ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والعشرون

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
تعمدت بطة أن تتمايل بجسدها وهي تنظف الأرضية الخشبية القديمة بقطعة القماش البالية أو ما يطلق عليها مجازا الخرقة أمام زوجها عبد الحق لتثير غرائزه، وبالفعل نجحت في هذا، فقد إرتفعت درجة إثارته، وظل ينظر لها برغبة وإشتهاء وهو يتحسس صدره قائلاً بهمس:
-تتاكلي أكل يا بنت الأيه!

تابعتهما والدته إحسان بنظراتها الساخطة، ولوت فمها في إمتعاض، ثم أردفت بصوت شبه حاد:
-نضفي يا بت عدل، بلاش مياصة وقلة أدب
توقفت بطة عما تفعل، وإعتدلت في وقفتها، ورمقتها بنظرات محتجة وهي تهتف بإعتراض:
-ما أنا طالع عيني أهوو، مش أعدة بألعب
غمغمت إحسان بخفوت وهي تحدجها بنظراته الإحتقارية قائلة:
-الوسخ هايفضل طول عمره وسخ مهما نضف!

حدجها عبد الحق بنظرات إستنكار وهو يعاتبها ب:
-إيه يامه الكلام ده، ماهو البت مش بتقولك لأ أبداً، وبتعمل اللي بتؤمريها به
رمقته بنظرات جادة وهي ترد بصرامة عليه:
-هي تقدر تقولي لأ، ده أقطم رقبتها!
زم فمه في تأفف، وحدث نفسه بسخط قائلاً:
-أعوذو بالله، هو اللي يقول الحق في الزمن ده يكفر!

تمتمت بطة هي الأخرى مع نفسها بكلمات غاضبة وهي تزيح المياه بالخرقة وتضعها في الدلو ب:
-ولية حيزبون عقربة عاوزة الحرق، إن ما طلعتهم على عينك مابقاش أنا بطة
وضعت بطة خطة محكمة – من وجهة نظرها – لرد إعتبارها من تلك المرأة البغيضة، والإنتقام منها دون الحاجة للإشتباك معها..
وستنتظر الفرصة المناسبة للبدء في تنفيذها..

نهضت إحسان من على الأريكة، وتوجهت نحو المطبخ، فتابعها عبد الحق بنظرات فرحة، ثم بخطوات محسوبة نهض هو الأخر من مكانه، وتوجه نحو زوجته..
بدأ هو في مداعبتها بكلمات شبه معسولة وهو يتلمس ظهرها هامساً ب:
-يا قايدة في قلبي النار وآآ..
قاطعته بدلال وهي تزيح يدها:
-لأ أوعى، مش عاوزاك تلمسني!
لف ذراعيه حول خصرها، وضمها قليلاً إليه وهو ينظر لها بشوق، وإبتسم لها قائلاً:
-ليه بس يا مزة ؟

تلوت بجسدها في أحضانه، وهي تعاتبه بصوت رقيق:
-يعني مش شايف أمك وعمايلها!
تلاشت إبتسامته وهو يرد عليها بإحباط:
-هاعملها ايه، هو طبعها كده!
لوت شفتيها في إمتعاض وهي تحدث نفسها ب:
-طبع ابن ***

تأملها عبد الحق بنظرات جريئة متفحصة لمفاتنها، وأردف بنبرة عابثة:
-بس إيه الحلاوة دي، إنتي دورتي وألوظتي وآآ..
عبست بطة بملامحها، وضيقت عينيها وهي تشيح بوجهها للجانب، وقالت بصوت ممتعض:
-ابعد يا عبده، ريحتك مضيقاني
مال زوجها برأسه عليها محاولاً إختطاف قبلة من شفتيها، وهو يهتف بتفاخر:
-يا بت ده أنا مستحمي أول امبارح.

نظرت له بإستهزاء وهي ترد عليه بسخرية:
-يا سلام
اقترب مجدداً من رأسها، وحاول تقبيلها وهو يهمس بتلهف:
-ما تجيبي بوسة قبل ما أمي تطب علينا وتعملنا أماثل
نظرت له بحدة بعد أن رفعت حاجبها للأعلى في إستنكار، وأجابته بتذمر:
-الله!هو إحنا مش متجوزين يا عبده ؟!
لوى فمه في ضيق، وأردف متبرماً ب:
-أه.. بس إنتي عارفة آآآ..

قاطعته بجدية شديدة وهي تجاهد للتخلص من ذراعيه بعد أن تعمدت أن تتشنج بقسمات وجهها، وهي تهتف بتأفف:
-طب ابعد بقى لأحسن مش قادرة!
لم يفلتها عبد الحق، بل قربها أكثر إليه وهو يجيبها بإصرار:
-يا بت بأقولك وربنا مستحمي بالصابونة أم الريحة
عبست بوجهها، وقطبت جبينها وهي تحدثه بضجر:
-يووووه يا عبده، بأقولك بطني قالبة عليا وهارجّع!
أرخى ذراعيه عنها، ونظر لها بإستغراب ورد عليها وهو فاغر فمه:
-هاه.

ثم وضعت يدها على فمها، وأمسكت بمعدتها، وركضت في إتجاه المرحاض، وأغلقت الباب خلفها، وظلت تصدر أصواتاً غريبة من الداخل..
لحق بها عبد الحق ووقف أمام الباب ودق عليه بخفة وهو يسألها بتوجس:
-مالك يا بت ؟ في إيه ؟
طرق مجدداً على الباب وإنتظر أن تجيبه زوجته، ولكنه ظل يستمع إلى أصواتٍ غريبة، فرفع حاجبيه للأعلى في إندهاش، وتسائل بفضول:
-مالها دي ؟!

في مشفى الجندي الخاص
طرق كبير الأطباء بالمشفى بأصابعه على سطح المكتب، وأسند طرف ذقنه على مرفقه، وظل يفكر في حيرة في التقرير الطبي الخاص بالمريضة تقى..
ابتلع ريقه وهو يطالع ما تم تدوينه في الفحص الأولي الخاص بحالتها..
نفخ في إنزعاج بعد أن أسند التقرير، وحدث نفسه بإضطراب:
-ما هو اللي حصلها ده جريمة بكل المقاييس، ده هتك عرض ونزيف مهبلي، ده غير الكدمات والرضوض اللي في جسمها كله، وأثار خربشات وجروح على ايديها يعني إغتصاب وش، أنا مش فاهم هو مش عاوز يبلغ البوليس ليه! ده في لحظة الدنيا هاتتقلب عشانه وهايجيبوا الكلب اللي عمل فيها كده!

أرجع ظهره للخلف، وزفر مجدداً في ضيق، وتابع بحيرة:
-يكونش خايف من الفضيحة، بس أوس الجندي مش بيفرق معاه الفضايح ولا غيره، الموضوع ده فيه حاجة غامضة.. أحسن حاجة أعملها عشان أحمي نفسي أبلغ د. مهاب وهو يتصرف، لأن أوس مش في وعيه ومش هايقدر يفيدني حالياً!

في مقر الجمعية الخيرية
مدت هياتم يدها بمظروف مغلق إلى المساعدة الواقفة أمامها وهي تردف بجدية:
-دول الدعاوي الخاصة بالحفلة
تناولتها تلك الشابة الصغيرة منها وهي تجيبها بصوت رقيق:
-تمام يا مدام هياتم
تابعت هياتم بجدية وهي تشير بإصبعها:
-وزعيهم على كل المدعوين اللي عملت معاكي قايمة باساميهم!

هزت رأسها موافقة وهي تردف بخفوت:
-حاضر
أضافت بصوت متحمس وهي تشير بيدها للخلف:
-كمان أنا عاوزاكي تأكدي على مهندس الديكور إن الحفلة هتكون في ( Open area ) اللي برا، فلازم يتصرف على الأساس ده
ردت عليها بصوت هاديء قائلة:
-إحنا عندنا إجتماع معاه أخر النهار
أومأت برأسها بخفة، وأمسكت بحقيبة يدها وعلقتها على كتفها وهي تتابع بصوت جاد:
-أوكي.. ولو في أي حاجة بلغيني وأنا هاشوف هاعمل ايه.

-اوكي
تحركت هياتم في إتجاه باب الغرفة، ثم إستدارت بظهرها لتحدثها قائلة:
-أه، وماتنسيش تأكدي على مديرين دار الأيتام والمسنين على الحضور ومعاهم الحالات الإنسانية اللي جمعيتنا أشرفت عليهم، دول تجربة حية لإنجازاتنا
سارت المساعدة الشابة إلى جوارها، وهي تجيبها بإبتسامة رقيقة:
-أكيد طبعاً
-تمام، مش هأخرك أكتر من كده، على تليفونات، باي..!

في مشفى الجندي الخاص
دلف أوس إلى المرحاض الملحق بغرفة العناية المركزة الراقدة بها تقى ليغسل وجهه، ويبدل قميصه..
تأمل هيئته في المرآة، ودقق النظر في أثار خدوشها على عنقه.. ثم إلتفت برأسه ناحية الباب، وتنهد في ضيق..
شعر بغصة في حلقة وهو يراها ساكنة تماماً، لا يصدر منها أي صوت سوى ذلك الصفير المتقطع و المنتظم لجهاز قياس ضربات القلب..
أغمض عينيه ليقاوم تلك الذكريات التي إجتاحت عقله وهو يعتدي عليها محاولاً إثبات رجولته الحقيقية أمام ضعفها المغري..

شعوره بالعجز الآن حيال حالتها الصحية مقارب إلى حد كبير من شعوره بالضعف حينما تعرض له منذ سنوات ذاك الذي يبغضه حد الموت..
نفخ في إنزعاج، وسلط أنظاره على صورته المنعكسة، ثم ضيق عينيه لتصبح حادتين كالصقر، وبدأت تصيبه تشنجات عصبية وهو يصر على أسنانه حينما رأى تلك الضحكة الشيطانية لخيال ممدوح تبرز على المرآة..
فضرب بقبضته المرآة ليمحو صورته وهو يصرخ بهياج:
-إبعد عن حياتي! إبعد!

تحطم زجاجها على إثر قبضته العنيفة، وجُرحت يده جرحاً بالغاً ولكنه لم يهتم، بل ركض إلى خارج المرحاض، وإتجه إلى فراش تقى، ثم أمسك بها من ذراعيها، وهزها بقوة وهو يتابع بصراخ:
-فوقي يا تقي، قومي من هنا، ماتبقيش زيي، فين مقاومتك ليا ؟ فين وعدك بإنك مش هاتخليني أقرب منك، قومي.. ردي عليا وقومي!
ظل يحركها بعنف وهو يصرخ بها حتى إنتزع عنها الإبرة الطبية المغروزة في كفها، وكذلك الجهاز المثبت في سبابتها لقياس نبضاتها، فتوقف جهاز قياس ضربات القلب عن العمل وأطلق صافرة طويلة..

تابع قائلاً بصوت هادر وعينيه تلمعان من حمرة الغضب:
-فين تهديداتك ليا، قوليلي فين ؟ ساكتة ليه الوقتي ؟
هزها مجدداً بعنف أشد وهو يصرخ:
-فين تحذيراتك من إني ما أقربش منك ولا ألمسك حتى، طب أديني ماسكك يا تقى، ماسكك وبلمسك أهوو
ثم رفعها إليه وضمها بقوة إلى صدره، وأحكم قبضتيه عليها، وأضاف بجموح:
- ها، قوليلي هاتعملي ايه وإنتي في حضني ؟ ردي، ماتسكوتيش كده، ردي عليا.. قوووومي وكلميني، دافعي عن نفسك!

ثم أسندها بذراع واحد، وباليد الأخر أمسك بكفها، ووضعه على وجنته، وصاح بها:
- اضربيني يالا زي ما كنتي بتعملي، خربشيني بإيدك!
لم يدرك أوس أنه كان يبكي بلا وعي وهو يصرخ بها.. لم يشعر بنفسه وهو ينهار دامعاً أمامها..
لكن بماذا يفيده هذا الآن، وهي لا تعي ما يحدث..
أطبق على فكها بكفه، وظل يحركه بعصبية وهو يهتف بإحتياج:
-افتحي بؤك وصرخي يا تقي، صوتي، خليني أسمع صوتك!

لطخت دماء الجرح الموجود بكفه وجهها فإزداد ذعره عليها، وخفق قلبه بشدة، ولم ينتبه أنها منه..
وعلى إثر ذلك الصوت الهادر، وتوقف جهاز قياس نبضات القلب عن العمل إندفعت إلى داخل الغرفة ممرضة ما لترى ما الذي حدث، فرأت حالة الإهتياج العصبي لأوس، فإتجهت نحوه، وحاولت تحرير تقى الغائبة عن الوعي من قبضتيه، وهي تتوسل له بصوت قلق:
-يا باشا مش ينفع اللي حضرتك بتعمله، سيبها.

ولكنه دفعها بقسوة للخلف وهو يصرخ فيها بشراسة:
-اطلعي برا، برا، محدش يجي هنا
إرتد جسدها وفقدت إتزانها، وسقطت على الأرضية الصلبة.. وتأوهت ب:
-آآآآه..
رمقته الممرضة بنظرات مرتعدة بعد أن رأت عينيه الحمراوتين وهما تفتكان بها من نظراته المرعبة، فتوجست خيفة من الإقتراب منه، وإستندت بكفي يدها لتنهض، ثم ركضت خارج الغرفة من أجل طلب العون...

في مكتب المحامي أمجد سعفان
دلف حارس الأمن الأسبق أحمد إلى داخل بهو ذلك المكتب الفخم وهو مشدوه بما حوله من موظفين على مستوى عالٍ..
هو قابل أثرياء من قبل، ولكن لم تطأ قدماه مثل تلك الأماكن..
تردد وهو يتجه إلى المكتب الموضوع في الإستقبال، ولكنه حسم أمره بالإستمرار في التحرك
وقف أمام الموظفة التي إبتسمت له وهي تسأله بهدوء:
-أؤمر يا فندم ؟

إبتلع ريقه ونظر لها بتوتر وهو يجيبها بصوت متقطع:
-أنا.. أنا كان عندي ميعاد مع.. مع الأستاذ سعفان
تابعت هي بنبرة هادئة وهي تعبث بأزرار لوحة المفاتيح:
-الإسم من فضلك ؟
رد عليها بإيجاز وهو يحاول إختلاس النظر إلى ما تفعله:
-أحمد محروس
أومأت برأسها إيجابياً، ثم هتفت بنبرة رسمية:
-أيوه يا فندم.. لحظة.

ثم إستدارت برأسها للجانب، وأشارت لأحد السعاة بإصبعها، فسار نحوها، فتابعت بهدوء:
-ودي الأستاذ أحمد عند سكرتارية أمجد بيه، هو عنده ميعاد معاه
اقترب الساعي منها وهو يجيب بجدية:
-حاضر يا أستاذة، اتفضل يا أستاذ معايا
رد عليه أحمد بإختصار وهو يتبعه:
-ماشي.

خطى أحمد عبر الرواق الواسع ليصعد على عدة درجات رخامية، ثم إستدار يساراً ليمر عبر عدة مكاتب فرعية، ومن ثم توقف خلف الساعي الذي صاح بجدية:
-الأستاذ أحمد محروس عنده ميعاد مع أمجد بيه
نظرت له السكرتيرة بنظرات متفحصة قبل أن تجيبه بنبرة رسمية:
-خليه يتفضل، وأنا هابلغ الأستاذ أمجد
إلتفت الساعي برأسه، وأفسح له المجال ليمر وهو يتابع ب:
-خش يا أوستاذ
-متكشر.

قالها أحمد وهو يلج إلى داخل المكتب.. نظر إلى السكرتيرة بنظرات حائرة فأشارت له بيدها ليجلس على الأريكة، ففعل هذا..
وأخفض رأسه للأسفل، وظل محدقاً بحذائه القديم وهو عاقد لكفيه معاً..
أردفت السكرتيرة بصوت هاديء وهي ممسكة ببعض الملفات ب:
-لحظة وهايكون أمجد بيه معاك
رد عليها سريعاً وهو يرسم إبتسامة زائفة على ثغره:
-براحته يا مدام

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
ولجت بطة خارج المرحاض وهي تمسح بكفها فمها المبتل، وظلت تطلق أنيناً متقطعاً..
نظر لها زوجها بريبة، وتسائل بخوف:
-مالك يا بت ؟
أجابته بصوت خافت وهي مطرقة الرأس:
-تعبانة.. آآآه
وضع يده حول كتفها، وتحرك معها في إتجاه الصالة وهو يتابع بتوجس:
-ما إنتي كنتي كويسة من شوية! إيه اللي حصل بس.

ردت عليه قائلة بصوت ضعيف وهي تتعمد أن تتهادى في خطواتها:
-لأ أنا بقالي يومين كده جسمي همدان، بس النهاردة التعب زاد عليا
سألها بحيرة وهو يجلسها على الأريكة القديمة والعريضة الموضوعة في زاوية الصالة:
-تكونيش كلتي حاجة آآ..
قاطعته بنبرة حاسمة وهي تلوي فمها في تقزز:
-لألألألأ، أنا ماليش نفس للأكل، ده أنا حاسة إن نفسي غامة عليا
ولجت إحسان من المطبخ وهي تلوك قطعة من الخيار في فمها، وتسائلت بسخط وهي ترمقها بنظراتها المهينة:
-مالك يا بت عامة غارة وهوليلة ليه ؟

أجابها عبد الحق بصوت متلهف وهو يربت على ظهر زوجته:
-اسكتي يامه ده بطة تعبانة على الأخر
لوت شفتيها أكثر في عدم إقتناع، ورفعت حاجبها للأعلى وهي ترد ببرود:
-د محن بنات ياخويا
إغتاظ عبد الحق من أسلوب والدته الفظ مع زوجته وعدم تقديرها لحالتها الصحية، فصاح محتجاً
-محن إيه وكهن مين، بأقولك تعبانة، إنتي مش شايفة شكلها
نظرت لها شزراً وهي تسألها بإيجاز أثناء إقترابها منها:
-خير ؟

تأوهت بطة بصوت مكتوم وهي ترجع رأسها للخلف بعد أن أغمضت عينيها، ثم قالت بخفوت وهي تلوح بيدها:
-آآآآه.. نفسي غامة عليا، وعندي دوخة، ومش طايقة ريحة حاجة!
إتسعت مقلتي إحسان في صدمة، وفغرت فمها بذهول وهي تنطق ب:
-هاه، بتقولي ايه ياختي ؟
جلس عبد الحق إلى جوارها، وأمسك بكفها بين راحتيه، وربت عليه، وسألها بنبرة خائفة:
-طب أجيبلك إيه من الأجزخانة ( الصيدلية ) ؟

-مش عاوزة.. آآ.. آآآآآ.. بؤ.. ؤ..!
لم تكمل بطة جملتها حيث ركضت مسرعة في إتجاه المرحاض ويدها على فمها لتغلق الباب خلفها وتصدر تلك الأصوات الغريبة
تابعها كلاً من عبد الحق ووالدته وحالة الذهول والصدمة مسيطرة عليهما..
ابتلع عبد الحق ريقه، وحك رأسه في عدم فهم، وهو يقول:
-استرها يا ستار
نظرت له إحسان بنظرات مهينة، وحدثت نفسها بقلق ب:
-لأحسن يكون اللي في بالي حصل، طب.. طب إزاي ؟ وأنا.. آآ.. لأ مش ممكن!

إعتدلت بطة في وقفتها أمام الحوض بداخل المرحاض بعد أن أغلقت الصنبور، وتمطعت بذراعيها، ثم بللت وجنتيها وكذلك فمها، وإرتسم على ثغرها إبتسامة ماكرة وهي تنظر بلؤم إلى نفسها في المرآة..
حدثت نفسها بخبث قائلة:
-وبكده بدأت لعبتي معاكي يا أم أربعة وأربعين...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والعشرون

في مشفى الجندي الخاص
إندفع عدد من الممرضين إلى داخل غرفة العناية الخاصة بعد أن أبلغت الممرضة عن حالة الهياج العصبي التي إنتابت أوس..
حاول أحدهم الإمساك به من كتفه، فدفعه أوس بعنف إلى الخلف وهو يصدح بصراخ مرتفع:
-اطلع برا يا كلب
حاول ممرض أخر الإمساك به، وهو يتوسل له قائلاً:
-يا باشا ماينفعش اللي بتعمله ده!

لكمه أوس في فكه وهو ينهره بصراخ حاد:
-إنت هاتقولي أعمل، امشي يا حيوان من هنا!
تدخل طبيب ما في الحوار، وأردف قائلاً بحذر وهو يشير بيده لثلاثة ممرضين حضروا معه للإمساك بأوس:
-سامحنا يا باشا، مش هاينفع اللي بيحصل هنا
حدجه أوس بنظرات شرسة وهو يهدر عالياً ب:
-محدش ليه دعوة، أنا هنا أعمل اللي عاوزه.

تابع الطبيب بجدية قائلاً:
-كده خطر عليها
عاود أوس النظر إلى تقى الغائبة عن الوعي، وصاح بصوت متشنج وهو يهز جسدها الهزيل ب:
-شايفة يا تقى عاوزين يبعدوكي عني، بس مش هايحصل، مش هايحصل
ضم هو تقى إلى صدره، وحاول أن ينهض بها عن الفراش، فأحاط به الممرضون، وحاول إثنين منهم تحرير تقى من بين ذراعيه، وثلاثة أخرون الإمساك به والسيطرة عليه..

إهتاج أوس أكثر بعد أن نجح الممرضَين في إنتزاع تقى منه حضنه، وبدأ يلكم كل من يقترب منه..
قفز ممرض ضخم الجثة على أوس ليطرحه أرضاً، ثم جثى عليه، وثبته ممرض أخر من ذراعه، في حين أمسك ثالث به من قدميه، ولكن أفلت هو ساقه وركله في وجهه، فإرتد ذاك الممرض للخلف، وسقط على وجهه..

إنضم ممرض رابع إليهم وأمسك بذراع أوس الأخر بعد أن ألقى يثقل جسده عليه، في حين اقترب الطبيب منه ومعه إبرة طبية مهدئة، وأردف بصوت شبه مرتعد وهو ينظر بقلق له:
-أنا أسف يا باشا، بس.. بس ده أحسنلك وأحسنلها
صر هو على أسنانه وهو يهدر بعنف محدجاً إياهم بنظرات مشتعلة:
-هاموتكم كلكم، قسما بالله ما هارحمكم، مش هاسيبكم بعد اللي عملتوه، مش هاسيبكم!

كافح أوس لتخليص نفسه من أيديهم، وظل ينتفض لأكثر من مرة بقوة مفرطة، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة، وأصبح مقيداً تماماً منهم..
تمكن أحد الممرضين من إبراز ساعده ليغرز الطبيب الإبرة الطبية فيه، وهو يتابع بحيطة:
-إرتاح يا باشا، وكل حاجة هاتتصلح
أمسك أوس بياقة الطبيب، وجذبه نحو رأسه وحدجه بتلك النظرات المميتة التي جعلت الطبيب يرتجف وينظر له بهلع..

ثم قبض على عنقه، وخنقه، وهو يصر على أسنانه صارخاً بشراسة:
-هاموتك، هاقتلك بإيدي دول
خدشه أوس في عنقه، فتأوه الطبيب من الآلم، وكاد أن يختنق وحاول أن يخلص نفسه منه.. وإجتهد ممرض في مساعدته، وما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى إرتخى جسده تماماً ليتمكن الطبيب من تحرير عنقه، ويتراجع للخلف وهو يسعل...

إلتقط أنفاسه وأردف بصوت متحشرج:
-كح..كح.. ده أنا كنت هاموت تحت ايده!
نهض الممرضون الأربعة من على أوس، ومن ثم حملوه بحذر إلى خارج الغرفة..

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
خرجت بطة من المرحاض وهي تتعمد الإمساك برأسها وبمعدتها، وظلت تتأوه بصوت خافت قائلة:
-آآآآه.. مش قادرة، تعبانة!
أسرع زوجها بإسنادها، وهتف بقلق:
-مالك بس ؟ ما.. ما إنتي كنتي زي الفل
-مش عارفة، بس أديلي على الحال ده بقالي كام يوم.

عبست إحسان بوجهها أكثر، وسألتها بلا حرج ب:
-انتي.. انتي جاتلك الدورة يا بت
نظرت لها بطة بنصف عين وهي تدعي الإرهاق:
-مش فاكرة
نظرت إليها إحسان بإحتقار وهي تسألها بفظاظة:
-يعني ايه مش فاكرة، يا جاتلك الدورة يا مجتلكيش!
وزع عبد الحق نظراته بينهما، وحك رأسه في حيرة، ثم حدق في والدته، وسألها مستفهماً:
-إنتي بتسأليها ليه يامه ؟

أجابته والدته بتهكم والدته وهي تلوي فمها بإمتعاض:
-مش يمكن تكون المحروسة حبلى ( حامل )
إتسعت حدقتيه في صدمة، ونظر إلى بطة، وصرخ مذهولاً:
-إيييييييه، حبلى!
إدعت بطة الإندهاش، وتحسست بطنها برقة، وفغرت شفتيها بذهول زائف وهي تقول:
-أنا.. أنا حبلى!

ردت عليها ببرود وهي ترمقها بنظراتها المستهزأة:
-أنا بأقول يمكن، احنا لازم نسأل حد فاهم
إنتفض عبد الحق من على الأريكة، وهتف بحماس:
-أجيبلها ضاكتور يامه
ردت عليه بنبرة مهينة، وهي تحدجه بتلك النظرات الحادة:
-ضاكتور مين يا روح أمك، هي الولية أم نجاح هي اللي هاتيجي تكشف عليها وتفيدنا.

ركض سريعاً في إتجاه باب المنزل وهو يهتف بتلهف جلي:
-أنا رايح أناديلها يامه!
ظلت مسلطة عينيها على بطة وهي تجيبه بصوت قاتم:
-بسرعة يا واد، خلينا نشوف السِت!
نظرت لها بطة شزراً، وأغمضت عينيها مدعية الإنهاك، وحدثت نفسها بتبرم قائلة:
-وماله!

في أحد الملاهي الليلية الحديثة
ولجت رحمة لداخل ذلك الملهى الجديد وقلبها بخفق بشدة.. هي أول مرة تطأ فيها قدماها هذه النوعية من الأماكن.. ولكنه الطريق الأسرع للشهرة من وجهة نظرها.. فقد سأمت من تلك ال كليبات الهابطة التي تظهر فيها ك موديل إغراء مقابل مبالغ مالية زهيدة..
أرادت أن تجني المال بأسهل وأسرع الطرق، فلم تجد إلا هذا الطريق الوعر..
وما الذي لديها لتخسره، فهي عاشقة متيمة للمال..

نظرت بإنبهار إلى المكان، ومطت شفتيها في إعجاب وهي ترى تصاميم الجدران وما عليها من ديكورات ولوحات فاخرة.. بالإضافة إلى الإضاءة البراقة..
كان كل شيء شبه هاديء، فموعد فتح الملهى بعد عدة ساعات، والجميع شبه مشغول بترتيب المكان وتجهيزه لإستقبال رواده المميزين من أصحاب السلطة والمال..
أوقفها أحد الأشخاص من ذوي الأجسام الضخمة سائلاً إياها بغلظة:
-عاوزة حاجة ؟

نظرت إليه بتوتر متفحصة عضلاته القوية، وإبتلعت ريقها في حلقها الجاف، وأجابته بتردد:
-أنا.. أنا.. كنت جاية ل.. آآ.. آآآ..
نظر لها بقوة وهو يسألها بنفاذ صبر:
-لإيه، إنجزي!
تنحنحت بحرج وهي تجيبه قائلة:
-أنا عاوزة أقابل ب..آآ.. قصدي الأستاذ بهججة!
رد عليها بجدية وهو يتفحصها بتمهل من رأسها لأخمص قدميها:
-بهججة بيه.

شعرت رحمة بالحرج من نظراته المسلطة عليه، وأجابته بإيجاز وهي توميء برأسها:
-أها
سألها مجدداً مستجوباً إياها ب:
-هو اللي جايبك ؟
هزت رأسها موافقة وهي ترد بصوت ناعم:
-أيوه، هو مش بالظبط جايبني، بس في حد مكلمه عني
-اسمك إيه؟
-أنا رحمة
مط فمه للأمام وهو يتابع بنبرة رسمية:
-ممممم، طب تعالي ورايا على مكتبه!
-ماشي
ثم تبعته، وسارت خلفه عبر رواق جانبي، ومن ثم إلى الدرج..
كانت ترفع رأسها بين الحين والأخر لتنظر إليه..

كان حقاً ضخم الجثمان، فاره الطول، حليق الرأس والذقن، عضلات ذراعيه تبرز من بدلته السوداء..
أوصلها ذاك الرجل الذي لم تعرف إسمه بعد إلى مكتب في الطابق العلوي، حوائطه الخارجية مطلية باللون الأرجواني الداكن، ومعلق عليه صور مجسمة لراقصات ومطربين معروفين..
نظرت بإنبهار إلى تلك الصور، وتخيلت صورتها موضوعة بينهم..
فإرتسمت إبتسامة واسعة على شفتيها..

أشار لها الرجل الضخم لكي تدلف إلى الداخل بعد أن تنحى جانباً أمام الباب.. وهو يتابعها بعينيه الحادتين:
-خشي، هو هيقابلك جوا
أطرقت رأسها وهي تمر من جواره، وإبتسمت له ممتنة..
فركت يديها في توتر بعد أن وقفت بمفردها في المكان..
حبست أنفاسها وهي تجوب بعينيها تلك الغرفة الواسعة التي كانت لا تختلف في تصميمها عن تصميم المكان بالأسفل بالإضافة إلى وجود حائطين زجاجين يطلان على الصالة والمسرح الداخلي للملهى..

أعجبت بالتحف القيمة الموضوعة بالداخل، وتأملت الأرائك الجلدية ذات اللونين الأسود والأحمر
-إنتي رحمة ؟
قالها رجل ما دلف إلى الغرفة من باب جانبي بصوت شبه مائع
إلتفتت رحمة برأسها إلى مصدر الصوت، ونظرت إلى هيئة ذلك الرجل بإندهاش شديد..

في مكتب المحامي أمجد سعفان
طرق أحمد الباب بخفة قبل أن يسمع صوتاً خشناً يسمح له بالدخول..
أدار المقبض بهدوء، ودلف إلى الداخل وهو ينظر حوله بريبة..
لمح رجلاً يظهر الشيب على مقدمة رأسه ويضع نظارة طبية على طرف أنفه، وأردف بصوت جاد:
-تعالى يا أحمد هنا
تنحنح بخفوت وهو يقترب منه، ثم جلس على المقعد المقابل لمكتبه، وأخفض رأسه قليلاً..
-لحظة وهاكون معاك.

قالها أمجد وهو مسلط عينيه على الأوراق الموضوعة أمامه
رفع أحمد عينيه قليلاً للأعلى، ورد عليه بصوت منخفض:
-براحتك يا باشا
مط أمجد فمه وهو يتطلع إليه من أعلى نظارته.. ثم أضاف بجدية:
-أكيد انت عارف أنا بأشتغل مع مين!
هز رأسه سريعاً وهو يجيبه دون تردد ب:
-اه يا باشا.

إعتدل أمجد في جلسته، وتابع بصوت جاد للغاية:
-وطبعاً مش محتاج أقولك هاكفأك إزاي لو قولت وعملت اللي احنا عاوزينه
وضع أحمد يده على خلفية عنقه، وأردف متحمساً:
-رقبتي يا باشا
هز أمجد رأسه في إعجاب وهو يضيف بصوت هاديء:
-تمام يا أحمد.. واحنا هانشوفك كويس!
إعتلى ثغر أحمد إبتسامة عريضة وهو يستمع إلى العرض المغري المعروض عليه في مقابل خدماته..

في مشفى الجندي الخاص
أبلغ رئيس طاقم التمريض بالمشفى كبير الأطباء بحالة الهياج العصبي التي إنتابت أوس، وكيف إعتدى بالسباب والضرب على الجميع..
فأردف الطبيب قائلاً بتوجس:
-اتعاملتوا مع حالته ؟
أجابه رئيس طاقم التمريض بصوت منزعج:
-ايوه يا دكتور، وخد مهدئات لحد بكرة الصبح، احنا اتفاجئنا باللي عمله!

هز رأسه بضيق وهو يرد عليه بتوتر:
-تمام.. وأنا هابلغ د. مهاب بحالته، وهاشوف هايقولي ايه
تابع رئيس طاقم التمريض حديثه بنبرة ضائقة ب:
-يا ريت يا دكتور، لأن التعامل معاه صعب جدا، ده.. ده لو حضرتك شوفت عمل إيه في غرفة العناية، ولا ضرب الممرضين إزاي، ده محدش كان قادر عليه!
وافقه كبير الأطباء في الرأي، وهتف بضجر:
-إنت هاتقولي، هو رهيب في عصبيته، المهم إنكم سيطرتم عليه ؟
-كله تمام يا دكتور!

-طيب، روح شوف وراك إيه وأنا هاتصل بالدكتور مهاب حالاً
-اوكي يا دكتور
ثم أضاف بجدية وهو يشير بعينيه:
-وخلي الدكتور مؤنس يتابع حالته لحد ما أبلغك بالجديد
-حاضر
إنصرف الممرض من غرفة مكتب كبير الأطباء، فأسرع الأخير بالإتصال هاتفياً بصاحب المشفى مهاب الجندي
ولكن كان الهاتف مغلق، فزفر في ضيق وهو يقول:
-طب أتصرف إزاي ؟ مممم.. مافيش قدامي غير إني أتصل بالمدام ناريمان وهي تشوف هاتعمل ايه مع إبنها!

في أحد الملاهي الليلية الجديدة
دققت رحمة النظر في هيئة هذا الرجل، فقد كان يرتدي سروالاً ضيقاً من الجلد الأسود، ومن الأعلى قميصاً حريرياً من اللون النبيذي مفتوح إلى منتصف صدره الحليق.. ومشط شعره الكثيف للجانب، فأحدث فارقاً عجيباً وملفتاً للأنظار.. أما ملامح وجهه فقد كان باردة، عينيه حادتين ذات لون بني..
كذلك كان يرتدي حول عنقه قلادة ذهبية عريضة، وأيضاً حول معصمه.. بالإضافة إلى خواتم بارزة من الذهب في أصابع كفيه..

أعاد بهججة تكرار سؤاله عليها بصوت شبه رجولي ب:
-إنتي رحمة ؟
أفاقت رحمة من حالة الإندهاش المسيطرة عليها، وأجابته بصوت متحشرج:
-أيوه أنا
تابع هو بصوت غريب ( يميل للأنوثة ) وهو يشير بإصبعه بطريقة مثيرة للتقزز:
-مممم.. كتير شكرولي فيكي، ولولا إنك موديلز كليبات كويسة مكونتش رضيت أجيبك هنا
-متشكرة.

دار حولها بهججة متأملاً إياها وهو يلوي فمه في إمتعاض، وواضعاً ليده في منتصف خصره..
زاد إمتعاض وجهه، وهو ينطق بإشمئزاز:
-ممم.. اللوك بتاعك محتاج يتظبط شوية، تسريحة الشعر عاوزة تتغير، لألألألألأ.. شكلك كله غلط!
صمت للحظة قبل أن يتابع بجدية:
-إنتي تسبيلي نفسك خالص وأنا هاغيرك!

إبتسمت له إبتسامة مجاملة قبل أن تسأله بفضول:
-طب.. طب وهو أنا المفروض هاعمل إيه هنا ؟
رد عليها دون تردد بصوت شبه جاد رغم ميوعته:
-كل اللي هاقولك عليه!
إزدادت حيرتها عقب جملته الأخيرة، فسألته مستفهمة:
-زي إيه ؟

أجابها بصوت هاديء وهو يتجه صوب مكتبه:
-هتعرفي في وقته، بس أهم حاجة عندي الإخلاص والإلتزام.. لازم تعرفي إن احنا نايت محترم، و ليه سمعته!
-ماشي، اللي تشوفه يا بهججة بيه!
نظر لها وهو يرفع حاجبه للأعلى قائلاً بإبتسامة:
-تعجبيني يا ريري!

في قصر عائلة الجندي
رنت الهواتف الأرضية في أرجاء القصر، فإتجهت المدبرة عفاف نحو الهاتف المعلق على حائط المطبخ، ، وأمسكت بالسماعة، وأجابت بنبرة هادئة وهي تتحرك نحو الطاولة:
-ألوو
-ناريمان هانم موجودة ؟

أجابته بنفس الثبات وهي تسند الأواني على الموقد:
-لأ يا فندم، الهانم في النادي، مين عاوزها ؟
-هنا مستشفى الجندي، ومدير المستشفى عاوزها ضروري
ضيقت عينيها بتوتر، وسألته بتوجس:
-خير ؟

-أوس باشا تعب، وموجود عندنا هو والمدام بتاعته
جحظت عينيها في ذهول، وتبدلت ملامح وجهها الهادئة للإندهاش، وصاحت بصدمة:
-إييييييه! بتقول إييييه ؟!

في النادي الشهير
تنهدت ناريمان في إحباط بعد أن إنتهت من تناول القهوة الخاصة بها، ونظرت إلى ممدوح بحزن وهي تردف قائلة:
-بليز ممدوح حاول تكون جمبي الفترة دي لحد ما أخلص من مهاب، أنا معنتش مستحملة اللي بيحصل
-أكيد يا حبيبتي
تنهدت مجدداً وهي تتابع بنبرة ضجرة:
-كويس إنه سافر يومين عشان يخف ال Stress ( الضغط ) من عليا، إنت مش متخيل بقيت أعدة متوترة إنه يكشف اللي بينا إزاي، عاوزة أرتاح من ده كله
هز رأسه موافقاً إياها، ثم سألها بجدية:
-أها.. أخبار ليان إيه ؟

لوت شفتيها وهي تجيبه بإقتضاب:
-مش عارفة
نظر لها وهو مقطب الجبين، حاد العينين، وأضاف بنبرة شبه متهكمة:
-في أم متعرفش حاجة عن بنتها!
إرتبكت قليلاً، ومسحت بطرف إصبعها أنفها، وأجابت بتلعثم:
-لأ.. أنا.. أنا بس آآ.. يعني هي عروسة وأكيد مشغولة مع عريسها، ف.. آآ.. فليه أزعجها ؟

لم يقتنع بما قالته، فردودها وعدم إهتمامها بمعرفة أحوال إبنتها أكدت شكوكه نحوها..
فالأم وإن كانت مستهترة، و لا تعبأ بأي شيء في الحياة، تهتم على الأقل بمعرفة أخبار أبنائها..
لكن ناريمان على النقيض تماماً.. لم تبدْ يوماً أنها تهتم بأبنائها..
ربما عدم إكتراثها بأوس مبرراً بإعتباره إبن زوجها من زوجته الأولى، ولكن ماذا عن إبنتها الوحيدة ؟ ألا تشكل محور الإهتمام بالنسبة لها ؟
أخذ ممدوح نفساً عميقاً، وزفره على مهل وهو يسألها بجدية:
-مممم.. إنتي شايفة كده ؟

-أها
مال ممدوح برأسه للجانب، ونظر لها بجمود وهو يسألها بفضول:
-إنتي ليه مفكرتيش تخلفي تاني غير ليان ؟
رمشت بعينيها بتوتر، وردت عليه وهي فاغرة فمها ب:
-هاه، أخلف ؟!
ضيق عينيه وهو يحاول إكتشاف ردة فعلها عقب سؤاله هذا..

إنتصب في جلسته وهو يسألها بجدية محاولاً إستفزازها للحصول على إجابات شافية منها ب:
-إيييه ؟ سؤالي غريب، ولا إنتي مكونتيش حابة يكون عندك أولاد تانيين من مهاب ؟!
إبتلعت ريقها بتوتر.. وبدت حائرة في إيجاد إجابة مقنعة لأسئلته..
نظرت حولها بنظرات زائغة، وحاولت أن تجيبه بهدوء رغم الإضطراب البادي في نبرة صوتها:
-الموضوع مش كده، بس.. آآ.. أنا.. يعني كان كفاية عليا أوي ليان و.. وأوس ابنه!
لم يقتنع بما قالته، وبدى الكذب جلياً على ملامحها، فنظر لها بسخط..

ثم زاد من تعبيرات وجهه الصارمة وهو يتابع بجدية:
-قوليلي، هو ليه ليان مش شبهك ؟
توترت أكثر بعد سؤاله المفاجيء هذا، وردت عليه بإرتباك جلي:
-هاه.. شبهي!
أكمل ممدوح قائلاً بنفس النبرة الثابتة وهو محدق بها:
-يعني أوس أخد ملامح كتير من أبوه، فأنا كنت متوقع إن بنتك تبقى فيها ملامح منك أو من أبوها، بس دي مافيهاش حاجة خالص منكم.

إبتلعت ريقها بتوتر بائن وهي تحاول إختلاق رد مقنع لتجيب عليه..
توتر صوتها وتقطع وهي تنطق ب:
-آآآ.. هي.. جينات عيلتنا غريبة شوية!
حدق بها بتمعن كاشفاً الكذب في عينيها.. وأردف مستفهماً:
-أوكي، قصدك يعني آآآ...
لم يكمل ممدوح جملته حيث رن هاتف ناريمان المحمول، فمدت يدها لتمسك به، ونظرت إلى شاشته، ولوت فمها في إنزعاج وهي تهتف بضجر:
-أوووف، عفاف، دي عاوزة ايه ؟

قطب جبينه وهو يشير لها بيده:
-ما تردي عليها
ألقت بالهاتف على الطاولة، وأردفت بتبرم:
-أنا مش ناقصة وجع دماغ، أكيد هاتقولي على حاجة تضايقني
نظر لها بإستغراب وهو يردف بإهتمام:
-مش جايز تكون حاجة مهمة
هزت كتفيها في عدم إكتراث، وقالت ببرود:
-لأ معتقدش.. وبعدين أنا مش ناقصة حاجة تغير مودي أكتر.

تشنجت ملامحه قليلاً وهو يتابع قائلاً:
-افرضي عاوزة تقولك حاجة عن ليان ؟
ضيقت عينيها في فضول، وسألته بإستغراب:
-وإنت مهتم بليان كده ليه ؟
إضطرب لوهلة ولم يعرف بماذا يجيبها، هل يخبرها بشكوكه حول هويتها الحقيقية، أم يدعي عدم إكتراثه حتى يتسنى له الوصول إلى الحقيقة بهدوء، ومن ثم الإنتقام منها..

وفي النهاية نجح في رسم قناع الهدوء الزائف على تعابير وجهه، وأردف بحذر:
-آآ.. مش.. مش بنتك، يعني جزء منك، وأنا كل حاجة ليها علاقة بيكي بتهمني أوي
نظرت له بشغف وهي تسأله بحماس:
-بجد يا ممدوح ؟
اتسعت إبتسامته السخيفة وهو يجيبها قائلاً:
-أكيد يا حبيبتي
إنحنت للأمام وهي تضيف بإهتمام:
-أوكي.. أنا هاطلبها عشان خاطرك بس.

وبالفعل أمسكت بهاتفها المحمول، وعاودت الإتصال بالمدبرة عفاف، والتي أجابتها بنبرة خائفة ب:
-أيوه يا ناريمان هانم
مطت شفتيها وهي تسألها بهدوء:
-خير يا عفاف، بتطلبيني ليه ؟
بدى صوت عفاف مضطرباً للغاية وهي تجيبها ب:
-الحقي يا هانم، مستشفى مهاب باشا اتصلوا!
سألتها بإيجاز وهي تعيد رفع خصلات شعرها للخلف:
-ليه ؟

أكملت عفاف بنبرة مرتجفة وهي تنظر حولها بقلق:
-بلغونا إن أوس باشا تعب، وإتحجز هناك، ومعاه آآآ..
قاطعتها ناريمان قائلة بنبرة حادة:
-وأنا مالي ما يتعب ولا يحصل اللي يحصله، عنده أبوه يهتم بيه، وهو أصلاً مش بيفرق معاه اللي أنا بأعمله عشان أجري عليه أشوف ماله!
هتفت عفاف بخوف:
-بس يا هانم واضح إن الموضوع آآآ..
نهرتها هي بصوت شبه محتد ب:
-عفاف طالما حاجة تخص أوس يبقى مش تبلغيني بيها، أوكي ؟

أصرت عفاف على إيضاح خطورة الموقف، فصاحت قائلة:
-بس يا هانم ده آآآ..
لم تمهلها ناريمان الفرصة بل أنهت معها المكالمة، وهي تهتف بإقتضاب:
-أوووف، باي!
تابعها ممدوح بإهتمام واضح، وسألها دون تأخير:
-في ايه يا نارو ؟
نفخت مجدداً في إنزعاج وهي تجيبه ب:
-أوووف، مش هاخلص من أوس ولا من قرفه!

-ماله ؟
-عفاف بتقولي إنه تعب
-مممم..
تابعت هي بنبرة ساخطة وهي تضع هاتفها في حقيبتها:
-وأنا مالي بتعبه، أبوه هو اللي يهتم بيه، ده أنا اللي تعبت من عمايله ومن كل اللي يخصه، إنت.. إنت مش عارف يا ممدوح هو بيعاملني ازاي، ولا أسلوبه وقح أد ايه معايا!

رد عليها ممدوح بجمود وهو يشير بيده:
-مش لو كان اتربى كويس كان زمانت ده فرق معاه
هتفت ناريمان بصوت محتد وهي تشير بإصبعها:
-ده قليل الأدب، أبوه نفسه مكنش قادر عليه ومدلعه لحد ما جه ده على دماغنا كلنا!
لوى ممدوح فمه بتهكم، وأردف بنبرة خبيثة وهو محدق في الفراغ أمامه:
-أه لو كان معايا، كنت أنا كملت تربيتي ليه، لأ وعلى حق كمان...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والعشرون

في منزل عبد الحق بالزقاق الضيق
إتجهت إحسان إلى باب المنزل بعد أن سمعت قرع الجرس، ثم فتحته ونظرت إلى الواقفة أمامه بنظرات حادة وهي تهتف بجدية:
-خشي يا أم نجاح، أنا مستنياكي من بدري!
إبتسمت لها إبتسامة سخيفة وهي تجيبها قائلة:
-ماشي يا أم عبده، يا رب يا كريم.

بخطوات متثاقلة ومتهادية - بسبب جسدها الممتليء - ولجت القابلة (الداية ) أم نجاح إلى الداخل، وتسألت بتلهف:
-خير يا أم عبده، ابنك جالي على ملى وشه يقولي إنك عاوزاني
أشارت لها بيدها وهي تقف أمامها مُجيبة إياها بجدية:
-تعالي عاوزاكي في حاجة مهمة!
ثم إلتفتت حولها لتنظر نحو الباب، وتسألت بفضول:
-بس الواد عبده فين ؟

لوحت بيدها للخلف وردت عليها بنبرة عادية:
-راح يجيب فكة للأسطى لأحسن مكنش معايا فكة
مطت فمها في إستجهان وهي تتابع:
-ممم.. طيب
جلست الإثنتين على الأريكة، فتسألت أم نجاح بجدية وهي تُعيد لف حجابها المتدلي حول رأسها:
-ها، في إيه ؟

لوت إحسان فمها في تأفف وهي تجيبها ب:
-البت المزغودة مرات الواد ابني، بتقول إنها حبلى، وأنا عاوزاكي تكشفي عليها قصادي وتأكديلي إن كانت بتتكلم جد ولا.. ولا بتكدب
قطبت جبينها في إستغراب، ثم هزت حاجبها بحركة مستنكرة وهي تردف ب:
-هو الحاجات دي فيها كدب يا أم عبده ؟!
ربتت على فخذها وهي ترد بنزق:
-ماهو عشان كده جيباكي، ما أنا أصلي مش مطمنة لعمايلها، دي بت مش سهلة، وأنا أدرى بيها!

هزت أم نجاح رأسها – وكأنها تؤيدها في رأيها – وردت بخفوت:
-وماله يا حبيبتي، غالي والطلب رخيص!
نهضت إحسان أولاً من على الأريكة، وإتجهت صوب غرفة ابنها عبد الحق، ودقت على الباب بقوة وهي تهتف عالياً ب:
-بت يا بطة، افتحي الباب، خالتك أم نجاح هنا!
أجابتها بصوت مرتفع من الداخل ب:
-الباب مفتوح يا حماتي.

أدارت المقبض، ودفعت الباب للخلف بكف يدها، ورمقت بطة بنظراتها المستفزة وهي تتابع بصوت آمر ب:
-افردي ضهرك على السرير عشان تكشف عليكي
زمت شفتيها وهي ترد عليها بإستسلام:
-طيب
إستدارت إحسان برأسها للخلف، وظلت مسنودة بذراعها على الحائط الملاصق للباب، وهتفت بصوت مرتفع:
-يالا يا أم نجاح، البت جاهزة
صاحت أم نجاح بنبرة حماسية وهي تنهض عن الأريكة:
-حاضر يا أم الغالي.

ثم إتجهت صوب الغرفة المشار إليها، وأردفت بنبرة فرحة وهي تلج للغرفة:
-بسم الله الرحمن الرحيم، يا رب يا كريم، هات البشرى من عندك!
حدقت إحسان في زوجة إبنها شزراً، وحدثت نفسها بتوعد وهي تلوي فمها للجانبين ب:
-آه لو طلعتي بتكدبي عليا يا بنت ال *** هاطلع عين أمك وعين اللي جابوكي كلهم!

في قصر عائلة الجندي
أسرعت المدبرة عفاف نحو بوابة القصر الرئيسية بعد أن بدلت ثياب عملها، وأشارت لحارس الأمن بيدها وهي تصرخ عالياً ب:
-افتح البوابة بسرعة
تعجب حارس الأمن جمال من حالة الهلع التي أصابت تلك المدبرة الهادئة، فوقف أمامها بجسده، وسد عليها الطريق سائلاً إياها بجدية ب:
-في إيه يا مدام عفاف ؟

نظرت له بأعين مرتبكة وهي تجيب بنبرة قلقة:
-في مصيبة حصلت للباشا أوس
إتسعت مقلتيه في رعب، وفغر فمه قائلاً:
-إييييه ؟!
أشارت له بعينيها وهي تردف بتلهف:
-وقفلي تاكسي بسرعة يا جمال
ثم إنحنت برأسها للأسفل لتبحث في حقيبة يدها عن حافظة نقودها
مسح جمال على وجهه، وسألها بتوتر:
-فهميني بس حصل للباشا إيه ؟

رفعت رأسها في إتجاهه، وأجابته بنبرة قلقة:
-أنا معرفش حاجة، أنا رايحة الوقتي على مستشفى الجندي أشوف حصله إيه
هز رأسه وهو يضيف بنبرة جادة:
-طب طمنينا لما تعرفي
-حاضر
ثم أشار لها بكف يده لكي تقف، ومن ثم أردف بصوت جاد:
-استني هابعت معاكي حد يوقفلك تاكسي من على أول الشارع
إبتسمت له بإمتنان وهي تقول:
-الله يكرمك يا جمال

في مشفى الجندي
وقف الطبيب مؤنس أمام فراش أوس، وعلق التقرير الطبي المسنود على اللوح المعدني في طرف الفراش، ثم إستدار برأسه ليحدث الممرض بنبرة رسمية ب:
-الدواء ده يتاخد كل 6 ساعات، ويمنع الزيارة نهائي عنه لحد ما د. مهاب يبلغنا هنتصرف إزاي
أومأ الممرض برأسه موافقاً وهو يجيبه قائلاً:
-حاضر يا دكتور
مط الطبيب مؤنس فمه للأمام وهو يتابع ب:
-مممم.. مؤشراته الحيوية كويسة!

ثم صمت للحظة قبل أن يكمل بجدية:
-والجرح اللي في ايده يتغير عليه يوم بعد يوم
-تمام يا دكتور
تنحنح مؤنس بصوت خشن قبل أن يتابع بإهتمام:
-وخلي ممرض هنا يتابعه بإستمرار، وممنوع حد يدخله حتى لو كان مين، مش عاوز أي تقصير لحد ما تجيلنا الأوامر من الدكتور مهاب نفسه!
-أوكي يا دكتور
إتجه الطبيب مؤنس ناحية باب الغرفة، وحانت منه إلتفاتة من رأسه للخلف، وإبتلع ريقه بتوجس، ومن ثم قال:
-المشكلة دلوقتي لما يفوق، صعب أوي نتنبأ بتصرفاته، أو نسيطر عليه!

في ملهى ما
جلست لوزة تحتسي الخمر بشراهة لا تدري كم تجرعت من الكؤوس، وكم إرتشفت من الخمر حتى تنسى، ولكن مازال يؤلمها بشدة ما حدث معها..
أردفت بصوت متثاقل وهي تبكي بمرارة:
-مش هاسيبك يا أوس، لازم أعرف مين اللي خدتك مني، وفضلتها عليا!
إرتشفت مجدداً من كأسها، وتابعت بصوت مختنق:
-إنت ليا وبس، مش بعد اللي عملته ليك أترمي كده، ده أنا أموتك.. هاموتك!

اقترب فارس منها، ونظر لها بإزدراء وهو يمط شفتيه..
ثم جلس على المقعد المجاور لها على ال ( بار )، وهتف بهدوء:
-مش كفاية كده، ده أحنا لسه في أول الليل!
نهرته بحدة وهي تشير بإصبعها:
-محدش يقولي كفاية، أنا.. أنا هاشرب زي ما أنا عاوزة
زم فمه بإنزعاج وهو يرد عليها ب:
-يا لوزة أنا خايف عليكي، محدش يستاهل انك تعملي في نفسك كده!

رمقته بنظراتها الساخطة وهي تتابع بصوت ثقيل:
-اسكت خالص، إنت مانفعتنيش بحاجة
نفخ في ضيق وهو يرد عليها:
-يعني عاوزاني أعمل إيه اكتر من اللي طلبتيه ؟
مالت برأسها على رخامة البار، وأغمضت جفنيها، وهتفت بصوت مختنق:
-إنت.. إنت معرفتش توقعه!

لف رأسه للخلف، وتجرع جرعة كبيرة من كأسه، قبل أن يتجشأ قائلاً:
-أهوو طلع مش فارق معاه أخته ولا حتى عيلته كلها، كله بلح معاه!
كورت قبضتيها، وصرت على أسنانها قائلة بتهديد صريح:
-عاوزة أعرف مين خدته مني، وانا أحرق قلبه عليها، وأحرقه هو كمان، النار اللي جوايا مش هاتبرد إلا لما أشوفه مكسور ومذلول قدامي!
نظر لها ببرود، ثم تنهد بضيق وهو يردف ب:
-طب ما تروحي بيته، وشوفي هي مين
نظرت له من طرف عينها، وقالت بسخط:
-ابن ال *** خلي البواب يمنعنى من دخول البرج، مش عارفة أروحله، ولا أشوف بنت التيت اللي ماشي معاها ومخليها مكاني في شقته، آآآآه.. عاوزة أولع فيه.. آآآآه!

-ممممم..
تابعت هي بنبرة مغلولة والشرر يتطاير من عينيها:
-على أخر الزمن بعد ما كنت بأشوف كيفه لسنين على أمل إني أبقى حاجة معاه، أتهان ومعرفش اخد حقي منه، لأ وغيري على الجهاز يبلفه.. آآآآه!
إبتسم لها فارس إبتسامة ماكرة، ثم أردف بجدية:
-طب ايه رأيك لو أنا بلفت البواب وخليتك تروحي هناك وتشوفي مين دي
إنتصبت في جلستها، ورمشت بعينيها وهي تسأله بحماس مفاجيء:
-بجد ؟
إزدادت إبتسامته الواثقة إتساعاً، وتابع بخبث:
-أه طبعاً، وهو أنا أقدر أشوفك كده قدامي وما أتصرفش!

في مشفى الجندي الخاص
وصلت المدبرة عفاف إلى بوابة المشفى الرئيسية، وترجلت من سيارة الأجرة بعد أن ألقت بالأجرة للسائق، وإعتذرت له بصوت شبه عالي قائلة:
-معلش يا بني، مستعجلة!
ثم ركضت في إتجاه الإستقبال..
كانت علامات الخوف الممزوجة بالتوتر جلية على تعبيرات وجهها..
فهي الوحيدة الملمة بما فعله رب عملها مع تقى..
وهي الوحيدة التي حضرت مراسم عقد قرانهما..

هي لا تعرف ما الذي صار لكلاهما ليتحول الأمر من زواج إلى تواجدهما بالمشفى..
وقفت تلهث أمام موظفة الإستقبال، ثم سألتها بصوت متقطع:
-أنا.. أنا جاية للباشا أوس الجندي، أنا.. أنا مديرة القصر بتاعه
أومأت الموظفة برأسها وهي تجيبها دون تردد:
-أها.. أوس باشا الجندي محطوط تحت الملاحظة، وكل الأطباء هنا تحت خدمته
إبتلعت ريقها، ونظرت له بأعين زائغة، وسألتها بخوف:
-هو.. هو حصله إيه ؟

تنهدت بخفوت قبل أن ترد بجدية:
-إنهيار عصبي حاد
إتسعت عينيها في صدمة رهيبة، وهتفت بذعر:
-يا لهوي، وده.. وده خطير ؟
هزت رأسها مرة واحدة وهي تجيبها بصوت شبه حزين:
-أيوه، بس زي ما قولتلك كل اللي شغالين هنا حاطين أوس باشا تحت رعايتهم
وضعت عفاف كف يدها على مقدمة رأسها، وغمغمت مع نفسها بخوف..
وخفق قلبها برعب حينما توجه عقلها تلقائياً للتفكير في تلك البريئة النقية..

نظرت بخوف للموظفة، وسألتها بصوت مرتجف:
-طب.. طب في بنت كانت جاية معاه اسمها تقى، تعرفي مالها ؟ ولا حصلها إيه ؟
لوت شفتيها للجانب وهي تجيبها بآسى:
-أها.. للأسف البنت حالتها حرجة شوية..!
اضطرب قلبها على الفور، وشهقت بفزع، وكتمت صراخها داخل جوفها، وأغلقت فمها بكف يدها..
شعرت عفاف بصعوبة في التنفس وهي تتخيل الأسوأ..
شحب لون وجهها، وإرتجفت شفتيها.. وتبدل حالها للخوف..

بتردد حقيقي أزاحت يدها عن فمها، وتنفست بعمق..
ثم سألتها بنبرة ذعر حقيقية بدت أيضاً في عينيها:
-حصلها إيه ؟ طمنيني عليها ؟
أطرقت الموظفة رأسها للأسفل، وهتفت بجدية:
-مقدرش أقولك، في أوامر مشددة محدش يتكلم عنها.

وضعت عفاف يديها المرتعشتين على السطح الرخامي لمكتب الإستقبال، وتوسلت لها بأعين دامعة:
-يا بنتي الله يكرمك طمنيني، هي مراته على فكرة، وأنا.. وأنا عارفة ده!
نظرت لها الموظفة بقلق، فقلما يعرف أحد بهوية تلك المريضة ذات الوضع الحرج..
عبثت بالأوراق المتراصة أمامها، وردت بإرتباك:
-بس آآ..

قاطعتها عفاف بصوت متوسل وهي تنظر لها بأعينها الدامعة:
-قوليلي وأنا مش هافتح بؤي بحرف
تلفتت الموظفة حولها بريبة، وأدرفت بخفوت بعد أن مالت برأسها في إتجاهها:
-هي.. آآ.. هي اتعرضت للإغتصاب
جحظت عينيها في ذهول، وشهقت قائلة بصوت مصدوم:
-اييييييييييييييه!

وضعت الموظفة كفها على يد عفاف، وقالت لها برجاء وهي تتلفت برأسها:
-أرجوكي اهدي، مش عاوزة حد يعرف إني بلغتك، مدير المستشفى منبه عليا، وإنتي كده هاتضريني
إختنق صوتها وهي تتابع بحسرة:
-يا عيني عليكي يا تقى، ده اللي أنا كنت خايفة منه
توسلت لها الموظفة بصوت مرتعد وهي تنظر لها بحدة:
-يا مدام اهدي، إنتي كده هاتقطعي عيشي.

إنهمرت العبرات لا إرادياً على وجنتيها، وتنهدت بصوت مكتوم، وهتفت بصدمة:
-أسفة يا بنتي، بس.. بس تقى دي غلبانة وماتستهلش اللي حصلها
هزت رأسها موافقة إياها، وتابعت بصوت أسف:
-ربنا معاها، ماهو الباشا الظاهر ماستحملش اللي حصلها فإنهار!
رمشت بعينيها غير مصدقة ما سمعته أذنيها للتو، وقالت بذهول حقيقي:
-هاه..!

إبتلعت الموظفة ريقها، وخشيت أن ينتبه أحد لها، لذا أردفت بجدية:
-عامة يا مدام أنا بلغتك باللي عندي
كفكفت عفاف عبراتها، وسألتها بحزن:
-طب أقدر أطلع أشوفهم وأطمن عليهم
هزت الموظفة رأسها نافية وهي تجيبها بصرامة:
-صعب حالياً
هتفت عفاف بإصرار وهي تكور قبضة يدها:
-مقدرش أسيب حد فيهم من غير ما قلبي يطمن عليهم.

نظرت لها الموظفة بتمعن، فوجدت صدق تعبيراتها واللهفة الواضحة للإطمئنان على كليهما، لذا لم تردْ أن تتجادل معها أو تعترض، فأردفت بهدوء:
-طيب.. أنا هاشوف أوامر مدير المستشفى، و هأبلغك
نظرت لها عفاف بإمتنان حقيقي، وهتفت بخفوت وهي تشير بيدها للخلف:
-ماشي يا بنتي، وأنا هاقعد هنا أستنى هايقولك إيه.

في قصر عائلة الجندي
دار حارس الأمن جمال حول بوابة القصر مراقباً الأوضاع بنظرات حادة كالصقر، ورغم إنتباهه إلا أن عقله كان مشغولاً في التفكير فيما حدث لأوس الجندي..
كان متردداً في إبلاغ زميله الأسبق أحمد .. ولكنه وعده أن يطلعه على الجديد لعله يشعر بالإرتياح بعد تعرضه للطرد والضرب منذ فترة..
في النهاية حسم أمره بإخباره، فلن يضيره الأمر في شيء..

لذا وضع هاتفه المحمول على أذنه بعد أن ضغط على زر الإتصال به.. وأخذ يراقب من حوله بحذر..
وما إن سمع صوته حتى هتف بجدية:
-ألوو.. أيوه يا أحمد!
سأله أحمد بفتور وهو يفرك أذنه الأخرى:
-خير يا جمال، في حاجة ؟
أخفض جمال نبرة صوته وهو يتابع ب:
-عندي ليك أخبار معرفش إن كانت هاتفيدك ولا لأ ؟
تجهم وجه أحمد، وسأله بإهتمام واضح:
-أخبار ايه ؟

صمت جمال لثانية قبل أن يتابع بصوت خافت:
-الباشا أوس دخل المستشفى
إرتسمت علامات الصدمة على وجه أحمد، ورفع حاجبيه للأعلى، وهتف بعدم تصديق:
-ايييه
-زي ما قولتلك
ابتلع ريقه وهو يسأله بفضول أشد:
-طب ليه ؟

هز جمال كتفيه في عدم معرفة، وهتف بنبرة عادية:
-مش عارف، بس عفاف راحت تشوفه
-هاه..
تحمس جمال وهو يكمل بنبرة تحمل التشفي:
-أنا قولت أبلغك يمكن تفرح فيه بعد اللي عمله فيك
إبتسم أحمد إبتسامة زائفة وهو يرد عليه قائلاً:
-أه وماله، كتر خيرك، ماهو ربنا مش بيسيب
-عندك حق.. يمهل ولا يهمل.

-تسلم يا جيمي على أخبارك الحلوة
مسح جمال فمه بإصبعيه، وأردف بجدية:
-أديني شوفتك أهوو، ابقى افتكرني
هز رأسه وهو يعيد وضع الهاتف على الأذن الأخرى ليتابع بإهتمام:
-طبعاً، على كده مافيش اخبار عن البت تقى ؟

قطب جمال جبينه وهو يجيبه بتحذير:
-لأ.. مافيش جديد عنها، ويا ريت تنبه على أمها ماتجيش تاني هنا بدل ما تتبهدل
رمش أحمد بعينيه وهو يسأله بنبرة جادة:
-هي جت عندك ؟
نفخ جمال بضيق وهو يجيبه:
-أه، وأنا مشيتها.. عارف لو كان حد من البهوات شافها، كان ممكن الولية دي تروح في أبو نكلة.

حك أحمد رأسه في إنزعاج، وبرر موقفها قائلاً:
-معلش قلبها محروق على بنتها
تلفت جمال حوله، وأردف بريبة:
-أها.. بقولك إيه أنا هاقفل لأحسن حد ياخد باله
هتف أحمد بنبرة ممتنة:
-ماشي يا كبير، وأنا.. وأنا متشكر ليك
رد عليه بإيجاز وهو يتجه نحو غرفة الحراسة:
-ماشي، سلام
أخذ جمال نفساً مطولاً، وزفره على عجالة، ثم تمطع بذراعيه قبل أن يدس هاتفه في جيبه، ويقف في مكانه ليتابع نوبة حراسته..

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
فحصت أم نجاح ( الداية ) بطة بدقة بعد أن غطت جسدها بالملاءة، وجلست على مقعد ملاصق للفراش، بينما راقبتهما إحسان بوجه شبه متشنج..
رفعت نجاح رأسها في إتجاه بطة وطلبت منها بجدية:
-افتحي رجلك شوية
-ط.. طيب
-ايوه كده..
إشرأبت إحسان برقبتها للأعلى لترى بدقة ما الذي تفعله أم نجاح، وسألتها بغلظة:
-ها إيه الأخبار ؟

إستدارت أم نجاح برأسها ناحيتها، وأردفت بهدوء:
-سيبني أشوف شغلي يا أم عبده، وهاتلي كوباية مياه لأحسن ريقي ناشف
مطت شفتيها في إستخفاف، وردت عليها بجمود:
-أطمن بس على البت الأول، وأجيبلك اللي إنتي عاوزاه
نهرتها أم نجاح بضيق زائف وهي تشير برأسها:
-يا أم عبده بأقولك ريقي ناشف، وهو أنا هاهرب منك
ردت عليها على مضض وهي تحدج بطة بنظرات إحتقارية:
-ماشي.

تابعتها أم نجاح بنظرات ضيقة إلى أن خرجت من الغرفة، ثم غمزت لبطة بطرف عينها، فإبتسمت الأخيرة لها، وهمست:
-زي ما وصيتك يا أم نجاح
بادلتها أم نجاح نفس الإبتسامة الماكرة وهي ترد بخفوت:
-اطمني يا بت
-خلاص، متفقين
تنحنحت بصوت خشن، وتابعت بصوت حاسم:
-طب يالا اعملي اللي هاقولك عليه
-ماشي.

رفعت أم نجاح من نبرة صوتها قليلاً وهي تقول:
-يا بت اسمعي الكلام وإتني رجلك شوية خليني أشوف
هتفت بطة بصوت مرتفع وهي تدعي الإرهاق:
-ما أنا تنياها
-أيوه، كده كويس.. ممم
دلفت إحسان للغرفة وهي ممسكة بكوب معدني مليء بالماء، وأسندته على الطاولة، وحدقت بنظرات جاحظة في جسد بطة المتكشف أمامها محاولة معرفة ما الذي تفعله أم نجاح..

إنزعجت بطة من نظراتها الجريئة، ورمقتها بنظرات ساخطة، فهذه السيدة لا تتوقف أبداً عن التلذذ برؤية عوراتها دون أدنى شعور بالخجل..
إرتسمت علامات السعادة بالإضافة إلى ابتسامة عريضة على وجه أم نجاح وهي تهتف ب:
-نقول مبروك يا أم عبده، لووولوووولي
شحب لون وجهها، ونظرت لها بإندهاش وهي تصرخ بصدمة:
-إيييييه ؟ قصدك ايه
ضحكت أم نجاح وهي تردف بفرحة:
-النبي حارسها حبلى، والبشارة أهي
هزت إحسان رأسها معترضة، وإحتجت قائلة:
-إزاي ؟!

ضيقت أم نجاح عينيها في تعجب زائف، وأردفت بنزق:
-الله مش متجوزة من ابنك، وأعدين ليل نهار سوا وفي حضن بعض!
إرتبكت إحسان من ردها، ولم تعرف بماذا تجيبها.. فهل التي كانت تتلصص على إبنها وزوجته ليل نهار لتحول دون جلوسهما معاً.. وكانت تتفنن في إزعاجهما حتى لا ينفرد بها، إذن كيف حدث هذا ؟
أجابتها بصوت متقطع وهي قابضة على عباءتها المنزلية:
-آآ.. أه.. بس آآ..

هتفت أم نجاح بفرحة عارمة وهي تلوح بيدها:
-قولي بقى إنك عاوزة تكلي عليا الحلاوة، لأ وحياة عبده ابنك، مش هتنازل عن إنك تحلي بؤي
إبتلعت إحسان ريقها بتوتر شديد، ولم تنتبه لما تقوله الأخيرة، فهي أكثر الناس إدراكاً أن ابنها لا يُجامع زوجته لأنها تتعمد إفساد لحظاتهما معاً، فكيف لها أن تحمل ؟
تنهدت بطة في إرتياح، وإعتلى ثغرها إبتسامة لئيمة وهي ترمق إحسان بنظرات متشفية، فقد إكتملت خطتها..

كعادتها كل يوم، تذهب بطة لشراء الخضراوات وما ينقص من لوازم المنزل من السوق القريب..
ولأن والدة زوجها كانت تضيق عليها الخناق، وتعاملها معاملة يندى لها الجبين، فلم يعد أمامها أي مفر سوى الإنتقام منها، وخاصة أن والدتها رفضت أن تقف إلى جوارها، أو حتى تدعمها في قرار الإنفصال عن زوجها الضعيف في الشخصية وفي كل شيء..
لذا قررت أن تشرع في تنفيذ مخططها البسيط..

توجهت هي إلى منزل القابلة المعروفة في المنطقة، ولكن خلسة.. دون أن يعرف أي أحد عن تلك الزيارة السرية، واتفقت معها على أن تدعي هي الحمل، وتدعمها الأخيرة في هذا.. مقابل مبلغ مادي..
في البداية رفضت أم نجاح أن تشاركها، ولكن أصرت بطة بصوت مختنق ب:
-دي مطلعة عيني ومش رحماني، ترضيها لبنتك نجاح، ده.. ده حتى جوزي مش مهنياني عليه
تراجعت أن نجاح بجسدها للخلف، وردت عليها بخوف وهي تزم شفتيها:
-أنا ماليش دعوة يا بطة، الولية دي شلأ ( سوقية ) وأنا مش أدها!

عبست بطة أكثر بوجهها، وترقرقت العبرات في عينيها، ثم تابعت حديثها بنشيج:
-يعني إنتي مش عاوزة تقفي معايا، والله ده ظلم.. إهيء.. إهيء
ثم أجهشت أمامها بالبكاء، ووضعت منشفة ورقية على أنفها، وظلت تنتحب بصوت مرتفع مما جعل أم نجاح ترفق بحالها، وقالت بنبرة إشفاق:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بت بطلي عياط
بكت بمرارة أشد وهي تتابع بصوت منتحب:
-هو في حد حاسس بيا.

كانت عبراتها صادقة للغاية، فهي الوحيدة التي تعاني من تلك الزيجة الفاشلة.. ولم يقف معها أي أحد حتى الأقرب إليها..
أغتيلت أحلامها قبل أن تبدأ، وأُلقي بها في أحضان زوج لا يعرف سوى إرضاء نفسه ومن قبلها أمه البغيضة التي تتعمد إهانتها، والحط من شأنها..
رأفت أم نجاح بها، وقالت بتردد:
-أنا بس خايفة إنها آآآ..
أيقنت بطة أنها على وشك إقناعها، فهتفت بحماس مفاجيء:
-لألألألأ.. متخافيش والله، ده أنا هحلي بؤك بس قولي إني حبلى.

صمتت هي لتفكر فيما قالته، وتنهدت بإستسلام:
-ماشي
ثم تابعت محذرة ب:
-بس أنا مش مسئولة عن أي حاجة تحصل
إرتسمت ابتسامة مشرقة على وجه بطة، ومسحت عبراتها المنسابة من على وجنتيها، وهتفت بجموح:
-إنتي ملكيش دعوة، أنا هاتعامل معاها، إنتي دورك تأكدي إني حبلى وخلاص
أومأت برأسها موافقة وهي تجيبها بجدية:
-من عينيا.

ثم دست بطة يدها في جيب صدرها، وأخرجت عدة نقود مطوية، ووضعتها في كف أم نجاح، وقبضت عليه، وهي تهتف بإبتسامة عريضة:
-وخدي دول عشانك، مايغلاش عنك حاجة يا أم نجاح
عبست بوجهها قليلاً، وقالت بإعتراض:
-استني أما يتم المطلوب الأول!
لم ترخي بطة قبضتها عن يدها، وأصرت قائلة:
-لأ دول حاجة بسيطة.

تهللت أسارير أم نجاح وهي ترى المبلغ الموضوع في كفها، وردت بحماس:
-ياخد عدوينك
رفعت بطة رأسها للسماء، وتنهدت في إرتياح وهي تجيب بخفوت:
-يا رب أمين
ثم عاودت النظر إلى أم نجاح وعلى ثغرها إبتسامة واثقة.. فقد إنتهت من الجزء الأول والأساسي في خطتها

عودة للوقت الحالي
تأوهت بطة من الآلم الزائف وهي تميل على جانبها على الفراش، ثم همست بضعف مصطنع ب:
-غطيني يا أم نجاح لأحسن تعبانة!
نهضت أم نجاح من على المقعد الملاصق للفراش، ودثرتها بالملاءة وهي تقول بجدية:
-أها.. لازم ترتاحي يا بنتي في الأول، الشهور الأولى في الحبل بتبقى خطرة على الواحدة
أغمضت بطة عينيها وهي ترد عليها بوهن:
-أها
وقفت أم نجاح قبالتها، ومسدت على رأسها وهي تتابع بجدية:
-وكلي كويس!

ثم إستدارت برأسها في إتجاه إحسان، وأردفت بصوت محذر:
-ومالوش لازمة شغل البيت الكتير، ماشي يا ست أم عبده
أجابتها إحسان بنبرة ممتعضة وهي مكفهرة الوجه:
-هو أنا يعني بشقيها، ما هو على يدك!
-برضوه، الحرص واجب
في تلك اللحظة ولج عبد الحق إلى داخل الغرفة، وصاح متلهفاً:
-ها يامه، إيه الأخبار ؟

إلتفتت أم نجاح بوجهها ناحيته، ووضعت يدها بالقرب من فمها، وأطلقت زغرودة عالية، ومن ثم هتفت بفرحة:
-لوووولوووولي.. افرح يا سي عبده، كلها كام شهر ويجيلك النانوس اللي يأؤ في البيت!
إتسعت عينيه في صدمة سعيدة، وإرتسم على محياه إبتسامة عريضة، وهتف بصياح وهو ينظر لوالدته:
-هه، يعني.. يعني بطة حبلى يامه ؟
لوت إحسان فمها في إمتعاض وهي ترد عليه بضيق:
-اه يا روح أمك
وضع كلتا يديه على رأسه، وصاح بفرحة:
-يا دين النبي، ده احلى خبر سمعته، أنا هابقى أب يامه، والواد جاي.. الواد جاي!

زمت إحسان فمها في ضيق وهي تغمغم قائلة:
-الله أعلم إن كان واد ولا بت!
إتجه عبد الحق إلى زوجته، وجثى بجوارها على الفراش، ومسد على شعرها، ومن ثم إنحنى ليقبلها من جبينها وهو يضيف بسعادة:
-مش فارق يامه، المهم إني هأبقى أب
لوت إحسان فمها أكثر، وتمتمت بحنق:
-دك بو لما يتنفخك إنت وهي..!

وقف حارس الأمن السابق أحمد أمام أحد محال البقالة، وإلتقط علبة سجائر بإصبعيه، ثم أعطى البائع ثمنها، وإنصرف للخارج، وأشعل إحداهم، ونفث دخانها في الهواء..
ثم حك رأسه في حيرة، فهو يريد أن يتوصل إلى أي معلومة عن تقى، ففكره مشغول عليها، وقلبه يخفق لمجرد سماع إسمها..
حدث هو نفسه بقلق بصوت مسموع ب:
-لو أعرف أي حاجة عنها، قلبي يرتاح، بس هاوصلها ازاي..!

إخذ نفساً مطولاً من سيجارته، وزفره بضيق، ثم أكمل بإهتمام:
-ممم.. جمال قال إن أوس الزفت في المستشفى، والمفروض تقى كانت معاه، يبقى.. يبقى أكيد هاعرف سكتها عن طريقه، طيب أنا أوصله إزاي ؟!
اتسعت عينيه فجأة في سعادة، وتابع بحماس:
-ايوه، مافيش إلا عفاف، هي الوحيدة اللي هاتفيدني، أنا أكلمها أل يعني بسأل عليها، وأوصل منها لأي حاجة عن تقى بحجة إن أمها عاوزة تطمن عليها!
ثم إزدادت إبتسامته اللئيمة إتساعاً وهو يحدث نفسه بثقة ب:
-بالظبط، هو ده اللي أنا هاعمله...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والعشرون

في منزل ممدوح
تأوهت ناريمان بإستمتاع عجيب وأصابع يدي ممدوح تدلك كتفيها العاريين وهي ممددة على الفراش، و نصف جسدها ملتف فقط بملاءة صغيرة..
نظر لها بحنق شديد وهو يحاول التحكم في أعصابه من أجل الوصول إلى الحقيقة.. وضغط على عظامها برفق، ثم تسائل بخفوت:
-مبسوطة يا نارو ؟

أغمضت عينيها وهي تسند رأسها على مرفقيها، وأجابته بصوت شبه خافت:
-آه يا حبيبي!
تنهدت في إرهاق قبل أن تكمل بنبرة منزعجة:
-إنت مش عارف أنا أد ايه تعبانة، وكنت محتاجة المساج ده أوي، الضغط كتير أوي عليا!
إنحنى بجسده عليها، وقبل رأسها، ثم همس في أذنها بمكر:
-هانت يا حبيبتي، كلها شوية، وهانرتاح كلنا
-أها
ثم نزل بيديه على أسفل جسدها ليداعبها ويلهب مشاعرها أكثر، فإستجابت لرغباتها، وإنساقت وراء الملذات المحرمة مع عشيقها..

في مشفى الجندي الخاص
جلست عفاف على المقعد المعدني المواجه لمكتب الإستقبال، وظلت تدعو الله في نفسها أن يرفق بتقى ويهون عليها..
فركت أصابع يديها في توتر، وظلت تراقب المتواجدين بنظرات شبه زائغة..
مر ببالها نظرات أوس المتوعدة لتلك البائسة وهي تزف إليه.. فإبتلعت غصة في حلقها لأنها وقفت عاجزة ولم تمنعه عن التمادي معها .
لم تقاوم عبرات الخزي حينما إنهمرت من مقلتيها، فهي تستحق اللوم والمحاسبة بسبب صمتها عن بطش أوس، وخوفها من خسارة عملها في مقابل خسارة فتاة بريئة كتقى لحياتها..

أخرجت تنهيدة حارقة من صدرها وهي تهمس ب:
-آآآه لو كنت أعرف، آآآآه..!
شعرت عفاف بإهتزازة خفيفة في حقيبتها، فإنتبهت لها، ومدت يدها بداخلها، ثم إلتقطت هاتفها المحمول، ونظرت إلى شاشته لتقرأ إسم المتصل..
تنهدت في تعب وهي تحدث نفسها قائلة:
-أحمد! وده عاوز إيه ؟!
وبنبرة حزينة ردت على إتصاله الهاتفي:
-أيوه يا أحمد!
بادلها السؤال بصوت جاد وشبه هاديء ب:
-ازيك يا مدام عفاف، أخبارك ايه ؟

أجابته بنبرة منكسرة وهي مطرقة لرأسها، وتعبث باليد الأخرى في أشطرة حقيبتها:
-الحمدلله
تردد أحمد في سؤالها مباشرة عن أحوال تقى، فحاول أن يختلق عذراً واهياً.. لذا أردف بهدوء حذر ب:
-أنا قولت أطمن عليكي
ردت قائلة بصوتها المختنق:
-كتر خيرك يا بني
لم ينكر أحمد أنه استشعر نبرة الحزن في صوتها، وإزداد خفقان قلبه من حدوث الأبشع لمحبوبته، لذا إستجمع شجاعته وسألها دون تردد ب:
-مالك ؟ أنا حاسس إن في حاجة مضيقاكي يا مدام عفاف، قوليلي، وأنا موجود!
أجابته بإقتضاب وهي تضع إصبعها على فتحتي أنفها:
-لأ.. أبداً.

زفر في ضيق لأنه لم يجد الرد الشافي لقلبه الملتاع، فهتف بإصرار:
-ماتكسفيش مني يا مدام عفاف، ده أنا زي أخوكي الصغير، ولو في حاجة آآآآ......
لم تصغ عفاف إلى بقية جملته، فقد فكرت لبرهة في الإستعانة به، فهو الوحيد الذي أوصل تقى من قبل إلى أهلها حينما كانت عاجزة عن السير، وبالتالي ربما يساعدها في الوصول إليهم وطمأنتهم عليها، فربما يقتلهم الشوق لمعرفة أي خبر عنها.. وهي تخشى أن تفقد تلك المسكينة حياتها دون أن يعرفوا أي شيء عنها..
نعم.. هي تود أن تساعدها، ولكنها تخشى أن تسوء الأمور، لذا أردفت بحذر ب:
-أحمد!

شعر من نبرة صوتها الأخيرة بأن هناك بارقة أمل في معرفة أخبار تقى، لذا هتف بحماس:
-ايوه يا مدام عفاف
أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته على مهل وهي تسأله بتأني:
-إنت.. إنت تعرف بيت أهل تقى ؟
إنتبهت حواسه بالكامل لها، وتسارعت دقات قلبه، ونفخ لأكثر من مرة ليسيطر على إنفعالاته، ثم سألها بإهتمام جلي:
-أيوه، ليه ؟
ترددت وهي تجيبه بصوت متقطع ب:
-أصل.. أصل..آآآآ

سألها بلهفة واضحة في نبرة صوته وهو يضع يده الأخرى على رأسه ضاغطاً عليها بقوة محاولاً التقليل من تدفق الدماء إليها:
-في حاجة حصلتلها ؟
تنهدت بحزن وأردفت بنبرة مريرة:
-أنا.. أنا مش عارفة أقولك ايه، بس لو تقدر توصلهم عرفني
إنقبض قلبه أكثر، وتوترت حركة عينيه، وسألها بخوف:
-أه اقدر، بس ليه ؟
مطت شفتيها وهي ترد عليه بحذر:
-يعني آآآ..

قاطعها بصوت جاد وقد فقد التحكم في أعصابه:
-مدام عفاف إنتي كده بتقلقيني عليها، طمنيني الله يكرمك، مالها تقى ؟
أغمضت عينيها لوهلة، فقد شعرت أنها تسرعت حينما طلبت مساعدته، فربما يتهور ويفعل ما لا يُحمد عقباه..
فتحت عينيها وردت عليه بتنهيدة حزينة:
-بص أنا مش هاقدر أقول حاجة، لكن لو تعرف تطمن أهلها عليها يبقى كتر خيرك
إنتفض أحمد في مكانه، وصاح منفعلاً ب:
-مدام عفاف انتي بتكدبي، في حاجة حصلت لتقى، وإنتي مش عاوزة تقولي.

صمتت ولم تجبه، فإزدادت شكوكه، وهتف بضيق:
-ردي عليا، هي حصلها حاجة ؟ ماتسبنيش كده يا مدام عفاف
أدركت هي خطئها، وعاتبت نفسها لأنها أجابت عليه من البداية، فزفرت في إرهاق، وتوسلت له بهدوء:
-لو سمحت إهدى
إنفجر غاضباً وهو يصرخ في الهاتف:
-لأ.. أنا مش هاهدى إلا لما تقوليلي.

لوت هي فمها للجانب، وأبعدت الهاتف عن أذنها، ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة، وتابعت بصوت حاسم:
-من فضلك يا أحمد ماتضغطش عليا لأني مش هاقول حاجة، بس كل اللي أقدر أقولهولك ادعيلها، وطمن أهلها عليها!
تشنجت ملامح وجهه بعد عبارتها الأخيرة، وهتف بصوت محتد:
-معناه إيه الكلام ده ؟
ردت عليه بإيجاز:
-أنا مضطرية أقفل، مع السلامة
صرخ بإهتياج متوسلاً إياها ب:
-استني يا مدام عفاف، استني، ألووو.. ألوووو!

كانت تلك أخر كلمات صارخة قد إستمعت لها عفاف قبل أن تغلق الهاتف تماماً..
كتمت أنينها وهي تبرر ل نفسها موقفها، فقالت:
-كده أحسن، مافيش داعي أخلي الموضوع يكبر
ثم سلطت أنظارها على موظفة الإستقبال التي أشارت لها بيدها لتنتفض هي من على المقعد وتركض في إتجاهها..
وقفت أمامها وسألتها بخوف:
-ها يا بنتي ؟

أسندت الموظفة سماعة الهاتف الأرضي، ونظرت لها بثبات وهي تجيبها بجدية:
-بصي أنا إتكلمت مع مدير المستشفى
-ها، وبعدين ؟
-الزيارة ممنوعة تماماً لأوس باشاً، لكن البنت التانية مافيش كلام عليها!
لمعت عينيها ببريق من الأمل وهي تسألها بتلهف:
-يعني أقدر أشوفها ؟
أجابتها الموظفة بفتور ب:
-هي في العناية المركزة، بس ممكن تبصي عليها من برا.

تنهدت بإرتياح، وأومأت برأسها وهي ترد عليها قائلة:
-ماشي.. المهم أشوفها
أشارت لها الموظفة بإصبعها قبل أن تنطق بنبرة جادة:
-أوكي.. لحظة وهابعت معاكي حد يوديكي
إستدارت عفاف برأسها للخلف، وهتفت بحماس:
-دليني وأنا أروح لوحدي، ماتتعبيش نفسك.

هزت رأسها نافية وهي تجيبها بإصرار:
-لأ مش هاينفع، انتي لو هاتشوفي البنت هيرافقك واحد، لكن المدير منبه إنه مش عاوز حد يزور أوس باشا، ولأن حضرتك تعرفي الاتنين، فهيبعت معاكي حد عشان يتأكد من كلامه
مطت فمها للأمام متذمرة بسبب هذا القرار العجيب، فلماذا تحتاج إلى مرافق وهي لن تسبب الأذى لكليهما.. فقلبها متلهف للإطمئنان على حال تقى قبل أوس لأنها مدركة للمآسي التي وقعت بها..
، ورغم هذا أردفت بإستسلام:
-طيب

إنتاب أحمد حالة من الهياج العصبي وهو يحاول الإتصال بالمدبرة عفاف مراراً وتكراراً، ولكن للأسف كان هاتفها مغلقاً..
ركل بقدمه الأرض، وصاح بعنف:
-هوصلها برضوه يا عفاف، مهما خبيتي عني
فرك وجهه بكلتا يديه، ونفخ في حنق.. ثم غمغم قائلاً:
-طب أعمل ايه، هي هاتكون فين بالظبط ؟
إحتقنت عينيه أكثر وصارتا حمراوتين، وصر على أسنانه قائلاً بغل:
-الزفت في المستشفى بتاعه، طب هايكون سابها فين ؟ ماهو مش معقول هايفضل مخبيها..

نفخ في يأس، وتابع بإحباط:
-طب هي عفاف قالت أطمن أهلها عليها، وادعيلها، يبقى اكيد عارفة مكانها، بس مش عاوزة أتقول.. وجمال قالي إنها راحت المستشفى عند المخفي ده
جحظت عينيه فجأة، وبرقت بلمعان عجيب وهو يهتف بصدمة:
-تقى معاه في المستشفى! هي أكيد هناك
كور قبضة يده وضرب بها كفه الأخر، ودار حول نفسه مغتاظاً وهو يفكر في طريقة للوصول إليها.

حدث نفسه بصوت مسموع قائلاً:
-عشان أعرف أروح هناك لازم يبقى معايا حد من عيلتها، أنا لوحدي مش هاعرف أوصلها، أيوه، مافيش قدامي إلا أمها!
إبتلع ريقه ليستأنف حديثه بتوعد وإصرار:
-الولية هاتموت وتعرف حاجة عن بنتها، وأنا هوصل لتقى عن طريقها، وهوريك يا باشا أحمد الغلبان ده إزاي هايقدر ياخدها منك!
ثم ركض في إتجاه الطريق الرئيسي، وأشار لإحدى سيارات الأجرة وهو يهتف بصوت مرتفع:
-تاكسي!

في مشفى الجندي الخاص
سارت المدبرة عفاف - وهي تضم حقيبتها إلى صدرها - بصحبة أحد الممرضين نحو المصعد، ثم استقله كليهما ليصلا إلى الطابق العلوي حيث توجد غرف العناية المركزة..
كان قلبها يخفق بشدة وهي تتخيل الأسوأ.. حاولت أن تبدو متماسكة أمام ذلك الغريب، فهي الوحيدة التي تعرف ما الذي حدث ومن المتسبب لها في هذا الجرح الذي لن يلتئم أبداً..

أشار لها الممرض بكف يده وهو يتحدث بنبرة رسمية:
-الأوضة اللي هناك يا مدام
هزت رأسها قليلاً، وهي تجيبه بخوف:
-شكراً..
سارت بخطوات متعثرة نحو الغرفة المُشار إليها، وتنفست بصعوبة وهي تصغي إلى ذلك الصوت المشترك بين كل الغرف – ذبذبات جهاز ضربات القلب – والذي جعل دقات قلبها تتسارع مع تلك الأصوات..
ظلت تدعو الله في نفسها ألا يجعل المصاب جللاً..

إبتلعت ريقها بصعوبة شديدة وهي تنظر في إتجاه الحائط الزجاجي حيث غرفة تقى..
شهقت على الفور حينما رأتها ممددة من خلف الزجاج، ومثبت بجسدها الهزيل الأجهزة الطبية، ووضعت كلتا يديها على فمها
بدى الذعر تعبير أساسي من تعبيرات وجهها الشاحب
كما ظلت تهز رأسها في رفض واضح لما حدث، وإستنكار تام لتلك الجريمة الشنعاء في حقها، حتى وإن كانت تحت مسمى الزواج، فيظل الإغتصاب إغتصاب..
ذرفت عبرات الحسرة والأسف عليها، فهي كإبنتها التي لم تلدها..

ومر ببالها ذكرى رؤيتها لأول مرة في قصر الجندي.. هي كانت تعاني منذ وطأت قدميها ذلك المكان إلى أن إنتهى بها المطاف جسد ممدد لا روح فيه..
أبعدت يديها على فمها، وأسندتها على الحائط الزجاجي، وإنتحبت وهي تحدث نفسها قائلة:
-ليه يحصلك ده كله ؟ ليه ؟؟ ذنبك إيه يا بنتي عشان يبقى حالك كده ؟ آآآآه.. يا حسرة قلب أمك عليكي!
تذكرت صورتها وهي تتوسل لها باكية من أجل تهريبها خارج منزل أوس.. كم كانت تمثل طوق النجاة بالنسبة لها، ولكنها خذلتها، فأصبحت شريكة في تلك الجريمة حتى وإن لم تفعل شيء..

فصمتها وعجزها عن الدفاع عنها جعلاها شريكة في إنتهاك إنسانيتها..
طرقت بيدها على الحائط الزجاجي وهي تلوم نفسها بشدة، وبدموع حارقة تابعت ب:
-أنا السبب! يا ريتني كنت وقفت معاكي، يا ريتني ساعدتك، مكنش ده بقى حالك، آآآآآه.. أنا السبب!

وصل أحمد إلى أول مدخل الحارة الشعبية، وأسرع في خطاه نحو البناية القديمة الموجود بها منزل تقى..
فقلبه يدفعه للتصرف فوراً من أجل إنقاذها إن كانت لا تزال مع ذلك البغيض
تنهد وهو يلهث، وحدث نفسه قائلاً:
-يا رب أمها تكون موجودة، هاتبقى مصيبة لو ملقتهاش، عاوز ألحق تقى قبل ما يخفيها ابن ال ***، ومعرفش أوصلها!

رأه منسي الذي كان يتجه إلى المقهى، فإمتعض وجهه، وحك رأسه الحليق بحيرة، ونطق بإنزعاج:
-أنا شوفت الواد ده قبل كده، فين ياض يا منسي، فين ؟
لوى فمه للجانب، ودعك ذقنه قليلاً، ثم هتف فجأة:
-أيوه، هو بعينه، ده الواد اللي جه سأل عن بيت فردوس أم تقى!
ثم ضيق عينيه أكثر، وتسائل بفضول:
-طب جاي هنا ليه ؟

في منزل تقى عوض الله
دق أحمد باب المنزل، وقرع الجرس لأكثر من مرة حتى يستجيب من بالداخل..
تنهد في إرتياح حينما سمع صوت فردوس يأتيه عالياً ب:
-جاية أهوو!
حاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثة ريثما تفتح له، فقد صعد الدرج ركضاً..
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى رأها أمامه، فأردف على عجالة ب:
-معلش يا ست فردوس، أنا جايلك من غير ميعاد، بس آآآ..

قاطعته بصوت جاد وهي تتفرس تعابير وجهه المشدودة:
-خير يا بني في إيه ؟
أخذ نفساً عميقاً، وزفره على عجالة، ثم أجابها بهدوء حذر:
-أنا عرفت مكان بنتك تقى
-إييييييه!
صاحت بها فردوس غير مصدقة ما قاله تواً، وقفت متسمرة في مكانها لوهلة محاولة إستيعاب تلك المفاجئة..
ترقرقت العبرات في عينيها، وإرتسمت تعابير الفرحة على محياها..

أشار لها أحمد بكفيه بحركة دائرية وهو يصيح بجدية:
-يالا يا ست فردوس، إلبسي أوام عشان نروح نجيبها
نظرت له بذهول، وسألته بصوت مصدوم ب:
-إنت.. إنت بتكلم جد ؟
رد عليها قائلاً:بحماس زائد
-هو في هزار في الحاجات دي
أشارت له بيدها ليدلف للداخل وهي تطلب منه بفرحة:
-طب.. طب خش يا بني، إنت مش غريب
أومأ برأسه موافقاً، ورد بإيجاز:
-حاضر.

إبتعدت عنه خطوتين، ثم إستدارت بجسدها لتواجهه، وقالت دون تردد:
- ثواني أجيبلك حاجة تشربها عقبال ما ألبس
هز رأسه معترضاً، وتابع بصرامة:
-لألألألأ.. مش عاوز حاجة، استعجلي بس الله يكرمك، عاوزين نلحقها
أثارت كلمته الأخيرة حفيظتها، فرفعت حاجبها للأعلى في حيرة، وسألته بعدم فهم:
-نلحقها ؟ ليه ؟

رد عليها بإقتضاب وهو يلوح بكلتا يديه بحركة دائرية:
-هافهمك في السكة
هزت رأسها موافقة، وأردفت بخفوت:
-ماشي، استناني يا بني!
ثم رفعت عينيها الباكيتين إلى السماء، وهتفت بتفاؤل وهي تتجه لغرفتها:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب، يا ما إنت كريم يا رب!

ولجت فردوس إلى داخل، وأسرعت ناحية ضلفة خزانة الملابس، وسحبت عباءتها السوداء، وإرتدتها فوق ملابسها المنزلية، ثم إتجهت نحو الفراش، وإنحنت لتقبل رأس زوجها، وأدمعت عينيها أكثر وهي تهتف بشوق:
-بنتك لاقيناها يا عوض، بنتنا هاترجع لحضننا تاني، أنا هاروح أشوفها، وأجيبها عندنا..!
قبلته مجدداً على جبينه، وركضت مسرعة للخارج وهي تلف رأسها بحجابها، ثم هتفت بجدية:
-أنا جاهزة، يالا بينا
إتجه أحمد صوب باب المنزل، وفتحه، وتفاجيء بوجود شخص ما يسد عليه الطريق، فقطب جبينه، وإعترته الدهشة، وسأله بإستغراب:
-إنت مين ؟

إقتحم منسي المكان بجسده، ورمق أحمد بنظرات إحتقارية متأملاً هيئته بتأفف واضح من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو يرد عليه متسائلاً بصوت شبه متصلب:
-لأ عندك، ده أنا اللي المفروض أسألك إنت مين ؟ وبتعمل ايه هنا ؟
عقدت فردوس حاجبيها في ذهول، فقد تفاجئت هي الأخرى بوجوده أمام باب منزلها، وهتفت بإندهاش:
-م.. منسي!
حدجها بنظرات حائرة وهو يسألها بإهتمام:
-على فين العزم يا ست فردوس ؟

ردت عليه بجدية وهي عابسة الوجه:
-أنا رايحة أشوف بنتي، وسع شوية
فغر منسي فمه للأسفل وهو ينطق ب:
-تقى!
أجابته هي بصوت حاسم:
-أيوه
-طب.. طب هي فين ؟
-لسه هاشوف ؟
وضع أحمد يده على كتف منسي، وضغط عليه وهو يرمقه بنظرات حادة، ثم أردف بصوت قاتم:
-ممكن يا أخ إنت تاخد جمب خلينا نمشي، إحنا مش ناقصين عطلة!

لوى منسي فمه في إستخفاف وهو يرمقه بنظرات مستفزة، ثم أزاح يده من على كتفه، وتسائل بسخرية:
-أخ! وده مين كمان اللي بيتكلم ؟
رد عليه أحمد بإقتضاب ب:
-مايخصكش
إرتفعت نبرة صوت منسي وهو يجيبه بحدة:
-لأ يخصني، أي حاجة تبع عيلة عم عوض تخصني
وقف أحمد قبالة منسي، ونظر له بتحدٍ سافر، ثم تابع بصوت صارم دون أن تطرف عينيه:
-أنا ماليش فيه، خدلك جمب!

رفض منسي أن يتزحزح من مكانه، وصاح محتجاً:
-بس أنا ليا، عندك إعتراض ؟!
أجابه أحمد بصوت جاد:
-اه.. عندي
نظر له بإستخفاف، ثم لوى فمه وهو يسأله بتهكم:
-ليه إن شاءالله ؟
تردد أحمد للحظة قبل أن يجيبه بحسم:
-لأنها.. آآ.. آآ.. خطيبتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والعشرون

في منزل تقى عوض الله
إعترت الدهشة الممزوجة بالغضب وجه منسي، ورمق أحمد بنظرات أكثر حدة، ثم أردف بسخط:
-خطيبتك ؟ وده إمتى حصل الكلام ده!
إبتلع ريقه، وحاول أن يبدو ثابتاً وهو يرد عليه بجمود زائف:
-آآآ.. اه، حصل وقت ما حصل، ده مايخصكش!
صاحت فردوس بإنفعال جلي وهي تدفع أحمد من كتفه لتمرق أمامه:
-خطيبة مين ونيلة إيه الوقتي، مش لما نشوف البت الأول، نبقى نخطبها
ضيق منسي عينيه، وتسائل بجدية شديدة وهو يشير بيده:
-يعني هو مش خطيبها ؟!

أجابته بإقتضاب وهي تلقي بطرف حجابها على كتفها:
-لأ
لذا حدج منسي أحمد بنظرات ساخطة ومتوعدة، مما دفع الأخير للتشدق قائلاً:
-بس أنا ناوي أخطبها
لوى منسي فمه مستهزءاً، وقال بتهكم:
-أها.. لأ النية دي مش في عُرفنا
صرخت في كليهما بعصبية وهي تلوح بيديها:
-بس انتو الاتنين، أنا عاوزة أجيب بنتي!

لم يحدْ منسي بعينيه الحادتين عن أحمد، و رد عليها بصوت جاف قائلاً:
-ماشي يا ست فردوس، نكمل كلامنا بعدين، المهم ست البنات دلوقتي
ثم خرج ثلاثتهم من المنزل، وأغلقت فردوس الباب، وإنطلقوا مسرعين على الدرج
ضرب منسي أحمد في كتفه، وقال ببرود:
-لا مؤاخذة
رمقه أحمد بنظرات حانقة.. فهو يعلم أنه تعمد فعل هذا من أجل دفعه إلى إشتباك جديد، ولكنه كان أذكى من أن يدع الفرصة له ليستغلها، لذا صر على أسنانه قائلاً بغيظ:
-طب خد بالك بعد كده.

تسائلت فردوس بقلق واضح في تعابير وجهها المرهقة وهي ممسكة بالدرابزون:
-هي موجودة فين يا بني ؟
تنحنح أحمد بصوت خشن قبل أن يجيبها بخفوت:
-في المستشفى!
لطمت فردوس على صدرها بقسوة وهي تصرخ بصدمة:
-يالهوي، مستشفى!
تجمدت تعابير وجه منسي عقب العبارة الأخيرة، وتسمر للحظة في مكانه محاولاً فهم ما الذي يدور، فتسائل بإهتمام:
-هي مالها ؟

أمسكت فردوس بتلابيب أحمد، وهزته بعنف وهي تصرخ في وجهه ب:
-بنتي حصلها إيه ؟ انطق! قول!
أبعد منسي يديها عنه، ونظر لها متوسلاً وهو يقول برجاء:
-يا ست فردوس إهدي، خلينا نفهم إيه اللي حصل منه
مط أحمد فمه قليلاً، وأطرق رأسه وهو يجيبها بصوت هاديء:
-أنا.. أنا معرفش حصلها إيه، بس أنا خمنت إن ده يكون مكانها
رمشت فردوس عينيها في حيرة، وتسائلت بإنفعال:
-خمنت ؟ أنا مش فاهمة حاجة ؟! قولي بنتي فين ؟

تنهدت أحمد في تعب، وتابع بصوت شبه متشنج:
-أنا وصلني إن الزفت أوس اللي كان أخدها راح المستشفى، فتوقعت إنها تكون معاه
-مين أوس ده ؟
قالها منسي وهو يحك طرف ذقنه
جحظت عيني فردوس في رعب حقيقي، وبدت علامات الهلع واضحة للعيان على قسمات وجهها.. فذكر إسم هذا الشخص يجعل أوصالها ترتعد، هي تعرف نواياه الخبيثة، ومدركة لمدى سطوته وجبروته، ومعنى أن تكون إبنتها الوحيدة معه، أنها أصبحت في خطر محدق..
خفق قلبها في ذعر، وتسارعت ضرباته..
وأردفت بنبرة خائفة:
-سترك يا رب، بنتي مش ناقصة، بينا بسرعة على المكان اللي هي فيه!

في مشفى الجندي الخاص
حرك أوس رأسه للجانب على الوسادة البيضاء، وتحرك جفنيه بحركة عصبية زائدة، وبدأت تتساقط حبات العرق المتجمعة على جبينه لتبلل وجنته والوسادة..
كذلك إرتفع صدره وهبط وهو يحاول تنظيم أنفاسه اللاهثة..
اقتربت منه الممرضة، وحقنت المحلول المعلق بمادة طبية، ثم رمقته بنظرات متفحصة، وإنصرفت من الغرفة دون أن تنبس بكلمة..
تشنج أوس قليلاً في نومته، وصر على أسنانه، وبدى أنه يقاوم شيئاً ما بكل ما أوتي من قوة..
نعم.. فقد هاجمه أحد أسوأ كوابيسه والتي ساهمت في تدمير طفولته..

أمسك الصغير أوس بطرف تنورة والدته، وتشبث بها وهو ينظر لها بإصرار:
-مش عاوز أقعد معاه يا مامي
أبعدت يديه عنها، وجثت على ركبتها لتصبح في مواجهته، ثم مسحت على وجهه بكفها بحنو أموي زائد، وأجابته بنبرة دافئة:
-حبيبي، ده أنكل ممدوح زي بابي وبيحبك أوي
هز رأسه نافياً، وأجابها بصوت قاتم وهو عابس الوجه:
-لأ!

اقترب منهما ممدوح وعلى وجهه تلك الإبتسامة الوضيعة، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله، وسلط أنظاره على الصغير، وأردف بنبرة ماكرة:
-طبعاً، وهو عارف أنا لما بأحبه بأعمل ايه معاه
إبتلع الصغير أوس ريقه بخوف، وضيق عينيه المذعورتين، وتوسل لوالدته قائلاً بعناد كبير:
-مش تسيبني معاه يا مامي
عبثت تهاني بفروة رأسه، وقبلت جبينه، ثم نظرت له بعطف، وقالت بجدية:
-أوس حبيبي، أنا عندي شغل، وإنت صغير مش هاينفع تفضل لوحدك في البيت، أنكل ممدوح هياخد باله منك..

ثم إستدارت برأسها للخلف لتنظر إلى زوجها بعشق وهي تسأله بدلال:
-صح يا حبيبي ؟ مش إنت هاتخلي بالك منه ؟
إزدادت إبتسامته الشيطانية إتساعاً وهو يجيبها بثقة:
-طبعاً يا تهاني!
ثم حدق بنظراته القاتمة في أعين أوس وأكمل بنبرة تشبه الفحيح:
-ده أنا هالعب معاه أحلى لعب!

إنتفض الصغير رعباً في مكانه، وقبض على كتفي والدته، وهتف معترضاً:
-اوعي تمشي يا مامي، خليكي هنا!
أزاحت قبضتيه عن كتفيها، ونهضت عن الأرضية، وقبلته في وجنتيه، وأردفت بصوت رقيق:
-حبيبي مش هتأخر، صدقني!
جذبها أوس مجدداً من كف يدها، وهتف عالياً:
-لأ.. استني!

نظرت له بحنو، وتنهدت في حيرة.. وكادت أن تستسلم لرجائه، ولكن تدخل ممدوح في الحوار وقال بصوت جاد:
-تهاني حبيبتي، بلاش دلع بقى، أنا هافضل معاه
عضت على شفتها السفلى، وغمزت له بطرف عينها مشيرة إلى طفلها الصغير، ثم ردت عليه بخفوت:
-بس آآ..

صمتت عن الحديث، فقد عرف ذراع ممدوح الطريق إلى ظهرها، ولفه حول خصرها، وقربها من صدره، وأخفض عينيه وهو يسألها بهمس:
-حبيبتي إنتي مش واثقة فيا ؟
أجابته بجدية وهيتنظر له بعشق:
-لأ طبعاً، ليه بتقول كده ؟
أسبل عينيه وهو ينظر لها بعشق، وتابع هامساً:
-واحشني حضنك يا حبيبتي
تنهدت في شوق، ومالت برأسها على صدره، وأجابته بخفوت:
-حبيبي!

أحاط بها بذراعيه، وتحسس ظهرها بلمسات خفيفة، ثم رفع يده عالياً ليمسد على شعرها، ومن ثم جذبها منه للأسفل بقسوة، فتأوهت من الآلم، وفغرت شفتيها وهي تقول:
-آآآه.. ممدوح
إلتقط شفتيها بفمه وقبلها بعنف أمام الصغير أوس ليلهب مشاعرها أكثر، ويثير في نفس الوقت حنق الصغير وغيظه..
كور أوس قبضته بغل، ونظر إلى كليهما بأعين محتقنة، وظل يكز على أسنانه بإنفعال..

أبعد ممدوح شفتيه عن زوجته، ومسح على وجنتها بنعومة، ثم جذبها مجدداً من شعرها للأسفل، وإنهال بقبلة حسية أعمق زادت من رغبتها فيه، ثم تحرك برأسه قليلاً ليتمكن الصغير أوس من رؤيته وهو يغمز له بنظرات مطولة ذات مغزى، فإرتعد هو على إثرها، ووقف يرتجف في مكانه..
تنفست تهاني بصوت لاهث بعد أن تراجعت برأسها للخلف، وقالت بخفوت:
-أنا ممكن ألغي كل اللي ورايا وآآآ..
وضع إصبعه على فمها ليقاطعها بصوت هاديء:
-لأ يا حبيبتي، كملي شغلك، وأنا.. وأنا هافضل هنا مع أوس.

نظرت له بشغف، وقالت بتنهيدة حارة:
-مش مهم، أنا آآآ..
أحاط وجهها براحتيه، ومسح على شفتيها بإصبعيه، ثم تابع بإصرار:
-حبيبتي، يالا، وأنا هستناكي على نار، لسه قدامنا بقية اليوم
تنفست بعمق، ثم أومأت برأسها موافقة وإبتسمت وهي تنطق ب:
-أوكي يا ممدوح، وأنا مش هتأخر!

ثم لوحت بأصابعها لصغيرها وأرسلت له قبلة في الهواء، وإلتقطت حقيبتها، وعلقتها على كتفها، وإنصرفت خارج منزلها..
تراجع الصغير أوس للخلف بخطوات مذعورة، بينما حدق به ممدوح ومرر عينيه على جسده لينظر له بنظرات شيطانية مقيتة، ومن ثم غمز له بلؤم، وهتف بصوت مخيف:
-جه دورك معايا..!
ثم برزت أنيابه من خلف تلك الإبتسامة الوضيعة وهو يقترب أكثر منه...

تلاحقت أنفاس أوس بصورة كبيرة، وتسبب عرقاً غزيراً.. وكاد يختنق في نومته، وبدأ ينتفض بجسده للأعلى، ثم حرك رأسه بطريقة عصبية للجانبين..
وهتف بصوت بدى فيه كأنه عاجز عن النطق ب:
-آآ.. ل.. لأ.. لأ!
ثم فتح عينيه فجأة، ونهض مذعوراً وهو يصرخ عالياً:
-لألألأ..!
لهث أوس كثيراً بعد أن إنتصب في نومته، ونظر حوله بنظرات شبه مذعورة، وحاول عقله أن يستوعب ما الذي حدث..
بدأ يستعيد وعيه تدريجياً، وتدفق إلى عقله مئات من الذكريات التي حدثت خلال يومين..
إتسعت مقلتيه الحمراوتين في محجريهما، وهتف بهلع:
-تقى..!

إبتلع ريقه، ونظر إلى الإبر الطبية المغروزة في رسغيه، فإنتزعها وألقاها دون إكتراث، ثم تأمل حاله، فوجد نفسه يرتدي لباس المرضى الخاص بمشفى أبيه.. فإزداد تجهم وجهه وقتامته، وكور قبضته بعد أن إنتزع كل الأسلاك الموصولة به.. و بخطوات ثقيلة نهض عن الفراش..
ترنح في البداية بسبب حركته المفاجئة، وتعثر أثناء سيره، وفقد إتزانه، ليسقط على الأرضية الصلبة وترتطم رأسه بها..
ظن أن ما يحدث له نتيجة إعطائه تلك العقاقير الطبية المهدئة، وبالتالي لم يستعدْ كامل وعيه..

ولكنه لم يترك المجال للآلم، بل زحف بجسده نحو الباب، ثم إستخدم كلا ذراعيه في الإمساك بالمقبض ليحاول النهوض..
وبالفعل نجح في الوقوف على قدميه الثقيلتين، و فتحه، وخرج إلى الرواق..
رأته إحدى الممرضات وهو يستند على الحائط، فركضت نحوه، وهي تهتف بقلق:
-أوس باشا، حضرتك آآآ..
نظر لها بعينيه الحمراوتين، وصاح غاضباً مقاطعاً إياها:
-امشي بعيد عني
مدت يدها نحو كتفه، وهي تردف بتلعثم:
-حضرتك آآ.. اللي بتعمله ده غلط، وفي خطر عليك وآآآ..

-ابعدي من وشي!
قالها أوس بصوت صارم وهو يدفعها بقسوة من كتفها ليرتد جسد الممرضة للخلف، فتنكمش على نفسها في ذعر، وتتراجع مبتعدة عنه وهي تتمتم بخوف:
-لالالا.. أنا مش هاقدر عليه لوحدي، لازم أبلغ الإدارة!
ثم ركضت في الإتجاه العكسي لتستدعي المساعدة..

في نفس التوقيت، توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة مشفى الجندي الرئيسية، وترجل منها منسي أولاً بعد أن دفع الأجرة، ثم لحق به أحمد، وكذلك فردوس..
نظر الجميع بإنبهار إلى تصميم المبنى الخارجي للمشفى، وللحدائق الغناء المحيطة به..
نظرت فردوس بتوتر إلى أحمد، وسألته بتوجس وهي تبتلع ريقها:
-هي.. هي دي المستشفى ؟
أومأ أحمد برأسه إيجابياً، وهو يجيبها بإيجاز:
-اه هي!

تنحنح منسي بصوت خشن وهو يقول:
-طب يالا خلونا نشوف هي فين في المكان ده، مش هانفضل متنحين هنا كتير!
هزت فردوس رأسها موافقة وهي تتبعه قائلة:
-ماشي يا بني
ولج الثلاثة إلى داخل ردهة المشفى، ونظروا حولهم بتفحص..
أشار أحمد بيده نحو المكتب الرخامي قائلاً بجدية:
-تعالوا نسأل هناك!

أسرع ثلاثتهم في خطواتهم، ووقف أحمد أمام موظفة الإستقبال وسألها بصوت صارم:
-فين حد عندكم هنا بإسم تقى ؟
نظرت لهم الموظفة بنظرات مشمئزة متأملة هيئتهم البسيطة، وأجابته بصوت جاف وهي ترمقهم بنظرات حادة:
-مين إنتو ؟
مدت فردوس كلتا يديها على السطح الرخامي، وقالت متوسلة وعينيها تلمعان:
-بنتي فين ؟ هي عندكم هنا ؟ دليني عليها!

طرق منسي بحدة على السطح، ولوح بيده أمام وجه الموظفة وهو يصرخ بإنفعال:
-إنتي يا أستاذة ماتشوفي في أم الورق اللي قدامك ده تقى عوض الله هنا ولا لأ ؟!
رمقته بنظرات ساخطة وهي تحذره بحدة:
-ماينفعش الأسلوب ده في الكلام معايا
طرق مجدداً بعنف وإزدادت نبرته غلظة وهو يتابع قائلاً:
-أنا أتكلم زي ما أنا عاوز.

وضع أحمد يده على كتف منسي، وضغط عليه، وهز رأسه معترضاً على تصرفاته، وأردف قائلاً بحذر:
-إهدى يا استاذ منسي، احنا عاوزين نعرف إن كانت هنا ولا لأ
نفخ منسي من الغيظ، وفرك وجهه، ثم مسح على رأسه وهو يقول بحنق:
-اللهم طولك يا روح!
تنفس أحمد الصعداء لأن منسي قد إمتثل – رغماً عنه – لطلبه، وتسائل بصوت جاد وهو ينظر للموظفة:
-ها يا أستاذة، تقى عوض الله موجودة عنكم هنا ؟

لوت ثغرها في تأفف، وأجابته ببرود:
-والله مقدرش أقولك أي حاجة من غير ما اعرف إنتو مين!
إنفعل منسي مجدداً وهو يرد عليها قائلاً:
-يعني هانكون مين غير أهلها وجاين ناخدها معانا ؟
إزداد بريق عيني فردوس وهي تنطق بصوت شبه مختنق:
-يا بنتي تقى دي بنتي وكانت مختفية بقالها فترة، وولاد الحلال قالولنا إنها هنا عندكم
هز أحمد رأسه مؤكداً على حديثها وهو يردف بإيجاز:
-بالظبط.

أجابتهم الموظفة بصوت هاديء ب:
-بس أنا معنديش أوامر بإن آآآ...
قاطعها منسي بصوت هائج وهو يطرق براحته على السطح الرخامي قائلاً:
-بقولك ايه يا حاجة انتي، وعزة جلال الله لو ماشوفنا البت تقى حالاً لهطربأ ( يدمر ) المكان ده على اللي فيه
ضيقت الموظفة عينيها، ورمقته بنظرات متحدية وهي تنطق بصرامة:
-إنت بتهددني، أنا هاطلبلك الأمن!
وبالفعل أمسكت بسماعة الهاتف الأرضي ولكنها تفاجئت بمنسي يجذبها من يدها ويصيح بصوت هادر:
-هاتي الجن الأزرق حتى، أنا مش ماشي من هنا، فين أم مدير المكان ده!
حاولت الموظفة أن تخلص معصمها من قبضته، وصرخت بنبرة عالية:
-أوعى ايدك، يا أمن.. يا أمن!

لطمت فردوس على صدرها وهي تصرخ بخوف:
-يالهوي
إتسعت عيني أحمد في قلق حقيقي، فهو يعلم أن نوعية تلك المشافي لا تقبل الإزعاج أو الفضيحة، وما قد يتسبب به منسي من ضجة قد تؤدي إلى وقوع ثلاثتهم في مشكلة هم في غنى عنها، فالهدف الأساسي هو الوصول إلى تقى، وليس إفتعال المشاكل..
لذا أسرع بإبعاد قبضة منسي عن الموظفة، وأردف قائلاً وهو يصر على أسنانه في حنق:
-إيه اللي بتعمله ده ؟

حدجه منسي بنظرات غير عابئة وهو يجيبه بغلظة:
-ملكش فيه، أنا بأعرف أتعامل مع الأشكال دي!
إحتقنت عيني أحمد أكثر، وقال بضيق وهو يتلفت حوله:
-إنت.. إنت عارف إنت فين أصلاً، ولا المكان ده بتاع مين ؟
تجمع رجال الأمن حولهم، وتسائل أحدهم بنبرة رسمية:
-في ايه يا أستاذة ؟

أشارت الموظفة بعينيها وهي تجيبه بنبرة محتدة:
-شوف الناس دي بتعمل إيه هنا ؟!
إستشاط منسي غضباً، وهدر قائلاً:
-بأقولك إيه، لأ هاتلميلي شوية ناس لابس بدل ومتأيفين، ده أنا عندي مقاطيع يقلبوا المكان ده دمار شامل
وضع حارس الأمن يده عل كتف منسي، وقال بصوت جاد للغاية وهو يرمقه بنظرات حادة:
-تعالى معانا شوية
أزاح منسي قبضته، وإعترض بحدة:
-مش ماشي من هنا قبل ما آآآ...

قاطعت فردوس ما يحدث بصراخها العنيف ب:
-يالهووويييي.. الحقونا يا ناس، مش عاوزيني أشوف بنتي، الحقوني يا خلق هوووووه!
بدأ معظم المتواجدين في ردهة المشفى في التجمع لمعرفة ما الذي يدور..
-في إيه ؟
قالها كبير الأطباء بصوت صارم وهو يمر على مقربة من الإستقبال..
ركضت فردوس في إتجاهه، وبصوت باكي نطقت ب:
-الحقنا يا بيه، مانعني أشوف بنتي، ولا أعرف طريقها فين ؟
عبس كبير الأطباء بوجهه وهو يسألها بجمود:
-مين بنتك دي ؟

إبتعلت ريقها، وأجابته بصوت متقطع:
-ت.. تقى عوض الله
-مممم..
أكملت فردوس حديثها بنبرة منكسرة وهي تذرف عبراتها قائلة:
- يا بيه إحنا مش بتوع مشاكل ولا حاجة، أنا عرفت إن بنتي هنا، فجاية أشوفها، واخدها في حضني
حدق هو في الشابين الواقفين بالخلف، وسألها بجدية:
-ودول معاكي ؟

ظن أحمد أن ذاك الرجل – ذو المنزلة الهامة – ربما يساعدهم في إيجاد تقى، لذا أسرع في خطواته، ووقف قبالته، وأجابه بتلهف:
-أيوه.. احنا معاها
توسلت له فردوس بعينيها المتورمتين قائلة:
-الله يخليك يا بيه، أنا مش عاوزة غير بنتي وبس، أبوس إيدك أشوفها بس!
ثم إنحنت بجسدها لتقبل كف يده، فأبعده على الفور، وأجابها بصدمة:
-إهدي يا ست!
نظر أحمد إلى كبير الأطباء برجاء، وتابع بخفوت وهو يشير بيده:
-يا باشا الست الغلبانة دي عاوزة تطمن على بنتها، وإحنا واقعين في عرضك
مط فمه في إهتمام:
-مممم.

حدجه منسي من الخلف بنظرات مميتة، وظل يغمغم بخفوت مع نفسه قائلاً:
-وربنا ما ينفع معاهم إلا رجالة الحارة يفرموهم في لحظة!
تأمل كبير الأطباء هيئتهم المزرية، وأيقن أنهم بصدد التسبب في فضيحة قد تسيء إلى سمعة هذا المشفى الراقي، ولن يشكل هذا فارقاً معهم، لذا فهو مضطر أن يرضخ لما يريدون، حتى يتجنب حدوث ما لا يُحمد عقباه، فبادر بجدية وهو يشير بعينيه:
-تعالوا ورايا!
ثم أشار بإصبعه للأمن الداخلي الخاص بالمشفى، وهو يقول بصوت أمر:
-روحوا إنتو على البوابة، أنا هاتصرف!

رد عليه أحد الحرس قائلاً بصوت هاديء:
-حاضر يا دكتور!
نظرت الموظفة لهم شزراً وهو يسيروا في إتجاه المصعد، وحدثت نفسها بتهكم قائلة:
-لالالا مش معقول.. أنا مش عارفة الأشكال دي دخلوها إزاي هنا، بيئة طحن..!

على الجانب الأخر جلست المدبرة عفاف على المقعد المعدني الموضوع في الرواق، والمواجه للحائط الزجاجي الذي يطل على فراش تقى الموضوع بداخل غرفة العناية المركزة، ومسحت بمنشفة ورقية تلك العبرات الأسفة المنهمرة على وجنتيها..
تنهدت في آسى وهي تتمتم قائلة بنشيج:
-يا رب ترجعي زي الأول، يا رب ينجيكي يا بنتي!
أطرقت رأسها في حزن، وأكملت نحيبها وهي تهز رأسها بحركة خفيفة، ثم إنتفضت مذعورة من مكانها حينما سمعت صوت أوس الهادر وهو يصرخ عالياً ب:
-تق...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والعشرون

في مشفى الجندي الخاص
إتسعت مقلتي المدبرة عفاف في صدمة حقيقية حينما رأت أوس وهو يكافح للحفاظ على إتزانه، ويسير بترنح في إتجاهها..
هتفت بصوت متقطع:
-آآآ.. أوس باشا!
إنقبض قلبها بشدة، وزاغت عينيها وهي تحاول فهم ما الذي حدث له.. فحالته الصحية والجسدية مقلقة للغاية..

تركت حقيبة يدها على المقعد المعدني، وسارت بخطوات أقرب للركض في إتجاهه، ومدت يدها لتسنده وهي تقول بتوتر:
-هات إيدك يا باشا
دفع يدها الممدودة إليه، ونهرها بشدة وهو يرمقها بنظرات حادة من طرف عينه:
-مش عاوز مساعدة من حد!
تراجعت خطوة للجانب، فهي لا تريد إثارة المشاكل معه، فحالته غير مبشرة على الإطلاق.. وربما إذا أثارته يهتاج عليها، ولن تعرف كيف توقف ثروة غضبه التي تعلمها علم اليقين..

بدون أي تردد أجابته قائلة:
-اللي.. اللي تشوفه حضرتك
إنزلقت قدم أوس العارية وهو يحاول الوصول للجانب الأخر من الرواق، فسقط على وجهه..
فشهقت عفاف برعب، وصرخت قائلة:
-أوس باشا
نظر لها بشراسة، ورفع يده في وجهها قائلاً بإصرار:
-متقربيش مني، أنا رايح لتقى!
ثم صرخ عالياً وهو يتلفت حوله:
-هي فين ؟ فييييين ؟

كانت تلك هي المرة الأولى لعفاف التي ترى فيها رب عملها على تلك الحالة الواهنة، هي إعتادته قوياً عنيفاً، لا يعبأ بشيء.. الكل يخشاه، يهابه، واليوم هو لا حول له ولا قوة.. يبدو كالبشر الطبيعين حينما يصيبهم المرض..
صرخ أوس مجدداً بصوت أكثر حدة قائلاً:
-فين تقى ؟ فيييييين مراتي ؟
أفاقت عفاف من شرودها على صوته الهادر، وإبتلعت ريقها، ثم أشارت بإصبعها نحو غرفتها، وأجابته بخوف:
-ه.. هناك!
زحف هو على ركبتيه إلى أن وصل للحائط الأخر، ثم أسند نفسه حتى وقف على قدميه.. وسار في إتجاه غرفتها..

في المصعد
نظر كبير الأطباء بنظرات قوية لهؤلاء الثلاثة ذوي المظهر الشعبي، وأردف قائلاً بصرامة:
-أنا مش عاوز فضايح هنا، دي مستشفى محترمة، وليها سمعتها
أجابه منسي ببرود وهو يرمقه بنظراته الساخطة:
-ماشي يا ضاكتور، واحنا جايين لتقى وبس
تسائل أحمد بإهتمام بالغ وهو مسلط نظراته على كبير الأطباء قائلاً:
-هي كويسة صح ؟

مسحت فردوس عبراتها بطرف كم عباءتها، وقالت بصوتها المختنق:
-أنا مش عاوزة إلا بنتي وبس، خليني أخدها في حضني!
حذرهم كبير الأطباء قائلاً:
-مش عاوز قلق ولا مشاكل!
هز منسي رأسه موافقاً وهو يرد عليه بنبرة ممتعضة:
-ماشي يا ضاكتور، ودينا بس عندها.

تابع كبير الأطباء حديثه بصوت جاد ب:
-عاوز أفهمكم إن احنا طالعين على العناية المركزة، وهناك ممنوع الزيارة فيه
سأله أحمد بقلق واضح في نبرة صوته ب:
-عناية مركزة! هي عندها ايه ؟
وضعت فردوس يديها على صدرها وغمغمت بتوجس:
-سترك يا رب
لم يجيبهم كبير الأطباء بل سلط أنظاره على اللوحة الرقمية التي تشير إلى رقم الطابق..

وضع أوس كفيه على الحائط الزجاجي، وتنهد في إنهاك وهو يسير بتثاقل في إتجاه غرفتها..
تمكن هو من رؤية تقى التي أوصلها لهذا الوضع المأساوي..
زاد إتساع عينيه الحانقتين وهو يراها كالجثة الهامدة من خلف الزجاج..
تشنجت قسمات وجهه أكثر، وهو يقاوم تلك الغصة المريرة في حلقه..
مسح بأصابعه على الزجاج، وهتف بصوت شبه مسموع:
-ت.. تقى!

وقفت عفاف على مقربة منه، وراقبت تصرفاته الغير قابلة للتصديق..
لم تصدق عينيها رغم أنها ترى وتسمع بنفسها ما يفعله..، وتسائلت بإندهاش شديد في نفسها:
-مش ممكن يكون ده الباشا أوس، استحالة يتصرف كده، لألألأ.. أنا مش مصدقة عيني! معقول يكون إتغير، معقول يكون حس بالمصيبة اللي عملها، في حاجة مش مفهومة، طب ليه اتغير ؟ ليييه ؟

لمحت من على بعد بضعة ممرضين وهم يقتربون منهما، فوزعت نظريها بينهم وبين أوس.. وأردفت بتوجس:
-أنا.. أنا لازم أكلمهم، ماينفعش يجوا الوقتي.. دي.. دي فرصة يحس بالندم على اللي عمله معاها!
لمعت عيني أوس بشدة وهو يراها هكذا.. لم يطرأ أي تغيير في حالتها.. فمنذ أن أدرك جرم فعلته معها، وهو يتعذب بذكريات جريمته..
فمتعة التلذذ بها وهي خانعة و تحت طوعه، تلبي رغباته الشاذة والمريضة.. حيث يأخذها قسراً، ويترك أثاره على جسدها.. تلاشت مع رؤيتها كالجثة الهامدة على فراش الموت..

أدرك فداحة جريمته النكراء، وذكرته حالتها بحالته حينما كان في مثل وضعها.. عاجزاً ضعيفاً رافضاً للحياة
هو مر بتجربتها في السابق، والآن يُعايشها مجدداً ولكن من خلالها، وأشد قسوة وآلم..
فاليوم هو الجاني وليس المجني عليه..

سارت المدبرة عفاف في إتجاه الممرضين، وأشارت لهم بكفي يدها وهي تهتف قائلة:
-ثواني كده!
نظر لها أحد الممرضين بإستغراب سائلاً إياها ب:
-في إيه يا مدام ؟
وزعت عفاف أنظارها بينهم، وتسائلت بتوتر:
-إنتو جايين عشان الباشا أوس ؟
أومأ أحدهم برأسه وهو يجيبها بصوت رسمي:
-ايوه.. واحنا عندنا تعليمات ب آآآ..

قاطعته بجدية شديدة وهي تشير بيدها:
-أنا فاهمة شغلكم كويس، بس هو عاوز يكون مع مراته، يفضل جمبها!
رد عليها الممرض الأخر بصوت جاد:
-يا مدام الدكتور مؤنس قايل لازم يكون تحت الملاحظة، لأن تصرفاته ممكن تكون آآآآ..
قاطعته مجدداً وهي تبرر قائلة:
-الدكتور مؤنس مش هايحس باللي حصل ليه ولا لمراته، وبعدين بصوا كده، هو مستسلم خالص، مافيش منه أذى
أردف الممرض قائلاً الثالث بنبرة إصرار:
-بس ال Nurse ( الممرضة ) بلغتنا إنه اتعامل معاها بعنف.

تنهدت في آسى وهي تجيبه بحزن:
-ده عشان عاوز يشوف مراته، وده مطلب إنساني، إنتو مش شايفين هي عاملة ازاي ؟
تجهم وجه الممرض الأول وهو يجيبها بإنزعاج:
-كده إنتي هاتعمليلنا مشكلة مع الإدارة، ومع مدير المستشفى وآآآ..
قاطعته تلك المرة بإصرار واضح وهي تتفحص ثلاثتهم:
-طب أنا جاية معاكو وهاكلمه بنفسي
أشار الممرض بيده وهو يتابع بنبرة رسمية:
-مش قبل ما يرجع أوضته الأول.

نظرت له عفاف بضيق وردت عليه بنبرة شبه محتدة وهي تشير بإصبعها محذرة:
-إنتو كده عاوزينه ينفعل فعلاً ويخرج عن شعوره
سألها أحدهم بإستفهام وهو يلوح بيده:
-يعني المطلوب مننا إيه ؟ مش هانقدر نسيبه، إحنا كلنا مكلفين هنا نكون تحت خدمته!
أجابته بهدوء حذر وهي تهز رأسها:
-ما أنا بأقولكم أنا هاتكلم مع مدير المستشفى.

نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض في حيرة، وأردف الأخير بجدية:
-ماشي، واللي يقول عليه هانعمله
تنهدت في إرتياح وهي تجيبه بخفوت:
-أوكي..!
-طيب اتفضلي معانا!
-حاضر
وبالفعل سارت عفاف بصحبتهم تاركة أوس بمفرده ليحظى بفرصة البقاء مع تقى دون أن يمنعه أي أحد...

بخطوات ثقيلة تحرك أوس في إتجاه باب الغرفة، وأمسك بيد مرتجفة المقبض ودلف إلى الداخل..
رأته الممرضة التي كانت تتفقد حالتها، فشهقت في خوف قائلة:
-أوس.. أوس باشا
نظر لها بصرامة وهو يصرخ بحدة:
-برا
هزت رأسها موافقة، وأجابته دون أي إعتراض ب:
-ح.. حاضر
خطت الممرضة إلى خارج الغرفة بخطوات أقرب إلى الركض بعد أن أثرت عدم المجادلة معه.. فهي تعلم مقدار غضبه..

تابعها هو بنظراته المحتقنة إلى أن أغلقت الباب خلفها، فأدار رأسه في إتجاه تقى، وهتف بصوت شبه مختنق:
-أنا.. هنا
سلط عينيه اللامعتين عليها، واقترب من فراشها، ثم جلس على طرفه، ومد يده ليمسك بكفها البارد، وتحدث قائلاً بهمس:
-برضوه لسه بتهربي مني ؟ ما أنا قولتلك مش هاسيبك، ولا هابعد، فوقي وكلميني
إحتضن كفها بين راحتيه، ثم رفعه إلى وجهه، وأسنده على وجنته، وأغمض عينيه وهو يتابع بصوت حزين:
-كان نفسي أكسر الضعف اللي جوايا، أقضي على الكابوس اللي ماسبنيش للحظة، على عجزي وأنا مش عارف أعمل حاجة.

أغمض عينيه ليقاوم عبراته التي تجمعت بكثافة في مقلتيه، ثم أكمل بصوت مليء بالغصة:
-و.. ويوم ما لاقيتك وقفتي قصادي، وواجهتيني من غيري ما تحسي إنك خليتيني أعيش أسوأ حاجة ممكن الواحد يعيشها تاني..
إبتلع تلك المرارة في حلقه وهو يتابع بتنهيدات آسفة:
-فكرت إني لما.. لما أكسرك وأخليكي تعيشي اللي أنا شوفته، هابقى قضيت عليه ودمرته زي ما دمرني
بلل كفها بعبراته الحارقة، وإنتحب بشهيق مكتوم وهو يترك لمخيلته أن تعيد تلك الذكريات المأساوية التي طالما جاهد لنسيانها...

توجهت تهاني إلى عملها تاركة صغيرها بصحبة ذلك الشيطان اللئيم المسمى زوجها..
نظر له أوس بخوف شديد، وركض مسرعاً في إتجاه غرفته، وأوصد الباب عليه..
جلس على فراشه، وضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل يهتز بحركة ثابتة..
كان الصغير أوس مسلطاً عينيه الحادتين على باب الغرفة، مترقباً بين لحظة وأخرى إقتحام زوج أمه لها..

مر بعض الوقت وهو على تلك الحالة إلى أن شعر بالإطمئنان.. فتمدد على الفراش، وبدأ يستسلم للنوم.. ولكنه إنتفض مذعوراً على طرقاته الخافتة على الباب وهو يهتف بنبرة أقرب لفحيح الأفعى:
-أوس.. إنت نمت ؟ افتح لأنكل ممدوح يا حبيبي، ده إحنا هنلعب شوية مع بعض.. ايييه ؟ مش بترد عليا ليه ؟ أنا عارف إنك صاحي وسامعني، افتح الباب يا أوس!
جحظ الصغير بعينيه، وإرتجف في مكانه بشدة..
لم ينبس بكلمة، وإنكمش على نفسه أكثر وهو يستمع إلى صوته الخبيث وهو يتابع قائلاً:
-افتح يا أوس، أنا مش هستنى كتير!

ثم إزدادت الطرقات عنفاً على الباب، وكذلك صوته الحاد وهو يضيف بنبرة آمرة:
-افتح، وإلا هاكسر الباب وهدخلك برضوه!
تراجع الصغير أوس على فراشه، وإحتمى بوسائده وظل يهز رأسه رافضاً لتهديداته المخيفة، ولم يكف جسده عن الإرتعاش..
هدأت بعد لحظات طرقاته العنيفة، وساد الصمت لدقيقة قبل أن يستمع لصوت أنثوي غريب يصدح في أرجاء المنزل بطريقة مائعة..
نهض هو بحذر من على الفراش، وسار على أطراف أصابعه في إتجاه باب الغرفة، وأسند أذنه على مقربة منه ليصغي بإنتباه تام لما يُقال في الخارج
لم يتبين الهمهات التي كانت تصدر..

ولكنه إستمع لصوت تأوهات وضحكات رقيعة، وبعدها صراخ خافت مصحوب بأنين مكتوم.. فإرتجف أكثر..
وتراجع مسرعاً ليختبيء أسفل فراشه..
ثم سد أذنيه بكفيه، وصرخ بصوت خافت:
-بس بقى، كفاية! كفاية!
إنتفض فزعاً في مكانه حينما إستمع لصوت الطرقات يعود من جديد على باب غرفته، ولكنها كانت أكثر قوة، ويتبعها صوته المقيت وهو يقول:
-افتح يا أوس! أنا مش هاسيبك، إفتح.

حبس أنفاسه، وإتسعت عينيه في هلع وهو يراقب عقب الباب من أسفل فراشه..
ثم سمع صوت ضحكة مائعة لأنثى وهي تضيف ساخرة:
-خلاص يا دوحة، إنت أكيد خليت الواد يعملها على نفسه من الخوف
رد عليها ممدوح قائلاً بصوت متوعد:
-هو أنا عملت حاجة يا حلوة، ده لسه لما يشوف إيدي عليه، وأنا هاخليه آآآ..
قاطعته وهي تضحك بميوعة:
-طب ما تيجي إنت آآ.. هههههههههههه، إنت فاهم بقى!
أجابها بصوت وضيع ب:
-وماله، نشوف كيفك يا قمر، وبعدين نرجع نظبطه.

سألته قائلة بجدية وهي ترفع أحد حاجبيها:
-على كده إنت مش خايف لأحسن يقول لمراتك على اللي إنت آآ.. ؟
هتف نافياً بثقة واضحة ب:
-ده أجبن من إنه يفكر بس يلمحلها، هو عارف كويس أنا ممكن أعمل معاه ايه
تنهدت بحرارة وهي تسأله بإعجاب:
-أووه، ده إنت واثق من نفسك بقى ؟
رد عليها قائلاً بثقة بالغة:
-طبعاً.. ده أنا ممدوح والأجر على الله
ثم إبتعد صوتهما إلى أن تلاشى تماماً.. فتنفس الصغير الصعداء لرحيلهما.. و...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع والعشرون

تنفس الصغير أوس الصعداء لرحيلهما، وإرتخت عضلات جسده الهزيل، وسأل نفسه بخوف:
-ليه بتعمل معايا كده ؟ ليه أنا ؟
وبدأت العبرات تتسرب من عينيه، وكور قبضته بغل وضرب بها الأرضية الصلبة باكياً بحنق:
-مش عاوز أعيش معاه، أنا بأكرهه، بأكرهه، ليه بتسبيني لوحدي يا مامي معاه، ليه ؟!....

في مشفى الجندي الخاص
فتح أوس عينيه المغرورقتين بالعبرات، ونظر إلى تقى بحسرة كبيرة..
سكونها المريب يذبحه بقسوة، أنفاسها الضعيفة تجلده بلا رحمة..
أخذ نفساً عميقاً، وزفره ببطء ليتابع قائلاً بمرارة أشد:
-كنت بأموت في اليوم ألف مرة بسببه يا تقى، كان نفسي أكون قادر عليه وقتها، بس كنت عاجز قدامه، مشلول مش قادر أعمل حاجة!

أخذ نفساً عميقاً وحبسه داخل صدره، وأردف بصوت متشنج:
-أنا لحد الوقتي بأحس بكل حاجة عملها فيا، ولما بأشوفه قصادي بقى نفسي أخنقه بإيدي لحد ما روحه تطلع، بس بأحس إني عاجز قدامه، مش قادر أعمله حاجة!
صمت للحظة، وأخفض عينيه وهو يكمل قائلاً بخفوت يحمل الإنكسار:
-ببان قدامه إني قوي ومحدش يقدر عليا، بس.. بس أنا من جوايا آآ.. ج.. جبان، بترعش منه، ماهو اللي حصلي منه مش قليل يا تقى!

إبتلع ريقه بتوتر شديد، وتلاحقت أنفاسه وهو يضيف:
-أنا كنت زيك كده.. ضعيف مكسور، عمر حد ما كان هيصدقني لو قولت حاجة، هو قدامهم كان ليه جبروت، و هيبة، وأنا.. أنا محدش هيدافع عني قصاده!
إختنق صوته أكثر وأردف ببكاء:
-عارفة يا تقى أنا شوفت فيكي نفسي، شوفت ضعفي جواكي، حسيت بعجزي معاكي!
زاد نحيبه وهو يقول:
-أنا خوفت منك لما لاقيتك قصادي، حسيت إني بقيت مكشوف، الكل هيعرف اللي حصلي!

مسح أوس بأنامله عبراته المنسابة على وجنتيه، وأخذ نفساً عميقاً، وظل صامتاً لعدة دقائق..
أغمض عينيه.. وتنهد بصوت مكتوم..
ثم أطرق رأسه في خزي وهو يتابع قائلاً بصوت مختنق:
-كنت بسأل نفسي مليون مرة ليه بيعمل معايا أنا بالذات كده ؟ ليه بيتبسط لما يلاقيني قصاده عاجز ؟ كنت فاكر إني لو قولت لأمي هتحميني منه، بس هي وقت ما بتكون في حضنه بتنسى كل حاجة إلا عنفه معاها!

إختنق صوته أكثر وإزداد نشيجه وهو يكمل:
-طب ايه المتعة في إنه.. في إنه ينام مع الستات ويضربهم وهما يتبسطوا معاه؟ ايه اللي كان بيلاقيه في تعذيبهم؟ ده حتى.. حتى أمي كانت راضية باللي بيعمله معاها، وبتحبه، وهو كل يوم بيزيد قوة، فإزاي هتصدقني لما أقولها إنه.. إنه بيلمسني، ب آآ..!
أرجع رأسه للخلف، وحدق بسقفية الغرفة، ثم أخرج تنهيدة حارقة تعبر عن تلك النيران المتأججة في صدره..
صرخ بصوت متآلم ب:
-آآآآه.. آآآآآآه.

أخفض رأسه قليلاً، ونظر حوله وهو يتحدث بخفوت:
-هأقولك على حاجة يا تقى محدش يعرفها!
سلط أنظاره عليها، وهمس قائلاً بضعف:
-النار لما كانت حواليا في مكتب ماما، أنا مخوفتش منها، كان ممكن ألحق اخواتي البنات وأنقذهم من الموت، بس خوفت عليهم، خوفت لما يكبروا يعمل فيهم زي ما كان بيعمل فيا، مكونتش هاقدر أحميهم منه.. أنا فرحت إن كلنا هنرتاح منه ونموت!

إلتوى فمه بإبتسامة زائفة وهو يتلفت حوله بريبة، ثم عاود النظر إلى تقى الهادئة أمامه، وتلمس وجنتيها بأطراف أصابعه.. ثم أرخى قبضته عن كفها.. وإنحنى عليها بجذعه ليمد ذراعيه من خلف ظهرها، ثم رفعها إليه وضمها إلى صدره، وأسند رأسه على كتفها، وهمس في أذنها بشجن جلي وقد بدأ جسده في الإرتعاش:
-بس للأسف، هما ارتاحوا، وأنا لأ.. أوس الصغير إندبح على إيده يا تقى، إندبح ومحدش عرف بده!
ثم أغمض عينيه وتشنج وهو يتذكر كيف أغتيلت برائته...

كان الصغير أوس يشاهد الفيلم الكرتوني المعروض على شاشة التلفاز الصغير بغرفته بالمشفى - عقب إنقاذه من حريق مكتب والدته - حينما ولج ممدوح إلى الداخل وعينيه تشتعلان بالغضب الجم..
فإنتفض في فراشه، وإبتلع ريقه بخوف واضح..
أوصد ممدوح الباب من خلفه، ولم يحيد بعينيه الحمراوتين عنه..

أدرك الصغير أوس من نظراته المخيفة المسلطة عليه أنه قاب قوسين أو أدنى من خطر محدق..
إقترب من فراشه ذاك الذي يبغضه وملامح وجهه متصلبة للغاية، ثم نظر إليه بإزدراء قبل أن ينطق بشراسة جلية وهو يكز على أسنانه قائلاً:
-يا ريتك مت مع اللي ماتوا، لكن إنت فضلت عايش، هما اتحرقوا، وإنت اللي بقيت!
إرتعد جسد الصغير وهو يرى علامات الشر تزداد وضوحاً عليه..

كان غير قادر على الحركة، إنكمش على نفسه أكثر، وحاول أن يبدو أمامه صلباً، ولكنه كان يموت رعباً مع كل ثانية تمر وهو بمفرده معه..
كشر ممدوح عن أنيابه وتابع بصوت محتقن وهو ينظر له بنظرات مخيفة:
-بناتي اتحرقوا، لأ وإنت اللي تعيش! مش بعيد تكون إنت اللي عملت ده فيهم!
رأى الصغير أوس في عينيه نظرات الإنتقام، فخشي على نفسه، وتسارعت دقات قلبه، وتلاحقت أنفاسه..

حاول هو أن يتراجع في فراشه ليهرب منه، لذا إستند بكفه على جانب الفراش، وجاهد ليحمل جسده للخلف، ولكن إمتدت يد ممدوح لتقبض على معصمه، وتعتصره بقوة آلمته.. فصرخ متأوهاً:
-آآآآه.. سيب ايدي!
إبتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول أن يبدو متماسكاً أمامه رغم حالة الذعر المسيطرة عليه..
صاح ممدوح بغلظة وهو يحدجه بنظراته المميتة ب:
-مش هاتعرف تهرب مني يا أوس!
-ابعد عني
قالها الصغير بصوت شبه متشنج رغم وهنه، وكافح ليخلص قبضته الضئيلة.

اقترب منه ممدوح بشدة، ونظر مباشرة في عينيه، وهتف بلهجة حادة تحمل الوعيد:
-تفتكر أنا ممكن أسيبك عادي كده تفلت بعملتك من غير ما أنتقم منك!
تسربت القشعريرة إلى بدن الصغير أوس، وإرتعد أن يتحول الأمر إلى الأسوأ.. ففكر أن يدافع عن نفسه، فليس أمامه أي مهرب منه..
وبالرغم من نظراته الخائفة، وشفتيه المرتجفتين حاول الصغير أن ينطق بشجاعة زائفة:
-مش أنا اللي موتهم!
جذبه ممدوح نحوه بقسوة من معصمه، وصرخ فيها بهياج قائلاً:
-إنت كداب.. كداب!

هتف الصغير محتداً وهو يحاول تخليص قبضته:
-أنا مش بأكدب
هز ممدوح رأسه معترضاً وهو يتابع بإنفعال:
-لأ كداب، وأمك كانت عارفة إنك معاهم وسيباك تاخد بالك منهم، لكن إنت قتلتهم، حرقتهم!
تحشرج صوت الصغير وهو يدافع عن نفسه قائلاً:
-قولتلك مش أنا!
صر ممدوح على أسنانه بعنف، وضيق عينيه الشرستين وهو ينطق بوعيد:
-مش هاتعرف تضحك عليا يا أوس! مش هاتعرف المرادي!

رأى الصغير أوس في عينيه إصراراً رهيباً على الإنتقام منه في ذنب لم يرتكبه، فإبتلع ريقه في توجس عجيب، وهتف بوهن:
-أنا مش فاكر حاجة
أطبق ممدوح كفه على ذقن الصغير، وإعتصرها بأصابعه القوية، وصرخ فيه بصوت محتد وهو يرمقه بنظراته النارية:
-بس أبوك فاكر وعارف إنت عملت إيه
وضع الصغير أوس يده الضعيفة على قبضته القاسية، وحاول تخليص فكه المتألم وهو يهتف بصوت مختنق:
-ابعد عني.

قرب ممدوح وجهه من وجه الصغير، واخترق بنظراته جسده الهزيل، وهدر قائلاً:
-مش قبل ما أقضي عليك، وللأبد!
جحظت عيني الصغير، وهو يناضل للحفاظ على نفسه من براثنه، فصرخ بذعر:
-هاه، لألأ..!
كانت عيني ممدوح لوحدها كافية للتعبير عما بها من شر مستطر..
وفهم الصغير نواياه الخبيثة تجاهه.. وحاول أن يذود بنفسه، وخدشه بكفه في ساعده، وفي وجهه.. ولكن كانت قوته لا تذكر مقارنة به..
لم تهتز شعرة واحدة لممدوح بعد أن عقد النية على إغتيال طفولة إبن زوجته، وبدأ فعلياً في تنفيذ إنتقامه الشنيع..

حيث إنتزع الملاءة من عليه، وألقى بها بعيداً، ثم أمسك بمعصمي الصغير وضمهما معاً ليتمكن من تقييدهما بكفه الكبير..
وباليد الأخرى إنتزع الزي الطبي الذي كان يرتديه..
صرخ الصغير أوس بإهتياج رهيب، وإزدادت ثورة جسده وإنتفاضته محاولاً الهروب منه
صفعه ممدوح بقسوة على وجهه مما جرح شفتيه الصغيرتين، وهو يصيح قائلاً:
-مش هاسيبك النهاردة، هاعمل اللي كنت خايف منه، هاعمله!

ثم صفعه مرة أخرى بقوة وعنف، وتابع بغلظة:
-محدش هايندجك النهاردة مني، إنت هاتنتهي على إيدي!
أدار ممدوح وجهه للجانب ليرى تلك المنشفة القطنية الموضوع في صينية الطعام على الطاولة الملاصقة للفراش، فإلتوى فمه بإبتسامة شيطانية، وإنحنى بجذعه نحوها، ثم مد ذراعه ليلتقطها، وقام بدسها في فم الصغير ليمنعه عن الصراخ تماماً ريثما ينتهك برائته..
إزدادت إبتسامته شراسة وهو يضيف بسخرية:
-شكلك زي أمك بتحب العنف والضرب!

ثم مد كف يده الوضيع على جسد أوس، وجرده بالفعل من زي المرضى، وكذلك سرواله الداخلي ليكشف عن سوءته .. ونظر له بإستهزاء وهو يهمس بصوت شيطاني:
-هانشوف مين الراجل الوقتي يا.. يا ابن الجندي!
إنتفض الصغير بجسده لأكثر من مرة، وجاهد ليخلص قبضتيه، ولكن جثى فوقه ممدوح بجسده الثقيل ليمنعه تماماً عن الحركة، فبكى هو خوفاً وقهراً، وصرخ رغم إحتباس صوته وجرحه لعل أحد ما ينجده..

إنسابت العبرات من عينيه وهو ينظر لممدوح برعب ممزوج بالإشمئزاز، وقفز قلبه من بيده ضلوعه وهو يشعر بلمساته المقززة على جسده الضعيف..
ضيق ممدوح عينيه بشراسة وصر على أسنانه قائلاً بحنق:
-هاكسرك وهاذلك، هاخليك كلب، عبد، ماتنفعش بحاجة!

نجح ذلك الشيطان الوحشي في تدمير طفولة طفل صغير بسبب ذنب لم يرتكبه بأحط الوسائل القذرة، وألحق من قبل به الأذى النفسي قبل البدني بعباراته وتصرفاته المشينة، واليوم إغتصب برائته بوحشية يندى لها الجبين، وتركه مهاناً ومحطماً من كل النواحي.. نعم هو قتل ما تبقى من طفولته المنتكهة، وتركه بقايا طفل فقد كل شيء أحلامه وآماله ومستقبله لينشأ كشخص سوي.. وأوجد بدلاً منه وحشاً جديداً يدوس بقسوة، وبلا رحمة على من يقف أمامه ليشعر بتلك المتعة الغريبة في قهر الأخرين وخاصة الضعفاء.. نعم فقد أوجد ذئباً لا يرحم، ولا يغفر..

بعد أن فرغ منه ممدوح وأشبع دناءته وأرضى شهوته المريضة، مسح اللعاب المسال من زاوية فمه، وإبتعد من فوقه، وقال بصوت متشفي:
-وأهوو بكده عمرك ما هتنساني يا.. يا ابن مهاب!
إتسعت إبتسامته الوضيعة وهو يتابع بصوت متهكم وقاتم:
-ولو فكرت تحكي لحد مش هتلاقي اللي هايصدقك، ولو لاقيت حتى، هه.. شوف مين اللي هايجيبلك حقك مني
أغلق ممدوح سحاب بنطاله، وتابع بسخط:
-إنت محدش هايعبرك أصلاً، أمك ال **** راحت في داهية، وأبوك زيي واطي طول عمره، مش هايهمه غير مزاجه الوسخ وبس، وأنا عارف إزاي أبلفه تحت باطي، فمش هاتلاقي حد باقيلك إلا أنا.. أنا يا أوس!

اقترب من الفراش، وتلذذ برؤية فعلته بادية على جسد الصغير، وأكلم بصوت قاتم ومخيف:
-إنت جبان وضعيف، سامعني ضعيف، مش هاتقدر عليا أبداً، وهافضل أطاردك في كل وقت وأفكرك باللي عملته، أنا كابوسك اللي عمره ما هينتهي أبداً يا ابن الجندي، أنا اللي هاتفتكرني كل لحظة وإنت بتكبر، أنا اللي هتلاقيني طالعلك في أحلامك، ايوه أنا.. مش هاسيبك
ثم قهقه عالياً بطريقة هيسترية، ورقص مع نفسه مستمتعاً بنشوة إنتصاره المقيت، ثم أسند إصبعيه على مقدمة رأسه، ولوح للصغير مودعاً إياه قائلاً:
-سلام يا بن صاحبي!

لم يجب عليه الصغير أوس، بل تصلب جسده تماماً بعد أن أدرك الحقيقة العارية هو حقاً بمفرده.. لن ينتقم من أجله أبيه ولا حتى والدته..
نعم فبالرغم من سنوات عمره الصغيرة إلا أنه عاش أسوأ التجارب وأحثرها.. فقد رأي ممارسات والده الخاطئة في أحضان نساء عابثات وماجنات، وإستسلامهن التام لنزواته الشاذة.. ورأى إنصياع والدته وخنوعها لزوجها الثاني ممدوح وتمتعها بعنفه المفرط في علاقته معها..
أي أنه رأى كل ما لا يجب أن يراه طفل في مثل سنه الصغير، بالإضافة إلى الطامة الكبرى التي أجهزت على برائته حينما إستباح زوج والدته جسده الضعيف وشرع في تدميره كلياً..

تجمدت العبرات في عيني الصغير أوس، وحدق بنظرات فارغة في سقفية الغرفة، وتوقفت أنفاسه للحظة، وأصبح كالموتى.. خالياً من كل شيء..
حدجه ممدوح بنظرات أخيرة شامتة قبل أن يتجه نحو باب الغرفة وهو يعدل من ياقته ليخرج تاركاً إياه يتلفظ أنفاس طفولته الأخيرة..
وهنا عاهد الصغير أوس نفسه على ألا يترك آلامه تسيطر عليه، أو أن يكون خاضعاً للوحش الذي صنعه.. فسيكون هو سيد نفسه، جلاد غيره، متحجر القلب، لا يعرف الشفقة أو الحب..

ومن يومها تبدل حال الطفل أوس إلى وحش كاسر يزداد شراسة وقسوة بمرور الأيام ليخفي ضعفه الكامن في نفسه العاجزة..
لقد كان ينتقم لنفسه في كل امرأة واقعها بإذلالها أكثر، وكأنه يواجه عجزه عن الدفاع عن نفسه أمام ممدوح بإخضاع من ضاجعهن قسراً، وتحطيمهن جبراً، وذلك ليرى في أعينهن نشوة الإنتصار الزائف على شبح ممدوح الذي كان يلازمه في كوابيسه ويطارده في يقظته، وشيئاً فشيئاً تحولت تلك الممارسات البغيضة إلى عادات آثمة يألفها أوس ويستلذ بها...

عودة للوقت الحالي
أغرقت عبرات أوس كتف تقى، وإنحنى عليها أكثر ليكتم شهقاته في رأسها، وتابع بأنين هامس:
-من يومها وأنا معرفتش طعم الراحة، وأقسمت لنفسي ما هاكون زي ما هو عاوز، هاعذب كل اللي يقرب مني، هاحرق اللي يفكر بس يهددني!
أبعد أوس رأسه عنها، ونظر لها بنظرات غريبة وعينيه تلمعان.. وأردف قائلاً:
-بس إنتي غيرهم يا تقى، انتي قاومتيني، واجهتيني، عملتي 1 % من اللي كان نفسي أعمله فيه، أنا كنت عاوز أحس بالي عمله فيا فيكي، أشوفه مكسور، أنهي كابوسه للأبد..!

صمت للحظة ليسيطر على نوبة البكاء التي إجتاحته، وتابع بمرارة قاسية وهو مغمض العينين:
-كنت بأخدك غصب، كأني بانتقم منه فيكي، كنت عاوز أكسره، بس كنت بأكسر نفسي أكتر، افتكرت إني بعد ما خدت اللي عاوزه منك هرتاح، وهاخلص من شبحه اللي بيطاردني، بس.. آآآ.. بس لاقيتني صورة منه، نسخة زيه ويمكن أوسخ بكتير..!
توقف عن الحديث ليمسح عبراته من على وجنتيها التي تبللت منه، وقال بندم:
-أنا مكونتش عاوز أبقى زيه يا تقى، صدقيني..!

نشج صوته وتقطع وهو يكمل قائلاً:
-هو اللي عملني وخلاني زيه، وأنا معرفتش ده إلا.. إلا لما شوفتك بتروحي مني، عرفت إن أنا مش زيه، مش زيه، أنا ضعيف أوي أوي يا تقى، وجبان، أيوه أنا جبان، أنا كنت خايف حد يعرف باللي حصلي، وقتلت كل إحساس بالذنب جوايا مع اي حد أذيته، إلا أنتي يا تقى، إلا إنتي!
لمس وجنتها بأطراف أنامله، وهمس آسفاً:
-ايوه.. إنتي الوحيدة اللي كشفتيني قدام نفسي، عريتيني من كل حاجة، وعرفت إن أنا مش بني آدم، إني إنسان قذر بشع وسخ، كل العِبر فيا، بس مش نسخة منه يا تقى، مش زيه أبداً..

إحتضنها بذراعيه، وألصقها بصدره أكثر، ونظر لها نادماً، وتوسل قائلاً:
-ردي عليا وقولي إن أنا مش زيه!
أرجع أوس جسدها للخلف، وهزها بقوة وهو يهتف ببكاء:
-ردي يا تقى، قولي أن أوش مش زي ممدوح، سمعاني، ماتفضليش ساكتة كده، ردي وقولي أن أنا مش زيه، مش زيه، ماتسبنيش أتعذب كده!
تنهد بحرقة وهو يعيد ضمها إلى صدره بقوة ليكمل بكائه الآسف وهو يحتضنها بندم حقيقي...

خارج الغرفة
سار كبير الأطباء في الرواق المؤدي إلى غرفة تقى وهو يحذر من معه بصرامة قائلاً:
-مش عاوز دوشة ولا قلق، إنتو هنا في العناية المركزة، واللي بتسألوا عليها موجودة هنا
هزت فردوس رأسها موافقة، وأردفت قائلة بإستسلام:
-حاضر يا بيه، بس دلنا على أوضتها!
أشار بإصبعه نحو الغرفة وهو يجيبها بجدية:
-هي هناك!
ركضت فردوس - رغم ثقل خطواتها – في إتجاه الحائط الزجاجي المطل على غرفتها، وشهقت بفزع وهي تلطم على صدرها:
-تقى! بنتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن والعشرون

في مشفى الجندي الخاص
تبدلت ملامح وجه فردوس للذعر حينما رأت وجه إبنتها يبرز من بين أحضان شخص ما يحتضنها..
ظنت في البداية أنه طبيب ما يتولى تمريضها، فصرخت بصدمة:
-بنتي!
ثم لطمت بكلا كفيها على صدرها.. وتسائلت بذهول:
-إيه اللي حصلك يا بنتي ؟

لحق بها منسي وأحمد ووقفا على مقربة منها، ولكنهما لم يتمكنا من رؤية تقى بوضوح..
تحشرج صوت منسي وهو يسأل كبيرالأطباء بإستفهام:
-هو مالها يا حالضاكتور ؟
رمقه كبير الأطباء بنظراته الساخطة وهو يرد عليه ببرود:
-اتعرضت ل.. لإغتصاب!
برزت عيني فردوس من محجريهما في رعب، وشهقت وهي تصرخ قائلة:
-يا نصيبتي..!

ثم اجهشت بالبكاء الحار على تلك الفاجعة التي لحقت بإبنتها، وإنتهكت عرضها، وعرضتها للفضيحة..
دار برأسها عشرات الأسئلة، وحاولت أن تتوصل في جزء من الثانية للإجابة عليهم، كيف حدث هذا ؟ ومن فعل هذا بها وشرع بلا رحمة في إنتهاك حرماتها وتركها على حافة الموت ؟ ولماذا ابنتها تحديداً ؟ وهل ستنجو مما حدث لها ؟ وكيف ستواجه الفضيحة في الحارة التي تقطن بها ؟ وكيف ستكون نظرة الجيران والناس لها ؟
إنقبض قلبها أكثر وشعرت بالحسرة والمهانة بعد تلك الكلمة التي فجعت روحها.. هزت رأسها في عدم تصديق، وإنتحبت بنشيج واضح، وظلت تهز جسدها في إستنكار تام لتلك الكارثة..

أصيب أحمد بذهول تام وتشنج وجهه، وفغر فمه قائلاً:
-ايييييه!
لم يتوقف عقله للحظة عن التفكير في تلك الجريمة النكراء التي تعرضت لها تلك البريئة النقية التي أحبها لبساطتها ولرقتها الشديدة، ربما لم يعرفها جيداً، ولكنها أسرت قلبه وخطفت عقله لحظة أن وقعت عينيه عليها.. أرادها أن تكون شريكة حياته إن تهيأت الظروف له لفعل هذا..
ولكن دمر أحلامه أوس – ذاك البغيض الذي يمقته – حينما طرده من عمله، وإعتدى بالضرب عليه، وحرمه منها..
إبتلع منسي ريقه بعدم تصديق، وتشدق قائلاً بصدمة:
-هاه، إغتصاب.

ثم حك رأسه بغلظة، فقد مر بباله ما إعتاد على فعله مع رحمة بإشتهاء، وتخيل تلك الجريمة الوحشية في تقى الخجلة النقية التي تمنى لو كانت زوجته، ولكنه لم يكنْ مستعد مادياً لمتطلبات الزواج، فإكفهر وجهه وإمتعض، فلماذا هي تحديداً ؟ وهي التي يشهد الجميع بحسن أخلاقها وسيرتها الطيبة..

هو يعلم أنه زاني، مرتكب للفواحش، ولكنه لم يكنْ ليعتدي على أنثى رغماً عنها.. وكان يودْ أن تكون هي شريكة حياته، فهي طاهرة، خبرتها قليلة، لم تكنْ لتعارضه أو تعترض على ما يقدمه لها، بل على العكس كانت سترضى بالقليل وتحمد الله، وربما سيكون سهلاً عليه أن يتمتع بحريته ( خاصة في أفعاله الغير أخلاقية ) دون محاسبة، ويطيعها على طريقة معيشته.. لكن كل ما تمناه ذهب أدراج الرياح وأصبح سُدى.. فقد تمتع بجسدها أحد غيره، وأصبحت – من وجهة نظره - لا تصلح له..
نظر لهم كبير الأطباء بإزدراء، ولم يهتم بردة فعلهم الصادمة والممزوجة بالعبرات والنشيج، وتابع بجدية:
-ده التشخيص الطبي لحالتها، وآآآ..

قاطعته فردوس بلهجة حادة - رغم إختناق صوتها - وهي تشير بإصبعها:
-بنتي مش هتستنى هنا لحظة واحدة، كفاية فضايح بقى، كفاية!
أفاق أحمد من شروده، وأومأ برأسه موافقاً إياها وهو يهتف قائلاً:
-ايوه، احنا هناخدها، وهتتعالج عندنا!
ظلت تعابير وجه كبير الأطباء جامدة، ورد بهدوء:
-حالتها حرجة ومش هاينفع آآآ..

أمسك منسي كبير الأطباء من ياقته، وجذبه بغلظة نحوه، وصاح بصوت هادر:
-بأقولك إيه يا ضاكتور، هناخدها يعني هناخدها ؟
حاول كبير الأطباء أن يحرر ياقته من يده، وإعترض قائلاً:
-بس ده آآآ...
تدخل أحمد في الحوار، وهتف بإصرار وهو يلوح بيده:
-محدش هايمنعنا عنها يا دكتور!

أمعنت فردوس النظر داخل غرفة إبنتها عبر الحائط الزجاجي بعد أن مسحت عبراتها بكف يدها، ورفعت حاجبيها في إندهاش عجيب وهي ترى إبنتها في أحضان من ظنت أنه طبيباً، وإزداد إنعقاد ما بين حاجبيها وهي تراه ينحني عليها ويقبل رأسها، فتسائلت بصوت متقطع وهي توزع أنظارها بينهما وبين كبير الأطباء:
-و آآ.. ده.. وده مين اللي معاها جوا ؟

ظن الجميع في البداية أنه الطبيب المرافق لها، والمتابع لحالتها الصحية، ولكن حينما دقق كبير الأطباء النظر فيه، جحظ بعينيه مصدوماً من رؤيته إياه إلى جوارها، وهتف قائلاً بذهول:
-هاه.. أوس باشا!
هتفت فردوس برعب وهي تلطم وجهها:
-يالهوييييي!
صرخ أحمد بعدم تصديق وهو يضع كفي يده على رأسه ب:
-مييييين ؟
نظر منسي إليهما بإستغراب، وسألهما بحيرة:
-مين أوس ده ؟

لم تنتظر فردوس اكثر من هذا، فقد خشيت أن يقتل إبنتها، فهي تعرفه حق المعرفة، ومتأكدة من قدرته على تدمير الأخرين دون أن يبقى أي عقاب، لذا ركضت في إتجاه الباب، وإقتحمت الغرفة وهي تصرخ بصوت مرتفع:
-إبعد عن بنتي..!
إنتبه أوس إلى صوت تلك السيدة ورمقها بنظرات حادة من عينيه الحمراوتين، وهتف محتداً:
-برا
هزت رأسها نافية، ولم تحيد بنظراتها المحتقنة عنه ولا عن إبنتها، وأجابته بإصرار عجيب:
-لأ مش هاطلع برا يا باشا، بنتي وهاخدها غصب عنك!

ضم أوس تقى أكثر إليه، كاد أن يدخلها في ضلوعه حتى يحميها من الأخرين، و أولى فردوس ظهره، وحدجها بنظرات صارمة وهو يهتف بصوت قاتم:
-مش هايحصل!
لحق بها أحمد، ورمقه بنظرات مشتعلة، وصاح هو الأخر بتحدٍ سافر:
-تقى هاتيجي معانا يا.. يا باشا!
نهض أوس من على الفراش وهو يضم تقى إلى صدره، وأحاطها جيداً بذراعيه، وتراجع للخلف وسحبها معه وهو يصرخ بعصبية:
-محدش هياخدها مني، إنتو سامعين، تقى ليا وبس، ليا وبس!

دلف كبير الأطباء إلى الغرفة، وأردف بهدوء حذر وهو يشير بيده:
-إهدى يا باشا، محدش هايعمل حاجة، إنت بس آآ...
قاطعه أوس قائلاً بصراخ عنيف:
-برا، الكل يطلع من هنا، محدش يقرب مننا!
ولج منسي إلى الغرفة، وإشرأب برأسه محاولاً رؤية ذلك الرجل، وإعتلى وجهه الدهشة الممزوجة بالغضب حينما أمعن في تفاصيل وجهه التي حفرت في ذاكرته، وهتف بصوت مرتفع:
-أنا فاكره الجدع ده، هو.. أيوه هو!

إشتعلت عيني منسي، وتلاحقت الدماء الغاضبة في عروقه بعد أن تذكر ما فعله معه من قبل قبل عدة أشهر، حينما إعتدى بالضرب المبرح عليه أمام جيرانه بالحارة، وهز من صورته، وجعله يشعر الخزي لفترة..
كور هو قبضته في غضب واضح، وصرخ بغل:
-و الوقتي جه دوري إن أخد حقي منك
إلتفت منسي لكبير الأطباء ورمقه بنظرات محذرة وهو يهتف فيه بقوة:
-إطلع برا يا ضاكتور
نظر له كبير الأطباء بإندهاش عجيب، ورفع حاجبه وهو يسأله قائلاً
-أفندم! إنت بتقول إيه ؟

-زي ما سمعتني يا ضاكتور
قالها منسي بصوت جاد وهو يدفعه بعنف إلى خارج الغرفة..
نهره كبير الأطباء بإستنكار شديد وهو يقاومه ب:
-إنت أد الحركة دي ؟ إنت عارف أصلاً إنت بتتعامل مع مين ؟
أجابه منسي بعدم إكتراث بعد أن ألقى به للخارج
-لأ مش عارف، ومش عاوز!
ثم صفق الباب بقوة وأوصده، وإستدار بجسده ليواجه أوس ويرمقه بنظراته المشتعلة، وهتف قائلاً وهو يلوح بيده:
-بس أنا هاخد حقي من الكلب اللي هناك ده.

صاح كبير الأطباء بخوف شديد وهو يطرق على الباب الزجاجي:
-إنت مجنون، افتح الباب
صرخت فردوس بعصبية وهي تمد كلا ذراعيها في إتجاهه:
-هات بنتي، سيبها!

لف أوس ذراعاً واحداً حول ظهر تقى ليسندها، وأحكم قبضته عليها.. نظر هو لهم بشراسة بعينيه الحمراوتين، وأشار بيده الأخرى في أوجه المتواجدين محذراً وهو يهتف بصوت حاسم:
-محدش هياخدها مني، فاهمين!
تحرك أحمد خطوة في إتجاهه، وهتف متحدياً إياه:
-مش بمزاجك المرادي يا باشا
أضاف منسي هو الأخر بنبرة تهديد صريحة:
-جه وقت الحساب!

ركض كبير الأطباء في الرواق وهو يهتف بصوت مفزوع ب:
-هاتوا الآمن بسرعة، في مصيبة بتحصل هنا في المستشفى!
كان الرواق شبه خالي من الممرضين والعاملين، فتعصب هو اكثر، وأضاف لنفسه بصوت محتقن:
-هانروح كلنا في داهية لو الباشا أوس جراله حاجة!
ثم صرخ بصوت عالي:
-فيييييين الأمن!

بداخل غرفة العناية الخاصة بتقى
تبادل كلاً من أحمد ومنسي النظرات الغاضبة، وأشار كلاهما نحو أوس وتقى، ثم تحركا في إتجاههما، بينما تنحت فردوس للجانب، وتابعت بتوجس ما سيحدث..
أشار منسي بعينيه لأحمد ليتحرك في الإتجاه المقابل، وحدق بهما أوس بنظرات شبه منزعجة، فهو في حالة صحية منهكة، وتشبث بتقى أكثر، ولم يفلتها منه..
وفي لحظة واحدة باغت كلاهما أوس بالهجوم عليه، وحاول أحمد أن ينتزع تقى من أحضان أوس الذي إهتاج صارخاً:
-مش هاتخدها مني، ده لو على موتي.

نظر له أحمد بنظرات مغلولة، وهتف بإصرار:
-وأنا مش هاسيبهالك يا باشا، هاخدها منك
في حين أمسك منسي برأس أوس، وحاول أن يلوي عنقه، فصرخ الأخير متأوهاً ك
-ابعد يا ****!
لكمه منسي بقوة في وجهه، وهو ينطق بتشفي:
-ده أنا مصدقت أخد بتاري منك، خد يا بن ال *****
-آآآآآآه..

كافح أوس للحفاظ على تقى وبقائها معه، لكنه لم يكن يملك القوة الكافية للدفاع عنها وعن نفسه.. فقد إنهال الإثنين بالضرب المبرح عليه، وأشبعوه من اللكمات والركلات القاسية فلم يعد يشعر بالآلم، فهمه الأكبر بات الإحتفاظ بتقى قدر الإمكان في أحضانه..
سقط أوس أرضاً، وكذلك تقى، فأحاطها بذراعيه، وجثى فوقها، وأولى ظهره للإثنين اللذين لم يكفا عن ركله بإهتياج في جسده، وتحمل الضربات العنيفة عليه من أجل حمايتها..

ظل ينظر إليها ممتعاً عينيه بقربه الشديد منها، لم يعبأ بالآلم الصارخ في جسده، فهو يشعر بأنفاسها تلفح وجهه..
إنضمت فردوس هي الأخرى إلى الرجلين، وقامت بخدش أوس بأظافرها في وجهه وهي تصرخ بصوت محتد:
-كفاية بقى، إبعد عننا، وسيب بنتي في نصيبتها
لم يجبها أوس بل ظل محدقاً بزوجته.. ولكنه شعر بالإختناق فجأة، فقد أطبق منسي على عنقه، وضغط بقسوة على عروقه، فمنعه من التنفس بصورة طبيعية..
ثم عاونه أحمد في جذبه للخلف، وإجتهدت فردوس في تخليص ذراعيه بعيداً عن إبنتها.

نجح الثلاثة في إبعاد أوس عن تقى، فإستغل منسي الفرصة وأوسعه ضرباً.. وسحبه إلى زاوية الغرفة..
نعم.. فقد جاءت الفرصة ليقتص لنفسه، فلكمه تارة في صدره، وتارة أسفل بطنه، فإنحنى أوس متألماً، وكافح ليرد الضربات، ويعود ليأخذ زوجته في أحضانها لكن هيهات، فهو أضعف من تلك المواجهة الغير متكافئة، و لم يتركه منسي إلا وقد طبع أثار قبضاته على مختلف أجزاء جسده..
جثت فردوس على ركبتيها، ورفعت جسد إبنتها الهزيل نحوها، وأسندت رأسها على فخذيها، وهتفت بصوت باكي:
-بنتي! ايه اللي جرالك يا ضنايا ؟ روحتي مني يا حبيبتي!

ثم إنحنت بجسدها عليها، وقبلتها في جبينها، وتابعت بأنين مرير:
-عملوا فيكي ايه ؟ كنتي وردة مفتحة معايا، دبحوكي يا غالية ورموكي، آآآآآه.. يا حرقة قلبي عليكي، آآآآآه، أنا السبب في اللي جرالك، أنا السبب!
إستشاط أحمد غضباً لرؤية تقى على تلك الحالة الحرجة، فإزداد إهتياجه على أوس، وضربه بشراسة أكثر في وجهه حتى طرحه أرضاً.. ثم ركله في معدته بعنف وهو يصرخ بعصبية:
-ماسيبتهاش ليه تعيش حياتها زي بقية الناس، اشمعني هي اللي تاخدها مني ؟ استفدت إيه من اللي حصلها ؟ كنت فين وهي بيجرالها اللي جرى، انطق.. قول كنت فين ؟

جاهد أوس ليفتح عينيه لينظر نحوها، ولكن أغلقت اللكمات جفنيه، وجعلتهما أكثر ثقلاً.. فهمس بضعف شديد:
-ت.. تقى!
ثم حاول أن يزحف في إتجاهها، ولكن أمسك به منسي من قدمه، وجره للخلف، وجثى فوقه بعد أن أداره في إتجاهه، وظل يكيل له بعنف في وجهه حتى نزف فمه وأنفه خيوطاً من الدماء وهو يصر على أسنانه قائلاً بقسوة:
-مش منسي يا باشا اللي يسيب حقه ويدارى زي الحريم، هاه، سامع مش منسي!
كاد أوس أن يختنق بدمائه وهو يكافح للصمود، وحاول لأكثر من مرة أن يدير رأسه في إتجاه تقى، ولكن كانت اللكمات تحول دون هذا..

وصل رجال الآمن إلى الرواق، ومعهم كبير الأطباء، وركض الجميع في إتجاه غرفة تقى..
أسرع أحدهم بمحاولة فتح الباب الموصود من الداخل ولكنه فشل، وأردف بتوجس:
-مقفول يا باشا من جوا!
هتف كبير الأطباء بصراخ هادر ب:
-هو إنت غبي ؟ ما أنا عارف إنه مقفول، إتنيل افتحه!
تدخل حارس أخر بجسده، وقال بجدية:
-حاسب إنت، أنا هاكسره!

نفخ كبير الأطباء بغيظ، وأمرهما بصوت صارم ب:
-اتصرفوا، بس الباشا لازم يخرج حالاً، فاهمين!
عاودت المدبرة عفاف أدراجها حينما يئست من إيجاد الطبيب، وبصحبتها الممرضين، فتفاجئت بالحشد المتواجد أمام باب غرفة تقى، فإنقبض قلبها لوهلة، وأسرعت في خطاها، وحدثت نفسها بذعر قائلة:
-في ايه ؟ استر يا رب!

رأت هي كبير الأطباء وهو يتراجع للخلف، وأحد رجال الأمن يحاول تحطيم باب الغرفة، فتسائلت بخوف:
-هو حصل إيه ؟
أجابها بصوت محتقن وهو يشير برأسه ب:
-في شوية بهايم جوا حاجزين الباشا أوس وبيتخانقوا معاه!
نظرت له بهلع، وصرخت مصدومة ب:
-ايييييه!

بداخل الغرفة
إنتهى الإثنين من النيل من أوس وضربه، فمسح منسي الدماء من على كفه في زي أوس الطبي، ونهض من عليه وقد إلتوى فمه بإبتسامة إنتصار:
-اللعب مع رجالة الحواري خطر يا باشا، وأديك عرفت ده كويس!
في حين إتجه أحمد نحو تقى، وجثى إلى جوارها، ومد يديه نحو كفيها، وربت عليهما، وهمس لها قائلاً:
-تقى، خدنا حقك منه، سمعاني، إحنا انتقمنا منه، إنتي في أمان دلوقتي!

نظرت له فردوس بأعين باكية وهي تجيبه بخوف:
-بنتي! مش بترد عليا!
أرخى أحمد يده عن كف تقى، وربت به على كتف فردوس، ونظر لها بنظرات قوية وهو يجيبها بثقة:
-ماتخفيش يا ست فردوس، بنتك رجعتلك، وانا هاحميها
كتمت فردوس شهقاتها بكف يدها وهي تجيبه بصوت مبحوح:
-بنتي هاتموت، بنتي هاتروح مني!

هز أحمد رأسه معترضاً وهو يرد عليها بإصرار:
-لألألأ.. تقى هاتعيش!
نظر منسي إلى الحائط الزجاجي، فوجد التجمع المتواجد بالخارج، فأردف قائلاً بجدية:
-بيتهيألي احنا عملنا الواجب وزيادة، يالا بينا!
أومأ أحمد برأسه موافقاً، وهو يجيبه بإيجاز:
-ماشي.

وضع منسي يده على كتف أحمد، وأرجعه قليلاً للخلف وهو يقول بصوت صارم:
-عنك شوية
أفسح أحمد له المجال بعد أن نهض من على الأرضية، في حين إنحنى هو للأسفل ليتمكن من وضع ذراعيه أسفل جسد تقى المتراخي، ثم حملها من بين أحضان والدتها، وإتجه نحو الباب..
نهضت فردوس هي الأخرى عن الأرضية، وسارت خلفه وهي تكفكف عبراتها بكفيها...
أشار منسي بعينيه لفردوس قائلاً بجدية:
-افتحي يا ست أم تقى الباب!
-حاضر يا بني!

اقترب أحمد من أوس الراقد أرضاً وهو يتلوى من الآلم، ويصدر حشرجات قوية من حنجرته، ثم إنحنى نحو أذنه بعد أن جثى على ركبته، ، وهمس قائلاً بتشفي:
-وعرفت أخدها منك يا باشا، وريني هاترجعها تاني إزاي، هي معمرهاش كانت ليك، ولا هاتكون، تقى مش ليك يا باشا، سامعني مش ليك .!
مد أوس كفه ليمسك بأحمد ويخدشه في وجهه، ولكن أبعد الأخير يده، وركله لمرة أخيرة، وأسرع في إتجاه الباب..

تفاجيء جميع من بالخارج بمنسي وهو يحمل تقى، وتراجعوا للخلف بعد أن هدر بصوت عنيف:
-وسعوا سكة بدل ما أطربأ المكان على اللي فيه، ومش هايهمني أتخن حد فيكم هنا
أضاف أحمد هو الأخر بنبرة مهددة وهو يلوح بذراعيه:
-إرجع لورا إنت وهو.. يالا!

أشار كبير الأطباء للجميع بالتراجع وهو يقول بتوتر:
-الكل يبعد، سيبوهم يمشوا
لقد أثر كبير الأطباء أن يتخلص من تلك الحفنة من البشر حتى يصل إلى إبن رب عمله.. فهو شاغله الأكبر..
راقبت المدبرة عفاف الثلاثة وهم يندفعون في إتجاه الرواق مبتعدين عن المكان بنظرات خائفة، وضمت يديها إلى صدرها، وهمست برعب:
-عملتوا ايه في الباشا وفيها ؟

زحف أوس بجسده المنهك من أثر الضرب في إتجاه الباب ومد يده محاولاً الإمساك بما تبقى من أثر تقى التي رحلت مبتعدة عنه.. وجاهد ليفتح عينيه التي غطتهما الدماء، وصرخ بصوت مبحوح للغاية ك
-تقى.. تقى!
دلف الجميع إلى الداخل فوجدوا الحالة الرثة التي أصبح عليها أوس الجندي، فأسرعوا نحوه، ولكنه رفض أن يمد إليه أي أحد يد المساعدة، وصرخ رغم ضعف صوته ب:
-محدش يجي جمبي، محدش يقرب مني!

رد عليه أحد رجال الأمن بتوجس قائلاً:
-يا باشا، إنت آآ..
كافح أوس للوقوف على قدميه، وترنح بشدة وهو يقترب من باب الغرفة، ولم يكن يرى أمامه بوضوح، فقد كان ينظر بنصف عين..
ركض في إتجاهه كبير الأطباء وهتف بقلق وهو يضع يده على كتفه:
-استنى يا باشا، ده إنت حالتك آآ..

قاطعه أوس بصوته المتحشرج وهو يلكزه في صدره:
-محدش ليه دعوة بيا، وسعوا من طريقي، سيبوني!
سقط أوس أرضاً ولم يتمكن من الوقوف بسبب تدهور حالته، وحالة عدم الإتزان المسيطرة عليه..
شهقت المدبرة عفاف حينما رأت حالته، وقالت بنبرة هلعة:
-آآ.. أوس باشا، مش ممكن!

أصابت أوس حالة من الإعياء الشديد، ولم يعد يشعر بجسده، فقط آلام رهيبة ووخزات عنيفه تجعله يصرخ أكثر..
أشار كبير الأطباء للممرضين بالتدخل فوراً، وحمل أوس رغماً عنه ليتلقى العلاج الفوري..
وبالفعل نفذوا ما طلبه منهم، ووضعوه على التروللي الطبي..

وبالرغم من حالة الضعف الشديدة المسيطرة عليه إلا أن أوس لم يتوقف عن المقاومة، وظل ينتفض بجسده محاولاً النهوض..
حاولت عفاف تهدئته، وجثت إلى جواره، وأدمعت عينيها لرؤيته هكذا.. هدر أوس قائلاً بصوت صارخ قبل أن يحقنه كبير الأطباء بمخدر ما:
-تقى، محدش هياخدك مني، هاوصلك، مش هاسيب الكلاب دي تبعدك عني، أنا راجع تاني، راجع وهاخد من وسطهم، ومحدش هايمنعي، محدش هايمنعني.. م.. م..آآآآ..!
ثم خفت نبرة صوته تدريجياً، وإستكان جسده تماماً، وإمتزجت عبراته بدمائه المراقة على من فارقته اليوم رغماً عنه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع والعشرون

كانت تقى تعيش في عالم خاص بها، تصارع فيه قدرها، نعم كانت تعاني في أحلامها..
تلفتت حولها في ذلك الظلام الدامس محاولة إيجاد السبيل للنجاة بعد أن ضلت طريقها..
فرائصها ترتعد، قلبها ينبض بسرعة رهيبة، أنفاسها لاهثة.. ولكن هناك أضواءاً عالية تسطع من مكان ما..
ركضت نحوها بقدميها الثقيلتين.. وشهقت في فزع حينما رأتها نيراناً مستعرة، ومن خلفها أعين تضيء بشراسة في الظلام..

تراجعت بفزع للخلف، وسقطت على ظهرها، وحاول أن تزحف بمرفقيها مبتعدة عن هذا الخطر المحدق بها..
حاولت أن تصرخ ولكن إنقطعت حبال صوتها، وتحشرج صوتها..
أدارت جسدها، وجثت على ركبتيها، وزحفت على تلك الأرضية الخشنة، فإنجرحت ساقيها، ولكنها لم تأبه بالآلم الرهيب..
هي تريد النجاة..
سمعت صوتاً يأتيها من بعيد بهتف بإسمها، فتلفتت حولها بخوف شديد، ونظرات الذعر لم تفارق عينيها، ولكنها جاهدت لتعرف مصدره..

تمكنت من الوقوف على قدميها، وعرجت وهي تركض مسرعة نحو الظلام.. ولكن مازال يطاردها ذلك الصوت الشجي المتآلم..
كافحت تقى لتفتح عينيها، وبالفعل رأته ذلك المسجي على الأرض وينادي بإسمها.. ويتلقى الضربات الموجعة وهو يحاول الوصول إليها
رمقته بنظرة غير واضحة، نعم هي تألف صوته ولكنها في نفس الوقت تخشاه بشدة.. وفجأة أغمضت عينيها، وشعرت أن جسدها يهتز بقوة، فإستسلمت لصوت جسدها، وهوت في تلك الهوة العميقة التي إبتلعتها بشراهة، ومع هذا صاحبها ذلك الصوت الذي يصرخ بمرارة بإسمها، فكانت أخر ما إلتقطته أذنيها قبل أن تسقط في بئر ظلامها..

ركض منسي بتقى خارج المشفى، ولم يعبأ بملاحقة الأمن له، فقد تكفلت فردوس ومعها أحمد في منعهما من الإقتراب منهما، حيث ظلت هي تصرخ بطريقة هيسترية جعلت الجميع يخشى الإقتراب منها، وأشار أحمد بيديه بطريقة محذرة في حالة تفكير أي أحد في التدخل..
ثم أسرع في خطواته في إتجاه الطريق الرئيسي ليستوقف سيارة أجرة، وبالفعل توقفت إحداهم، ومن ثم ركبت فردوس في الخلف، وأسند منسي تقى بحذر على المقعد الخلفي، حيث أحاطتها والدتها من ذراعيها، وظلت تقبل رأسها بعاطفة أموية كبيرة..

تعجب السائق من حالة تلك المريضة الحرجة، وشحوب وجهها، ولكنه لم يجرؤ على طرح أي أسئلة، إكتفى بالإيماء برأسه، وأدار سيارته إلى الوجهة المطلوبة..
لم يكف عقل فردوس عن التفكير للحظة فيما حدث لإبنتها الوحيدة..
لقد تعرضت لأبشع جريمة يمكن أن ترتكب.. الإغتصاب..

الفضول يقتلها لمعرفة كيف حدث لها هذا، وكيف إستسلمت لحفنة من الذئاب البشرية لينهشوا عرضها..
هي لم تعرف ملابسات الحادث بالضبط.. فظنت أن إبنتها قد أغتصبت كما تسمع وتشاهد في التلفاز على أيدي بعض الشباب المنحرفين..
تنهدت في إنهاك وهي تمسح على رأس إبنتها، وإحتارت في كيفية التصرف، فهي لا تعرف كيف تتعامل الضحية مع الغير ومع عائلتها في هذه النوعية من الجرائم..
هي تقاوم الشعور الذي يتسرب رويداً رويداً إليها بالعار والخزي..

فجريمة هتك العرض تتحمل جريرتها المرأة وحدها حتى أخر العمر.. ويحمل معها عبئها أسرتها بالكامل..
من الذي سيرضى بفتاة ذبحت بشراسة قبل أن تتمتع بحياة زوجية هانئة..
من الذي سيقبل أن يكون الرجل الثاني في حياة شابة طمس طهرها مجموعة من الأوغاد..
لم تدرْ أنها ذرفت الدموع عفوياً وهي تتحسر بآسى على مستقبل إبنتها الذي إنتهى قبل أن يبدأ..

في مشفى الجندي الخاص
دارت أحاديث جانبية في جميع أرجاء المشفى وخاصة بين الحرس والممرضين عن تعرض إبن صاحب المشفى للضرب، حيث كانت ردود أفعالهم مختلفة.. فتشفى البعض فيه، وإنزعج البعض الأخر..
ولكن نتيجة ما حدث تم إتخاذ إجراء ضد كل من تسبب في هذا الإهمال بناءاً على تعليمات كبير الأطباء مما سبب سخط الجميع..
كما قلبت أوضاع المشفى رأساً على عقب بعد إنتشار خبر تعرض أوس الجندي للضرب الوحشي..
إنتفض الجميع في أماكنهم، وأصبحوا في حالة تأهب شديدة..

أسرع كبير الأطباء بإدخال أوس إلى غرفة الطواريء للفحص الكلي، ومنها إلى غرفة الأشعة للتأكد من عدم وجود أي كسور أو مضاعفات أو نزيف داخلي به..
كذلك إنضم الطبيب مؤنس للطاقم المعالج له، وصاح بغضب قائلاً:
-دي اسمها مهزلة، فين الأمن هنا، وفين الممرضين، دي مش مستشفى، ده اسمه سوق، إزاي ناس زي دول يدخلوا ويخرجوا من غير ما حد يمنعهم ؟ إزاي ؟
أجابه أحد الأطباء بخفوت وهو يتلفت حوله بحذر:
-دي أوامر عليا، محدش فينا كان يعرف.

هتف محتداً وهو يلوح بذراعه:
-لو جراله حاجة أنا هاحملكم المسئولية كلكم! أنا مش هاسكت
هنا تدخل كبير الأطباء، ووضع يده على كتفه، وأردف بهدوء حذر:
-إهدى يا دكتور مؤنس، وأنا هاتصرف
صرخ الأخير منفعلاً وهو يشير بإصبعه:
-أهدى إزاي يعني ؟ ده مريض وتحت مسؤليتي، وأنا آآآآ....

قاطعه كبير الأطباء ببرود قائلاً:
-محدش قال إنك مقصر معاه، بس اللي حصل حصل، وأنا حالياً بنفسي هتابع كل اللي يخصه
ضيق الطبيب مؤنس عينيه أكثر ليرمقه بنظراته الساخطة وهو يسأله بحنق:
-ودكتور مهاب عرف باللي حصل ؟
تنهد في إرهاق وهو يرد عليه بفتور:
-لأ لسه، ومافيش داعي نبلغه إلا لما نطمن الأول
استشاط مؤنس غضباً، وصرخ قائلاً:
-والله ده استهبال.

حدجه كبير الأطباء بنظرات محذرة وهو ينطق بصرامة:
-دكتور مؤنس، مافيش داعي للغلط.. أنا قولتلك هاتصرف بطريقتي
حك مرنس رأسه، وتسائل بجدية شديدة:
-طب والمريضة اللي كانت معاه ؟
أجابه بإقتضاب وهو يدس يديه في جيب معطفه الطبي:
-خرجت!

جحظت عينيه بذهول، وفغر فمه قائلاً بذعر:
-نعم! إزاي ؟ ده.. ده خطر على حياتها وآآ...
قاطعه بعدم إكتراث وهو يشير بيده:
-أهلها خدوها وأنا مقدرش أمنعهم
سأله مؤنس بتهكم وهو ينظر مباشرة في عينيه:
-وفين ضميرك المهني يا دكتور، دي محتاجة رعاية من نوع خاص ؟!

رد عليه بعدم إهتمام وهو يوليه ظهره:
-عيلتها تتصرف معاها!
لوى مؤنس فمه بسخط أكبر وهو يتابع قائلاً:
-بجد أنا مستغربك، أنا..آآآآ....
إستدار كبير الأطباء ليواجهه، وقاطعه بنبرة جادة ب:
-دكتور مؤنس واضح إنك منفعل أوي، وده مش كويس عشان المريض، أنا رأيي تطلع مكتبك ترتاح، وأنا هابلغك بالجديد
صر الطبيب مؤنس على أسنانه في حنق، فهو يعلم أن جداله معه لن يوصله إلى شيء، فإكتفى برمقه بنظراته النارية، ثم كور قبضة يده، وإنصرف وهو يغمغم بغضب..

لاحقاً أعاد أحمد ومنسي تقى إلى منزلها المتواضع بالحارة الشعبية.. وحملها الأخير خارج سيارة الأجرة بحذر.. وسار بها في إتجاه البناية القديمة دون أن يتفوه بكلمة..
تفاجيء أهالي الحارة بحالة الإعياء الشديدة التي كانت عليها تلك الغائبة لفترة، وتداولوا بعض الأقاويل عنها، وإنتشرت شائعات مغلوطة تخص أمرها..
لم تهتم فردوس بنظرات المحيطين بها سواء الفضولية أو حتى الشامتة.. فأكبر ما يهمها الآن هو حياة إبنتها، وعودتها إلى طبيعتها..
ركضت صعوداً على الدرج لتتمكن من فتح باب منزلها لهما..

في حين قتلت نظرات الغيرة أحمد لحمل منسي لتقى بين ذراعيه.. كم كان يود أن يحملها هو وينطلق بها نحو منزلهما كعروسين سعيدين، ولكن تم بتر أحلامه منذ مهدها..
نفض هو تلك الأفكار عن رأسه، وأردف بجدية:
-لازم نشوفلها دكتور كويس يقولنا هنعمل ايه معاها، لأن حالتها ماتطمنش!
نظر له منسي شزراً، وأجابه بفتور:
-والله دي حاجة ترجع لأمها، ولأهل بيتها، معتقدش إن حد هيحتاج خدماتك في حاجة
صر أحمد على أسنانه وهو يجيبه بحنق:
-أنا دوري لسه مخلصش.

إلتوى فم منسي بطريقة مستهزئة وهو يجيبه قائلاً:
-لأ.. لحد هنا وآآآآ..
قاطعهما صوت فردوس الصادح ب:
-أنا فتحت الباب على أخره، أوام الله يكرمكم!
إتجه منسي نحو الباب، وظل يلهث وهو يلج للداخل، وأرشدته فردوس إلى مكان غرفتها، فوضعها برفق على الفراش، وأسرعت هي بتغطيتها بالملاءة، وجلست على طرف الفراش إلى جوارها، ومسدت على رأسها، وكذلك مسحت على وجنتها، ثم إنحنت لتقبلها من رأسها وهي تقول بصوت أسف:
-سامحيني يا بنتي على اللي حصل مني، ربنا يعيني وأعوضك عن اللي فات!

تنحنح منسي بصوت خشن، ووزع أنظاره ما بين الإثنتين، وقال بصوته الأجش:
-ها يا ست فردوس، عاوزة حاجة مني ؟ الأمانة رجعت تاني أهي!
نظرت له بإمتنان، وأجابته بصوت شبه باكي:
-كتر خيرك يا بني
هتف أحمد بإصرار وهو يشير بيده:
-أنا بأقول نجيب دكتور يشوفها الوقتي، وآآآ..

قاطعه منسي بصوت حاد وهو يرمقه بإزدراء:
-مقولتلك دي حاجة متخصكش، إحنا عيلة هنتصرف مع بعضنا
وقف أحمد قبالته، ونظر له بتحدٍ وهو يردف قائلاً بسخط:
-عيلة إزاي يعني ؟ ده أنت آآآآآ..
قاطعتهما فردوس بصوت شبه محتد ب:
-سيبوا بنتي في حالها، أنا هاتصرف معاها، وربنا يباركلكم لحد كده، ومتشكرة على كل حاجة، وبخاطركم بقى، عاوزة أشوف بنتي.

مسح منسي على صدره، ولم يحيد بعينيه الغاضبتين عن وجه أحمد وهو يجيبها بجدية:
-ماشي يا ست فردوس، إحنا برضوه موجودين في الخدمة، ومتشليش هم مصاريف، رقبتي سدادة
بادله أحمد النظرات المستفزة، وأردف قائلاً بهدوء حذر:
-لو مكنش فيها إزعاج، أنا هابقى أجي أطمن على تقى، وهاجيبلها دكتور معرفة
ردت عليه فردوس بنبرة جادة بعد أن نهضت من جوار إبنتها، ووقفت على مقربة منهما:
-ربنا يسهل، أستأذنكم الوقتي تمشوا.

أومأ منسي برأسه وهو يجيبها بصوته المتحشرج:
-حاضر يا ست تقى
ثم إستدار برأسه نحو أحمد، وحدجه بنظراته الحادة وهو يقول:
-مش يالا يا أخ!
نفخ أحمد في ضيق وهو يجيبه بإقتضاب:
-طيب
ثم رافقتهما فردوس إلى خارج المنزل، وركضت مهرولة في إتجاه غرفة زوجها، لتخبره بعودة إبنتهما الوحيدة إلى أحضانهما..

هزته من كتفه برفق وهي تهتف بفرح:
-إصحى يا عوض، بنتك تقى هنا!
فتح عينيه بتثاقل، ونطق بصوت متلعثم:
-ت.. تقى!
أومأت برأسها وهي تجيبه بنبرة متفائلة وقد أدمعت عينيها:
-أيوه بنتك، تعالى عشان تشوفها، والله أول ما هاتشوفها هتفتكرها على طول، هو في حد ينسى ضناه برضوه!

ثم أزاحت الملاءة عنه، وأنزلت ساقيه على الأرض، وأسندت ذراعه حول كتفها، ولفت ذراعها الأخر خلف ظهره، وتحملت ثقل جسده، وسارت به في إتجاه غرفة إبنتهما..
وما إن رأها عوض حتى إرتسمت على وجهه علامات الفضول والإندهاش.. نعم فملامحها البريئة محفورة في ذاكرته، وإسمها يأتي على لسانه.. ولكنه لا يتذكرها تماماً..
أشفق على حالتها.. وشعر بغصة في حلقه وهو يرى أثار الجروح والكدمات على وجهها وأجزاء جسدها المتكشف..
سأل فردوس بصوت متقطع ب:
-ه.. هو.. م.. مالها ؟

نظرت بإنكسار له، وأجابته بخزي:
-اللي حصل لا يتقال ولا يتحكى، إدعيلها يا عوض، إدعيلها، احنا في غلب، وبنتنا.. وبنتنا مالهاش إلا ربنا
هي تعلم أن مأساة عائلتها سيتحملها هما الاثنين فقط، ولن يشاركهما أي أحد مشاعرهما المهزومة ولا الذليلة..
سمعت فردوس صوت طرقات على باب منزلها، فتركت زوجها مع إبنتها، وأسرعت في خطاها نحوه..
فتحته وهي تمسح عبراتها، فوجدت جارتها إجلال تقف على عتبته وتسألها بتلهف:
-حقة بنتك تقى رجعتك ؟

أجابتها بصوت مكتوم وهي مطرقة الرأس في حزن:
-أيوه
-اللهم لك الحمد والشكر، حمدلله على سلامتها، والله أنا فرحت لما سمعت الناس في الحارة بيقولوا إنها رجعت
تحركت فردوس بعيداً عن الباب، ولم تجبها..
بل جلست على أقرب مقعد، وتنهدت بأنين خافت.. ودفنت وجهها بين راحتيها
عقدت إجلال حاجبيها في إستغراب ثم أغلقت باب المنزل، وسارت خلفها، وأسندت كفها المجعد على كتفها، وضغطت عليه قليلاً، وسألتها بتوجس:
-في إيه مالك ؟ هو إنتي مش فرحانة إنها رجعت ؟!

نفخت في آسى، وأجابتها بصوت مختنق ومتقطع:
-لأ فرحانة.. بس آآآ.. بس..
سألتها مجدداً بإهتمام أكبر بعد أن سحبت المقعد المجاور لها، وجلست عليه:
-بس ايه ؟ ما تقولي يا فردوس!
أخذت فردوس نفساً عميقاً، وحبسته لبرهة في صدرها، ثم سردت على جارتها ما حدث مع إبنتها وعبراتها تسابقها في الإنهمار..
شهقت إجلال في صدمة، ولطمت على صدرها بخوف وهي تنطق بنبرة معاتبة:
-وسايبة بنتك كده وأعدة معايا، قومي شوفيها.

ردت عليها بتلعثم بعد أن كفكفت عبراتها:
-ما.. ما أبوها أعد جوا وآآ..
نهضت إجلال من على المقعد وقاطعتها بصوت صارم:
-ده إنتي لازم تكوني معاها في كل لحظة، وأنا هاروح أكلم ضاكتور معرفة كده يجي شوفها
نهضت فردوس هي الأخرى، ونظرت إليها بعينيها الدامعتين، وأردفت بقلق:
-بس أنا آآ...
أشارت لها إجلال بكف يدها، وهتفت بجدية:
-من غير بس، ده أنتي أخدها من المشتشفا ( المستشفى )، وبتقولي مش بتنطق ولا بترد عليكي.

ردت فردوس بصوت نادم قائلة:
-ماهو أنا اللي كان هاممني إني أخدها في حضني
هتفت إجلال بنبرة أكثر جدية وهي توليها ظهرها:
-وماله، بس لازم ناخد بالنا منها لأحسن تروح مننا في غمضة عين.. أنا رايحة على طول أكلم الراجل، وماتشليش هم مصاريف ولا غيره!
تنهدت فردوس في تعب، وهتفت بنبرة ممتنة:
-كتر خيرك يا إجلال، والله إنتي لو اختي ما هتعملي معايا كده، ولا تقفي جمبي
إلتفت إجلال برأسها لترمقها بنظرات حانية وهي تجيبها بهدوء:
-يا ستي الجيران لبعضها، خشي بس طلي على بنتك، وأقعدي جمبها!
ردت عليها بإيجاز قائلة:
-حاضر

في مشفى الجندي الخاص
أسرع كبير الأطباء ومن معه من معاونين في تقديم العلاج الفوري لحالة أوس المتدهورة بعد تلك الإعتداءات الجسدية عليه، وخاصة بعد أن انصرف الطبيب مؤنس غاضباً، فخشي أن يرتكب حماقة ما، فبادر بالتصرف السريع..
إرتجف جسد أوس بشدة، وتشنجت أعصابه، فخشي عليه المحيطين من وجود مضاعفات ما.. وعكفوا على حقنه بما يتناسب مع حالته.. فسكن جسده، ولكن لم تهدأ روحه..

وظل يتصارع مع أحلامه المظلمة..
فقد رأها وهي تقف على شفا ذلك الجرف، فإنقبض قلبه، وركض نحوها..
كانت تنظر له تقى بنظرات معاتبة.. والدماء تنساب منها..
صرخ بإسمها، وهو يمد ذراعه نحوها..
لكنها إستدارت بجسدها كلياً، وفتحت ذراعيها في الهواء، وأوشكت على إلقاء نفسها..

تمكن أوس من الإمساك بمعصمها قبل أن تسقط تماماً، وظلت تتأرجح بجسدها في الهواء..
نظرت له بذعر، ونظر هو لها بخوف..
هتف بإسمها عالياً وهو يكافح للحفاظ عليها:
-تقى، ماتسبنيش، امسكي فيا، تقي، ردي عليا
رأى العبرات التي تحمله الذنب تترقرق بغزارة في مقلتيها، ولم تجبه بكلمة.. بل عَمِدت إلى أن تتمايل بجسدها حتى تفلت معصمها، وتسقط للأبد
-صرخ باكياُ ومتوسلاً لها ب:
-تقى، ماتبصليش كده، ماتبعديش عني!

شعر بالخدر يسري في ذراعه، وبزيادة ثقل جسدها المتأرجح، فبدأت هي تنزلق من بين أصابعه، فخفق قلبه بقوة أكبر.. ونظر لها بفزع وهو يهتف بصوت مذعور:
-امسكي فيا يا تقى، ماتسبنيش، ما تسبنيش
لم يتمكن من الحفاظ عليها، فأفلتها رغماً عنه وصرخ بندم حقيقي، وهوت للأسفل، ونظراتها المعاتبة موجهة إليه لتقتله أكثر

حقن كبير الأطباء المحلول الطبي المعلق بإبرة طبية، ونظر إلى أحد الأطباء المرافقين له، وأردف قائلاً بجدية:
-عاوز الحقن دي يستمر عليه لأطول فترة ممكنة
تحدث الطبيب معترضاً وهو يشير إلى جسد أوس:
-بس يا دكتور آآ..
قاطعه كبير الأطباء بجدية:
-ده لسلامته، ولسلامتنا احنا كمان، أنا مش ضامن ردة فعله لو فاق
مط الأخير فمه قائلاً بهدوء:
-اللي تشوفه يا دكتور.

ابتسم كبير الأطباء إبتسامة خفيفة وهو يجيبه بثقة:
-ده مافيش فيه خطر، اطمن!
ثم أشار بإصبعه بجدية وهو ينظر لرئيس طاقم التمريض:
-فوراً تجيب حراسة هنا على باب الأوضة، وممنوع حد يدخل مهما كان مين!
هز رئيس طاقم التمريض رأسه بإزعان لأوامره، واجابه بنبرة رسمية:
-حاضر يا دكتور
وقف كبير الأطباء متسمراً في مكانه بعد أن عقد ساعديه أمام صدره، وحدث نفسه بقلق:
-لازم أضمن ان مافيش مشاكل تحصل الفترة الجاية، واظبط الدنيا كلها قبل ما دكتور مهاب يرجع!

دارت المدبرة عفاف حول نفسها، ووضعت يدها على رأسها محاولة تخفيف حدة الضغط عليها، وحدثت نفسها بعتاب قائلة:
-يا ريتني ما سيبت المكان ومشيت، كنت منعت الكارثة دي قبل ما تحصل! آآآه.. يا ريتني
ثم ضغطت مجدداً على زر الإتصال بناريمان التي كانت تتجاهل إتصالاتها، فزفرت بغضب وهي تهتف بخيبة أمل:
-استحالة تكون دي أم، دي كأنها مصدقت!
يئست هي من ردها عليها، فأعادت وضع هاتفها في حقيبتها، وتمتمت مع نفسها بقلق بالغ وهي تدور في الرواق..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب:
طرقت مديرة مكتب السكرتارية بأظافرها المطلية على سطح مكتبها في ضيق واضح وهي واضعة لسماعة الهاتف الأرضي على أذنها..
نفخت في إنزعاج وهي تحدث نفسها بصوت جاد ب:
-الباشا مش بيرد بقاله يومين، وانا مش عارفة أوصله خالص، وعمالة ألغي في مواعيد، وأجل في مواعيد تانية، ووضعنا مع العملاء بقى حرج جداً..
تنهدت في إنهاك وأضافت بضيق:
-طب المفروض أتصرف إزاي، هاضطر أتصل بعدي بيه وأبلغه يجي القاهرة ويتصرف، دي مسئولية علينا كلنا!

دلفت سكرتيرة أخرى إلى داخل المكتب، وتسائلت بإهتمام:
-ها وصلتي لأوس باشا ؟
نظرت لها وهي تجيبها بإحباط:
-لأ لسه
مطت السكرتيرة فمها في إستنكار، ثم أضافت بتوجس:
-مممم.. طب ده في ورق كتير متعطل على إمضته، ده غير شيكات مرتبات الموظفين، وبتوع الحسابات عاوزين آآآ..
قاطعتها مديرة المكتب قائلة بصوت شبه منفعل:
-أنا عارفة ده كله، وهاحاول أتصرف.

أومأت الأخيرة برأسها وهي تجيبها برجاء:
-يا ريت
أشارت لها بعينيها، وأردفت قائلة بصرامة وهي تعاود التطلع إلى المفكرة الصغيرة الموضوعة على سطح مكتبها:
-أوكي، وشوفي إنتي وراكي أيه
-تمام..!

في النادي الشهير
إنتفض سامي الجندي من مقعده، وقد إنفرجت أساريره بإبتسامة عريضة، وعدل وضعية الهاتف المحمول على أذنه وهو يصرخ بإنفعال:
-إنت بتتكلم جد ؟
رد عليه المحامي أمجد سعفان من على الطرف الأخر بصوت جاد قائلاً:
-اكيد طبعاً
سأله سامي بفضول شديد وقد زادت إبتسامته المتشفية إتساعاً:
-عرفت منين ؟
أجابه أمجد بهدوء قائلاً:
-من الواد اللي كان شغال عنده، اللي اسمه أحمد ده
-أها.

ثم أضاف بإهتمام:
-هو لسه متصل بيا ومبلغني إنه طحن أوس الجندي وعدمه العافية وبين الحياة والموت في مستشفى أبوه
قهقه سامي عالياً، ثم سعل للحظة، وأردف قائلاً بحماس:
-والله راجل الواد ده، لازم أديله مكافأة على الخدمة اللي عملها دي
-تمام يا سامي بيه
تبدلت ملامح وجه سامي للعبوس وهو يتابع بصوت محتد:
-مع إني لسه محروق من أوس، بس أهي حاجة تصبرني لحد ما أخلص القديم والجديد كله.

رد عليه أمجد بثقة:
-وماله، احنا مش ورانا حاجة إلا نجيب حقك
أخذ سامي نفساً عميقاً وزفره على مهل، ثم أضاف بنبرة متوعدة:
-يصبر بس عليا، وأنا هوريه النجوم في عز الضهر!

عرفت ناريمان بما أصاب أوس الجندي من تعرضه لإعتداء وحشي على يد بعض الغرباء في المشفى، فلم تهتم بالأمر، وإكتفت فقط بزيارته حفاظاً على صورتها الإجتماعية أمام الغرباء..
لم تنكر أنها شعرت بنوع من الراحة حينما رأته ممدداً على الفراش بدون أي حركة، فقد كان دوماً يزعجها بنظراته الساخطة والمهينة لها..
واليوم إرتاحت من تلك النظرات الكاشفة لحقيقتها المشينة.. وتمنت لو ظل راقداً لفترة أطول..

تقوس فمها بإبتسامة لئيمة وهي تحدث نفسها قائلة:
-أخيراً يا أوس شوفتك قدامي كده، أنا بأقشعر من وجودك حواليا، وقريب هارتاح منك ومن أبوك، وأفوق لنفسي بقى، كفاية سنين عمري اللي ضاعت هدر معاكو، وإنت لا من دمي ولا من لحمي!
وقف كبير الأطباء خلفها يراقب ردة فعلها، فتعجب من الهدوء الشديد المصحوب بالبرود والمسيطر عليها تماماً.. على عكس مدبرة قصره التي لم تفارقه للحظة، ولم تكف عينيها عن البكاء لأجله، ولا لسانها عن الدعاء له..

كذلك علم عدي هاتفياً بما صار مع أوس، فإستشاط غضباً لأجله، وأمر ليان زوجته ب:
-بسرعة جهزي الشنط، احنا راجعين القاهرة حالاً
نظرت له ليان من زاوية عينها، ثم عاودت النظر إلى شاشة التلفاز العريضة، وسألته بفتور:
-ليه ؟
رمقها بنظرات ساخطة وهو ينطق بصوت محتد:
-ماهو إنتي لو دريانة باللي بيحصل، كنتي عرفتي إن أخوكي مرمي في المستشفى
هتف بإيجاز وقد رفعت حاجبيها للأعلى:
-أوس!

نظر لها بإزدراء وهو يجيبها بتهكم:
-هو إنتي ليكي أخ تاني غيره
سألته بنبرة غير مكترثة وهي تنهض بتثاقل من على الأريكة:
-يعني حصله إيه ؟
رد عليه بصوت محتد وهو يشير بكف يده:
-معرفش، إنتي لسه هتسألي، انجزي يالا
-أوكي
تحركت بخطوات بطيئة نحو غرفة النوم، وغمغمت بخفوت مع نفسها:
-أصلاً أوس مش فارق معايا، هو عمره إهتم بيا، أووف، المهم إني هارجع كايرو تاني، بجد كانت جوازة قرف من أولها!

فخلال الأيام الماضية عانت ليان من الجوع العاطفي، والإهانات اللفظية من زوجها عدي الذي لم يكفْ للحظة عن تذكيرها بخطيئتها..
عاتبت نفسها كثيراً لأنها تسرعت في الإختيار، وأهدرت حريتها عبثاً، ولم تفكر بحكمة في إنتقاء الزوج المناسب لها، فلو تريث قليلاً لكانت ما تزال تنعم بحريتها..
ولكنها كانت تبرر موقفها هذا برغبتها في الهروب من واقعها الآليم، وخاصة ذكرياتها الآسفة مع فارس الذي تلاعب بها وأسلمت له نفسها دون عناء.. وكذلك رؤيتها لنريمان وهي في أحضان صديق العائلة وتبادله القبلات الحارة بشغف.. وعدم إكتراث أوس بها أو حتى إصراره على منع تلك الزيجة من الإستمرار..

إذن أقنعت نفسها أن الخطأ من البداية يرجع لعائلتها وليس لها.. فإن أساءت الإختيار في أي شيء، فيرجع اللوم والمسئولية لعائلتها بالأساس.. وهي فقط المجني عليها في كل هذا..
هكذا أثبتت ليان لنفسها بأنها الضحية المغلوب على أمرها.. وما تفعله لاحقاً يحق لها.. فلا لوم ولا عتاب...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثلاثون

خلال الأيام اللاحقة
إحتفل سامي الجندي مع رفيقه ممدوح في أحد الملاهي الليلية بما أسماه دق أول مسمار في نعش أوس، ولم يدخر وسعه في إنفاق ما معه على العاهرات والباغيات من أجل التمتع بلذة الإنتصار الزائفة..
وفي نفس الفترة بدأت رحمة تحقق حلمها بالشهرة السريعة من خلال قيامها بالغناء والرقص المصاحب في فقرة خاصة بها بنفس الملهى..

ورغم عدم وعي معظم المتواجدين بما تردده – بسبب حالة السكر المسيطرة عليهم – إلا أنها تعمدت أن تبرز مفاتنها أكثر من موهبتها لتجعل لعابهم يسيل عليها، وتلهب رغبتهم في التقرب منها..
فالقاعدة الأولى في هذا الملهى نقود الزبائن حق مكتسب ، وكلما زادت الإيرادات وما يسمى ب ال نقوط ، حصلت هي على نسبة عالية من الأموال..
وإستطاعت بأنوثتها الطاغية أن تلفت الأنظار إليها.. وتحظى ببعض الإعجاب المصطنع.. ونالت إستحسان صاحب الملهى بهججة ..

وقف فارس أمام البناية المتواجد بها منزل أوس بمنطقة المعادي، وتأمل إرتفاعها الشاهق بنظرات إنبهار..
ثم أخفض عينيه، وبحث عن حارس البناية..
ولج هو إلى الداخل، وهتف قائلاً بنبرة عالية:
-سلامو عليكم
خرج رجل ما من داخل غرفة جانبية، وفرك عينيه وهو يجيبه بصوت متحشرج:
-وعليكم السلام
تنحنح فارس بصوت خشن وهو يسأله بفضول:
-إزيك يا آآآ.. هو إنت اسمك ايه ؟

رد عليه حارس البناية متسائلاً بنبرة جادة وهو يرمقه بنظرات متفرسة لهيئته:
-عاوز مين يا فندي ؟
أجابه فارس ببرود وهو يضع يده في جيبه:
-أنا بسأل بس على اسمك
حك حارس البناية رأسه، وأجابه بإيجاز:
-محسوبك جابر
أخرج فارس علبة السجائر من جيبه، ثم إلتقط واحدة بيده، ومدها نحوه وهو يقول بجدية:
-عاشت الأسامي يا سي جابر، تاخد تعفر ؟

تناولها منه جابر، ووضعها خلف أذنه وهو يرد بإقتضاب:
-توشكر
سأله فارس بإهتمام وهو يشعل سيجارته:
-ألا قولي يا جابر، هو أوس باشا الجندي موجود ؟
رد عليه جابر بإيجاز:
-معرفش
سأله مجدداً وهو يشير بيده:
-مش هو ساكن هنا ؟
-معرفش
نفث فارس دخان سيجارته في الهواء، ورد عليه بتبرم ب:
-الله، هو اللي نازل عليك معرفش، مش إنت شغال هنا ولا في حتة تانية ؟

هز جابر رأسه نافياً، وقال بهدوء:
-لأ أنا لسه جاي جديد مبقاليش يومين
تسائل فارس بفضول كبير قائلاً:
-أومال البواب القديم راح فين ؟
أجابه الأخير بنبرة عادية وهو يمسح طرف أنفه:
-مشاه اتحاد الملاك بعد الفضيحة
قطب فارس جبينه، وعقد ما بين حاجبيه في إهتمام، ثم سأله بحيرة قائلاً:
-فضيحة ايه دي ؟

رد عليه جابر بنبرة عادية وهو يشير بكلتا يديه:
-واحد من السكان كان جايب واحدة استغفر الله باين هنا، وكانوا هايولعوا في البرج، والبت باين ماتت، والبواب كان مطنش عمايل الراجل ده وبيقبض منه أد كده، فمشاه السكان وجابوني مكانه
سأله مجدداً بإهتمام واضح على قسمات وجهه:
-والواحد ده اسمه ايه ؟
إزداد عبوس وجه جابر وهو يجيبه بنبرة منزعجة:
-معرفش
-برضوه!
إنزعج جابر من أسئلته الفضولية، وتسائل هو متبرماً
-بأقولك ايه يا فندي، إنت جاي لمين بالظبط ؟ وبتسأل كل الأسئلة دي ليه ؟

أخذ فارس نفساً مطولاً، وزفره على مهل وهو يجيبه بهدوء:
-كان ليا واحد صاحبي ساكن في المنطقة هنا، بس الظاهر إني غلطت في العنوان
أشار له جابر بيده، وهو يتابع بسخط:
-طب اتفضل يا بيه خليني أشوف شغلي
حدجه فارس بنظرات محتقنة، وسار مبتعداً عنه وهو يردد قائلاً
-بواب رزل!

ثم توقف بجوار إحدى اللوحات الإعلانية، وألقى بعقب سيجارته على الأرضية الإسمنتية، وداس عليها بقدمه، وأكمل بضيق:
-ما أنا كده ماوصلتش برضوه لحاجة عن أوس، داهية لا تكون هو اللي بيتكلم عنه البواب!
رمش بعينيه في توتر، وتابع متوجساً:
-ده ساعتها لوزة هتطلعهم عليا، ومش هاخلص!

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
أتقنت بطة لعب دورها بمهارة، ومارست خدعة حملها على زوجها الساذج عبد الحق بإجادة تامة، فأصبح أكثر تلهفاً وتحمساً على البقاء معها، وتلبية إحتياجاتها..
وعمدت للبقاء فترة أطول في غرفتها، وأهملت معظم الأعمال المنزلية، وإدعت الإرهاق الدائم والشعور بالغثيان والدوار المستمر.. فلازمت الفراش في غالبية الوقت
في حين زادت كراهية وسخط إحسان لها، فهي ترى بعينيها كم الدلال الذي يغدق ابنها به عليها، وهي متيقنة أن هناك غموض بمسألة حملها..

قررت أم بطة زيارة إبنتها لتبارك خبر حملها بحفيد المستقبل، ورغم شكوكها حول طبيعته، إلا أنها رسمت الفرحة العامرة على وجهها، وأطلقت الزغاريد وهي تدلف لداخل المنزل قائلة:
-لووولووولي.. ألف مبروووك يا ست إحسان
نظرت لها إحسان شزراً، وأجابتها ببرود:
-متشكرة
مطت أم بطة شفتيها في سخط، وحدثت نفسها بإستغراب:
-مالها الولية دي، هي مش فرحانة ولا إيه، وأنا مالي، المهم البت بطة.

تنحنحت هي بصوت مسموع، وأضافت بحماس:
-هاخش أشأر على بنتي يا ست إحسان، وربنا يقومها بالسلامة يا رب، وتملى البيت عيال يا قادر يا كريم
ردت عليها بوجه ممتعض وهي تلوي فمها:
-خشي، اهي متلأحة على السرير جوا!
لم تجبْ عليها أم بطة، بل إكتفت بالنظر إليها بضيق، ثم إستدارت في إتجاه غرفتها..

طرقت هي بيدها قبل أن تدلف للداخل، ثم هتفت بفرح:
-مبروووووك يا بت، والله وعرفتي تعمليها
إعتدلت بطة في نومتها، وصاحت بنبرة حماسية وهي تفتح ذراعيها:
-أمه..ازيك!
إحتضنتها والدتها بعاطفة أموية، وقبلت رأسها، فنظرت بطة لها بعتاب وهي تردف قائلة:
-كل ده عشان تجيلي!
مسحت أم بطة على وجه إبنتها، وجلست على طرف الفراش، وأجابتها بهدوء:
-مش عقبال ما فضيت وعرفت أجيلك.

هزت رأسها بخفة، وهي تتابع بإهتمام:
-ماشي يامه، أخبارك ايه ؟ واخواتي عاملين ايه ؟
تنهدت والدتها في إرهاق، وردت عليها بصوت هاديء ب:
-نحمده يا حبيبتي على كل حال، المهم إنتي قوليلي أخبار الحَبَل ( الحمل ) معاكي إيه ؟
تقوس فم بطة قليلاً وهي تجيبها بفتور:
-أهوو..

تفرست أم بطة في ملامح إبنتها، هي تعلم جيداً حقيقة الأمر، فإقتربت منها برأسها، وسألتها بخفوت:
-بت قوليلي، هو.. هو حصل إزاي وإنتي كنتي قيلالي إنه آآآ..
قاطعت بطة والدتها بخوف، ونظرت حولها بريبة، وهي تقول بصوت هامس بعد أن أمسكت بكفها:
-شششش يامه، مش انتي قولتي نكفي على الخبر ماجور ومانجبش سيرة!
أومأت والدتها برأسها وهي تجيبها بنبرة مهتمة:
-أيوه، بس اللي مستغرباه هو آآآ..

أخفضت بطة نبرة صوتها للغاية وهي تتابع قائلة:
-بصي يامه، كلام في سرك، أنا لا حبلى ولا دياوله، ده بس ملعوب عملاه على الولية العقربة اللي برا
شهقت أم بطة بصوت مرتفع وهي تلطم على صدرها:
-يا نصيبتي، إنتي اتجننتي! ازاي تعملي كده
همست بطة بتوتر شديد وهي تعاتب والدتها بنظراتها القلقة:
-شششش.. بس يامه، إنتي كده هاتفضحيني!

سبتها والدتها بحدة وهي تضيف قائلة:
-يخربيتك، إنتي ناوية تخربي بيتك بإيدك!
نفخت إبنتها في ضيق، وقالت بيأس:
-يووه يامه، يعني أنا غلطانة إني قولتلك
أشارت لها والدتها بإصبعها محذراة إياها ب:
-يا بت إنتي بتلعبي بالنار، وحماتك مش سهلة.

عقدت بطة ساعديها أمام صدرها، وأشاحت بوجهها للجانب، وأجابت بثقة:
-ملكيش دعوة يامه، أنا هأعرف أتصرف معاها كويس
وضعت أم بطة كف يدها على ذقن إبنتها، وأدارته في ناحيتها، وقالت بنبرة متوترة:
-أنا خايفة عليكي، كده إنتي لا هتطولي بلح الشام ولا عنب اليمن!
إبتسمت بطة لها، وقبلت كفها وهي تجيبها بصوت واثق:
-اطمني يامه، أنا عارفة هاعمل ايه
-ربنا يسترها بقى.

هنا دلفت إحسان إلى داخل الغرفة، وتفرست في وجه أم بطة الذي بدى مشدوداً ومتوتراً، فسألتها بفضول:
-مالك يا أم بطة ؟ وشك مقلوب كده ليه
ردت عليها بتلعثم واضح وهي تبتلع ريقها بتوتر:
-ه.. آآ.. م.. مافيش
ضيقت إحسان عينيها، ونظرت إلى الإثنتين بريبة، وإزداد عبوس وجهها وقتامته.. ثم هتفت بصوت جاد:
-أنا أعدة برا، أما تخلصي مع المحروسة ابقي تعاليلي
أجابتها أم بطة بصوتها المضطرب وهي تجاهد للحفاظ على هدوئها ب:
-من عينيا، هو.. هو إنتي أعدتك يتشبع منها يا ست إحسان.. ثم ضحكت بطريقة سخيفة وهي ترسم تلك الإبتسامة الزائفة على ثغرها..

في منزل تقى عوض الله
أرسلت إجلال في طلب الطبيب الذي تعرفه للكشف عن بنت جارتها المقربة ومتابعة حالتها.. ورغم ظروفها المادية العادية، إلا أنها لم تكنْ لتترك جارتها بمفردها دون أن تمد لها يد العون..
حمدت الله فردوس كثيراً أنه رزقها بمثل تلك الإنسانة.. والتي تكفلت بكل شيء حتى تعينها في مصيبتها..

طلب الطبيب من فردوس نقل إبنتها إلى مشفى عام، ولكنها رفضت، وأصرت على بقائها بالمنزل لتلقي العلاج.. فإضطر هو أسفاً أن يمتثل لرغبتها، وكتب لها وصفات طبية، وأوصى بتوفير الرعاية النفسية لها خاصة بعد معرفته بسبب إصابتها..
كانت تقى معظم الوقت غائبة عن الوعي.. مستسلمة لرغبتها في ترك الحياة.. في بعض الأحيان كانت تفتح عينيها للحظة، لتتأمل المكان، ويصيبها إرتجافة قوية، وتشهق في فزع، فصورة مغتصبها دائماً تتجسد أمامها..

لحظاتها المريرة معه لا يمكن أن تُمحى من ذاكرتها بين ليلة وضحاها..
فهو قد قضى على روحها بإفتراسه لبرائتها..
لم تشفع توسلاتها معه، ولم يغفر لها ذنبها.. فقط تلذذ بتحطيمها..
إزدادت إرتعاشة جسدها، وهي تتخيل إبتسامته الشيطانية التي تستفزها، فوضعت عفوياً يدها على فمها لتكتم شهقاتها المذعورة..

ولكن صدى ضحكاته الهيسترية يصيب أذنيها بالجنون، فتبكي لا إرادياً بأنين مختنق.. وهي تحاول سد أذنيها..
أغمضت تقى عينيها المذعورتين رغماً عنها، وحبست أنفاسها لعل روحها الذبيحة تسكن.. ولكن كيف يندمل جرحها وهو مازال ينزف..
لم تنتبه فردوس لتلك المسألة، فقد كانت تعتقد أنها غافية.. ونومها هو السبيل لشفائها..
في حين كان والدها عوض يتمدد على الأريكة المقابلة للفراش وينظر لها بإهتمام بين الحين والأخر..

ومع هذا لم ينتبه هو الأخر لحالة الرعب التي تنتابها..
فهو أيضاً مغلوب على أمره، يعاني من فقدان للذاكرة، وحالته الصحية شبه متردية..
أما ذكرياته معها فتتسلل تدريجياً إلى ذاكرته، هو يتذكر لمحات من الماضي تجمعهما سوياً، ولكنه لم يتعرف بشكل تام عليها.. ورغم هذا يشعر بعاطفة نحوها..

في مطار القاهرة الدولي
هاتف الطبيب مؤنس مهاب الجندي ليبلغه بما حدث مع إبنه، فإستقل الأخير أول طائرة عائدة لأرض الوطن ليراه..
صرخ مهاب بإنفعال في هاتفه المحمول وهو يخرج من بوابة المطار الرئيسية قائلاً:
-يعني أعرف من الغريب عن حالة إبني! إزاي ؟ كنتوا فين من ده كله ؟ أنا مش هاسكت عن اللي حصل، الكل هيتحاسب ومش هارحم حد، هي تكية عشان يجي شوية بلطجية يقتلوا ابني والكل واقف يتفرج، مش هاعديه الموضوع ده على خير، سامع مش هاعديه!
ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر أي رد من الطرف الأخر..

ركض السائق في إتجاهه حينما رأه يخرج من البوابة، وتناول عنه حقيبة سفره، فصاح فيه مهاب بصوت أمر:
-اطلع على المستشفى فورا
-تمام يا دكتور مهاب
كز مهاب على أسنانه في شراسة وهو ينطق بتوعد:
-قسماً بالله لأربيهم الكلاب اللي عملوا كده في ابني!

في فيلا عدي
توجهت الخادمة بحقائب السفر إلى الطابق العلوي بعد أن رحبت بالعروس الجديدة..
في حين تأملت ليان تلك الفيلا – من الداخل - والتي ستمكث فيها الفترة القادمة من حياتها..
كانت الردهة واسعة، وبها صالون مذهب قيّم قد تم وضعه قبل الزفاف بوقت قليل، وصالون أخر أصغر في الحجم.. وهناك غرفة معيشة على مقربة منه مزودة بالأرائك المريحة ذات اللونين الأسود والأحمر، ومعهم شاشة عرض كبيرة..

بالإضافة إلى المطبخ الواسع، وغرفة للخدم، ومرحاض خاص بالضيوف، وغرفة للمكتب..
أما الطابق العلوي فبه غرفة نوم رئيسية كبيرة، وأخرتان أقل في الحجم والأثاث..
وجميعهم قد تم فرشهم على أحدث طراز..
لم تنكر ليان أن ذوق عدي في إنتقاء كل شيء كان مميزاً، وخاصة التحف والأنتيكات واللوحات الفنية المعلقة على معظم جدران الفيلا.. ولكن هناك شيء ما ناقص في هذا المكان..

إنها الحياة والدفء والألفة..
تحلت بالشجاعة وهي تصعد إلى غرفتهما في الطابق العلوي.. فليس عليها أن تتذمر من حياتها معه..
فيكفيها سبابه اللاذع وإستفزازه الدائم لها إن فكرت أن تعارضه..
هي إرتضت به زوجاً، وعليها أن تصبر ريثما تجد المخرج للخلاص منه..
ألقت بجسدها المرهق على الفراش، ثم أمسكت بهاتفها المحمول، وهاتفت رفيقتها جايدا، وإنتظرت ردها..

تنهدت في تعب وهي تقول بخفوت:
-هاي جودي، وحشتيني.
-وإنتي كمان ليوو، ده العريس خدك مني خالص، ها قوليلي، إيه أخبار شهر العسل معاكي ؟ ولا إنتي خلاص نسيتني يا بنتي من أخر مكالمة
لوت فمها في إستنكار، وأغمضت عينيها بيأس ثم ردت بصوت شبه حزين:
-عادي مافيش جديد
استغربت جايدا من ردها الفاتر، فسألتها بإهتمام:
-هو.. هو إنتي وعدي مش متفاهمين ولا ايه ؟ أنا بصراحة مش فهمت منك اللي قولتيه أخر مرة!

أخذت ليان نفساً عميقاً وزفرته في إحباط، ثم تابعت بجمود:
-مش تاخدي على كلامي، أنا بس كانت وحشاني كايرو
مطت جايدا شفتيها للجانب، وردت عليها بنبرة عادية:
-مممم.. اوكي.. طيب هاشوفك امتى ؟

أجابتها بصوت جاد قائلة:
-قريب جودي، أنا بس أروح القصر عندنا، وأرتب معاكي ميعاد نتقال فيه
-تمام، وأنا هاستنى منك مكالمة
-Deal ( متفقين) يالا باي
ثم أنهت معها المكالمة، وتمددت على الفراش، وأمسكت بخصلات شعرها المموجة، ولفتها حول إصبعيها، وظلت محدقة بسقفية الغرفة وهي تفكر في طريقة للخلاص من تلك الزيجة بأقل الخسائر...

في منزل الجارة حكمت
وضعت رحمة أحمر الشفاه الصارخ على شفتيها، ثم فركتهما معاً، وإبتسمت لنفسها بغرور، وعبثت بشعرها المنساب على ظهرها، وأدارت جسدها للجانبين لتتأكد من تناسق فستانها مع تقاسيم جسدها..
ثم وضعت يديها على صدرها، ورفعته للأعلى قليلاً، وهزت كتفيها بتغنج، وحدثت نفسها قائلة بزهو:
-كده مالكيش حل يا ريري، هاتوقعي الرجالة تحت رجليكي.

أحضرت والدتها حكمت المبخرة، ووقفت على مقربة منها، وهتفت بحماس:
-رقيتك واسترقيتك يا بنت بطني من عين ولاد الحارة ال ***** اللي تندب فيها رصاصة
سعلت رحمة من كمية الدخان المنبعثة من المبخرة، ونظرت لوالدتها بضيق وقالت بصوت مختنق ومتحشرج:
-كح.. كح.. خلاص يامه، هاتخنق، كح.. آآ..

نظرت لها والدتها بإندهاش وهي ترفع حاجبها للأعلى، وقالت محتدة:
-الله مش بأرقيكي يا بت بدل ما العين تصيبك
تذمرت رحمة قائلة وهي تحرك يدها أمام وجهها:
-مش بالشكل ده
أسندت حكمت المبخرة على التسريحة، وتسائلت بجدية:
-خلاص.. ها، هتتأخري النهاردة ؟

أجابتها رحمة بتبرم وهي تعقد رباط حذائها ذي الكعب العالي:
-هو كل يوم السؤال ده، ما إنتي عارفة وقت ما بأخلص بأرجع على طول
اقتربت منها والدتها، ونظرت لها بتفحص وهي ترد عليها بتلهف:
-ما أنا عارفة، بس الناس ولاد ال **** اللي هنا آآآ..
قاطعتها بصوت صارم وهي تجذب حقيبة يدها الصغيرة وتضعها على كتفها:
-يولعوا كلهم، محدش فيهم يهمني في حاجة، وبعدين قريب يامه هانسيب المخروبة دي ونروح نعيش في حتة تانية هاي كيلاس.

رفعت حكمت يديها عالياً في الهواء، وهتفت متحمسة:
-يا رب ياختي، خلينا نأب على وش الدنيا
إلتوى فم رحمة بإبتسامة ماكرة وهي تجيبها قائلة:
-اصبري انتي بس، وأنا هاروق عليكي يامه!
إزدادت نبرة حكمت حماسة وهي تقول:
-ده يوم المنى يا بنت بطني!

لوحت لها رحمة بأطراف أصابعها وهي تتجه لباب المنزل قائلة بجدية:
-سلام بقى لأحسن اتأخرت، وانتي عارفة مستر بهججة مش بيحب التأخير!
-روحي يا بنتي، وأنا بأدعيلك
تقوس فمها وهي تجيبها بلكنة أجنبية غير صحيحة قائلة:
-تيشاو ( مع السلامة )

نزلت رحمة على الدرج بخيلاء، وسلطت أنظارها على حقيبة يدها لتخرج هاتفها المحمول، فلم تنتبه إلى منسي الذي كان صاعداً في إتجاهها، فإصطدمت به دون قصد.. ورفعت رأسها لتنظر إليه وهي تقول بإيجاز:
-سوري
نظرت لها بتمعن متفحصاً جسدها ومفاتنه من رأسها حتى أخمص قدميها وهو يقول بسخرية:
-إيش.. إيش إيش، ايه يا بت الحلاوة دي كلها
رمقته بنظرات مصدومة لرؤيته إياه أمامها، وردت بنزق:
-منسي! خير.

سألها بفضول وهو مسلط أنظاره على مفاتنها المثيرة:
-على فين العزم
أجابته بإقتضاب وهي تنفخ في إنزعاج:
-على الشغل طبعاً
رد عليها بنبرة شبه مهينة وهو يشير بيده، وممرر عينيه عليها:
-ما أنا عارف انه الشغل، بس انتي النعمة ماشاء الله بانت عليكي اليومين دول، مع إنك شغالة آآ..
قاطعته قائلة بنبرة حادة بعد أن عبس وجهها من طريقته الفظة في الحوار معها:
-إنت هتأر عليا ولا إيه ؟

أجابها ببرود وهو يحك طرف ذقنه:
-لا يا حلوة، بس مستغربك
عقدت ساعديها أمام صدرها، وردت بفتور:
-عادي، مافيش حاجة غريبة في الزمن ده!
أجابها منسي ببرود:
-على رأيك
سألته هي بإهتمام وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-على كده انت طالع هنا لمين ؟ مش معقول ليا!

رد عليها بجدية وهو محدق بعينيها:
-لأ.. للبت تقى
نفخت في ضيق، وأرخت ساعديها فور سماعها لإسم تلك الفتاة، ثم أشاحت بوجهها للجانب وهي تقول بغيظ:
-أها، قولتلي بقى!
لاحظ هو التغيير البادي على وجهها، فإبتسم لنفسه بتباهي، وقال بغرور:
-البت بعافية وأنا بشأر عليها من وقت للتاني، ما إنتي عارفة امها وظروف بيتهم!
ربتت على صدره بكفها، وهي تردف بتهكم:
-وماله يا حنين.

اقترب هو منها حتى إلتصق صدره بجسدها، وقال بهمس وهو يغمز لها:
-عاوز أشوفك يا قطة
أبعدت جسده عنها بيدها، ونظرت له من زاوية عينها بكبرياء، ومن ثم ردت عليه بعدم إكتراث:
-أما أشوف
ثم دفعته قليلاً من كتفه، ونزلت هبوطاً على الدرج..
فتابعها منسي بنظراته الوقحة، وتحسس صدره، واخرج تنهيدة حارة، وحدث نفسه قائلاً:
-هانروح من بعض فين، ما إنتي الحتة الطرية يا.. يا مزة..!

في مشفى الجندي الخاص
إنقلب المشفى رأساً على عقب فور إعلان خبر عودة مهاب الجندي من الخارج، وأصبح الجميع في حالة إستنفار تام..
ترجل هو من سيارته الخاصة، وسار بخطواته السريعة في إتجاه المدخل الرئيسي..
كان وجهه قاتماً، ومتشنجاً للغاية..

أفسح الأمن له المجال ليمر بعد أن أدوا له التحية، وأسرع كبير الأطباء نحوه وهو يهتف بصوت عالي:
-دكتور مهاب، حمدلله على سلا..آآآ...
قاطعه مهاب بلهجة صارمة وحادة وهو يشير بيده:
-ابني أوس فين ؟
أشار بعينيه للأعلى وهو يجيبه بتلهف:
-فوق يا دكتور، في العناية المركزة.

صاح مهاب بصوت هادر وهو يتجه صوب المصعد قائلاً:
-أنا مش هاسيب اللي حصل ده يعدي من غير ما أدفعكم التمن، مش إبن مهاب الجندي اللي يتعمل معاه كده، لأ وفي المستشفى بتاعي، الكل هيتحاسب!
رد عليه كبير الأطباء بصوت شبه مرتبك ب:
-يا دكتور إحنا اتفاجئنا بالبلطجية دول
سأله بإستنكار صريح وهو يرمقه بنظراته الساخطة:
-كان فين الأمن ؟ وفين الممرضين والدكاترة، ولا هي المستشفى هنا سايبة لكل من هب ودب يدخل يعمل اللي عاوزه فيها ؟
رد عليه بتلعثم وهو يحاول أن يبدو هادئاً أمامه:
-هو بس آآآ..

قاطعه بنبرة محتدة وهو يدلف إلى داخل المصعد:
-ومين سمحلهم أصلاً يدخلوا ؟ عاوز أعرف الكلب اللي ساب ابني معاهم!
ابتلع كبير الأطباء ريقه بتوتر، وأجابه بصوت متقطع:
-آآآ.. دي.. دي موظفة الاستقبال
هتف مهاب بصوت صارخ وهو يشير بإصبعه مهدداً:
-تترفد فوراً، بس بعد ما يتعملها قضية.

أومأ برأسه موافقاً وهو يتابعه بنظراته القلقة بعد أن لحق به، ثم أجابه ب:
-ح.. حاضر، أنا هاتصرف
ضغط مهاب الجندي على زر غلق المصعد، وكور قبضته في حنق، وظل يتمتم بتوعد قائلاً:
-مش هاسيب اللي عمل فيك كده يا أوس يفلت، قسماً بالله لأدفنهم بالحيا...!

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني الفصول 21-30 للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي والعشرون

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
تعمدت بطة أن تتمايل بجسدها وهي تنظف الأرضية الخشبية القديمة بقطعة القماش البالية أو ما يطلق عليها مجازا الخرقة أمام زوجها عبد الحق لتثير غرائزه، وبالفعل نجحت في هذا، فقد إرتفعت درجة إثارته، وظل ينظر لها برغبة وإشتهاء وهو يتحسس صدره قائلاً بهمس:
-تتاكلي أكل يا بنت الأيه!

تابعتهما والدته إحسان بنظراتها الساخطة، ولوت فمها في إمتعاض، ثم أردفت بصوت شبه حاد:
-نضفي يا بت عدل، بلاش مياصة وقلة أدب
توقفت بطة عما تفعل، وإعتدلت في وقفتها، ورمقتها بنظرات محتجة وهي تهتف بإعتراض:
-ما أنا طالع عيني أهوو، مش أعدة بألعب
غمغمت إحسان بخفوت وهي تحدجها بنظراته الإحتقارية قائلة:
-الوسخ هايفضل طول عمره وسخ مهما نضف!

حدجها عبد الحق بنظرات إستنكار وهو يعاتبها ب:
-إيه يامه الكلام ده، ماهو البت مش بتقولك لأ أبداً، وبتعمل اللي بتؤمريها به
رمقته بنظرات جادة وهي ترد بصرامة عليه:
-هي تقدر تقولي لأ، ده أقطم رقبتها!
زم فمه في تأفف، وحدث نفسه بسخط قائلاً:
-أعوذو بالله، هو اللي يقول الحق في الزمن ده يكفر!

تمتمت بطة هي الأخرى مع نفسها بكلمات غاضبة وهي تزيح المياه بالخرقة وتضعها في الدلو ب:
-ولية حيزبون عقربة عاوزة الحرق، إن ما طلعتهم على عينك مابقاش أنا بطة
وضعت بطة خطة محكمة – من وجهة نظرها – لرد إعتبارها من تلك المرأة البغيضة، والإنتقام منها دون الحاجة للإشتباك معها..
وستنتظر الفرصة المناسبة للبدء في تنفيذها..

نهضت إحسان من على الأريكة، وتوجهت نحو المطبخ، فتابعها عبد الحق بنظرات فرحة، ثم بخطوات محسوبة نهض هو الأخر من مكانه، وتوجه نحو زوجته..
بدأ هو في مداعبتها بكلمات شبه معسولة وهو يتلمس ظهرها هامساً ب:
-يا قايدة في قلبي النار وآآ..
قاطعته بدلال وهي تزيح يدها:
-لأ أوعى، مش عاوزاك تلمسني!
لف ذراعيه حول خصرها، وضمها قليلاً إليه وهو ينظر لها بشوق، وإبتسم لها قائلاً:
-ليه بس يا مزة ؟

تلوت بجسدها في أحضانه، وهي تعاتبه بصوت رقيق:
-يعني مش شايف أمك وعمايلها!
تلاشت إبتسامته وهو يرد عليها بإحباط:
-هاعملها ايه، هو طبعها كده!
لوت شفتيها في إمتعاض وهي تحدث نفسها ب:
-طبع ابن ***

تأملها عبد الحق بنظرات جريئة متفحصة لمفاتنها، وأردف بنبرة عابثة:
-بس إيه الحلاوة دي، إنتي دورتي وألوظتي وآآ..
عبست بطة بملامحها، وضيقت عينيها وهي تشيح بوجهها للجانب، وقالت بصوت ممتعض:
-ابعد يا عبده، ريحتك مضيقاني
مال زوجها برأسه عليها محاولاً إختطاف قبلة من شفتيها، وهو يهتف بتفاخر:
-يا بت ده أنا مستحمي أول امبارح.

نظرت له بإستهزاء وهي ترد عليه بسخرية:
-يا سلام
اقترب مجدداً من رأسها، وحاول تقبيلها وهو يهمس بتلهف:
-ما تجيبي بوسة قبل ما أمي تطب علينا وتعملنا أماثل
نظرت له بحدة بعد أن رفعت حاجبها للأعلى في إستنكار، وأجابته بتذمر:
-الله!هو إحنا مش متجوزين يا عبده ؟!
لوى فمه في ضيق، وأردف متبرماً ب:
-أه.. بس إنتي عارفة آآآ..

قاطعته بجدية شديدة وهي تجاهد للتخلص من ذراعيه بعد أن تعمدت أن تتشنج بقسمات وجهها، وهي تهتف بتأفف:
-طب ابعد بقى لأحسن مش قادرة!
لم يفلتها عبد الحق، بل قربها أكثر إليه وهو يجيبها بإصرار:
-يا بت بأقولك وربنا مستحمي بالصابونة أم الريحة
عبست بوجهها، وقطبت جبينها وهي تحدثه بضجر:
-يووووه يا عبده، بأقولك بطني قالبة عليا وهارجّع!
أرخى ذراعيه عنها، ونظر لها بإستغراب ورد عليها وهو فاغر فمه:
-هاه.

ثم وضعت يدها على فمها، وأمسكت بمعدتها، وركضت في إتجاه المرحاض، وأغلقت الباب خلفها، وظلت تصدر أصواتاً غريبة من الداخل..
لحق بها عبد الحق ووقف أمام الباب ودق عليه بخفة وهو يسألها بتوجس:
-مالك يا بت ؟ في إيه ؟
طرق مجدداً على الباب وإنتظر أن تجيبه زوجته، ولكنه ظل يستمع إلى أصواتٍ غريبة، فرفع حاجبيه للأعلى في إندهاش، وتسائل بفضول:
-مالها دي ؟!

في مشفى الجندي الخاص
طرق كبير الأطباء بالمشفى بأصابعه على سطح المكتب، وأسند طرف ذقنه على مرفقه، وظل يفكر في حيرة في التقرير الطبي الخاص بالمريضة تقى..
ابتلع ريقه وهو يطالع ما تم تدوينه في الفحص الأولي الخاص بحالتها..
نفخ في إنزعاج بعد أن أسند التقرير، وحدث نفسه بإضطراب:
-ما هو اللي حصلها ده جريمة بكل المقاييس، ده هتك عرض ونزيف مهبلي، ده غير الكدمات والرضوض اللي في جسمها كله، وأثار خربشات وجروح على ايديها يعني إغتصاب وش، أنا مش فاهم هو مش عاوز يبلغ البوليس ليه! ده في لحظة الدنيا هاتتقلب عشانه وهايجيبوا الكلب اللي عمل فيها كده!

أرجع ظهره للخلف، وزفر مجدداً في ضيق، وتابع بحيرة:
-يكونش خايف من الفضيحة، بس أوس الجندي مش بيفرق معاه الفضايح ولا غيره، الموضوع ده فيه حاجة غامضة.. أحسن حاجة أعملها عشان أحمي نفسي أبلغ د. مهاب وهو يتصرف، لأن أوس مش في وعيه ومش هايقدر يفيدني حالياً!

في مقر الجمعية الخيرية
مدت هياتم يدها بمظروف مغلق إلى المساعدة الواقفة أمامها وهي تردف بجدية:
-دول الدعاوي الخاصة بالحفلة
تناولتها تلك الشابة الصغيرة منها وهي تجيبها بصوت رقيق:
-تمام يا مدام هياتم
تابعت هياتم بجدية وهي تشير بإصبعها:
-وزعيهم على كل المدعوين اللي عملت معاكي قايمة باساميهم!

هزت رأسها موافقة وهي تردف بخفوت:
-حاضر
أضافت بصوت متحمس وهي تشير بيدها للخلف:
-كمان أنا عاوزاكي تأكدي على مهندس الديكور إن الحفلة هتكون في ( Open area ) اللي برا، فلازم يتصرف على الأساس ده
ردت عليها بصوت هاديء قائلة:
-إحنا عندنا إجتماع معاه أخر النهار
أومأت برأسها بخفة، وأمسكت بحقيبة يدها وعلقتها على كتفها وهي تتابع بصوت جاد:
-أوكي.. ولو في أي حاجة بلغيني وأنا هاشوف هاعمل ايه.

-اوكي
تحركت هياتم في إتجاه باب الغرفة، ثم إستدارت بظهرها لتحدثها قائلة:
-أه، وماتنسيش تأكدي على مديرين دار الأيتام والمسنين على الحضور ومعاهم الحالات الإنسانية اللي جمعيتنا أشرفت عليهم، دول تجربة حية لإنجازاتنا
سارت المساعدة الشابة إلى جوارها، وهي تجيبها بإبتسامة رقيقة:
-أكيد طبعاً
-تمام، مش هأخرك أكتر من كده، على تليفونات، باي..!

في مشفى الجندي الخاص
دلف أوس إلى المرحاض الملحق بغرفة العناية المركزة الراقدة بها تقى ليغسل وجهه، ويبدل قميصه..
تأمل هيئته في المرآة، ودقق النظر في أثار خدوشها على عنقه.. ثم إلتفت برأسه ناحية الباب، وتنهد في ضيق..
شعر بغصة في حلقة وهو يراها ساكنة تماماً، لا يصدر منها أي صوت سوى ذلك الصفير المتقطع و المنتظم لجهاز قياس ضربات القلب..
أغمض عينيه ليقاوم تلك الذكريات التي إجتاحت عقله وهو يعتدي عليها محاولاً إثبات رجولته الحقيقية أمام ضعفها المغري..

شعوره بالعجز الآن حيال حالتها الصحية مقارب إلى حد كبير من شعوره بالضعف حينما تعرض له منذ سنوات ذاك الذي يبغضه حد الموت..
نفخ في إنزعاج، وسلط أنظاره على صورته المنعكسة، ثم ضيق عينيه لتصبح حادتين كالصقر، وبدأت تصيبه تشنجات عصبية وهو يصر على أسنانه حينما رأى تلك الضحكة الشيطانية لخيال ممدوح تبرز على المرآة..
فضرب بقبضته المرآة ليمحو صورته وهو يصرخ بهياج:
-إبعد عن حياتي! إبعد!

تحطم زجاجها على إثر قبضته العنيفة، وجُرحت يده جرحاً بالغاً ولكنه لم يهتم، بل ركض إلى خارج المرحاض، وإتجه إلى فراش تقى، ثم أمسك بها من ذراعيها، وهزها بقوة وهو يتابع بصراخ:
-فوقي يا تقي، قومي من هنا، ماتبقيش زيي، فين مقاومتك ليا ؟ فين وعدك بإنك مش هاتخليني أقرب منك، قومي.. ردي عليا وقومي!
ظل يحركها بعنف وهو يصرخ بها حتى إنتزع عنها الإبرة الطبية المغروزة في كفها، وكذلك الجهاز المثبت في سبابتها لقياس نبضاتها، فتوقف جهاز قياس ضربات القلب عن العمل وأطلق صافرة طويلة..

تابع قائلاً بصوت هادر وعينيه تلمعان من حمرة الغضب:
-فين تهديداتك ليا، قوليلي فين ؟ ساكتة ليه الوقتي ؟
هزها مجدداً بعنف أشد وهو يصرخ:
-فين تحذيراتك من إني ما أقربش منك ولا ألمسك حتى، طب أديني ماسكك يا تقى، ماسكك وبلمسك أهوو
ثم رفعها إليه وضمها بقوة إلى صدره، وأحكم قبضتيه عليها، وأضاف بجموح:
- ها، قوليلي هاتعملي ايه وإنتي في حضني ؟ ردي، ماتسكوتيش كده، ردي عليا.. قوووومي وكلميني، دافعي عن نفسك!

ثم أسندها بذراع واحد، وباليد الأخر أمسك بكفها، ووضعه على وجنته، وصاح بها:
- اضربيني يالا زي ما كنتي بتعملي، خربشيني بإيدك!
لم يدرك أوس أنه كان يبكي بلا وعي وهو يصرخ بها.. لم يشعر بنفسه وهو ينهار دامعاً أمامها..
لكن بماذا يفيده هذا الآن، وهي لا تعي ما يحدث..
أطبق على فكها بكفه، وظل يحركه بعصبية وهو يهتف بإحتياج:
-افتحي بؤك وصرخي يا تقي، صوتي، خليني أسمع صوتك!

لطخت دماء الجرح الموجود بكفه وجهها فإزداد ذعره عليها، وخفق قلبه بشدة، ولم ينتبه أنها منه..
وعلى إثر ذلك الصوت الهادر، وتوقف جهاز قياس نبضات القلب عن العمل إندفعت إلى داخل الغرفة ممرضة ما لترى ما الذي حدث، فرأت حالة الإهتياج العصبي لأوس، فإتجهت نحوه، وحاولت تحرير تقى الغائبة عن الوعي من قبضتيه، وهي تتوسل له بصوت قلق:
-يا باشا مش ينفع اللي حضرتك بتعمله، سيبها.

ولكنه دفعها بقسوة للخلف وهو يصرخ فيها بشراسة:
-اطلعي برا، برا، محدش يجي هنا
إرتد جسدها وفقدت إتزانها، وسقطت على الأرضية الصلبة.. وتأوهت ب:
-آآآآه..
رمقته الممرضة بنظرات مرتعدة بعد أن رأت عينيه الحمراوتين وهما تفتكان بها من نظراته المرعبة، فتوجست خيفة من الإقتراب منه، وإستندت بكفي يدها لتنهض، ثم ركضت خارج الغرفة من أجل طلب العون...

في مكتب المحامي أمجد سعفان
دلف حارس الأمن الأسبق أحمد إلى داخل بهو ذلك المكتب الفخم وهو مشدوه بما حوله من موظفين على مستوى عالٍ..
هو قابل أثرياء من قبل، ولكن لم تطأ قدماه مثل تلك الأماكن..
تردد وهو يتجه إلى المكتب الموضوع في الإستقبال، ولكنه حسم أمره بالإستمرار في التحرك
وقف أمام الموظفة التي إبتسمت له وهي تسأله بهدوء:
-أؤمر يا فندم ؟

إبتلع ريقه ونظر لها بتوتر وهو يجيبها بصوت متقطع:
-أنا.. أنا كان عندي ميعاد مع.. مع الأستاذ سعفان
تابعت هي بنبرة هادئة وهي تعبث بأزرار لوحة المفاتيح:
-الإسم من فضلك ؟
رد عليها بإيجاز وهو يحاول إختلاس النظر إلى ما تفعله:
-أحمد محروس
أومأت برأسها إيجابياً، ثم هتفت بنبرة رسمية:
-أيوه يا فندم.. لحظة.

ثم إستدارت برأسها للجانب، وأشارت لأحد السعاة بإصبعها، فسار نحوها، فتابعت بهدوء:
-ودي الأستاذ أحمد عند سكرتارية أمجد بيه، هو عنده ميعاد معاه
اقترب الساعي منها وهو يجيب بجدية:
-حاضر يا أستاذة، اتفضل يا أستاذ معايا
رد عليه أحمد بإختصار وهو يتبعه:
-ماشي.

خطى أحمد عبر الرواق الواسع ليصعد على عدة درجات رخامية، ثم إستدار يساراً ليمر عبر عدة مكاتب فرعية، ومن ثم توقف خلف الساعي الذي صاح بجدية:
-الأستاذ أحمد محروس عنده ميعاد مع أمجد بيه
نظرت له السكرتيرة بنظرات متفحصة قبل أن تجيبه بنبرة رسمية:
-خليه يتفضل، وأنا هابلغ الأستاذ أمجد
إلتفت الساعي برأسه، وأفسح له المجال ليمر وهو يتابع ب:
-خش يا أوستاذ
-متكشر.

قالها أحمد وهو يلج إلى داخل المكتب.. نظر إلى السكرتيرة بنظرات حائرة فأشارت له بيدها ليجلس على الأريكة، ففعل هذا..
وأخفض رأسه للأسفل، وظل محدقاً بحذائه القديم وهو عاقد لكفيه معاً..
أردفت السكرتيرة بصوت هاديء وهي ممسكة ببعض الملفات ب:
-لحظة وهايكون أمجد بيه معاك
رد عليها سريعاً وهو يرسم إبتسامة زائفة على ثغره:
-براحته يا مدام

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
ولجت بطة خارج المرحاض وهي تمسح بكفها فمها المبتل، وظلت تطلق أنيناً متقطعاً..
نظر لها زوجها بريبة، وتسائل بخوف:
-مالك يا بت ؟
أجابته بصوت خافت وهي مطرقة الرأس:
-تعبانة.. آآآه
وضع يده حول كتفها، وتحرك معها في إتجاه الصالة وهو يتابع بتوجس:
-ما إنتي كنتي كويسة من شوية! إيه اللي حصل بس.

ردت عليه قائلة بصوت ضعيف وهي تتعمد أن تتهادى في خطواتها:
-لأ أنا بقالي يومين كده جسمي همدان، بس النهاردة التعب زاد عليا
سألها بحيرة وهو يجلسها على الأريكة القديمة والعريضة الموضوعة في زاوية الصالة:
-تكونيش كلتي حاجة آآ..
قاطعته بنبرة حاسمة وهي تلوي فمها في تقزز:
-لألألألأ، أنا ماليش نفس للأكل، ده أنا حاسة إن نفسي غامة عليا
ولجت إحسان من المطبخ وهي تلوك قطعة من الخيار في فمها، وتسائلت بسخط وهي ترمقها بنظراتها المهينة:
-مالك يا بت عامة غارة وهوليلة ليه ؟

أجابها عبد الحق بصوت متلهف وهو يربت على ظهر زوجته:
-اسكتي يامه ده بطة تعبانة على الأخر
لوت شفتيها أكثر في عدم إقتناع، ورفعت حاجبها للأعلى وهي ترد ببرود:
-د محن بنات ياخويا
إغتاظ عبد الحق من أسلوب والدته الفظ مع زوجته وعدم تقديرها لحالتها الصحية، فصاح محتجاً
-محن إيه وكهن مين، بأقولك تعبانة، إنتي مش شايفة شكلها
نظرت لها شزراً وهي تسألها بإيجاز أثناء إقترابها منها:
-خير ؟

تأوهت بطة بصوت مكتوم وهي ترجع رأسها للخلف بعد أن أغمضت عينيها، ثم قالت بخفوت وهي تلوح بيدها:
-آآآآه.. نفسي غامة عليا، وعندي دوخة، ومش طايقة ريحة حاجة!
إتسعت مقلتي إحسان في صدمة، وفغرت فمها بذهول وهي تنطق ب:
-هاه، بتقولي ايه ياختي ؟
جلس عبد الحق إلى جوارها، وأمسك بكفها بين راحتيه، وربت عليه، وسألها بنبرة خائفة:
-طب أجيبلك إيه من الأجزخانة ( الصيدلية ) ؟

-مش عاوزة.. آآ.. آآآآآ.. بؤ.. ؤ..!
لم تكمل بطة جملتها حيث ركضت مسرعة في إتجاه المرحاض ويدها على فمها لتغلق الباب خلفها وتصدر تلك الأصوات الغريبة
تابعها كلاً من عبد الحق ووالدته وحالة الذهول والصدمة مسيطرة عليهما..
ابتلع عبد الحق ريقه، وحك رأسه في عدم فهم، وهو يقول:
-استرها يا ستار
نظرت له إحسان بنظرات مهينة، وحدثت نفسها بقلق ب:
-لأحسن يكون اللي في بالي حصل، طب.. طب إزاي ؟ وأنا.. آآ.. لأ مش ممكن!

إعتدلت بطة في وقفتها أمام الحوض بداخل المرحاض بعد أن أغلقت الصنبور، وتمطعت بذراعيها، ثم بللت وجنتيها وكذلك فمها، وإرتسم على ثغرها إبتسامة ماكرة وهي تنظر بلؤم إلى نفسها في المرآة..
حدثت نفسها بخبث قائلة:
-وبكده بدأت لعبتي معاكي يا أم أربعة وأربعين...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني والعشرون

في مشفى الجندي الخاص
إندفع عدد من الممرضين إلى داخل غرفة العناية الخاصة بعد أن أبلغت الممرضة عن حالة الهياج العصبي التي إنتابت أوس..
حاول أحدهم الإمساك به من كتفه، فدفعه أوس بعنف إلى الخلف وهو يصدح بصراخ مرتفع:
-اطلع برا يا كلب
حاول ممرض أخر الإمساك به، وهو يتوسل له قائلاً:
-يا باشا ماينفعش اللي بتعمله ده!

لكمه أوس في فكه وهو ينهره بصراخ حاد:
-إنت هاتقولي أعمل، امشي يا حيوان من هنا!
تدخل طبيب ما في الحوار، وأردف قائلاً بحذر وهو يشير بيده لثلاثة ممرضين حضروا معه للإمساك بأوس:
-سامحنا يا باشا، مش هاينفع اللي بيحصل هنا
حدجه أوس بنظرات شرسة وهو يهدر عالياً ب:
-محدش ليه دعوة، أنا هنا أعمل اللي عاوزه.

تابع الطبيب بجدية قائلاً:
-كده خطر عليها
عاود أوس النظر إلى تقى الغائبة عن الوعي، وصاح بصوت متشنج وهو يهز جسدها الهزيل ب:
-شايفة يا تقى عاوزين يبعدوكي عني، بس مش هايحصل، مش هايحصل
ضم هو تقى إلى صدره، وحاول أن ينهض بها عن الفراش، فأحاط به الممرضون، وحاول إثنين منهم تحرير تقى من بين ذراعيه، وثلاثة أخرون الإمساك به والسيطرة عليه..

إهتاج أوس أكثر بعد أن نجح الممرضَين في إنتزاع تقى منه حضنه، وبدأ يلكم كل من يقترب منه..
قفز ممرض ضخم الجثة على أوس ليطرحه أرضاً، ثم جثى عليه، وثبته ممرض أخر من ذراعه، في حين أمسك ثالث به من قدميه، ولكن أفلت هو ساقه وركله في وجهه، فإرتد ذاك الممرض للخلف، وسقط على وجهه..

إنضم ممرض رابع إليهم وأمسك بذراع أوس الأخر بعد أن ألقى يثقل جسده عليه، في حين اقترب الطبيب منه ومعه إبرة طبية مهدئة، وأردف بصوت شبه مرتعد وهو ينظر بقلق له:
-أنا أسف يا باشا، بس.. بس ده أحسنلك وأحسنلها
صر هو على أسنانه وهو يهدر بعنف محدجاً إياهم بنظرات مشتعلة:
-هاموتكم كلكم، قسما بالله ما هارحمكم، مش هاسيبكم بعد اللي عملتوه، مش هاسيبكم!

كافح أوس لتخليص نفسه من أيديهم، وظل ينتفض لأكثر من مرة بقوة مفرطة، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة، وأصبح مقيداً تماماً منهم..
تمكن أحد الممرضين من إبراز ساعده ليغرز الطبيب الإبرة الطبية فيه، وهو يتابع بحيطة:
-إرتاح يا باشا، وكل حاجة هاتتصلح
أمسك أوس بياقة الطبيب، وجذبه نحو رأسه وحدجه بتلك النظرات المميتة التي جعلت الطبيب يرتجف وينظر له بهلع..

ثم قبض على عنقه، وخنقه، وهو يصر على أسنانه صارخاً بشراسة:
-هاموتك، هاقتلك بإيدي دول
خدشه أوس في عنقه، فتأوه الطبيب من الآلم، وكاد أن يختنق وحاول أن يخلص نفسه منه.. وإجتهد ممرض في مساعدته، وما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى إرتخى جسده تماماً ليتمكن الطبيب من تحرير عنقه، ويتراجع للخلف وهو يسعل...

إلتقط أنفاسه وأردف بصوت متحشرج:
-كح..كح.. ده أنا كنت هاموت تحت ايده!
نهض الممرضون الأربعة من على أوس، ومن ثم حملوه بحذر إلى خارج الغرفة..

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
خرجت بطة من المرحاض وهي تتعمد الإمساك برأسها وبمعدتها، وظلت تتأوه بصوت خافت قائلة:
-آآآآه.. مش قادرة، تعبانة!
أسرع زوجها بإسنادها، وهتف بقلق:
-مالك بس ؟ ما.. ما إنتي كنتي زي الفل
-مش عارفة، بس أديلي على الحال ده بقالي كام يوم.

عبست إحسان بوجهها أكثر، وسألتها بلا حرج ب:
-انتي.. انتي جاتلك الدورة يا بت
نظرت لها بطة بنصف عين وهي تدعي الإرهاق:
-مش فاكرة
نظرت إليها إحسان بإحتقار وهي تسألها بفظاظة:
-يعني ايه مش فاكرة، يا جاتلك الدورة يا مجتلكيش!
وزع عبد الحق نظراته بينهما، وحك رأسه في حيرة، ثم حدق في والدته، وسألها مستفهماً:
-إنتي بتسأليها ليه يامه ؟

أجابته والدته بتهكم والدته وهي تلوي فمها بإمتعاض:
-مش يمكن تكون المحروسة حبلى ( حامل )
إتسعت حدقتيه في صدمة، ونظر إلى بطة، وصرخ مذهولاً:
-إيييييييه، حبلى!
إدعت بطة الإندهاش، وتحسست بطنها برقة، وفغرت شفتيها بذهول زائف وهي تقول:
-أنا.. أنا حبلى!

ردت عليها ببرود وهي ترمقها بنظراتها المستهزأة:
-أنا بأقول يمكن، احنا لازم نسأل حد فاهم
إنتفض عبد الحق من على الأريكة، وهتف بحماس:
-أجيبلها ضاكتور يامه
ردت عليه بنبرة مهينة، وهي تحدجه بتلك النظرات الحادة:
-ضاكتور مين يا روح أمك، هي الولية أم نجاح هي اللي هاتيجي تكشف عليها وتفيدنا.

ركض سريعاً في إتجاه باب المنزل وهو يهتف بتلهف جلي:
-أنا رايح أناديلها يامه!
ظلت مسلطة عينيها على بطة وهي تجيبه بصوت قاتم:
-بسرعة يا واد، خلينا نشوف السِت!
نظرت لها بطة شزراً، وأغمضت عينيها مدعية الإنهاك، وحدثت نفسها بتبرم قائلة:
-وماله!

في أحد الملاهي الليلية الحديثة
ولجت رحمة لداخل ذلك الملهى الجديد وقلبها بخفق بشدة.. هي أول مرة تطأ فيها قدماها هذه النوعية من الأماكن.. ولكنه الطريق الأسرع للشهرة من وجهة نظرها.. فقد سأمت من تلك ال كليبات الهابطة التي تظهر فيها ك موديل إغراء مقابل مبالغ مالية زهيدة..
أرادت أن تجني المال بأسهل وأسرع الطرق، فلم تجد إلا هذا الطريق الوعر..
وما الذي لديها لتخسره، فهي عاشقة متيمة للمال..

نظرت بإنبهار إلى المكان، ومطت شفتيها في إعجاب وهي ترى تصاميم الجدران وما عليها من ديكورات ولوحات فاخرة.. بالإضافة إلى الإضاءة البراقة..
كان كل شيء شبه هاديء، فموعد فتح الملهى بعد عدة ساعات، والجميع شبه مشغول بترتيب المكان وتجهيزه لإستقبال رواده المميزين من أصحاب السلطة والمال..
أوقفها أحد الأشخاص من ذوي الأجسام الضخمة سائلاً إياها بغلظة:
-عاوزة حاجة ؟

نظرت إليه بتوتر متفحصة عضلاته القوية، وإبتلعت ريقها في حلقها الجاف، وأجابته بتردد:
-أنا.. أنا.. كنت جاية ل.. آآ.. آآآ..
نظر لها بقوة وهو يسألها بنفاذ صبر:
-لإيه، إنجزي!
تنحنحت بحرج وهي تجيبه قائلة:
-أنا عاوزة أقابل ب..آآ.. قصدي الأستاذ بهججة!
رد عليها بجدية وهو يتفحصها بتمهل من رأسها لأخمص قدميها:
-بهججة بيه.

شعرت رحمة بالحرج من نظراته المسلطة عليه، وأجابته بإيجاز وهي توميء برأسها:
-أها
سألها مجدداً مستجوباً إياها ب:
-هو اللي جايبك ؟
هزت رأسها موافقة وهي ترد بصوت ناعم:
-أيوه، هو مش بالظبط جايبني، بس في حد مكلمه عني
-اسمك إيه؟
-أنا رحمة
مط فمه للأمام وهو يتابع بنبرة رسمية:
-ممممم، طب تعالي ورايا على مكتبه!
-ماشي
ثم تبعته، وسارت خلفه عبر رواق جانبي، ومن ثم إلى الدرج..
كانت ترفع رأسها بين الحين والأخر لتنظر إليه..

كان حقاً ضخم الجثمان، فاره الطول، حليق الرأس والذقن، عضلات ذراعيه تبرز من بدلته السوداء..
أوصلها ذاك الرجل الذي لم تعرف إسمه بعد إلى مكتب في الطابق العلوي، حوائطه الخارجية مطلية باللون الأرجواني الداكن، ومعلق عليه صور مجسمة لراقصات ومطربين معروفين..
نظرت بإنبهار إلى تلك الصور، وتخيلت صورتها موضوعة بينهم..
فإرتسمت إبتسامة واسعة على شفتيها..

أشار لها الرجل الضخم لكي تدلف إلى الداخل بعد أن تنحى جانباً أمام الباب.. وهو يتابعها بعينيه الحادتين:
-خشي، هو هيقابلك جوا
أطرقت رأسها وهي تمر من جواره، وإبتسمت له ممتنة..
فركت يديها في توتر بعد أن وقفت بمفردها في المكان..
حبست أنفاسها وهي تجوب بعينيها تلك الغرفة الواسعة التي كانت لا تختلف في تصميمها عن تصميم المكان بالأسفل بالإضافة إلى وجود حائطين زجاجين يطلان على الصالة والمسرح الداخلي للملهى..

أعجبت بالتحف القيمة الموضوعة بالداخل، وتأملت الأرائك الجلدية ذات اللونين الأسود والأحمر
-إنتي رحمة ؟
قالها رجل ما دلف إلى الغرفة من باب جانبي بصوت شبه مائع
إلتفتت رحمة برأسها إلى مصدر الصوت، ونظرت إلى هيئة ذلك الرجل بإندهاش شديد..

في مكتب المحامي أمجد سعفان
طرق أحمد الباب بخفة قبل أن يسمع صوتاً خشناً يسمح له بالدخول..
أدار المقبض بهدوء، ودلف إلى الداخل وهو ينظر حوله بريبة..
لمح رجلاً يظهر الشيب على مقدمة رأسه ويضع نظارة طبية على طرف أنفه، وأردف بصوت جاد:
-تعالى يا أحمد هنا
تنحنح بخفوت وهو يقترب منه، ثم جلس على المقعد المقابل لمكتبه، وأخفض رأسه قليلاً..
-لحظة وهاكون معاك.

قالها أمجد وهو مسلط عينيه على الأوراق الموضوعة أمامه
رفع أحمد عينيه قليلاً للأعلى، ورد عليه بصوت منخفض:
-براحتك يا باشا
مط أمجد فمه وهو يتطلع إليه من أعلى نظارته.. ثم أضاف بجدية:
-أكيد انت عارف أنا بأشتغل مع مين!
هز رأسه سريعاً وهو يجيبه دون تردد ب:
-اه يا باشا.

إعتدل أمجد في جلسته، وتابع بصوت جاد للغاية:
-وطبعاً مش محتاج أقولك هاكفأك إزاي لو قولت وعملت اللي احنا عاوزينه
وضع أحمد يده على خلفية عنقه، وأردف متحمساً:
-رقبتي يا باشا
هز أمجد رأسه في إعجاب وهو يضيف بصوت هاديء:
-تمام يا أحمد.. واحنا هانشوفك كويس!
إعتلى ثغر أحمد إبتسامة عريضة وهو يستمع إلى العرض المغري المعروض عليه في مقابل خدماته..

في مشفى الجندي الخاص
أبلغ رئيس طاقم التمريض بالمشفى كبير الأطباء بحالة الهياج العصبي التي إنتابت أوس، وكيف إعتدى بالسباب والضرب على الجميع..
فأردف الطبيب قائلاً بتوجس:
-اتعاملتوا مع حالته ؟
أجابه رئيس طاقم التمريض بصوت منزعج:
-ايوه يا دكتور، وخد مهدئات لحد بكرة الصبح، احنا اتفاجئنا باللي عمله!

هز رأسه بضيق وهو يرد عليه بتوتر:
-تمام.. وأنا هابلغ د. مهاب بحالته، وهاشوف هايقولي ايه
تابع رئيس طاقم التمريض حديثه بنبرة ضائقة ب:
-يا ريت يا دكتور، لأن التعامل معاه صعب جدا، ده.. ده لو حضرتك شوفت عمل إيه في غرفة العناية، ولا ضرب الممرضين إزاي، ده محدش كان قادر عليه!
وافقه كبير الأطباء في الرأي، وهتف بضجر:
-إنت هاتقولي، هو رهيب في عصبيته، المهم إنكم سيطرتم عليه ؟
-كله تمام يا دكتور!

-طيب، روح شوف وراك إيه وأنا هاتصل بالدكتور مهاب حالاً
-اوكي يا دكتور
ثم أضاف بجدية وهو يشير بعينيه:
-وخلي الدكتور مؤنس يتابع حالته لحد ما أبلغك بالجديد
-حاضر
إنصرف الممرض من غرفة مكتب كبير الأطباء، فأسرع الأخير بالإتصال هاتفياً بصاحب المشفى مهاب الجندي
ولكن كان الهاتف مغلق، فزفر في ضيق وهو يقول:
-طب أتصرف إزاي ؟ مممم.. مافيش قدامي غير إني أتصل بالمدام ناريمان وهي تشوف هاتعمل ايه مع إبنها!

في أحد الملاهي الليلية الجديدة
دققت رحمة النظر في هيئة هذا الرجل، فقد كان يرتدي سروالاً ضيقاً من الجلد الأسود، ومن الأعلى قميصاً حريرياً من اللون النبيذي مفتوح إلى منتصف صدره الحليق.. ومشط شعره الكثيف للجانب، فأحدث فارقاً عجيباً وملفتاً للأنظار.. أما ملامح وجهه فقد كان باردة، عينيه حادتين ذات لون بني..
كذلك كان يرتدي حول عنقه قلادة ذهبية عريضة، وأيضاً حول معصمه.. بالإضافة إلى خواتم بارزة من الذهب في أصابع كفيه..

أعاد بهججة تكرار سؤاله عليها بصوت شبه رجولي ب:
-إنتي رحمة ؟
أفاقت رحمة من حالة الإندهاش المسيطرة عليها، وأجابته بصوت متحشرج:
-أيوه أنا
تابع هو بصوت غريب ( يميل للأنوثة ) وهو يشير بإصبعه بطريقة مثيرة للتقزز:
-مممم.. كتير شكرولي فيكي، ولولا إنك موديلز كليبات كويسة مكونتش رضيت أجيبك هنا
-متشكرة.

دار حولها بهججة متأملاً إياها وهو يلوي فمه في إمتعاض، وواضعاً ليده في منتصف خصره..
زاد إمتعاض وجهه، وهو ينطق بإشمئزاز:
-ممم.. اللوك بتاعك محتاج يتظبط شوية، تسريحة الشعر عاوزة تتغير، لألألألألأ.. شكلك كله غلط!
صمت للحظة قبل أن يتابع بجدية:
-إنتي تسبيلي نفسك خالص وأنا هاغيرك!

إبتسمت له إبتسامة مجاملة قبل أن تسأله بفضول:
-طب.. طب وهو أنا المفروض هاعمل إيه هنا ؟
رد عليها دون تردد بصوت شبه جاد رغم ميوعته:
-كل اللي هاقولك عليه!
إزدادت حيرتها عقب جملته الأخيرة، فسألته مستفهمة:
-زي إيه ؟

أجابها بصوت هاديء وهو يتجه صوب مكتبه:
-هتعرفي في وقته، بس أهم حاجة عندي الإخلاص والإلتزام.. لازم تعرفي إن احنا نايت محترم، و ليه سمعته!
-ماشي، اللي تشوفه يا بهججة بيه!
نظر لها وهو يرفع حاجبه للأعلى قائلاً بإبتسامة:
-تعجبيني يا ريري!

في قصر عائلة الجندي
رنت الهواتف الأرضية في أرجاء القصر، فإتجهت المدبرة عفاف نحو الهاتف المعلق على حائط المطبخ، ، وأمسكت بالسماعة، وأجابت بنبرة هادئة وهي تتحرك نحو الطاولة:
-ألوو
-ناريمان هانم موجودة ؟

أجابته بنفس الثبات وهي تسند الأواني على الموقد:
-لأ يا فندم، الهانم في النادي، مين عاوزها ؟
-هنا مستشفى الجندي، ومدير المستشفى عاوزها ضروري
ضيقت عينيها بتوتر، وسألته بتوجس:
-خير ؟

-أوس باشا تعب، وموجود عندنا هو والمدام بتاعته
جحظت عينيها في ذهول، وتبدلت ملامح وجهها الهادئة للإندهاش، وصاحت بصدمة:
-إييييييه! بتقول إييييه ؟!

في النادي الشهير
تنهدت ناريمان في إحباط بعد أن إنتهت من تناول القهوة الخاصة بها، ونظرت إلى ممدوح بحزن وهي تردف قائلة:
-بليز ممدوح حاول تكون جمبي الفترة دي لحد ما أخلص من مهاب، أنا معنتش مستحملة اللي بيحصل
-أكيد يا حبيبتي
تنهدت مجدداً وهي تتابع بنبرة ضجرة:
-كويس إنه سافر يومين عشان يخف ال Stress ( الضغط ) من عليا، إنت مش متخيل بقيت أعدة متوترة إنه يكشف اللي بينا إزاي، عاوزة أرتاح من ده كله
هز رأسه موافقاً إياها، ثم سألها بجدية:
-أها.. أخبار ليان إيه ؟

لوت شفتيها وهي تجيبه بإقتضاب:
-مش عارفة
نظر لها وهو مقطب الجبين، حاد العينين، وأضاف بنبرة شبه متهكمة:
-في أم متعرفش حاجة عن بنتها!
إرتبكت قليلاً، ومسحت بطرف إصبعها أنفها، وأجابت بتلعثم:
-لأ.. أنا.. أنا بس آآ.. يعني هي عروسة وأكيد مشغولة مع عريسها، ف.. آآ.. فليه أزعجها ؟

لم يقتنع بما قالته، فردودها وعدم إهتمامها بمعرفة أحوال إبنتها أكدت شكوكه نحوها..
فالأم وإن كانت مستهترة، و لا تعبأ بأي شيء في الحياة، تهتم على الأقل بمعرفة أخبار أبنائها..
لكن ناريمان على النقيض تماماً.. لم تبدْ يوماً أنها تهتم بأبنائها..
ربما عدم إكتراثها بأوس مبرراً بإعتباره إبن زوجها من زوجته الأولى، ولكن ماذا عن إبنتها الوحيدة ؟ ألا تشكل محور الإهتمام بالنسبة لها ؟
أخذ ممدوح نفساً عميقاً، وزفره على مهل وهو يسألها بجدية:
-مممم.. إنتي شايفة كده ؟

-أها
مال ممدوح برأسه للجانب، ونظر لها بجمود وهو يسألها بفضول:
-إنتي ليه مفكرتيش تخلفي تاني غير ليان ؟
رمشت بعينيها بتوتر، وردت عليه وهي فاغرة فمها ب:
-هاه، أخلف ؟!
ضيق عينيه وهو يحاول إكتشاف ردة فعلها عقب سؤاله هذا..

إنتصب في جلسته وهو يسألها بجدية محاولاً إستفزازها للحصول على إجابات شافية منها ب:
-إيييه ؟ سؤالي غريب، ولا إنتي مكونتيش حابة يكون عندك أولاد تانيين من مهاب ؟!
إبتلعت ريقها بتوتر.. وبدت حائرة في إيجاد إجابة مقنعة لأسئلته..
نظرت حولها بنظرات زائغة، وحاولت أن تجيبه بهدوء رغم الإضطراب البادي في نبرة صوتها:
-الموضوع مش كده، بس.. آآ.. أنا.. يعني كان كفاية عليا أوي ليان و.. وأوس ابنه!
لم يقتنع بما قالته، وبدى الكذب جلياً على ملامحها، فنظر لها بسخط..

ثم زاد من تعبيرات وجهه الصارمة وهو يتابع بجدية:
-قوليلي، هو ليه ليان مش شبهك ؟
توترت أكثر بعد سؤاله المفاجيء هذا، وردت عليه بإرتباك جلي:
-هاه.. شبهي!
أكمل ممدوح قائلاً بنفس النبرة الثابتة وهو محدق بها:
-يعني أوس أخد ملامح كتير من أبوه، فأنا كنت متوقع إن بنتك تبقى فيها ملامح منك أو من أبوها، بس دي مافيهاش حاجة خالص منكم.

إبتلعت ريقها بتوتر بائن وهي تحاول إختلاق رد مقنع لتجيب عليه..
توتر صوتها وتقطع وهي تنطق ب:
-آآآ.. هي.. جينات عيلتنا غريبة شوية!
حدق بها بتمعن كاشفاً الكذب في عينيها.. وأردف مستفهماً:
-أوكي، قصدك يعني آآآ...
لم يكمل ممدوح جملته حيث رن هاتف ناريمان المحمول، فمدت يدها لتمسك به، ونظرت إلى شاشته، ولوت فمها في إنزعاج وهي تهتف بضجر:
-أوووف، عفاف، دي عاوزة ايه ؟

قطب جبينه وهو يشير لها بيده:
-ما تردي عليها
ألقت بالهاتف على الطاولة، وأردفت بتبرم:
-أنا مش ناقصة وجع دماغ، أكيد هاتقولي على حاجة تضايقني
نظر لها بإستغراب وهو يردف بإهتمام:
-مش جايز تكون حاجة مهمة
هزت كتفيها في عدم إكتراث، وقالت ببرود:
-لأ معتقدش.. وبعدين أنا مش ناقصة حاجة تغير مودي أكتر.

تشنجت ملامحه قليلاً وهو يتابع قائلاً:
-افرضي عاوزة تقولك حاجة عن ليان ؟
ضيقت عينيها في فضول، وسألته بإستغراب:
-وإنت مهتم بليان كده ليه ؟
إضطرب لوهلة ولم يعرف بماذا يجيبها، هل يخبرها بشكوكه حول هويتها الحقيقية، أم يدعي عدم إكتراثه حتى يتسنى له الوصول إلى الحقيقة بهدوء، ومن ثم الإنتقام منها..

وفي النهاية نجح في رسم قناع الهدوء الزائف على تعابير وجهه، وأردف بحذر:
-آآ.. مش.. مش بنتك، يعني جزء منك، وأنا كل حاجة ليها علاقة بيكي بتهمني أوي
نظرت له بشغف وهي تسأله بحماس:
-بجد يا ممدوح ؟
اتسعت إبتسامته السخيفة وهو يجيبها قائلاً:
-أكيد يا حبيبتي
إنحنت للأمام وهي تضيف بإهتمام:
-أوكي.. أنا هاطلبها عشان خاطرك بس.

وبالفعل أمسكت بهاتفها المحمول، وعاودت الإتصال بالمدبرة عفاف، والتي أجابتها بنبرة خائفة ب:
-أيوه يا ناريمان هانم
مطت شفتيها وهي تسألها بهدوء:
-خير يا عفاف، بتطلبيني ليه ؟
بدى صوت عفاف مضطرباً للغاية وهي تجيبها ب:
-الحقي يا هانم، مستشفى مهاب باشا اتصلوا!
سألتها بإيجاز وهي تعيد رفع خصلات شعرها للخلف:
-ليه ؟

أكملت عفاف بنبرة مرتجفة وهي تنظر حولها بقلق:
-بلغونا إن أوس باشا تعب، وإتحجز هناك، ومعاه آآآ..
قاطعتها ناريمان قائلة بنبرة حادة:
-وأنا مالي ما يتعب ولا يحصل اللي يحصله، عنده أبوه يهتم بيه، وهو أصلاً مش بيفرق معاه اللي أنا بأعمله عشان أجري عليه أشوف ماله!
هتفت عفاف بخوف:
-بس يا هانم واضح إن الموضوع آآآ..
نهرتها هي بصوت شبه محتد ب:
-عفاف طالما حاجة تخص أوس يبقى مش تبلغيني بيها، أوكي ؟

أصرت عفاف على إيضاح خطورة الموقف، فصاحت قائلة:
-بس يا هانم ده آآآ..
لم تمهلها ناريمان الفرصة بل أنهت معها المكالمة، وهي تهتف بإقتضاب:
-أوووف، باي!
تابعها ممدوح بإهتمام واضح، وسألها دون تأخير:
-في ايه يا نارو ؟
نفخت مجدداً في إنزعاج وهي تجيبه ب:
-أوووف، مش هاخلص من أوس ولا من قرفه!

-ماله ؟
-عفاف بتقولي إنه تعب
-مممم..
تابعت هي بنبرة ساخطة وهي تضع هاتفها في حقيبتها:
-وأنا مالي بتعبه، أبوه هو اللي يهتم بيه، ده أنا اللي تعبت من عمايله ومن كل اللي يخصه، إنت.. إنت مش عارف يا ممدوح هو بيعاملني ازاي، ولا أسلوبه وقح أد ايه معايا!

رد عليها ممدوح بجمود وهو يشير بيده:
-مش لو كان اتربى كويس كان زمانت ده فرق معاه
هتفت ناريمان بصوت محتد وهي تشير بإصبعها:
-ده قليل الأدب، أبوه نفسه مكنش قادر عليه ومدلعه لحد ما جه ده على دماغنا كلنا!
لوى ممدوح فمه بتهكم، وأردف بنبرة خبيثة وهو محدق في الفراغ أمامه:
-أه لو كان معايا، كنت أنا كملت تربيتي ليه، لأ وعلى حق كمان...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث والعشرون

في منزل عبد الحق بالزقاق الضيق
إتجهت إحسان إلى باب المنزل بعد أن سمعت قرع الجرس، ثم فتحته ونظرت إلى الواقفة أمامه بنظرات حادة وهي تهتف بجدية:
-خشي يا أم نجاح، أنا مستنياكي من بدري!
إبتسمت لها إبتسامة سخيفة وهي تجيبها قائلة:
-ماشي يا أم عبده، يا رب يا كريم.

بخطوات متثاقلة ومتهادية - بسبب جسدها الممتليء - ولجت القابلة (الداية ) أم نجاح إلى الداخل، وتسألت بتلهف:
-خير يا أم عبده، ابنك جالي على ملى وشه يقولي إنك عاوزاني
أشارت لها بيدها وهي تقف أمامها مُجيبة إياها بجدية:
-تعالي عاوزاكي في حاجة مهمة!
ثم إلتفتت حولها لتنظر نحو الباب، وتسألت بفضول:
-بس الواد عبده فين ؟

لوحت بيدها للخلف وردت عليها بنبرة عادية:
-راح يجيب فكة للأسطى لأحسن مكنش معايا فكة
مطت فمها في إستجهان وهي تتابع:
-ممم.. طيب
جلست الإثنتين على الأريكة، فتسألت أم نجاح بجدية وهي تُعيد لف حجابها المتدلي حول رأسها:
-ها، في إيه ؟

لوت إحسان فمها في تأفف وهي تجيبها ب:
-البت المزغودة مرات الواد ابني، بتقول إنها حبلى، وأنا عاوزاكي تكشفي عليها قصادي وتأكديلي إن كانت بتتكلم جد ولا.. ولا بتكدب
قطبت جبينها في إستغراب، ثم هزت حاجبها بحركة مستنكرة وهي تردف ب:
-هو الحاجات دي فيها كدب يا أم عبده ؟!
ربتت على فخذها وهي ترد بنزق:
-ماهو عشان كده جيباكي، ما أنا أصلي مش مطمنة لعمايلها، دي بت مش سهلة، وأنا أدرى بيها!

هزت أم نجاح رأسها – وكأنها تؤيدها في رأيها – وردت بخفوت:
-وماله يا حبيبتي، غالي والطلب رخيص!
نهضت إحسان أولاً من على الأريكة، وإتجهت صوب غرفة ابنها عبد الحق، ودقت على الباب بقوة وهي تهتف عالياً ب:
-بت يا بطة، افتحي الباب، خالتك أم نجاح هنا!
أجابتها بصوت مرتفع من الداخل ب:
-الباب مفتوح يا حماتي.

أدارت المقبض، ودفعت الباب للخلف بكف يدها، ورمقت بطة بنظراتها المستفزة وهي تتابع بصوت آمر ب:
-افردي ضهرك على السرير عشان تكشف عليكي
زمت شفتيها وهي ترد عليها بإستسلام:
-طيب
إستدارت إحسان برأسها للخلف، وظلت مسنودة بذراعها على الحائط الملاصق للباب، وهتفت بصوت مرتفع:
-يالا يا أم نجاح، البت جاهزة
صاحت أم نجاح بنبرة حماسية وهي تنهض عن الأريكة:
-حاضر يا أم الغالي.

ثم إتجهت صوب الغرفة المشار إليها، وأردفت بنبرة فرحة وهي تلج للغرفة:
-بسم الله الرحمن الرحيم، يا رب يا كريم، هات البشرى من عندك!
حدقت إحسان في زوجة إبنها شزراً، وحدثت نفسها بتوعد وهي تلوي فمها للجانبين ب:
-آه لو طلعتي بتكدبي عليا يا بنت ال *** هاطلع عين أمك وعين اللي جابوكي كلهم!

في قصر عائلة الجندي
أسرعت المدبرة عفاف نحو بوابة القصر الرئيسية بعد أن بدلت ثياب عملها، وأشارت لحارس الأمن بيدها وهي تصرخ عالياً ب:
-افتح البوابة بسرعة
تعجب حارس الأمن جمال من حالة الهلع التي أصابت تلك المدبرة الهادئة، فوقف أمامها بجسده، وسد عليها الطريق سائلاً إياها بجدية ب:
-في إيه يا مدام عفاف ؟

نظرت له بأعين مرتبكة وهي تجيب بنبرة قلقة:
-في مصيبة حصلت للباشا أوس
إتسعت مقلتيه في رعب، وفغر فمه قائلاً:
-إييييه ؟!
أشارت له بعينيها وهي تردف بتلهف:
-وقفلي تاكسي بسرعة يا جمال
ثم إنحنت برأسها للأسفل لتبحث في حقيبة يدها عن حافظة نقودها
مسح جمال على وجهه، وسألها بتوتر:
-فهميني بس حصل للباشا إيه ؟

رفعت رأسها في إتجاهه، وأجابته بنبرة قلقة:
-أنا معرفش حاجة، أنا رايحة الوقتي على مستشفى الجندي أشوف حصله إيه
هز رأسه وهو يضيف بنبرة جادة:
-طب طمنينا لما تعرفي
-حاضر
ثم أشار لها بكف يده لكي تقف، ومن ثم أردف بصوت جاد:
-استني هابعت معاكي حد يوقفلك تاكسي من على أول الشارع
إبتسمت له بإمتنان وهي تقول:
-الله يكرمك يا جمال

في مشفى الجندي
وقف الطبيب مؤنس أمام فراش أوس، وعلق التقرير الطبي المسنود على اللوح المعدني في طرف الفراش، ثم إستدار برأسه ليحدث الممرض بنبرة رسمية ب:
-الدواء ده يتاخد كل 6 ساعات، ويمنع الزيارة نهائي عنه لحد ما د. مهاب يبلغنا هنتصرف إزاي
أومأ الممرض برأسه موافقاً وهو يجيبه قائلاً:
-حاضر يا دكتور
مط الطبيب مؤنس فمه للأمام وهو يتابع ب:
-مممم.. مؤشراته الحيوية كويسة!

ثم صمت للحظة قبل أن يكمل بجدية:
-والجرح اللي في ايده يتغير عليه يوم بعد يوم
-تمام يا دكتور
تنحنح مؤنس بصوت خشن قبل أن يتابع بإهتمام:
-وخلي ممرض هنا يتابعه بإستمرار، وممنوع حد يدخله حتى لو كان مين، مش عاوز أي تقصير لحد ما تجيلنا الأوامر من الدكتور مهاب نفسه!
-أوكي يا دكتور
إتجه الطبيب مؤنس ناحية باب الغرفة، وحانت منه إلتفاتة من رأسه للخلف، وإبتلع ريقه بتوجس، ومن ثم قال:
-المشكلة دلوقتي لما يفوق، صعب أوي نتنبأ بتصرفاته، أو نسيطر عليه!

في ملهى ما
جلست لوزة تحتسي الخمر بشراهة لا تدري كم تجرعت من الكؤوس، وكم إرتشفت من الخمر حتى تنسى، ولكن مازال يؤلمها بشدة ما حدث معها..
أردفت بصوت متثاقل وهي تبكي بمرارة:
-مش هاسيبك يا أوس، لازم أعرف مين اللي خدتك مني، وفضلتها عليا!
إرتشفت مجدداً من كأسها، وتابعت بصوت مختنق:
-إنت ليا وبس، مش بعد اللي عملته ليك أترمي كده، ده أنا أموتك.. هاموتك!

اقترب فارس منها، ونظر لها بإزدراء وهو يمط شفتيه..
ثم جلس على المقعد المجاور لها على ال ( بار )، وهتف بهدوء:
-مش كفاية كده، ده أحنا لسه في أول الليل!
نهرته بحدة وهي تشير بإصبعها:
-محدش يقولي كفاية، أنا.. أنا هاشرب زي ما أنا عاوزة
زم فمه بإنزعاج وهو يرد عليها ب:
-يا لوزة أنا خايف عليكي، محدش يستاهل انك تعملي في نفسك كده!

رمقته بنظراتها الساخطة وهي تتابع بصوت ثقيل:
-اسكت خالص، إنت مانفعتنيش بحاجة
نفخ في ضيق وهو يرد عليها:
-يعني عاوزاني أعمل إيه اكتر من اللي طلبتيه ؟
مالت برأسها على رخامة البار، وأغمضت جفنيها، وهتفت بصوت مختنق:
-إنت.. إنت معرفتش توقعه!

لف رأسه للخلف، وتجرع جرعة كبيرة من كأسه، قبل أن يتجشأ قائلاً:
-أهوو طلع مش فارق معاه أخته ولا حتى عيلته كلها، كله بلح معاه!
كورت قبضتيها، وصرت على أسنانها قائلة بتهديد صريح:
-عاوزة أعرف مين خدته مني، وانا أحرق قلبه عليها، وأحرقه هو كمان، النار اللي جوايا مش هاتبرد إلا لما أشوفه مكسور ومذلول قدامي!
نظر لها ببرود، ثم تنهد بضيق وهو يردف ب:
-طب ما تروحي بيته، وشوفي هي مين
نظرت له من طرف عينها، وقالت بسخط:
-ابن ال *** خلي البواب يمنعنى من دخول البرج، مش عارفة أروحله، ولا أشوف بنت التيت اللي ماشي معاها ومخليها مكاني في شقته، آآآآه.. عاوزة أولع فيه.. آآآآه!

-ممممم..
تابعت هي بنبرة مغلولة والشرر يتطاير من عينيها:
-على أخر الزمن بعد ما كنت بأشوف كيفه لسنين على أمل إني أبقى حاجة معاه، أتهان ومعرفش اخد حقي منه، لأ وغيري على الجهاز يبلفه.. آآآآه!
إبتسم لها فارس إبتسامة ماكرة، ثم أردف بجدية:
-طب ايه رأيك لو أنا بلفت البواب وخليتك تروحي هناك وتشوفي مين دي
إنتصبت في جلستها، ورمشت بعينيها وهي تسأله بحماس مفاجيء:
-بجد ؟
إزدادت إبتسامته الواثقة إتساعاً، وتابع بخبث:
-أه طبعاً، وهو أنا أقدر أشوفك كده قدامي وما أتصرفش!

في مشفى الجندي الخاص
وصلت المدبرة عفاف إلى بوابة المشفى الرئيسية، وترجلت من سيارة الأجرة بعد أن ألقت بالأجرة للسائق، وإعتذرت له بصوت شبه عالي قائلة:
-معلش يا بني، مستعجلة!
ثم ركضت في إتجاه الإستقبال..
كانت علامات الخوف الممزوجة بالتوتر جلية على تعبيرات وجهها..
فهي الوحيدة الملمة بما فعله رب عملها مع تقى..
وهي الوحيدة التي حضرت مراسم عقد قرانهما..

هي لا تعرف ما الذي صار لكلاهما ليتحول الأمر من زواج إلى تواجدهما بالمشفى..
وقفت تلهث أمام موظفة الإستقبال، ثم سألتها بصوت متقطع:
-أنا.. أنا جاية للباشا أوس الجندي، أنا.. أنا مديرة القصر بتاعه
أومأت الموظفة برأسها وهي تجيبها دون تردد:
-أها.. أوس باشا الجندي محطوط تحت الملاحظة، وكل الأطباء هنا تحت خدمته
إبتلعت ريقها، ونظرت له بأعين زائغة، وسألتها بخوف:
-هو.. هو حصله إيه ؟

تنهدت بخفوت قبل أن ترد بجدية:
-إنهيار عصبي حاد
إتسعت عينيها في صدمة رهيبة، وهتفت بذعر:
-يا لهوي، وده.. وده خطير ؟
هزت رأسها مرة واحدة وهي تجيبها بصوت شبه حزين:
-أيوه، بس زي ما قولتلك كل اللي شغالين هنا حاطين أوس باشا تحت رعايتهم
وضعت عفاف كف يدها على مقدمة رأسها، وغمغمت مع نفسها بخوف..
وخفق قلبها برعب حينما توجه عقلها تلقائياً للتفكير في تلك البريئة النقية..

نظرت بخوف للموظفة، وسألتها بصوت مرتجف:
-طب.. طب في بنت كانت جاية معاه اسمها تقى، تعرفي مالها ؟ ولا حصلها إيه ؟
لوت شفتيها للجانب وهي تجيبها بآسى:
-أها.. للأسف البنت حالتها حرجة شوية..!
اضطرب قلبها على الفور، وشهقت بفزع، وكتمت صراخها داخل جوفها، وأغلقت فمها بكف يدها..
شعرت عفاف بصعوبة في التنفس وهي تتخيل الأسوأ..
شحب لون وجهها، وإرتجفت شفتيها.. وتبدل حالها للخوف..

بتردد حقيقي أزاحت يدها عن فمها، وتنفست بعمق..
ثم سألتها بنبرة ذعر حقيقية بدت أيضاً في عينيها:
-حصلها إيه ؟ طمنيني عليها ؟
أطرقت الموظفة رأسها للأسفل، وهتفت بجدية:
-مقدرش أقولك، في أوامر مشددة محدش يتكلم عنها.

وضعت عفاف يديها المرتعشتين على السطح الرخامي لمكتب الإستقبال، وتوسلت لها بأعين دامعة:
-يا بنتي الله يكرمك طمنيني، هي مراته على فكرة، وأنا.. وأنا عارفة ده!
نظرت لها الموظفة بقلق، فقلما يعرف أحد بهوية تلك المريضة ذات الوضع الحرج..
عبثت بالأوراق المتراصة أمامها، وردت بإرتباك:
-بس آآ..

قاطعتها عفاف بصوت متوسل وهي تنظر لها بأعينها الدامعة:
-قوليلي وأنا مش هافتح بؤي بحرف
تلفتت الموظفة حولها بريبة، وأدرفت بخفوت بعد أن مالت برأسها في إتجاهها:
-هي.. آآ.. هي اتعرضت للإغتصاب
جحظت عينيها في ذهول، وشهقت قائلة بصوت مصدوم:
-اييييييييييييييه!

وضعت الموظفة كفها على يد عفاف، وقالت لها برجاء وهي تتلفت برأسها:
-أرجوكي اهدي، مش عاوزة حد يعرف إني بلغتك، مدير المستشفى منبه عليا، وإنتي كده هاتضريني
إختنق صوتها وهي تتابع بحسرة:
-يا عيني عليكي يا تقى، ده اللي أنا كنت خايفة منه
توسلت لها الموظفة بصوت مرتعد وهي تنظر لها بحدة:
-يا مدام اهدي، إنتي كده هاتقطعي عيشي.

إنهمرت العبرات لا إرادياً على وجنتيها، وتنهدت بصوت مكتوم، وهتفت بصدمة:
-أسفة يا بنتي، بس.. بس تقى دي غلبانة وماتستهلش اللي حصلها
هزت رأسها موافقة إياها، وتابعت بصوت أسف:
-ربنا معاها، ماهو الباشا الظاهر ماستحملش اللي حصلها فإنهار!
رمشت بعينيها غير مصدقة ما سمعته أذنيها للتو، وقالت بذهول حقيقي:
-هاه..!

إبتلعت الموظفة ريقها، وخشيت أن ينتبه أحد لها، لذا أردفت بجدية:
-عامة يا مدام أنا بلغتك باللي عندي
كفكفت عفاف عبراتها، وسألتها بحزن:
-طب أقدر أطلع أشوفهم وأطمن عليهم
هزت الموظفة رأسها نافية وهي تجيبها بصرامة:
-صعب حالياً
هتفت عفاف بإصرار وهي تكور قبضة يدها:
-مقدرش أسيب حد فيهم من غير ما قلبي يطمن عليهم.

نظرت لها الموظفة بتمعن، فوجدت صدق تعبيراتها واللهفة الواضحة للإطمئنان على كليهما، لذا لم تردْ أن تتجادل معها أو تعترض، فأردفت بهدوء:
-طيب.. أنا هاشوف أوامر مدير المستشفى، و هأبلغك
نظرت لها عفاف بإمتنان حقيقي، وهتفت بخفوت وهي تشير بيدها للخلف:
-ماشي يا بنتي، وأنا هاقعد هنا أستنى هايقولك إيه.

في قصر عائلة الجندي
دار حارس الأمن جمال حول بوابة القصر مراقباً الأوضاع بنظرات حادة كالصقر، ورغم إنتباهه إلا أن عقله كان مشغولاً في التفكير فيما حدث لأوس الجندي..
كان متردداً في إبلاغ زميله الأسبق أحمد .. ولكنه وعده أن يطلعه على الجديد لعله يشعر بالإرتياح بعد تعرضه للطرد والضرب منذ فترة..
في النهاية حسم أمره بإخباره، فلن يضيره الأمر في شيء..

لذا وضع هاتفه المحمول على أذنه بعد أن ضغط على زر الإتصال به.. وأخذ يراقب من حوله بحذر..
وما إن سمع صوته حتى هتف بجدية:
-ألوو.. أيوه يا أحمد!
سأله أحمد بفتور وهو يفرك أذنه الأخرى:
-خير يا جمال، في حاجة ؟
أخفض جمال نبرة صوته وهو يتابع ب:
-عندي ليك أخبار معرفش إن كانت هاتفيدك ولا لأ ؟
تجهم وجه أحمد، وسأله بإهتمام واضح:
-أخبار ايه ؟

صمت جمال لثانية قبل أن يتابع بصوت خافت:
-الباشا أوس دخل المستشفى
إرتسمت علامات الصدمة على وجه أحمد، ورفع حاجبيه للأعلى، وهتف بعدم تصديق:
-ايييه
-زي ما قولتلك
ابتلع ريقه وهو يسأله بفضول أشد:
-طب ليه ؟

هز جمال كتفيه في عدم معرفة، وهتف بنبرة عادية:
-مش عارف، بس عفاف راحت تشوفه
-هاه..
تحمس جمال وهو يكمل بنبرة تحمل التشفي:
-أنا قولت أبلغك يمكن تفرح فيه بعد اللي عمله فيك
إبتسم أحمد إبتسامة زائفة وهو يرد عليه قائلاً:
-أه وماله، كتر خيرك، ماهو ربنا مش بيسيب
-عندك حق.. يمهل ولا يهمل.

-تسلم يا جيمي على أخبارك الحلوة
مسح جمال فمه بإصبعيه، وأردف بجدية:
-أديني شوفتك أهوو، ابقى افتكرني
هز رأسه وهو يعيد وضع الهاتف على الأذن الأخرى ليتابع بإهتمام:
-طبعاً، على كده مافيش اخبار عن البت تقى ؟

قطب جمال جبينه وهو يجيبه بتحذير:
-لأ.. مافيش جديد عنها، ويا ريت تنبه على أمها ماتجيش تاني هنا بدل ما تتبهدل
رمش أحمد بعينيه وهو يسأله بنبرة جادة:
-هي جت عندك ؟
نفخ جمال بضيق وهو يجيبه:
-أه، وأنا مشيتها.. عارف لو كان حد من البهوات شافها، كان ممكن الولية دي تروح في أبو نكلة.

حك أحمد رأسه في إنزعاج، وبرر موقفها قائلاً:
-معلش قلبها محروق على بنتها
تلفت جمال حوله، وأردف بريبة:
-أها.. بقولك إيه أنا هاقفل لأحسن حد ياخد باله
هتف أحمد بنبرة ممتنة:
-ماشي يا كبير، وأنا.. وأنا متشكر ليك
رد عليه بإيجاز وهو يتجه نحو غرفة الحراسة:
-ماشي، سلام
أخذ جمال نفساً مطولاً، وزفره على عجالة، ثم تمطع بذراعيه قبل أن يدس هاتفه في جيبه، ويقف في مكانه ليتابع نوبة حراسته..

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
فحصت أم نجاح ( الداية ) بطة بدقة بعد أن غطت جسدها بالملاءة، وجلست على مقعد ملاصق للفراش، بينما راقبتهما إحسان بوجه شبه متشنج..
رفعت نجاح رأسها في إتجاه بطة وطلبت منها بجدية:
-افتحي رجلك شوية
-ط.. طيب
-ايوه كده..
إشرأبت إحسان برقبتها للأعلى لترى بدقة ما الذي تفعله أم نجاح، وسألتها بغلظة:
-ها إيه الأخبار ؟

إستدارت أم نجاح برأسها ناحيتها، وأردفت بهدوء:
-سيبني أشوف شغلي يا أم عبده، وهاتلي كوباية مياه لأحسن ريقي ناشف
مطت شفتيها في إستخفاف، وردت عليها بجمود:
-أطمن بس على البت الأول، وأجيبلك اللي إنتي عاوزاه
نهرتها أم نجاح بضيق زائف وهي تشير برأسها:
-يا أم عبده بأقولك ريقي ناشف، وهو أنا هاهرب منك
ردت عليها على مضض وهي تحدج بطة بنظرات إحتقارية:
-ماشي.

تابعتها أم نجاح بنظرات ضيقة إلى أن خرجت من الغرفة، ثم غمزت لبطة بطرف عينها، فإبتسمت الأخيرة لها، وهمست:
-زي ما وصيتك يا أم نجاح
بادلتها أم نجاح نفس الإبتسامة الماكرة وهي ترد بخفوت:
-اطمني يا بت
-خلاص، متفقين
تنحنحت بصوت خشن، وتابعت بصوت حاسم:
-طب يالا اعملي اللي هاقولك عليه
-ماشي.

رفعت أم نجاح من نبرة صوتها قليلاً وهي تقول:
-يا بت اسمعي الكلام وإتني رجلك شوية خليني أشوف
هتفت بطة بصوت مرتفع وهي تدعي الإرهاق:
-ما أنا تنياها
-أيوه، كده كويس.. ممم
دلفت إحسان للغرفة وهي ممسكة بكوب معدني مليء بالماء، وأسندته على الطاولة، وحدقت بنظرات جاحظة في جسد بطة المتكشف أمامها محاولة معرفة ما الذي تفعله أم نجاح..

إنزعجت بطة من نظراتها الجريئة، ورمقتها بنظرات ساخطة، فهذه السيدة لا تتوقف أبداً عن التلذذ برؤية عوراتها دون أدنى شعور بالخجل..
إرتسمت علامات السعادة بالإضافة إلى ابتسامة عريضة على وجه أم نجاح وهي تهتف ب:
-نقول مبروك يا أم عبده، لووولوووولي
شحب لون وجهها، ونظرت لها بإندهاش وهي تصرخ بصدمة:
-إيييييه ؟ قصدك ايه
ضحكت أم نجاح وهي تردف بفرحة:
-النبي حارسها حبلى، والبشارة أهي
هزت إحسان رأسها معترضة، وإحتجت قائلة:
-إزاي ؟!

ضيقت أم نجاح عينيها في تعجب زائف، وأردفت بنزق:
-الله مش متجوزة من ابنك، وأعدين ليل نهار سوا وفي حضن بعض!
إرتبكت إحسان من ردها، ولم تعرف بماذا تجيبها.. فهل التي كانت تتلصص على إبنها وزوجته ليل نهار لتحول دون جلوسهما معاً.. وكانت تتفنن في إزعاجهما حتى لا ينفرد بها، إذن كيف حدث هذا ؟
أجابتها بصوت متقطع وهي قابضة على عباءتها المنزلية:
-آآ.. أه.. بس آآ..

هتفت أم نجاح بفرحة عارمة وهي تلوح بيدها:
-قولي بقى إنك عاوزة تكلي عليا الحلاوة، لأ وحياة عبده ابنك، مش هتنازل عن إنك تحلي بؤي
إبتلعت إحسان ريقها بتوتر شديد، ولم تنتبه لما تقوله الأخيرة، فهي أكثر الناس إدراكاً أن ابنها لا يُجامع زوجته لأنها تتعمد إفساد لحظاتهما معاً، فكيف لها أن تحمل ؟
تنهدت بطة في إرتياح، وإعتلى ثغرها إبتسامة لئيمة وهي ترمق إحسان بنظرات متشفية، فقد إكتملت خطتها..

كعادتها كل يوم، تذهب بطة لشراء الخضراوات وما ينقص من لوازم المنزل من السوق القريب..
ولأن والدة زوجها كانت تضيق عليها الخناق، وتعاملها معاملة يندى لها الجبين، فلم يعد أمامها أي مفر سوى الإنتقام منها، وخاصة أن والدتها رفضت أن تقف إلى جوارها، أو حتى تدعمها في قرار الإنفصال عن زوجها الضعيف في الشخصية وفي كل شيء..
لذا قررت أن تشرع في تنفيذ مخططها البسيط..

توجهت هي إلى منزل القابلة المعروفة في المنطقة، ولكن خلسة.. دون أن يعرف أي أحد عن تلك الزيارة السرية، واتفقت معها على أن تدعي هي الحمل، وتدعمها الأخيرة في هذا.. مقابل مبلغ مادي..
في البداية رفضت أم نجاح أن تشاركها، ولكن أصرت بطة بصوت مختنق ب:
-دي مطلعة عيني ومش رحماني، ترضيها لبنتك نجاح، ده.. ده حتى جوزي مش مهنياني عليه
تراجعت أن نجاح بجسدها للخلف، وردت عليها بخوف وهي تزم شفتيها:
-أنا ماليش دعوة يا بطة، الولية دي شلأ ( سوقية ) وأنا مش أدها!

عبست بطة أكثر بوجهها، وترقرقت العبرات في عينيها، ثم تابعت حديثها بنشيج:
-يعني إنتي مش عاوزة تقفي معايا، والله ده ظلم.. إهيء.. إهيء
ثم أجهشت أمامها بالبكاء، ووضعت منشفة ورقية على أنفها، وظلت تنتحب بصوت مرتفع مما جعل أم نجاح ترفق بحالها، وقالت بنبرة إشفاق:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بت بطلي عياط
بكت بمرارة أشد وهي تتابع بصوت منتحب:
-هو في حد حاسس بيا.

كانت عبراتها صادقة للغاية، فهي الوحيدة التي تعاني من تلك الزيجة الفاشلة.. ولم يقف معها أي أحد حتى الأقرب إليها..
أغتيلت أحلامها قبل أن تبدأ، وأُلقي بها في أحضان زوج لا يعرف سوى إرضاء نفسه ومن قبلها أمه البغيضة التي تتعمد إهانتها، والحط من شأنها..
رأفت أم نجاح بها، وقالت بتردد:
-أنا بس خايفة إنها آآآ..
أيقنت بطة أنها على وشك إقناعها، فهتفت بحماس مفاجيء:
-لألألألأ.. متخافيش والله، ده أنا هحلي بؤك بس قولي إني حبلى.

صمتت هي لتفكر فيما قالته، وتنهدت بإستسلام:
-ماشي
ثم تابعت محذرة ب:
-بس أنا مش مسئولة عن أي حاجة تحصل
إرتسمت ابتسامة مشرقة على وجه بطة، ومسحت عبراتها المنسابة من على وجنتيها، وهتفت بجموح:
-إنتي ملكيش دعوة، أنا هاتعامل معاها، إنتي دورك تأكدي إني حبلى وخلاص
أومأت برأسها موافقة وهي تجيبها بجدية:
-من عينيا.

ثم دست بطة يدها في جيب صدرها، وأخرجت عدة نقود مطوية، ووضعتها في كف أم نجاح، وقبضت عليه، وهي تهتف بإبتسامة عريضة:
-وخدي دول عشانك، مايغلاش عنك حاجة يا أم نجاح
عبست بوجهها قليلاً، وقالت بإعتراض:
-استني أما يتم المطلوب الأول!
لم ترخي بطة قبضتها عن يدها، وأصرت قائلة:
-لأ دول حاجة بسيطة.

تهللت أسارير أم نجاح وهي ترى المبلغ الموضوع في كفها، وردت بحماس:
-ياخد عدوينك
رفعت بطة رأسها للسماء، وتنهدت في إرتياح وهي تجيب بخفوت:
-يا رب أمين
ثم عاودت النظر إلى أم نجاح وعلى ثغرها إبتسامة واثقة.. فقد إنتهت من الجزء الأول والأساسي في خطتها

عودة للوقت الحالي
تأوهت بطة من الآلم الزائف وهي تميل على جانبها على الفراش، ثم همست بضعف مصطنع ب:
-غطيني يا أم نجاح لأحسن تعبانة!
نهضت أم نجاح من على المقعد الملاصق للفراش، ودثرتها بالملاءة وهي تقول بجدية:
-أها.. لازم ترتاحي يا بنتي في الأول، الشهور الأولى في الحبل بتبقى خطرة على الواحدة
أغمضت بطة عينيها وهي ترد عليها بوهن:
-أها
وقفت أم نجاح قبالتها، ومسدت على رأسها وهي تتابع بجدية:
-وكلي كويس!

ثم إستدارت برأسها في إتجاه إحسان، وأردفت بصوت محذر:
-ومالوش لازمة شغل البيت الكتير، ماشي يا ست أم عبده
أجابتها إحسان بنبرة ممتعضة وهي مكفهرة الوجه:
-هو أنا يعني بشقيها، ما هو على يدك!
-برضوه، الحرص واجب
في تلك اللحظة ولج عبد الحق إلى داخل الغرفة، وصاح متلهفاً:
-ها يامه، إيه الأخبار ؟

إلتفتت أم نجاح بوجهها ناحيته، ووضعت يدها بالقرب من فمها، وأطلقت زغرودة عالية، ومن ثم هتفت بفرحة:
-لوووولوووولي.. افرح يا سي عبده، كلها كام شهر ويجيلك النانوس اللي يأؤ في البيت!
إتسعت عينيه في صدمة سعيدة، وإرتسم على محياه إبتسامة عريضة، وهتف بصياح وهو ينظر لوالدته:
-هه، يعني.. يعني بطة حبلى يامه ؟
لوت إحسان فمها في إمتعاض وهي ترد عليه بضيق:
-اه يا روح أمك
وضع كلتا يديه على رأسه، وصاح بفرحة:
-يا دين النبي، ده احلى خبر سمعته، أنا هابقى أب يامه، والواد جاي.. الواد جاي!

زمت إحسان فمها في ضيق وهي تغمغم قائلة:
-الله أعلم إن كان واد ولا بت!
إتجه عبد الحق إلى زوجته، وجثى بجوارها على الفراش، ومسد على شعرها، ومن ثم إنحنى ليقبلها من جبينها وهو يضيف بسعادة:
-مش فارق يامه، المهم إني هأبقى أب
لوت إحسان فمها أكثر، وتمتمت بحنق:
-دك بو لما يتنفخك إنت وهي..!

وقف حارس الأمن السابق أحمد أمام أحد محال البقالة، وإلتقط علبة سجائر بإصبعيه، ثم أعطى البائع ثمنها، وإنصرف للخارج، وأشعل إحداهم، ونفث دخانها في الهواء..
ثم حك رأسه في حيرة، فهو يريد أن يتوصل إلى أي معلومة عن تقى، ففكره مشغول عليها، وقلبه يخفق لمجرد سماع إسمها..
حدث هو نفسه بقلق بصوت مسموع ب:
-لو أعرف أي حاجة عنها، قلبي يرتاح، بس هاوصلها ازاي..!

إخذ نفساً مطولاً من سيجارته، وزفره بضيق، ثم أكمل بإهتمام:
-ممم.. جمال قال إن أوس الزفت في المستشفى، والمفروض تقى كانت معاه، يبقى.. يبقى أكيد هاعرف سكتها عن طريقه، طيب أنا أوصله إزاي ؟!
اتسعت عينيه فجأة في سعادة، وتابع بحماس:
-ايوه، مافيش إلا عفاف، هي الوحيدة اللي هاتفيدني، أنا أكلمها أل يعني بسأل عليها، وأوصل منها لأي حاجة عن تقى بحجة إن أمها عاوزة تطمن عليها!
ثم إزدادت إبتسامته اللئيمة إتساعاً وهو يحدث نفسه بثقة ب:
-بالظبط، هو ده اللي أنا هاعمله...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع والعشرون

في منزل ممدوح
تأوهت ناريمان بإستمتاع عجيب وأصابع يدي ممدوح تدلك كتفيها العاريين وهي ممددة على الفراش، و نصف جسدها ملتف فقط بملاءة صغيرة..
نظر لها بحنق شديد وهو يحاول التحكم في أعصابه من أجل الوصول إلى الحقيقة.. وضغط على عظامها برفق، ثم تسائل بخفوت:
-مبسوطة يا نارو ؟

أغمضت عينيها وهي تسند رأسها على مرفقيها، وأجابته بصوت شبه خافت:
-آه يا حبيبي!
تنهدت في إرهاق قبل أن تكمل بنبرة منزعجة:
-إنت مش عارف أنا أد ايه تعبانة، وكنت محتاجة المساج ده أوي، الضغط كتير أوي عليا!
إنحنى بجسده عليها، وقبل رأسها، ثم همس في أذنها بمكر:
-هانت يا حبيبتي، كلها شوية، وهانرتاح كلنا
-أها
ثم نزل بيديه على أسفل جسدها ليداعبها ويلهب مشاعرها أكثر، فإستجابت لرغباتها، وإنساقت وراء الملذات المحرمة مع عشيقها..

في مشفى الجندي الخاص
جلست عفاف على المقعد المعدني المواجه لمكتب الإستقبال، وظلت تدعو الله في نفسها أن يرفق بتقى ويهون عليها..
فركت أصابع يديها في توتر، وظلت تراقب المتواجدين بنظرات شبه زائغة..
مر ببالها نظرات أوس المتوعدة لتلك البائسة وهي تزف إليه.. فإبتلعت غصة في حلقها لأنها وقفت عاجزة ولم تمنعه عن التمادي معها .
لم تقاوم عبرات الخزي حينما إنهمرت من مقلتيها، فهي تستحق اللوم والمحاسبة بسبب صمتها عن بطش أوس، وخوفها من خسارة عملها في مقابل خسارة فتاة بريئة كتقى لحياتها..

أخرجت تنهيدة حارقة من صدرها وهي تهمس ب:
-آآآه لو كنت أعرف، آآآآه..!
شعرت عفاف بإهتزازة خفيفة في حقيبتها، فإنتبهت لها، ومدت يدها بداخلها، ثم إلتقطت هاتفها المحمول، ونظرت إلى شاشته لتقرأ إسم المتصل..
تنهدت في تعب وهي تحدث نفسها قائلة:
-أحمد! وده عاوز إيه ؟!
وبنبرة حزينة ردت على إتصاله الهاتفي:
-أيوه يا أحمد!
بادلها السؤال بصوت جاد وشبه هاديء ب:
-ازيك يا مدام عفاف، أخبارك ايه ؟

أجابته بنبرة منكسرة وهي مطرقة لرأسها، وتعبث باليد الأخرى في أشطرة حقيبتها:
-الحمدلله
تردد أحمد في سؤالها مباشرة عن أحوال تقى، فحاول أن يختلق عذراً واهياً.. لذا أردف بهدوء حذر ب:
-أنا قولت أطمن عليكي
ردت قائلة بصوتها المختنق:
-كتر خيرك يا بني
لم ينكر أحمد أنه استشعر نبرة الحزن في صوتها، وإزداد خفقان قلبه من حدوث الأبشع لمحبوبته، لذا إستجمع شجاعته وسألها دون تردد ب:
-مالك ؟ أنا حاسس إن في حاجة مضيقاكي يا مدام عفاف، قوليلي، وأنا موجود!
أجابته بإقتضاب وهي تضع إصبعها على فتحتي أنفها:
-لأ.. أبداً.

زفر في ضيق لأنه لم يجد الرد الشافي لقلبه الملتاع، فهتف بإصرار:
-ماتكسفيش مني يا مدام عفاف، ده أنا زي أخوكي الصغير، ولو في حاجة آآآآ......
لم تصغ عفاف إلى بقية جملته، فقد فكرت لبرهة في الإستعانة به، فهو الوحيد الذي أوصل تقى من قبل إلى أهلها حينما كانت عاجزة عن السير، وبالتالي ربما يساعدها في الوصول إليهم وطمأنتهم عليها، فربما يقتلهم الشوق لمعرفة أي خبر عنها.. وهي تخشى أن تفقد تلك المسكينة حياتها دون أن يعرفوا أي شيء عنها..
نعم.. هي تود أن تساعدها، ولكنها تخشى أن تسوء الأمور، لذا أردفت بحذر ب:
-أحمد!

شعر من نبرة صوتها الأخيرة بأن هناك بارقة أمل في معرفة أخبار تقى، لذا هتف بحماس:
-ايوه يا مدام عفاف
أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته على مهل وهي تسأله بتأني:
-إنت.. إنت تعرف بيت أهل تقى ؟
إنتبهت حواسه بالكامل لها، وتسارعت دقات قلبه، ونفخ لأكثر من مرة ليسيطر على إنفعالاته، ثم سألها بإهتمام جلي:
-أيوه، ليه ؟
ترددت وهي تجيبه بصوت متقطع ب:
-أصل.. أصل..آآآآ

سألها بلهفة واضحة في نبرة صوته وهو يضع يده الأخرى على رأسه ضاغطاً عليها بقوة محاولاً التقليل من تدفق الدماء إليها:
-في حاجة حصلتلها ؟
تنهدت بحزن وأردفت بنبرة مريرة:
-أنا.. أنا مش عارفة أقولك ايه، بس لو تقدر توصلهم عرفني
إنقبض قلبه أكثر، وتوترت حركة عينيه، وسألها بخوف:
-أه اقدر، بس ليه ؟
مطت شفتيها وهي ترد عليه بحذر:
-يعني آآآ..

قاطعها بصوت جاد وقد فقد التحكم في أعصابه:
-مدام عفاف إنتي كده بتقلقيني عليها، طمنيني الله يكرمك، مالها تقى ؟
أغمضت عينيها لوهلة، فقد شعرت أنها تسرعت حينما طلبت مساعدته، فربما يتهور ويفعل ما لا يُحمد عقباه..
فتحت عينيها وردت عليه بتنهيدة حزينة:
-بص أنا مش هاقدر أقول حاجة، لكن لو تعرف تطمن أهلها عليها يبقى كتر خيرك
إنتفض أحمد في مكانه، وصاح منفعلاً ب:
-مدام عفاف انتي بتكدبي، في حاجة حصلت لتقى، وإنتي مش عاوزة تقولي.

صمتت ولم تجبه، فإزدادت شكوكه، وهتف بضيق:
-ردي عليا، هي حصلها حاجة ؟ ماتسبنيش كده يا مدام عفاف
أدركت هي خطئها، وعاتبت نفسها لأنها أجابت عليه من البداية، فزفرت في إرهاق، وتوسلت له بهدوء:
-لو سمحت إهدى
إنفجر غاضباً وهو يصرخ في الهاتف:
-لأ.. أنا مش هاهدى إلا لما تقوليلي.

لوت هي فمها للجانب، وأبعدت الهاتف عن أذنها، ثم أخذت نفساً عميقاً، وزفرته على عجالة، وتابعت بصوت حاسم:
-من فضلك يا أحمد ماتضغطش عليا لأني مش هاقول حاجة، بس كل اللي أقدر أقولهولك ادعيلها، وطمن أهلها عليها!
تشنجت ملامح وجهه بعد عبارتها الأخيرة، وهتف بصوت محتد:
-معناه إيه الكلام ده ؟
ردت عليه بإيجاز:
-أنا مضطرية أقفل، مع السلامة
صرخ بإهتياج متوسلاً إياها ب:
-استني يا مدام عفاف، استني، ألووو.. ألوووو!

كانت تلك أخر كلمات صارخة قد إستمعت لها عفاف قبل أن تغلق الهاتف تماماً..
كتمت أنينها وهي تبرر ل نفسها موقفها، فقالت:
-كده أحسن، مافيش داعي أخلي الموضوع يكبر
ثم سلطت أنظارها على موظفة الإستقبال التي أشارت لها بيدها لتنتفض هي من على المقعد وتركض في إتجاهها..
وقفت أمامها وسألتها بخوف:
-ها يا بنتي ؟

أسندت الموظفة سماعة الهاتف الأرضي، ونظرت لها بثبات وهي تجيبها بجدية:
-بصي أنا إتكلمت مع مدير المستشفى
-ها، وبعدين ؟
-الزيارة ممنوعة تماماً لأوس باشاً، لكن البنت التانية مافيش كلام عليها!
لمعت عينيها ببريق من الأمل وهي تسألها بتلهف:
-يعني أقدر أشوفها ؟
أجابتها الموظفة بفتور ب:
-هي في العناية المركزة، بس ممكن تبصي عليها من برا.

تنهدت بإرتياح، وأومأت برأسها وهي ترد عليها قائلة:
-ماشي.. المهم أشوفها
أشارت لها الموظفة بإصبعها قبل أن تنطق بنبرة جادة:
-أوكي.. لحظة وهابعت معاكي حد يوديكي
إستدارت عفاف برأسها للخلف، وهتفت بحماس:
-دليني وأنا أروح لوحدي، ماتتعبيش نفسك.

هزت رأسها نافية وهي تجيبها بإصرار:
-لأ مش هاينفع، انتي لو هاتشوفي البنت هيرافقك واحد، لكن المدير منبه إنه مش عاوز حد يزور أوس باشا، ولأن حضرتك تعرفي الاتنين، فهيبعت معاكي حد عشان يتأكد من كلامه
مطت فمها للأمام متذمرة بسبب هذا القرار العجيب، فلماذا تحتاج إلى مرافق وهي لن تسبب الأذى لكليهما.. فقلبها متلهف للإطمئنان على حال تقى قبل أوس لأنها مدركة للمآسي التي وقعت بها..
، ورغم هذا أردفت بإستسلام:
-طيب

إنتاب أحمد حالة من الهياج العصبي وهو يحاول الإتصال بالمدبرة عفاف مراراً وتكراراً، ولكن للأسف كان هاتفها مغلقاً..
ركل بقدمه الأرض، وصاح بعنف:
-هوصلها برضوه يا عفاف، مهما خبيتي عني
فرك وجهه بكلتا يديه، ونفخ في حنق.. ثم غمغم قائلاً:
-طب أعمل ايه، هي هاتكون فين بالظبط ؟
إحتقنت عينيه أكثر وصارتا حمراوتين، وصر على أسنانه قائلاً بغل:
-الزفت في المستشفى بتاعه، طب هايكون سابها فين ؟ ماهو مش معقول هايفضل مخبيها..

نفخ في يأس، وتابع بإحباط:
-طب هي عفاف قالت أطمن أهلها عليها، وادعيلها، يبقى اكيد عارفة مكانها، بس مش عاوزة أتقول.. وجمال قالي إنها راحت المستشفى عند المخفي ده
جحظت عينيه فجأة، وبرقت بلمعان عجيب وهو يهتف بصدمة:
-تقى معاه في المستشفى! هي أكيد هناك
كور قبضة يده وضرب بها كفه الأخر، ودار حول نفسه مغتاظاً وهو يفكر في طريقة للوصول إليها.

حدث نفسه بصوت مسموع قائلاً:
-عشان أعرف أروح هناك لازم يبقى معايا حد من عيلتها، أنا لوحدي مش هاعرف أوصلها، أيوه، مافيش قدامي إلا أمها!
إبتلع ريقه ليستأنف حديثه بتوعد وإصرار:
-الولية هاتموت وتعرف حاجة عن بنتها، وأنا هوصل لتقى عن طريقها، وهوريك يا باشا أحمد الغلبان ده إزاي هايقدر ياخدها منك!
ثم ركض في إتجاه الطريق الرئيسي، وأشار لإحدى سيارات الأجرة وهو يهتف بصوت مرتفع:
-تاكسي!

في مشفى الجندي الخاص
سارت المدبرة عفاف - وهي تضم حقيبتها إلى صدرها - بصحبة أحد الممرضين نحو المصعد، ثم استقله كليهما ليصلا إلى الطابق العلوي حيث توجد غرف العناية المركزة..
كان قلبها يخفق بشدة وهي تتخيل الأسوأ.. حاولت أن تبدو متماسكة أمام ذلك الغريب، فهي الوحيدة التي تعرف ما الذي حدث ومن المتسبب لها في هذا الجرح الذي لن يلتئم أبداً..

أشار لها الممرض بكف يده وهو يتحدث بنبرة رسمية:
-الأوضة اللي هناك يا مدام
هزت رأسها قليلاً، وهي تجيبه بخوف:
-شكراً..
سارت بخطوات متعثرة نحو الغرفة المُشار إليها، وتنفست بصعوبة وهي تصغي إلى ذلك الصوت المشترك بين كل الغرف – ذبذبات جهاز ضربات القلب – والذي جعل دقات قلبها تتسارع مع تلك الأصوات..
ظلت تدعو الله في نفسها ألا يجعل المصاب جللاً..

إبتلعت ريقها بصعوبة شديدة وهي تنظر في إتجاه الحائط الزجاجي حيث غرفة تقى..
شهقت على الفور حينما رأتها ممددة من خلف الزجاج، ومثبت بجسدها الهزيل الأجهزة الطبية، ووضعت كلتا يديها على فمها
بدى الذعر تعبير أساسي من تعبيرات وجهها الشاحب
كما ظلت تهز رأسها في رفض واضح لما حدث، وإستنكار تام لتلك الجريمة الشنعاء في حقها، حتى وإن كانت تحت مسمى الزواج، فيظل الإغتصاب إغتصاب..
ذرفت عبرات الحسرة والأسف عليها، فهي كإبنتها التي لم تلدها..

ومر ببالها ذكرى رؤيتها لأول مرة في قصر الجندي.. هي كانت تعاني منذ وطأت قدميها ذلك المكان إلى أن إنتهى بها المطاف جسد ممدد لا روح فيه..
أبعدت يديها على فمها، وأسندتها على الحائط الزجاجي، وإنتحبت وهي تحدث نفسها قائلة:
-ليه يحصلك ده كله ؟ ليه ؟؟ ذنبك إيه يا بنتي عشان يبقى حالك كده ؟ آآآآه.. يا حسرة قلب أمك عليكي!
تذكرت صورتها وهي تتوسل لها باكية من أجل تهريبها خارج منزل أوس.. كم كانت تمثل طوق النجاة بالنسبة لها، ولكنها خذلتها، فأصبحت شريكة في تلك الجريمة حتى وإن لم تفعل شيء..

فصمتها وعجزها عن الدفاع عنها جعلاها شريكة في إنتهاك إنسانيتها..
طرقت بيدها على الحائط الزجاجي وهي تلوم نفسها بشدة، وبدموع حارقة تابعت ب:
-أنا السبب! يا ريتني كنت وقفت معاكي، يا ريتني ساعدتك، مكنش ده بقى حالك، آآآآآه.. أنا السبب!

وصل أحمد إلى أول مدخل الحارة الشعبية، وأسرع في خطاه نحو البناية القديمة الموجود بها منزل تقى..
فقلبه يدفعه للتصرف فوراً من أجل إنقاذها إن كانت لا تزال مع ذلك البغيض
تنهد وهو يلهث، وحدث نفسه قائلاً:
-يا رب أمها تكون موجودة، هاتبقى مصيبة لو ملقتهاش، عاوز ألحق تقى قبل ما يخفيها ابن ال ***، ومعرفش أوصلها!

رأه منسي الذي كان يتجه إلى المقهى، فإمتعض وجهه، وحك رأسه الحليق بحيرة، ونطق بإنزعاج:
-أنا شوفت الواد ده قبل كده، فين ياض يا منسي، فين ؟
لوى فمه للجانب، ودعك ذقنه قليلاً، ثم هتف فجأة:
-أيوه، هو بعينه، ده الواد اللي جه سأل عن بيت فردوس أم تقى!
ثم ضيق عينيه أكثر، وتسائل بفضول:
-طب جاي هنا ليه ؟

في منزل تقى عوض الله
دق أحمد باب المنزل، وقرع الجرس لأكثر من مرة حتى يستجيب من بالداخل..
تنهد في إرتياح حينما سمع صوت فردوس يأتيه عالياً ب:
-جاية أهوو!
حاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثة ريثما تفتح له، فقد صعد الدرج ركضاً..
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى رأها أمامه، فأردف على عجالة ب:
-معلش يا ست فردوس، أنا جايلك من غير ميعاد، بس آآآ..

قاطعته بصوت جاد وهي تتفرس تعابير وجهه المشدودة:
-خير يا بني في إيه ؟
أخذ نفساً عميقاً، وزفره على عجالة، ثم أجابها بهدوء حذر:
-أنا عرفت مكان بنتك تقى
-إييييييه!
صاحت بها فردوس غير مصدقة ما قاله تواً، وقفت متسمرة في مكانها لوهلة محاولة إستيعاب تلك المفاجئة..
ترقرقت العبرات في عينيها، وإرتسمت تعابير الفرحة على محياها..

أشار لها أحمد بكفيه بحركة دائرية وهو يصيح بجدية:
-يالا يا ست فردوس، إلبسي أوام عشان نروح نجيبها
نظرت له بذهول، وسألته بصوت مصدوم ب:
-إنت.. إنت بتكلم جد ؟
رد عليها قائلاً:بحماس زائد
-هو في هزار في الحاجات دي
أشارت له بيدها ليدلف للداخل وهي تطلب منه بفرحة:
-طب.. طب خش يا بني، إنت مش غريب
أومأ برأسه موافقاً، ورد بإيجاز:
-حاضر.

إبتعدت عنه خطوتين، ثم إستدارت بجسدها لتواجهه، وقالت دون تردد:
- ثواني أجيبلك حاجة تشربها عقبال ما ألبس
هز رأسه معترضاً، وتابع بصرامة:
-لألألألأ.. مش عاوز حاجة، استعجلي بس الله يكرمك، عاوزين نلحقها
أثارت كلمته الأخيرة حفيظتها، فرفعت حاجبها للأعلى في حيرة، وسألته بعدم فهم:
-نلحقها ؟ ليه ؟

رد عليها بإقتضاب وهو يلوح بكلتا يديه بحركة دائرية:
-هافهمك في السكة
هزت رأسها موافقة، وأردفت بخفوت:
-ماشي، استناني يا بني!
ثم رفعت عينيها الباكيتين إلى السماء، وهتفت بتفاؤل وهي تتجه لغرفتها:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب، يا ما إنت كريم يا رب!

ولجت فردوس إلى داخل، وأسرعت ناحية ضلفة خزانة الملابس، وسحبت عباءتها السوداء، وإرتدتها فوق ملابسها المنزلية، ثم إتجهت نحو الفراش، وإنحنت لتقبل رأس زوجها، وأدمعت عينيها أكثر وهي تهتف بشوق:
-بنتك لاقيناها يا عوض، بنتنا هاترجع لحضننا تاني، أنا هاروح أشوفها، وأجيبها عندنا..!
قبلته مجدداً على جبينه، وركضت مسرعة للخارج وهي تلف رأسها بحجابها، ثم هتفت بجدية:
-أنا جاهزة، يالا بينا
إتجه أحمد صوب باب المنزل، وفتحه، وتفاجيء بوجود شخص ما يسد عليه الطريق، فقطب جبينه، وإعترته الدهشة، وسأله بإستغراب:
-إنت مين ؟

إقتحم منسي المكان بجسده، ورمق أحمد بنظرات إحتقارية متأملاً هيئته بتأفف واضح من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو يرد عليه متسائلاً بصوت شبه متصلب:
-لأ عندك، ده أنا اللي المفروض أسألك إنت مين ؟ وبتعمل ايه هنا ؟
عقدت فردوس حاجبيها في ذهول، فقد تفاجئت هي الأخرى بوجوده أمام باب منزلها، وهتفت بإندهاش:
-م.. منسي!
حدجها بنظرات حائرة وهو يسألها بإهتمام:
-على فين العزم يا ست فردوس ؟

ردت عليه بجدية وهي عابسة الوجه:
-أنا رايحة أشوف بنتي، وسع شوية
فغر منسي فمه للأسفل وهو ينطق ب:
-تقى!
أجابته هي بصوت حاسم:
-أيوه
-طب.. طب هي فين ؟
-لسه هاشوف ؟
وضع أحمد يده على كتف منسي، وضغط عليه وهو يرمقه بنظرات حادة، ثم أردف بصوت قاتم:
-ممكن يا أخ إنت تاخد جمب خلينا نمشي، إحنا مش ناقصين عطلة!

لوى منسي فمه في إستخفاف وهو يرمقه بنظرات مستفزة، ثم أزاح يده من على كتفه، وتسائل بسخرية:
-أخ! وده مين كمان اللي بيتكلم ؟
رد عليه أحمد بإقتضاب ب:
-مايخصكش
إرتفعت نبرة صوت منسي وهو يجيبه بحدة:
-لأ يخصني، أي حاجة تبع عيلة عم عوض تخصني
وقف أحمد قبالة منسي، ونظر له بتحدٍ سافر، ثم تابع بصوت صارم دون أن تطرف عينيه:
-أنا ماليش فيه، خدلك جمب!

رفض منسي أن يتزحزح من مكانه، وصاح محتجاً:
-بس أنا ليا، عندك إعتراض ؟!
أجابه أحمد بصوت جاد:
-اه.. عندي
نظر له بإستخفاف، ثم لوى فمه وهو يسأله بتهكم:
-ليه إن شاءالله ؟
تردد أحمد للحظة قبل أن يجيبه بحسم:
-لأنها.. آآ.. آآ.. خطيبتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس والعشرون

في منزل تقى عوض الله
إعترت الدهشة الممزوجة بالغضب وجه منسي، ورمق أحمد بنظرات أكثر حدة، ثم أردف بسخط:
-خطيبتك ؟ وده إمتى حصل الكلام ده!
إبتلع ريقه، وحاول أن يبدو ثابتاً وهو يرد عليه بجمود زائف:
-آآآ.. اه، حصل وقت ما حصل، ده مايخصكش!
صاحت فردوس بإنفعال جلي وهي تدفع أحمد من كتفه لتمرق أمامه:
-خطيبة مين ونيلة إيه الوقتي، مش لما نشوف البت الأول، نبقى نخطبها
ضيق منسي عينيه، وتسائل بجدية شديدة وهو يشير بيده:
-يعني هو مش خطيبها ؟!

أجابته بإقتضاب وهي تلقي بطرف حجابها على كتفها:
-لأ
لذا حدج منسي أحمد بنظرات ساخطة ومتوعدة، مما دفع الأخير للتشدق قائلاً:
-بس أنا ناوي أخطبها
لوى منسي فمه مستهزءاً، وقال بتهكم:
-أها.. لأ النية دي مش في عُرفنا
صرخت في كليهما بعصبية وهي تلوح بيديها:
-بس انتو الاتنين، أنا عاوزة أجيب بنتي!

لم يحدْ منسي بعينيه الحادتين عن أحمد، و رد عليها بصوت جاف قائلاً:
-ماشي يا ست فردوس، نكمل كلامنا بعدين، المهم ست البنات دلوقتي
ثم خرج ثلاثتهم من المنزل، وأغلقت فردوس الباب، وإنطلقوا مسرعين على الدرج
ضرب منسي أحمد في كتفه، وقال ببرود:
-لا مؤاخذة
رمقه أحمد بنظرات حانقة.. فهو يعلم أنه تعمد فعل هذا من أجل دفعه إلى إشتباك جديد، ولكنه كان أذكى من أن يدع الفرصة له ليستغلها، لذا صر على أسنانه قائلاً بغيظ:
-طب خد بالك بعد كده.

تسائلت فردوس بقلق واضح في تعابير وجهها المرهقة وهي ممسكة بالدرابزون:
-هي موجودة فين يا بني ؟
تنحنح أحمد بصوت خشن قبل أن يجيبها بخفوت:
-في المستشفى!
لطمت فردوس على صدرها بقسوة وهي تصرخ بصدمة:
-يالهوي، مستشفى!
تجمدت تعابير وجه منسي عقب العبارة الأخيرة، وتسمر للحظة في مكانه محاولاً فهم ما الذي يدور، فتسائل بإهتمام:
-هي مالها ؟

أمسكت فردوس بتلابيب أحمد، وهزته بعنف وهي تصرخ في وجهه ب:
-بنتي حصلها إيه ؟ انطق! قول!
أبعد منسي يديها عنه، ونظر لها متوسلاً وهو يقول برجاء:
-يا ست فردوس إهدي، خلينا نفهم إيه اللي حصل منه
مط أحمد فمه قليلاً، وأطرق رأسه وهو يجيبها بصوت هاديء:
-أنا.. أنا معرفش حصلها إيه، بس أنا خمنت إن ده يكون مكانها
رمشت فردوس عينيها في حيرة، وتسائلت بإنفعال:
-خمنت ؟ أنا مش فاهمة حاجة ؟! قولي بنتي فين ؟

تنهدت أحمد في تعب، وتابع بصوت شبه متشنج:
-أنا وصلني إن الزفت أوس اللي كان أخدها راح المستشفى، فتوقعت إنها تكون معاه
-مين أوس ده ؟
قالها منسي وهو يحك طرف ذقنه
جحظت عيني فردوس في رعب حقيقي، وبدت علامات الهلع واضحة للعيان على قسمات وجهها.. فذكر إسم هذا الشخص يجعل أوصالها ترتعد، هي تعرف نواياه الخبيثة، ومدركة لمدى سطوته وجبروته، ومعنى أن تكون إبنتها الوحيدة معه، أنها أصبحت في خطر محدق..
خفق قلبها في ذعر، وتسارعت ضرباته..
وأردفت بنبرة خائفة:
-سترك يا رب، بنتي مش ناقصة، بينا بسرعة على المكان اللي هي فيه!

في مشفى الجندي الخاص
حرك أوس رأسه للجانب على الوسادة البيضاء، وتحرك جفنيه بحركة عصبية زائدة، وبدأت تتساقط حبات العرق المتجمعة على جبينه لتبلل وجنته والوسادة..
كذلك إرتفع صدره وهبط وهو يحاول تنظيم أنفاسه اللاهثة..
اقتربت منه الممرضة، وحقنت المحلول المعلق بمادة طبية، ثم رمقته بنظرات متفحصة، وإنصرفت من الغرفة دون أن تنبس بكلمة..
تشنج أوس قليلاً في نومته، وصر على أسنانه، وبدى أنه يقاوم شيئاً ما بكل ما أوتي من قوة..
نعم.. فقد هاجمه أحد أسوأ كوابيسه والتي ساهمت في تدمير طفولته..

أمسك الصغير أوس بطرف تنورة والدته، وتشبث بها وهو ينظر لها بإصرار:
-مش عاوز أقعد معاه يا مامي
أبعدت يديه عنها، وجثت على ركبتها لتصبح في مواجهته، ثم مسحت على وجهه بكفها بحنو أموي زائد، وأجابته بنبرة دافئة:
-حبيبي، ده أنكل ممدوح زي بابي وبيحبك أوي
هز رأسه نافياً، وأجابها بصوت قاتم وهو عابس الوجه:
-لأ!

اقترب منهما ممدوح وعلى وجهه تلك الإبتسامة الوضيعة، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله، وسلط أنظاره على الصغير، وأردف بنبرة ماكرة:
-طبعاً، وهو عارف أنا لما بأحبه بأعمل ايه معاه
إبتلع الصغير أوس ريقه بخوف، وضيق عينيه المذعورتين، وتوسل لوالدته قائلاً بعناد كبير:
-مش تسيبني معاه يا مامي
عبثت تهاني بفروة رأسه، وقبلت جبينه، ثم نظرت له بعطف، وقالت بجدية:
-أوس حبيبي، أنا عندي شغل، وإنت صغير مش هاينفع تفضل لوحدك في البيت، أنكل ممدوح هياخد باله منك..

ثم إستدارت برأسها للخلف لتنظر إلى زوجها بعشق وهي تسأله بدلال:
-صح يا حبيبي ؟ مش إنت هاتخلي بالك منه ؟
إزدادت إبتسامته الشيطانية إتساعاً وهو يجيبها بثقة:
-طبعاً يا تهاني!
ثم حدق بنظراته القاتمة في أعين أوس وأكمل بنبرة تشبه الفحيح:
-ده أنا هالعب معاه أحلى لعب!

إنتفض الصغير رعباً في مكانه، وقبض على كتفي والدته، وهتف معترضاً:
-اوعي تمشي يا مامي، خليكي هنا!
أزاحت قبضتيه عن كتفيها، ونهضت عن الأرضية، وقبلته في وجنتيه، وأردفت بصوت رقيق:
-حبيبي مش هتأخر، صدقني!
جذبها أوس مجدداً من كف يدها، وهتف عالياً:
-لأ.. استني!

نظرت له بحنو، وتنهدت في حيرة.. وكادت أن تستسلم لرجائه، ولكن تدخل ممدوح في الحوار وقال بصوت جاد:
-تهاني حبيبتي، بلاش دلع بقى، أنا هافضل معاه
عضت على شفتها السفلى، وغمزت له بطرف عينها مشيرة إلى طفلها الصغير، ثم ردت عليه بخفوت:
-بس آآ..

صمتت عن الحديث، فقد عرف ذراع ممدوح الطريق إلى ظهرها، ولفه حول خصرها، وقربها من صدره، وأخفض عينيه وهو يسألها بهمس:
-حبيبتي إنتي مش واثقة فيا ؟
أجابته بجدية وهيتنظر له بعشق:
-لأ طبعاً، ليه بتقول كده ؟
أسبل عينيه وهو ينظر لها بعشق، وتابع هامساً:
-واحشني حضنك يا حبيبتي
تنهدت في شوق، ومالت برأسها على صدره، وأجابته بخفوت:
-حبيبي!

أحاط بها بذراعيه، وتحسس ظهرها بلمسات خفيفة، ثم رفع يده عالياً ليمسد على شعرها، ومن ثم جذبها منه للأسفل بقسوة، فتأوهت من الآلم، وفغرت شفتيها وهي تقول:
-آآآه.. ممدوح
إلتقط شفتيها بفمه وقبلها بعنف أمام الصغير أوس ليلهب مشاعرها أكثر، ويثير في نفس الوقت حنق الصغير وغيظه..
كور أوس قبضته بغل، ونظر إلى كليهما بأعين محتقنة، وظل يكز على أسنانه بإنفعال..

أبعد ممدوح شفتيه عن زوجته، ومسح على وجنتها بنعومة، ثم جذبها مجدداً من شعرها للأسفل، وإنهال بقبلة حسية أعمق زادت من رغبتها فيه، ثم تحرك برأسه قليلاً ليتمكن الصغير أوس من رؤيته وهو يغمز له بنظرات مطولة ذات مغزى، فإرتعد هو على إثرها، ووقف يرتجف في مكانه..
تنفست تهاني بصوت لاهث بعد أن تراجعت برأسها للخلف، وقالت بخفوت:
-أنا ممكن ألغي كل اللي ورايا وآآآ..
وضع إصبعه على فمها ليقاطعها بصوت هاديء:
-لأ يا حبيبتي، كملي شغلك، وأنا.. وأنا هافضل هنا مع أوس.

نظرت له بشغف، وقالت بتنهيدة حارة:
-مش مهم، أنا آآآ..
أحاط وجهها براحتيه، ومسح على شفتيها بإصبعيه، ثم تابع بإصرار:
-حبيبتي، يالا، وأنا هستناكي على نار، لسه قدامنا بقية اليوم
تنفست بعمق، ثم أومأت برأسها موافقة وإبتسمت وهي تنطق ب:
-أوكي يا ممدوح، وأنا مش هتأخر!

ثم لوحت بأصابعها لصغيرها وأرسلت له قبلة في الهواء، وإلتقطت حقيبتها، وعلقتها على كتفها، وإنصرفت خارج منزلها..
تراجع الصغير أوس للخلف بخطوات مذعورة، بينما حدق به ممدوح ومرر عينيه على جسده لينظر له بنظرات شيطانية مقيتة، ومن ثم غمز له بلؤم، وهتف بصوت مخيف:
-جه دورك معايا..!
ثم برزت أنيابه من خلف تلك الإبتسامة الوضيعة وهو يقترب أكثر منه...

تلاحقت أنفاس أوس بصورة كبيرة، وتسبب عرقاً غزيراً.. وكاد يختنق في نومته، وبدأ ينتفض بجسده للأعلى، ثم حرك رأسه بطريقة عصبية للجانبين..
وهتف بصوت بدى فيه كأنه عاجز عن النطق ب:
-آآ.. ل.. لأ.. لأ!
ثم فتح عينيه فجأة، ونهض مذعوراً وهو يصرخ عالياً:
-لألألأ..!
لهث أوس كثيراً بعد أن إنتصب في نومته، ونظر حوله بنظرات شبه مذعورة، وحاول عقله أن يستوعب ما الذي حدث..
بدأ يستعيد وعيه تدريجياً، وتدفق إلى عقله مئات من الذكريات التي حدثت خلال يومين..
إتسعت مقلتيه الحمراوتين في محجريهما، وهتف بهلع:
-تقى..!

إبتلع ريقه، ونظر إلى الإبر الطبية المغروزة في رسغيه، فإنتزعها وألقاها دون إكتراث، ثم تأمل حاله، فوجد نفسه يرتدي لباس المرضى الخاص بمشفى أبيه.. فإزداد تجهم وجهه وقتامته، وكور قبضته بعد أن إنتزع كل الأسلاك الموصولة به.. و بخطوات ثقيلة نهض عن الفراش..
ترنح في البداية بسبب حركته المفاجئة، وتعثر أثناء سيره، وفقد إتزانه، ليسقط على الأرضية الصلبة وترتطم رأسه بها..
ظن أن ما يحدث له نتيجة إعطائه تلك العقاقير الطبية المهدئة، وبالتالي لم يستعدْ كامل وعيه..

ولكنه لم يترك المجال للآلم، بل زحف بجسده نحو الباب، ثم إستخدم كلا ذراعيه في الإمساك بالمقبض ليحاول النهوض..
وبالفعل نجح في الوقوف على قدميه الثقيلتين، و فتحه، وخرج إلى الرواق..
رأته إحدى الممرضات وهو يستند على الحائط، فركضت نحوه، وهي تهتف بقلق:
-أوس باشا، حضرتك آآآ..
نظر لها بعينيه الحمراوتين، وصاح غاضباً مقاطعاً إياها:
-امشي بعيد عني
مدت يدها نحو كتفه، وهي تردف بتلعثم:
-حضرتك آآ.. اللي بتعمله ده غلط، وفي خطر عليك وآآآ..

-ابعدي من وشي!
قالها أوس بصوت صارم وهو يدفعها بقسوة من كتفها ليرتد جسد الممرضة للخلف، فتنكمش على نفسها في ذعر، وتتراجع مبتعدة عنه وهي تتمتم بخوف:
-لالالا.. أنا مش هاقدر عليه لوحدي، لازم أبلغ الإدارة!
ثم ركضت في الإتجاه العكسي لتستدعي المساعدة..

في نفس التوقيت، توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة مشفى الجندي الرئيسية، وترجل منها منسي أولاً بعد أن دفع الأجرة، ثم لحق به أحمد، وكذلك فردوس..
نظر الجميع بإنبهار إلى تصميم المبنى الخارجي للمشفى، وللحدائق الغناء المحيطة به..
نظرت فردوس بتوتر إلى أحمد، وسألته بتوجس وهي تبتلع ريقها:
-هي.. هي دي المستشفى ؟
أومأ أحمد برأسه إيجابياً، وهو يجيبها بإيجاز:
-اه هي!

تنحنح منسي بصوت خشن وهو يقول:
-طب يالا خلونا نشوف هي فين في المكان ده، مش هانفضل متنحين هنا كتير!
هزت فردوس رأسها موافقة وهي تتبعه قائلة:
-ماشي يا بني
ولج الثلاثة إلى داخل ردهة المشفى، ونظروا حولهم بتفحص..
أشار أحمد بيده نحو المكتب الرخامي قائلاً بجدية:
-تعالوا نسأل هناك!

أسرع ثلاثتهم في خطواتهم، ووقف أحمد أمام موظفة الإستقبال وسألها بصوت صارم:
-فين حد عندكم هنا بإسم تقى ؟
نظرت لهم الموظفة بنظرات مشمئزة متأملة هيئتهم البسيطة، وأجابته بصوت جاف وهي ترمقهم بنظرات حادة:
-مين إنتو ؟
مدت فردوس كلتا يديها على السطح الرخامي، وقالت متوسلة وعينيها تلمعان:
-بنتي فين ؟ هي عندكم هنا ؟ دليني عليها!

طرق منسي بحدة على السطح، ولوح بيده أمام وجه الموظفة وهو يصرخ بإنفعال:
-إنتي يا أستاذة ماتشوفي في أم الورق اللي قدامك ده تقى عوض الله هنا ولا لأ ؟!
رمقته بنظرات ساخطة وهي تحذره بحدة:
-ماينفعش الأسلوب ده في الكلام معايا
طرق مجدداً بعنف وإزدادت نبرته غلظة وهو يتابع قائلاً:
-أنا أتكلم زي ما أنا عاوز.

وضع أحمد يده على كتف منسي، وضغط عليه، وهز رأسه معترضاً على تصرفاته، وأردف قائلاً بحذر:
-إهدى يا استاذ منسي، احنا عاوزين نعرف إن كانت هنا ولا لأ
نفخ منسي من الغيظ، وفرك وجهه، ثم مسح على رأسه وهو يقول بحنق:
-اللهم طولك يا روح!
تنفس أحمد الصعداء لأن منسي قد إمتثل – رغماً عنه – لطلبه، وتسائل بصوت جاد وهو ينظر للموظفة:
-ها يا أستاذة، تقى عوض الله موجودة عنكم هنا ؟

لوت ثغرها في تأفف، وأجابته ببرود:
-والله مقدرش أقولك أي حاجة من غير ما اعرف إنتو مين!
إنفعل منسي مجدداً وهو يرد عليها قائلاً:
-يعني هانكون مين غير أهلها وجاين ناخدها معانا ؟
إزداد بريق عيني فردوس وهي تنطق بصوت شبه مختنق:
-يا بنتي تقى دي بنتي وكانت مختفية بقالها فترة، وولاد الحلال قالولنا إنها هنا عندكم
هز أحمد رأسه مؤكداً على حديثها وهو يردف بإيجاز:
-بالظبط.

أجابتهم الموظفة بصوت هاديء ب:
-بس أنا معنديش أوامر بإن آآآ...
قاطعها منسي بصوت هائج وهو يطرق براحته على السطح الرخامي قائلاً:
-بقولك ايه يا حاجة انتي، وعزة جلال الله لو ماشوفنا البت تقى حالاً لهطربأ ( يدمر ) المكان ده على اللي فيه
ضيقت الموظفة عينيها، ورمقته بنظرات متحدية وهي تنطق بصرامة:
-إنت بتهددني، أنا هاطلبلك الأمن!
وبالفعل أمسكت بسماعة الهاتف الأرضي ولكنها تفاجئت بمنسي يجذبها من يدها ويصيح بصوت هادر:
-هاتي الجن الأزرق حتى، أنا مش ماشي من هنا، فين أم مدير المكان ده!
حاولت الموظفة أن تخلص معصمها من قبضته، وصرخت بنبرة عالية:
-أوعى ايدك، يا أمن.. يا أمن!

لطمت فردوس على صدرها وهي تصرخ بخوف:
-يالهوي
إتسعت عيني أحمد في قلق حقيقي، فهو يعلم أن نوعية تلك المشافي لا تقبل الإزعاج أو الفضيحة، وما قد يتسبب به منسي من ضجة قد تؤدي إلى وقوع ثلاثتهم في مشكلة هم في غنى عنها، فالهدف الأساسي هو الوصول إلى تقى، وليس إفتعال المشاكل..
لذا أسرع بإبعاد قبضة منسي عن الموظفة، وأردف قائلاً وهو يصر على أسنانه في حنق:
-إيه اللي بتعمله ده ؟

حدجه منسي بنظرات غير عابئة وهو يجيبه بغلظة:
-ملكش فيه، أنا بأعرف أتعامل مع الأشكال دي!
إحتقنت عيني أحمد أكثر، وقال بضيق وهو يتلفت حوله:
-إنت.. إنت عارف إنت فين أصلاً، ولا المكان ده بتاع مين ؟
تجمع رجال الأمن حولهم، وتسائل أحدهم بنبرة رسمية:
-في ايه يا أستاذة ؟

أشارت الموظفة بعينيها وهي تجيبه بنبرة محتدة:
-شوف الناس دي بتعمل إيه هنا ؟!
إستشاط منسي غضباً، وهدر قائلاً:
-بأقولك إيه، لأ هاتلميلي شوية ناس لابس بدل ومتأيفين، ده أنا عندي مقاطيع يقلبوا المكان ده دمار شامل
وضع حارس الأمن يده عل كتف منسي، وقال بصوت جاد للغاية وهو يرمقه بنظرات حادة:
-تعالى معانا شوية
أزاح منسي قبضته، وإعترض بحدة:
-مش ماشي من هنا قبل ما آآآ...

قاطعت فردوس ما يحدث بصراخها العنيف ب:
-يالهووويييي.. الحقونا يا ناس، مش عاوزيني أشوف بنتي، الحقوني يا خلق هوووووه!
بدأ معظم المتواجدين في ردهة المشفى في التجمع لمعرفة ما الذي يدور..
-في إيه ؟
قالها كبير الأطباء بصوت صارم وهو يمر على مقربة من الإستقبال..
ركضت فردوس في إتجاهه، وبصوت باكي نطقت ب:
-الحقنا يا بيه، مانعني أشوف بنتي، ولا أعرف طريقها فين ؟
عبس كبير الأطباء بوجهه وهو يسألها بجمود:
-مين بنتك دي ؟

إبتعلت ريقها، وأجابته بصوت متقطع:
-ت.. تقى عوض الله
-مممم..
أكملت فردوس حديثها بنبرة منكسرة وهي تذرف عبراتها قائلة:
- يا بيه إحنا مش بتوع مشاكل ولا حاجة، أنا عرفت إن بنتي هنا، فجاية أشوفها، واخدها في حضني
حدق هو في الشابين الواقفين بالخلف، وسألها بجدية:
-ودول معاكي ؟

ظن أحمد أن ذاك الرجل – ذو المنزلة الهامة – ربما يساعدهم في إيجاد تقى، لذا أسرع في خطواته، ووقف قبالته، وأجابه بتلهف:
-أيوه.. احنا معاها
توسلت له فردوس بعينيها المتورمتين قائلة:
-الله يخليك يا بيه، أنا مش عاوزة غير بنتي وبس، أبوس إيدك أشوفها بس!
ثم إنحنت بجسدها لتقبل كف يده، فأبعده على الفور، وأجابها بصدمة:
-إهدي يا ست!
نظر أحمد إلى كبير الأطباء برجاء، وتابع بخفوت وهو يشير بيده:
-يا باشا الست الغلبانة دي عاوزة تطمن على بنتها، وإحنا واقعين في عرضك
مط فمه في إهتمام:
-مممم.

حدجه منسي من الخلف بنظرات مميتة، وظل يغمغم بخفوت مع نفسه قائلاً:
-وربنا ما ينفع معاهم إلا رجالة الحارة يفرموهم في لحظة!
تأمل كبير الأطباء هيئتهم المزرية، وأيقن أنهم بصدد التسبب في فضيحة قد تسيء إلى سمعة هذا المشفى الراقي، ولن يشكل هذا فارقاً معهم، لذا فهو مضطر أن يرضخ لما يريدون، حتى يتجنب حدوث ما لا يُحمد عقباه، فبادر بجدية وهو يشير بعينيه:
-تعالوا ورايا!
ثم أشار بإصبعه للأمن الداخلي الخاص بالمشفى، وهو يقول بصوت أمر:
-روحوا إنتو على البوابة، أنا هاتصرف!

رد عليه أحد الحرس قائلاً بصوت هاديء:
-حاضر يا دكتور!
نظرت الموظفة لهم شزراً وهو يسيروا في إتجاه المصعد، وحدثت نفسها بتهكم قائلة:
-لالالا مش معقول.. أنا مش عارفة الأشكال دي دخلوها إزاي هنا، بيئة طحن..!

على الجانب الأخر جلست المدبرة عفاف على المقعد المعدني الموضوع في الرواق، والمواجه للحائط الزجاجي الذي يطل على فراش تقى الموضوع بداخل غرفة العناية المركزة، ومسحت بمنشفة ورقية تلك العبرات الأسفة المنهمرة على وجنتيها..
تنهدت في آسى وهي تتمتم قائلة بنشيج:
-يا رب ترجعي زي الأول، يا رب ينجيكي يا بنتي!
أطرقت رأسها في حزن، وأكملت نحيبها وهي تهز رأسها بحركة خفيفة، ثم إنتفضت مذعورة من مكانها حينما سمعت صوت أوس الهادر وهو يصرخ عالياً ب:
-تق...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس والعشرون

في مشفى الجندي الخاص
إتسعت مقلتي المدبرة عفاف في صدمة حقيقية حينما رأت أوس وهو يكافح للحفاظ على إتزانه، ويسير بترنح في إتجاهها..
هتفت بصوت متقطع:
-آآآ.. أوس باشا!
إنقبض قلبها بشدة، وزاغت عينيها وهي تحاول فهم ما الذي حدث له.. فحالته الصحية والجسدية مقلقة للغاية..

تركت حقيبة يدها على المقعد المعدني، وسارت بخطوات أقرب للركض في إتجاهه، ومدت يدها لتسنده وهي تقول بتوتر:
-هات إيدك يا باشا
دفع يدها الممدودة إليه، ونهرها بشدة وهو يرمقها بنظرات حادة من طرف عينه:
-مش عاوز مساعدة من حد!
تراجعت خطوة للجانب، فهي لا تريد إثارة المشاكل معه، فحالته غير مبشرة على الإطلاق.. وربما إذا أثارته يهتاج عليها، ولن تعرف كيف توقف ثروة غضبه التي تعلمها علم اليقين..

بدون أي تردد أجابته قائلة:
-اللي.. اللي تشوفه حضرتك
إنزلقت قدم أوس العارية وهو يحاول الوصول للجانب الأخر من الرواق، فسقط على وجهه..
فشهقت عفاف برعب، وصرخت قائلة:
-أوس باشا
نظر لها بشراسة، ورفع يده في وجهها قائلاً بإصرار:
-متقربيش مني، أنا رايح لتقى!
ثم صرخ عالياً وهو يتلفت حوله:
-هي فين ؟ فييييين ؟

كانت تلك هي المرة الأولى لعفاف التي ترى فيها رب عملها على تلك الحالة الواهنة، هي إعتادته قوياً عنيفاً، لا يعبأ بشيء.. الكل يخشاه، يهابه، واليوم هو لا حول له ولا قوة.. يبدو كالبشر الطبيعين حينما يصيبهم المرض..
صرخ أوس مجدداً بصوت أكثر حدة قائلاً:
-فين تقى ؟ فيييييين مراتي ؟
أفاقت عفاف من شرودها على صوته الهادر، وإبتلعت ريقها، ثم أشارت بإصبعها نحو غرفتها، وأجابته بخوف:
-ه.. هناك!
زحف هو على ركبتيه إلى أن وصل للحائط الأخر، ثم أسند نفسه حتى وقف على قدميه.. وسار في إتجاه غرفتها..

في المصعد
نظر كبير الأطباء بنظرات قوية لهؤلاء الثلاثة ذوي المظهر الشعبي، وأردف قائلاً بصرامة:
-أنا مش عاوز فضايح هنا، دي مستشفى محترمة، وليها سمعتها
أجابه منسي ببرود وهو يرمقه بنظراته الساخطة:
-ماشي يا ضاكتور، واحنا جايين لتقى وبس
تسائل أحمد بإهتمام بالغ وهو مسلط نظراته على كبير الأطباء قائلاً:
-هي كويسة صح ؟

مسحت فردوس عبراتها بطرف كم عباءتها، وقالت بصوتها المختنق:
-أنا مش عاوزة إلا بنتي وبس، خليني أخدها في حضني!
حذرهم كبير الأطباء قائلاً:
-مش عاوز قلق ولا مشاكل!
هز منسي رأسه موافقاً وهو يرد عليه بنبرة ممتعضة:
-ماشي يا ضاكتور، ودينا بس عندها.

تابع كبير الأطباء حديثه بصوت جاد ب:
-عاوز أفهمكم إن احنا طالعين على العناية المركزة، وهناك ممنوع الزيارة فيه
سأله أحمد بقلق واضح في نبرة صوته ب:
-عناية مركزة! هي عندها ايه ؟
وضعت فردوس يديها على صدرها وغمغمت بتوجس:
-سترك يا رب
لم يجيبهم كبير الأطباء بل سلط أنظاره على اللوحة الرقمية التي تشير إلى رقم الطابق..

وضع أوس كفيه على الحائط الزجاجي، وتنهد في إنهاك وهو يسير بتثاقل في إتجاه غرفتها..
تمكن هو من رؤية تقى التي أوصلها لهذا الوضع المأساوي..
زاد إتساع عينيه الحانقتين وهو يراها كالجثة الهامدة من خلف الزجاج..
تشنجت قسمات وجهه أكثر، وهو يقاوم تلك الغصة المريرة في حلقه..
مسح بأصابعه على الزجاج، وهتف بصوت شبه مسموع:
-ت.. تقى!

وقفت عفاف على مقربة منه، وراقبت تصرفاته الغير قابلة للتصديق..
لم تصدق عينيها رغم أنها ترى وتسمع بنفسها ما يفعله..، وتسائلت بإندهاش شديد في نفسها:
-مش ممكن يكون ده الباشا أوس، استحالة يتصرف كده، لألألأ.. أنا مش مصدقة عيني! معقول يكون إتغير، معقول يكون حس بالمصيبة اللي عملها، في حاجة مش مفهومة، طب ليه اتغير ؟ ليييه ؟

لمحت من على بعد بضعة ممرضين وهم يقتربون منهما، فوزعت نظريها بينهم وبين أوس.. وأردفت بتوجس:
-أنا.. أنا لازم أكلمهم، ماينفعش يجوا الوقتي.. دي.. دي فرصة يحس بالندم على اللي عمله معاها!
لمعت عيني أوس بشدة وهو يراها هكذا.. لم يطرأ أي تغيير في حالتها.. فمنذ أن أدرك جرم فعلته معها، وهو يتعذب بذكريات جريمته..
فمتعة التلذذ بها وهي خانعة و تحت طوعه، تلبي رغباته الشاذة والمريضة.. حيث يأخذها قسراً، ويترك أثاره على جسدها.. تلاشت مع رؤيتها كالجثة الهامدة على فراش الموت..

أدرك فداحة جريمته النكراء، وذكرته حالتها بحالته حينما كان في مثل وضعها.. عاجزاً ضعيفاً رافضاً للحياة
هو مر بتجربتها في السابق، والآن يُعايشها مجدداً ولكن من خلالها، وأشد قسوة وآلم..
فاليوم هو الجاني وليس المجني عليه..

سارت المدبرة عفاف في إتجاه الممرضين، وأشارت لهم بكفي يدها وهي تهتف قائلة:
-ثواني كده!
نظر لها أحد الممرضين بإستغراب سائلاً إياها ب:
-في إيه يا مدام ؟
وزعت عفاف أنظارها بينهم، وتسائلت بتوتر:
-إنتو جايين عشان الباشا أوس ؟
أومأ أحدهم برأسه وهو يجيبها بصوت رسمي:
-ايوه.. واحنا عندنا تعليمات ب آآآ..

قاطعته بجدية شديدة وهي تشير بيدها:
-أنا فاهمة شغلكم كويس، بس هو عاوز يكون مع مراته، يفضل جمبها!
رد عليها الممرض الأخر بصوت جاد:
-يا مدام الدكتور مؤنس قايل لازم يكون تحت الملاحظة، لأن تصرفاته ممكن تكون آآآآ..
قاطعته مجدداً وهي تبرر قائلة:
-الدكتور مؤنس مش هايحس باللي حصل ليه ولا لمراته، وبعدين بصوا كده، هو مستسلم خالص، مافيش منه أذى
أردف الممرض قائلاً الثالث بنبرة إصرار:
-بس ال Nurse ( الممرضة ) بلغتنا إنه اتعامل معاها بعنف.

تنهدت في آسى وهي تجيبه بحزن:
-ده عشان عاوز يشوف مراته، وده مطلب إنساني، إنتو مش شايفين هي عاملة ازاي ؟
تجهم وجه الممرض الأول وهو يجيبها بإنزعاج:
-كده إنتي هاتعمليلنا مشكلة مع الإدارة، ومع مدير المستشفى وآآآ..
قاطعته تلك المرة بإصرار واضح وهي تتفحص ثلاثتهم:
-طب أنا جاية معاكو وهاكلمه بنفسي
أشار الممرض بيده وهو يتابع بنبرة رسمية:
-مش قبل ما يرجع أوضته الأول.

نظرت له عفاف بضيق وردت عليه بنبرة شبه محتدة وهي تشير بإصبعها محذرة:
-إنتو كده عاوزينه ينفعل فعلاً ويخرج عن شعوره
سألها أحدهم بإستفهام وهو يلوح بيده:
-يعني المطلوب مننا إيه ؟ مش هانقدر نسيبه، إحنا كلنا مكلفين هنا نكون تحت خدمته!
أجابته بهدوء حذر وهي تهز رأسها:
-ما أنا بأقولكم أنا هاتكلم مع مدير المستشفى.

نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض في حيرة، وأردف الأخير بجدية:
-ماشي، واللي يقول عليه هانعمله
تنهدت في إرتياح وهي تجيبه بخفوت:
-أوكي..!
-طيب اتفضلي معانا!
-حاضر
وبالفعل سارت عفاف بصحبتهم تاركة أوس بمفرده ليحظى بفرصة البقاء مع تقى دون أن يمنعه أي أحد...

بخطوات ثقيلة تحرك أوس في إتجاه باب الغرفة، وأمسك بيد مرتجفة المقبض ودلف إلى الداخل..
رأته الممرضة التي كانت تتفقد حالتها، فشهقت في خوف قائلة:
-أوس.. أوس باشا
نظر لها بصرامة وهو يصرخ بحدة:
-برا
هزت رأسها موافقة، وأجابته دون أي إعتراض ب:
-ح.. حاضر
خطت الممرضة إلى خارج الغرفة بخطوات أقرب إلى الركض بعد أن أثرت عدم المجادلة معه.. فهي تعلم مقدار غضبه..

تابعها هو بنظراته المحتقنة إلى أن أغلقت الباب خلفها، فأدار رأسه في إتجاه تقى، وهتف بصوت شبه مختنق:
-أنا.. هنا
سلط عينيه اللامعتين عليها، واقترب من فراشها، ثم جلس على طرفه، ومد يده ليمسك بكفها البارد، وتحدث قائلاً بهمس:
-برضوه لسه بتهربي مني ؟ ما أنا قولتلك مش هاسيبك، ولا هابعد، فوقي وكلميني
إحتضن كفها بين راحتيه، ثم رفعه إلى وجهه، وأسنده على وجنته، وأغمض عينيه وهو يتابع بصوت حزين:
-كان نفسي أكسر الضعف اللي جوايا، أقضي على الكابوس اللي ماسبنيش للحظة، على عجزي وأنا مش عارف أعمل حاجة.

أغمض عينيه ليقاوم عبراته التي تجمعت بكثافة في مقلتيه، ثم أكمل بصوت مليء بالغصة:
-و.. ويوم ما لاقيتك وقفتي قصادي، وواجهتيني من غيري ما تحسي إنك خليتيني أعيش أسوأ حاجة ممكن الواحد يعيشها تاني..
إبتلع تلك المرارة في حلقه وهو يتابع بتنهيدات آسفة:
-فكرت إني لما.. لما أكسرك وأخليكي تعيشي اللي أنا شوفته، هابقى قضيت عليه ودمرته زي ما دمرني
بلل كفها بعبراته الحارقة، وإنتحب بشهيق مكتوم وهو يترك لمخيلته أن تعيد تلك الذكريات المأساوية التي طالما جاهد لنسيانها...

توجهت تهاني إلى عملها تاركة صغيرها بصحبة ذلك الشيطان اللئيم المسمى زوجها..
نظر له أوس بخوف شديد، وركض مسرعاً في إتجاه غرفته، وأوصد الباب عليه..
جلس على فراشه، وضم ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه، وظل يهتز بحركة ثابتة..
كان الصغير أوس مسلطاً عينيه الحادتين على باب الغرفة، مترقباً بين لحظة وأخرى إقتحام زوج أمه لها..

مر بعض الوقت وهو على تلك الحالة إلى أن شعر بالإطمئنان.. فتمدد على الفراش، وبدأ يستسلم للنوم.. ولكنه إنتفض مذعوراً على طرقاته الخافتة على الباب وهو يهتف بنبرة أقرب لفحيح الأفعى:
-أوس.. إنت نمت ؟ افتح لأنكل ممدوح يا حبيبي، ده إحنا هنلعب شوية مع بعض.. ايييه ؟ مش بترد عليا ليه ؟ أنا عارف إنك صاحي وسامعني، افتح الباب يا أوس!
جحظ الصغير بعينيه، وإرتجف في مكانه بشدة..
لم ينبس بكلمة، وإنكمش على نفسه أكثر وهو يستمع إلى صوته الخبيث وهو يتابع قائلاً:
-افتح يا أوس، أنا مش هستنى كتير!

ثم إزدادت الطرقات عنفاً على الباب، وكذلك صوته الحاد وهو يضيف بنبرة آمرة:
-افتح، وإلا هاكسر الباب وهدخلك برضوه!
تراجع الصغير أوس على فراشه، وإحتمى بوسائده وظل يهز رأسه رافضاً لتهديداته المخيفة، ولم يكف جسده عن الإرتعاش..
هدأت بعد لحظات طرقاته العنيفة، وساد الصمت لدقيقة قبل أن يستمع لصوت أنثوي غريب يصدح في أرجاء المنزل بطريقة مائعة..
نهض هو بحذر من على الفراش، وسار على أطراف أصابعه في إتجاه باب الغرفة، وأسند أذنه على مقربة منه ليصغي بإنتباه تام لما يُقال في الخارج
لم يتبين الهمهات التي كانت تصدر..

ولكنه إستمع لصوت تأوهات وضحكات رقيعة، وبعدها صراخ خافت مصحوب بأنين مكتوم.. فإرتجف أكثر..
وتراجع مسرعاً ليختبيء أسفل فراشه..
ثم سد أذنيه بكفيه، وصرخ بصوت خافت:
-بس بقى، كفاية! كفاية!
إنتفض فزعاً في مكانه حينما إستمع لصوت الطرقات يعود من جديد على باب غرفته، ولكنها كانت أكثر قوة، ويتبعها صوته المقيت وهو يقول:
-افتح يا أوس! أنا مش هاسيبك، إفتح.

حبس أنفاسه، وإتسعت عينيه في هلع وهو يراقب عقب الباب من أسفل فراشه..
ثم سمع صوت ضحكة مائعة لأنثى وهي تضيف ساخرة:
-خلاص يا دوحة، إنت أكيد خليت الواد يعملها على نفسه من الخوف
رد عليها ممدوح قائلاً بصوت متوعد:
-هو أنا عملت حاجة يا حلوة، ده لسه لما يشوف إيدي عليه، وأنا هاخليه آآآ..
قاطعته وهي تضحك بميوعة:
-طب ما تيجي إنت آآ.. هههههههههههه، إنت فاهم بقى!
أجابها بصوت وضيع ب:
-وماله، نشوف كيفك يا قمر، وبعدين نرجع نظبطه.

سألته قائلة بجدية وهي ترفع أحد حاجبيها:
-على كده إنت مش خايف لأحسن يقول لمراتك على اللي إنت آآ.. ؟
هتف نافياً بثقة واضحة ب:
-ده أجبن من إنه يفكر بس يلمحلها، هو عارف كويس أنا ممكن أعمل معاه ايه
تنهدت بحرارة وهي تسأله بإعجاب:
-أووه، ده إنت واثق من نفسك بقى ؟
رد عليها قائلاً بثقة بالغة:
-طبعاً.. ده أنا ممدوح والأجر على الله
ثم إبتعد صوتهما إلى أن تلاشى تماماً.. فتنفس الصغير الصعداء لرحيلهما.. و...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع والعشرون

تنفس الصغير أوس الصعداء لرحيلهما، وإرتخت عضلات جسده الهزيل، وسأل نفسه بخوف:
-ليه بتعمل معايا كده ؟ ليه أنا ؟
وبدأت العبرات تتسرب من عينيه، وكور قبضته بغل وضرب بها الأرضية الصلبة باكياً بحنق:
-مش عاوز أعيش معاه، أنا بأكرهه، بأكرهه، ليه بتسبيني لوحدي يا مامي معاه، ليه ؟!....

في مشفى الجندي الخاص
فتح أوس عينيه المغرورقتين بالعبرات، ونظر إلى تقى بحسرة كبيرة..
سكونها المريب يذبحه بقسوة، أنفاسها الضعيفة تجلده بلا رحمة..
أخذ نفساً عميقاً، وزفره ببطء ليتابع قائلاً بمرارة أشد:
-كنت بأموت في اليوم ألف مرة بسببه يا تقى، كان نفسي أكون قادر عليه وقتها، بس كنت عاجز قدامه، مشلول مش قادر أعمل حاجة!

أخذ نفساً عميقاً وحبسه داخل صدره، وأردف بصوت متشنج:
-أنا لحد الوقتي بأحس بكل حاجة عملها فيا، ولما بأشوفه قصادي بقى نفسي أخنقه بإيدي لحد ما روحه تطلع، بس بأحس إني عاجز قدامه، مش قادر أعمله حاجة!
صمت للحظة، وأخفض عينيه وهو يكمل قائلاً بخفوت يحمل الإنكسار:
-ببان قدامه إني قوي ومحدش يقدر عليا، بس.. بس أنا من جوايا آآ.. ج.. جبان، بترعش منه، ماهو اللي حصلي منه مش قليل يا تقى!

إبتلع ريقه بتوتر شديد، وتلاحقت أنفاسه وهو يضيف:
-أنا كنت زيك كده.. ضعيف مكسور، عمر حد ما كان هيصدقني لو قولت حاجة، هو قدامهم كان ليه جبروت، و هيبة، وأنا.. أنا محدش هيدافع عني قصاده!
إختنق صوته أكثر وأردف ببكاء:
-عارفة يا تقى أنا شوفت فيكي نفسي، شوفت ضعفي جواكي، حسيت بعجزي معاكي!
زاد نحيبه وهو يقول:
-أنا خوفت منك لما لاقيتك قصادي، حسيت إني بقيت مكشوف، الكل هيعرف اللي حصلي!

مسح أوس بأنامله عبراته المنسابة على وجنتيه، وأخذ نفساً عميقاً، وظل صامتاً لعدة دقائق..
أغمض عينيه.. وتنهد بصوت مكتوم..
ثم أطرق رأسه في خزي وهو يتابع قائلاً بصوت مختنق:
-كنت بسأل نفسي مليون مرة ليه بيعمل معايا أنا بالذات كده ؟ ليه بيتبسط لما يلاقيني قصاده عاجز ؟ كنت فاكر إني لو قولت لأمي هتحميني منه، بس هي وقت ما بتكون في حضنه بتنسى كل حاجة إلا عنفه معاها!

إختنق صوته أكثر وإزداد نشيجه وهو يكمل:
-طب ايه المتعة في إنه.. في إنه ينام مع الستات ويضربهم وهما يتبسطوا معاه؟ ايه اللي كان بيلاقيه في تعذيبهم؟ ده حتى.. حتى أمي كانت راضية باللي بيعمله معاها، وبتحبه، وهو كل يوم بيزيد قوة، فإزاي هتصدقني لما أقولها إنه.. إنه بيلمسني، ب آآ..!
أرجع رأسه للخلف، وحدق بسقفية الغرفة، ثم أخرج تنهيدة حارقة تعبر عن تلك النيران المتأججة في صدره..
صرخ بصوت متآلم ب:
-آآآآه.. آآآآآآه.

أخفض رأسه قليلاً، ونظر حوله وهو يتحدث بخفوت:
-هأقولك على حاجة يا تقى محدش يعرفها!
سلط أنظاره عليها، وهمس قائلاً بضعف:
-النار لما كانت حواليا في مكتب ماما، أنا مخوفتش منها، كان ممكن ألحق اخواتي البنات وأنقذهم من الموت، بس خوفت عليهم، خوفت لما يكبروا يعمل فيهم زي ما كان بيعمل فيا، مكونتش هاقدر أحميهم منه.. أنا فرحت إن كلنا هنرتاح منه ونموت!

إلتوى فمه بإبتسامة زائفة وهو يتلفت حوله بريبة، ثم عاود النظر إلى تقى الهادئة أمامه، وتلمس وجنتيها بأطراف أصابعه.. ثم أرخى قبضته عن كفها.. وإنحنى عليها بجذعه ليمد ذراعيه من خلف ظهرها، ثم رفعها إليه وضمها إلى صدره، وأسند رأسه على كتفها، وهمس في أذنها بشجن جلي وقد بدأ جسده في الإرتعاش:
-بس للأسف، هما ارتاحوا، وأنا لأ.. أوس الصغير إندبح على إيده يا تقى، إندبح ومحدش عرف بده!
ثم أغمض عينيه وتشنج وهو يتذكر كيف أغتيلت برائته...

كان الصغير أوس يشاهد الفيلم الكرتوني المعروض على شاشة التلفاز الصغير بغرفته بالمشفى - عقب إنقاذه من حريق مكتب والدته - حينما ولج ممدوح إلى الداخل وعينيه تشتعلان بالغضب الجم..
فإنتفض في فراشه، وإبتلع ريقه بخوف واضح..
أوصد ممدوح الباب من خلفه، ولم يحيد بعينيه الحمراوتين عنه..

أدرك الصغير أوس من نظراته المخيفة المسلطة عليه أنه قاب قوسين أو أدنى من خطر محدق..
إقترب من فراشه ذاك الذي يبغضه وملامح وجهه متصلبة للغاية، ثم نظر إليه بإزدراء قبل أن ينطق بشراسة جلية وهو يكز على أسنانه قائلاً:
-يا ريتك مت مع اللي ماتوا، لكن إنت فضلت عايش، هما اتحرقوا، وإنت اللي بقيت!
إرتعد جسد الصغير وهو يرى علامات الشر تزداد وضوحاً عليه..

كان غير قادر على الحركة، إنكمش على نفسه أكثر، وحاول أن يبدو أمامه صلباً، ولكنه كان يموت رعباً مع كل ثانية تمر وهو بمفرده معه..
كشر ممدوح عن أنيابه وتابع بصوت محتقن وهو ينظر له بنظرات مخيفة:
-بناتي اتحرقوا، لأ وإنت اللي تعيش! مش بعيد تكون إنت اللي عملت ده فيهم!
رأى الصغير أوس في عينيه نظرات الإنتقام، فخشي على نفسه، وتسارعت دقات قلبه، وتلاحقت أنفاسه..

حاول هو أن يتراجع في فراشه ليهرب منه، لذا إستند بكفه على جانب الفراش، وجاهد ليحمل جسده للخلف، ولكن إمتدت يد ممدوح لتقبض على معصمه، وتعتصره بقوة آلمته.. فصرخ متأوهاً:
-آآآآه.. سيب ايدي!
إبتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول أن يبدو متماسكاً أمامه رغم حالة الذعر المسيطرة عليه..
صاح ممدوح بغلظة وهو يحدجه بنظراته المميتة ب:
-مش هاتعرف تهرب مني يا أوس!
-ابعد عني
قالها الصغير بصوت شبه متشنج رغم وهنه، وكافح ليخلص قبضته الضئيلة.

اقترب منه ممدوح بشدة، ونظر مباشرة في عينيه، وهتف بلهجة حادة تحمل الوعيد:
-تفتكر أنا ممكن أسيبك عادي كده تفلت بعملتك من غير ما أنتقم منك!
تسربت القشعريرة إلى بدن الصغير أوس، وإرتعد أن يتحول الأمر إلى الأسوأ.. ففكر أن يدافع عن نفسه، فليس أمامه أي مهرب منه..
وبالرغم من نظراته الخائفة، وشفتيه المرتجفتين حاول الصغير أن ينطق بشجاعة زائفة:
-مش أنا اللي موتهم!
جذبه ممدوح نحوه بقسوة من معصمه، وصرخ فيها بهياج قائلاً:
-إنت كداب.. كداب!

هتف الصغير محتداً وهو يحاول تخليص قبضته:
-أنا مش بأكدب
هز ممدوح رأسه معترضاً وهو يتابع بإنفعال:
-لأ كداب، وأمك كانت عارفة إنك معاهم وسيباك تاخد بالك منهم، لكن إنت قتلتهم، حرقتهم!
تحشرج صوت الصغير وهو يدافع عن نفسه قائلاً:
-قولتلك مش أنا!
صر ممدوح على أسنانه بعنف، وضيق عينيه الشرستين وهو ينطق بوعيد:
-مش هاتعرف تضحك عليا يا أوس! مش هاتعرف المرادي!

رأى الصغير أوس في عينيه إصراراً رهيباً على الإنتقام منه في ذنب لم يرتكبه، فإبتلع ريقه في توجس عجيب، وهتف بوهن:
-أنا مش فاكر حاجة
أطبق ممدوح كفه على ذقن الصغير، وإعتصرها بأصابعه القوية، وصرخ فيه بصوت محتد وهو يرمقه بنظراته النارية:
-بس أبوك فاكر وعارف إنت عملت إيه
وضع الصغير أوس يده الضعيفة على قبضته القاسية، وحاول تخليص فكه المتألم وهو يهتف بصوت مختنق:
-ابعد عني.

قرب ممدوح وجهه من وجه الصغير، واخترق بنظراته جسده الهزيل، وهدر قائلاً:
-مش قبل ما أقضي عليك، وللأبد!
جحظت عيني الصغير، وهو يناضل للحفاظ على نفسه من براثنه، فصرخ بذعر:
-هاه، لألأ..!
كانت عيني ممدوح لوحدها كافية للتعبير عما بها من شر مستطر..
وفهم الصغير نواياه الخبيثة تجاهه.. وحاول أن يذود بنفسه، وخدشه بكفه في ساعده، وفي وجهه.. ولكن كانت قوته لا تذكر مقارنة به..
لم تهتز شعرة واحدة لممدوح بعد أن عقد النية على إغتيال طفولة إبن زوجته، وبدأ فعلياً في تنفيذ إنتقامه الشنيع..

حيث إنتزع الملاءة من عليه، وألقى بها بعيداً، ثم أمسك بمعصمي الصغير وضمهما معاً ليتمكن من تقييدهما بكفه الكبير..
وباليد الأخرى إنتزع الزي الطبي الذي كان يرتديه..
صرخ الصغير أوس بإهتياج رهيب، وإزدادت ثورة جسده وإنتفاضته محاولاً الهروب منه
صفعه ممدوح بقسوة على وجهه مما جرح شفتيه الصغيرتين، وهو يصيح قائلاً:
-مش هاسيبك النهاردة، هاعمل اللي كنت خايف منه، هاعمله!

ثم صفعه مرة أخرى بقوة وعنف، وتابع بغلظة:
-محدش هايندجك النهاردة مني، إنت هاتنتهي على إيدي!
أدار ممدوح وجهه للجانب ليرى تلك المنشفة القطنية الموضوع في صينية الطعام على الطاولة الملاصقة للفراش، فإلتوى فمه بإبتسامة شيطانية، وإنحنى بجذعه نحوها، ثم مد ذراعه ليلتقطها، وقام بدسها في فم الصغير ليمنعه عن الصراخ تماماً ريثما ينتهك برائته..
إزدادت إبتسامته شراسة وهو يضيف بسخرية:
-شكلك زي أمك بتحب العنف والضرب!

ثم مد كف يده الوضيع على جسد أوس، وجرده بالفعل من زي المرضى، وكذلك سرواله الداخلي ليكشف عن سوءته .. ونظر له بإستهزاء وهو يهمس بصوت شيطاني:
-هانشوف مين الراجل الوقتي يا.. يا ابن الجندي!
إنتفض الصغير بجسده لأكثر من مرة، وجاهد ليخلص قبضتيه، ولكن جثى فوقه ممدوح بجسده الثقيل ليمنعه تماماً عن الحركة، فبكى هو خوفاً وقهراً، وصرخ رغم إحتباس صوته وجرحه لعل أحد ما ينجده..

إنسابت العبرات من عينيه وهو ينظر لممدوح برعب ممزوج بالإشمئزاز، وقفز قلبه من بيده ضلوعه وهو يشعر بلمساته المقززة على جسده الضعيف..
ضيق ممدوح عينيه بشراسة وصر على أسنانه قائلاً بحنق:
-هاكسرك وهاذلك، هاخليك كلب، عبد، ماتنفعش بحاجة!

نجح ذلك الشيطان الوحشي في تدمير طفولة طفل صغير بسبب ذنب لم يرتكبه بأحط الوسائل القذرة، وألحق من قبل به الأذى النفسي قبل البدني بعباراته وتصرفاته المشينة، واليوم إغتصب برائته بوحشية يندى لها الجبين، وتركه مهاناً ومحطماً من كل النواحي.. نعم هو قتل ما تبقى من طفولته المنتكهة، وتركه بقايا طفل فقد كل شيء أحلامه وآماله ومستقبله لينشأ كشخص سوي.. وأوجد بدلاً منه وحشاً جديداً يدوس بقسوة، وبلا رحمة على من يقف أمامه ليشعر بتلك المتعة الغريبة في قهر الأخرين وخاصة الضعفاء.. نعم فقد أوجد ذئباً لا يرحم، ولا يغفر..

بعد أن فرغ منه ممدوح وأشبع دناءته وأرضى شهوته المريضة، مسح اللعاب المسال من زاوية فمه، وإبتعد من فوقه، وقال بصوت متشفي:
-وأهوو بكده عمرك ما هتنساني يا.. يا ابن مهاب!
إتسعت إبتسامته الوضيعة وهو يتابع بصوت متهكم وقاتم:
-ولو فكرت تحكي لحد مش هتلاقي اللي هايصدقك، ولو لاقيت حتى، هه.. شوف مين اللي هايجيبلك حقك مني
أغلق ممدوح سحاب بنطاله، وتابع بسخط:
-إنت محدش هايعبرك أصلاً، أمك ال **** راحت في داهية، وأبوك زيي واطي طول عمره، مش هايهمه غير مزاجه الوسخ وبس، وأنا عارف إزاي أبلفه تحت باطي، فمش هاتلاقي حد باقيلك إلا أنا.. أنا يا أوس!

اقترب من الفراش، وتلذذ برؤية فعلته بادية على جسد الصغير، وأكلم بصوت قاتم ومخيف:
-إنت جبان وضعيف، سامعني ضعيف، مش هاتقدر عليا أبداً، وهافضل أطاردك في كل وقت وأفكرك باللي عملته، أنا كابوسك اللي عمره ما هينتهي أبداً يا ابن الجندي، أنا اللي هاتفتكرني كل لحظة وإنت بتكبر، أنا اللي هتلاقيني طالعلك في أحلامك، ايوه أنا.. مش هاسيبك
ثم قهقه عالياً بطريقة هيسترية، ورقص مع نفسه مستمتعاً بنشوة إنتصاره المقيت، ثم أسند إصبعيه على مقدمة رأسه، ولوح للصغير مودعاً إياه قائلاً:
-سلام يا بن صاحبي!

لم يجب عليه الصغير أوس، بل تصلب جسده تماماً بعد أن أدرك الحقيقة العارية هو حقاً بمفرده.. لن ينتقم من أجله أبيه ولا حتى والدته..
نعم فبالرغم من سنوات عمره الصغيرة إلا أنه عاش أسوأ التجارب وأحثرها.. فقد رأي ممارسات والده الخاطئة في أحضان نساء عابثات وماجنات، وإستسلامهن التام لنزواته الشاذة.. ورأى إنصياع والدته وخنوعها لزوجها الثاني ممدوح وتمتعها بعنفه المفرط في علاقته معها..
أي أنه رأى كل ما لا يجب أن يراه طفل في مثل سنه الصغير، بالإضافة إلى الطامة الكبرى التي أجهزت على برائته حينما إستباح زوج والدته جسده الضعيف وشرع في تدميره كلياً..

تجمدت العبرات في عيني الصغير أوس، وحدق بنظرات فارغة في سقفية الغرفة، وتوقفت أنفاسه للحظة، وأصبح كالموتى.. خالياً من كل شيء..
حدجه ممدوح بنظرات أخيرة شامتة قبل أن يتجه نحو باب الغرفة وهو يعدل من ياقته ليخرج تاركاً إياه يتلفظ أنفاس طفولته الأخيرة..
وهنا عاهد الصغير أوس نفسه على ألا يترك آلامه تسيطر عليه، أو أن يكون خاضعاً للوحش الذي صنعه.. فسيكون هو سيد نفسه، جلاد غيره، متحجر القلب، لا يعرف الشفقة أو الحب..

ومن يومها تبدل حال الطفل أوس إلى وحش كاسر يزداد شراسة وقسوة بمرور الأيام ليخفي ضعفه الكامن في نفسه العاجزة..
لقد كان ينتقم لنفسه في كل امرأة واقعها بإذلالها أكثر، وكأنه يواجه عجزه عن الدفاع عن نفسه أمام ممدوح بإخضاع من ضاجعهن قسراً، وتحطيمهن جبراً، وذلك ليرى في أعينهن نشوة الإنتصار الزائف على شبح ممدوح الذي كان يلازمه في كوابيسه ويطارده في يقظته، وشيئاً فشيئاً تحولت تلك الممارسات البغيضة إلى عادات آثمة يألفها أوس ويستلذ بها...

عودة للوقت الحالي
أغرقت عبرات أوس كتف تقى، وإنحنى عليها أكثر ليكتم شهقاته في رأسها، وتابع بأنين هامس:
-من يومها وأنا معرفتش طعم الراحة، وأقسمت لنفسي ما هاكون زي ما هو عاوز، هاعذب كل اللي يقرب مني، هاحرق اللي يفكر بس يهددني!
أبعد أوس رأسه عنها، ونظر لها بنظرات غريبة وعينيه تلمعان.. وأردف قائلاً:
-بس إنتي غيرهم يا تقى، انتي قاومتيني، واجهتيني، عملتي 1 % من اللي كان نفسي أعمله فيه، أنا كنت عاوز أحس بالي عمله فيا فيكي، أشوفه مكسور، أنهي كابوسه للأبد..!

صمت للحظة ليسيطر على نوبة البكاء التي إجتاحته، وتابع بمرارة قاسية وهو مغمض العينين:
-كنت بأخدك غصب، كأني بانتقم منه فيكي، كنت عاوز أكسره، بس كنت بأكسر نفسي أكتر، افتكرت إني بعد ما خدت اللي عاوزه منك هرتاح، وهاخلص من شبحه اللي بيطاردني، بس.. آآآ.. بس لاقيتني صورة منه، نسخة زيه ويمكن أوسخ بكتير..!
توقف عن الحديث ليمسح عبراته من على وجنتيها التي تبللت منه، وقال بندم:
-أنا مكونتش عاوز أبقى زيه يا تقى، صدقيني..!

نشج صوته وتقطع وهو يكمل قائلاً:
-هو اللي عملني وخلاني زيه، وأنا معرفتش ده إلا.. إلا لما شوفتك بتروحي مني، عرفت إن أنا مش زيه، مش زيه، أنا ضعيف أوي أوي يا تقى، وجبان، أيوه أنا جبان، أنا كنت خايف حد يعرف باللي حصلي، وقتلت كل إحساس بالذنب جوايا مع اي حد أذيته، إلا أنتي يا تقى، إلا إنتي!
لمس وجنتها بأطراف أنامله، وهمس آسفاً:
-ايوه.. إنتي الوحيدة اللي كشفتيني قدام نفسي، عريتيني من كل حاجة، وعرفت إن أنا مش بني آدم، إني إنسان قذر بشع وسخ، كل العِبر فيا، بس مش نسخة منه يا تقى، مش زيه أبداً..

إحتضنها بذراعيه، وألصقها بصدره أكثر، ونظر لها نادماً، وتوسل قائلاً:
-ردي عليا وقولي إن أنا مش زيه!
أرجع أوس جسدها للخلف، وهزها بقوة وهو يهتف ببكاء:
-ردي يا تقى، قولي أن أوش مش زي ممدوح، سمعاني، ماتفضليش ساكتة كده، ردي وقولي أن أنا مش زيه، مش زيه، ماتسبنيش أتعذب كده!
تنهد بحرقة وهو يعيد ضمها إلى صدره بقوة ليكمل بكائه الآسف وهو يحتضنها بندم حقيقي...

خارج الغرفة
سار كبير الأطباء في الرواق المؤدي إلى غرفة تقى وهو يحذر من معه بصرامة قائلاً:
-مش عاوز دوشة ولا قلق، إنتو هنا في العناية المركزة، واللي بتسألوا عليها موجودة هنا
هزت فردوس رأسها موافقة، وأردفت قائلة بإستسلام:
-حاضر يا بيه، بس دلنا على أوضتها!
أشار بإصبعه نحو الغرفة وهو يجيبها بجدية:
-هي هناك!
ركضت فردوس - رغم ثقل خطواتها – في إتجاه الحائط الزجاجي المطل على غرفتها، وشهقت بفزع وهي تلطم على صدرها:
-تقى! بنتي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن والعشرون

في مشفى الجندي الخاص
تبدلت ملامح وجه فردوس للذعر حينما رأت وجه إبنتها يبرز من بين أحضان شخص ما يحتضنها..
ظنت في البداية أنه طبيب ما يتولى تمريضها، فصرخت بصدمة:
-بنتي!
ثم لطمت بكلا كفيها على صدرها.. وتسائلت بذهول:
-إيه اللي حصلك يا بنتي ؟

لحق بها منسي وأحمد ووقفا على مقربة منها، ولكنهما لم يتمكنا من رؤية تقى بوضوح..
تحشرج صوت منسي وهو يسأل كبيرالأطباء بإستفهام:
-هو مالها يا حالضاكتور ؟
رمقه كبير الأطباء بنظراته الساخطة وهو يرد عليه ببرود:
-اتعرضت ل.. لإغتصاب!
برزت عيني فردوس من محجريهما في رعب، وشهقت وهي تصرخ قائلة:
-يا نصيبتي..!

ثم اجهشت بالبكاء الحار على تلك الفاجعة التي لحقت بإبنتها، وإنتهكت عرضها، وعرضتها للفضيحة..
دار برأسها عشرات الأسئلة، وحاولت أن تتوصل في جزء من الثانية للإجابة عليهم، كيف حدث هذا ؟ ومن فعل هذا بها وشرع بلا رحمة في إنتهاك حرماتها وتركها على حافة الموت ؟ ولماذا ابنتها تحديداً ؟ وهل ستنجو مما حدث لها ؟ وكيف ستواجه الفضيحة في الحارة التي تقطن بها ؟ وكيف ستكون نظرة الجيران والناس لها ؟
إنقبض قلبها أكثر وشعرت بالحسرة والمهانة بعد تلك الكلمة التي فجعت روحها.. هزت رأسها في عدم تصديق، وإنتحبت بنشيج واضح، وظلت تهز جسدها في إستنكار تام لتلك الكارثة..

أصيب أحمد بذهول تام وتشنج وجهه، وفغر فمه قائلاً:
-ايييييه!
لم يتوقف عقله للحظة عن التفكير في تلك الجريمة النكراء التي تعرضت لها تلك البريئة النقية التي أحبها لبساطتها ولرقتها الشديدة، ربما لم يعرفها جيداً، ولكنها أسرت قلبه وخطفت عقله لحظة أن وقعت عينيه عليها.. أرادها أن تكون شريكة حياته إن تهيأت الظروف له لفعل هذا..
ولكن دمر أحلامه أوس – ذاك البغيض الذي يمقته – حينما طرده من عمله، وإعتدى بالضرب عليه، وحرمه منها..
إبتلع منسي ريقه بعدم تصديق، وتشدق قائلاً بصدمة:
-هاه، إغتصاب.

ثم حك رأسه بغلظة، فقد مر بباله ما إعتاد على فعله مع رحمة بإشتهاء، وتخيل تلك الجريمة الوحشية في تقى الخجلة النقية التي تمنى لو كانت زوجته، ولكنه لم يكنْ مستعد مادياً لمتطلبات الزواج، فإكفهر وجهه وإمتعض، فلماذا هي تحديداً ؟ وهي التي يشهد الجميع بحسن أخلاقها وسيرتها الطيبة..

هو يعلم أنه زاني، مرتكب للفواحش، ولكنه لم يكنْ ليعتدي على أنثى رغماً عنها.. وكان يودْ أن تكون هي شريكة حياته، فهي طاهرة، خبرتها قليلة، لم تكنْ لتعارضه أو تعترض على ما يقدمه لها، بل على العكس كانت سترضى بالقليل وتحمد الله، وربما سيكون سهلاً عليه أن يتمتع بحريته ( خاصة في أفعاله الغير أخلاقية ) دون محاسبة، ويطيعها على طريقة معيشته.. لكن كل ما تمناه ذهب أدراج الرياح وأصبح سُدى.. فقد تمتع بجسدها أحد غيره، وأصبحت – من وجهة نظره - لا تصلح له..
نظر لهم كبير الأطباء بإزدراء، ولم يهتم بردة فعلهم الصادمة والممزوجة بالعبرات والنشيج، وتابع بجدية:
-ده التشخيص الطبي لحالتها، وآآآ..

قاطعته فردوس بلهجة حادة - رغم إختناق صوتها - وهي تشير بإصبعها:
-بنتي مش هتستنى هنا لحظة واحدة، كفاية فضايح بقى، كفاية!
أفاق أحمد من شروده، وأومأ برأسه موافقاً إياها وهو يهتف قائلاً:
-ايوه، احنا هناخدها، وهتتعالج عندنا!
ظلت تعابير وجه كبير الأطباء جامدة، ورد بهدوء:
-حالتها حرجة ومش هاينفع آآآ..

أمسك منسي كبير الأطباء من ياقته، وجذبه بغلظة نحوه، وصاح بصوت هادر:
-بأقولك إيه يا ضاكتور، هناخدها يعني هناخدها ؟
حاول كبير الأطباء أن يحرر ياقته من يده، وإعترض قائلاً:
-بس ده آآآ...
تدخل أحمد في الحوار، وهتف بإصرار وهو يلوح بيده:
-محدش هايمنعنا عنها يا دكتور!

أمعنت فردوس النظر داخل غرفة إبنتها عبر الحائط الزجاجي بعد أن مسحت عبراتها بكف يدها، ورفعت حاجبيها في إندهاش عجيب وهي ترى إبنتها في أحضان من ظنت أنه طبيباً، وإزداد إنعقاد ما بين حاجبيها وهي تراه ينحني عليها ويقبل رأسها، فتسائلت بصوت متقطع وهي توزع أنظارها بينهما وبين كبير الأطباء:
-و آآ.. ده.. وده مين اللي معاها جوا ؟

ظن الجميع في البداية أنه الطبيب المرافق لها، والمتابع لحالتها الصحية، ولكن حينما دقق كبير الأطباء النظر فيه، جحظ بعينيه مصدوماً من رؤيته إياه إلى جوارها، وهتف قائلاً بذهول:
-هاه.. أوس باشا!
هتفت فردوس برعب وهي تلطم وجهها:
-يالهوييييي!
صرخ أحمد بعدم تصديق وهو يضع كفي يده على رأسه ب:
-مييييين ؟
نظر منسي إليهما بإستغراب، وسألهما بحيرة:
-مين أوس ده ؟

لم تنتظر فردوس اكثر من هذا، فقد خشيت أن يقتل إبنتها، فهي تعرفه حق المعرفة، ومتأكدة من قدرته على تدمير الأخرين دون أن يبقى أي عقاب، لذا ركضت في إتجاه الباب، وإقتحمت الغرفة وهي تصرخ بصوت مرتفع:
-إبعد عن بنتي..!
إنتبه أوس إلى صوت تلك السيدة ورمقها بنظرات حادة من عينيه الحمراوتين، وهتف محتداً:
-برا
هزت رأسها نافية، ولم تحيد بنظراتها المحتقنة عنه ولا عن إبنتها، وأجابته بإصرار عجيب:
-لأ مش هاطلع برا يا باشا، بنتي وهاخدها غصب عنك!

ضم أوس تقى أكثر إليه، كاد أن يدخلها في ضلوعه حتى يحميها من الأخرين، و أولى فردوس ظهره، وحدجها بنظرات صارمة وهو يهتف بصوت قاتم:
-مش هايحصل!
لحق بها أحمد، ورمقه بنظرات مشتعلة، وصاح هو الأخر بتحدٍ سافر:
-تقى هاتيجي معانا يا.. يا باشا!
نهض أوس من على الفراش وهو يضم تقى إلى صدره، وأحاطها جيداً بذراعيه، وتراجع للخلف وسحبها معه وهو يصرخ بعصبية:
-محدش هياخدها مني، إنتو سامعين، تقى ليا وبس، ليا وبس!

دلف كبير الأطباء إلى الغرفة، وأردف بهدوء حذر وهو يشير بيده:
-إهدى يا باشا، محدش هايعمل حاجة، إنت بس آآ...
قاطعه أوس قائلاً بصراخ عنيف:
-برا، الكل يطلع من هنا، محدش يقرب مننا!
ولج منسي إلى الغرفة، وإشرأب برأسه محاولاً رؤية ذلك الرجل، وإعتلى وجهه الدهشة الممزوجة بالغضب حينما أمعن في تفاصيل وجهه التي حفرت في ذاكرته، وهتف بصوت مرتفع:
-أنا فاكره الجدع ده، هو.. أيوه هو!

إشتعلت عيني منسي، وتلاحقت الدماء الغاضبة في عروقه بعد أن تذكر ما فعله معه من قبل قبل عدة أشهر، حينما إعتدى بالضرب المبرح عليه أمام جيرانه بالحارة، وهز من صورته، وجعله يشعر الخزي لفترة..
كور هو قبضته في غضب واضح، وصرخ بغل:
-و الوقتي جه دوري إن أخد حقي منك
إلتفت منسي لكبير الأطباء ورمقه بنظرات محذرة وهو يهتف فيه بقوة:
-إطلع برا يا ضاكتور
نظر له كبير الأطباء بإندهاش عجيب، ورفع حاجبه وهو يسأله قائلاً
-أفندم! إنت بتقول إيه ؟

-زي ما سمعتني يا ضاكتور
قالها منسي بصوت جاد وهو يدفعه بعنف إلى خارج الغرفة..
نهره كبير الأطباء بإستنكار شديد وهو يقاومه ب:
-إنت أد الحركة دي ؟ إنت عارف أصلاً إنت بتتعامل مع مين ؟
أجابه منسي بعدم إكتراث بعد أن ألقى به للخارج
-لأ مش عارف، ومش عاوز!
ثم صفق الباب بقوة وأوصده، وإستدار بجسده ليواجه أوس ويرمقه بنظراته المشتعلة، وهتف قائلاً وهو يلوح بيده:
-بس أنا هاخد حقي من الكلب اللي هناك ده.

صاح كبير الأطباء بخوف شديد وهو يطرق على الباب الزجاجي:
-إنت مجنون، افتح الباب
صرخت فردوس بعصبية وهي تمد كلا ذراعيها في إتجاهه:
-هات بنتي، سيبها!

لف أوس ذراعاً واحداً حول ظهر تقى ليسندها، وأحكم قبضته عليها.. نظر هو لهم بشراسة بعينيه الحمراوتين، وأشار بيده الأخرى في أوجه المتواجدين محذراً وهو يهتف بصوت حاسم:
-محدش هياخدها مني، فاهمين!
تحرك أحمد خطوة في إتجاهه، وهتف متحدياً إياه:
-مش بمزاجك المرادي يا باشا
أضاف منسي هو الأخر بنبرة تهديد صريحة:
-جه وقت الحساب!

ركض كبير الأطباء في الرواق وهو يهتف بصوت مفزوع ب:
-هاتوا الآمن بسرعة، في مصيبة بتحصل هنا في المستشفى!
كان الرواق شبه خالي من الممرضين والعاملين، فتعصب هو اكثر، وأضاف لنفسه بصوت محتقن:
-هانروح كلنا في داهية لو الباشا أوس جراله حاجة!
ثم صرخ بصوت عالي:
-فيييييين الأمن!

بداخل غرفة العناية الخاصة بتقى
تبادل كلاً من أحمد ومنسي النظرات الغاضبة، وأشار كلاهما نحو أوس وتقى، ثم تحركا في إتجاههما، بينما تنحت فردوس للجانب، وتابعت بتوجس ما سيحدث..
أشار منسي بعينيه لأحمد ليتحرك في الإتجاه المقابل، وحدق بهما أوس بنظرات شبه منزعجة، فهو في حالة صحية منهكة، وتشبث بتقى أكثر، ولم يفلتها منه..
وفي لحظة واحدة باغت كلاهما أوس بالهجوم عليه، وحاول أحمد أن ينتزع تقى من أحضان أوس الذي إهتاج صارخاً:
-مش هاتخدها مني، ده لو على موتي.

نظر له أحمد بنظرات مغلولة، وهتف بإصرار:
-وأنا مش هاسيبهالك يا باشا، هاخدها منك
في حين أمسك منسي برأس أوس، وحاول أن يلوي عنقه، فصرخ الأخير متأوهاً ك
-ابعد يا ****!
لكمه منسي بقوة في وجهه، وهو ينطق بتشفي:
-ده أنا مصدقت أخد بتاري منك، خد يا بن ال *****
-آآآآآآه..

كافح أوس للحفاظ على تقى وبقائها معه، لكنه لم يكن يملك القوة الكافية للدفاع عنها وعن نفسه.. فقد إنهال الإثنين بالضرب المبرح عليه، وأشبعوه من اللكمات والركلات القاسية فلم يعد يشعر بالآلم، فهمه الأكبر بات الإحتفاظ بتقى قدر الإمكان في أحضانه..
سقط أوس أرضاً، وكذلك تقى، فأحاطها بذراعيه، وجثى فوقها، وأولى ظهره للإثنين اللذين لم يكفا عن ركله بإهتياج في جسده، وتحمل الضربات العنيفة عليه من أجل حمايتها..

ظل ينظر إليها ممتعاً عينيه بقربه الشديد منها، لم يعبأ بالآلم الصارخ في جسده، فهو يشعر بأنفاسها تلفح وجهه..
إنضمت فردوس هي الأخرى إلى الرجلين، وقامت بخدش أوس بأظافرها في وجهه وهي تصرخ بصوت محتد:
-كفاية بقى، إبعد عننا، وسيب بنتي في نصيبتها
لم يجبها أوس بل ظل محدقاً بزوجته.. ولكنه شعر بالإختناق فجأة، فقد أطبق منسي على عنقه، وضغط بقسوة على عروقه، فمنعه من التنفس بصورة طبيعية..
ثم عاونه أحمد في جذبه للخلف، وإجتهدت فردوس في تخليص ذراعيه بعيداً عن إبنتها.

نجح الثلاثة في إبعاد أوس عن تقى، فإستغل منسي الفرصة وأوسعه ضرباً.. وسحبه إلى زاوية الغرفة..
نعم.. فقد جاءت الفرصة ليقتص لنفسه، فلكمه تارة في صدره، وتارة أسفل بطنه، فإنحنى أوس متألماً، وكافح ليرد الضربات، ويعود ليأخذ زوجته في أحضانها لكن هيهات، فهو أضعف من تلك المواجهة الغير متكافئة، و لم يتركه منسي إلا وقد طبع أثار قبضاته على مختلف أجزاء جسده..
جثت فردوس على ركبتيها، ورفعت جسد إبنتها الهزيل نحوها، وأسندت رأسها على فخذيها، وهتفت بصوت باكي:
-بنتي! ايه اللي جرالك يا ضنايا ؟ روحتي مني يا حبيبتي!

ثم إنحنت بجسدها عليها، وقبلتها في جبينها، وتابعت بأنين مرير:
-عملوا فيكي ايه ؟ كنتي وردة مفتحة معايا، دبحوكي يا غالية ورموكي، آآآآآه.. يا حرقة قلبي عليكي، آآآآآه، أنا السبب في اللي جرالك، أنا السبب!
إستشاط أحمد غضباً لرؤية تقى على تلك الحالة الحرجة، فإزداد إهتياجه على أوس، وضربه بشراسة أكثر في وجهه حتى طرحه أرضاً.. ثم ركله في معدته بعنف وهو يصرخ بعصبية:
-ماسيبتهاش ليه تعيش حياتها زي بقية الناس، اشمعني هي اللي تاخدها مني ؟ استفدت إيه من اللي حصلها ؟ كنت فين وهي بيجرالها اللي جرى، انطق.. قول كنت فين ؟

جاهد أوس ليفتح عينيه لينظر نحوها، ولكن أغلقت اللكمات جفنيه، وجعلتهما أكثر ثقلاً.. فهمس بضعف شديد:
-ت.. تقى!
ثم حاول أن يزحف في إتجاهها، ولكن أمسك به منسي من قدمه، وجره للخلف، وجثى فوقه بعد أن أداره في إتجاهه، وظل يكيل له بعنف في وجهه حتى نزف فمه وأنفه خيوطاً من الدماء وهو يصر على أسنانه قائلاً بقسوة:
-مش منسي يا باشا اللي يسيب حقه ويدارى زي الحريم، هاه، سامع مش منسي!
كاد أوس أن يختنق بدمائه وهو يكافح للصمود، وحاول لأكثر من مرة أن يدير رأسه في إتجاه تقى، ولكن كانت اللكمات تحول دون هذا..

وصل رجال الآمن إلى الرواق، ومعهم كبير الأطباء، وركض الجميع في إتجاه غرفة تقى..
أسرع أحدهم بمحاولة فتح الباب الموصود من الداخل ولكنه فشل، وأردف بتوجس:
-مقفول يا باشا من جوا!
هتف كبير الأطباء بصراخ هادر ب:
-هو إنت غبي ؟ ما أنا عارف إنه مقفول، إتنيل افتحه!
تدخل حارس أخر بجسده، وقال بجدية:
-حاسب إنت، أنا هاكسره!

نفخ كبير الأطباء بغيظ، وأمرهما بصوت صارم ب:
-اتصرفوا، بس الباشا لازم يخرج حالاً، فاهمين!
عاودت المدبرة عفاف أدراجها حينما يئست من إيجاد الطبيب، وبصحبتها الممرضين، فتفاجئت بالحشد المتواجد أمام باب غرفة تقى، فإنقبض قلبها لوهلة، وأسرعت في خطاها، وحدثت نفسها بذعر قائلة:
-في ايه ؟ استر يا رب!

رأت هي كبير الأطباء وهو يتراجع للخلف، وأحد رجال الأمن يحاول تحطيم باب الغرفة، فتسائلت بخوف:
-هو حصل إيه ؟
أجابها بصوت محتقن وهو يشير برأسه ب:
-في شوية بهايم جوا حاجزين الباشا أوس وبيتخانقوا معاه!
نظرت له بهلع، وصرخت مصدومة ب:
-ايييييه!

بداخل الغرفة
إنتهى الإثنين من النيل من أوس وضربه، فمسح منسي الدماء من على كفه في زي أوس الطبي، ونهض من عليه وقد إلتوى فمه بإبتسامة إنتصار:
-اللعب مع رجالة الحواري خطر يا باشا، وأديك عرفت ده كويس!
في حين إتجه أحمد نحو تقى، وجثى إلى جوارها، ومد يديه نحو كفيها، وربت عليهما، وهمس لها قائلاً:
-تقى، خدنا حقك منه، سمعاني، إحنا انتقمنا منه، إنتي في أمان دلوقتي!

نظرت له فردوس بأعين باكية وهي تجيبه بخوف:
-بنتي! مش بترد عليا!
أرخى أحمد يده عن كف تقى، وربت به على كتف فردوس، ونظر لها بنظرات قوية وهو يجيبها بثقة:
-ماتخفيش يا ست فردوس، بنتك رجعتلك، وانا هاحميها
كتمت فردوس شهقاتها بكف يدها وهي تجيبه بصوت مبحوح:
-بنتي هاتموت، بنتي هاتروح مني!

هز أحمد رأسه معترضاً وهو يرد عليها بإصرار:
-لألألأ.. تقى هاتعيش!
نظر منسي إلى الحائط الزجاجي، فوجد التجمع المتواجد بالخارج، فأردف قائلاً بجدية:
-بيتهيألي احنا عملنا الواجب وزيادة، يالا بينا!
أومأ أحمد برأسه موافقاً، وهو يجيبه بإيجاز:
-ماشي.

وضع منسي يده على كتف أحمد، وأرجعه قليلاً للخلف وهو يقول بصوت صارم:
-عنك شوية
أفسح أحمد له المجال بعد أن نهض من على الأرضية، في حين إنحنى هو للأسفل ليتمكن من وضع ذراعيه أسفل جسد تقى المتراخي، ثم حملها من بين أحضان والدتها، وإتجه نحو الباب..
نهضت فردوس هي الأخرى عن الأرضية، وسارت خلفه وهي تكفكف عبراتها بكفيها...
أشار منسي بعينيه لفردوس قائلاً بجدية:
-افتحي يا ست أم تقى الباب!
-حاضر يا بني!

اقترب أحمد من أوس الراقد أرضاً وهو يتلوى من الآلم، ويصدر حشرجات قوية من حنجرته، ثم إنحنى نحو أذنه بعد أن جثى على ركبته، ، وهمس قائلاً بتشفي:
-وعرفت أخدها منك يا باشا، وريني هاترجعها تاني إزاي، هي معمرهاش كانت ليك، ولا هاتكون، تقى مش ليك يا باشا، سامعني مش ليك .!
مد أوس كفه ليمسك بأحمد ويخدشه في وجهه، ولكن أبعد الأخير يده، وركله لمرة أخيرة، وأسرع في إتجاه الباب..

تفاجيء جميع من بالخارج بمنسي وهو يحمل تقى، وتراجعوا للخلف بعد أن هدر بصوت عنيف:
-وسعوا سكة بدل ما أطربأ المكان على اللي فيه، ومش هايهمني أتخن حد فيكم هنا
أضاف أحمد هو الأخر بنبرة مهددة وهو يلوح بذراعيه:
-إرجع لورا إنت وهو.. يالا!

أشار كبير الأطباء للجميع بالتراجع وهو يقول بتوتر:
-الكل يبعد، سيبوهم يمشوا
لقد أثر كبير الأطباء أن يتخلص من تلك الحفنة من البشر حتى يصل إلى إبن رب عمله.. فهو شاغله الأكبر..
راقبت المدبرة عفاف الثلاثة وهم يندفعون في إتجاه الرواق مبتعدين عن المكان بنظرات خائفة، وضمت يديها إلى صدرها، وهمست برعب:
-عملتوا ايه في الباشا وفيها ؟

زحف أوس بجسده المنهك من أثر الضرب في إتجاه الباب ومد يده محاولاً الإمساك بما تبقى من أثر تقى التي رحلت مبتعدة عنه.. وجاهد ليفتح عينيه التي غطتهما الدماء، وصرخ بصوت مبحوح للغاية ك
-تقى.. تقى!
دلف الجميع إلى الداخل فوجدوا الحالة الرثة التي أصبح عليها أوس الجندي، فأسرعوا نحوه، ولكنه رفض أن يمد إليه أي أحد يد المساعدة، وصرخ رغم ضعف صوته ب:
-محدش يجي جمبي، محدش يقرب مني!

رد عليه أحد رجال الأمن بتوجس قائلاً:
-يا باشا، إنت آآ..
كافح أوس للوقوف على قدميه، وترنح بشدة وهو يقترب من باب الغرفة، ولم يكن يرى أمامه بوضوح، فقد كان ينظر بنصف عين..
ركض في إتجاهه كبير الأطباء وهتف بقلق وهو يضع يده على كتفه:
-استنى يا باشا، ده إنت حالتك آآ..

قاطعه أوس بصوته المتحشرج وهو يلكزه في صدره:
-محدش ليه دعوة بيا، وسعوا من طريقي، سيبوني!
سقط أوس أرضاً ولم يتمكن من الوقوف بسبب تدهور حالته، وحالة عدم الإتزان المسيطرة عليه..
شهقت المدبرة عفاف حينما رأت حالته، وقالت بنبرة هلعة:
-آآ.. أوس باشا، مش ممكن!

أصابت أوس حالة من الإعياء الشديد، ولم يعد يشعر بجسده، فقط آلام رهيبة ووخزات عنيفه تجعله يصرخ أكثر..
أشار كبير الأطباء للممرضين بالتدخل فوراً، وحمل أوس رغماً عنه ليتلقى العلاج الفوري..
وبالفعل نفذوا ما طلبه منهم، ووضعوه على التروللي الطبي..

وبالرغم من حالة الضعف الشديدة المسيطرة عليه إلا أن أوس لم يتوقف عن المقاومة، وظل ينتفض بجسده محاولاً النهوض..
حاولت عفاف تهدئته، وجثت إلى جواره، وأدمعت عينيها لرؤيته هكذا.. هدر أوس قائلاً بصوت صارخ قبل أن يحقنه كبير الأطباء بمخدر ما:
-تقى، محدش هياخدك مني، هاوصلك، مش هاسيب الكلاب دي تبعدك عني، أنا راجع تاني، راجع وهاخد من وسطهم، ومحدش هايمنعي، محدش هايمنعني.. م.. م..آآآآ..!
ثم خفت نبرة صوته تدريجياً، وإستكان جسده تماماً، وإمتزجت عبراته بدمائه المراقة على من فارقته اليوم رغماً عنه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع والعشرون

كانت تقى تعيش في عالم خاص بها، تصارع فيه قدرها، نعم كانت تعاني في أحلامها..
تلفتت حولها في ذلك الظلام الدامس محاولة إيجاد السبيل للنجاة بعد أن ضلت طريقها..
فرائصها ترتعد، قلبها ينبض بسرعة رهيبة، أنفاسها لاهثة.. ولكن هناك أضواءاً عالية تسطع من مكان ما..
ركضت نحوها بقدميها الثقيلتين.. وشهقت في فزع حينما رأتها نيراناً مستعرة، ومن خلفها أعين تضيء بشراسة في الظلام..

تراجعت بفزع للخلف، وسقطت على ظهرها، وحاول أن تزحف بمرفقيها مبتعدة عن هذا الخطر المحدق بها..
حاولت أن تصرخ ولكن إنقطعت حبال صوتها، وتحشرج صوتها..
أدارت جسدها، وجثت على ركبتيها، وزحفت على تلك الأرضية الخشنة، فإنجرحت ساقيها، ولكنها لم تأبه بالآلم الرهيب..
هي تريد النجاة..
سمعت صوتاً يأتيها من بعيد بهتف بإسمها، فتلفتت حولها بخوف شديد، ونظرات الذعر لم تفارق عينيها، ولكنها جاهدت لتعرف مصدره..

تمكنت من الوقوف على قدميها، وعرجت وهي تركض مسرعة نحو الظلام.. ولكن مازال يطاردها ذلك الصوت الشجي المتآلم..
كافحت تقى لتفتح عينيها، وبالفعل رأته ذلك المسجي على الأرض وينادي بإسمها.. ويتلقى الضربات الموجعة وهو يحاول الوصول إليها
رمقته بنظرة غير واضحة، نعم هي تألف صوته ولكنها في نفس الوقت تخشاه بشدة.. وفجأة أغمضت عينيها، وشعرت أن جسدها يهتز بقوة، فإستسلمت لصوت جسدها، وهوت في تلك الهوة العميقة التي إبتلعتها بشراهة، ومع هذا صاحبها ذلك الصوت الذي يصرخ بمرارة بإسمها، فكانت أخر ما إلتقطته أذنيها قبل أن تسقط في بئر ظلامها..

ركض منسي بتقى خارج المشفى، ولم يعبأ بملاحقة الأمن له، فقد تكفلت فردوس ومعها أحمد في منعهما من الإقتراب منهما، حيث ظلت هي تصرخ بطريقة هيسترية جعلت الجميع يخشى الإقتراب منها، وأشار أحمد بيديه بطريقة محذرة في حالة تفكير أي أحد في التدخل..
ثم أسرع في خطواته في إتجاه الطريق الرئيسي ليستوقف سيارة أجرة، وبالفعل توقفت إحداهم، ومن ثم ركبت فردوس في الخلف، وأسند منسي تقى بحذر على المقعد الخلفي، حيث أحاطتها والدتها من ذراعيها، وظلت تقبل رأسها بعاطفة أموية كبيرة..

تعجب السائق من حالة تلك المريضة الحرجة، وشحوب وجهها، ولكنه لم يجرؤ على طرح أي أسئلة، إكتفى بالإيماء برأسه، وأدار سيارته إلى الوجهة المطلوبة..
لم يكف عقل فردوس عن التفكير للحظة فيما حدث لإبنتها الوحيدة..
لقد تعرضت لأبشع جريمة يمكن أن ترتكب.. الإغتصاب..

الفضول يقتلها لمعرفة كيف حدث لها هذا، وكيف إستسلمت لحفنة من الذئاب البشرية لينهشوا عرضها..
هي لم تعرف ملابسات الحادث بالضبط.. فظنت أن إبنتها قد أغتصبت كما تسمع وتشاهد في التلفاز على أيدي بعض الشباب المنحرفين..
تنهدت في إنهاك وهي تمسح على رأس إبنتها، وإحتارت في كيفية التصرف، فهي لا تعرف كيف تتعامل الضحية مع الغير ومع عائلتها في هذه النوعية من الجرائم..
هي تقاوم الشعور الذي يتسرب رويداً رويداً إليها بالعار والخزي..

فجريمة هتك العرض تتحمل جريرتها المرأة وحدها حتى أخر العمر.. ويحمل معها عبئها أسرتها بالكامل..
من الذي سيرضى بفتاة ذبحت بشراسة قبل أن تتمتع بحياة زوجية هانئة..
من الذي سيقبل أن يكون الرجل الثاني في حياة شابة طمس طهرها مجموعة من الأوغاد..
لم تدرْ أنها ذرفت الدموع عفوياً وهي تتحسر بآسى على مستقبل إبنتها الذي إنتهى قبل أن يبدأ..

في مشفى الجندي الخاص
دارت أحاديث جانبية في جميع أرجاء المشفى وخاصة بين الحرس والممرضين عن تعرض إبن صاحب المشفى للضرب، حيث كانت ردود أفعالهم مختلفة.. فتشفى البعض فيه، وإنزعج البعض الأخر..
ولكن نتيجة ما حدث تم إتخاذ إجراء ضد كل من تسبب في هذا الإهمال بناءاً على تعليمات كبير الأطباء مما سبب سخط الجميع..
كما قلبت أوضاع المشفى رأساً على عقب بعد إنتشار خبر تعرض أوس الجندي للضرب الوحشي..
إنتفض الجميع في أماكنهم، وأصبحوا في حالة تأهب شديدة..

أسرع كبير الأطباء بإدخال أوس إلى غرفة الطواريء للفحص الكلي، ومنها إلى غرفة الأشعة للتأكد من عدم وجود أي كسور أو مضاعفات أو نزيف داخلي به..
كذلك إنضم الطبيب مؤنس للطاقم المعالج له، وصاح بغضب قائلاً:
-دي اسمها مهزلة، فين الأمن هنا، وفين الممرضين، دي مش مستشفى، ده اسمه سوق، إزاي ناس زي دول يدخلوا ويخرجوا من غير ما حد يمنعهم ؟ إزاي ؟
أجابه أحد الأطباء بخفوت وهو يتلفت حوله بحذر:
-دي أوامر عليا، محدش فينا كان يعرف.

هتف محتداً وهو يلوح بذراعه:
-لو جراله حاجة أنا هاحملكم المسئولية كلكم! أنا مش هاسكت
هنا تدخل كبير الأطباء، ووضع يده على كتفه، وأردف بهدوء حذر:
-إهدى يا دكتور مؤنس، وأنا هاتصرف
صرخ الأخير منفعلاً وهو يشير بإصبعه:
-أهدى إزاي يعني ؟ ده مريض وتحت مسؤليتي، وأنا آآآآ....

قاطعه كبير الأطباء ببرود قائلاً:
-محدش قال إنك مقصر معاه، بس اللي حصل حصل، وأنا حالياً بنفسي هتابع كل اللي يخصه
ضيق الطبيب مؤنس عينيه أكثر ليرمقه بنظراته الساخطة وهو يسأله بحنق:
-ودكتور مهاب عرف باللي حصل ؟
تنهد في إرهاق وهو يرد عليه بفتور:
-لأ لسه، ومافيش داعي نبلغه إلا لما نطمن الأول
استشاط مؤنس غضباً، وصرخ قائلاً:
-والله ده استهبال.

حدجه كبير الأطباء بنظرات محذرة وهو ينطق بصرامة:
-دكتور مؤنس، مافيش داعي للغلط.. أنا قولتلك هاتصرف بطريقتي
حك مرنس رأسه، وتسائل بجدية شديدة:
-طب والمريضة اللي كانت معاه ؟
أجابه بإقتضاب وهو يدس يديه في جيب معطفه الطبي:
-خرجت!

جحظت عينيه بذهول، وفغر فمه قائلاً بذعر:
-نعم! إزاي ؟ ده.. ده خطر على حياتها وآآ...
قاطعه بعدم إكتراث وهو يشير بيده:
-أهلها خدوها وأنا مقدرش أمنعهم
سأله مؤنس بتهكم وهو ينظر مباشرة في عينيه:
-وفين ضميرك المهني يا دكتور، دي محتاجة رعاية من نوع خاص ؟!

رد عليه بعدم إهتمام وهو يوليه ظهره:
-عيلتها تتصرف معاها!
لوى مؤنس فمه بسخط أكبر وهو يتابع قائلاً:
-بجد أنا مستغربك، أنا..آآآآ....
إستدار كبير الأطباء ليواجهه، وقاطعه بنبرة جادة ب:
-دكتور مؤنس واضح إنك منفعل أوي، وده مش كويس عشان المريض، أنا رأيي تطلع مكتبك ترتاح، وأنا هابلغك بالجديد
صر الطبيب مؤنس على أسنانه في حنق، فهو يعلم أن جداله معه لن يوصله إلى شيء، فإكتفى برمقه بنظراته النارية، ثم كور قبضة يده، وإنصرف وهو يغمغم بغضب..

لاحقاً أعاد أحمد ومنسي تقى إلى منزلها المتواضع بالحارة الشعبية.. وحملها الأخير خارج سيارة الأجرة بحذر.. وسار بها في إتجاه البناية القديمة دون أن يتفوه بكلمة..
تفاجيء أهالي الحارة بحالة الإعياء الشديدة التي كانت عليها تلك الغائبة لفترة، وتداولوا بعض الأقاويل عنها، وإنتشرت شائعات مغلوطة تخص أمرها..
لم تهتم فردوس بنظرات المحيطين بها سواء الفضولية أو حتى الشامتة.. فأكبر ما يهمها الآن هو حياة إبنتها، وعودتها إلى طبيعتها..
ركضت صعوداً على الدرج لتتمكن من فتح باب منزلها لهما..

في حين قتلت نظرات الغيرة أحمد لحمل منسي لتقى بين ذراعيه.. كم كان يود أن يحملها هو وينطلق بها نحو منزلهما كعروسين سعيدين، ولكن تم بتر أحلامه منذ مهدها..
نفض هو تلك الأفكار عن رأسه، وأردف بجدية:
-لازم نشوفلها دكتور كويس يقولنا هنعمل ايه معاها، لأن حالتها ماتطمنش!
نظر له منسي شزراً، وأجابه بفتور:
-والله دي حاجة ترجع لأمها، ولأهل بيتها، معتقدش إن حد هيحتاج خدماتك في حاجة
صر أحمد على أسنانه وهو يجيبه بحنق:
-أنا دوري لسه مخلصش.

إلتوى فم منسي بطريقة مستهزئة وهو يجيبه قائلاً:
-لأ.. لحد هنا وآآآآ..
قاطعهما صوت فردوس الصادح ب:
-أنا فتحت الباب على أخره، أوام الله يكرمكم!
إتجه منسي نحو الباب، وظل يلهث وهو يلج للداخل، وأرشدته فردوس إلى مكان غرفتها، فوضعها برفق على الفراش، وأسرعت هي بتغطيتها بالملاءة، وجلست على طرف الفراش إلى جوارها، ومسدت على رأسها، وكذلك مسحت على وجنتها، ثم إنحنت لتقبلها من رأسها وهي تقول بصوت أسف:
-سامحيني يا بنتي على اللي حصل مني، ربنا يعيني وأعوضك عن اللي فات!

تنحنح منسي بصوت خشن، ووزع أنظاره ما بين الإثنتين، وقال بصوته الأجش:
-ها يا ست فردوس، عاوزة حاجة مني ؟ الأمانة رجعت تاني أهي!
نظرت له بإمتنان، وأجابته بصوت شبه باكي:
-كتر خيرك يا بني
هتف أحمد بإصرار وهو يشير بيده:
-أنا بأقول نجيب دكتور يشوفها الوقتي، وآآآ..

قاطعه منسي بصوت حاد وهو يرمقه بإزدراء:
-مقولتلك دي حاجة متخصكش، إحنا عيلة هنتصرف مع بعضنا
وقف أحمد قبالته، ونظر له بتحدٍ وهو يردف قائلاً بسخط:
-عيلة إزاي يعني ؟ ده أنت آآآآآ..
قاطعتهما فردوس بصوت شبه محتد ب:
-سيبوا بنتي في حالها، أنا هاتصرف معاها، وربنا يباركلكم لحد كده، ومتشكرة على كل حاجة، وبخاطركم بقى، عاوزة أشوف بنتي.

مسح منسي على صدره، ولم يحيد بعينيه الغاضبتين عن وجه أحمد وهو يجيبها بجدية:
-ماشي يا ست فردوس، إحنا برضوه موجودين في الخدمة، ومتشليش هم مصاريف، رقبتي سدادة
بادله أحمد النظرات المستفزة، وأردف قائلاً بهدوء حذر:
-لو مكنش فيها إزعاج، أنا هابقى أجي أطمن على تقى، وهاجيبلها دكتور معرفة
ردت عليه فردوس بنبرة جادة بعد أن نهضت من جوار إبنتها، ووقفت على مقربة منهما:
-ربنا يسهل، أستأذنكم الوقتي تمشوا.

أومأ منسي برأسه وهو يجيبها بصوته المتحشرج:
-حاضر يا ست تقى
ثم إستدار برأسه نحو أحمد، وحدجه بنظراته الحادة وهو يقول:
-مش يالا يا أخ!
نفخ أحمد في ضيق وهو يجيبه بإقتضاب:
-طيب
ثم رافقتهما فردوس إلى خارج المنزل، وركضت مهرولة في إتجاه غرفة زوجها، لتخبره بعودة إبنتهما الوحيدة إلى أحضانهما..

هزته من كتفه برفق وهي تهتف بفرح:
-إصحى يا عوض، بنتك تقى هنا!
فتح عينيه بتثاقل، ونطق بصوت متلعثم:
-ت.. تقى!
أومأت برأسها وهي تجيبه بنبرة متفائلة وقد أدمعت عينيها:
-أيوه بنتك، تعالى عشان تشوفها، والله أول ما هاتشوفها هتفتكرها على طول، هو في حد ينسى ضناه برضوه!

ثم أزاحت الملاءة عنه، وأنزلت ساقيه على الأرض، وأسندت ذراعه حول كتفها، ولفت ذراعها الأخر خلف ظهره، وتحملت ثقل جسده، وسارت به في إتجاه غرفة إبنتهما..
وما إن رأها عوض حتى إرتسمت على وجهه علامات الفضول والإندهاش.. نعم فملامحها البريئة محفورة في ذاكرته، وإسمها يأتي على لسانه.. ولكنه لا يتذكرها تماماً..
أشفق على حالتها.. وشعر بغصة في حلقه وهو يرى أثار الجروح والكدمات على وجهها وأجزاء جسدها المتكشف..
سأل فردوس بصوت متقطع ب:
-ه.. هو.. م.. مالها ؟

نظرت بإنكسار له، وأجابته بخزي:
-اللي حصل لا يتقال ولا يتحكى، إدعيلها يا عوض، إدعيلها، احنا في غلب، وبنتنا.. وبنتنا مالهاش إلا ربنا
هي تعلم أن مأساة عائلتها سيتحملها هما الاثنين فقط، ولن يشاركهما أي أحد مشاعرهما المهزومة ولا الذليلة..
سمعت فردوس صوت طرقات على باب منزلها، فتركت زوجها مع إبنتها، وأسرعت في خطاها نحوه..
فتحته وهي تمسح عبراتها، فوجدت جارتها إجلال تقف على عتبته وتسألها بتلهف:
-حقة بنتك تقى رجعتك ؟

أجابتها بصوت مكتوم وهي مطرقة الرأس في حزن:
-أيوه
-اللهم لك الحمد والشكر، حمدلله على سلامتها، والله أنا فرحت لما سمعت الناس في الحارة بيقولوا إنها رجعت
تحركت فردوس بعيداً عن الباب، ولم تجبها..
بل جلست على أقرب مقعد، وتنهدت بأنين خافت.. ودفنت وجهها بين راحتيها
عقدت إجلال حاجبيها في إستغراب ثم أغلقت باب المنزل، وسارت خلفها، وأسندت كفها المجعد على كتفها، وضغطت عليه قليلاً، وسألتها بتوجس:
-في إيه مالك ؟ هو إنتي مش فرحانة إنها رجعت ؟!

نفخت في آسى، وأجابتها بصوت مختنق ومتقطع:
-لأ فرحانة.. بس آآآ.. بس..
سألتها مجدداً بإهتمام أكبر بعد أن سحبت المقعد المجاور لها، وجلست عليه:
-بس ايه ؟ ما تقولي يا فردوس!
أخذت فردوس نفساً عميقاً، وحبسته لبرهة في صدرها، ثم سردت على جارتها ما حدث مع إبنتها وعبراتها تسابقها في الإنهمار..
شهقت إجلال في صدمة، ولطمت على صدرها بخوف وهي تنطق بنبرة معاتبة:
-وسايبة بنتك كده وأعدة معايا، قومي شوفيها.

ردت عليها بتلعثم بعد أن كفكفت عبراتها:
-ما.. ما أبوها أعد جوا وآآ..
نهضت إجلال من على المقعد وقاطعتها بصوت صارم:
-ده إنتي لازم تكوني معاها في كل لحظة، وأنا هاروح أكلم ضاكتور معرفة كده يجي شوفها
نهضت فردوس هي الأخرى، ونظرت إليها بعينيها الدامعتين، وأردفت بقلق:
-بس أنا آآ...
أشارت لها إجلال بكف يدها، وهتفت بجدية:
-من غير بس، ده أنتي أخدها من المشتشفا ( المستشفى )، وبتقولي مش بتنطق ولا بترد عليكي.

ردت فردوس بصوت نادم قائلة:
-ماهو أنا اللي كان هاممني إني أخدها في حضني
هتفت إجلال بنبرة أكثر جدية وهي توليها ظهرها:
-وماله، بس لازم ناخد بالنا منها لأحسن تروح مننا في غمضة عين.. أنا رايحة على طول أكلم الراجل، وماتشليش هم مصاريف ولا غيره!
تنهدت فردوس في تعب، وهتفت بنبرة ممتنة:
-كتر خيرك يا إجلال، والله إنتي لو اختي ما هتعملي معايا كده، ولا تقفي جمبي
إلتفت إجلال برأسها لترمقها بنظرات حانية وهي تجيبها بهدوء:
-يا ستي الجيران لبعضها، خشي بس طلي على بنتك، وأقعدي جمبها!
ردت عليها بإيجاز قائلة:
-حاضر

في مشفى الجندي الخاص
أسرع كبير الأطباء ومن معه من معاونين في تقديم العلاج الفوري لحالة أوس المتدهورة بعد تلك الإعتداءات الجسدية عليه، وخاصة بعد أن انصرف الطبيب مؤنس غاضباً، فخشي أن يرتكب حماقة ما، فبادر بالتصرف السريع..
إرتجف جسد أوس بشدة، وتشنجت أعصابه، فخشي عليه المحيطين من وجود مضاعفات ما.. وعكفوا على حقنه بما يتناسب مع حالته.. فسكن جسده، ولكن لم تهدأ روحه..

وظل يتصارع مع أحلامه المظلمة..
فقد رأها وهي تقف على شفا ذلك الجرف، فإنقبض قلبه، وركض نحوها..
كانت تنظر له تقى بنظرات معاتبة.. والدماء تنساب منها..
صرخ بإسمها، وهو يمد ذراعه نحوها..
لكنها إستدارت بجسدها كلياً، وفتحت ذراعيها في الهواء، وأوشكت على إلقاء نفسها..

تمكن أوس من الإمساك بمعصمها قبل أن تسقط تماماً، وظلت تتأرجح بجسدها في الهواء..
نظرت له بذعر، ونظر هو لها بخوف..
هتف بإسمها عالياً وهو يكافح للحفاظ عليها:
-تقى، ماتسبنيش، امسكي فيا، تقي، ردي عليا
رأى العبرات التي تحمله الذنب تترقرق بغزارة في مقلتيها، ولم تجبه بكلمة.. بل عَمِدت إلى أن تتمايل بجسدها حتى تفلت معصمها، وتسقط للأبد
-صرخ باكياُ ومتوسلاً لها ب:
-تقى، ماتبصليش كده، ماتبعديش عني!

شعر بالخدر يسري في ذراعه، وبزيادة ثقل جسدها المتأرجح، فبدأت هي تنزلق من بين أصابعه، فخفق قلبه بقوة أكبر.. ونظر لها بفزع وهو يهتف بصوت مذعور:
-امسكي فيا يا تقى، ماتسبنيش، ما تسبنيش
لم يتمكن من الحفاظ عليها، فأفلتها رغماً عنه وصرخ بندم حقيقي، وهوت للأسفل، ونظراتها المعاتبة موجهة إليه لتقتله أكثر

حقن كبير الأطباء المحلول الطبي المعلق بإبرة طبية، ونظر إلى أحد الأطباء المرافقين له، وأردف قائلاً بجدية:
-عاوز الحقن دي يستمر عليه لأطول فترة ممكنة
تحدث الطبيب معترضاً وهو يشير إلى جسد أوس:
-بس يا دكتور آآ..
قاطعه كبير الأطباء بجدية:
-ده لسلامته، ولسلامتنا احنا كمان، أنا مش ضامن ردة فعله لو فاق
مط الأخير فمه قائلاً بهدوء:
-اللي تشوفه يا دكتور.

ابتسم كبير الأطباء إبتسامة خفيفة وهو يجيبه بثقة:
-ده مافيش فيه خطر، اطمن!
ثم أشار بإصبعه بجدية وهو ينظر لرئيس طاقم التمريض:
-فوراً تجيب حراسة هنا على باب الأوضة، وممنوع حد يدخل مهما كان مين!
هز رئيس طاقم التمريض رأسه بإزعان لأوامره، واجابه بنبرة رسمية:
-حاضر يا دكتور
وقف كبير الأطباء متسمراً في مكانه بعد أن عقد ساعديه أمام صدره، وحدث نفسه بقلق:
-لازم أضمن ان مافيش مشاكل تحصل الفترة الجاية، واظبط الدنيا كلها قبل ما دكتور مهاب يرجع!

دارت المدبرة عفاف حول نفسها، ووضعت يدها على رأسها محاولة تخفيف حدة الضغط عليها، وحدثت نفسها بعتاب قائلة:
-يا ريتني ما سيبت المكان ومشيت، كنت منعت الكارثة دي قبل ما تحصل! آآآه.. يا ريتني
ثم ضغطت مجدداً على زر الإتصال بناريمان التي كانت تتجاهل إتصالاتها، فزفرت بغضب وهي تهتف بخيبة أمل:
-استحالة تكون دي أم، دي كأنها مصدقت!
يئست هي من ردها عليها، فأعادت وضع هاتفها في حقيبتها، وتمتمت مع نفسها بقلق بالغ وهي تدور في الرواق..

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب:
طرقت مديرة مكتب السكرتارية بأظافرها المطلية على سطح مكتبها في ضيق واضح وهي واضعة لسماعة الهاتف الأرضي على أذنها..
نفخت في إنزعاج وهي تحدث نفسها بصوت جاد ب:
-الباشا مش بيرد بقاله يومين، وانا مش عارفة أوصله خالص، وعمالة ألغي في مواعيد، وأجل في مواعيد تانية، ووضعنا مع العملاء بقى حرج جداً..
تنهدت في إنهاك وأضافت بضيق:
-طب المفروض أتصرف إزاي، هاضطر أتصل بعدي بيه وأبلغه يجي القاهرة ويتصرف، دي مسئولية علينا كلنا!

دلفت سكرتيرة أخرى إلى داخل المكتب، وتسائلت بإهتمام:
-ها وصلتي لأوس باشا ؟
نظرت لها وهي تجيبها بإحباط:
-لأ لسه
مطت السكرتيرة فمها في إستنكار، ثم أضافت بتوجس:
-مممم.. طب ده في ورق كتير متعطل على إمضته، ده غير شيكات مرتبات الموظفين، وبتوع الحسابات عاوزين آآآ..
قاطعتها مديرة المكتب قائلة بصوت شبه منفعل:
-أنا عارفة ده كله، وهاحاول أتصرف.

أومأت الأخيرة برأسها وهي تجيبها برجاء:
-يا ريت
أشارت لها بعينيها، وأردفت قائلة بصرامة وهي تعاود التطلع إلى المفكرة الصغيرة الموضوعة على سطح مكتبها:
-أوكي، وشوفي إنتي وراكي أيه
-تمام..!

في النادي الشهير
إنتفض سامي الجندي من مقعده، وقد إنفرجت أساريره بإبتسامة عريضة، وعدل وضعية الهاتف المحمول على أذنه وهو يصرخ بإنفعال:
-إنت بتتكلم جد ؟
رد عليه المحامي أمجد سعفان من على الطرف الأخر بصوت جاد قائلاً:
-اكيد طبعاً
سأله سامي بفضول شديد وقد زادت إبتسامته المتشفية إتساعاً:
-عرفت منين ؟
أجابه أمجد بهدوء قائلاً:
-من الواد اللي كان شغال عنده، اللي اسمه أحمد ده
-أها.

ثم أضاف بإهتمام:
-هو لسه متصل بيا ومبلغني إنه طحن أوس الجندي وعدمه العافية وبين الحياة والموت في مستشفى أبوه
قهقه سامي عالياً، ثم سعل للحظة، وأردف قائلاً بحماس:
-والله راجل الواد ده، لازم أديله مكافأة على الخدمة اللي عملها دي
-تمام يا سامي بيه
تبدلت ملامح وجه سامي للعبوس وهو يتابع بصوت محتد:
-مع إني لسه محروق من أوس، بس أهي حاجة تصبرني لحد ما أخلص القديم والجديد كله.

رد عليه أمجد بثقة:
-وماله، احنا مش ورانا حاجة إلا نجيب حقك
أخذ سامي نفساً عميقاً وزفره على مهل، ثم أضاف بنبرة متوعدة:
-يصبر بس عليا، وأنا هوريه النجوم في عز الضهر!

عرفت ناريمان بما أصاب أوس الجندي من تعرضه لإعتداء وحشي على يد بعض الغرباء في المشفى، فلم تهتم بالأمر، وإكتفت فقط بزيارته حفاظاً على صورتها الإجتماعية أمام الغرباء..
لم تنكر أنها شعرت بنوع من الراحة حينما رأته ممدداً على الفراش بدون أي حركة، فقد كان دوماً يزعجها بنظراته الساخطة والمهينة لها..
واليوم إرتاحت من تلك النظرات الكاشفة لحقيقتها المشينة.. وتمنت لو ظل راقداً لفترة أطول..

تقوس فمها بإبتسامة لئيمة وهي تحدث نفسها قائلة:
-أخيراً يا أوس شوفتك قدامي كده، أنا بأقشعر من وجودك حواليا، وقريب هارتاح منك ومن أبوك، وأفوق لنفسي بقى، كفاية سنين عمري اللي ضاعت هدر معاكو، وإنت لا من دمي ولا من لحمي!
وقف كبير الأطباء خلفها يراقب ردة فعلها، فتعجب من الهدوء الشديد المصحوب بالبرود والمسيطر عليها تماماً.. على عكس مدبرة قصره التي لم تفارقه للحظة، ولم تكف عينيها عن البكاء لأجله، ولا لسانها عن الدعاء له..

كذلك علم عدي هاتفياً بما صار مع أوس، فإستشاط غضباً لأجله، وأمر ليان زوجته ب:
-بسرعة جهزي الشنط، احنا راجعين القاهرة حالاً
نظرت له ليان من زاوية عينها، ثم عاودت النظر إلى شاشة التلفاز العريضة، وسألته بفتور:
-ليه ؟
رمقها بنظرات ساخطة وهو ينطق بصوت محتد:
-ماهو إنتي لو دريانة باللي بيحصل، كنتي عرفتي إن أخوكي مرمي في المستشفى
هتف بإيجاز وقد رفعت حاجبيها للأعلى:
-أوس!

نظر لها بإزدراء وهو يجيبها بتهكم:
-هو إنتي ليكي أخ تاني غيره
سألته بنبرة غير مكترثة وهي تنهض بتثاقل من على الأريكة:
-يعني حصله إيه ؟
رد عليه بصوت محتد وهو يشير بكف يده:
-معرفش، إنتي لسه هتسألي، انجزي يالا
-أوكي
تحركت بخطوات بطيئة نحو غرفة النوم، وغمغمت بخفوت مع نفسها:
-أصلاً أوس مش فارق معايا، هو عمره إهتم بيا، أووف، المهم إني هارجع كايرو تاني، بجد كانت جوازة قرف من أولها!

فخلال الأيام الماضية عانت ليان من الجوع العاطفي، والإهانات اللفظية من زوجها عدي الذي لم يكفْ للحظة عن تذكيرها بخطيئتها..
عاتبت نفسها كثيراً لأنها تسرعت في الإختيار، وأهدرت حريتها عبثاً، ولم تفكر بحكمة في إنتقاء الزوج المناسب لها، فلو تريث قليلاً لكانت ما تزال تنعم بحريتها..
ولكنها كانت تبرر موقفها هذا برغبتها في الهروب من واقعها الآليم، وخاصة ذكرياتها الآسفة مع فارس الذي تلاعب بها وأسلمت له نفسها دون عناء.. وكذلك رؤيتها لنريمان وهي في أحضان صديق العائلة وتبادله القبلات الحارة بشغف.. وعدم إكتراث أوس بها أو حتى إصراره على منع تلك الزيجة من الإستمرار..

إذن أقنعت نفسها أن الخطأ من البداية يرجع لعائلتها وليس لها.. فإن أساءت الإختيار في أي شيء، فيرجع اللوم والمسئولية لعائلتها بالأساس.. وهي فقط المجني عليها في كل هذا..
هكذا أثبتت ليان لنفسها بأنها الضحية المغلوب على أمرها.. وما تفعله لاحقاً يحق لها.. فلا لوم ولا عتاب...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثلاثون

خلال الأيام اللاحقة
إحتفل سامي الجندي مع رفيقه ممدوح في أحد الملاهي الليلية بما أسماه دق أول مسمار في نعش أوس، ولم يدخر وسعه في إنفاق ما معه على العاهرات والباغيات من أجل التمتع بلذة الإنتصار الزائفة..
وفي نفس الفترة بدأت رحمة تحقق حلمها بالشهرة السريعة من خلال قيامها بالغناء والرقص المصاحب في فقرة خاصة بها بنفس الملهى..

ورغم عدم وعي معظم المتواجدين بما تردده – بسبب حالة السكر المسيطرة عليهم – إلا أنها تعمدت أن تبرز مفاتنها أكثر من موهبتها لتجعل لعابهم يسيل عليها، وتلهب رغبتهم في التقرب منها..
فالقاعدة الأولى في هذا الملهى نقود الزبائن حق مكتسب ، وكلما زادت الإيرادات وما يسمى ب ال نقوط ، حصلت هي على نسبة عالية من الأموال..
وإستطاعت بأنوثتها الطاغية أن تلفت الأنظار إليها.. وتحظى ببعض الإعجاب المصطنع.. ونالت إستحسان صاحب الملهى بهججة ..

وقف فارس أمام البناية المتواجد بها منزل أوس بمنطقة المعادي، وتأمل إرتفاعها الشاهق بنظرات إنبهار..
ثم أخفض عينيه، وبحث عن حارس البناية..
ولج هو إلى الداخل، وهتف قائلاً بنبرة عالية:
-سلامو عليكم
خرج رجل ما من داخل غرفة جانبية، وفرك عينيه وهو يجيبه بصوت متحشرج:
-وعليكم السلام
تنحنح فارس بصوت خشن وهو يسأله بفضول:
-إزيك يا آآآ.. هو إنت اسمك ايه ؟

رد عليه حارس البناية متسائلاً بنبرة جادة وهو يرمقه بنظرات متفرسة لهيئته:
-عاوز مين يا فندي ؟
أجابه فارس ببرود وهو يضع يده في جيبه:
-أنا بسأل بس على اسمك
حك حارس البناية رأسه، وأجابه بإيجاز:
-محسوبك جابر
أخرج فارس علبة السجائر من جيبه، ثم إلتقط واحدة بيده، ومدها نحوه وهو يقول بجدية:
-عاشت الأسامي يا سي جابر، تاخد تعفر ؟

تناولها منه جابر، ووضعها خلف أذنه وهو يرد بإقتضاب:
-توشكر
سأله فارس بإهتمام وهو يشعل سيجارته:
-ألا قولي يا جابر، هو أوس باشا الجندي موجود ؟
رد عليه جابر بإيجاز:
-معرفش
سأله مجدداً وهو يشير بيده:
-مش هو ساكن هنا ؟
-معرفش
نفث فارس دخان سيجارته في الهواء، ورد عليه بتبرم ب:
-الله، هو اللي نازل عليك معرفش، مش إنت شغال هنا ولا في حتة تانية ؟

هز جابر رأسه نافياً، وقال بهدوء:
-لأ أنا لسه جاي جديد مبقاليش يومين
تسائل فارس بفضول كبير قائلاً:
-أومال البواب القديم راح فين ؟
أجابه الأخير بنبرة عادية وهو يمسح طرف أنفه:
-مشاه اتحاد الملاك بعد الفضيحة
قطب فارس جبينه، وعقد ما بين حاجبيه في إهتمام، ثم سأله بحيرة قائلاً:
-فضيحة ايه دي ؟

رد عليه جابر بنبرة عادية وهو يشير بكلتا يديه:
-واحد من السكان كان جايب واحدة استغفر الله باين هنا، وكانوا هايولعوا في البرج، والبت باين ماتت، والبواب كان مطنش عمايل الراجل ده وبيقبض منه أد كده، فمشاه السكان وجابوني مكانه
سأله مجدداً بإهتمام واضح على قسمات وجهه:
-والواحد ده اسمه ايه ؟
إزداد عبوس وجه جابر وهو يجيبه بنبرة منزعجة:
-معرفش
-برضوه!
إنزعج جابر من أسئلته الفضولية، وتسائل هو متبرماً
-بأقولك ايه يا فندي، إنت جاي لمين بالظبط ؟ وبتسأل كل الأسئلة دي ليه ؟

أخذ فارس نفساً مطولاً، وزفره على مهل وهو يجيبه بهدوء:
-كان ليا واحد صاحبي ساكن في المنطقة هنا، بس الظاهر إني غلطت في العنوان
أشار له جابر بيده، وهو يتابع بسخط:
-طب اتفضل يا بيه خليني أشوف شغلي
حدجه فارس بنظرات محتقنة، وسار مبتعداً عنه وهو يردد قائلاً
-بواب رزل!

ثم توقف بجوار إحدى اللوحات الإعلانية، وألقى بعقب سيجارته على الأرضية الإسمنتية، وداس عليها بقدمه، وأكمل بضيق:
-ما أنا كده ماوصلتش برضوه لحاجة عن أوس، داهية لا تكون هو اللي بيتكلم عنه البواب!
رمش بعينيه في توتر، وتابع متوجساً:
-ده ساعتها لوزة هتطلعهم عليا، ومش هاخلص!

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي
أتقنت بطة لعب دورها بمهارة، ومارست خدعة حملها على زوجها الساذج عبد الحق بإجادة تامة، فأصبح أكثر تلهفاً وتحمساً على البقاء معها، وتلبية إحتياجاتها..
وعمدت للبقاء فترة أطول في غرفتها، وأهملت معظم الأعمال المنزلية، وإدعت الإرهاق الدائم والشعور بالغثيان والدوار المستمر.. فلازمت الفراش في غالبية الوقت
في حين زادت كراهية وسخط إحسان لها، فهي ترى بعينيها كم الدلال الذي يغدق ابنها به عليها، وهي متيقنة أن هناك غموض بمسألة حملها..

قررت أم بطة زيارة إبنتها لتبارك خبر حملها بحفيد المستقبل، ورغم شكوكها حول طبيعته، إلا أنها رسمت الفرحة العامرة على وجهها، وأطلقت الزغاريد وهي تدلف لداخل المنزل قائلة:
-لووولووولي.. ألف مبروووك يا ست إحسان
نظرت لها إحسان شزراً، وأجابتها ببرود:
-متشكرة
مطت أم بطة شفتيها في سخط، وحدثت نفسها بإستغراب:
-مالها الولية دي، هي مش فرحانة ولا إيه، وأنا مالي، المهم البت بطة.

تنحنحت هي بصوت مسموع، وأضافت بحماس:
-هاخش أشأر على بنتي يا ست إحسان، وربنا يقومها بالسلامة يا رب، وتملى البيت عيال يا قادر يا كريم
ردت عليها بوجه ممتعض وهي تلوي فمها:
-خشي، اهي متلأحة على السرير جوا!
لم تجبْ عليها أم بطة، بل إكتفت بالنظر إليها بضيق، ثم إستدارت في إتجاه غرفتها..

طرقت هي بيدها قبل أن تدلف للداخل، ثم هتفت بفرح:
-مبروووووك يا بت، والله وعرفتي تعمليها
إعتدلت بطة في نومتها، وصاحت بنبرة حماسية وهي تفتح ذراعيها:
-أمه..ازيك!
إحتضنتها والدتها بعاطفة أموية، وقبلت رأسها، فنظرت بطة لها بعتاب وهي تردف قائلة:
-كل ده عشان تجيلي!
مسحت أم بطة على وجه إبنتها، وجلست على طرف الفراش، وأجابتها بهدوء:
-مش عقبال ما فضيت وعرفت أجيلك.

هزت رأسها بخفة، وهي تتابع بإهتمام:
-ماشي يامه، أخبارك ايه ؟ واخواتي عاملين ايه ؟
تنهدت والدتها في إرهاق، وردت عليها بصوت هاديء ب:
-نحمده يا حبيبتي على كل حال، المهم إنتي قوليلي أخبار الحَبَل ( الحمل ) معاكي إيه ؟
تقوس فم بطة قليلاً وهي تجيبها بفتور:
-أهوو..

تفرست أم بطة في ملامح إبنتها، هي تعلم جيداً حقيقة الأمر، فإقتربت منها برأسها، وسألتها بخفوت:
-بت قوليلي، هو.. هو حصل إزاي وإنتي كنتي قيلالي إنه آآآ..
قاطعت بطة والدتها بخوف، ونظرت حولها بريبة، وهي تقول بصوت هامس بعد أن أمسكت بكفها:
-شششش يامه، مش انتي قولتي نكفي على الخبر ماجور ومانجبش سيرة!
أومأت والدتها برأسها وهي تجيبها بنبرة مهتمة:
-أيوه، بس اللي مستغرباه هو آآآ..

أخفضت بطة نبرة صوتها للغاية وهي تتابع قائلة:
-بصي يامه، كلام في سرك، أنا لا حبلى ولا دياوله، ده بس ملعوب عملاه على الولية العقربة اللي برا
شهقت أم بطة بصوت مرتفع وهي تلطم على صدرها:
-يا نصيبتي، إنتي اتجننتي! ازاي تعملي كده
همست بطة بتوتر شديد وهي تعاتب والدتها بنظراتها القلقة:
-شششش.. بس يامه، إنتي كده هاتفضحيني!

سبتها والدتها بحدة وهي تضيف قائلة:
-يخربيتك، إنتي ناوية تخربي بيتك بإيدك!
نفخت إبنتها في ضيق، وقالت بيأس:
-يووه يامه، يعني أنا غلطانة إني قولتلك
أشارت لها والدتها بإصبعها محذراة إياها ب:
-يا بت إنتي بتلعبي بالنار، وحماتك مش سهلة.

عقدت بطة ساعديها أمام صدرها، وأشاحت بوجهها للجانب، وأجابت بثقة:
-ملكيش دعوة يامه، أنا هأعرف أتصرف معاها كويس
وضعت أم بطة كف يدها على ذقن إبنتها، وأدارته في ناحيتها، وقالت بنبرة متوترة:
-أنا خايفة عليكي، كده إنتي لا هتطولي بلح الشام ولا عنب اليمن!
إبتسمت بطة لها، وقبلت كفها وهي تجيبها بصوت واثق:
-اطمني يامه، أنا عارفة هاعمل ايه
-ربنا يسترها بقى.

هنا دلفت إحسان إلى داخل الغرفة، وتفرست في وجه أم بطة الذي بدى مشدوداً ومتوتراً، فسألتها بفضول:
-مالك يا أم بطة ؟ وشك مقلوب كده ليه
ردت عليها بتلعثم واضح وهي تبتلع ريقها بتوتر:
-ه.. آآ.. م.. مافيش
ضيقت إحسان عينيها، ونظرت إلى الإثنتين بريبة، وإزداد عبوس وجهها وقتامته.. ثم هتفت بصوت جاد:
-أنا أعدة برا، أما تخلصي مع المحروسة ابقي تعاليلي
أجابتها أم بطة بصوتها المضطرب وهي تجاهد للحفاظ على هدوئها ب:
-من عينيا، هو.. هو إنتي أعدتك يتشبع منها يا ست إحسان.. ثم ضحكت بطريقة سخيفة وهي ترسم تلك الإبتسامة الزائفة على ثغرها..

في منزل تقى عوض الله
أرسلت إجلال في طلب الطبيب الذي تعرفه للكشف عن بنت جارتها المقربة ومتابعة حالتها.. ورغم ظروفها المادية العادية، إلا أنها لم تكنْ لتترك جارتها بمفردها دون أن تمد لها يد العون..
حمدت الله فردوس كثيراً أنه رزقها بمثل تلك الإنسانة.. والتي تكفلت بكل شيء حتى تعينها في مصيبتها..

طلب الطبيب من فردوس نقل إبنتها إلى مشفى عام، ولكنها رفضت، وأصرت على بقائها بالمنزل لتلقي العلاج.. فإضطر هو أسفاً أن يمتثل لرغبتها، وكتب لها وصفات طبية، وأوصى بتوفير الرعاية النفسية لها خاصة بعد معرفته بسبب إصابتها..
كانت تقى معظم الوقت غائبة عن الوعي.. مستسلمة لرغبتها في ترك الحياة.. في بعض الأحيان كانت تفتح عينيها للحظة، لتتأمل المكان، ويصيبها إرتجافة قوية، وتشهق في فزع، فصورة مغتصبها دائماً تتجسد أمامها..

لحظاتها المريرة معه لا يمكن أن تُمحى من ذاكرتها بين ليلة وضحاها..
فهو قد قضى على روحها بإفتراسه لبرائتها..
لم تشفع توسلاتها معه، ولم يغفر لها ذنبها.. فقط تلذذ بتحطيمها..
إزدادت إرتعاشة جسدها، وهي تتخيل إبتسامته الشيطانية التي تستفزها، فوضعت عفوياً يدها على فمها لتكتم شهقاتها المذعورة..

ولكن صدى ضحكاته الهيسترية يصيب أذنيها بالجنون، فتبكي لا إرادياً بأنين مختنق.. وهي تحاول سد أذنيها..
أغمضت تقى عينيها المذعورتين رغماً عنها، وحبست أنفاسها لعل روحها الذبيحة تسكن.. ولكن كيف يندمل جرحها وهو مازال ينزف..
لم تنتبه فردوس لتلك المسألة، فقد كانت تعتقد أنها غافية.. ونومها هو السبيل لشفائها..
في حين كان والدها عوض يتمدد على الأريكة المقابلة للفراش وينظر لها بإهتمام بين الحين والأخر..

ومع هذا لم ينتبه هو الأخر لحالة الرعب التي تنتابها..
فهو أيضاً مغلوب على أمره، يعاني من فقدان للذاكرة، وحالته الصحية شبه متردية..
أما ذكرياته معها فتتسلل تدريجياً إلى ذاكرته، هو يتذكر لمحات من الماضي تجمعهما سوياً، ولكنه لم يتعرف بشكل تام عليها.. ورغم هذا يشعر بعاطفة نحوها..

في مطار القاهرة الدولي
هاتف الطبيب مؤنس مهاب الجندي ليبلغه بما حدث مع إبنه، فإستقل الأخير أول طائرة عائدة لأرض الوطن ليراه..
صرخ مهاب بإنفعال في هاتفه المحمول وهو يخرج من بوابة المطار الرئيسية قائلاً:
-يعني أعرف من الغريب عن حالة إبني! إزاي ؟ كنتوا فين من ده كله ؟ أنا مش هاسكت عن اللي حصل، الكل هيتحاسب ومش هارحم حد، هي تكية عشان يجي شوية بلطجية يقتلوا ابني والكل واقف يتفرج، مش هاعديه الموضوع ده على خير، سامع مش هاعديه!
ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر أي رد من الطرف الأخر..

ركض السائق في إتجاهه حينما رأه يخرج من البوابة، وتناول عنه حقيبة سفره، فصاح فيه مهاب بصوت أمر:
-اطلع على المستشفى فورا
-تمام يا دكتور مهاب
كز مهاب على أسنانه في شراسة وهو ينطق بتوعد:
-قسماً بالله لأربيهم الكلاب اللي عملوا كده في ابني!

في فيلا عدي
توجهت الخادمة بحقائب السفر إلى الطابق العلوي بعد أن رحبت بالعروس الجديدة..
في حين تأملت ليان تلك الفيلا – من الداخل - والتي ستمكث فيها الفترة القادمة من حياتها..
كانت الردهة واسعة، وبها صالون مذهب قيّم قد تم وضعه قبل الزفاف بوقت قليل، وصالون أخر أصغر في الحجم.. وهناك غرفة معيشة على مقربة منه مزودة بالأرائك المريحة ذات اللونين الأسود والأحمر، ومعهم شاشة عرض كبيرة..

بالإضافة إلى المطبخ الواسع، وغرفة للخدم، ومرحاض خاص بالضيوف، وغرفة للمكتب..
أما الطابق العلوي فبه غرفة نوم رئيسية كبيرة، وأخرتان أقل في الحجم والأثاث..
وجميعهم قد تم فرشهم على أحدث طراز..
لم تنكر ليان أن ذوق عدي في إنتقاء كل شيء كان مميزاً، وخاصة التحف والأنتيكات واللوحات الفنية المعلقة على معظم جدران الفيلا.. ولكن هناك شيء ما ناقص في هذا المكان..

إنها الحياة والدفء والألفة..
تحلت بالشجاعة وهي تصعد إلى غرفتهما في الطابق العلوي.. فليس عليها أن تتذمر من حياتها معه..
فيكفيها سبابه اللاذع وإستفزازه الدائم لها إن فكرت أن تعارضه..
هي إرتضت به زوجاً، وعليها أن تصبر ريثما تجد المخرج للخلاص منه..
ألقت بجسدها المرهق على الفراش، ثم أمسكت بهاتفها المحمول، وهاتفت رفيقتها جايدا، وإنتظرت ردها..

تنهدت في تعب وهي تقول بخفوت:
-هاي جودي، وحشتيني.
-وإنتي كمان ليوو، ده العريس خدك مني خالص، ها قوليلي، إيه أخبار شهر العسل معاكي ؟ ولا إنتي خلاص نسيتني يا بنتي من أخر مكالمة
لوت فمها في إستنكار، وأغمضت عينيها بيأس ثم ردت بصوت شبه حزين:
-عادي مافيش جديد
استغربت جايدا من ردها الفاتر، فسألتها بإهتمام:
-هو.. هو إنتي وعدي مش متفاهمين ولا ايه ؟ أنا بصراحة مش فهمت منك اللي قولتيه أخر مرة!

أخذت ليان نفساً عميقاً وزفرته في إحباط، ثم تابعت بجمود:
-مش تاخدي على كلامي، أنا بس كانت وحشاني كايرو
مطت جايدا شفتيها للجانب، وردت عليها بنبرة عادية:
-مممم.. اوكي.. طيب هاشوفك امتى ؟

أجابتها بصوت جاد قائلة:
-قريب جودي، أنا بس أروح القصر عندنا، وأرتب معاكي ميعاد نتقال فيه
-تمام، وأنا هاستنى منك مكالمة
-Deal ( متفقين) يالا باي
ثم أنهت معها المكالمة، وتمددت على الفراش، وأمسكت بخصلات شعرها المموجة، ولفتها حول إصبعيها، وظلت محدقة بسقفية الغرفة وهي تفكر في طريقة للخلاص من تلك الزيجة بأقل الخسائر...

في منزل الجارة حكمت
وضعت رحمة أحمر الشفاه الصارخ على شفتيها، ثم فركتهما معاً، وإبتسمت لنفسها بغرور، وعبثت بشعرها المنساب على ظهرها، وأدارت جسدها للجانبين لتتأكد من تناسق فستانها مع تقاسيم جسدها..
ثم وضعت يديها على صدرها، ورفعته للأعلى قليلاً، وهزت كتفيها بتغنج، وحدثت نفسها قائلة بزهو:
-كده مالكيش حل يا ريري، هاتوقعي الرجالة تحت رجليكي.

أحضرت والدتها حكمت المبخرة، ووقفت على مقربة منها، وهتفت بحماس:
-رقيتك واسترقيتك يا بنت بطني من عين ولاد الحارة ال ***** اللي تندب فيها رصاصة
سعلت رحمة من كمية الدخان المنبعثة من المبخرة، ونظرت لوالدتها بضيق وقالت بصوت مختنق ومتحشرج:
-كح.. كح.. خلاص يامه، هاتخنق، كح.. آآ..

نظرت لها والدتها بإندهاش وهي ترفع حاجبها للأعلى، وقالت محتدة:
-الله مش بأرقيكي يا بت بدل ما العين تصيبك
تذمرت رحمة قائلة وهي تحرك يدها أمام وجهها:
-مش بالشكل ده
أسندت حكمت المبخرة على التسريحة، وتسائلت بجدية:
-خلاص.. ها، هتتأخري النهاردة ؟

أجابتها رحمة بتبرم وهي تعقد رباط حذائها ذي الكعب العالي:
-هو كل يوم السؤال ده، ما إنتي عارفة وقت ما بأخلص بأرجع على طول
اقتربت منها والدتها، ونظرت لها بتفحص وهي ترد عليها بتلهف:
-ما أنا عارفة، بس الناس ولاد ال **** اللي هنا آآآ..
قاطعتها بصوت صارم وهي تجذب حقيبة يدها الصغيرة وتضعها على كتفها:
-يولعوا كلهم، محدش فيهم يهمني في حاجة، وبعدين قريب يامه هانسيب المخروبة دي ونروح نعيش في حتة تانية هاي كيلاس.

رفعت حكمت يديها عالياً في الهواء، وهتفت متحمسة:
-يا رب ياختي، خلينا نأب على وش الدنيا
إلتوى فم رحمة بإبتسامة ماكرة وهي تجيبها قائلة:
-اصبري انتي بس، وأنا هاروق عليكي يامه!
إزدادت نبرة حكمت حماسة وهي تقول:
-ده يوم المنى يا بنت بطني!

لوحت لها رحمة بأطراف أصابعها وهي تتجه لباب المنزل قائلة بجدية:
-سلام بقى لأحسن اتأخرت، وانتي عارفة مستر بهججة مش بيحب التأخير!
-روحي يا بنتي، وأنا بأدعيلك
تقوس فمها وهي تجيبها بلكنة أجنبية غير صحيحة قائلة:
-تيشاو ( مع السلامة )

نزلت رحمة على الدرج بخيلاء، وسلطت أنظارها على حقيبة يدها لتخرج هاتفها المحمول، فلم تنتبه إلى منسي الذي كان صاعداً في إتجاهها، فإصطدمت به دون قصد.. ورفعت رأسها لتنظر إليه وهي تقول بإيجاز:
-سوري
نظرت لها بتمعن متفحصاً جسدها ومفاتنه من رأسها حتى أخمص قدميها وهو يقول بسخرية:
-إيش.. إيش إيش، ايه يا بت الحلاوة دي كلها
رمقته بنظرات مصدومة لرؤيته إياه أمامها، وردت بنزق:
-منسي! خير.

سألها بفضول وهو مسلط أنظاره على مفاتنها المثيرة:
-على فين العزم
أجابته بإقتضاب وهي تنفخ في إنزعاج:
-على الشغل طبعاً
رد عليها بنبرة شبه مهينة وهو يشير بيده، وممرر عينيه عليها:
-ما أنا عارف انه الشغل، بس انتي النعمة ماشاء الله بانت عليكي اليومين دول، مع إنك شغالة آآ..
قاطعته قائلة بنبرة حادة بعد أن عبس وجهها من طريقته الفظة في الحوار معها:
-إنت هتأر عليا ولا إيه ؟

أجابها ببرود وهو يحك طرف ذقنه:
-لا يا حلوة، بس مستغربك
عقدت ساعديها أمام صدرها، وردت بفتور:
-عادي، مافيش حاجة غريبة في الزمن ده!
أجابها منسي ببرود:
-على رأيك
سألته هي بإهتمام وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-على كده انت طالع هنا لمين ؟ مش معقول ليا!

رد عليها بجدية وهو محدق بعينيها:
-لأ.. للبت تقى
نفخت في ضيق، وأرخت ساعديها فور سماعها لإسم تلك الفتاة، ثم أشاحت بوجهها للجانب وهي تقول بغيظ:
-أها، قولتلي بقى!
لاحظ هو التغيير البادي على وجهها، فإبتسم لنفسه بتباهي، وقال بغرور:
-البت بعافية وأنا بشأر عليها من وقت للتاني، ما إنتي عارفة امها وظروف بيتهم!
ربتت على صدره بكفها، وهي تردف بتهكم:
-وماله يا حنين.

اقترب هو منها حتى إلتصق صدره بجسدها، وقال بهمس وهو يغمز لها:
-عاوز أشوفك يا قطة
أبعدت جسده عنها بيدها، ونظرت له من زاوية عينها بكبرياء، ومن ثم ردت عليه بعدم إكتراث:
-أما أشوف
ثم دفعته قليلاً من كتفه، ونزلت هبوطاً على الدرج..
فتابعها منسي بنظراته الوقحة، وتحسس صدره، واخرج تنهيدة حارة، وحدث نفسه قائلاً:
-هانروح من بعض فين، ما إنتي الحتة الطرية يا.. يا مزة..!

في مشفى الجندي الخاص
إنقلب المشفى رأساً على عقب فور إعلان خبر عودة مهاب الجندي من الخارج، وأصبح الجميع في حالة إستنفار تام..
ترجل هو من سيارته الخاصة، وسار بخطواته السريعة في إتجاه المدخل الرئيسي..
كان وجهه قاتماً، ومتشنجاً للغاية..

أفسح الأمن له المجال ليمر بعد أن أدوا له التحية، وأسرع كبير الأطباء نحوه وهو يهتف بصوت عالي:
-دكتور مهاب، حمدلله على سلا..آآآ...
قاطعه مهاب بلهجة صارمة وحادة وهو يشير بيده:
-ابني أوس فين ؟
أشار بعينيه للأعلى وهو يجيبه بتلهف:
-فوق يا دكتور، في العناية المركزة.

صاح مهاب بصوت هادر وهو يتجه صوب المصعد قائلاً:
-أنا مش هاسيب اللي حصل ده يعدي من غير ما أدفعكم التمن، مش إبن مهاب الجندي اللي يتعمل معاه كده، لأ وفي المستشفى بتاعي، الكل هيتحاسب!
رد عليه كبير الأطباء بصوت شبه مرتبك ب:
-يا دكتور إحنا اتفاجئنا بالبلطجية دول
سأله بإستنكار صريح وهو يرمقه بنظراته الساخطة:
-كان فين الأمن ؟ وفين الممرضين والدكاترة، ولا هي المستشفى هنا سايبة لكل من هب ودب يدخل يعمل اللي عاوزه فيها ؟
رد عليه بتلعثم وهو يحاول أن يبدو هادئاً أمامه:
-هو بس آآآ..

قاطعه بنبرة محتدة وهو يدلف إلى داخل المصعد:
-ومين سمحلهم أصلاً يدخلوا ؟ عاوز أعرف الكلب اللي ساب ابني معاهم!
ابتلع كبير الأطباء ريقه بتوتر، وأجابه بصوت متقطع:
-آآآ.. دي.. دي موظفة الاستقبال
هتف مهاب بصوت صارخ وهو يشير بإصبعه مهدداً:
-تترفد فوراً، بس بعد ما يتعملها قضية.

أومأ برأسه موافقاً وهو يتابعه بنظراته القلقة بعد أن لحق به، ثم أجابه ب:
-ح.. حاضر، أنا هاتصرف
ضغط مهاب الجندي على زر غلق المصعد، وكور قبضته في حنق، وظل يتمتم بتوعد قائلاً:
-مش هاسيب اللي عمل فيك كده يا أوس يفلت، قسماً بالله لأدفنهم بالحيا...!
وضع القراءة