناها بالدموع حين أمسك اصبعها بكفه الصغير ذو الملمس الناعم لترتسم ابتسامة شاحبه علي وجهها وروحها المتعبة لتبدأ في محاولة ارضاعه بحيرة وتشتت ظلت لبضع دقائق حتي استطاعت فعلها ليخلد الصغير الي النوم بعد ان ارضعته وقد انتظرها ليومان! قبلت الصغير الساكن بلا صوت بلطف وأعين لامعة وهي تغادر الغرفة...
End flah back

خصلاتها السوداء بتموجاتها الناعمة تتطاير حول وجهها بفعل الرياح ووجها أحمر من الارتباك لتصيح بعصبية متوترة من معرفته للأمر فقد ظنت انهم سيعلمون بذلك بعد انتحارها :
- انت ليه مش عايز تفهم ؟ انا معدتش نافعة انا جثة ! فاهم يعني ايه جثة ؟ يعني نفس خارج ونفس داخل...انا فشلت اكون زوجة كويسة وبنت كويسة وهفشل اكون ام كويسة ! انا معادش عندي طاقة لأي حاجة...انا عصبية ومتكبرة ومليانة كلاكيع وعقد والناس كلها بتخاف مني ومعنديش قلب !
اجابها بابتسامة صادقة :
- وانا بارد وكنت عديم المسؤولية ولسه بتعلمها جديد وعرفت ستات بعدد شهر راسي قبلك...وبحبك !

نظرت له بيأس ليشبك اصابع كفه مع اصابعها هامساً بنبرة عاشقة :
- بحبك وقابلك بكل عيوبك زي ما انتي بتحبيني بالظبط...اديني فرصة ادخل دنيتك واشوف تعبك...رغم حبك ليا عمرك ما حكتيلي حاسة بايه ولا ايه الكوابيس الي بتشوفيها كنت بتهربي من تعبك وبتخبيه عني...
ظلت تبكي في صمت وهي تستمع لكلماته التي تضرب صميم قلبها تنهد ليتراجع للخلف وينزل عن سور السطح وهو يمد كفه لها هامساً بصدق :
- سبيني أداوي جروحك يا ميرا وخلينا نبدأ من جديد !

ابتسمت ساخرة وخرج صوتها متحشرج هامساً يحكي سطوراً من ألم :
- فات الأوان...جروحي عاملة زي السلسلة الي تحس انها بتسحبك لتحت...وانا...انا وصلت للقاع !
التفتت له تطالعه بأعين شاردة متعبة وابتسامة شاحبه وكأنها لا تشعر بتلك الدموع التي تنهمر بغزارة علي وجنتيها أثارت قلقه هامسه بحروف ضائعة يتخللها ألم ينبع من وجدانها :
- ب...بحبك !

اتسعت عيناه وارتفعت نبضات قلبه برعب! وهو يري جسدها يميل للأمام وهي تفتح ذراعيها للهواء و تغمض عيناها بقوة وتستسلم لمصيرها الذي اختارته لأول مرة بلا تدخل القدر!
لكنه كان الأسرع ليلتقط ذراعها قبل السقوط ويسحبها ليسقط كلاهما علي الارض وهي فوقه احتضنها بقوة وهو يلهث بعنف فتلك المختلة كادت ان تتركه في لحظات! لن يكذب ان قال انها اصعب اللحظات في حياته ليعتدل ويعكس وضعهم لتكون هي اسفله ليقبض علي خصلاتها هادراً بعنف وعصبية :
- اقسم بالله مجنونة وهتجنيني معاكي ! انتي واخدة بالك انك كنت هتسبيني ؟ كنتي هتموتي ؟ وانا الي قلت بتعرف غلاوتها عندي يخربيت دماغك !

نظرت له بنظرات مشتعلة لتصرخ به وهي تحاول دفعه :
- ابعد عني...ملكش دعوة انا حره !
صاح بها بعصبية ولم تحركه حركاتها الضعيفة للتملص من بين يديه :
- لولا تعبك وحالتك والله مكنت سبت فيكي حتة سليمة واجدعها دكتور مش هيعرف يلصمك !
التمعت عيناها بشراسه هادرة :
- جرب كده تعملها وتمد ايدك عليا وانا اكسرهالك يا ابن فريدة !

اندهشت من ردة فعله فللعجب ابتسم! ولم يكن يبتسم سوي لعودة شراستها التي بات يعشقها واشتاق لها حق دفن رأسه برقبتها تحت صدمتها ليهمس بتعب وابتسامته تزين ثغره :
- وحشتني يا ضبش !
حاولت ابعاده بعصبية وهي تصرخ :
- ابعد عني...ابعد بقولك انا بكرهك!
لم يبتعد وظل محتضناً اياها لتبدأ قواها بالضعف وتهدأ حركتها وتجهش ببكاء مرير وهي تتعلق بعنقه وقد اشتاقت له هي الأخرى وبشدة ليكون مشهداً تعجز الكلمات عن وصفه بكاءها العالي الذي تزداد وتيرته وكأنها تشكو له ما يؤلمها وهو ايضاً يبكي من أجلها وفرحة لعودتها بكي كلاهما كما لم يبكوا من قبل لكنه تعاهد سراً ان تكون هذه اخر مرة تعرف الدموع الطريق اليهم...

ابتسمت لها بحنان قائلة :
- زهرة انا مش همنع وجودك هنا انا خلاص تخطيت الموضوع وفهمتك وانا مقدرة ان الظروف الي كنتي فيها هي الي خلتك تفكري كده...
ابتسمت لها الأخرى بدورها وهي تحمل حقيبتها قائلة بصدق :
- انا عارفة...بس ده الأحسن صدقيني انا محتاجة اركز في دراستي زي ما دانيال باشا قالي وبعدين انا هاجي في الاجازات مش هسيبكم بردو...
ردت بهدوء ومازال شعلة بسيطة من الغيرة تعتمر بداخلها رغماً عنها :
- زي ما تحبي...

دلف الي المنزل ليقترب ويهتف بجدية حنونة :
- رغم عدم موافقتي لدخولك مدرسة داخلية الا انني احترم قرارك يا صغيرة لكن تذكري سأظل دوماً افضل اب وأفضل اخ قد تحتاجيه يوماً فقط اياك ان تتردي في اللجوء الي في اي مشكلة تواجهك !
ابتسمت بدموع وهي تمنع نفسها بصعوبة الا ترتمي بين ذراعيه وتودعه وليس كحبيب بل كأب فهي بالفعل ادركت ان مشاعرها الاولي ذهبت ادراج الرياح هي لا ترغب سوي باحتواءها كأب لتودعهم مسرعة :
- انا اتأخرت...يلا ربنا يسعدكم ويهنيكم سوا...

خرجت مسرعة لتمسح دموعها فهي حقاً كانت بحاجة لأسرة لكن هذه ليست الاسرة المناسبة لها تماسكت لتصعد الي السيارة وهي تقرر ان تصنع مستقبلاً أفضل والا يشغلها سوي دراستها ستتغير...ستتمرد علي تلك القيود التي صنعها قدرها ولن تلتفت الي الوراء فقط ستمضي بطريقها...

وصلت الي منزلهم وهي تتمسك بذراعه برهبة فهي لم تري الضوء لأكثر من تسعة اشهر وهو يحمل الصغيرين ومجرد ما ان انفتح الباب لتجد اسرته الصغيرة تنتظرهم "سارة" و"الياس" و"داني" و"ليلي"
لتقترب شقيقته الكبرى سريعاً وهي تسحبها لتحتضنها قائلة بدموع :
- حمدلله علي سلامتك يا ميرا...متعرفيش وحشتيني ازاي
ابتسمت لها بارتباك وهي تنكمش خلفه ليأتي دور "ليلي" التي هتفت بابتسامة :
- حمدلله علي سلامتك يا ميرا انتي وقلب عمتو الصغننين ...

قالتها وهي تحمل الصغيرة وتداعبها بلطف ليقترب "دانيال" و"الياس" مصافحين "يوسف" وهتف هو بإنجليزيته :
- اهلا بعودتك سيدة ميرا ...
قاطع حديثهم هتاف "ليلي" بحماس :
- يا قلبي شوفتوا عنيها دي نفس عنيك يا يوسف بس صغيرة خالص...
ابتسم لها الجميع ليردف "يوسف" بمرح :
- عدل ربنا الباشا الصغير خد عنين مامته والانسة العصبية دي خدت عنيا انا...

التف الجميع حول الأطفال لتهتف "سارة" بابتسامة :
- طب سمتوهم ايه ؟
اجابها وهو يتطلع لجميلته المرتبكة بحب :
- نجاة وآسر...
اقترب "دانيال" من ليلي ليهمس بأذنها بعبث :
- بعد رؤية هذه الرضيعة انا لن اتنازل عن واحدة مثلها واريدها مشاغبة ذات شعر بلون العسل تماماً كوالدتها ، اريد نسختك المصغرة !

ابتسمت بخجل وهي تلكزه وبداخلها تتمني مثله ان تحضر طفلة تشبهها حتي تساعدها في مكائدها ضد والدها ثم ضحكت بخفوت علي افكارها المجنونة..
بعد قليل غادر الجميع ليبقوا وحدهم كادت تدلف الي غرفتها ليمسك كفها قائلاً بلطف :
- استني يا ميرا...
نظرت له باستفهام ليسحبها خلفه ولوا الي غرفتهم ليباغتها بسؤاله :
- صليتي قبل كده ؟
شحبت من سؤاله المفاجئ لتردف بارتباك :
- لأ...

اجابها بهدوء :
- ولا انا !
ليسحبها الي المرحاض ويهتف بابتسامة هادئة :
- انا في الفترة الي فاتت دي اتعلمت ازاي اصلي وازاي اتوضي بس مصلتش...كنت مستني ناخد الخطوة دي سوا او مكانش عندي الشجاعة الكافية اني اخدها لوحدي...
طالعته بعدم تصديق وبدأت الدموع تترقرق بعينيها ليبدأ بتعليمها الوضوء كطفلة صغيرة ثم توضأ كلاهما ليغيب ويحضر لها عباءة وحجاب رقيق كان قد اشتراهم مؤخراً  لتصلي بها ارتدتهم بارتباك لتسير خلفه حتي وضع سجادة الصلاة لتقف خلفه وهو يصلي بصوت عال حتي تردد خلفه انتهي كلاهما من الصلاة ليمسك كفها ويداعبه بحنان قائلاً :
- حاسه بايه ؟

اجابته بصدق :
- حاسه براحه غريبة محستش بيها من زمان...
ابتسم قائلاً بهدوء :
- احنا قولنا هنبدأ من جديد وهنواظب علي الصلاة وعلي العلاج بتاعك والجلسات مع الدكتورة ، ايدي في ايدك وهنساعد بعض انا محتاجلك زي مانتي محتجالي بالظبط الطريق طويل بس هنمشيه سوا...

لم ترد سوي بكلمة واحدة هامسه بحروف تقطر عشقاً :
- بحبك !
ولأول مرة في حالة فريدة من نوعها لا يتغير العاشق لأجل معشوقته بل يتغيرا سوياً لأجل كل منهم ليبدأ طريقهم بأيدي متشابكة في ترميم ارواحهم المنكسرة التي خطت عليها خطوط الزمان فقيل قديماً اذا لم يصلح الزمان ما احدثه من كسور بين ثنايا روحك سأحطم روحي كالزجاج المنثور وأصلح بها ما فرغ من روحك المظلمة...

... بعد مرور خمس سنوات ...
دلف الي المنزل بعصبية مفرطة لتقف والدته في طريقه قائلة بارتباك :
- الياس حبيبي كويس انك جيت كنت عايزاك تركبلي اللمبة بتاعة أوضة المخزن علشان باظت !
قبض علي كفه بعصبية قائلا‘ من بين اسنانه :
- بقولك يا حاجة وسعي من سكتي مش هتداري عليهم زي كل مرة !

لمح الصغير يركض لأعلي ليصيح بتوعد وهو يلحقه :
- خد يالا فاكر اني مش هعرف اجيبك يا بتاع ميس انشراح ؟
كاد يصعد خلفه لتقف بطريقه "سارة" وهي تهتف بدلال مبالغ به لا يليق بها :
- انت جيت يا الياس...وحشتني...كل ده تأخير ؟
رفع حاجبه بتعجب ليهتف باستغراب :
- ده علي اساس انك كده بتتدلعي ولا دي بواد اغماء ؟ اخفي من وشي انتي كمان يا سارة الله لا يسيئك...

احمر وجهها بحرج ليبعدها عن طريقه ويصعد الي الأعلى دلف الي الغرف يبحث عنهم بلا جدوي حتي استوقفه صوت بخزانة ملابسة فتحها ليجد صغيرته الشقية مختبئة بها وتخبئ وجهها بين كفيها ليهتف بتوعد :
- قفشتك يا ام اتنين من خمسين !
صرخت بفزع ليسحبها من ملابسها من الخلف كالمجرمين! صائحاً بعصبية :
- الهانم كانت بتبيع لبن طول السنة ؟ لعبت في ورقتها البخت علشان تجيب الدرجة دي ؟

اخفت ضحكتها لتجيبه ببراءة كالقطط :
- أصل الامتحان كان صعب يا بابي والمستر اصلاً مستقصدني قلتله انا بنت المقدم الياس راح مشوحلي بأيده كدهو علي اساس  مش هامه يعني ...
قالتها وهي تلوح بيدها ليهتف بغيظ :
- يابت بطلي لماضة اعمل فيكي ايه بس...
سحبت نفسها لتركض الي الخارج سريعاً وهو يلحقها بعصبية ليجد "مازن" يركض الي الأسفل ليخلع حذائه ويلقيه عليه هادراً :
- تعالالي يا عاقل يا كبير يالي مبوظهم...

هبط الي أسفل ليجدهم جميعاً منكمشين ببعضهم خوفاً من غضبه لتهتف والدته سريعاً بغضب :
- جري يا الياس مربي للعيال الرعب ليه ؟ بقولك ايه احفادي محدش هيجي جمبهم لحسن اسيبلك البيت ومحدش يعرفلي طريق !
رفع حاجبه بدهشة لتؤيدها "سارة" قائلة بحزن مصطنع :
- ايوة يا ماما وانا كمان هاخد بنتي وولادي وهاجي معاكي مهو محدش بيهتم بينا في البيت ده !

لتشرع في بكاء زائف ووالدته كذلك حتي تلك الصغيرة الشقية انضمت لهم ليهتف من بين اسنانه :
- مهو دلعك انتي وامي ده الي مبوظهم...مش عارف اربي عيالي بسببكم !
ليكمل بعصبية :
- البيه الكبير عاملي بلطجي وماشي يضرب اي حد يكلم يزن او تقي المدرسة كلها بقت تخاف تقرب منهم والمدرسين بيشتكوا والبيه الصغير سي روميو راح يحب مدرسته الي عندها 30 سنة ومقضيها ورد وغراميات ودور العاشق الولهان ! ولا السنيورة الي الاصفار منورة ودرجاتها في النازل !

لتصيح "سارة" بغيرة :
- وانت عرفت منين ان عندها 30 سنة يا سي الياس ؟
ضرب كفه بالأخر قائلاً بدهشة :
- احنا في ايه ولا في ايه يا سارة بقولك مصايب عيالك وانتي تقوليلي مدرسة ومش عارف ايه !
دفعها برفق ليجلس علي الاريكة بضيق وهو يكتف ساعديه امام صدره ليقترب منه الجميع فتجلس والدته بجانبه وزوجته من الجهة الأخري و"يزن" و "تقي" جلسا علي ركبتيهما امامه و"مازن" وقف خلفه لتقبله والدته من وجنته قائلة بابتسامة :
- متزعلش نفسك يا الياس...

لتقبله "سارة" من الجهة الأخرى قائلة برقة :
- خلاص بقي يا الياس...
لتقبل صغيرته كفه وهو مازال عابساً قائلة ببراءتها المحببة الي قلبه :
- انا اسفة يا بابي اوعدك هذاكر وهجيب درجات احسن بس انت متفضلش زعلان...
ليقبل "يزن" كفه الاخر قائلاً بضيق طفيف :
- اخر مرة يا بابا مش هبعت لميس انشراح جوابات تاني...

ليقول "مازن" بأسف :
- اسف يا بابا هحاول اتمالك اعصابي بعد كده...
ابتسم رغماً عنه قائلاً بمرح متحسراً علي حاله :
- دانتوا مش بتاكلوا بعقلي حلاوة دانتوا بتطفحوهالي طفح !
ضحك الجميع وهم يحتضنوه بقوة وهو يضحك من هجومهم فحقاً لا يستطيع ان يغضب منهم لوقت طويل طالما اجتمعوا عليه فتلك أسرته الصغيرة التي يعشقها فهذا عوض الله وما أجمله عوض...

ابتسمت بخجل وهي تستعد بذلك الفستان الوردي القصير لتضع اللمسات الاخيرة بمساحيق التجميل لتخرج من الغرفة ما ان استمعت لغلق الباب لتجده يتمتم بضيق :
- الزحمة...مش معقوله...والسواقين...بيتخانقوا علي كل مشكلة...في الساعة !
ضحكت بخفوت علي لغته العربية التي مازالت ضعيفة نوعاً ما فهي الي الان تجمع كلمتين من حديثه لتكون جملة مفيدة! لتهتف بمرح :
- ايه الي مزعلك بس يا انجليزي ؟

ابتسم تلقائياً ما ان رأها ليسحبها ويجلس علي قدميه كعادته ويحكي لها يومه ليهتف بلغته :
- يا اللهي لقد اشتقت للندن كثيراً وتلك البرودة انا اكتشف شيئاً جديداً كل يوم بهذه البلاد !
عبست قائلة بعتاب رقيق :
- آدم مش اتفقنا منتكلمش انجلش تاني علشان تتعود علي العربي ؟
تأفف بضيق قائلاً بتقطع :
- حاضر...مش...هتكلم انجليزي...واتكلمت...عربي
ضحكت بخفوت لتهمس بجانب أذنه :
- انا قررت افك الحظر وابسطك !

ابتسم قائلاً بعدم فهم :
- يعني ايه ابسطتك ؟
مالت علي مرة اخرى هامسه بعبث :
- يعني انا حامل و هجبلك مصيبة تانية شبهي يا انجليزي !
صاح باستنكار مندهش :
- انتي تمزحين ؟ انتي حقاً حامل ؟

ضحكت من صدمته فهي قد قررت تأجيل الانجاب ليستمتعوا بحياتهم سوياً وقد كانت تنهي دراستها التي اهملتها بالأحداث الماضية ليحملها ويدلف الي الغرفة يضعها علي الفراش قائلاً بتوتر وانفعال :
- من اليوم لا أعمال منزلية ولا خروج من المنزل و...وسأحضر كتباً كثيرة لكيفية التعامل مع الأطفال...حسناً...وسنذهب الي أفضل طبيبة بالبلاد او سأحضر طبيبة من الخارج وأيضاً...

امسكت وجهه هامسة بلطف بلغته فرغم رغبتها في تعلمه العربية الا انها مازالت تعشق لغته كما تعشق كل ما يخصه :
- ششش...اهدأ عزيزي...انا بخير...لا تقلق ستكون افضل اب لها مثلما كنت لي ، أنسيت طفلتك الاولي ؟
ابتسم ابتسامته الجذابة وهو يضم رأسها لصدره قائلاً بحب :
- ومن ينسي طفلة مثلك صغيرتي ؟
هتفت بعبوس بسيط :
- هل ستناديها صغيرتي وتدللها اكثر مني ؟

اتسعت ابتسامتها هامساً بعبث :
- لا ادري...لكن ربما أفعل ان كانت تحمل عينيكي البندقية او تحمل نفس ابتسامتك ويحمر وجهها حين تغضب ربما سأفعل حينها لكنك ستظلين مدللتي الأولي مهما أنجبتي...قطتي البرية !

جلست علي ركبتيها والدموع تنساب ساخنة علي وجنتيها لتهمس بشرود وابتسامة بسيطة :
- يوسف كويس...وآسر تاعبني شوية في المذاكرة ونجاة باقت شقية اوي...انا مبسوطة بس لسه الصورة ناقصة...محتجاكي جمبي...كبرت وبقيت ام ولسه محتاجة حضنك يهون عليا...

قرأت الفاتحة بدموع لتمسح وجهها وتميل لتقبل قبرها باشتياق ومازالت تحسد ترابه الذي احتضن جسدها بدلاً منها شعرت بيده علي كتفها لتنهض ببطء وتندفع بين ذراعيه تتشبث به بتعب فقد اصرت طبيبتها ان تتقبل الماضي ويجب عليها ان تزور قبر والدتها الذي امتنعت عنه لسنوات برهبة الان صارت تأتي من الحين للأخر ليربت علي ظهرهاً بحنان هامساً :
- خلاص كفاية كده يا حبيبتي يلا بينا نروح !

اومأت لتسير برفقته وهو يلف ذراعه حول خصرها بحماية لتنظر خلفها بشرود لذلك التراب الذي لطالما خشته وارتجف بدنها حين تسمع سيرته اليوم تأتيه بلا خوف بلا انهيارات فقط اشتياق لمن فقدتهم ، صعدت سيارتهم ليهتف محاولاً الهاءها :
- علفكرة بنتك باقت عصبية اوي نعمل ايه في جيناتك دي انا مبقتش عارف اتعامل معاها ؟
ابتسمت بشحوب لمحاولاته التي تدركها جيداً لتهتف بصدق :
- يوسف...انا كويسة  !

اوقف سيارته جانباً ليمسك كفها قائلاً بلطف :
- عارف يا ميرا...احنا عدينا كتير...كنا فين وبقينا فين...انا عايز اشوف ابتسامتك عالطول...ابتسامتك الي بتخلي قلبي يتنطط زي المراهقين لحد دلوقتي....
ابتسمت بخجل ليكمل بعبث وهو يهمس بأذنها :
- بس ده ميمنعش انك لسه ضبش !
لكمته بكتفه قائلة بعبوس :
- انت مش هتبطل الاسم ده ؟ ابنك اول امبارح جاي يقولي يعني ايه ضبش يا مامي !
كتم ضحكته ليميل ويهمس بخفوت خطير :
- انتي اد الضربة دي ؟

ابتسمت بمكر لترفع حاجبها قائلة بتحدي :
- اه ومبخافش علفكرة !
ابتسم بغموض ليرفع هاتفه قائلاً :
- ايوة يا لولة بقولك يا قلب أخوكي ابقي خلي حوزك يعدي علي البيت وياخد العيال علشان هغيب اسبوع كده ! هبقي اقولك بعدين...
قطبت جبينها قائلة بدهشة :
- اسبوع ايه ؟ ليه هنروح فين ؟

اعاد تشغيل السيارة لينطلق بها بسرعته الجنونية المعتادة قائلاً بخبث :
- طالعين علي الساحل يا روحي اصلها كبرت في دماغي بصراحة !
ضحكت بدهشة من جنونه لتهتف بابتسامة ماكرة وهي تغمز له :
- ناوي علي ايه ؟
التوي ثغره بابتسامة جانبية قائلاً بخفوت غامض وهو يرد لها غمزتها :
- ناوي علي كل خير يا مزتي !

رواية أحببت فريستي الفصول 31-35 والأخير للكاتبة بسمة مجدي



رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الحادي والثلاثون بعنوان: جروح لن تندمل

تنهد بيأس ليضمها بذراعٍ واحدة وكأنها بعالم أخر...ليستند برأسه علي الحائط خلفه بألم والدموع تسيل علي صفحة وجهه وصمت مخيف الا من صوت أنفاسه المتثاقلة والرؤية تتشوش من حوله وكأن ذلك الظلام يسحبه الي القاع...ليهمس بضعف وتقطع :
- غص..ب... غصب عني...انا مش عايز أسيبك لوحدك !
ليغلق جفونه ببطء مستسلماً لذلك الظلام الذي يسحبه لكن يده لم تفلتها بل ظلت متمسكة بها كقلبه الذي بدأت نبضاته بالتثاقل كأنفاسه الي تلفح وجهها المختبئ بكتفه...

تركض بانطلاق وسط تلك الزهور الخلابة وابتسامة هادئة تزين ثغرها الوردي ، أمسكت بطرف فستانها الأزرق لتدور حول نفسها وشعور بالارتياح يغمرها ونسيم الهواء يداعب بشرتها وخصلاتها السوداء التي تتطاير بفعل الرياح لتسمع صوتاً عذباً يتسلل الي سمعها :
- ميرا !

فتحت عيناها لتصدم بذلك الظلام وتجد نفسها في نفق مظلم مخيف وهدوء مريب وكأن زهورها أضحت رماداً...لتتلفت حولها بخوف فتجد بصيص نور يظهر من نهاية النفق المظلم لتسير ببطء باتجاهه وكأنها مسحورة بذلك الضوء وسط الظلام ليدق قلبها بعنفوان حين استمعت لصوته يناديها لتنظر خلفها لتجده يقف في نهاية النفق من الجهة الأخرى ويضع كفه علي صدره الذي تقطر منه الدماء! وملامحه متعبة يكسوها الألم لا تدري كيف رأته وسط ذلك الظلام الذي يحيطه بعكس الجهة الأخرى للنفق لينادي بصوته الجريح :
- ارجعي ! متروحيش هناك !

طالعته بحيرة وهي تعاود النظر لذلك النور الذي يجذبها لتسيل دموعها كما سالت في الواقع لتنفي برأسها هامسه :
- أسفة !
لتستدير وتخطو ببطء تجاه ذلك الضوء فقد اكتفت من الظلام بحياتها نظرت أرضاً لتجد الدماء تقطر من قدميها رغم عدم شعورها بذلك فلم تهتم لتكمل طريقها حافية القدمين بروح خالية وعيناها الزرقاء تلتمع بوميض غريب لذلك الضوء الذي أنار ظلمة عينيها...وابتسامة شاحبه تلوح علي محياها فاستسلمت لذلك الشعور ومضت بطريقها وهي تصم أذنيها عن صوته الجريح وكأن جراح قلبها قد اكتفت لتحثها علي السير بذلك الطريق وحدها لعلها لن تتألم مرة أخرى...

- ميرا علشان خاطري فوقي ! يوسف محتاجلك !
هتفت بها "ليلي" ببكاء من بين شهقاتها وهي تحاول افاقتها وقد أخبرها احد الحراس ان المسعفون اخبروهم انها في حالة صدمة وليس بها مشكلة عضوية ، تذكرت ما حدث قبل بضع ساعات...

Flash back.
صرخت برعب وقد ظنت ان الشاحنة ستصدمهم لكنه تدارك الأمر في اللحظات الأخيرة ليحيد بسيارته جانباً بسرعة وتوقف سريعاً قبل ان يصطدم باي شئ أخر ، تنفست الصعداء وهي تلتفت حوله بلهفه :
- داني...انت بخير ؟
تنفس بعمق لينظم أنفاسه ثم التفت له ورمقها بنظرة معاتبة وكأنه يقول ألم تطلبي الانفصال من دقائق فكيف تقلقين علي حالي ؟..

تلمست وجهه وذراعه بلهفه والدموع تتجمع بعينيها البندقية وتوقفت حين رأت نظراته المعاتبة كادت تعتذر ليشير لها بكفه بالصمت ثم اردف بهدوء :
- لم أكن يوماً متجبراً ولن أقيدك بي مرة أخرى...لقد اكتفيت من تهوركِ الذي كاد يقتلنا للتو واكتفيت من سعيي خلفك لأنال رضاكِ ! انا لن أتزوج بفتاة مندفعة لا تعي عواقب حديثها وكلامتها القاسية التي لا تنفكين رميي بها ! انا سأعود للندن وبرفقة أبي ولن اتخلي عن تلك الصغيرة وسأواصل اعتنائي بها حتي ولو اكن موجوداً !
اتسعت عيناها بخوف وهي تنفي برأسها هامسة :
- لا تقل انك تريد تركِ ! انا اعلم اني أخطأت و...بي عيوب كثيرة لكني أحبك !

مسح علي خصلاته بضيق بدلاً من ان يتهور ويمسح علي خصلاتها ويحتضنها بقوة ليردف :
- الحب ليس كل شئ ليلي ! انا لم أعد أحتمل كلماتك الجارحة وخيانتي التي تذكريني بها بكل مشكلة تقابلنا مهما كانت صغيرة! ستظل خيانتي السابقة عائق بعلاقتنا دوماً...انتِ لم تتخطي هذا اليوم بعد ولن تفعلي ! لذا من الأفضل ان ننفصل بهدوء...
ضاقت ذراعاً به لتصرخ بانفعال بلا تفكير :
- تتحدث وكأنك لم تخطأ من قبل ! انت الخائن لست أنا ! وانت أيضاً بك الكثير من العيوب فانت خائن ومغرور وسريع الانفعال...انت لا تبرع بشئ سوي التخلي عمن يحبك لقد تخليت عن ابيك فلما انتظر ان تتمس...

قاطع استرسالها في الحديث صفعته المدوية علي وجهها! اتسعت حدقتيها بعدم تصديق وذلك الألم الذي غزا وجهها كما قلبها الذي تسارعت دقاته لتطالعه بصدمة كما صدمته مما فعل فهي أول امرأة يرفع يده عليها ومن ؟ صغيرته...مدللته...عشقه ! لكن حقاً لم يتمالك نفسه فقد تخطت كل حدودها! لتمسح دموعها الهاربة بعنف وهي تطالعه بنظرات مشتعلة ليهتف بتردد :
- ليلي...انا...لم.

قاطعته بحده وقد عادت لشراستها فمهما كان قريباً علي قلبها فلن تسمح له بإهانتها :
- أنت محق ! انت لن تستطيع البقاء مع فتاة مليئة بالعيوب مثلي وانا لن استطيع البقاء مع شخص همجي !
فتحت الباب وكادت تترجل ليمسك ذراعها قائلاً بأسف :
- انتظري...انا لم أقصد فعل ذلك انا فقط...
كادت تصرخ بوجهه ليقطع ذلك الشجار رنين هاتفها لتجيب وهي مسلطة نظراتها الحادة تجاهه لتختفي حدتها وتصيح بقلق :
- انت بتقول ايه ؟ أخويا ماله ؟

ليجيب الطرف الاخر بأسف :
- احنا لسه منعرفش ايه الي حصل كل الي وصلنا رسالة من يوسف باشا اننا نجيله ولما وصلنا لقينا صاحب يوسف باشا مقتول والباشا متصاب برصاصة والاسعاف لسه ماشية من دقايق وانا المفروض اروح وراهم بس مقدرش اسيب ميرا هانم لوحدها وسارة هانم تليفونها مقفول فلازم حضرتك تيجي !
ابتعلت غصة بحلقها لتقول بنبرة باكية :
- مش فاهمه وميرا مراحتش معاه ليه هي كمان حصلها حاجة ؟
اجابها بغموض :
- أفضل حضرتك تيجي بنفسك واول ما نطمن علي يوسف باشا هبلغك ! وهبعتلك العنوان في رسالة...

اغلقت الهاتف بصدمة ليقول بتساؤل :
- ما خطبكِ ؟ هل كل شئ علي ما يرام ؟
وكأنها نست صراخهم منذ قليل لتهتف ببكاء وهو يتجول بعينيه علي ملامحها المصدومة :
- يوسف في المشفى اصيب بطلق ناري وزوجته لا أعلم ما بها !
استرسلت في حديثها ببكاءٍ حتي ادار السيارة ليهتف مطمئناً :
- سيكون بخير لا تقلقي...

أمسكت كفه ببكاء وقد هالها ما سمعته حتي نست خلافهم وحتي انفصالهم! ليصل الي العنوان الذي ارسله الحارس ليترجل كلاهما ويسيرا نحو الداخل لتنصدم بزوجة أخيها تلك المرأة القوية التي لقبتها يوماً بالمرأة الحديدية التي أخافتها شراستها رغم اعجابها بها تستلقي أرضاً متكومة بوضع الجنين تضم جسدها المرتجف وعيناها شاردتان في الفراغ والمنزل وكأن اعصار ضربه فكل شئ محطم والدماء تلون الارضية! لتقترب ببطء وتهبط جوارها قائلة بصدمة :
- ميرا !
End flash back.

انتشلها من شرودها يده علي كتفها لتطالعه بحزن وتهتف بتساؤل قلق :
- كيف حال أخي ؟
طالعها بشفقة ثم جال ببصره علي تلك النائمة علي الفراش بلا حول ولا قوة وكأنها بعالم غير عالمهم ليجلس علي ذلك المقعد امامها قائلاً :
- لقد تخطي مرحلة الخطر...لقد اصابت الرصاصة جانب قلبه ببضع سنتيمترات لولا ذلك لكان الأن في عداد الموتى لكنه سيكون بخير...كيف حال تلك المسكينة ؟
اجابته بشرود وهي تلمس علي خصلاتها بحنان وأعين دامعة :
- لقد رحل الطبيب منذ قليل واخبرني انها بحالة صدمة و ليست بخير علي الاطلاق ويجب نقلها لمصحة نفسية !

أجابها بأسف :
- ذلك الأفضل لها فلا نريد لحالتها ان تزداد سوء...
لتهتف باستنكار وانفعال :
- ما اللعنة التي حدثت لهم ! من اطلق النيران علي اخي ومتي عادت اليه ؟ ومن ذلك الشخص الذي وجدوه مقتولاً ؟ انا سأجن ولا اصدق ان تلك التي أمامي هي ميرا التي كنت أخشاها يوماً بهذا الضعف وهذه الحالة !
اردف بنبرته الهادئة :
- سنعلم كل شئ حين يفيق شقيقك واتمني ان يفعل ذلك قريباً !

زأر بشراسة ليندفع كالوحش الكاسر وهو يضربهم بعنف غير عابئاً كون ذلك جريمة يعاقب عليها فقط ما يهمه صغيرته حتي "سارة" انصدمت من تلك الشراسة التي لم تراها به يوماً!
ليتكالبوا عليه ويقيدوا حركته فيصرخ بعصبية :
- سيبوني ! وديني لأقتلكم ! بنتي محدش هيقرب منها !
هرع أحدهم للداخل رغم محاولات "سارة" لمنعه وخرج بعد قليل حاملاً الصغيرة الباكية التي تصرخ بخوف :
- باااااابي !

وتمسك الصغيران بساق والدتهم ببكاء خائف ، زاد هياجه حين وصل لمسامعه صراخ طفلته لتصيح "سارة" بعصبية :
- سيبوهم ! انتوا اتجننتوا !
ليصرخ بعصبية مفرطة حتي تثاقلت أنفاسه وشعور بالخدر يسري بجسده ليتركوه فيرتمي جسده أرضاً من فرط عصبيته وهو يلهث بعنف والاصوات تتداخل بعقله وتتشوش الرؤية لتنغلق جفونه علي مشهد أخير بركض "سارة" نحوه بهلع والضباط يرحلون وصغيرته تصرخ ببكاء وتمد يديها له حتي اختفي صوتها حين صعدوا لسيارتهم واختفت كما اختفي وعيه ليغمض عيناه هامساً بتقطع ثم استسلم لذلك الدوار الذي يفتك به :
- سيبوها...بنتي !

ولج الي المنزل حاملاً الصغيرة التي نامت من كثرة بكاءها لينادي بصوته الخشن :
- سميرة ! انتي يا ولية !
هرعت اليه تلك المدعوة "سميرة" بتأفف :
- جاية يا اخويا فيه ايه الدنيا هتطير !
لطمت علي صدرها قائلة بصدمة :
- مش معقول ! دي البت مني بنت اختي ! لقيتها فين يا منيل ؟!

القي بالصغيرة علي الاريكة بفظاظة غير عابئاً بجسدها الصغير ليجلس قائلاً بصوته الغليظ :
- كنت رايح اقضي مصلحة في حته نضيفة لقيت المزغودة دي مع واحدة ست شكلها من الناس الأكابر وخارجين من مول واحنا الي بندور عليها بقالنا سنة طلعت عايشة عيشة فل واحنا الي طالع عنينا بسببها !
جلست بجواره ترمقه بغيظ قائلة :
- انت نسيت عملت ايه يا عبد الفتاح ؟ مش انت بردو الي رحت طلعتلها شهادة وفاة والبت تايهه ؟ وخليت الورث يروح علينا !

اجابها بغلظة :
- مكفياكي تقطيم بقي يا ولية ! مكنتش اعرف ان الورث هيروح لما البت تموت ! وبعدين مش هي الي هربت ؟! دانا طلع عيني علما جبتها ده طلع ظابط متبنيها وخدت علقة محترمة انا والظباط الي راحوا معايا علشان نعرف تاخدها !
شهقت باندهاش :
- بقي الي عمل فيك كده جدع بطوله ! دانا فكرت شوية بلطجية اتلموا عليك ورنوك العلقة دي !
استشاط غضباً من شماتتها الخفية ليدفعها بغلظة :
- طب اخفي من وشي يا سميرة لحسن ارنك نفس العلقة دي !

ابتعدت بامتعاض وهي تتمتم بتأفف :
- مش فالح غير يمد ايده عليا اما غيري يضربه ميقدرش يتكلم...رجالة أخر زمن !
رفع حاجبه صائحاً باستنكار :
- بتبرطمي بتقولي ايه يا بومة سمعيني ؟!
اجابته بامتعاض وسخرية متوارية :
- بقول هقوم احضرلك لقمة ترم عضمك بيها يا سبع الرجالة !
تغاضي عن سخريتها فليس به طاقة ليضربها ككل مرة يشعر برجولته تسقط! وكأن ضربها يعيد له القليل من ثقته بقدراته!
فتحت جفونها بضعف لتفرك عينيها بعبوس من اثر بكاءها لتنظر حولها لتشهق ببكاء حين أدركت انها عادت لذلك المنزل ليدور عقلها بمشاهد من الماضي...

Flash back.
سارت في الطريق الي المنزل تدور حول نفسها وتبتسم بسعادة وبيدها حلواها المفضلة التي خرجت لتشتريها لتقف بصدمة وهي تجد منزلها تأكله النيران من كل جهة لتسقط حلواها أرضاً وتركض باتجاه منزلها لولا جارتها التي امسكت بها واخذتها بعيداً رغم صراخها ومحاولتها الافلات وهي تصيح بانهيار لا يناسب سنها الصغير :
- مااااامي !

احتضنتها بقوة وهي تبكي بكاءٍ عنيف! والأخيرة تربت عليها بشفقة وقد وصل رجال الاطفاء محاولين اخماد تلك النيران لتشعر بسكونها بين ذراعيه ابعدتها لتجدها فقدت وعيها لتهتف بشفقة :
- اغمي عليكي يا حبة عيني...غلبانة اتيتمتي بدري !
اخذتها لتتجه بها الي منزلها ، سلمتها بعد يومان الي خالتها وزوجها فهما أصبحا الوصيان عليها وعلي كل ما ورثته من أبيها الذي وصل الي المنزل قبلها بدقائق ومات محترقاً كزوجته بسبب تركها لغاز الموقد وقد نست اطفاءه ليشتعل المنزل بمجرد دخول زوجها واشعاله لسيجارته! أخذتها خالتها والتي ما ان عادت معها خرجت عن صمتها قائلة بنبرتها الطفولية الهادئة :
- هو انتي مين ؟

وقتها علمت خالتها وزوجها ان الصغيرة فقدت ذاكرتها من اثر الصدمة لتبدأ تعاستها مع زوج خالتها غليظ الطباع ودارت مشاهد أخرى حين طلبت منه باستحياء :
- عمو...انا عايزة حاجة حلوة !
رفع حاجبه هادراً باستنكار :
- عايزة ايه يا روح *** ؟ هو انا خلفتك ونسيتك يا بت ؟

ودفعها بخشونة لتسقط ارضاً وتطالعه بأعين دامعة وجسدها يرتجف بخوف لتنهض وتدلف الي غرفتها تختبأ بها من بطشه ومشاهد أخري كثيرة من قسوته وقسوة خالتها التي لا تستوعب حقدها ونظراتها الغاضبة دوماً رغم انها لم تخطئ! ليأتي يوماً وتشهد علي شجارهم بإحدى نوبات جنونه الذي انتهي بضرباته العنيفة لخالتها ثم خلع حزامه لينهال عليها بلا رحمة ظنت انه سيحين دورها ويقتلها كخالتها فقط ظنتها ماتت من ارتخاء جسدها الزاخر بالكدمات وتغطيه الدماء لتهرب من المنزل مستغلة التهائه بقتل خالتها كما تظن لتتجول بالشوارع بلا هدي وهي ترتجف بخوف ولا تتوقف عن البكاء حتي اقترب شاب ليجلس علي ركبتيه أمامها قائلاً بابتسامة خبيثة :
- ايه يا عسل انتي تايهه ؟

نظرت له بخوف ولم تجيبه ليكمل بلطف زائف :
- متخافيش...تعالي معايا اوديكي عند ماما !
عبست ملامحها لتجيبه بصوت خافت باستغراب :
- هو انا عندي ماما ؟
رغم استغرابه من سؤالها اردف مبتسماً وهو يحملها ويسير بها :
- اه طبعاً هو في حد معندوش ماما ؟

بعد ذلك انقذها أبيها الروحي "إلياس" لتعيش في كنفه مطمئنة البال ولم تخبره عن خالتها حتي لا يعيدها اليهم مرة اخرى الي ان رأت ذلك الرجل المخيف زوج خالتها اثناء تسوقها برفقة والدتها الروحية "سارة" لا تدري كيف تذكرت كل ما حدث لها لتنهار باكية بخوف بين يديها!
End flash back.

شهقت بخوف تزامناً مع تعالي دقات قلبها الصغير رهبه من دخوله مبتسماً بخبث وبيده عصا خشبية صغيرة ليهتف بصوته الغليظ :
- والله ليكي وحشة يا بت ! بقي كده حد يهرب من عمه ؟ بس بردو معاكي حق مانا كنت مدلعك ! والبنات مينفعش معاهم دلع يتعوجوا لو مخدوش علي دماغهم !
صرخت بهلع حين اقترب منها ملوحاً بتلك العصا الخشبية ليصيح :
- بت يا سميرة ! اقفلي الباب مش عايز صوتها يطلع بره !
ولجت الي الغرفة تطالع الصغيرة بشماته لتقول بطاعة :
- من عنيا بس خلي بالك متشدش عليها اوي ليحصلها حاجة وتجبلنا مصيبة !

لتخرج وتغلق خلفها الباب وهي تضع حجراً من قسوة علي قلبها وتستمتع بصرخات الصغيرة المتألمة وكأنها سنفونية عذبة علي مسامعها لتهتف في نفسها بشماته :
- زي ما خدتي مني الراجل الي حبيته وخليتني البس في الراجل ال*** ده لأدوق بنتك المر ومخليهاش تتهني يا بنت امي وابويا !

بعد مرور شهر... !
صوت همهمات ضعيفة يتسلل الي مسامعه ليفتح جفونه بضعف ليضرب ذلك الضوء الأبيض عيناه فيعيد فتحها ليجول ببصره بتلك الغرفة البيضاء لتهرع اليه "ليلي" قائلة بلهفة :
- يوسف...حمدلله علي سلامتك ! حاسس بايه ؟
حول بصره ناحيتها ليحاول النهوض والجلوس باعتدال بصعوبة من ذلك الألم بصدره ليسألها بنبرة جافة :
- هو ايه الي حصل ؟وانا بعمل ايه في المستشفى ؟

ابتلعت غصة بحلقها وهي تتهرب بعينيها ولا تدري ماذا تجيبه ليبدأ عقله بتذكيره بكل ما حدث حين اختطفها من ذلك الزفاف وانهيارها بين يديه تذكر تلك الليلة التي تمسكت به حين وضعها علي الفراش في دعوة صامته ورغم حالتها الغريبة لم يستطع الا ان يلبي نداءها فقد اشتاق لها كثيراً وحمد ربه كثيراً انها لم تتذكر ما حدث تلك الليلة فقد غير لها ثيابها حتي لا تزداد غضباً حين تعلم لينتهي اليوم بخلافهم وتركه للمنزل ثم اتسعت عيناه بادراك حين تذكر محاوله صديقه لاغتصاب جميلته وحضوره بالوقت المناسب وقتله لصديق عمره! وحالتها التي اصابها قبل ان يغيب عن الوعي ليهتف بانفعال متلهف :
- ميرا فين ؟ وانا هنا من امتي ؟

اجابته بقلق :
- يوسف...ارجوك اهدا العصبية غلط عليك !
ليهدر بعصبية غير مبررة وهو يحاول النهوض ونزع تلك الأسلاك المتصلة بجسده :
- ردي عليا ! ميرا فين ؟
اجابته مسرعة كي لا تسوء حالته :
- انت هنا من شهر علشان دخلت في غيبوبة وميرا...
بللت شفاهها لتقول بتردد :
- ميرا...جالها حالة صدمة ودخلت مصحة نفسية !

صعق من حديثها ليعود ليفيق ويصرخ بها بانفعال :
- انتوا اتجننتوا مين سمحلكم تعملوا كده ؟ ميرا مش مجنونة علشان تدخلوها مصحة ! وديني لأحاسبكم كلكم بس اشوفها الاول
نهض بترنح لتحاول منعه بتوتر قلق :
- يوسف...علشان خاطري اهدي والله ده لمصلحتها...طب هتروح فين بس ؟
دفعها بخشونة ليندفع ويفتح الباب فيجد حارسه الذي هرع اليه بلهفة :
- يوسف باشا...حمدلله علي سلامتك...حضرتك رايح فين بس ؟
ليمسكه من مقدمه بذلته ويجذبه نحوه ويهمس بتهديد رغم لهاثه :
- وديني عند مراتي...حالاً !

ازدرد ريقه ليقول بتردد :
- بس يا باشا كده خطر عليك...سيادتك لسه تعب...
قاطعه لكمته العنيفة رغم اجهاده الواضح ليعود ويجذبه قائلاً بلهاث :
- بقولك وديني عند مراتي لحسن ادفنك مطرحك !

اومأ له بقلق وهو يسنده حتي لا يسقط من شده الألم الذي ينحر صدره صعد الي السيارة ليستلقي بتعب حتي وصل به الي المشفى ليصعد بخطوات مترنحة من الألم ليرشده احد الممرضات علي غرفتها لم يستمع لتحذيرات الأمن ان الزيارة ممنوعة ولا صوت الطبيبة ليدفع باب غرفتها ليجدها جالسه علي فراشها تطالع الفراش بتلك الثياب البيضاء التي تخص المشفى وعيناها الجميلة فقدت بريقها اقترب ببطء ليجلس امامها ويحاوط وجهها بكفيه هامساً بلهاث وقد تحررت دموعه الحبيسة :
- انا جيت يا روحي...يوسف جه متخافيش...عملوا فيكي ايه يا حبيبيتي ؟

رفعت بصرها لتطالعه بأعين خاوية وكأنها تعرفت علي صوته ليستند برأسه علي جبهتها بضعف ولا يصدق وجودها بهذا المكان ليبتعد قاطباً جبينه وهو يتسأل بصدمة :
- ميرا...انتي مش بتردي عليا ليه ؟
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثاني والثلاثون بعنوان: سأرحل

عودة للوقت الحالي...
فتح عيناه ليبتسم بنعاس وهو يتطلع عليها فهي منكمشه بين ذراعيه كطفلة صغيرة ابتعد بحذر ليسند رأسها علي الوسادة ويميل ويقبل وجنتيها ثم ينهض ويدلف الي المرحاض ، خرج بعد دقائق ليفتح الباب ويهتف بأمر لحارسه بنبرته الباردة :
-عايز القهوة بتاعتي...وبلغ السكرتيرة تلغي اي مواعيد إنهارده !

اومأ سريعاً لينصرف وينفذ ما أمره به ، عبث بخصلاته البنية التي طالت قليلاً ليجدها استيقظت من نومها ابتسم تلقائياً ما ان فتحت عيناها الزرقاء رغم بهوتها وفراغها الواضح الا انها مازالت محتفظة بجمالها الذي جعله يقع صريعاً لهواها اقترب ليحملها كعادته لتتعلق برقبته ويجلس علي الأريكة بجوار فراشها وهو يضعها علي ساقيه وتستند برأسها علي صدره بشرود كعادتها ليبدأ في اطعامها وهو يقبل وجنتيها من حين لأخر حتي دلفت الطبيبة قائلة بابتسامة  :
- صباح الخير...

سرعاً ما غزت الحمرة وجهها حين راته يطعمها بتلك الطريقة ، أخفت ضيقها ليجيبها ببرود ولم يغير من وضعهم بل مازال يطعمها ويقبلها وكأنهم بمفردهم! :
-صباح الخير يا دكتور...
جلست وهي تتحاشي النظر اليهم قائلة بعملية :
-انا شايفة تحسن كبير في حالة مدام ميرا بس عايزة اتناقش مع حضرتك في طريقة علاجها صدقني الي حضرتك رافضه ده هيساعدها جداا !
رمقها بنظرة مشتعلة لتتمني لو لم تتحدث بهذا الأمر ليشيح ببصره وهو يحملها ويضعها علي فراشها ويدثرها بغطائها ثم التفتت ليجلس أمام الطبيبة قائلاً بتهديد بارد :
-شوفي يا دكتورة رضوي قسماً عظماً لو فتحتي الموضوع ده تاني هيبقي فيها موتك ! وانتي عارفاني مبهزرش !

ابتلعت غصة بحلقها بخوف لتردف بارتباك محاولة اقناعه :
-يا يوسف بيه حضرتك فاهم غلط احنا مش هنأذيها ونسبة الكهربا بسيطة جداا بس هتساعدها ترجع لوعيها في اقرب وقت !
قست نظراته وهو يردف ببرود :
-انا مش بعيد كلامي مرتين ! علاج بالكهربا ده للمجانين وانا مراتي مش مجنونة وعمري ما هعرضها لحاجة زي دي ولو هتفضل كده بقية العمر !

يأست من محاولة اقناعه لتهتف مغيرة الموضوع :
-طب انا في حاجة محيراني ازاي مدام ميرا حامل في 3 شهور وانتوا اصلاً انفصلتم بقالكم كتير والحالة دي جتلها في وقت رجوعكم زي ما حكيتلي ؟
أشعل سيجارته ليضع ساق فوق الأخرى ليجيبها بلا خجل وكأنه يتحدث عن أحوال الطقس! :
-حصل في نفس اليوم الي خطفتها فيه رغم خناقنا بس هي مكانتش في وعيها وانا كنت مشتاقلها جداا ولما صحيت الصبح مفتكرتش اي حاجة وانا غيرت هدومها علشان متعرفش والخلاف بينا يزيد ، لو خلصتي كلامك ياريت تتفضلي وتبعتيلي الممرضة بالعلاج بتاعها !
نهضت بحرج وضيق من تصرفه وكأنه بمنزله وبنفوذه استطاع المبيت بالمشفى متي شاء تكاد تقسم انه المريض وليس زوجته ويكفي تحملها لطريقته الجافة انه مخيف بحق! وكأنه مصنوع من قسوة وبلا قلب تكاد لا تصدق قصة الحب بينهم!

تأففت بضيق وهي ترفض اتصاله للمرة التي لا تذكر عددها لتصلها رسالة اعتادت وصولها في هذا الوقت يومياً لتقرأها وهي تحارب ابتسامتها من الظهور :
(" دقَاتي تقرعُ كالطبول وتنادي بحروفك وكأن قلبي موشوماً بحبك فارحمي انفاسي التي أبت الخروج دون ان تلامس بوجهك ")
ابتسمت رغماً عنها وهي تقرأ كلماته التي يرسلها يومياً بلا كلل او ملل منذ انفصالهم ، غيرت ثيابها لتغادر المنزل وما ان صعدت الي سيارتها حتي وصلتها رسالة أخرى :
(" جميلة انتِ بفستانك البني بلون عينيكِ البندقية وبتلك الحقيبة السواء التي تماثل اهدابك التي تظلل وهج البندق المميز بقطتي البرية ")

غزت الحمرة وجنتيها لتبتسم وتكمل طريقها وصلت الي مركز التسوق لتشتري ما تحتاجه وما ان وصلت الي سيارتها لتنفخ بضيق :
-ايه الحظ ده ! ده وقته الكوتش ينام !
ابتعدت لتحاول ايقاف سيارة أجرة لتجد سيارته تقف أمامها لينزل النافذة ويهتف بأمر :
-اصعدي...سأوصلك للمنزل !
رمقته بغضب لتلتف وتصعد جانبه قائلة بشك :
-لما اشعر انك من افسد الاطارات ؟
طالعها بعيناه الزرقاء التي تعشقها قائلاً ببراءة :
-بالتأكيد لا ، انا فقط كنت امر بالصدفة فوجدتك لا أكثر !

تنهد ليردف بهدوء :
-ألن تسامحيني ليلي ؟ لقد مضي ثلاثة أشهر منذ تلك الليلة وكلانا أخطأ !
تنهدت بعمق لتردف بشرود :
-أتعلم داني منذ ان كنت طفلة صغيرة اعتدت ان اري الامهات يضربن اطفالهن وبقسوة لكني لم أجربه قط لان أمي لم تضربني انا او شقيقتي من قبل واعتادت ان تقول لنا دوماً اننا لا نضرب سوي الحيوانات ! نحن بشر لنا عقل نتحدث به ونتناقش به ذلك العقل الذي يحل كل الامور التي يعجز العنف عن فعلها ! انا صرت أخشاك داني...واخشي اغضابك...لم أعد أمن نفسي معك !

تألم لحديثها أهذا كان شعورها حين صفعها! رغم بساطة الأمر الا ان كبرياءها عنيد مثله ليهتف :
-لما لا تعطيني فرصة أخرى ! وسأثبت لكِ انني لست سوي أمانك وسأمحو ذلك الخوف من قلبك أعدك !.
دمعت عيناها وهي تهتف بجمود :
-لقد انفصلنا منذ ثلاثة أشهر  داني انت لم تدرك ذلك بعد وهذه ليست مشكلتي !
كان قد وصل امام منزلها لتترجل دون ان تنتظر رده هي بالفعل سامحته لكن يجب ان تجعله يدرك فداحة خطأة والا يتخذها وسيلة للتعبير عن غضبه فيما بعد فاذا صمتت علي فعلته سيكررها كعادة كل البشر...

تسلل الصغير الي غرفته بحذر ليجده جالس وسط الظلام كعادته ليعض علي شفتيه قائلاً بأدب :
-ينفع أدخل يا بابا ؟
لاح شبح ابتسامة شاحبه علي محياه ليهتف بخفوت :
-تعالى يا يزن...
اقترب الصغير ليحمله ويجلسه علي ساقيه قائلاً بحنان :
-ايه يا روح بابا ناقصك حاجة ؟
نفي الصغير قائلاً بنبرته الطفولية :
-لا يا بابا انت بتجبلي كل حاجة بس انا عايزك ترجع تلعب معانا زي الأول ، انت مبقتش تلعب معانا من ساعة ما توتا مشيت !

اختفت ابتسامته ليشعر بألم طفيف يضرب قلبه من سيرة صغيرة التي فقدها ليهتف بنبرة جاهد لإخراجها طبيعية :
-معلش يا حبيبي...بابا تعبان شوية الأيام دي اول ما ابقي كويس هرجع العب معاك انت ومازن...متزعلش مني...
قبله الصغير علي وجنته قائلاً بلطف :
-مش زعلان...وانا هقول لربنا يارب بابا يخف ويلعب معانا...علشان ماما قالتلي لما نعوز حاجة نقول لربنا وهتحصل !
نهض الصغير وغادر الغرفة ، لينظر في أثره بدهشة فهو قد تناسي صلاته في خضم حزنه علي فراق صغيرته وقد نبهه الصغير الذي لم يتعدى عمره بضع سنوات!

لينهض ويدلف للمرحاض ويتوضأ ثم بدأ بالصلاة ليختمها بمناجاة ربه بأن يعيد له صغيرته فقد تعلق بها حتي بات فراق مستحيلاً ليهمس بضعف ولم يشعر بتلك الدموع التي شقت طريقها علي وجنتيه :
-يا رب ترجعلي...انا مقدرش أعيش من غيرها انا معدتش عايز اخلف خلاص انا كنت مكتفي بيها هي ويزن ومازن...قلبي بيوجعني عليها...
بالأسفل دلفت "سارة" الي المنزل برفقة صغيرها "مازن" لتجد والدة زوجها تعد الطعام لتقترب منها قائلة بعتاب رقيق:
-كده يا ماما مش قولتلك انا الي هعمل الأكل وانتي متتعبيش نفسك ؟

اجابتها بابتسامة حنونة :
-ولا يهمك يا حبيبيتي انتي هتعملي ايه ولا ايه ؟ مش كفاية شغل البيت والعيال وكمان انتي لسه راجعة من برا اطلعي غيري هدومك وارتاحي وانا شوية وهخلص الأكل وهبقي اندهلكم !
قبلت كفها بحب قائلة :
-ربنا ميحرمنا من وجودك يا ماما...
علي الرغم من بغضها لها ببداية زواجها الا ان أنها استطاعت استمالتها فأصبحت العلاقة بينهم ودودة ، صعدت الي الأعلى لتجده بنفس جلسته الواجمة متعب الملامح لا ينام الا قليلاً حتي الطعام تجبره علي الأكل بحجة الا يقلده الصغيرين جلست بجواره علي الفراش ليهتف بهدوء :
-مرات أخوكي عاملة ايه ؟

تنهدت بحرارة مردفة :
-يعني في تحسن بسيط ويوسف مبيسبهاش...بس اتغير اوي يا الياس...مبقاش يوسف الي اعرفه طريقته باقت ناشفة وبقي فيه برودة فظيعة وبقي مهمل في نفسه اوي مش بياكل كويس وطول الوقت عصبية وميعديش يوم من غير ما يضرب حد سواء من الممرضين او الحرس بتوعه !
ابتسم ساخراً فهو لا يختلف كثيراً عن حالة شقيقها لتنتشله من شروده قائلة بشفقة :
-مش ناوي تخرج من العزلة دي بقي ؟
اجابها بنفس هدوءه :
-لا مش ناوي الا لما بنتي ترجعلي !

تنفست بعمق قائلة :
-انت عارف ان الي حصل كان صح وكان لازم يحصل ؟
رمقها بتساؤل لتكمل :
-انت كتبتها علي اسمك والتبني حرام شرعاً يعني تقدر تكفلها وتجيب كل احتياجاتها وتربيها وتكبرها بس مينفعش تكتبها علي اسمك ! انا عارفة انك عملت كده مضطر بس طالما اهلها ظهروا يبقي ده الصح !
صمت لا يجد اجابة فهي محقة لتكمل فهي تطرق علي الحديد وهو ساخن كما يقال :
-وكمان متنساش انها مش بنتك بجد...اهلها الحقيقين هما الأحق بيها مننا والله أعلم كانت حالتهم عاملة ازاي لما تاهت !

اشتعلت النيران بداخله ليصرخ بها بعصبية :
-لأ ! تقي بنتي غصباً عن اي حد ومش هتعيش بعيد عني !
ابتلعت ريقها قائلة بمهادنة :
-طب اهدي بس...انا عندي فكرة كويسة تحل الموضوع ده !
نظر لها ليحثها علي الاكمال لتسترسل :
-ايه رأيك تروح لأهلها وتقنعهم نجيبها كل اسبوع مثلاً تقضي معانا يومين وبردو تجبلها اي حاجة ناقصاها وتخرج معانا عادي واهو منه تبقي مبعدتش عن أهلها ومنه بردو تفضل قدامنا !

فكر ملياً في حديثها ليجده منطقياً نوعاً ما لينهض قائلاً بلهفة وهو يخرج ثيابه :
-هروحلهم دلوقتي واكيد هيوافقوا !
ابتسمت بحنو من لهفته الظاهرة وضحكت بخجل حين بدأ يغير ثيابه أمامها لتخفي وجهها بين كفيها حتي انتهي ليقترب ويقبل جبينها مسرعاً ليغادر وهي تناديه :
-طب استني اتغدي الاول  ؟
اجابها مسرعاً وهو شبه راكضاً من فرط لهفته للقاء صغيرته :
-بعدين ، بعدين...

ابتسم بحنو وهو يصنع لها جديلة أنيقة انتهي ليديرها ليلثم جبينها ويداعب وجنتها بكفه قائلاً بخفوت :
-وحشتيني...
قاطع لحظتهم رنين هاتفه لينهض ويخرج من الغرفة وهو يتحدث مع أحد عملاء شركته غير منتبهاً لطبق الفاكهة الذي كان يقطعها لها ونسي أخذ السكين! التي أمسكتها وهي تطالعها بغرابة وعيناها تلتمع ببريق مخيف... !

تناولت طعامها بشرود لينتشلها صوت والدتها بعتاب رقيق :
-رضوي ! ايه يا بنتي بقالي شوية بكلمك ؟!
انتبهت قائلة باهتمام :
-معلش سرحت شوية يا ماما كنتي بتقولي ايه ؟
نظرت له نظرات متفحصه لتقول بضيق :
-الكلام عندك انتي مش انا ! خلاص كبرتي وبقيتي تخبي علي امك !
تنحنحت بتوتر قائلة :
-هخبي ايه بس يا ماما هو ارهاق من الشغل مش اكتر !

لم تزيح بصرها وكأنها تحثها علي الاعتراف لتتنهد بيأس وهي تسترسل :
-بصراحة في حالة عندي في المستشفى شغلة دماغي ، في مريضة عندي جوزها بيحب حب عمري ما شوفت زيه كنت متخيلة ان الرجالة الي شبهه انقرضت ، ده من اكبر رجال الأعمال في مصر وبيجي يبات في المصحة بس علشان مراته ده حتي بيأكلها ويحميها وينيمها ده مبيعديش يوم من غير ما يجي المصحة رغم ان ده ممكن يضر بسمعته كرجل أعمال معروف !

اجابتها باستغراب :
-طب يا بنتي وايه الي مضايقك في كده ؟ راجل وبيحب مراته !
لتهتف بضيق والنيران تعتمر بداخلها :
-بس يا ماما هو حكالي كل حاجة عن حياتهم بحكم علاجها وكده وهي بصراحة متستحقوش ! دي كانت عصبية ومغرورة ودايماً بتعامله الند بالند وكمان اتحبست قبل كده يعني تعتبر رد سجون !
رفعت حاجبها بدهشة لتهتف بحده :
-ويتري جوزها رجل الأعمال جناحاته بيضا ولا زرقا يا بنت بطني ؟

ابتلعت ريقها فقد فهمت مقصد والدتها فدار بعقلها حديثه عن حياته وشخصيته فهو أيضاً عصبي وحاد الطباع ولا يتعامل مع الناس باحترام!  لتكمل والدتها :
-محدش فينا مفهوش عيوب يا رضوي زي ما هو اتقبل عيوبها وحبها ولسه متمسك بيها هو كمان أكيد مليان عيوب وهي استحملته والا مكانش هيبقي بينهم الحب الكبير ده !

هربت من نظرات والدتها التي تفضح ما يدور بعقلها لتنهض متعللة :
-طب انا هدخل انام علشان عندي شغل الصبح عن إذنك يا ماما...
بعد ان غادرت لغرفتها هتفت والدتها في نفسها بقلة حيلة :
-يارب يا بنتي تفوقي قبل ما تعلقي نفسك في حبال دايبة هتاخدك وتغرق !

انهي مكالمته ليجد ضجة اتية من غرفتها لينقبض قلبه ويسير باتجاه غرفتها ، وصل الي الغرفة ليندفع بهلع ليجد مجموعة من الممرضين  يقفون أمامها محاولون استمالتها لتترك ما بيدها وما كان سوي السكين الحادة !  اقترب بحذر ليهتف بتوتر :
- ميرا حبيبتي سيبي الي في ايدك ده !
رفعت بصرها تطالعة ببسمة غريبة وأعين فارغة لتتعالي دقات قلبه المنقبض بخوف حين رفعت السكين لأعلي قليلاً وهي تمد ذراعها الأخر للأمام وتديره ليكون باطن كفها والشريان الذي يتصل بالقلب في مواجهة السكين!

وصل الي تلك المنطقة الشعبية بعدما استطاع الحصول علي العنوان بطرقه الخاصة ليسأل احد المارة :
-الاقي فين بيت عبد الفتاح محمد العيسوي ؟
اجابه الرجل :
-قصدك عبده النقاش ؟ هتلاقي اخر بيت علي ايدك اليمين !
اومأ له بامتنان ليكمل طريقه حتي وصل الي ذلك المنزل دق الباب حتي وصل الي مسامعه صوت أثار اشمئزازه :
-ايوة جاية مستعجل علي ايه يالي بتخبط ؟!
  فتحت الباب لتوبخ ذلك الطارق لتصدم بجسده الضخم والذي يبدو كرجال الشرطة لتهتف بتوتر من هيبته التي تفرض وجودها :
-اؤمرني يا حضرت ؟

حمحم مجيباً اياها وهو يتطلع خلفها لعله يلمح صغيرته :
-انا المقدم الياس وجيت علشان...
لم يكمل حديثه مع صرختها المصاحبة لصفعتها علي صدرها في حركة سوقية قائلة بحسرة :
-يا خرابي ! حصلت يا ام سالم تدخلي بينا الحكومة اخس عليكي مكانتش جمعية وكام ملطوش تحبسيني بيهم !
رمقها باحتقار قائلاً بضيق :
-بس بس ام سالم ايه وبتاع ايه انا جاى علشان بنت أختك !

تنفست الصعداء لتدرك انه من تبني الصغيرة اذن فهو "ابن الأكابر" كما اخبرها زوجها لتقول بلهفة :
-يقطعني...اتفضل يا بيه اتفضل !
دلف وهو مازال يرمقها باحتقار ليهتف بأمر :
-امشي اندهيلي جوزك عايز اتكلم معاه !
رغم طريقة حديثه المهينة اومأت بلهفة :
-من عنيا استريح انت بس وانا اندهولك !

دلفت الي غرفته لتوقظه بعنف وهي تلكزه بجانبه لينهض متاوهاً ويقول بغلظة :
-جري ايه يا ولية انتي اتهبلتي في مخك حد يصحي حد كده ؟
رمقته بغيظ قائلة :
-ياخي اتوكس ! قوم فز ده الظابط الي كان واخد المزغودة بنت اختي برا وعايز يتكلم معاك قوم !
انتفض قائلاً بامتعاض :
-وايه الكويس في كده ؟ افرضي عايز ياخد البت تاني ؟

جزت علي أسنانها بغيظ وهتفت :
-بقولك ايه صحح معايا كده ! احنا واخدين البت بالقانون ولما البيه يجي بنفسه لحد هنا يبقي متعلق بالبت وعايز يشوفها نقوم احنا نستغل ده باننا نطلب منه فلوس بحجة اننا غلابة ومش هنعرف نجيب للبت الي هي عايزاه !
ابتسم بخبث وهو يثني علي ذكاءها :
-عفارم عليكي يا بت طول عمرك دماغك نضيفة وسعي اما اقوم اشوف طاقة القدر الي اتفتحتلنا دي !

أخذتها قدماها الي منزله بحجة ان تزور والده المريض فقد توقف عن مراسلتها منذ أخر لقاء بينهم دلفت الي المنزل لجد "زهرة" التي ما ان رأتها هرعت الي غرفتها بارتباك من رؤيتها لتزفر الأخيرة بضيق وهي تتجه لغرفة والده وجلست برفقته ما يقرب للنصف ساعة ولم يأتي لتخرج وتسأل الحارس متظاهرة بعدم الاهتمام :
-هو دانيال باشا مجاش النهاردة ؟
اجابها الحارس برسمية :
-لا يا فندم دانيال باشا سافر من ساعتين...رجع لندن ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثالث والثلاثون بعنوان: لقاء القلوب

انهي مكالمته ليجد ضجة اتية من غرفتها لينقبض قلبه ويسير باتجاه غرفتها ، وصل الي الغرفة ليندفع بهلع ليجد مجموعة من الممرضين  يقفون أمامها محاولون استمالتها لتترك ما بيدها وما كان سوي السكين الحادة !  اقترب بحذر ليهتف بتوتر :
- ميرا حبيبتي سيبي الي في ايدك ده !

رفعت بصرها تطالعة ببسمة غريبة وأعين فارغة لتتعالي دقات قلبه المنقبض بخوف حين رفعت السكين لأعلي قليلاً وهي تمد ذراعها الأخر للأمام وتديره ليكون باطن كفها والشريان الذي يتصل بالقلب في مواجهة السكين! ، لكنه اسرع وامسك يديها والقي السكين بعيداً وصفعها بقوة ! ثم جذبها ليضمها اليه وهي تبكي بشهقات متتالية كالأطفال من ألم صفعته...تنفس الصعداء ولام نفسه علي ضربه لها لكنه لم يشعر وكأنه يعاقبها علي محاولة تركها له ! يعلم انها غير واعية لكنه لن يتحمل فقدانها ليهمس بحنان :
- انا أسف يا حبيبتي أسف متزعليش..

حملها ليضعها علي فراشها وهي مازالت في أحضانه ! ربت علي رأسها بحنان وأخذ يقبل وجنتها التي صفعها من حين لأخر وهو يدلكها برفق ، تراجع العاملون وخرجوا من الغرفة ، لكنها ظلت تبكي ليهمس بأسف :
- وجعاكي يا روحي ؟ أسف والله محستش بنفسي…
فكر بإلهائها حتي تتوقف عن البكاء ليشدد من ضمها ويتنهد بعمق قبل ان يهمس بأذنها بتوتر من بكاءها الذي يزداد فهو يعلم انه لا يمكنهم اعطاءها المهدئات لخطورته علي الجنين :
- طب اغنيلك وتبطي عياط ؟ انا أنا مقولتلكيش قبل كده ان صوتي حلو صح ؟ ششش...اسمعي كده...

ليبدأ بالغناء بنبرة عذبة متألمة ويشوبها حزن عميق ورغم ارتعاش نبرته الا انها هدأت وتيرة بكاءها ولم يشعر بتلك العبرة الهاربة من أسر عينيه :
- أأ...أنا بعشق البحر...زيك يا حبيبي حنون وساعات زيك مجنون... ومهاجر ومسافر...وساعات زيك حيران...وساعات زيك زعلان...وساعات مليان بالصمت...أنا بعشق البحر.....
مسح دموعه ليجدها راحت في سبات عميق بين ذراعيه ليتمدد جوارها فيكفيه وجودها بجواره رغم عدم وعيها...سينتظر ولو مر الدهر كاملاً فقلبه لن يدق لسواها...

وصلت الي المطار بخطوات مرتجفة وهي تبحث عنه بأعين لامعة بالدموع كالطفلة التي تبحث عن والدها لتهرع الي أحد العاملين قائلة بصوت مرتعش :
- لو سمحت هي طيارة لندن هتطلع امتي ؟
اجابها قائلاً :
- لا دي طلعت بقالها نص ساعة يا انسة !
نفت ببكاء ليبتعد الرجل باستغراب لتقف في منتصف المطار وهي تبكي بانهيار ولم تشعر بارتخاء قدميها لتسقط جاثية علي ركبتيها وهي تتطلع للا شئ وتهمس ببكاء مصدوم :
- بالسهولة دي سبتني ؟ من غير حتي ما تقولي ؟ هنت عليك يا داني ؟!

انهمرت عبراتها بغزارة ليأتيها صوت سيدة مسنة قائلة بشفقة :
- انتي كويسة يا بنتي ؟
نفي برأسها ببكاء وهي تهمس ببكاء وهي تشتكي لتلك السيدة رغم عم معرفتها بها :
- سابني ومشي ! وانا مش قصدي ازعله والله !
ربتت علي كتفها قائلة بحزن علي حالتها :
- طب قومي يا بنتي ميصحش قعدتك دي...
وبنفس التوقيت نجده يقف بأحد الجوانب يتحدث بهاتفه بعصبية :
- اخبرتك ان سيارتي تعطلت ولم الحق بالطائرة فتوقف عن التذمر ديفيد ! فلتذهب انت واجتماعك الطارئ الي الجحيم !

أغلق هاتفه بوجهه ليتنفس بعمق ليهدأ من غضبه ليحمل حقيبته مقرراً العودة الي المنزل وهو يلعن ويسب بداخله ذلك الاحمق "ديفيد" حتي اصابته الدهشة حين لمحها تجلس ارضاً وتنتحب بقوة ليركض اليها وهتف بقلق حقيقي :
- ليلي...صغيرتي ما بكِ ولماذا تبكين بتلك الطريقة ؟ ماذا حدث ؟
رفعت بصرها بصدمة ما ان تسلل لمسامعها صوته لتهتف بدموع :
- داني...انت هنا بجد ؟

ساعدها لتقف وهي تطالعه بصدمه وهو يتفحصها بخوف قائلاً :
- هل انتِ بخير ؟ اخبريني ؟ هل يؤلمك شئ ولما جئتِ الي هنا ؟
علي حين غرة ارتمت بأحضانه مع صدمته من فعلتها لتبكي بانهيار قائلة بصياح من بين شهقاتها :
- ظننتك تركتني ورحلت ! انا سامحتك لكن لا ترحل !
أبعدها برفق من نظرات الناس من حولهم المستهجنة فعلتهم ليمسح دموعها قائلاً بلطف :
- اهدئي حلوتي انا لم ارحل انا فقط كنت سأحضر اجتماعاً هام واعود ان لم يكن لأجلك سيكون لأجل والدي !

ابتعد قليلاً ليهتف بجمود زائف :
- ثم الم تخبريني ان علاقتنا انتهت اذن لم اتيتي ولما تبكين بتلك الطريقة ؟
مسحت دموعها بظهر كفها كالأطفال وهي تهمس بأسف وهي تخفض بصرها :
- أسفة...تعلم اني أحبك فقط كنت غاضبة ولم اعني حرفاً مما قلته ...
ابتسم بحنو ليسحب كفها ويقبله برقة قائلاً بنبرته الرجولية :
- أعلم ذلك...هيا دعينا نرحل انا لن أغادر !

ليصل الي مسامعهم صوت ساخر :
- مبقاش في حيا ولا خشا عينك عينك كده ؟ ربنا يستر علي ولايانا !
التفت له بنظرة غاضبة ليهتف موجها حديثه لها بعصبية :
- ماذا يقول ؟ هل يسبني ؟
اخفت ابتسامتها لتسحبه من يده قائلة بضحك :
- لا عزيزي لا يسبك وحدك بل يسبنا معاً !
رفع حاجبه قائلاً :
- وما المضحك في الامر ؟ اتركيني سأعود واحطم فكه ذلك الوقح !

اجابته بابتسامة :
- انت بمصر داني والذي فعلناه بالداخل لا يجوز واذا حطمت فكه ستجد الاف غيره يشيرون الينا هذا يعتبر فعل فاضح في مكان عام نحن لسنا بلندن حيث يصفق الجميع بحرارة حين يجدوا قصة حب تكتمل هنا الحب ممنوع !
قطب جبينه باستغراب فحقاً تلك البلاد تثير دهشته بحق! ليزفر بلا اهتمام قائلاً :
- هيا لأوصلك الي المنزل...

- يا مرحب يا بيه عليا الطلاق المنطقة نورت !
هتف بها "عبد الفتاح " بترحيب مبالغ به ليقطعه بنبرة حادة :
- فين تقي ؟ انا عايز اشوفها !
ابتلع ريقه بخوف فقد ضربها بالأمس لذلك قد غفت من كثرة بكاءها ليهتف بارتباك وابتسامة سمجة علي وجهه :
- اصلها نايمة يا بيه تعبت من كتر اللعب انت عارف العيال وشقاوتهم بقي !

طالعه بشك للحظات ليتنحنح قائلاً بنبرة اقل حده :
- انا كنت عايز استأذنك اخد تقي منك يومين في الاسبوع تقضيهم معايا انت اكيد عرفت هي متعلقة بيا قد ايه ، وهتعيش معاكوا عادي
لمعت عيناه بخبث ليردف :
- والله يا بيه معنديش مانع بس دلوقتي الوضع اتغير البت رجعتلنا وانت شايف عيشتنا فهيبقي صعب تروح معاك بلبسها الي ميلقش بمكان ساعتك وكمان كده هتعودها علي الاكل النضيف فمش هتعرف تاكل هنا ، داحنا ناس علي اد حالنا يا بيه...
نظر له ملياً محاولاً عبور سبل اغواره ليقول بجدية :
- تاخد كام وتتنازل عن حضانة البنت ؟

صدم كلاهما لتسارع بالصياح المبالغ بحزن زائف  :
- اخس عليك يا باشا هو الضنا بيتباع ؟ البت مني دي بنتي...دانتا متعرفش كنت عاملة ازاي لما تاهت مننا دانا قلبي كان بيتقطع عليها ، وحياة سيدي الدرديري ما دوقت طعم النوم الا لما رجعت !
ليدعمها زوجها قائلاً بكبرياء زائف :
- صحيح احنا غلابة وزرقنا علي الله بس الضفر عمره ما طلع من اللحم يا سعادة الباشا !

لا يدري لما يشك بنواياهم ام طبيعة عمله التي جعلته لا يثق بأحد ليهتف باستسلام :
- طب خلاص انا هبعتلكم مبلغ كويس كل شهر بس بشرط تقي تيجي معايا كل اخر اسبوع تقضي يومين عندي...
اخفي ابتسامته المنتصرة ليهتف بارتباك :
- يباشا ميصحش بردو...
قاطعه بجدية :
- مش علشانكم ده علشان تقي تقدر تعيش مرتاحة ! انا هتكفل باي حاجة تخصها ولو احتاجت اي حاجة بلغوني !

التقط ورقة متهالكة وبجانبها قلم ليدون رقم هاتفه قائلاً :
- ده رقم تليفوني كلموني في اي وقت ، وياريت تجبيلي البت علشان امشي...
رمقت زوجها بعنف ليتصرف ليهتف بارتباك :
- لمؤاخذة يا باشا البت هدومها متبهدله من اللعب والتنطيط وكمان نامت متأخر امبارح تعالى بكره تكون سميرة حميتها ولبستها كويس مش معقول هتمشي بيها كده يا باشا !
ود لو يخبره انه كان أحياناً يحممها بنفسه ولن يهتم بمظهرها اطلاقاً ليهتف :
- مش هتفرق ناديها بس...

شهقت قائلة بعتاب :
- لا طبعاً ميصحش يا بيه دانتوا عالم أكابر هتاخدها مبهدلة كده يفكروك ماشي بشحاتة !
زفر بضيق من الحاحهم الغريب علي عدم اخذها اليوم ليهتف بيأس :
- خلاص بكره من اول اليوم هاجي اخدها !

غادر المنزل بضيق وحزن يجتاحه بعنف فهي لم تعد طفلته وفقد الكثير من حقوقه تجاهها أجاء اليوم الذي يستأذن به لأخذ طفلته لساعات معدودة فقط! ابتسم ساخراً أثناء سيره ليتوقف فجأة وصوت ذلك الرجل الغليظ يتردد بأذنه :
-مكناش نعرف انها عايشة ! فكرنها ماتت مع ابوها وامها لم البيت ولع بيهم !
ويعود ليصدع بصوت زوجته هذه المرة :
- اخس عليك يا باشا هو الضنا بيتباع ؟ البت مني دي بنتي...دانتا متعرفش كنت عاملة ازاي لما تاهت مننا دانا قلبي كان بيتقطع عليها !

تنفس بغضب وهو يدرك وجود مخطط من قبلهم فقد كذبوا عليه وزاد غضبه حين ادرك رفضهم لرؤية صغيرته وكأن بها علة ! فصغيرته لا تنام بوقت متأخر كما اخبره ليعود ادراجه وبداخله بركان من الغضب سينفجر بوجه احد حتماً! وصل الي منزلهم ليستمع الي صياحهم قبل ان يطرق الباب :
- بقولك ايه يا ولية متوجعيش دماغي غوري هاتلها مرهم كدمات ولو البيه جه بكره وقال حاجة ابقي قوليه اتخبطتت في حاجة مكانوش قلمين يعني !
اندفعت الدماء لعروقه واحمر وجهه من فرط الغضب ليكسر الباب بقدمه بعنف ويدلف وسط شهقاتهم وصدمتهم ليمسكه من تلابيبه صارخاً بعصبية :
- عملتوا ايه في بنتي يا زبالة منك ليها ؟ بتضحكوا عليا انا ؟ وديني لأحبسك !

دفعه بعنف لينهال عليه بلكمات في اجزاء متفرقة من جسده والأخير لم يستطع صد ضرباته المتمرسه واكتفي بالصراخ كالنساء! وزوجته تلطم وجهها بنحيب ليدفعه ارضاً ويقتحم الغرف بعنف حتي وجدها في أحد الغرف المهترئة متكومة بوضع الجنين ابتلع ريقه بصعوبة ليقترب لينقبض قلبه ألماً حين راي تلك الكدمات علي وجهها وذراعيها وكفيها الذي خطت عليه علامات العصا بعنف! حملها بألم والنيران بداخله تزداد اشتعالاً ليخرج ويوجه حديثه الغاضب لتلك التي مازالت تلطم بحسره :
- بقولك ايه انا هاجي بكره ومعايا محامي وهتمضولي علي عقد التنازل من سكات والا هحبسك انتي وجوزك ومش صعب عليا الفألكم قضية !

واقترب منها تحت خوفها الظاهر ورجفتها ليجذبها من حجابها الموضوع بإهمال بيد وهو بحمل صغيرته باليد الأخرى هادراً بعنف :
- والضرب الي ضربتوه لبنتي ده وحياة سيدك الدرديري! لأخليكي تتحسري علي شبابك وعلي جوزك ال*** ده !

وصل الي حجرتها ليخلع سترته ويتجه نحوها ويقبل وجنتها كعادته ، دلفت الممرضة لتهتف بتوتر خوفاً من غضبه الذي يصبه عليهم بسبب وبدون سبب! :
- يوسف باشا...دكتورة رضوي عايزة حضرتك في مكتبها !
اتتها صوته بنبرته الجافة دون ان يلتفت لها :
- ليه ؟
ابتلعت ريقها قائلة بارتباك :
- م..معرفش !

اشار لها بازدراء ان تغادر ليتنهد بعمق متجهاً لمكتب الطبيبة ومان وصل فتح الباب دون ان يطرقه كعادته ليجلس ويضع ساق فوق الأخرى ويخرج سيجارته ليشعلها ببرود ، خرجت الأخيرة من المرحاض لترتبك من وجوده تنحنحت لتجلس قائلة بابتسامة :
- ازيك يا يوسف بيه ؟
نفث دخان سيجارته قائلاً ببرود :
- خير ؟

ابتلعت ريقها بحرج لتهتف بنبرة جاهدت لخروجها رسمية :
- انا طلبتك علشان ابلغك ان دكتورة النسا كانت موجودة إنهارده علشان مدام حضرتك ولما كشفت عليها بلغتني انها حامل...في توأم !
اعتدل قائلاً بدهشة لم يستطع اخفاءها :
- ايه ؟ توأم ! ده بجد ؟
اومأت بابتسامة عذبة وقلبها يرقص طرباً لسعادته الظاهرة ، لاح شبح ابتسامة علي وجهه المتعب ثم اختفت مرة أخرى وهو يسألها بقلق :
- كده فاضل 5 شهور علي الولادة وحالة ميرا زي ما هي كده هيأثر علي الأجنة  ؟

عدلت نظاراتها الطبية قائلة :
- لا انشاء الله مش هيأثر وهنحاول نسيطر علي حالتها اثناء الولادة بوجودك طبعاً !
تنهد بحزن ألن تري اطفالها ايضاً ؟ كيف سيراعيهم بمفرده انتشله من شروده صوتها الذي يشوبه دلال انثوي لم يلاحظه :
- بس انت ليه متجوزتش لحد دلوقتي يا يوسف بيه ، انت اكيد محتاج ست تراعيك ؟
نظر لها ببرود ولأول مرة يلمح أحمر الشفاه الخاص بها رغم انها لم تضعه من قبل ، نهضت ليلاحظ ثيابها الضيقة تكاد ترسم علي جسدها زاد استغرابه فملابسها دوماً محتشمة! ضربه الادراك ان كل هذا العرض فقط لأجله ابتسم بتسلية ولم يجيب لتكمل بدلال وجرأة غريبة تلبستها وهي تجلس أمامه بعد سيرها بخيلاء :
- انت شخصية مبتتكررش يا يوسف...بيه انا لو اتجوزت واحد زيك هبقي خدامة تحت رجليه !

لم يستطع كبح ضحكاته ليضحك بانطلاق ولأول مرة منذ عرفته تراه يضحك! لتهتف بابتسامة مرتبكة :
- هو ايه الي بيضحك في كلامي ؟
توقف عن الضحك فجأة ليميل ويقرب وجهه من وجهها هامساً بخفوت خطير :
- عارفة بجد اللحظة دي اكتر لحظة اتمنيت فيها ان ميرا تخف وترجع لطبيعتها عارفة ليه ؟

ازدردت ريقها بقلق من قربه لتنفي برأسها فيكمل بتسلية :
- اصلك متعرفيهاش دي مجنونة غيرة! مرة كنا في مول وعاكست موظفة في محل ساعتها خلتني استناها في العربية وراحت جابتها من شعرها ! بس اوعي تقوليلها اني عارف ! بس اراهنك انها لو كانت كويسة دلوقتي كان زمانها غيرت خريطة وشك !
ارتجف جسدها قليلاً وقد توقعت استجابته من تاريخه الحافل مع النساء الذي علمت به مؤخراً ليكمل وهو يرمقها بازدراء ثم القي سيجارته ارضاً وهو يدهسها بقدمه تزامناً مع حديثه :
- بس عارفة انتي معاكِ حق انت فعلاً هتبقي تحت رجلين جوزك اقولك ليه ؟ لان ده مكان واحدة رخيصة زيك تحت الجزمة !
شحبت بشرتها من وقع كلماته الجارحة التي القاها بوجهها بقسوة ولم تنتبه لدموعها التي هبطت علي صفحة وجهها ككلماته التي هبطت علي قلبها فقسمته لنصفين!  لينهض ويغادر ببرود وكأنه لم يفعل شيئاً !

طالعهم بيأس قائلاً بنفاذ صبر :
- طب وبعدين يعني هنفضل قاعدين نعيط للصبح ؟
التفت له الجميع بأعين حمراء من البكاء ف"سارة" تجلس محتضنة الصغيرة ببكاء علي حالتها منذ نصف ساعة وبجوارها والدته التي تتلمس وجه الصغيرة ببكاء والصغيرين يجلسوا ارضاً يبكون لبكاء صغيرته ما ان افاقت ووجدت نفسها بينهم تنهد ليقترب ويحملها رغم اعتراض زوجته قائلاً بهدوء موارياً حزنه ولولا الملامة لكان جالس بينهم يبكي لأجلها! :
- اظن كفاية لحد كده انا سايبهالكم بقالي نص تعيطوا براحتكم خلاص توتا رجعتلنا ومش هتسيبنا تاني ممكن نهدي بقي ؟

اشار بعينه لزوجته لتصعد معه الي غرفتهم وبحوزتها ثياب للصغيرة وعلاج للكدمات ليدلف كلاهما الي المرحاض ثم يجهز حماماً دافئاً لتساعده "سارة" بخلع ملابس الصغيرة ووضعها بالمياه تألمت قليلاً لتقوس فمها للأسفل وتهتف بنبرتها الطفولية :
- بيوجع بابي !
ابتلع غصة بحلقه حتي لا يبكي أمامها وهو يلمس علي خصلاتها بحنان وهي ملأت الحوض بصابون فلم يظهر منها سوي رأسها :
- معلش يا قلب بابي هي هتوجعك شوية وهتخف...

مر الوقت عليهم وهم يساعدوها بالاستحمام وسط ضحكاتهم وضحكات الصغيرة التي تغمر قلبه بالارتياح ثم حاوطتها "سارة" بمنشفة لتجففها بحنان أمومي ثم يحملها "إلياس" وهو يخرج بها ويترنح بتمثيل قائلاً بمرح :
- هنوقع هنوقع ! امسكي كويس يا توتا !
ضحكت بسعادة وكأنها نست ما حدث لها فهكذا هم الأطفال كلمة تلقي بهم الي أعماق الحزن وكلمة تسحبهم لأفاق السماء ، وضعها علي الفراش ليتركها تغير لها ثيابها وتضع لها دواءها ويعود حاملاً طعامها المفضل من يد جدتها ليهتف بصرامة زائفة :
- الأكل ده كله يخلص لحسن أعمل زي مامي ما بتقول...وأكلكم !

ابتسمت بخجل لتذكره كلمتها السابقة لتجاريه في مرحه قائلة ببراءة :
- الله وانا مالي يا لمبي ؟
ضحكوا بسعادة رغم كل ما يحمله قلب كل منهم لينتهوا من اطعام الصغيرة ليقبلها "الياس" بحنان من وجنتيها وهو يرفع غطاءها ليدثرها ليهمس بحنو :
- تصبحي علي خير يا روح بابي !
كاد ينهض لتمسك كفه قائلة ببراءة :
- انا بحبك بابي مش تسيبني تاني !

دمعت عيناه ليرفع كفها الصغير ويقبله برفق قائلاً :
- عمري ! نامي ومتخافيش يا توتا بابي مش هيسيبك تاني ابداً !
قبلته الصغيرة بلطافة علي وجنته ثم التفتت للطرف الاخر للفراش وقبلت "سارة" قائلة بلطف :
- واحبك انتي كمان مامي !

ابتسمت بحب لتغلق الضوء وتخرج من الغرفة برفقته وما ان جلسا بالأسفل حتي اجاب علي هاتفه لتعود نبرته للقوة والحزم قائلاً :
- زي ما فهمتك تقبض عليهم بتهمة انهم شغالين في الدعارة وانا هاجي بالمحامي بكره واخليهم يمضوا علي التنازل عن الحضانة مقابل خروجهم من السجن وطبعاً مش محتاج اقولك ان مفيش محضر هيتكتب ده مجرد تهويش علشان اخد منهم التنازل !
اغلق هاتفه بعد دقائق ليهتف وكأنه تذكر امراً :
- انا هطلع اطمن علي تقي نامت ولا لأ وهقعد جمبها لحد ما تنام علشان عارفها بتخاف لو جالها كابوس وكانت لوحدها !

اومأت له بابتسامة هادئة وسعيدة لأجله ولأجل عودة الصغيرة وما ان صعد للغرفة فتح الباب ليصدم بالصبيان ينامان بجوارها و"مازن" يحتضنها بحماية ومن الجهة الأخرى "يزن" يلمس علي خصلاتها بحنان طفولي ويضع غطاءها بعناية ابتسم بحنو علي أطفاله الثلاث ليدرك ان الصبيان سيكونا خير سند وحماية لشقيقتهم في المستقبل...لو رأي احد هذه الاسرة لن يصدق تماسكها رغم كونهم لا تربطهم الدماء بل تربطهم روابط أرقي من ذلك يسمونها...الحب !

مرت الأيام والليالي هادئة علي الجميع فقد عادت "تقي" لأسرتها الروحية واستطاع "الياس" الحصول علي التنازل وبدأت علاقته تزداد حباً وأمانا مع رفيقة دربه "سارة" ومن جهة أخرى بدأت علاقة "ليلي" بأبيها بالتحسن تدريجياً تفهمت مبرراته ونوعاً ما تقبلتها! كما شقيقتها وقد تحدد زفافها علي عشقها الوحيد " دانيال" او يمكننا القول " آدم " بعد بضعة أشهر وعلي الصعيد الأخر تركت الطبيبة "رضوي" حالة مريضتها "ميرا" لطبيب أخر بعد ما دار بينها وبين الرجل الذي أحبته او بالأدق أعجبت بحبه لزوجته لا لشخصه وقد ادركت ذلك بقليل من القسوة!

...بعد مرور خمسة أشهر...
هرعت الطبيبة الي مكتبها بشكل أشبه بالركض وصلت الي مكتبها لترفع هاتفها قائلة بلهاث من بين انفاسها :
- يوسف بيه...تعالى بسرعة مدام ميرا بتولد وحالتها صعبة اوي وجالها حالة هياج عصبي ومش قادرين نسيطر عليها...ارجوك تعالى بسرعة الحالة بتضيع مني  ...
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الرابع والثلاثون بعنوان: طوارئ

تنفست بعمق لتنظم ضربات قلبها المتسارعة وهي تتطلع علي فستانها الأبيض وزينتها بقلق ، فتح الباب ليدلف ويقف أمامها ببذلته السوداء وتلك الهالة الجذابة التي تحيطه وخاصاً ذقنه النامية التي أعطته وقاراً وزادته وسامة ، ابتسمت برقة قائلة :
- شكلي حلو ؟

لاح شبح ابتسامة شاحبه لا تظهر سوي نادراً ليقترب ويلثم جبينها بحنان قائلاً :
- زي القمر...ده كفاية لمعة عنيكي...ربنا يسعدك يا ليلي...
ابتسمت بخجل وهي تتأبط ذراعه في استعداد للخروج ليوقفها قائلاً بنبرة غريبة :
- سامحتيني يا ليلي ؟

ابتسمت قائلة ببساطة :
- انت أخويا يا يوسف وشخصيتك زمان مكانتش غلطك كلنا كنا ضحايا بيت متدمر !
باغتها بسؤاله :
- طب ليه لسه مسامحتيش ابوكي ؟ ومتقوليش لأ لان لو سامحتيه كنت وافقتي يسلمك لعريسك بدالي !
تهربت بعينيها قائلة بخفوت :
- هو كان الاساس يا يوسف حتي بيسموه رب الاسرة عامودها وهو الي فرقنا بانانيته وسلبيته ، انا سامحته فعلاً بس محتاج شوية وقت علشان اتعود علي وجوده في حياتي !

اومأ بتفهم لتغير الموضوع متسائلة بنبرة صادقة  :
- طب ومامتك عاملة ايه ؟
اجابها ببساطة :
- انا بسأل عليها من وقت للتاني واتجوزت ! يلا ربنا يسعدها
أخفت دهشتها لتكمل طريقها برفقته الي الخارج ليعود قلبها وينبض بقلق لتصعد مع شقيقها السيارة وهي تتمالك نفسها الا تهاتفه وتخبره بخوفها ليطمئنها! فهي تحتاجه الأن كأب فيبدو ان مهما حدث سيظل يحتل كل الأدوار بحياتها!

ومن الجهة الأخرى نتجه لسارق قلوبنا جميعاً "دانيال" ، نظر الي المرآه ليطالع مظهره الوسيم للغاية بعيناه الزرقاء التي تلمع بوميض السعادة فاليوم سيتوج صغيرته أميرة علي عرش قلبه ابتسم لتزداد وسامته المهلكة خاصة بتلك البذلة السوداء التي تكاد تتمزق من ضخامة عضلاته ذهب باتجاه والده الذي يحاول ارتداء حذائه ، انحني جاثياً علي ركبتيه ليلبس والده الحذاء فيربت الأخير علي رأسه قائلاً بابتسامة صادقة :
- ربنا يسعدك يا ابني...ليلي بنت كويسة...هي صحيح عندها كام سنة انا حاسس انها صغيرة اوي علي الجواز دلوقتي  ؟
ابتسم مردفاً ببطء بعربيته الركيكة فقد بدأ تعلم اللغة العربية مؤخراً ليستطيع التواصل مع والده :
- أ..ندها...22 س..نة  !

لم يستطع نطق حرف العين فيستبدله ب "أ " كمعظم الغربيون الذين يتعلمون اللغة العربية ، ابتسم والده قائلاً بضحك :
- انت العربي بتاعك مدمر يا ابني !
لم يستوعب كثيراً مما قال لينهض ويسحب كرسيه المتحرك ليخرج متجهاً الي زفافه وصغيرته التي قد يجن جنونها ان وصلت قبله!

نظرت له بعبوس وهي تكتف ذراعيها بضيق ليقبل جبينها بحنان  قائلاً باسترضاء :
- خلاص بقي يا روحي والله شكلك زي القمر !
اجابته بتذمر حانق :
- متجاملش يا الياس علشان شكلي وحش اوي...بص واسعة ازاي متلبسني خيمة أحسن !
كتم ابتسامته وهو يميل ويقبل وجنتها هامساً بدعابة :
- والله قمر...وبعدين ماسموش واسع اسمه محتشم...محترم حاجة في الرينج ده !
اخفت ابتسامتها من عبثه لتكمل :
- طب علفكرة الفستان البيبي بلو كان شكلوا حلو جداا بس انت الي رفضت وصممت تجيب علي ذوقك !

رفع حاجبه قائلاً باستنكار :
- بيبي ايه ؟! انتوا بتجيبوا الالوان دي منين انا مش فاهم ده هما 7 الوان ، الوان الطيف الي خدناهم في 6 ابتدائي ومعرفش غيرهم يا عالم يا قادرة !
ابتسمت رغماً عنها لتكتم ضحكتها قائلة بتذمر :
- توه يا الياس توه بردو مش هخرج بالفستان ده !
تنهد ليدفعها برفق علي المقعد ليغيب ويعود حاملاً حذائها الأبيض ويجلس علي ركبتيه امامها وهو يلبسها اياه في حركة اعتادتها منه ليقول بهدوء وهو يضع الحذاء بقدمها :
- لما تطلعي زي القمر ويبقي شكلك حلو مين اولي بحلاوتك دي ؟

اجابته بخجل من تدليله لها بتلك الطريقة :
- انت...
ابتسم مردفاً وهو ينزل قدميها ويمسك كفها :
- يبقي من حقي اغير علي مراتي ان محدش يشوفها غيري ولا لأ ؟
اجابته بخفوت :
- حقك...
ساعدها علي النهوض وهو يتجه بها نحو المرآه قائلاً بلطف :
- الفستان فعلاً واسع بس شكله حلو ورقيق زي صاحبته !

تكاد تصرخ بحبه من معاملته التي تعشقها فلأول مرة بحياتها منذ تزوجته علمت معني "المودة والرحمة" فهو حقاً خير زوج وأب...حمقاء زوجته الأولي التي فكرت بترك رجل مثله لا يعوض لكنها حقاً تشكرها فلولا تركها له ما كانت هي تزوجته فدوماً ما يجعلها تنصاع لرأيه برضاها التام! لتهمس بامتنان صادق :
- ربنا ميحرمني منك يا الياس
ابتسم ليقترب وعيناه تتركز علي شفتيها وهي أغمضت عيناها وقبل ان يلامس شفتيها فتحت عينيها علي وسعها صارخة :
- نهار اسود اتأخرنا ! وسع اما انزل اشوف العيال خلصوا ولا لسه...

مرت بجانبه وخرجت من الغرفة وهو مازال يقف ينظر بأثرها بصدمة لتنتشله من صدمته ندائها المتعجل :
- يلا يا الياس عايزين نمشي...اوعي تكون ناسي حاجة ؟
حك ذقنه بعصبية قائلاً :
- اه نسيت هدومك يا روحي مانا هرجعك لأخوكي...علشان البضاعة طلعت مضروبة !

قرعت الطبول وارتفع صوت المزمار معلناً عن وصول عروس الحفل...ابتسمت بتوتر وهي تشدد علي كف أخيها بقلق ليطمئنها بابتسامته الحانية لتنفتح الأبواب ببطء وتلك الأضواء الرائعة تزين الحفل ليظهر لها متقدماً تلك الجموع بابتسامته الواثقة وهو يمد كفه لها سارت بخطوات متمهلة فذلك الفستان الطويل يعيق سيرها بعض الشئ حتي وقفت أمامه ليضع "يوسف" كفها بكف "دانيال" قائلاً بهدوء بنفس لغته :
- تذكر ان شقيقتي كنز ثمين ان فرطت فيه لن تجده مرة أخرى أيها الأجنبي !

ابتسم له بتفهم قائلاً :
- اعتنيت بشقيقتك لسنوات وفي اعتقادي ان ليس لها من يحميها واليوم تظن ان بإمكاني ايذائها وقد عادت لعائلتها !
التقط كفها ليأخذها وتسود موسيقي غربية هادئة ويبدأ كلاهما بالتمايل بخفه وهو يلف يديه حول خصرها او لنكن أدق "يضمها" ليهمس بأذنها بنبرة عاشقة :
- ب.ح.بك !
اتسعت عيناها لتردف بفرحة :
- انت اتعلمت عربي بجد ؟ قصدي...لتعود وتتحدث بالإنجليزية :
- أعني انت تعلمت التحدث بالعربية ؟ اوه داني هذا مدهش !

اجابها بابتسامة :
- لم أتعلمها فقط بضع كلمات لأستطيع التواصل مع والدي...انا اتحدث بخمس لغات مختلفة ولكن حقاً لغتكم صعبة للغاية ! أظنني سأحتاج لأعوام لأتعلمها !
ضحكت بخفوت مردفة :
- لا بأس عزيزي سأعلمك انا كيف تتحدث العربية دعني ارد لك قليلاً مما علمتني اياه !
ومن جهة أخري دلف "الياس" وبرفقته أميرتيه زوجته وطفلته ويرتديان نفس الفستان باللون الزهري وعلي يمينه صغاره "يزن" و "مازن" ببذلتهم التي تماثل بذلة والدهم بحجم اصغر بالطبع لتهتف بحماس :
- ايه ده السلو اشتغل ! انا عايزة ارقص سلو اوي...

ابتسم علي تلك الطفلة التي يسمونها "زوجته" ليحذر أطفاله بنبرة حادة الا يبتعدوا عن نطاق الحفل ويسحبها ليرقصوا مع الثنائيات علي أنغام تلك الموسيقي الهادئة...
وقف جانباً يطالع سعادة شقيقته برضا ويتمني لو تكتمل سعادته برفقة جميلته النائمة في سبات عميق بعالم أخر فقط تعود ويقسم الا يجعل الدموع تعرف الطريق الي عينيها الجميلة مرة أخرى انتشله من شروده رنين هاتفه وما ان اجاب حتي صدع صوت الطبيبة الصارخة :
- يوسف بيه...تعالى بسرعة مدام ميرا بتولد وحالتها صعبة اوي وجالها حالة هياج عصبي ومش قادرين نسيطر عليها...ارجوك تعالى بسرعة الحالة بتضيع مني  ...!

انتفض ليغلق الهاتف مسرعاً ليجد "سارة" تقف امامه تسأله بقلق فقد رأته وهو يتحدث بالهاتف وكيف تغيرت تعابير وجهه الراضية الي اخرى قلقة :
- في ايه يوسف ؟ ميرا كويسة ؟
اجابها مسرعاً وهو يبتعد بخطوات راكضة!  :
- ميرا بتولد !
خرج مسرعاً لتهرع الي شقيقتها قائلة بلهفة :
- ليلي...ميرا بتولد انا لازم امشي !
والتفتت لزوجها قائلة وهي ترفع فستانها قليلاً لتستطيع السير او الركض! :
- الياس خد انت العيال روحهم وابقي حصلني علي هناك !

لم يكد يتحدث حتي تركته وهي تهرع خلف شقيقها اشبه بالركض! التفتت لتزيد دهشته حين وجد "ليلي" "العروس" ترفع فستانها هي الأخري وتجري خلفهم ويلحقهم زوجها علي عجل وجميع الموجودين يطالعوهم بدهشة فقد هربت العروس وخلفها عريسها من الزفاف ! ليهتف في نفسه ساخراً :
- انا قلت دي عيلة كلها مجانين محدش صدقني !

وصل الجميع الي المشفى لتخرج الطبيبة قائلة بلهفة :
- يوسف بيه احنا محتاجينك...مش عارفين نسيطر عليها !
اومأ مسرعاً ليرتدي ثياب المشفى المعقمة ودقاته تقرع كالطبول! ، دلف الي الغرفة ليجدهم يقيدوها من الجانبين وهي تنتفض بصراخ عنيف! هاله مظهرها فقد شحب وجهها بشده والتصقت بعض خصلات شعرها بجبينها المبتل ، ابعدهم ليقترب ويمسك بها بقوة وقد عمد لاستخدام قوته البدنية ليهتف بقلق:
- اهدي...هتبقي كويسة والله...معلش استحملي شوية !

صرخت بشراسه من فرط ذلك الألم التي لا تدرك مصدره ليسند جبينه الي جبينها هامساً بتعب وهو يتألم لأجلها :
- عيالنا هيجوا...استحملي علشان خاطرهم...ساعديهم يجوا الدنيا !
ظلت تتلوي بعنف وعينيها فارغة كعادتها لتصيح الطبيب بلهفة :
- خليك ماسكها كويس راس البيبي ظهرت !

صرخت صرخة دوت بأرجاء المشفى ووصلت الي مسامع الجالسين بالخارج بقلق تضاعف من صراخها العنيف! ليسكن جسدها وتدوي صرخة أخري خافتة ضعيفة وما كان سوي الرضيع الأول الذي امسكته الطبيبة واعطته للمرضة لتكمل بلهفة قائلة :
- خلاص قربنا...
خدشت صدره بأظافرها الحادة لأكثر من مرة وهو لم يهتم فهو يعلم انها تتألم اضعاف اضعافه ليهمس بتعب :
- استحملي شوية كمان...انا عارف انك بتتألمي جامد...معلش يا روحي خلاص هانت...

نبحت أحبالها الصوتية من شدة صراخها لتعود وتنتفض بين يديه بصرخة قوية لتواجهها صرخة أخري صغيرة ضعيفة اشبه بمواء القطط ليسكن جسدها وتستلقي بإنهاك وهو مازال يضمها ويهمس بأذنها ليطمئنها :
- عيالنا وصلوا بالسلامة يا ميرا !
فتحت عيناها لتصدم بذلك الضوء الذي يضرب عينيها لتشعر بأن جسداً يضمها بقوة تعرفت عليه من رائحته ولما تشعر بكل ذلك الألم وماذا حدث ؟ لتهمس بضعف :
- يو..يوسف !

تصلب جسده ليبتعد بصدمة فيجدها تنظر له باستغراب متعب ليهتف بعدم تصديق :
- ميرا...انتي رجعتي ؟ انتي اتكلمتي دلوقتي صح ؟
أحاطت جسدها لتأن بصوت خافت ابتعد ليركض منادياً الطبيبة التي اتت مسرعة ليجدوها تتلفح متذرعة بالغطاء حول جسدها المرتعش وهي تنكمش بوضع الجنين ليهتف بقلق :
- هي مالها ؟ مقامتش ليه ؟
اجابته بعملية :
- متقلقش يا يوسف بيه مراتك رجعتلك بفضل ربنا...ألم الولادة أجبر عقلها انها ترجع للواقع وأكيد كلامك معاها اثناء الولادة ساهم في كده بس هتاخد وقت علشان تقدر ترجع لطبيعتها ومينفعش نضغط عليها !

اومأ لها ليقترب ويستلقي بجورها يود ان يجعلها تنام بين ذراعيه كعادته ليجدها تضم جسدها بحماية وتزداد ارتجاف لمعت عيناه بدموع أبي ان تخرج ليهمس بنبرة متألمة:
- انا يوسف !
مال يقبل جبينها رغم ارتجافها ثم نهض ليترك لها وقتاً لتلملم شتات نفسها فيكفي انها عادت  ليخرج وما ان فتح الباب ليجد "ليلي" تحمل أحد الصغيرين و"دانيال" يحمل الطفل الأخر لترفع ذراعيها له ليأخذه تردد قليلاً وابتلع ريقه ليحمله بتوتر بالغ ويد مرتعشة فهو صغير للغاية يكاد يشابه كفه حجماً لتهتف بابتسامة :
- الف مبروك يا يوسف يتربوا في عزك...معلش سارة شافتهم ومشيت عالطول علشان يزن سخن وتعبان...

اومأ لها رغم انه لم ينتبه لحرف مما قالته وهو يتطلع بذلك الجسد الصغير ليحمله بيد واحدة ويلتفت مشيراً ل"دانيال" ان يعطيه الصغير الأخر قائلاً :
- هاتوا وخدي جوزك وامشي يا ليلي...النهاردة فرحك متقلقيش انا هعرف أخد بالي منهم...
اومأت له بتردد فلا يمكنها البقاء بملابس الزفاف التي أثارت دهشة كل من رأها لتمسك كف "دانيال" ويغادر كلاهما...

جلس يحمل الصغيرين بتوتر واستغرب ان احدهم اصغر حجماً من الأخر رغم كونهما توأمان! دلفت الطبيبة وهي تتفحص الأطفال ثم هتفت بابتسامة وهي تداعبهم :
- الف مبروك...ما شاء الله ربنا يباركلك فيهم...بس خلي بالك هتطلع عصبية اوي عكس الهادي العسل ده...دي جننت الممرضات!
قطب جبينه قائلاً بدهشة :
- هما ولد وبنت ؟

اومأت بابتسامة هادئة لتغادر وهو طالعهم بسعادة بالغة فقد ظنهم صبيان الان فقط ادرك لما احدهم اصغر حجماً من الاخر اذن هي الفتاة حملها ليضمها برفق هامساً بحب صادق ودموعه لم تنتظر الاذن لتنهمر :
- اهلاً بأميرتي الصغيرة ... تعرفي انا كان نفسي في بنت اوي !
ليكبر في أذنها بصوت مرتعش ثم وضعها وحمل الصغير هامساً له :
- اهلاً بالباشا الصغير...
ليعاود التكبير بأذنه ثم وضع كليهما بتلك الآسرة الصغيرة التي أحضرها مؤخراً لينحني ويقبل جبين كل منهم برقة حتي لا يوقظهم ثم نظر بحزن لجميلته النائمة ليستلقي علي الأريكة بتعب من هذا اليوم المرهق بحق...

دلفت برفقته الي المنزل وما كادت تتحدث حتي اختطف قبلة من شفتيها ثم أسند جبينه اليها هامساً :
- لطالما تمنيت ان أفعل ذلك !
ابتسمت بخجل ليكمل بهمس :
- أتذكرين صغيرتي حين احضرتك للعيش برفقتي بلندن ؟
اومأت مغمضة الأعين ليكمل بابتسامة هادئة :
- أتذكرين كيف كنت أعاقبك حين تخطئين ؟

ضحكت بخفوت قائلة بعبوس بسيط  :
- كنت قاسي القلب داني فقد كنت تجعلني أمارس تمرينات كالمصارعين بلا ذرة شفقة !
ابتسم بغموض متسائلاً :
- جيد...أتذكرين كم العدد الذي كنت تتمرنين عليه ؟
اجابته باستغراب :
- نعم...لقد كان ما يقرب الخمسون عدة !
ابتعد فجأة قائلاً بصرامة رغم ابتسامته :
- ستأخذ وقت طويل لذلك اقترح ان تبدئي العد من الأن !
اختفت ابتسامتها قائلة بحده :
- اتمزح معي داني ؟

اجابها بجدية :
- وهل ابدو لكِ انني امزح ؟ هيا تعلمين ما يجب عليكِ فعله قبل ان أزيد العدد !
تركها تحت صدمتها وجلس مسترخياً علي الأريكة ثم خلع سترته ووضع ساق فوق الأخرى ليراقبها ببرود قائلاً ببراءة :
- ماذا ؟ لقد أقسمت علي فعل ذلك ولن أخنث بقسمي ايتها الصغيرة سليطة اللسان !
استشاطت غضباً من بردو فهو جاد حقاً لتهتف بعبوس :
- داني ! الا تدرك ان الليلة ليلة زفافنا ؟ حقاً تريد مني ان امارس تلك التمارين ؟ والان ؟!

اجابها ببرود :
- حسناً لقد اصبحوا مائة عدة !
اتسعت عينيها لتردف مسرعة  بنبرة لينة لعلها تثير يتراجع بقراره :
- لكن داني ماذا فعلت انا ؟ ارجوك فكر بالأمر...سأتعب كثيراً...
طالعها ببرود قائلاً :
- لا لن تفلح حيلك هذه المرة فقد اقسمت يا حلوتي...ثم انك اصبحتِ وقحة وسليطة اللسان للغاية منذ عدتي الي مصر لذا توقفي عن الكلامي وابدئي فوراً!
نظرت له بضيق وهي تزم شفتيها بحزن طفولي قائلة وهي تشير لنفسها :
- هذا الفستان ثقيل للغاية ! أيمكنني فعلها بعد ان أغيره ؟

تمتم ببرود :
- مائة وخمسون عدة اذن !
انتفضت ببكاء لتهبط ارضاً وتبدأ بالعد بينما تلامس الأرض وترتفع قليلاً وتعود لتلامس الأرض...
مر بضع دقائق ولم يستطيع تجاهل قلبه المشفق عليها فهي ستظل صغيرته العنيدة ليجدها وصلت للعدد الثلاثون بصعوبة بالغة لينهض ويقترب ويحملها ولم تستطع التعلق برقبته بذراعيها يؤلماها بحق! ليهمس بيأس :
- تباً لقلبي اللعين ! فقط اتمني ان أكمل عقاباً ولو لمرة واحدة دون ان اشفق عليكِ !
اخفت ابتسامتها وهي تمثل الانهاك والتعب فهي لم تكمل حتي عشرة عدة بل استغلت شروده في انهاء عقابه وافتعلت هذا العدد فهي تعلم انه يجعلها تصل لنصف عقابه حتي!

وضعها علي الفراش لتستلقي بضعف زائف ليهتف بأسف :
- هل تتألمين لهذا الحد صغيرتي ؟
واقترب وقبل جبينها باعتذار وفجأة ضيق عيناها بشك قائلاً :
- كيف أنهيتِ الثلاثون في دقائق ؟
ارتبكت لتهتف بتوتر :
- لقد اردت الانتهاء بسرعة...
جز علي أسنانه بغيظ قائلاً :
- أيتها المخادعة  ! ماذا افعل بكي ؟

ابتسمت بخوف قائلة بخفوت وأعين بريئة كالقطط :
- أسفة...
ابتسم رغماً عنه ليقترب قائلاً بخفوت خطير :
- حسناً اذن سأوجل عقابي لاحقاً فلدينا الكثير لفعله !
أطفا الضوء ليبدا كلاهما حياتهم الجديدة معاً وقد قرر قلمي كتابة السعادة لهم بعد طول معاناة...

...بعد مرور يومان...
تنفس بغضب وهو يحمل الصغير فلم يعد يحتمل ودلف الي غرفتها ليقبض علي ذراعها هادراً بعصبية :
- كفاية هروب بقي ! طول حياتك بتهربي بس دلوقتي معادش ينفع ابنك هيموت !
سحبت رسغها وهي تنكمش في نفسها قائلة بنفي ونبرة مرتجفة :
- مش ابني انا معنديش عيال !

صاح بها بعصبية :
- فوقي بقي كفاية ! بقولك ابنك بيموت ! لازم يرضع !
صاحت بشراسة لأول مرة منذ عادت من عالمها المظلم :
- مليش دعوة ! ابعد عني انا مش عايزة اشوف حد ولا اعرف حد وقولتلك مش ابني !
تنفس بعمق ليردف بهدوء نسبي ونبرة متألمة لأجل صغيره وقلبه ينتفض رعباً ليقربه لها :
- طب بصي ده عنده نفس لون عنيكي بصيله هتعرفي انه ابنك...هو محتاجلك...مرضيش يقبل اي لبن تاني غير لبن رضاعتك علشان انتي امه !

دق قلبها بعنف لرؤية عيناه وشحوب بشرته فالصغير يحتضر بالفعل! ازدردت ريقها لتنفي برأسها وتغطي وجهها بالغطاء هامسة بتقطع مرتجف :
- معرفش...امشي...خده وامشي...
ليهمس بتوسل حزين :
- ميرا...أرجوكي...ابننا بيروح مننا !
سالت دموعها لتحيط نفسها بحماية هامسه وجسدها يرتجف بصورة غير طبيعية :
- ده أحسنله...الموت راحة من كل تعب...لو عاش هيتعب زيي وهيتمني الموت في كل لحظة !

مسح وجهه بألم فقد ساءت حالتها منذ افاقت ورافضة ان تري أحداً حتي هو رفضت رؤيته ولا حتي رؤية الطفلين فقد دخلت في حالة اكتئاب شديدة...تنهد باستسلام ليضع الصغير بجوارها علي الفراش ويهتف بنبرة قاسية :
- اهو خليه جمبك واتفرجي عليه وهو بيموت واطمني مش هياخد كتير الدكتورة قالت كلها كام ساعة وخلاص !
ثم رحل بقلب متألم فكانت هذه محاولة أخيرة لإنقاذه فللأسف الصغير لم يقبل اي لبن خارجي علي عكس الصغيرة التي استطاعوا احضار مرضعة لها وتقبلتها ، جلس امام الغرفة بقلب ينحره الألم ليغمض عيناه بتعب ليجد الطبيبة تهتف بحزن :
- لسه برضو ؟

اومأ لها بضعف لتكمل بشفقة :
- للأسف مدام ميرا دخلت في حالة انها شايفة الموت بيحوم من كل حته وان اي شخص هيقرب منها هيموت فمش عايزة حد يقرب منها عايزة تقطع علاقتها بالكل وتعيش في عزله !

بعد نصف ساعة...
قبلت الصغير الساكن بلا صوت بلطف وأعين لامعة لتنهض وتخرج من الغرفة فلم تجد أحد لتسير ببطء وخطوات مترنحة فهي علي الأغلب لم تنهض منذ شهور لتصعد الي الدور العلوي حتي وصلت الي سطح المبني ، سارت بخطوات متمهلة...شاردة بذلك الرداء الأبيض الخاص بالمرضي وخصلاتها السوداء تغطي ظهرها وغروب الشمس ينعكس علي عينيها الزرقاء لتقترب من الحافة وترفع قدمها ببطء ليصلها صوته الساخر :
- لسه بردو بتحاولي تهربي مش بتزهقي ؟

التفتت له بحده قائلة وهي ترفع القدم الأخري :
- ملكش دعوة بيا !
اقترب بهدوء لتحذره بحده :
- اياك تقرب ! ومتحاولش تقنعني اني انزل...انا بقيت جثة من غير روح فوفر كلامك ملوش لازمة !
نفي برأسه لتصدم به يصعد ويقف بجوارها قائلاً ببرود :
- لا فاكس الجو القديم بتاع انزلي ولااا متسبنيش وبتاع...دلوقتي في حاجات اجدد واحسن زي...اننا هننتحر مع بعض دلوقتي ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الخامس والثلاثون والأخير بعنوان: تحرر

- لا فاكس الجو القديم بتاع انزلي ولااا متسبنيش وبتاع...دلوقتي في حاجات اجدد واحسن زي...اننا هننتحر مع بعض دلوقتي ... !!!
صدمها بحديثه ليخفق قلبها وتتحول عيناها للضياع والتشتت هامسه :
- طب وولادك ؟
اجابها بلا مبالاة مشدداً علي كلمته الأولي :
- ولادنا...ربنا يتولاهم ، ايه الي هيحصلهم مثلا ؟ هيترموا في دار أيتام ؟ هيشوفوا ايام سودا ؟ هيتحرموا من جو الاسرة والاب والام ؟ طب وايه يعني ما احنا كمان اتحرمنا منه !

ابتلعت ريقها بتعب ليكمل :
- انت عيشتي مع اب وحش وبيكرهك ومامتك تعبت من الوجع وربنا رحمها وانا مفرقتش كتير امي كانت مشغولة ازاي تأذي اخواتي وتاخد بتارها وابويا كان مشغول بتأنيب ضميره وسلبيته !
اجابته بضعف وأعين شارده وكأنها طفلة مذنبة وتبرر فعلتها :
- انا...تعبت...وهي وحشتني أوي!
طالعها بأعين حزينة فهو أدري بحالتها وان حديثها صادر من قلبها المتعب والرياح تلامس وجههم بقوة ليهتف :
- وانتي فاكرة ان الموت بالطريقة دي راحة ؟ عذاب الدنيا ومهما شوفتي فيه ارحم مليون مرة من عذاب جهنم !

سالت دموعها هامسه بتقطع :
- انا م...مريضة ! هأذيك وهأذي عيالك...انا حمل تقيل محدش ينفع يستحمله...انا شوفت محسن بيموت قدام عنيا ومتحركتش ! انت كنت بتموت قدامي ومساعدتكش ! انا مش فاكرة ايه الي حصل بس الي متأكدة منه اني مش السبب في انقاذك...
سالت دموعه رغماً عنه من حديثها المتألم خاصة عند حديثها عن "والدها" الذي لم يعلم عنه شيئاً ليخفي صدمته قائلاً :
- لو كنت فعلاً مؤذية كنتي سيبتي ابنك يموت !

Flash back.        
وضعه بجوار فراشها وخرج من الغرفة لتغمض عيناها بقوة محاولة تجاهل وجوده وهي تحتضن جسدها بحماية ليتسلل الي مسامعها صوت بكاءه الأشبه بمواء القطط ، ضعيف...خافت...متألم! وهي خير من يميز الأصوات المتألمة نفت برأسها وهي ترفع الغطاء علي وجهها وتضع كفيها علي أذنها حتي لا تستمع له حتي بدأت تبكي هي الأخري! ثم مددت كفها بارتعاش ورجفة تعتريها لتتلمس وجهه بحذر ورهبة! قربته قليلاً من جسده ليفتح عيونه الزرقاء المماثلة لعينيها ليخفق قلبها بشدة! لتهمس بتقطع وارتباك كطفلة صغيرة :
- م...متعيطش !

اعتدلت قليلاً لتحمله بارتجاف وحذر وكأنها تحمل قطعة زجاج! تخاف ان تكسرها ليهدأ بكاء الصغير ما ان حملته وهو يطالعها بتلك الأعين الجميلة لتهمس مرة أخري وكأنه سيجيبها! :
- أأا ...انت ابني...انا ؟
فاضت عيناها بالدموع حين أمسك اصبعها بكفه الصغير ذو الملمس الناعم لترتسم ابتسامة شاحبه علي وجهها وروحها المتعبة لتبدأ في محاولة ارضاعه بحيرة وتشتت ظلت لبضع دقائق حتي استطاعت فعلها ليخلد الصغير الي النوم بعد ان ارضعته وقد انتظرها ليومان! قبلت الصغير الساكن بلا صوت بلطف وأعين لامعة وهي تغادر الغرفة...
End flah back

خصلاتها السوداء بتموجاتها الناعمة تتطاير حول وجهها بفعل الرياح ووجها أحمر من الارتباك لتصيح بعصبية متوترة من معرفته للأمر فقد ظنت انهم سيعلمون بذلك بعد انتحارها :
- انت ليه مش عايز تفهم ؟ انا معدتش نافعة انا جثة ! فاهم يعني ايه جثة ؟ يعني نفس خارج ونفس داخل...انا فشلت اكون زوجة كويسة وبنت كويسة وهفشل اكون ام كويسة ! انا معادش عندي طاقة لأي حاجة...انا عصبية ومتكبرة ومليانة كلاكيع وعقد والناس كلها بتخاف مني ومعنديش قلب !
اجابها بابتسامة صادقة :
- وانا بارد وكنت عديم المسؤولية ولسه بتعلمها جديد وعرفت ستات بعدد شهر راسي قبلك...وبحبك !

نظرت له بيأس ليشبك اصابع كفه مع اصابعها هامساً بنبرة عاشقة :
- بحبك وقابلك بكل عيوبك زي ما انتي بتحبيني بالظبط...اديني فرصة ادخل دنيتك واشوف تعبك...رغم حبك ليا عمرك ما حكتيلي حاسة بايه ولا ايه الكوابيس الي بتشوفيها كنت بتهربي من تعبك وبتخبيه عني...
ظلت تبكي في صمت وهي تستمع لكلماته التي تضرب صميم قلبها تنهد ليتراجع للخلف وينزل عن سور السطح وهو يمد كفه لها هامساً بصدق :
- سبيني أداوي جروحك يا ميرا وخلينا نبدأ من جديد !

ابتسمت ساخرة وخرج صوتها متحشرج هامساً يحكي سطوراً من ألم :
- فات الأوان...جروحي عاملة زي السلسلة الي تحس انها بتسحبك لتحت...وانا...انا وصلت للقاع !
التفتت له تطالعه بأعين شاردة متعبة وابتسامة شاحبه وكأنها لا تشعر بتلك الدموع التي تنهمر بغزارة علي وجنتيها أثارت قلقه هامسه بحروف ضائعة يتخللها ألم ينبع من وجدانها :
- ب...بحبك !

اتسعت عيناه وارتفعت نبضات قلبه برعب! وهو يري جسدها يميل للأمام وهي تفتح ذراعيها للهواء و تغمض عيناها بقوة وتستسلم لمصيرها الذي اختارته لأول مرة بلا تدخل القدر!
لكنه كان الأسرع ليلتقط ذراعها قبل السقوط ويسحبها ليسقط كلاهما علي الارض وهي فوقه احتضنها بقوة وهو يلهث بعنف فتلك المختلة كادت ان تتركه في لحظات! لن يكذب ان قال انها اصعب اللحظات في حياته ليعتدل ويعكس وضعهم لتكون هي اسفله ليقبض علي خصلاتها هادراً بعنف وعصبية :
- اقسم بالله مجنونة وهتجنيني معاكي ! انتي واخدة بالك انك كنت هتسبيني ؟ كنتي هتموتي ؟ وانا الي قلت بتعرف غلاوتها عندي يخربيت دماغك !

نظرت له بنظرات مشتعلة لتصرخ به وهي تحاول دفعه :
- ابعد عني...ملكش دعوة انا حره !
صاح بها بعصبية ولم تحركه حركاتها الضعيفة للتملص من بين يديه :
- لولا تعبك وحالتك والله مكنت سبت فيكي حتة سليمة واجدعها دكتور مش هيعرف يلصمك !
التمعت عيناها بشراسه هادرة :
- جرب كده تعملها وتمد ايدك عليا وانا اكسرهالك يا ابن فريدة !

اندهشت من ردة فعله فللعجب ابتسم! ولم يكن يبتسم سوي لعودة شراستها التي بات يعشقها واشتاق لها حق دفن رأسه برقبتها تحت صدمتها ليهمس بتعب وابتسامته تزين ثغره :
- وحشتني يا ضبش !
حاولت ابعاده بعصبية وهي تصرخ :
- ابعد عني...ابعد بقولك انا بكرهك!
لم يبتعد وظل محتضناً اياها لتبدأ قواها بالضعف وتهدأ حركتها وتجهش ببكاء مرير وهي تتعلق بعنقه وقد اشتاقت له هي الأخرى وبشدة ليكون مشهداً تعجز الكلمات عن وصفه بكاءها العالي الذي تزداد وتيرته وكأنها تشكو له ما يؤلمها وهو ايضاً يبكي من أجلها وفرحة لعودتها بكي كلاهما كما لم يبكوا من قبل لكنه تعاهد سراً ان تكون هذه اخر مرة تعرف الدموع الطريق اليهم...

ابتسمت لها بحنان قائلة :
- زهرة انا مش همنع وجودك هنا انا خلاص تخطيت الموضوع وفهمتك وانا مقدرة ان الظروف الي كنتي فيها هي الي خلتك تفكري كده...
ابتسمت لها الأخرى بدورها وهي تحمل حقيبتها قائلة بصدق :
- انا عارفة...بس ده الأحسن صدقيني انا محتاجة اركز في دراستي زي ما دانيال باشا قالي وبعدين انا هاجي في الاجازات مش هسيبكم بردو...
ردت بهدوء ومازال شعلة بسيطة من الغيرة تعتمر بداخلها رغماً عنها :
- زي ما تحبي...

دلف الي المنزل ليقترب ويهتف بجدية حنونة :
- رغم عدم موافقتي لدخولك مدرسة داخلية الا انني احترم قرارك يا صغيرة لكن تذكري سأظل دوماً افضل اب وأفضل اخ قد تحتاجيه يوماً فقط اياك ان تتردي في اللجوء الي في اي مشكلة تواجهك !
ابتسمت بدموع وهي تمنع نفسها بصعوبة الا ترتمي بين ذراعيه وتودعه وليس كحبيب بل كأب فهي بالفعل ادركت ان مشاعرها الاولي ذهبت ادراج الرياح هي لا ترغب سوي باحتواءها كأب لتودعهم مسرعة :
- انا اتأخرت...يلا ربنا يسعدكم ويهنيكم سوا...

خرجت مسرعة لتمسح دموعها فهي حقاً كانت بحاجة لأسرة لكن هذه ليست الاسرة المناسبة لها تماسكت لتصعد الي السيارة وهي تقرر ان تصنع مستقبلاً أفضل والا يشغلها سوي دراستها ستتغير...ستتمرد علي تلك القيود التي صنعها قدرها ولن تلتفت الي الوراء فقط ستمضي بطريقها...

وصلت الي منزلهم وهي تتمسك بذراعه برهبة فهي لم تري الضوء لأكثر من تسعة اشهر وهو يحمل الصغيرين ومجرد ما ان انفتح الباب لتجد اسرته الصغيرة تنتظرهم "سارة" و"الياس" و"داني" و"ليلي"
لتقترب شقيقته الكبرى سريعاً وهي تسحبها لتحتضنها قائلة بدموع :
- حمدلله علي سلامتك يا ميرا...متعرفيش وحشتيني ازاي
ابتسمت لها بارتباك وهي تنكمش خلفه ليأتي دور "ليلي" التي هتفت بابتسامة :
- حمدلله علي سلامتك يا ميرا انتي وقلب عمتو الصغننين ...

قالتها وهي تحمل الصغيرة وتداعبها بلطف ليقترب "دانيال" و"الياس" مصافحين "يوسف" وهتف هو بإنجليزيته :
- اهلا بعودتك سيدة ميرا ...
قاطع حديثهم هتاف "ليلي" بحماس :
- يا قلبي شوفتوا عنيها دي نفس عنيك يا يوسف بس صغيرة خالص...
ابتسم لها الجميع ليردف "يوسف" بمرح :
- عدل ربنا الباشا الصغير خد عنين مامته والانسة العصبية دي خدت عنيا انا...

التف الجميع حول الأطفال لتهتف "سارة" بابتسامة :
- طب سمتوهم ايه ؟
اجابها وهو يتطلع لجميلته المرتبكة بحب :
- نجاة وآسر...
اقترب "دانيال" من ليلي ليهمس بأذنها بعبث :
- بعد رؤية هذه الرضيعة انا لن اتنازل عن واحدة مثلها واريدها مشاغبة ذات شعر بلون العسل تماماً كوالدتها ، اريد نسختك المصغرة !

ابتسمت بخجل وهي تلكزه وبداخلها تتمني مثله ان تحضر طفلة تشبهها حتي تساعدها في مكائدها ضد والدها ثم ضحكت بخفوت علي افكارها المجنونة..
بعد قليل غادر الجميع ليبقوا وحدهم كادت تدلف الي غرفتها ليمسك كفها قائلاً بلطف :
- استني يا ميرا...
نظرت له باستفهام ليسحبها خلفه ولوا الي غرفتهم ليباغتها بسؤاله :
- صليتي قبل كده ؟
شحبت من سؤاله المفاجئ لتردف بارتباك :
- لأ...

اجابها بهدوء :
- ولا انا !
ليسحبها الي المرحاض ويهتف بابتسامة هادئة :
- انا في الفترة الي فاتت دي اتعلمت ازاي اصلي وازاي اتوضي بس مصلتش...كنت مستني ناخد الخطوة دي سوا او مكانش عندي الشجاعة الكافية اني اخدها لوحدي...
طالعته بعدم تصديق وبدأت الدموع تترقرق بعينيها ليبدأ بتعليمها الوضوء كطفلة صغيرة ثم توضأ كلاهما ليغيب ويحضر لها عباءة وحجاب رقيق كان قد اشتراهم مؤخراً  لتصلي بها ارتدتهم بارتباك لتسير خلفه حتي وضع سجادة الصلاة لتقف خلفه وهو يصلي بصوت عال حتي تردد خلفه انتهي كلاهما من الصلاة ليمسك كفها ويداعبه بحنان قائلاً :
- حاسه بايه ؟

اجابته بصدق :
- حاسه براحه غريبة محستش بيها من زمان...
ابتسم قائلاً بهدوء :
- احنا قولنا هنبدأ من جديد وهنواظب علي الصلاة وعلي العلاج بتاعك والجلسات مع الدكتورة ، ايدي في ايدك وهنساعد بعض انا محتاجلك زي مانتي محتجالي بالظبط الطريق طويل بس هنمشيه سوا...

لم ترد سوي بكلمة واحدة هامسه بحروف تقطر عشقاً :
- بحبك !
ولأول مرة في حالة فريدة من نوعها لا يتغير العاشق لأجل معشوقته بل يتغيرا سوياً لأجل كل منهم ليبدأ طريقهم بأيدي متشابكة في ترميم ارواحهم المنكسرة التي خطت عليها خطوط الزمان فقيل قديماً اذا لم يصلح الزمان ما احدثه من كسور بين ثنايا روحك سأحطم روحي كالزجاج المنثور وأصلح بها ما فرغ من روحك المظلمة...

... بعد مرور خمس سنوات ...
دلف الي المنزل بعصبية مفرطة لتقف والدته في طريقه قائلة بارتباك :
- الياس حبيبي كويس انك جيت كنت عايزاك تركبلي اللمبة بتاعة أوضة المخزن علشان باظت !
قبض علي كفه بعصبية قائلا‘ من بين اسنانه :
- بقولك يا حاجة وسعي من سكتي مش هتداري عليهم زي كل مرة !

لمح الصغير يركض لأعلي ليصيح بتوعد وهو يلحقه :
- خد يالا فاكر اني مش هعرف اجيبك يا بتاع ميس انشراح ؟
كاد يصعد خلفه لتقف بطريقه "سارة" وهي تهتف بدلال مبالغ به لا يليق بها :
- انت جيت يا الياس...وحشتني...كل ده تأخير ؟
رفع حاجبه بتعجب ليهتف باستغراب :
- ده علي اساس انك كده بتتدلعي ولا دي بواد اغماء ؟ اخفي من وشي انتي كمان يا سارة الله لا يسيئك...

احمر وجهها بحرج ليبعدها عن طريقه ويصعد الي الأعلى دلف الي الغرف يبحث عنهم بلا جدوي حتي استوقفه صوت بخزانة ملابسة فتحها ليجد صغيرته الشقية مختبئة بها وتخبئ وجهها بين كفيها ليهتف بتوعد :
- قفشتك يا ام اتنين من خمسين !
صرخت بفزع ليسحبها من ملابسها من الخلف كالمجرمين! صائحاً بعصبية :
- الهانم كانت بتبيع لبن طول السنة ؟ لعبت في ورقتها البخت علشان تجيب الدرجة دي ؟

اخفت ضحكتها لتجيبه ببراءة كالقطط :
- أصل الامتحان كان صعب يا بابي والمستر اصلاً مستقصدني قلتله انا بنت المقدم الياس راح مشوحلي بأيده كدهو علي اساس  مش هامه يعني ...
قالتها وهي تلوح بيدها ليهتف بغيظ :
- يابت بطلي لماضة اعمل فيكي ايه بس...
سحبت نفسها لتركض الي الخارج سريعاً وهو يلحقها بعصبية ليجد "مازن" يركض الي الأسفل ليخلع حذائه ويلقيه عليه هادراً :
- تعالالي يا عاقل يا كبير يالي مبوظهم...

هبط الي أسفل ليجدهم جميعاً منكمشين ببعضهم خوفاً من غضبه لتهتف والدته سريعاً بغضب :
- جري يا الياس مربي للعيال الرعب ليه ؟ بقولك ايه احفادي محدش هيجي جمبهم لحسن اسيبلك البيت ومحدش يعرفلي طريق !
رفع حاجبه بدهشة لتؤيدها "سارة" قائلة بحزن مصطنع :
- ايوة يا ماما وانا كمان هاخد بنتي وولادي وهاجي معاكي مهو محدش بيهتم بينا في البيت ده !

لتشرع في بكاء زائف ووالدته كذلك حتي تلك الصغيرة الشقية انضمت لهم ليهتف من بين اسنانه :
- مهو دلعك انتي وامي ده الي مبوظهم...مش عارف اربي عيالي بسببكم !
ليكمل بعصبية :
- البيه الكبير عاملي بلطجي وماشي يضرب اي حد يكلم يزن او تقي المدرسة كلها بقت تخاف تقرب منهم والمدرسين بيشتكوا والبيه الصغير سي روميو راح يحب مدرسته الي عندها 30 سنة ومقضيها ورد وغراميات ودور العاشق الولهان ! ولا السنيورة الي الاصفار منورة ودرجاتها في النازل !

لتصيح "سارة" بغيرة :
- وانت عرفت منين ان عندها 30 سنة يا سي الياس ؟
ضرب كفه بالأخر قائلاً بدهشة :
- احنا في ايه ولا في ايه يا سارة بقولك مصايب عيالك وانتي تقوليلي مدرسة ومش عارف ايه !
دفعها برفق ليجلس علي الاريكة بضيق وهو يكتف ساعديه امام صدره ليقترب منه الجميع فتجلس والدته بجانبه وزوجته من الجهة الأخري و"يزن" و "تقي" جلسا علي ركبتيهما امامه و"مازن" وقف خلفه لتقبله والدته من وجنته قائلة بابتسامة :
- متزعلش نفسك يا الياس...

لتقبله "سارة" من الجهة الأخرى قائلة برقة :
- خلاص بقي يا الياس...
لتقبل صغيرته كفه وهو مازال عابساً قائلة ببراءتها المحببة الي قلبه :
- انا اسفة يا بابي اوعدك هذاكر وهجيب درجات احسن بس انت متفضلش زعلان...
ليقبل "يزن" كفه الاخر قائلاً بضيق طفيف :
- اخر مرة يا بابا مش هبعت لميس انشراح جوابات تاني...

ليقول "مازن" بأسف :
- اسف يا بابا هحاول اتمالك اعصابي بعد كده...
ابتسم رغماً عنه قائلاً بمرح متحسراً علي حاله :
- دانتوا مش بتاكلوا بعقلي حلاوة دانتوا بتطفحوهالي طفح !
ضحك الجميع وهم يحتضنوه بقوة وهو يضحك من هجومهم فحقاً لا يستطيع ان يغضب منهم لوقت طويل طالما اجتمعوا عليه فتلك أسرته الصغيرة التي يعشقها فهذا عوض الله وما أجمله عوض...

ابتسمت بخجل وهي تستعد بذلك الفستان الوردي القصير لتضع اللمسات الاخيرة بمساحيق التجميل لتخرج من الغرفة ما ان استمعت لغلق الباب لتجده يتمتم بضيق :
- الزحمة...مش معقوله...والسواقين...بيتخانقوا علي كل مشكلة...في الساعة !
ضحكت بخفوت علي لغته العربية التي مازالت ضعيفة نوعاً ما فهي الي الان تجمع كلمتين من حديثه لتكون جملة مفيدة! لتهتف بمرح :
- ايه الي مزعلك بس يا انجليزي ؟

ابتسم تلقائياً ما ان رأها ليسحبها ويجلس علي قدميه كعادته ويحكي لها يومه ليهتف بلغته :
- يا اللهي لقد اشتقت للندن كثيراً وتلك البرودة انا اكتشف شيئاً جديداً كل يوم بهذه البلاد !
عبست قائلة بعتاب رقيق :
- آدم مش اتفقنا منتكلمش انجلش تاني علشان تتعود علي العربي ؟
تأفف بضيق قائلاً بتقطع :
- حاضر...مش...هتكلم انجليزي...واتكلمت...عربي
ضحكت بخفوت لتهمس بجانب أذنه :
- انا قررت افك الحظر وابسطك !

ابتسم قائلاً بعدم فهم :
- يعني ايه ابسطتك ؟
مالت علي مرة اخرى هامسه بعبث :
- يعني انا حامل و هجبلك مصيبة تانية شبهي يا انجليزي !
صاح باستنكار مندهش :
- انتي تمزحين ؟ انتي حقاً حامل ؟

ضحكت من صدمته فهي قد قررت تأجيل الانجاب ليستمتعوا بحياتهم سوياً وقد كانت تنهي دراستها التي اهملتها بالأحداث الماضية ليحملها ويدلف الي الغرفة يضعها علي الفراش قائلاً بتوتر وانفعال :
- من اليوم لا أعمال منزلية ولا خروج من المنزل و...وسأحضر كتباً كثيرة لكيفية التعامل مع الأطفال...حسناً...وسنذهب الي أفضل طبيبة بالبلاد او سأحضر طبيبة من الخارج وأيضاً...

امسكت وجهه هامسة بلطف بلغته فرغم رغبتها في تعلمه العربية الا انها مازالت تعشق لغته كما تعشق كل ما يخصه :
- ششش...اهدأ عزيزي...انا بخير...لا تقلق ستكون افضل اب لها مثلما كنت لي ، أنسيت طفلتك الاولي ؟
ابتسم ابتسامته الجذابة وهو يضم رأسها لصدره قائلاً بحب :
- ومن ينسي طفلة مثلك صغيرتي ؟
هتفت بعبوس بسيط :
- هل ستناديها صغيرتي وتدللها اكثر مني ؟

اتسعت ابتسامتها هامساً بعبث :
- لا ادري...لكن ربما أفعل ان كانت تحمل عينيكي البندقية او تحمل نفس ابتسامتك ويحمر وجهها حين تغضب ربما سأفعل حينها لكنك ستظلين مدللتي الأولي مهما أنجبتي...قطتي البرية !

جلست علي ركبتيها والدموع تنساب ساخنة علي وجنتيها لتهمس بشرود وابتسامة بسيطة :
- يوسف كويس...وآسر تاعبني شوية في المذاكرة ونجاة باقت شقية اوي...انا مبسوطة بس لسه الصورة ناقصة...محتجاكي جمبي...كبرت وبقيت ام ولسه محتاجة حضنك يهون عليا...

قرأت الفاتحة بدموع لتمسح وجهها وتميل لتقبل قبرها باشتياق ومازالت تحسد ترابه الذي احتضن جسدها بدلاً منها شعرت بيده علي كتفها لتنهض ببطء وتندفع بين ذراعيه تتشبث به بتعب فقد اصرت طبيبتها ان تتقبل الماضي ويجب عليها ان تزور قبر والدتها الذي امتنعت عنه لسنوات برهبة الان صارت تأتي من الحين للأخر ليربت علي ظهرهاً بحنان هامساً :
- خلاص كفاية كده يا حبيبتي يلا بينا نروح !

اومأت لتسير برفقته وهو يلف ذراعه حول خصرها بحماية لتنظر خلفها بشرود لذلك التراب الذي لطالما خشته وارتجف بدنها حين تسمع سيرته اليوم تأتيه بلا خوف بلا انهيارات فقط اشتياق لمن فقدتهم ، صعدت سيارتهم ليهتف محاولاً الهاءها :
- علفكرة بنتك باقت عصبية اوي نعمل ايه في جيناتك دي انا مبقتش عارف اتعامل معاها ؟
ابتسمت بشحوب لمحاولاته التي تدركها جيداً لتهتف بصدق :
- يوسف...انا كويسة  !

اوقف سيارته جانباً ليمسك كفها قائلاً بلطف :
- عارف يا ميرا...احنا عدينا كتير...كنا فين وبقينا فين...انا عايز اشوف ابتسامتك عالطول...ابتسامتك الي بتخلي قلبي يتنطط زي المراهقين لحد دلوقتي....
ابتسمت بخجل ليكمل بعبث وهو يهمس بأذنها :
- بس ده ميمنعش انك لسه ضبش !
لكمته بكتفه قائلة بعبوس :
- انت مش هتبطل الاسم ده ؟ ابنك اول امبارح جاي يقولي يعني ايه ضبش يا مامي !
كتم ضحكته ليميل ويهمس بخفوت خطير :
- انتي اد الضربة دي ؟

ابتسمت بمكر لترفع حاجبها قائلة بتحدي :
- اه ومبخافش علفكرة !
ابتسم بغموض ليرفع هاتفه قائلاً :
- ايوة يا لولة بقولك يا قلب أخوكي ابقي خلي حوزك يعدي علي البيت وياخد العيال علشان هغيب اسبوع كده ! هبقي اقولك بعدين...
قطبت جبينها قائلة بدهشة :
- اسبوع ايه ؟ ليه هنروح فين ؟

اعاد تشغيل السيارة لينطلق بها بسرعته الجنونية المعتادة قائلاً بخبث :
- طالعين علي الساحل يا روحي اصلها كبرت في دماغي بصراحة !
ضحكت بدهشة من جنونه لتهتف بابتسامة ماكرة وهي تغمز له :
- ناوي علي ايه ؟
التوي ثغره بابتسامة جانبية قائلاً بخفوت غامض وهو يرد لها غمزتها :
- ناوي علي كل خير يا مزتي !