ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الحادي والعشرون

حاولت تقى أن تركض في اتجاه والدتها ولكن لم تسعفها قدمها المصابة .. فصدحت عاليا و...
-تقى بنبرة مرتفعة : يا ماما .. يا ماما !!!
انتبهت لها فردوس ، ونظرت حيث مصدر الصوت ، فرأت ابنتها و...
-فردوس وهي تضيق عينيها في استغراب : تقى ...!

إرتمت تقى في أحضان والدتها ولفت ذراعيها حولها وأسندت رأسها على كتفها و....
-تقى بصوت شبه مختنق : ياااه يا ماما ، لو تعرفي أد ايه أنا كنت مفتقداكي .. آآآه يا ماما .. ده الدنيا من غيرك وحشة أوي ، والبيت من غير وجودك فيه كان زي القبر

لم تستوعب فردوس في البداية ما الذي أصاب ابنتها ، وماذا حدث لساقها ، وكيف صارت هكذا ، ولكنها حقا كانت تشتاق إليها هي الأخرى ، لذا ضمتها إلى صدرها وربتت على ظهرها في حنو شديد و....
-فردوس بصوت دافيء : وإنتي كمان يا بنتي

تنهدت تقى في ارتياح واضح ، ثم أغمضت عينيها المنهكتين ، وتسللت عبرات -رغما عنها - من مقلتيها و....
-تقى بخفوت : ربنا ما يحرمني منك أبدا يا أمي

-أحمد بصوت هاديء من خلفهما : حمدلله على سلامة الحاجة يا آنسة تقى ...!

فتحت تقى عينيها في صدمة ، ثم أبعدت رأسها عن كتف والدتها ، واستدارت برأسها نصف استدارة ناحيته لتجده على مقربة من كلتاهما ، وعلى وجهه تلك الابتسامة السخيفة ، و....
-تقى بضيق : انت لسه هنا ؟؟!!

حدجته فردوس هي اﻷخرى بنظرات غريبة ، ثم مطت شفتيها قليلا للأمام ، ومن ثم نظىت لابنتها بنظرات قوية و....
-فردوس بنبرة جامدة : مين ده يا بت ؟!
-تقى بتلعثم : ده ... آآ.. ده
-أحمد بحماس : أنا السيكورتي بتاع الباشا اللي شغالة عنده اﻵنسة

رفعت فردوس أحد حاجبيها في ذهول ، واكتسى وجهها بعلامات التساؤل والحيرة و....
-فردوس بإندهاش : شغالة ..!!!!

مد الحارس أحمد يده ناحية فردوس ليصافحها ، ولكنها نظرت إلى يده الممدودة إليه شزرا ، ولم تبادله التحية .. فشعر هو بالحرج منها ، وسحب يده سريعا للخلف و....
-أحمد وهو بتنحنح بخشونة : احم .. طيب الحمدلله إن حضرتك بخير ، أنا كده اقدر أطمن على تقى ... آآ... قصدي الآنسة تقى .. فهستأذنكم بقى أشوف اللي ورايا:

نظرت كلتاهما إليه بنظرات ما بين قوية وحادة ، فابتسم نصف ابتسامة لهما ، و...
-أحمد بصوت هاديء : عن اذنكم .. سلامو عليكم

ثم تنحنح مجددا وهو يسير في الاتجاه المعاكس ، وإرتسم على وجهه ابتسامة عذبة مليئة بالتفاؤل ..
بينما قطبت فردوس جبينها ، وظلت متجهمة الوجه .. لوت تقى شفتيها وأدركت أن والدتها لن تجعل الأمر يمر مرور الكرام ، فعبوس وجهها هو خير دليل على صحة ظنونها ، ولكن ما باليد حيلة .. فهي لم تخطيء ، ولم ترتكب من اﻷفعال ما يجعلها تشعر بالخجل ، ولكنها تعلم أن والدتها من النوع الذي لا يمرر أي شيء دون محاسبة .. لذلك بادرت هي و..
-تقى بصوت خافت ويحمل القليل من اﻹرتباك : ماما .. آآ.. أنا كنت عاوزة أقولك .. آآ..
-فردوس مقاطعة بصرامة : ششششش ... مش عاوزة أسمع حاجة الوقتي ، لينا بيت نتكلم فيه يا .. يا بنت بطني ....!!

هنا إزدادت حدة التوتر لدى تقى ، فهي لا تعلم ما الذي تفكر فيه والدتها والتي ظلت صامتة طوال طريق العودة إلى المنزل .. ورغم هذا لم يتوقف عقلها عن التفكير لثانية واحدة ، فهي تريد أن تعرف ما الذي فعلته ابنتها في غيابها ؟ وكيف استطاعت أن تجد وظيفة بتلك السرعة في ظل تلك الظروف الغير هينة ؟ وكيف يوصلها شخص غريب عنها إلى منزلها ؟ وما الذي أصاب قدمها ؟ وكيف أصبحت هيئتها شبه مزرية ؟ عشرات الأسئلة كانت تدور في رأسها ..

أما تقى فقد كانت تنظر إلى والدتها بين الحين واﻷخر بقلق محاولة سبر أغوار عقلها ، ومعرفة ما الذي تفكر فيه .. هي متيقنة أن رأسها مشحون بالكثير والكثير من اﻷسئلة عنها ،ومع ذلك ظلت تذكر نفسها أنها لم تخطيء ، و أنها فعلت الصواب من أجل أمها فقط .....

وصل الحارس أحمد إلى أول الطريق ، ثم أخرج هاتفه المحمول من جيبه ، وعاود الاتصال بالمدبرة عفاف و.....
-أحمد هاتفيا بنبرة عادية غير مبالية : أيوه يا استاذة عفاف
-عفاف هاتفيا بحدة : إنت فين يا أحمد ؟؟؟ ده أنا بقالي فترة باتصل بيك
-أحمد بهدوء : كنت بوصل تقى ، ما حضرتك عارفة !
-عفاف بنبرة شبه آمرة : طب تعالى بسرعة ، الباشا أوس بيسأل عنك

اكتسى وجهه سريعا بعلامات التوجس والقلق ، ورفع حاجبيه في إندهاش ، ورفع يده عاليا ووضعها على رأسه ليحكها في حيرة و.....
-أحمد متسائلا بنبرة متوترة : اييييه !! الباشا بيسأل عني !! طب ليه؟!
-عفاف بصوت قلق : معرفش ، بس حاول تيجي بسرعة ، ده قالب الدنيا عليك

إزدادت نسبة القلق لديه ، زفر في توتر ، ثم ......
-أحمد بنبرة مضطربة : ربنا يستر ، أنا في الطريق
-عفاف بإيجاز : طب يالا
-أحمد بتلهف : على طول اهووو ...

ثم أشار بيده ﻹحدى سيارات اﻷجرة ، ثم ركبها سريعا وطلب من السائق إيصاله إلى وجهته المنشودة ....

في منزل تقى عوض الله ،،،،

فتحت فردوس قفل المنزل ، وأمسكته في يدها ، ثم ولجت إلى الداخل ، ولحقت بها تقى بخطوات متهاودة ثم .....
-تقى بنبرة حذرة : آآ... ماما !

لم تلتفت إليها فردوس بل ظلت مولبة إياها ظهرها وهي مكفهرة الملامح و....
-فردوس بضيق : عاوزة ايه ؟
-تقى بصوت خافت ومتلعثم : احم .. آآ.. أنا .. كنت عاوزة أقولك إني آآ...

استدارت فردوس بجسدها في اتجاه ابنتها ، وحدجتها بنظرات قوية بعد أن ضيقت عينيها و...
-فردوس بصوت حاد : قولي اللي عاوزاه

إرتبكت تقى أكثر وبدأت تتصبب عرقا باردا .. لم تعرف من أين تبدأ حديثها .. في حين عقدت والدتها ساعديها أمام صدرها ، و.....
-فردوس بصوت قوي : ما تنطقي يا بت ! ولا بتدوري على كدبة جديدة
-تقى بتلهف : أبدا والله يا ماما
-فردوس بنبرة غليظة : اومال ساكتة ليه ؟ اتنيلي قوليلي كنتي فين وشكلك متبهدل كده ليه ؟؟

ثم أشارت بيدها لقدم ابنتها المصاب و...
-فردوس متابعة بإنفعال : ورجلك دي اتعورت من ايه وآآ...
-تقى مقاطعة بخفوت : يا ماما أنا روحت اشتغل عشان خاطرك والله ، عشان اعرف اطلعك من الحبس

وعلى ما يبدو فوالدتها لم تقتنع بما تقول ، ولم تكف عن رمقها بالنظرات المنزعجة ، و....
-فردوس بجدية وهي ترفع أحد حاجبيها : مقولتيش برضوه رجلك حصلها كده من ايه ؟
-تقى بنبرة شبه خائفة : اصل انا دوست على ازاز ورجلي اتجرحت
-فردوس متسائلة بجمود : ودوستي عليه كده من الباب للطاء ؟
-تقى بتلعثم : آآ.. لا .. ما .. ماهو انا وقعت الحاجة من ايدي وأنا شغالة في المطبخ
-فردوس بجدية : مطبخ !! انتي كنتي بتشتغلي ايه ؟!
-تقى بخفوت وهي مطرقة الرأس : خدامة
-فردوس بصدمة : اييييييه ؟؟؟؟؟؟!!!!

اكتسى وجه فردوس بحمرة الغضب ، وإزداد إنعقاد ما بين حاجبيها ، و...
-فردوس بإنفعال جلي : ما تنطقي يا بت انتي ، هو أنا هاخد الكلام بالعافية منك
-تقى بنبرة مرتعدة : والله مش زي ما انتي فاهمة ، ده أنا كنت بساعد ست كبيرة في شغل المطبخ وآآ...
-فردوس مقاطعة بصرامة : معدتش في شغل خلاص ، انا جيت وبصحتي ، ومن بكرة هارجع المصنع تاني
-تقى بنبرة آسفة : مش هاينفع يا ماما
-فردوس بتهكم : ليه إن شاء الله ، كنت ناقصة إيد ولا رجل
-تقى بنبرة حزينة : مش كده خالص ، بس خالتي زينات وسعدية جوم من يومين هنا وبلغوني إن رئيس العمال آآ... آآ...

صمتت هي لثانيتين لتستجمع شجاعتها ، وأخفضت عينيها للأسفل و....
-تقى بصوت حزين : هو .. هو .. استغنى عنك ...!!

فغرت فردوس شفتيها في صدمة ، واتسعت عينيها في ذهول ، و .....
-فردوس بنبرة مشدوهة : هاه ... ليه ؟

اقترب تقى من والدتها ، ووضعت يدها على كتفها و....
-تقى بصوت رقيق : ان شاء الله هتلاقي احسن من الشغل ده

أبعدت فردوس كف يد ابنتها عن كتفها ، وسريعا تبدل وجهها للصرامة مرة أخرى ، وحدجتها بالنظرات الجامدة ، و....
-فردوس بنبرة ضائقة تحمل التحذير : مالكيش دعوة بيا ، ومن هنا ورايح مافيش شغل تاني ، وكلامي يتنفذ باﻷمر ، انتي فاهمة ؟!
-تقى وهي توميء برأسها : حاضر

أرادت تقى أن تسأل والدتها ذاك السؤال الذي يحيرها ويشغل بالها منذ أن رأتها اليوم .. فابتلعت ريقها و...
-تقى بصوت هاديء ورقيق : ماما هو انا ممكن أعرف انتي خرجتي إزاي ؟
-فردوس بنبرة فظة : جرى ايه يا بت هو انتي مفكرة إن أمك حرامية وسرقت زي الولية اللي ما تتسمى ، أديني خرجت زي ما الناس بتخرج ، ولا تكونيش كنتي عاوزاني أفضل محبوسة عسان تدوري على حل شعرك
-تقى بنبرة شبه مرتجفة : ماقصدش والله يا ماما ، بالعكس ده انا فرحانة اوي إنك خرجتي ، وعقبال بابا وخالتي لما يرجعوا هما كمان ، أنا بس مستغربة من إن ..آآ...
-فردوس مقاطعة بضيق : يوووه بطلي رغي وهري على الفاضي ، وروحي غيري هدومك دي

ثم نظرت فردوس إلى عباءة ابنتها بتفحص أكبر ، وأيضا إلى ( الشبشب ) الرجالي الذي ترتديه و...
-فردوس متسائلة بصوت شبه محتقن وهي تشير بأصابعها : ألا صحيح ايه اللي بهدل هدومك كده ؟
ابتلعت تقى ريقها مجددا ، نظرت إلى حيث أشارت والدتها ، و...
-تقى بتلعثم : ده ... ده من الشغل و....

في تلك اﻷثناء قرع جرس باب المنزل ، فنظرت كلتاهما إليه ، و.....
-فردوس بصوت آمر : خشي إنتي جوا ، وأنا هاروح أشوف مين ده كمان اللي جاي الوقتي
-تقى بنبرة اقرب للهمس : حاضر

تنفست تقى الصعداء ، حيث أراحها قرع الجرس من عناء محاصرة والدتها لها باﻷسئلة ، فهي لم تعد قادرة على الرد بسبب الإنهاك النفسي والارهاق البدني الذي مرت بهما خلال اليومين المنصرمين .....

توجهت فردوس ناحية باب المنزل لترى من الطارق ، فوجدت جارتها الطيبة السيدة إجلال وهي تحمل في يديها صينية كبيرة مغطاة بمفرش صغير و....
-إجلال بصوت دافيء وعلى وجهها ابتسامة صافية : أنا قولت انتو اكيد هاتكونوا تعبانين ومش هتقدروا تطبخوا ، فأنا جهزتلكم حاجة كده بسيطة على ما أوسم
-فردوس بنبرة ممتنة : كتر خيرك يا إجلال ياختي ، ماكنش ليه لزوم والله تتعبي نفسك
-إجلال بنبرة حماسية : تعب ايه بس ، هو أنا عملت حاجة .. افتحي بس الباب

فتحت فردوس الباب على مصرعيه لكي تسمح لجارتها بالمرور بالصينية ، ثم تناولتها من يديها و...
-فردوس بصوت هاديء وممتن : والله الواحد ما عارف يودي جمايلك دي فين
-إجلال بضيق زائف : برضوه هتقولي جمايلي .. يا ولية ده احنا عشرة عمر ، والجيران لبعضيها

وضعت فردوس الصينية على الطاولة التي تتوسط الصالة ، و...
-فردوس وهي توميء برأسها : عندك حق فعلا ، ربنا يديم المحبة بينا
-إجلال بصوت رقيق : أمين

ثم ربتت هي على ظهر فردوس ، و....
-إجلال بنبرة عادية : هاسيبك بقى تاخدي راحتك وأروح اشوف الحاجات اللي ورايا
-فردوس بإصرار : تمشي بس ، اقعدي كلي معانا
-إجلال وهي تبتسم : سبقتك من بدري يا حبيبتي ، خليكي انتي بس في نفسك ومع بنتك ، وعقبال يا رب ما نبارك رجوع عم عوض وتهاني
-فردوس بصوت راجي : ياااااا رب أمين

تبادلت كلتاهما قبلات الوداع على وجنتيهما ، ثم رافقتها هي إلى باب المنزل ، وتوجهت بعدها إلى غرفتها وهي تنادي ابنتها و...
-فردوس بصوت عالي : أما تخلصي اطلعي كلي ، خالتك إجلال عملت اﻻكل وجبتهولنا
-تقى بصوت مبحوح من داخل غرفتها : حاضر !

في قصر عائلة الجندي ،،،،

توقف سائق اﻷجرة أمام البوابة الخارجية لقصر الجندي ، وترجل منها الحارس أحمد وهو يتلفت حوله بريبة محاولا تخمين ما يحدث و....
-أحمد لنفسه بتوجس : في حاجة غلط

أسرع أحمد في اتجاه زميله الحارس جمال الذي كان مشغولا بالحديث في اللاسلكي ، و....
-أحمد بنظرات مترقبة ، وصوت جاد : هو في ايه يا جمال ؟

رمقه اﻷخير بنظرات معاتبة قبل أن يتشدق ب.....
-جمال بصوت آمر : تعالى معايا
-أحمد متسائلا بتوجس : أجي معاك فين ؟؟

لم يمهله الحارس جمال الفرصة حيث قبض عليه من ذراعه بقوة ، فتعجب أحمد مما يفعله زميله ، وضيق عينيه في حيرة ، و.....
-أحمد بصوت منزعج للغاية : الله انت ماسكني كده ليه ؟ ما تكلم يا جدع

أشار الحارس جمال بيده لاثنين أخرين من الحرس ، فركضوا في اتجاهه وأمسك ثلاثتهم به وقيدوا حركته ، فحاول هو أن يقاومهم ويتحرر منهم ، ولكنه للأسف كان عاجزا أمام قوتهم الجسمانية ، و....
-أحمد متسائلا بخوف : يا جدعان في ايه ؟؟ انتو بتعملوا كده ليه فيا ، ده انا أحمد زميلكم ،ده احنا أكلين عيش وملح سوا
-جمال بصوت فاتر : ماهو عشان العيش والملح ده ، فإحمد ربنا إنك لسه ماشي عفى رجلك

ثم قام الثلاثة بدفع أحمد دفعا إلى داخل القصر ، ومن ثم قادوه إلى أقصى الحديقة الخلفية حيث يوجد الجراج الخاص بالسيارات ..
كان أوس ينتظرهم هناك وهو واضع كلا يديه في جيبي بنطاله الأسود الداكن ، أما أزرار قميصه الكحلي فكانت مفتوحة لمنتصف صدره ..
تسرب الرعب إلى أوصال أحمد حينما لمح طيف رب عمله من بعيد ، وبدى الفزع جليا في مقلتيه ... فهو يعلم علم اليقين بصفاته الفجة والقاسية في التعامل مع الغير ، ولذا كان يتجنب - هو وزملائه - إغضابه بأي حال من اﻷحوال ..

كان يدور في رأسه الكثير من الأسئلة أهمها هو ما الذي أخطأ في فعله لكي يستدعيه إلى هنا بتلك الصورة المرعبة ..
أرخى الثلاثة أيدهم عنه ودفعه بقوة للأمام ، فسقط على ركبتيه و إستند بمرفقيه على اﻷرض ، ونظر بأعين زائغة نحو أوس و...
-أحمد بصوت مرتجف : خير.. خير يا باشا !!

تنهد أوس بقوة ، ثم ضرب اﻷرض بقدمه بقوة وهو يسير نحوه ، ولم يطرف للحظة بعينيه القاسيتين إلى أن وقف قبالة الحارس ...
ابتلع أحمد ريقه الذي جف لأكثر من مرة ، بلل شفتيه المتشققتين بطرف لسانه ، و ...
-أحمد بذعر : أنا.. أنا .... آآ..

انحنى أوس بجذعه للأمام فجأة ، ثم أمسك بقبضتيه بتلابيب أحمد وجذبه للأعلى ، وحدجه نظرات قاتلة ونارية ، و...
-أوس بنبرة جامدة : شغلك هنا عندي انتهى خلاص
-أحمد بتلعثم ونظرات مرتعدة : بس أنا .. أنا معملتش حاجة
-أوس بنبرة قاسية وهو يصر على أسنانه : كون إنك تيجي جمب اللي يخصني يبقى ملكش لازمة عندي

ثم أرخى أوس قبضتيه عن ياقته ،وضرب بهما بقوة على كتفيه ، فشعر أحمد بأصابعه القوية تؤلمه ، و...
-أحمد بنبرة خافتة وهو يحاول كتم آلامه : اللي ...آآ.. اللي تشوفه يا باشا .. محدش بيموت من الجوع ، ده اﻷرزاق على الله

أبعد أوس قبضتيه عن كتفي أحمد ، ثم وضع يده على طرف ذقنه وضربه بخفة كأنه يمزح معه و...
-أوس بهدوء قاسي : صح .. محدش بيموت من الجوع ..!!!!

ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية ، ولمعت عينيه بقسوة ، و....
- أوس متابعا بصوت قاتم يحمل الوعيد : بس بيموت من حاجات تانية ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثاني والعشرون

في قصر عائلة الجندي ،،،

أمسك أوس بتلابيب الحارس أحمد ، ثم لكمه بقوة في وجهه عدة مرات مما جعل الدماء تسيل من بين أسنانه ، ومن أنفه ، ولم يحاول الأخير الدفاع حتى عن نفسه ، بل ظل يتأوه من اﻵلم و......
-أحمد بصوت مختنق : آآه .. طب ليه بس يا باشا كل ده ؟! آآه...!!

أفرغ أوس شحنة غضبه بالكامل فيه ، ثم حدجه بنظرات مميتة و....
-أوس وهو يزمجر غاضبا : محدش يستجري ياخد حاجة مني ..!!!!
-أحمد بصوت مكتوم : آآه .. والله ما سرقت يا باشا .. اس.. اسأل حتى الحراسة وآآ...
-أوس مقاطعا بحنق : كون إنك تفكر بس في اللي يخصني ده لوحده يقضي على عمرك

ثم ثنى هو ركبته ، وركله أسفل معدته مما جعله يصرخ من اﻵلم ، ولم يمهله الفرصة للتأوه بل باغته بضربات قوية متلاحقة أسقطته على اﻷرض ..فتركه وهو ينفض يده من الدماء التي لطختها ، ثم وجه بصره نتحية الحرس ، و....
-أوس بصرامة : مش عاوز أشوف الخلقة دي تاني هنا قدامي
-جمال وهو يهز رأسه موافقا : أوامرك يا باشا

ثم أشار بعينيه نحو أحمد المسجى على وجهه و...
-أوس بصوت آمر : الكلب ده يترمي بعد ما تربوه

وبالفعل اقترب الثلاث حرس من أحمد ، وكالوا له من الركلات ما جعله يتنفض بفزع وهو يصرخ عاليا ب....
-أحمد بصوت مبحوح : آآآه .... كفاية ... آآآه

لم يصغ أي أحد لصراخه بل ظلوا ينهالون عليه بالضرب المبرح ..

تركهم أوس يكملون عملهم معه ، ثم أمسك بهاتفه الذي ظل يرن في جيبه ﻷكثر من مرة ولكنه تجاهله ريثما ينتهي من أحمد ...
وضع هو الهاتف على أذنه ، و....
-أوس هاتفيا ببرود : في ايه يا عدي ، مش أنا قولتلك روح الشركة وأنا لما هاخلص هاجي
-عدي هاتفيا بجدية : في مشكلة كده لازم انت بنفسك اللي تاخد القرار فيها

قطب هو جبينه ، وانتبه بكل حواسه لما يقول وهو يسير مبتعدا عن حرسه ...
-أوس بجدية : مشكلة ايه ؟
-عدي بقلق : مش هاينفع تتحكي .. حاول تيجي يا أوس

زفر هو في ضيق ، ثم ......
-أوس بإقتضاب : ماشي ، أما أشوف .....!

في منزل تقى عوض الله ،،،،

تناولت تقى الطعام مع والدتها في صمت ، وإن صح التعبير هي كانت فقط تحرك فمها وكأنها تلوك الطعام ، ولكنها حقا كانت فاقدة لشهيتها إلا أنها إدعت أنها تأكل فقط لتتطمئن على أن والدتها طبيعية معها ...
قطعت فردوس ذلك الصمت ب....
-فردوس بفتور : أنا من بكرة هنزل أدور على شغل بدل اللي فات

أومأت تقى برأسها موافقة دون أن تنظر إليها .. فتابعت هي ب....
-فردوس بنفس النبرة الفاترة : وهحاول اسأل عن أبوكي في الحواري اللي حوالينا يكون حد شافه كده ولا كده

رفعت تقى رأسها ونظرت إلى والدتها بنظرات جادة و....
-تقى متسائلة بإهتمام : طب وخالتي تهاني ؟

تركت فردوس الملعقة ، وزفرت في انزعاج واضح و...
-فردوس بصوت ممتعض : أكيد يعني مش نسياها ، هدور عليها واسأل الجيران .. وربنا يعترنا فيها
-تقى بنبرة راجية : يا رب أمييييين

مضغت تقى بعض الطعام الذي دسته في فمها ، و...
-تقى متسائلة بعشم : تحبي أساعدك يا ماما ؟
-فردوس بنبرة ساخطة وهي ترمقها بنظرات ساخرة : تساعديني ازاي يعني وانتي مكسحة كده ؟؟!!
شعرت تقى أنها فقدت الجزء الضئيل المتبقي من شهيتها ، فأخفضت رأسها في حزن ، وظلت تحرك ملعقتها في صحنها الممتليء بالطعام ، بينما تابعت فردوس حديثها الجاف و..
-فردوس بنبرة متهكمة : خليكي بس مركزالي في شغل البيت ، ومالكيش دعوة بأي حاجة تانية .. أنا مش ناقصة أشيل هم فوق همي اللي ما بيخلصش
-تقى بصوت حزين ، ونظرات منكسرة : حاضر...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،،

مد أحد اﻷشخاص يده بملف ما أسود اللون وهو ينظر بحذر في اتجاه أوس الجالس على رأس طاولة الاجتماعات ، و...
-المحامي بصوت هاديء : دي العقود يا فندم

أمسك أوس بالملف ، ثم سنده بعدم اهتمام أمامه ، وقام بفتحه والعبث في الأوراق الموجودة بداخله ليلقى بنظرات خاطفة على أهم بنوده ...
راقب المحامي ردود أفعاله وحاول أن يستشف قراره .. لكن كان من المستحيل التنبؤ بتصرفاته ..
بينما تابع عدي ما يدور في صمت ... فهو متيقن من وجود مشكلة ولن تمر مرور الكرام ...

نظر أوس في اتجاه المحامي ، و...
-أوس بصوت قاتم : تتلغى العقود دي فورا

ارتسمت علامات الدهشة على وجه المحامي ، ورفع كلا حاجبيه في صدمة ، و...
-المحامي فاغرا شفتيه : هااااه

ثم نظر في اتجاه عدي كأنه يستنجد به ، ولكن جذب انتباهه صوت أوس القوي ، و....
-أوس بجمود يحمل التهكم : فيه ايه كلامي مش واضح ؟ ولا انت سمعك تقل ؟!!!

تنحنح المحامي في حرج ، وابتلع ريقه سريعا و...
-المحامي بنبرة قلقة : لا يا فندم سمعت ، بس.. بس ده معناه احتمال وجود خسارة لينا

ضرب هو بكف يده على الطاولة ، ونظر للمحامي بنظرات حادة و....
-أوس بحنق : مش مهم ، أنا محدش يكسر كلامي مهما كان ، ويخالف أوامري من غير ما يتحاسب
-عدي بهدوء حذر : اهدى بس يا أوس ، مافيش داعي للتسرع ، احنا محتاجين نفكر بهدوء ، فمتخدش المواضيع قفش ، وآآ...
-أوس مقاطعا بصرامة : عدي ! انت عارف كويس إني ماقبلش حد يلوي دراعي حتى لو كان مين !!!
-عدي بنبرة هادئة : بس انت عارف إن ده عمك سامي .. وهو آآ....

-أوس مقاطعا بجدية : عمي مش عمي ، هو هيتعامل زي الغريب ، في شروط وتعاقدات وهو خالفها .. يبقى يشرب ، وأنا قسما بالله هأعرفه هو مين
-عدي بنبرة مهتمة : طب أنا عندي اقتراح ممكن يعوض خسارتنا ، ايه رأيك لو نتواصل مع التوكيل الرئيسي في ايطاليا و...
-أوس بنبرة متصلبة : انت قولت اللي ناوي اعمله ، أنا مش هاسيب رقبتي تحت رحمة حد ، وهاعرف عمي سامي مين هو أوس الجندي ، وإن مش أنا اللي يتلعب معايا اللعبة ( الوسخة ) دي ...!!!!
-عدي بصوت آجش : تمام متفقين ، أنا هاخلي السكرتيرة تجهز كل حاجة ، وتحجز التذاكر وتخلصلنا إجراءات السفر
-أوس بجدية : تمام .. أنا عاوز أخلص من الموضوع ده في ظرف يومين بالكتير خليني أشوف مصالحي التانية
-عدي متسائلا بفضول : مصالح ايه ؟!
-أوس بنبرة فاترة : حاجات متخصكش ..خليك بس مركز في سفرنا
-عدي بإيجاز : أوكي ..اللي يريحك

نهض أوس عن مقعده ، ثم أولى الاثنين ظهره ، ووضع يديه في جيبي بنطاله ، وحدق مباشرة أمامه في الفراغ ، و.....
-أوس لنفسه بتوعد : هما يومين بس يا تقى هاسيبك فيهم تشمي نفسك وتحسي باﻷمان ، بس بعد كده هاتيجي راكعة تحت رجلي ، وأبدأ أنا مهمتي معاكي ......!!!

في اليوم التالي ، قضت فردوس نهارها في البحث عن زوجها وأختها ، وسؤال كل من يقطن بجوارهم في الحواري واﻷزقة القريبة عنهما .. وكذلك لم تنس السؤال عن وظيفة شاغرة متاحة تناسبها ، ولكنها للأسف لم توفق في مسعاها ..
ورغم حالة اﻹنهاك والتعب والضيق المسيطرة عليها إلا أنها لم تكل أو تمل ، وظلت تجوب الطرقات هنا وهناك ....

في منزل الجارة أم بطة ،،،،،

لم تتوقف أم بطة عن إطلاق الزغاريد ، ولا عن التباهي بعرس ابنتها الذي سيقام الليلة في الصوان الكبير الذي ينصب حاليا أسفل البناية ..
-أم بطة بصوت جهوري : يالا يا بنات .. يالا يا حبايب ، كل يهيص ويرقص ، ده فرح ست البنات النهاردة
-إحدى الجارات متسائلة بلكنة شعبية للغاية : هي العروسة هاتروح الكاوافيرة امتى ؟
-جارة ما متسائلة بفضول شديد : على كده أم العريس هاتيجي معاها ؟!
-أم بطة وهي ترفع أحد حاجبيها في ضيق : اه جاية
-جارة أخرى بنبرة لئيمة : طب خدي بالك بقى بدل ما تعمل حاجة في بنتك !

رفعت أم بطة حاجبها في توجس ، وزمت شفتيها في امتعاض ، و...
-أم بطة على مضض : تعمل ايه فيها ؟ يا شيخة قولي كلام غير ده
-جارة أخرى بصوت ماكر : هو انتي مش عارفة الحموات وألاعيبهم
-أم بطة بنبرة غليظة : بقولك ايه سيبي بنتي في حالها ، هي حرة في حياتها ، وتصطفل مع حماتها ، هي بقت ملزمة منهم
-جارة اخرى بنبرة شبه حرجة : أنا مقصدش ، أنا غرضي آآ...

-أم بطة بحدة وهي تشير بإصبعها : يووه قفلي ع الهري ده كله وخلينا نشوف البت واللي ورانا .. أنا مش ناقصة حد يأطم فيا ويبكتلي
-جارة أخرى وهي تلوي فمها : خلاص يا حبيبتي ، هي كانت نصيحة لوجه الله
-أم بطة بنبرة متأففة : لا تنصحيني ولا أنصحك .. فضيناها

ثم استدارت برأسها نحو بقية النسوة ، ولوحت بكلتا يديها في الهواء و...
-أم بطة بصوت عالي : سمعوني الزغاريط يا نسوووااان .. لووولوووووولي

وبالفعل سادت أجواء البهجة والزغاريد في أرجاء المنزل

في منزل تقى عوض الله ،،،

عادت فردوس إلى منزلها بعد أن أنهكها السير طوال اليوم على قدميها بحثا عن زوجها وأختها ، وكذلك عن وظيفة تقتات منها ، فألقت بجسدها على اﻷريكة ، وظلت تزفر في إرهاق ...
في نفس الوقت كانت تقى قد إنتهت لتوها من تنظيف المنزل وإعادة ترتيبه ..
اقتربت هي منها ، ووقفت خلفها ، ثم ربتت على ظهرها ، و....
-تقى متسائلة بإهتمام : ها يا ماما في جديد ؟!
-فردوس بصوت منهك : ﻷ مافيش
-تقى بنبرة رقيقة وخافتة : ربنا يسمعنا خير عنهم يا رب
-فردوس بإقتضاب : يا رب

ثم أخذت نفسا مطولا ، وزفرته مجددا في تعب ، و...
-فردوس بلهجة آمرة وهي تشير بإصبعها : طب قومي حطي الأكل عقبال ما اتشطف
-تقى وهي توميء برأسها : حاضر

ثم سارت هي في اتجاه المطبخ ، وقبل أن تدلف داخله ، استدارت نصف استدارة بجسدها ، وتنحنحت في رقة ، و....
-تقى متسائلة بحذر : ماما.. آآ.. هو أنا ينفع أروح فرح بطة ؟

عبست فردوس بوجهها ، وقطبت جبينها بشدة ، و....
-فردوس بحنق : هو إنتي معندكيش دم ؟؟ عاوزة تحضري افراح وترقصي وتزيطي واحنا عندنا النصايب دي كلها

ثم وضعت كلتا يديها على فخذيها ، وضربتهما لاكثر من مرة في ضيق واضح ، و....
-فردوس متابعة بصوت متشنج : اه طبعا وإنتي هاتجيبي الاحساس منين ولا هاتشيلي المسؤلية إزاي وانتي ولا همك
-تقى بصوت شبه مختنق : والله العظيم أبدا .. انا بس كنت عاوزة أباركلها وأمشي
-فردوس بحنق : لا تباركي ولا تنيلي .. اقفلي على السيرة دي ، جتك وكسة تاخدك ..!!!

مطت تقى شفتيها في حزن ، وأطرقت رأسها للأسفل ، ثم ولجت إلى الداخل ...

في الساحل الشمالي ،،،،،،

تجنبت ليان الجلوس مع والدتها وصديق العائلة ممدوح قدر المستطاع ، فهي تشعر بالخزي من كلاهما .. وفي نفس الوقت لم تكف عن الاتصال بفارس الذي كان يتعمد تجاهلها ليضمن خضوعها التام له ...
سارت هي بجوار الشاطيء ، وركلت بقدمها الرمال البيضاء ، وشردت في الأمواج المتلاطمة ..
راقبتها رفيقتها جايدا باستغراب ، و...
-جايدا بصوت هاديء : هاي.. ليووو ، انتي روحتي فين ؟
-ليان وهي تزم شفتيها في تأفف : مافيش
-جايدا باستغراب : مافيش ازاي ، ده انتي شكلك stressed على الاخر
-ليان وهي تزفر في انزعاج : اوووف .. أنا مخنوقة
-جايدا متسائلة في فضول : مخنوقة من ايه ؟

-ليان بضيق : من كل حاجة ؟
-جايدا بنبرة هادئة : طب ما تقوليلي
-ليان بإنفعال واضح : يوووه .. بليز جودي .. انا مش حابة أحكي اي حاجة
-جايدا بحماس : طب ايه رأيك نروح نغير جو ، ده في نايت جديد فاتح ، وبيقولوا ده حكاية
-ليان بنبرة غير مبالية : I don't care ( مش فارق معايا )

تنهدت هي مجددا في حزن ، ونظرت إلى شاشة هاتفها في ضيق ، و .....
-ليان وهي تهمس لنفسها : انت فين يا فارس .. أنا محتاجاك أوي أوي ..!!!

رمقتها رفيقتها بإندهاش شديد ، و....
-جايدا بإستغراب : إنتي بتكلمي نفسك ولا إيه ؟
-ليان بنبرة مرهقة : عادي .. never mind !!!

في مكان آخر بالساحل الشمالي ،،،،

تمدد ممدوح على المقعد المخصص للسباحة ، ووضع قبضتي يده خلف رأسه ، ونظر إلى ناريمان الجالسة بجواره بنظرات فخر ، و...
-ممدوح بنبرة ماكرة : ايه رأيك ؟
-ناريمان بتوجس : تمام .. بس .. بس ده ممكن يأذيه في شغله؟
-ممدوح بنبرة مغترة : لا أذية ولا غيره ، مش كل اللي يهمك انه يتلهي عنك ، وانا عملت ده في تكة ، ها مبسوطة ؟
-ناريمان بتنهيدة ارتياح : اها ... كده تمام ، طالما هايشليني من دماغه ولو حتى يومين أنا مرتاحة ..
-ممدوح بثقة : وعمه سامي ماستناش يدوب مكالمة مع وعد بصفقة كان تحت ضرسي
-ناريمان وهي تغمز له بلؤم : طلعت مش سهل يا حبيبي
-ممدوح بإبتسامة تباهي : اومال ايه .. ولسه !

ثم مال برأسه ناحيتها ، ونظر لها بنظرات جريئة و...
-ممدوح بخفوت : مش هاتدلعيني بقى يا نيرموو
-ناريمان بدلال : أكييييد ..
-ممدوح وهو يشير لها بعينيه : طب يالا
-ناريمان بابتسامة مجاملة : اوكي

ثم نهض كلاهما مبتعدين عن المقاعد و تبادلا كلمات خافتة ، وسارا في اتجاه الشاليه الخاص بممدوح ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثالث والعشرون

في الساحل الشمالي ،،،،

أسندت ليان رأسها على صدر فارس الذي إتكأ بمرفقيه على الرمال الذهبية ، ثم تنهدت هي في حزن ، وأغمضت عينيها ، و...
-ليان بخفوت : ماتسبنيش تاني يا فارس ، اوعى تبعد عني
-فارس بنبرة رومانسية : حاضر

مدت هي أصابع يدها لتلامس صدره بعد أن فتحت عينيها ، و....
-ليان بصوت شبه حزين : أنا معنتش بأثق في اي حد خلاص

أمسك فارس بكف يدها ورفعه إلى فمه وقبله في حنو زائد ، و نظر إليه بعينين ناعستين ، و....
-فارس بصوت رخيم : مش عاوزك تقلقي يا حبيبتي طول ما أنا جمبك .. انا مش هاسيبك .. انتي عمري كله !

ثم قبلها مجددا من يدها ، فنظرت إليه بنظرات رومانسية ، فتابع هو حديثه ب...
-فارس بنبرة خافتة : وقريب اوي هانكون سوا وللأبد ، بحبك يا ليوو ....!!

ثم أحاطها بذراعيه وضمها إليه.. فشعرت بالدفء يسري في روحها الهائمة، وفجأة فتحت ليان عينيها لتجد نفسها غافلة على أحد المقاعد الخاصة بالشاطيء، فتنهدت في حسرة فقد كان ما رأته مجرد حلم عابر تمنت لو تحقق فعلا ووجدت الحضن الذي يحتويها فتشعر معه بالآمان ....

في منزل الجارة أم بطة،،،

توالت الاتصالات الهاتفية منذ مطلع هذا اليوم لتهنئة بطة بزيجتها وخاصة من رفيقاتها المقربات منها ومن زميلاتها في المدرسة الثانوية الصناعية .. فهي أصغر عروسة ستزف إلى عريسها الليلة ..
ورغم الفرحة البادية على كل صديقاتها إلا أنها كانت تشعر بعدم اكتمال فرحتها .. هي لا تعرف السبب ، ولكن يخالجها شعور غريب بأن اﻷمور تمت على عجالة ..
قطع تفكيرها رنين الهاتف مجددا ، فأجابت على المتصل وهي تدعي السعادة ...
ومن بين تلك المكالمات الهاتفية ، مكالمة من زميلتها الخلوقة هاجر ..

كانت هاجر قد أخبرت والدها عن زيجة صديقتها - والتي كانت تماثلها في العمر - فانزعج الأخير من اﻷمر ، وأخبرها بأن هذا غير قانوني وبه مخالفات .. فأرادت هاجر أن تبلغ صديقتها بما قاله والدها .. وبالفعل هاتفتها و..
-بطة هاتفيا بنبرة جادة : انتي واثقة من اللي بتقوليه ده ؟
-هاجر هاتفيا بنبرة هادئة : ايوه .. بابا موصيني أقولك عشان تخدي بالك

فركت بطة جبينها بكف يدها ، ثم ابتلعت ريقها في قلق ، و.....
-بطة بتوجس : طب .. طب المفروض أنا اعمل ايه ؟؟
-هاجر بصوت رقيق : حاولي تتكلمي مع مامتك .. يمكن هي مش واخدة بالها
-بطة بنبرة حائرة : ما انتي عارفة امي مش من السهل يتقالها حاجة زي كده وتقتنع على طول
-هاجر بهدوء : الصراحة مامتك صعب اوي
-بطة وهي تلوي شفتيها في امتعاض : يعني انا كده لازم اتصرف واشوف حل مش بس مع امي لا مع عبده كمان.

-هاجر بإيجاز : بصراحة ايوه
-بطة بضيق : يبقى مش هاوصل لحاجة
-هاجر متسائلة بجدية : ليه بس ؟ انتي بس اقنعي مامتك وهي يمكن تلاقي الحل وتأجل الجوازة شوية
-بطة بتهكم : تأجل الجوازة .. يبقى انتي متعرفيش امي ..
-هاجر بصوت هاديء : ربنا معاكي يا بطة ويحلها من عنده.

-بطة متسائلة برجاء : طب انتي ماينفعش تجيلي يا هاجر وتكلميها معايا ، يمكن ده يفرق
-هاجر بنبرة آسفة : والله لو كانت ظروفي تسمح كنت جيتلك .. بس انتي عارفة الوضع ازاي عندي !!
-بطة بضيق : اه عارفة .. يا ريتك كنتي موجودة .. كان زمانك ساعدتني في الهم اللي أنا فيه ده
-هاجر بنبرة حزينة : معلش يا بطة ، غصب عني والله
-بطة بنبرة يائسة : مايهمكيش .. انا هاتصرف
-هاجر برجاء : ربنا يكرمك

انهت بطة المكالمة مع هاجر وهي في حيرة واضحة من أمرها ، زفرت في انزعاج ﻷكثر من مرة ، و..
-بطة بصوت جاد للغاية : اعمل انا ايه الوقتي ؟؟؟

في منزل تقى عوض الله ،،،،،

تنهدت تقى في إرهاق وهي تحاول النهوض من على فراشها ، ثم رفعت قدمها اليمنى للأعلى قليلا لتتفحصها .. و...
-تقى بخفوت لنفسها : أما اشوف الجرح إن كان لم ولا لسه

نزعت هي بحذر الرباط الطبي الذي يلف قدمها وهي تصر على أسنانها خشية أن تصدر أي صوت ، ثم تلمست بأطراف أصابعها مكان الجرح و ..
-تقى بصوت متآلم : آآه .. ده لسه زي ماهو .. انا محتاجة اغير الشاش ده وأحط حاجة تانية مكانه

أنزلت قدمها بهدوء ..وسارت على طرف كعبها وهي تحاول ألا تلقي بثقل جسدها عليه ..
-تقى بنبرة راجية : يا رب هون واشفيني

توقفت تقى أمام خزانة الملابس ، وفتحت ضلفته ، وعبثت في محتوياته بحثا عن قطعة قماش نظيفة لتضمد بها قدمها .. ثم أخرجت مرهما طبيا من أحد اﻷدراج الداخلية ، و إستندت بظهرها على الخزانة وقامت بلف قطعة القماش بعد أن وضعت المرهم و...
-تقى بهدوء : يا رب تيجي بفايدة

-فردوس بنبرة مرتفعة : أنا نازلة شوية تحت ومش هتأخر، ماتفتحيش لحد ، ماشي يا بت ؟
انتبهت هي إلى صوت والدتها العالي الذي يأتي من خارج غرفتها و...
-تقى بنبرة عالية : حاضر
-فردوس بصوت آمر : وماتنسيش تنقعي الفول في المياه بعد ما تنقيه
-تقى بصوت مرتفع : طيب

ثم سمعت صوت غلق باب المنزل ، فتنهدت في تعب و...
-تقى بإرهاق : يا معين يا رب ، ده أنا لسه عاوزة اعمل الغسيل وأروق الصالة وآآ....!!

في منزل الجارة أم بطة ،،،،،،

ظلت بطة تجوب الغرفة ذهابا وإيابا وهي في حالة عصبية وفي حيرة من أمرها ... فوالدتها تريد تزويجها فقط لتتخلص من عبئها ، وبالتالي لا يشكل أي فارق معها إن كانت ستصبح سعيدة في حياتها القادمة أم لا ...
وقفت هي أمام التسريحة ذات المرآة المكسورة وتأملت نفسها ، و...
-بطة بغرور : وربنا أنا خسارة في الفقري ده

ثم مطت شفتيها وتغنجت بجسدها و...
-بطة بثقة : ده أنا أعجب الباشا .. بس لولا الظروف

تنهدت في انزعاج وصدى كلمات رفيقتها يتردد في عقلها ، وحاولت ان تجد لها مبررات مقنعة و...
-بطة بصوت حائر : ماهي أمي برضوه معذورة هاتصرف على مين ولا مين ..

ولكنها تذكرت تصرفات إحسان الوقحة معها فتملكها الانزعاج ، و....
-بطة بضيق : كله كوم والولية دي كوم تاني .. اوووف .. يا ساتر يا رب عليها ..!!!

مطت شفتيها في استهجان وغمغمت بخفوت ثم توجهت للشرفة لتلمح تقى وهي تعلق الملابس المغسولة على الحبال ، فحدقت بها بنظرات مطولة و....
-بطة لنفسها بجدية : طب ما البت تقى ظروفها اسوأ مني وأمها مجوزتهاش اشمعنى أنا يعني ؟؟!! ﻷ وهي كمان أكبر مني !!!

إستندت هي بكف يدها على زجاج الشرفة ، و حدقت في الفراغ بعد أن اشتدت ملامح وجهها صرامة و...
-بطة بنبرة عازمة : انا لازم اتصرف واشوف آآ....

في تلك اﻷثناء ولجت أم بطة لداخل الغرفة وهي تحمل كومة من الملابس المطوية ، ونظرت إلى ابنتها بإستغراب ، و...
-أم بطة بنبرة متعجبة : انتي بتكلمي نفسك يا بت ؟

انتبهت لها بطة ، فأنزلت ذراعها ، واستدرات بجسدها للخلف ، وارتبكت ملامحها وترددت في إخبار والدتها بما يجيش في صدرها ...
وضعت أم بطة الملابس بداخل الخزانة ، و...
-أم بطة بنبرة حماسية : يالا يا عروسة جهزي نفسك بقى عشان يدوب نلحق نروح الكوافيرة ، ده النهاردة يومك .. انا خلاص خلصت كل اللي ورايا

مطت بطة شفتيها في تأفف ، و...
-بطة وهي تتمتم بخفوت : يوم اسود ومهبب..!

نظرت لها والدتها باستغراب ، ورفعت أحد حاجبيها ، و...
-أم بطة بتعجب : يا بت هو انتي هاتفضلي كده كتير تكلمي نفسك زي الهبلة

أخذت هي نفسا مطولا ، وزفرته بتعصب ، و....
-بطة بتذمر : هو أنا يعني لاقيت حد أكلمه وقولت ﻷ
-أم بطة بعدم اكتراث : بلاش حكي فاضي ، يالا لاحسن الوقت يسرقنا ومنلحقش ، شوفي هتاخدي ايه وانتي نازلة ، و آآ.....

لم تستمع بطة إلى كلمة أخرى مما تقولها والدتها ، فقد كان شاغلها اﻷكبر هو مصيرها الغامض مع زوج لم تعرفه جيدا ..
في النهاية قررت هي أن تخبر والدتها لذا تشدقت ب......
-بطة متسائلة بجدية : يامه ..هو اللي احنا بنعمله ده صح ؟!

عبست ملامح وجهها أكثر ، قطبت جبينها و...
-أم بطة بعدم فهم : قصدك ايه ؟
-بطة بتردد : يعني .. آآ.. انا ازاي هاتجوز وأنا عندي 16 سنة .. ده صح ؟
-أم بطة بصوت شبه حاد :انتي جبتي الكلام ده منين ؟؟!!
-بطة بتلعثم : أنا... أنا سمعت الكلام ده في .. آآ.. في التلافزيون
-أم بطة وهي تمط شفتيها في سخرية : هو في حد بيصدق كلام التلافزيون ده ، وبعدين الواد عبده مظبط كل حاجة مع المأذون ، فمتشليش هم يا بت .. ده انتي واخدة راجل ابن سوق

اكتسى وجهها بعلامات الحيرة ، وإزداد إنعقاد حاجبيها ، و ...
-بطة متسائلة بتوجس : ازاي يعني ؟؟ تقصدي ايه يامه ؟؟!!!

ارتسمت ابتسامة مغترة وواثقة على وجه أم بطة ، ولوحت بيدها في تفاخر ، و...
-أم بطة بصوت واثق : هو هايكتب ورقة جواز كده بس مش هاتتسجل في الدفتر إلا لما تتمي 18 سنة
-بطة وهي تفرغ شفتيها بإندهاش : ايييه ؟!
-أم بطة متابعة بتفاخر : والمأذون مننا وعلينا ، وبعدين هو الجواز ايه غير اشهار والكل يعرف ، وأدينا عازمين الحبايب كلهم
-بطة بنظرات مصدومة ، ونبرة مدهوشة : بس .. بس ده غلط
-أم بطة بعدم مبالاة : غلط ايه يا بت .. ده الكل ماشي كده هنا ، هو احنا هنعمل حاجة غريبة.

-بطة بنبرة محتجة : طب ليه مانستناش أما اكمل 18 سنة وأبقى اتنيل اتجوز .. ولا حتى لما أخلص الدبلون
-أم بطة بصوت ضائق : هو أنا لسه هاستنى كل ده ، بلاش قرف !! أنا عاوزة اخلص من كوم اللحم اللي ورايا
-بطة بإحتجاج أشد وهي تشير بيدها : بس يامه كده حقي هايضيع !
-أم بطة باستغراب : ايه ؟ حقك يضيع !!!
-بطة وهي تصر على أسنانها : أيوه ..

-أم بطة بصوت جاد يحمل التهكم : حق ايه اللي هايضيع ؟! هو كان هيتجوزك في الدرى ، ماهو عامل ومكلف فرح أد كده وعازم القريب والغريب عشان يعرفوا
-بطة بإعتراض واضح : يامه ده مش قانوني ، كده مش هيبقالي أي حقوق شرعية
-أم بطة بإندهاش أشد : قانوني وشرعي ! بت انتي ده مش كلامك
-بطة وهي تزفر في ضيق : يوووه .. مهما قولت برضوه انتي مش هاتسمعيني

ثم تحركت مبتعدة عن والدتها ، ولكن أمسكتها اﻷخيرة من ذراعها ، وقبضت عليها بشدة ، ثم هزتها بعنف ، وهدرت هي ب.....
-أم بطة بزمجرة عالية : انطقي يا بت مين ملى دماغك بالكلام الفاضي ده ؟!
-بطة بحنق : محدش
-أم بطة بصوت يحمل التهديد : ﻷ بقى ، قسما بالله لو ما نطقتي وقولتي مين لعب في دماغك ﻷجيبك تحت رجلي وأنسل الشبشب ده نسايل على دماغك

ثم قبضت أكثر على ذراعها ، وانحنت بجسدها لﻷمام لتأتي بفردة ( شبشبها ) ، فنظرت لها بطة بخوف ، وأدركت أنها أخطأت حينما ظنت أن والدتها من النوع الذي يقبل المحاورة ...
-أم بطة بتوعد : هو انا ناقصة فضايح ؟!
-بطة بصوت متلعثم : دي .. دي هاجر يامه اللي قالتلي كده

ألقت أم بطة بشبشبها على اﻷرض ، ورمقت ابنتها بنظرات غريبة و...
-أم بطة وهي تلوي فمها في استنكار : هاجر !!
-بطة بضيق : ايوه هاجر

مطت أم بطة شفتيها في سخرية ، و أرخت قبضة يدها عن ذراع ابنتها ، ورمقتها بنظرات حنو زائف و....
-أم بطة بصوت خافت ولئيم : يا عبيطة ، وهو في واحدة عاقلة ومخها يوزن بلد زيك تصدق كلام الفقرية دي .. يا بت دي معنسة وغيرانة منك
-بطة بصوت جاد : لا يامه ده أبوها اللي قالها كده
-أم بطة بمكر : وهو اللي يقولك اي حاجة تصدقيها .. انتي كنتي معاها ؟!
-بطة بإيجاز : ﻷ
-أم بطة بنبرة مهينة : دي واحدة مصدية محدش عمره هايبص في وشها اللي يقطع الخميرة من البيت ..هي بتقول كده عشان تخرب عليكي

ثم وضعت يدها على كتف ابنتها ، ومالت برأسها نحوها ، و...
-أم بطة بخبث : خليكي ناصحة يا بت ، وبصي لمصلحتك ، وسيبك من البنات النحس اللي مابيجيش من وراهم غير الهم والغلب ..

أخفضت بطة عينيها للأسفل ، بينما ربتت والدتها على ظهرها ، و ....
-أم بطة بصوت خافت : يالا يا بنتي ربنا يهديكي .. البسي يالا وشيلي كلام البت بنت ال*** دي من دماغك

هزت بطة رأسها موافقة بالرغم من عدم اقتناعها بالمبررات التي تقولها والدتها .. ورسمت على وجهها ابتسامة زائفة و..
-بطة باستسلام : حاضر يامه ... انا هالبس
-أم بطة بفرحة جلية : ياختي اسم الله والحارس الله ..تسلميلي يا بنت بطني

ثم احتضنت ابنتها وقبلتها من وجنتيها ، وسارت في اتجاه باب الغرفة .. بينما تسمرت بطة في مكانها ووضعت يدها في وسط خصرها ، و ....
-بطة بنبرة مليئة بالتحدي : مافيش قدامي غير إني أفركش الجوازة دي بمعرفتي ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الرابع والعشرون

في سرادق ما كبير على مدخل الحارة ،،،،،

أنتهى معظم الرجال المتواجدين بداخل وحول السرادق المقام لحفل زفاف الليلة من العمل فيه ، وتبقى فقط تعليق بعض الزينات واﻷضواء الكهربائية على مداخله ، وأيضا على واجهات البنايات الملاصقة ...
في حين وضع رجلين أخرين ( الكوشة ) الخاصة بالعروسين ، وقام شابين صغيرين برص المقاعد والطاولات الخشبية على الجانبين ..
في حين انحنى رجل ضخم البنية بجذعه للأسفل لكي يضع السجاد الخاص بالعرس على الإسفلت ..
كذلك تم نصب مسرح خشبي واسع وتجهيزه بمعدات الفرقة الموسيقية التي ستتولى إحياء تلك الليلة ....

وقف شاب ما في منتصف السرادق واضعا قبضتي يده في جيبي بنطاله الجينز ، وموليا ظهره لمعظم المتواجدين ، ثم أخرج إحدى قبضتيه ، ومررها على فروة رأسه المجعدة ، ومن ثم التفت بجسده للجانب ، فظهرت ملامح وجهه السمراء وحاجبه المعقوف ورموشه الكثيفة وذقنه شبه الحليقة ، ثم أشار بيده ﻷحد اﻷشخاص ، وغمز له وهو يبتسم و...
-الله ينور يا باشا
التفت له أحد العاملين وهز رأسه موافقا ، ثم هدر عاليا ب...
-مبروك يا عريس .. وعقبال البكاري

ابتسم له عبد الحق ابتسامة سخيفة ، ثم أومىء برأسه ، وتحدث بهدوء ب....
-في حياتك إن شاء الله وتبقى تعملهم الصوان ده
-نعملك أبوه يا باشا .. انت أؤمر بس

رفع عبد الحق يده عاليا ليحيه ، ثم أخفض رأسه قليلا و...
-تسلم ياخويا

ثم سار في اتجاه مخرج السرادق وهو هاديء الملامح ، ومن ثم أخرج هاتفه المحمول ونظر في شاشته فتبدلت قسمات وجهه للضيق ، و...
-يا دين النبي ، الوقت جري بسرعة ، ده أنا يدوب ألحق استحمى وأطلع ع الواد سمير الحلاق يسنجفني

بداخل صالون التجميل الشعبي الخاص بالسيدات ،،،

أخرجت بطة فستانها من الحقيبة البلاستيكية التي تغلفه، ورفضت أن تعاونها أي من الفتيات المتواجدات بداخل الصالون في ارتدائه.. ورغم الحيرة التي كانت بها ، إلا أنها تمكنت في النهاية من إرتدائه وتبقى فقط إغلاق السحاب
خرجت بطة من المرحاض وهي تحمل أطراف فستانها ، ولم تعبأ بنظرات الدهشة الممزوجة بالصدمة على أوجه الحاضرات ..
سارت هي بخطوات واثقة في اتجاه المقعد المخصص لتزيين العرائس ، ونظرت إلى مصففة الشعر - نسرين - بنظرات جادة ، وتشدقت ب...
-أنا جاهزة

أشارت لها نسرين بيدها لكي تنحني قليلا للأمام ، و...
-هاتي أما اقفلك السوستة يا عروسة

أومأت بطة برأسها موافقة ، ثم مالت للأمام و..
-ماشي

ارتدت العروس بطة فستانا ذو صدر مكشوف ، وبدون حمالات ، عاري الكتفين والذراعين .. يكشف عن معظم مفاتن جسدها بطريقة مثيرة للغاية ..
رفضت هي أن ترتدي ( بادي ) من قماش الساتان أو الدانتيل كي تغطي جسدها .. نعم ، لقد تعمدت أن تستفز خطيبها بهيئتها تلك حتى تأخذه حمية الرجل الشرقي فيتركها على الفور وينهي تلك الخطبة دون أي عناء يذكر ..
كانت تلك هي خطتها البسيطة التي هداها عقلها إليها ..

أمسكت نسرين بخصلات شعر بطة وبدأت في تمشيطه استعدادا لتزينها ، فتأوهت الأخيرة من اﻵلم ، ووضعت يدها على رأسها وصرخت بإستنكار ب...
-ايييه ما بالراحة يا نسرين ، ده شعري مش سلك ألمونيا ..! ماتشديش جامد !!

أرخت نسرين أصابعها قليلا عن فروة رأسها ، و ابتسمت لها ابتسامة مجاملة وهي تمضغ العلكة و...
-حاضر يا عروسة

ثم أمسكت بجهاز الاستشوار ومكواة الشعر الكهربائية وبدأت في تصفيف شعر بطة وفرده .. فشعرت اﻷخيرة مجددا بالحرارة الساخنة تلسع أذنيها وتحرق فروتها ، فاستدارت بوجهها للخلف ، ولوت شفتيها في تذمر ، و...
-جرى ايه يا نسرين ، ما تحاسبي شوية عليا
-وربنا ما عملت حاجة يا عروسة ، ده الششوار هو اللي سخن

أشارت لها بطة بإصبعها محذرة ، و..
-طب وطي الحرارة شوية ، محدش قالك إني عاوزة أتشوي

مطت نسرين شفتيها للأمام في امتعاض وهي وتهز رأسها موافقة ، ونفخت بالونة بالعلكة ثم قامت بطرقعتها ، و..
-طيب .. من عينيا

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،،

طرق شخص ما تبرز علامات الشيب على رأسه بقوة على سطح مكتب السكرتيرة ، قم لوح بيده في الهواء بعصبية ، وهو يهدر ب...
-يعني ايه سافر؟
تنحنحت السكرتيرة في حرج ، ثم أجفلت عينيها قليلا و..
-يعني مش موجود يا فندم
تملك الانفعال من سامي ، وقطب جبينه بشدة ، وصدح بضيق ب....
-هو لعب عيال ، ده أنا عمه ، مش موظف شغال عنده عشان يلغي كل حاجة كده من غير ما يقولي ...!!!

رمقته السكرتيرة بنظرات قلقة بعد أن ابتعدت خطوة للخلف ، وبنبرة رقيقة تحدثت ب....
-اهدى يا سامي بيه .. حضرتك عارف إن أوس باشا بإيده كل حاجة ، وهو اللي بيقرر هايعمل ايه ..
-مش هاهدى وبلغي البيه اللي مشغلك إن سامي الجندي هايدفعه تمن اللي عمله معايا غالي أوي....!!!

ثم حدجها بنظرات محتقنة من عينيه الحمراوتين ، والتفت بجسده للخلف ورحل وهو يغمغم بغيظ ..

بداخل صالون التجميل الشعبي ،،،،،

ولجت إحسان ومعها هنية إلى داخل الصالون وهما ترتديان عباءتين مزدانتين باللآليء اللامعة في منطقة الصدر وعند اﻷكمام من اللون اﻷسود ..
مطت إحسان شفتيها في تأفف ، ورفعت حاجبيها في ترفع و..
-سلامو عليكم

استدارت نسرين في اتجاه مصدر الصوت ، وابتسمت ابتسامة زائفة وهي تتحدث بهدوء ب...
-وعليكم السلام .. اتفضلوا

إشرأبت هنية بعنقها للأعلى في محاولة منها للتطلع إلى ملامح العروس بعد أن أوشكت على الإنتهاء ، ورمقتها بفضول وهي تتحدث بحماسة زائدة ب....
-أومال عروستنا الحلوة خلصت يا عسل ؟

أولتها نسرين ظهرها ، وقامت بتثبيت بعض الدبابيس في خصلات شعر بطة ، و...
-قربت أهوو

اقتربت إحسان من بطة ونظرت إليها مطولا وهي تتفحصها بتمعن ، وجابت ببصرها تفاصيل بشرتها المزدانة بمساحيق التجميل الرخيصة ، ثم نزلت بعينيها إلى أسفل عنقها ومنه إلى مفاتنها البارزة فإكفهر وجهها سريعا ، وتبدلت تعابيرها للضيق والإنزعاج ، ومطت فمها في استهجان جلي ، و....
-ايه اللي عملاه في نفسك ده يا بت ؟!!!!!

نظرت لها بطة من طرف عينها بعد أن أمالت وجهها للجانب قليلا ، ومن ثم أشاحت به بعيدا ، لتعاود النظر للأعلى بعدم مبالاة ، وببرود مستفز أجابتها ب....
-في ايه يا حماتي؟ ما نسرين شغالة زي الفل اهوو

جذبت إحسان ذراع نسرين لتجبرها على التوقف عن إكمال عملها ، ثم دفعتها للخلف ووقفت قبالة بطة التي كانت لا تزال جالسة على مقعدها في هدوء يدفع للغيظ ، وحدجتها بنظرات نارية وهي تعنفها ب....
-ما تتعدلي كده يا بت وأنا بأكلمك بدل ما أقطمك نصين ..

رفعت بطة رأسها بتأني ، ولوت شفتيها في سخرية ، ثم رمقت إحسان بتعالي ، و...
-وليه الغلط بس يا حماتي !!

لوحت إحسان بيدها في وجه بطة ، وسلطت عينيها المشتعلتين عليها ، و...
-ايه المسخرة اللي إنتي لابساها دي ؟!!

وقفت هنية على مقربة من كلتاهما ، واتسعت عينيها في صدمة ، و فرجت فمها في سخرية وهي تتحدق ب....
-يا حلاوة يا ولاد.. ايه اللحمة دي كلها ؟!!

زفرت بطة في إنزعاج ، وأشاحت بوجهها للجانب لتتجنب نظرات إحسان المحتقنة ، ثم رفعت أصابع كف يدها اﻷيسر أمام فمها لتدعي أنها تنفخ في طلاء أظافرها ، و...
-ماله يعني ؟ ما الفستان حلو اهوو وعلى الموضة
-موضة تاخدك يا بعيدة ، بلاش قلة أدب

اعتدلت بطة في جلستها ، وصرت على أسنانها في غيظ ، و..
-والله ده اللي عندي ...

ثم صمتت لثوان قليلة قبل أن تتابع ببرود مصطنع ب....
-واللي مش عاجبه يشرب من البحر .....!!!

جحظت إحسان بعينيها ، وقبضت على ذراع بطة وهزتها بعنف منه ، و...
-نعم يا روح أمك ، ده انتي متعرفنيش يا حيلتها ، ده أنا أفضحك قبل ما تفكري تفضحيني أنا ولا ابني

أزاحت بطة قبضة إحسان عن ذراعها بعد مجهود ، ثم نظرت لها شزرا ، و...
-هو انتي مفكراني ماليش اهل ، ده أنا آآ...

قاطعتها إحسان بعد أن أمسكت بها من طرف ذقنها لتتوقف هي مجبرة عن الكلام ، وضغطتبب عليه بقوة لتؤلمها ولم تهتم بإفساد أحمر الشفاة ولا بالبودرة البيضاء ، ثم رمقتها لنظرات متوعدة و...
-آه مالكيش يا حلوة ، وانتي لسه ماشوفتيش وشي التاني ، والظاهر عليكي هاتجربيه قريب

أبعدت بطة قبضتها عن فكها ، ونظرت إليها بإحتقان ، ورغم التشنج البادي في صوتها إلا أنها هدرت ب....
-أنا لا عاوزة أشوف وش تاني ولا أولاني ولا حتى عاوزة أجربه ، أقولك على حاجة ، بلاها الجوازة الغم دي

نظرت هي إليها بإحتقار ، وجذبتها من شعرها ، و...
-غم أما يشيلك إنتي وأهلك

تأوهت بطة من اﻵلم وحاولت أن تحرر خصلات شعرها ، و...
-آآي .. سيبي شعري

تدخلت هنية عند تلك المرحلة منعا لتطور اﻷمر أكثر من هذا حتى لا يصل إلى اشتباك باﻷيدي و...
-اهدي يا إحسان مش كده

وقفت نسرين هي الأخرى على الجانب الأخر ، و...
-ماتصلوا على النبي يا جماعة ، ده شيطان وربنا اللي داخل بينكم

نجحت هنية في تخليص بطة ، وتراجعت بإحسان إلى الخلف التي لم تكف عن سب بطة وإزدرائها، و..
-سبيني يا هنية أربي البت دي ، اهوو ده اللي ناقص

-يووووه ... كفاية بقى ، أنا اتخنقت وجبت أخري منك ..!
قالتها بطة قبل أن تنفعل بطريقة هيسترية ، فحاولت نسرين تهدئتها

في حين مالت هنية على أذن إحسان وهمست لها ب....
-تعالي معايا يا إحسان برا الوقتي
-والله ما هأطلع من هنا غير لما أجيب أجل البت دي ، ماهو يانا ياهي !!
-وتجيبي الفضايح لنفسك

حدجتها هي بنظرات نارية قبل أن تعبس أكثر بوجهها المجعد وتتحدث بتهكم ب.....
-فضايح مين يا ولية ، ده ابني اللي هايسيب ***** بنت ال***** دي

ضيقت هنية عينيها في لؤم ، وأخفضت نبرة صوتها ليبدو كفحيح اﻷفعى
-و ليه تجيبي أجلها لما ممكن آآ...

ثم نظرت حولها بحذر قبل أن تتابع حديثها الخافت ، و..
-الكلام مش هاينفع هنا .. تعالي برا بس

وبالفعل خرجت كلتاهما من الصالون الشعبي ، ووقفتا على رصيفه ، فبادرت هنية ب....
-هنا هنعرف نتكلم

كورت إحسان قبضة يدها في غيظ ، ونظرت أمامها بعينين كالجمرتين المتقدتين ، و...
-قسما بالله ﻷقول للواد عبده ينهي الجوازة دي حالا
-وتخلي حتت بت زي دي تنفذ كلامها

وكأنها أرادت أن تزيد من حدة اشتعال النيران المستعرة ، ولكن إحسان هدرت ب...
-تغور في 60 داهية ، المركب اللي تودي

مطت هنية شفتيها في لؤم ، ونظرت إلى إحسان بنظرات تحمل الخبث ، و...
-وماله تغور .. بس بعد ما تكسريها

ضيقت إحسان عينيها في اهتمام ، ثم هدأت نبرة صوتها إلى حد ما ، و...
-تقصدي ايه ؟

ابتسمت هنية ابتسامة شيطانية و....
-أقصد إنك آآ...

ثم أخفضت صوتها كثيرا وهمست بخطتها الماكرة في أذن إحسان التي ابتسمت في تشفي، وحدقت أمامها في قوة متوعدة ، و...
-وماله ...خليني ( أفسخها ) ... وبعد كده هاتشوف المر كله معايا ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الخامس والعشرون

الفصل الخامس والعشرون :

في الساحل الشمالي ،،،،،

رفضت ليان أن تذهب بصحبة رفيقتها جايدا إلى الملهى الجديد ، وفضلت أن تكمل يومها وهي تتجول على الشاطيء.. كانت هي معظم الوقت شاردة وحزينة .. هي تعلم أن والدتها ترتكب خطيئة شنيعة في حق نفسها أولا قبل عائلتها ..
تنهدت في آسى ، وأطرقت رأسها في ضيق ، و...
-ليه عملتي كده ؟ ليه كسرتي نظرتي ليكي ، أنا مش عارفة ازاي هتعامل معاكي عادي وكأن مافيش حاجة حصلت ، أوووف

أكملت ليان تسكعها الذي كان بلا وجهة محددة إلى أن تسمرت فجأة في مكانها بعد أن اتسعت حدقتي عينيها من الصدمة ...
-مش... مش معقول ...!!!

رمشت ليان بعينيها عدة مرات لتتأكد أنها لا تتوهم ما تراه ، خفق قلبها بشدة من فرط السعادة التي باغتتها ..
-ده فارس .. انا مش مصدقة نفسي .. أوووه

ثم سارت بخطوات راكضة للأمام في اتجاه فارس الذي كان يتناول أحد المشروبات الباردة على ( بار ) ما ..
لم تنتبه هي إلى المرأة الجالسة بجواره والمستندة بذراعها على كتفه ، فرؤيته نصب عينيها كانت كافية بالنسبة لها ..
لوحت ليان بيدها في الهواء وهي تصيح عاليا ب....
-فارس ... فارس

انتبه كلا من فارس ولوزة إلى ذلك الصوت اﻷنثوي المألوف الذي يأتي من الخلف ، فسحبت لوزة ذراعها سريعا ، واستدارت في إتجاه عامل البار ، وأشارت له بعينيها وتحدثت بنبرة شبه مرتعشة وهي تبتلع ريقها ب.....
-آآ.. كوكتيل تاني بليز ....!

تعمد فارس أن يعبس بوجهه وهو ينظر إلى ليان ، ثم زفر في انزعاج زائف ، والتفت بوجهه للجانب ، ولوى فمه في إزدراء ..
وقفت ليان قبالته وظلت تلهث أمامه وهي تحاول أن تتحدث ب...
-فارس .. miss you ... انت انت مش بترد عليا ليه ؟؟

لم ينظر هو في اتجاهها وإكتفى بمط شفتيه في تأفف مصطنع ، و..
-عاوزة ايه تاني ؟ مش احنا خلاص finish .. فينيتوو يعني !!!

وضعت هي يدها على ذراعه البارز ، وقبضت عليه بأصابعها كأنها تستنجده ، ونظرت إليه بتوسل ، و...
-ﻻ يا فارس .. انا لسه عاوزاك .. !

رمقها هو بنظرات باردة ، ثم أزاح يدها بعيدا عن ذراعه ، و..
-وأنا مش عاوز..

ثم أخرج حفنة نقود من جيبه وألقاها على البار ، وسار مبتعدا عن الجميع ..
تبعته ليان بنظرات مصدومة ، وحاولت أن تلحق به

راقبتهما لوزة بنظرات شيطانية ، وارتسم على وجهها علامات الرضا ، ورفعت حاجبها اﻷيسر في إعجاب ، و..
-براوة يا وله .. عرفت توقعها صح ..!

ثم رفعت كأس المشروب إلى فمها ، وإرتشفت منه القليل قبل أن تحدق في الفراغ أمامها بنظرات محتقنة ، و..
-قريب أوي هايتكسر ضهرك وهايضيع شرفك يا ... يا ابن الجندي ...!!!

ركضت ليان خلف فارس ، وحاولت إيقافه أكثر من مرة ، وأمسكت به من ذراعه ، وتحدثت بأنفاس متلاحقة ب.....
-استنى بس ! أنا تعبت من الجري

دفع بيدها للخلف ووجهه جامد من التعبيرات ، ثم أكمل سيره دون أي اكتراث بها .. في حين انحنت هي لﻷمام وإستندت بكفي يدها على ركبتيها ، وبدأت تنتحب ، ثم على صوتها تدريجيا ليتحول إلى شهقات وبكاء حاد ...

توقف فارس عن الحركة ، وإستدار برأسه نصف إستدارة للخلف ليراها ، فوجدها تبكي بحرقة ، فزم فمه في امتعاض ، ورفع يده ليمررها في رأسه ، ثم زفر في ضيق مصطنع قبل أن ينطق ب...
-اوووف .. خلاص يا ليان ، بلاش تعيطي ! انتي عارفة إني مش بأستحمل أشوفك كده ..!!

لم تستمع هي إليه ، واستمرت في البكاء .. فلوى هو فمه ، وسار في اتجاهها ، ثم أسند يده على ظهرها وربت عليه في حنية و..
-كفاية يا ليووو

مد هو ذراعه الأخر وحاول أن يعدلها في وقفتها ، فإستجابت هي له ، و إستندت برأسها على صدره بعد أن أغمضت عينيها المغرورقتين بالدموع ، ولم تكف عن البكاء..
مسد هو بيده على شعرها ، وضمها من خصرها بذراعه اﻷخر إليه في حنو زائف ..
-ليووو.. دموعك دي بتقطعني من جوا ، كفاية بقى

فتحت هي عينيها المنتفختين قليلا ، ونظرت إليه بنظرات حزينة ، ثم بصوت خافت ومختنق تحدثت ب.....
-أنا محتاجاك جمبي يا فارس ، ماتسبنيش !

أرخى فارس ذراعه عن خصرها ، وأحاط بوجهها الحزين بكفي يده ، ومسح بأصابعه عبراتها من على وجنتيها ، ونظر في عينيها بنظرات مطولة دافئة ، و...
-في ايه يا حبيبتي ؟ مالك .. طمنيني عليكي ؟
-أنا تعبانة من غيرك ، كل حاجة في حياتي بقت كدبة

وضع هو إصبعه على شفتيها ليمنعها عن الحديث ، واقترب برأسه منها ، وبنبرة رخيمة خافتة تشدق ب.....
-شششششش... اهدي ، ماتكلميش خالص

ارتفع صدرها وهبط من كثرة البكاء ، فضمها إلى صدره مجددا ، وإحتضنها بشدة ، و....
-ليوووو.. بليز !

هدأت هي قليلا في أحضانه ، فابتسم في لؤم و...
-أنا بأحبك يا ليووو .. ومش عاوز أبعد عنك لحظة
-ولا أنا

أبعد هو رأسها عن صدره ، ونظر لها بعينيه الناعستين ولم يرمش للحظة و...
-ليان .. تتجوزيني ؟! .. بس عرفي !

فغرت هي شفتيها من الصدمة ، وتوقفت عن النحيب والبكاء ونظرت إليه بعدم تصديق .. فعاود تكرار جملته اﻷخيرة على مسامعها ولكن بنبرة أكثر جدية ..
-ليان أنا عاوز أفضل جمبك على طول ، وظروفي حاليا ماتسمحش إني أتجوزك رسمي .. بس أنا مش قادر أشوفك كده ومعملش حاجة ، أنا عاوز أكون سندك .. صدرك الحنين اللي ترتاحي عليه ..

ثم صمت لثوان معدودة قبل أن يتابع ب.....
-حبيبتي ، إنتي مش عارفة حبك عامل فيا ايه ، بعدك عني مخليني مش على بعضي .. انتي عارفة جوازنا ده هيقرب أوي ما بينا لحد ما الظروف تظبط ونعلنه رسمي .. ها قولتي ايه ؟ موافقة تتجوزيني ؟!

لم تعرف هي بماذا تجيبه ، فقد باغتها بسؤاله هذا .. فظلت صامتة ، عاجزة عن الرد ، ووجهها جامد ، خالي من التعبيرات ..
هزها هو من كتفيها بهدوء حينما لاحظ صمتها المخيف ، و...
-ايه ؟ مش موافقة ؟!

مط فمه في يأس ، وأرخى قبضتي يده تماما عنها ، وأجفل عينيه في إنكسار ، و....
-خلاص يا ليان ، أنا مش محتاج أعرف ردك .. هو بابن على وشك ، وأنا أسف إني آآآ.....

وضعت هي كف يدها على فمه ، ونظرت له بنظرات فارغة ، ثم قالت بنزق....
-أنا موافقة نتجوز عرفي .....!!!

داخل الصالون الشعبي ،،،،

احتقن وجه بطة بالدماء المشتعلة من الغيظ ، وظلت تهز ساقيها بعصبية مفرطة ، و...
-ولية استغفر الله العظيم ، تفور الدم

عبثت نسرين بخصلات شعر بطة لتعيد ترتيبه من جديد بعدما أفسدته إحسان .. في حين ولجت أم بطة لداخل الصالون وعلى وجهها ابتسامة مشرقة ولكن سرعان ما تلاشت ليحل محلها علامات اﻹنزعاج الممزوجة بالصدمة ..

تسمرت لوهلة في مكانها ، ولم تطرف بعينيها ، ثم إذ بها تلطم فجأة على صدرها في فزع وهي محدقة في ابنتها ، وتشدقت ب...
-يخربيتك يا بعيدة ! ايه المنظر المفضوح ده يا مفضوحة ...!!

نفخت بطة في ضيق ، ونظرت إلى والدتها بنظرات غير عابئة ، و...
-في ايه يامه !!
-دك موو ..

ثم رفعت إصبعها لتشير إلى مفاتن ابنتها البارزة من اﻷعلى وهي مقطبة الجبين ، و..
-إنتي حماتك شافتك بالبتاع ده كده ؟!

زمت بطة شفتيها في برود ، و...
-آه

وضعت أم بطة إصبعيها على طرف ذقنها ، ولوت شفتيها في سخرية ، و..
-ليها حق الولية تقلب وشها ومتردش عليا السلام ولا حتى تبوسني بنفس ، ما هو بنتي جيبالي الكافية وفضحاني ..!

لوحت بطة بيدها في الهواء وهي تشيح بوجهها بعيدا عن والدتها ، و....
-بناقص من أم دي جوازة !!
-بقولك ايه يا بت ، أمور الهبل والاستعباط دي مش هتطلع دلوقتي ، مش اللي بنيته في سنين تجي انتي و تهديه في لحظة ...!!

لوت بطة شفتيها أكثر في استهجان ، و....
-يعني جوازة الأمل ، يامه دول عالم زبالة ، لولا الحظ بس كان زمانتهم آآ....

قاطعتها والدتها بحزم وهي تشير بإصبعها محذرة ب....
-بلا حظ بلا نيلة ، قفلي على الكلام ده خالص ، مش ناقصة إنك تتوكسي جمبي
-يامه انا مش عاوزاه
-غصب عنك هاتتجوزيه ، انتي عاوزة تجرسيني قدام أهل الحارة كلهم

ثم سمعت كلتاهما أصوات أبواق سيارات تأتي من خارج الصالون ، فإنقبض قلب أم بطة ، وظهرت تعابير الرعب على وجهها واضحة ، و...
-يادي النصيبة ، عريسك جه برا ، ربنا يستر وماتقلبش بغم

ابتسمت بطة إبتسامة سخرية من زاوية فمها ، و...
-ولا تقلب .. مش فارقة !!

جذبتها والدتها من على المقعد الحديدي لتنهض رغما عنها ، ثم حاولت أن تخفي كتفي ابنتها بالطرحة المعلقة في التاج المثبت على رأسها ، ومطت شفتيها في توتر،..
-عدي الليلة دي على خير يا رب ....!!

ثم استدارت برأسها في اتجاه نسرين ، وأشارت لها بعينيها و..
-هاتي ياختي الشال اللي عندك ده أما أشبكه باﻹبرة
-ايه اللي بتعمليه ده يامه ؟!
-اسكتي يا بت خليني اصلح اللي هببتيه
-شكل الفستان هايبوظ
-يبوظ ولا يولع مش احسن ما تفضحينا يا مفضوحة

هزت بطة جسدها في اعتراض ، وزفرت عاليا ب...
-اووف

نهرتها والدتها بشدة ، وحدجتها لنظرات حادة و...
-اثبتي يا بت .. داهية تاخدك
- يا ريت ربنا ياخدني عشان ترتاحوا كلكم مني

لم تنظر لها والدتها ، بل ظلت منحنية الرأس مسلطة بصرها على مافي يدها حتى تكمل حياكة الشال بالفستان ، و...
- وماله ! بس ياخدك وإنتي في بيته ، وإنتي على ذمته ، مش وإنتي متعلقة لسه في رقبتي ، كفاية كوم اللحم اللي ورايا غيرك ...!!
-حسبي الله ونعم الوكيل

تأكدت أم بطة من إتمام عملها ، فتنهدت في إرتياح ، ثم لكزت ابنتها في ذراعها لتتحرك إلى اﻷمام وظلت تغمغم في خفوت بكلمات غير مفهومة .....

في الخارج ،،،،

اصطفت سيارة كحلية اللون - من ماركة هوندا - مزدانة بالبلالين والشرائط الورقية بجوار الرصيف الملاصق للصالون الشعبي ، وترجل منها عبد الحق وهو متأنق على غير عادته ، بالطبع فهو عريس اليوم .. وإلتف حوله بعض من أصدقائه الذين أصروا على مصاحبته خلال يومه هذا ...

كان عبد الحق ممسكا بباقة ورد بيضاء صناعية كي يقدمها للعروس - كتقليد متبع في تلك المناسبة - وباليد اﻷخرى أخذ يعدل من وضعية ال( بابيون ) اﻷسود الذي يرتديه ..
لف أحد اﻷشخاص يده حول عنقه ، وتحدث معه بحماس زائد وهو يغمز له ب.....
-منور يا عريس

أزاح عبد الحق يد صديقه من حول عنقه ، و...
-خف إيدك شوية يا جدع

وثب هذا الشخص في مكانه بطريقة منفعلة ، ثم لوح بيده و...
-وربنا لنخلي فرحك الحارة واللي حواليها يحلفوا بيه
-طيب.. وروني بقى
-هاتشوف يا برنجي

مالت هنية على أذن إحسان وأسندت يدها على كتفها ، ثم أشارت بعينيها و...
-أهوو الدلعدي ابنك جه ، الحقي بقى قوليله على اللي بسلامتها عملته ، اكسبي وقت قبل ما تخرج من جوا
-طيب

وبالفعل سارت إحسان في اتجاه السيارة ، وحاولت أن تجد السبيل إلى ابنها المحاصر وسط أصدقائه ، فلم تستطع ، لذا صاحت عاليا ب.....
-عبده .. واد يا عبده .. إنت يا وله ...!!!!

انتبه عبد الحق إلى صوت والدته ، فإشرأب برأسه عاليا كي يراها ، و...
-أيوه يا حاجة
-تعالى هنا ، عاوزاك في كلمتين
-بعدين يامه

عبست هي بوجهها ، وتحدثت بصرامة و....
-يا واد بسرعة بدل ما آآ....
-طيب .. طيب !

دفع عبد الحق أصدقائه برفق وهو يضحك و...
-وسعوا شوية يا رجالة أما أشوف الحاجة عاوزة ايه

أفسح له البعض المجال ليمر ، و...
-ماشي يا عريس
-سكة يا جدعان للعريس
-منورة يا حاجة

وقف عبد الحق قبالة والدته ، وأخذ يعدل بيده سترة الحلة السوداء التي يرتديها ، ولم ينظر في اتجاه والدته ، و...
-عاوزة ايه يا أم عبده ؟

لكزته والدته في كتفه وهي تنظر له غيظ و...
-بصلي يا واد وأنا بأكلمك

تحسس هو موضع اﻵلم ، وفركه بأصابعه ، ونظر في اتجاهها و..
-في ايه يامه ، بتضربيني ليه بس ؟ ده أنا عريس النهاردة
-اسمعني كويس يا واد يا عبده ﻷحسن مافيش وقت
-ها .. قولي !
-المزغودة على قلبها ست الحسن والدلال

نظر هو لها بإهتمام ، و...
-بطة ...! مالها ؟
-عاوزاك تشد معاها الوقتي

مط عبد الحق ثغره في عدم اقتناع ، ثم نظر لوالدته بحيرة و....
-ليه كده بس ، ده حتى فال وحش والله !!
-يا واد افهم ، ادبحلها القطة من أول يوم عشان تكون تحت طوعك وتسمع كلامك بدل ما تركبك يا منيل وتتوكس أكتر ما أنت

حك هو طرف ذقنه في عدم فهم ، فمالت هي برأسها عليه وهمست له بكلمات غير واضحة .. في حين أصغى هو إليها بإهتمام وظلت تعابير وجهه غير مفهومة ، ثم ...
-ماشي يا حاجة

فتحت نسرين باب الصالون الخاص بها ، وأطلت منه أم بطة أولا وهي ترفع كف يدها بالقرب من فمها لتطلق الزغاريد ..
-تعالى يا عريس خد عروستك ، لووولوووولي .. ربنا يجعلها جوازة السعد والهنا عليكم

كان عبد الحق على وشك اﻹبتسام ولكنه رأى نظرات والدته الصارمة له ، فبدل ملامح وجهه للضيق الزائف ، ثم سار في اتجاه البوابة ..
فتحت أم بطة ذراعيها في الهواء ، ثم جذبت العريس إليها وإحتضنته ، و..
-مبروك يا عريس بنتي ، لولوووولي

ابتسم لها عبد الحق ابتسامة مجاملة بعد أن تحرر من ذراعيها ، ولكن لم تتبدل ملامح وجهه كثيرا ، ثم تحدث ب....
-الله يبارك فيكي يا حماتي

ثم أفسحت له المجال لكي يمر إلى الداخل حيث تنتظره عروسه ..

تنحنح بصوت خشن ومتحشرج وهو يلج إلى الداخل ولم ينتبه للهمهمات النسائية حوله ، فقد كان شاغله اﻷكبر هو رؤية عروسه بطة .. وبالفعل رأها أمامه ولكنها كانت تحيد ببصرها بعيدا عنه ..

تمعن عبد الحق في ملامح تلك العروس التي بدت بمساحيق التجميل أكبر من عمرها الحقيقي وأكثر جمالا ، وكاد أن ينطق بإعجابه الشديد بها ورغبته في إلتهامها ، ولكنه تذكر كلام والدته بألا يدع الفرصة لها ، وعليه أن يفرض هيمنته الذكورية وأمور أخرى حاول أن يلهي عقله قليلاً عنها حتى يتمكن من التركيز ...

تعجبت بطة من حالة الصمت السائدة منه ، وظنت أنه ربما يريد التراجع عن اﻹرتباط بها ، فتهللت أساريرها قليلا ، ولكن أصيبت بالإحباط حينما أردف ب....
-يالا .. يا .. يا عروسة .. ده لسه ليلتلك طويلة

لم تفهم بطة ما الذي يعنيه بكلامه هذا ، ولكن نظراته اللئيمة توحي بأنه يضمر لها شيئاً سيئاً ..
تأبطت هي في ذراعه وانطلقا خارج الصالون والزغاريد والتهليلات من المتواجدين تحاوطهما .....

في منزل تقى عوض الله ،،،،

وقفت تقى في شرفة منزلها لتتابع من اﻷعلى مراسم حفل الزفاف بعد أن غطت شعرها بخمار طويل .. كم كانت تود أن تشارك الجيران فرحتهم ، ولكنها باتت محرومة من اﻹبتسام حتى لا تثير حنق والدتها ..
مر ببالها ذكرى عابرة مما حدث بينها وبين ذلك البغيض ذو القلب المتحجر ، فزفرت في إستياء ، و...
-ربنا ينتقم منه ويحرقه .. معندوش رحمة ولا شفقة بحد ..!!!

ثم لمحت طيف والدتها وهي تأتي من بعيد ، فاضطربت ملامحها ، و...
-احسن حاجة اعملها إني أخش جوا بدل ما تسمعني كلمتين في جنابي

وبالفعل استدارت للخلف ، وخرجت من الشرفة وأغلقت النافذة خلفها ..
رأتها والدتها من اﻷسفل فإكفهر وجهها وإنعقد ما بين حاجبيها ، وضيقت عينيها في توعد ، و...
-ماشي يا تقى .. ماشي !!

في مسجد الحارة القريب ،،،

كان الشيخ أحمد قد انتهى لتوه من درسه اليومي حينما حضر إليه أحد اﻷشخاص ذوي اﻷجسام الهزيلة والبشرة السمراء المجهدة ، واقترب منه وركع بجواره ، ثم نظر له بنظرات جادة و...
-سلامو عليكم يا شيخنا

التفت إليه الشيخ أحمد وابتسم له ابتسامة هادئة وهو يدير مسبحته بأطراف أصابعه و..
-وعليكم السلام ورحمة الله يا رشيد
-عرفت اللي حصل يا شيخنا

ظل الشيخ أحمد يحرك مسبحته في هدوء ، ونظر له بحيرة و...
-خير يا بني

التقط رشيد أنفاسه ، ونظر إلى الشيخ بنظرات ضيقة من عينيه المرهقتين ، و...
-الواد سيد اللي شغال في فرن العيش النار هبت في وشه وولع ..!

إنتفض الشيخ أحمد ذعرا في مكانه ، وتحولت نبرة صوته الهادئة للحزن الممزوج بالأسف ، و...
-لا إله إلا الله .. يا ساتر يا رب .. !!
-اه والله يا شيخنا ، ولولا ستر ربنا كان زمانته راح فيها

رفع الشيخ أحمد بصره للسماء وكذلك كفيه ، وبنبرة متضرعة أردف ب....
-اللهم أجرنا من عذابك يا الله .. ألطف بعبيدك يا كريم

ضيق الشيخ أحمد عينيه في تساؤل ، و..
-طب هو عامل ايه الوقتي ؟

لوى رشيد زاوية فمه في إستنكار ، و...
-والله حالته تصعب على الكافر .. !!
-لا حول ولا قوة إلا بالله ! وهو فين دلوقتي ؟
-موجود في المستوصف

ربت الشيخ أحمد على فخذ رشيد حاثا إياه على النهوض ، و...
-بينا نروحله يا رشيد يا بني ، ده عيادة المريض واجب
-ماشي يا شيخنا ، بس آآ...
-في ايه؟
-احنا .. آآ.. قصدي يعني أنا واللي معايا كنا بنلمله قرشين كده عشان آآ.. يعني .. آآ

هز الشيخ أحمد رأسه عدة مرات ليشير إلى فهمه للمقصد من كلامه ، و...
-مفهوم . مفهوم .. متحملش هم يا رشيد .. أنا هاخد مبلغ من صندوق الخير بتاع الجامع لسيد .. أهي حاجة تساعده على العلاج وإن شاء الله أهل الخير يتعاطفوا مع حالته ويساعدوه يقف على رجله من أول وجديد !

ارتسمت علامات اﻹرتياح على وجهه ، وانفرج فمه في سعادة وأشار بكفي يده وهو يتحدث بحماس ب.....
-ربنا يباركلك يا شيخنا ، والله ما في زيك في الحارة دي ..!
-احنا كلنا في خدمة بعض يا بني

ثم نهض من مكانه ، وتبعه رشيد إلى خارج المسجد ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السادس والعشرون

في أحد الفنادق الشهيرة بالعاصمة الإيطالية روما ،،،
في الجناح الملكي ،،،
تمدد عُدي على بطنه بعد أن وضع منشفة بيضاء على خصره ، وثنى مرفقيه أسفل رأسه بعد أن أغمض عينيه ، وإسترخى تماماً ، ثم بصوت شبه ناعس أردف ب ...
-Go ahead babe ( إبدأي يا حلوة )

بدأت فتاة ما أجنبية الملامح ذو شعر أشقر، وبشرة بيضاء.. ترتدي ملابس تشبه الممرضات ولكنها أقل حشمة وشبه عارية في تدليك ظهره بكلتا يديها، تارة بنعومة، وتارة أخرى بقسوة جعلته يصدر أنيناً خافتا..
كان على وشك الإسترخاء أكثر، والتمادي في أمور محظورة مع الفتاة، ولكن قطع نيته صوت طرقات ثابتة على الباب، فزفر في انزعاج، ورفع حاجبه في ضيق، و..
-إيه الفقر ده ! ده أنا لسه كنت هاسخن

أشار عدي للفتاة بطرف يده لكي تبتعد عنه، ثم نهض عن الفراش ، وسار في اتجاه الصالة الخارجية بعد أن أغلق باب غرفة النوم .. ثم فتحه ليجد أوس أمامه ، فإتسعت عيناه من الإندهاش ، و..
-أوس ! إنت مش كنت هاتظبط نفسك مع آآ...

تأمله أوس بنظرات متفحصة ، ولم ينبس بكلمة ، فابتسم عدي في بلاهة وهو ينظر إلى خصره وإلى المنشفة التي كادت أن تسقط عنه ، وغمز له بلؤم و..
-معلش كنت في جلسة مساج إنما هتعجبك

ظلت تعابير وجه أوس جامدة وغير مقروءة ، ثم دلف إلى داخل الجناح ، ومن ثم أشار بحاجبه لعدي وكأنه يصدر أمراً صارماً له ب ..
-وزع البت دي الوقتي !

انزعج عدي على الفور ، وظهر العبوس على قسمات وجهه ، وتذمر قائلاً ..
-ليه بس ؟ حد يقول للنعمة لأ ... وبعدين إنت مش كنت مظبط مع مزة من إياهم وآآ..

أولاه أوس ظهره ، ووضع يديه في جيبي بنطاله ، ونظر في اتجاه المنظر الطبيعي الذي يظهر جلياً من خلف الحائط الزجاجي ، وزفر في انزعاج ، و..
-مخنوق مش عاوز أي حد ..!

اقترب عدي منه ، ووقف خلفه ، و..
-مخنوق !! من إيه ؟ ده حتى المزز هنا رهن إشارتك ، في تكة تبقى عبدة عندك ، تعمل فيها اللي انت عاوزه ، وتقولك كمان يا باشا ، ده أنا كلي ملك على رأي البت المطربة اللي اسمها شيرين

استدار أوس بجسده كلياً ليواجه عدي ، ونظر إليه بنظرات غامضة ، و..
-أنا مش فايق للهزار ، ولا لغيره ، أنا عاوز أرجع مصر بسرعة

انعقد حاجبي عدي في اندهاش ، ووضع يده على طرف ذقنه في حيرة ، و...
-ترجع مصر بسرعة ! يا أوس ده احنا لسه واصلين ، وملحقناش حتى نقابل مندوبين التوكيل ، ومحتاجين وقت عشان نظبط كل حاجة ، ونتأكد من العقود والإتفاقيات ، وآآ...

أسند أوس كف يده على كتف رفيقه ، وضغط عليه قليلاً كي يكف عن الكلام ، وحدق أمامه و..
-كل ده مايفرقش معايا ، أنا عاوزها هي !!!
-مين دي ؟

تنهد أوس في ضيق ، ثم أبعد يده ، وإستدار للخلف مجدداً في اتجاه الحائط الزجاجي ، سلط بصره على نقطة ما فيه ، ثم بكل هدوء تحدث ب...
-تقى ..!

وضع عدي يده على رأسه ودعكها عدة مرات في يأس ، ثم وقف إلى جواره رفيقه ، ونظر إلى حيثما ينظر ، و...
-برضوه البت دي لسه في دماغك ، انساها يا بني ، والله ما هيجي من وراها غير وجع الدماغ

تنهد أوس في ضيق ، ثم نظر لعدي بعينيه الصارمتين ، وبنبرة تحمل الوعيد تشدق ب...
-مش هنساها يا عدي غير لما أخد اللي أنا عاوزه منها

لمح عدي الإصرار واضحاً في عينيه ، فحاول أن يستشف منه السبب ، فبادر بسؤاله ب...
-وإنت في ايه بينك وبينها بس لكل ده ؟؟ إيه اللي مخليك حاطتها في دماغك ومركز أوي معاها ؟؟؟!!!!
-في إنها أول واحدة إتجرأت عليا
-هو إنت يعني سبتها ، ما انت قرفتها ، وآآ..

صر أوس على أسنانه في توعد وهو يضيق عينيه الغاضبتين أكثر و...
-أنا ماعملتش حاجة فيها لسه !!

أشار له عدي بطرف إصبعه محذراً ب...
-بص ! طول ما إنت بتفكر في البت دي مش هترتاح ، أنا لو مكانك أكبر منها ، دي واحدة وقيع ، كسر ، متسواش أصلاً إنك آآ..

رفع أوس كف يده في وجه عدي ليمنع الأخير عن الإستمرار في الحديث ، ثم بكل صلابة تحدث ب.....
-عدي ، مات الكلام في الموضوع ده ، أنا راجع بكرة مصر ، وإنت مكاني هنا تخلص كل حاجة ، ماشي

ارتسمت علامات الإندهاش على جميع قسمات وجهه ، وفغر ثغره من الصدمة ، و...
-ايييه ؟؟ انت بتقول ايه ؟

ابتسم له أوس من زاوية فمه نصف إبتسامة ، وبكل برود تحدث قائلاً ...
-اللي سمعته ، أنا خلاص حجزت التذكرة ، ومسافر الفجر
-نعم !!

أسند أوس كف يده على كتف عدي ، ثم ربت عليه بقوة ، ولم يطرف بعينيه وهو يتحدث بهدوئه المستفز ب...
-Good Luck يا صاحبي ، ورينا شطارتك في مهمتك دي ..!!!!

ثم سار في اتجاه باب الجناح ، ولم يلتفت للخلف تاركاً رفيقه في حالة صدمة ..
وضع عدي كلتا يديه على فروة رأسه ومررهما بعصبية عليها ليحكها في نرفزة ، و..
-أوس ده مجنون ، والله مجنون ، ومش هيرتاح إلا لما يجيب لنفسه مشاكل مالهاش حل مع الزفتة دي ...!!

في منزل حكمت

عادت رحمة من الخارج ، وألقت بحقيبة يدها الحمراء الكبيرة على الأريكة ، ثم خلعت حذائها ذو الكعب العالي ، وسارت في اتجاه غرفتها ، ولكنها توقفت عن الحركة حينما وجدت خيال شخص ما قابع في الظلام ..
-الله ! إنتي

نهضت حكمت عن المقعد ، وأضاءت مصباح غرفة الصالة وهي تسير في اتجاه ابنتها ، و..
-ايوه ياختي ، أنا !

أمعنت رحمة النظر في والدتها ، وبكل جفاء تسائلت ب...
-انتي خرجتي من القسم امتى يامه؟

لوت حكمت زاوية فمها في تهكم جلي ، و...
-طب كويس إنك فاكرة إني لسه أمك ، و أني كنت متنيلة محبوسة في القسم

أشاحت رحمة بيدها في الهواء بكل إنفعال ، ثم أولت ظهرها لها ، و...
-يوووه يامه ، مش كل يوم هانعيد ونزيد في الاسطوانة الفارغة دي

لكزتها والدتها في كتفها بعد أن وقفت خلفها ، ثم بإنزعاج زائف نطقت ب...
-يا بت خلي عندك دم ، ده أنا بأهبب اللي بأهببه ده عشان تاكلي كويس وتلبسي نضيف وأعملك قيمة وسط الناس

نظرت لها رحمة بإزدراء قبل أن تردف متبرمة ب ...
-هأو .. ناس ؟ هما فين دول ، يامه خليني حاطة زفت في بؤي وساكتة ..!
-هو أنا يعني قصرت معاكي ؟ ماهو على يدك

زفرت رحمة في يأس ، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عن والدتها ، وأولتها ظهرها وسارت في اتجاه المرحاض ، و..
-بقولك إيه يامه ، قفلي على السيرة دي وخليني أروح أنضف جتتي قبل ما أنزل ..!

ضيقت حكمت عينيها في حيرة ، و..
-هو إنتي نازلة تاني ؟

وضعت رحمة يدها في منتصف خصرها ، ومدت ساقها للأمام وهي ترمق والدتها بنظرات متحدية ، و..
-أه .. عندك مانع ؟!

فغرت حكمت شفتيها قليلاً من الإندهاش ، ثم سريعاً ما لملمت شتات نفسها ، وتحدثت بنبرة شبه متلعثمة ب...
- هه ، آآ.. لأ .. بس آآ.. على فين العزم ؟
-شغل يامه ، شغل

اقتربت حكمت من إبنتها ، ونظرت لها بعاطفة مصطنعة وهي خافضة لنبرة صوتها ، و...
-طيب .. بس مش ناوية كده آآ... آآآ.. تشوفي أمك بحاجة ؟

تنهدت رحمة في إنهاك ، ثم أشارت بعينيها نحو حقيبتها الملاقاة ، و..
-عندك الشنطة أهي يامه ، خدي منها اللي انتي عاوزاه ، بس سيبلي فلوس للمواصلات

تهللت أسارير حكمت على الفور ، وإرتسمت الابتسامة العريضة على ثغرها ، وظهرت الفرحة جلية في كلتا عينيها ، و...
-حبيبتي يا رحووم ، تسلميلي يا غالية !

ثم ركضت في اتجاه الحقيبة ، وانحنت لتلتقطها ، وبدأت تعبث في محتوياتها بحثاً عن النقود ... بينما اتجهت رحمة للمرحاض ، وصفقت الباب خلفها بقوة .......

في الساحل الشمالي ،،،،،

وضعت ناريمان الهاتف على أذنها بعد أن ضغطت على زر الإتصال بإبنتها ، ثم ظلت تهز ساقها البارزة من أسفل تنورتها التي تصل إلى ما بعد ركبتيها في عصبية ، و..
-أووف عليكي يا ليوو ، بجد إنتي غريبة ! مش معقول مش شايفة كل ال missed calls دي ..!!!!

-ناريمان حبيبتي ، تعالي يالا

استدارت ناريمان بظهرها للخلف ، ورمقت ممدوح بنظرات حادة وشبه غاضبة ، و...
-ثواني يا ممدوح ، هاطمن بس على ليان ، وبعد كده آآ..

وضع ممدوح قبضتي يده على ذراعي ناريمان ، وظل يتحسسهما بأصابعه وهو يبادلها نظرات دافئة ، و..
-مالك يا حبي ؟

تنهدت هي في إرهاق ، وحدقت فيه بأعين شبه مضطربة ، و..
-ليان مدوخاني معاها من الصبح

وضع ممدوح إصبعه على طرف ذقنها ، وظل يمرره عليه في نعومة، و..
-عادي يا ناريمان ، كل البنات اللي في سنها كده

أزاحت هي إصبعه ، ثم تحركت للأمام خطوتين ، و..
-لألأ .. هي مكانتش كده ، بالعكس إحنا كنا جايين الساحل وهي طبيعية جدا ، لكن فجأة حالها اتشقلب ، وبقيت مش عارفة أوصلها

عقد ممدوح ساعديه أمام صدره ، ونظر في اتجاهها ، و...
-تلاقيها بس مشغولة مع صاحبتها ولا حاجة

التفت له برأسها كلية ً ، ولم ترمش بعينيها ، و..
-جايدا !

ابتسم هو لها بهدوء زائف ، وهز رأسه موافقاً ..
-أكيد

تملكها الحماس ، وأجفلت عينيها قليلاً لتنظر لهاتفها المحمول ، ومن ثم بدأت بالضغط على أزراره في تلهف ، و...
-طب أنا هاكلم جايدا وأسألها عنها ، at least ( على الأقل ) هاطمني عليها ..!
-أوكي ، بس بسرعة عشان نلحق نرجع الشاليه

هزت هي رأسها موافقة عدة مرات ، و..
-اوكي

وضعت الهاتف مجدداً على أذنها ، وانتظرت أن يأتيها الرد من الجانب الأخر ، و..
-هاي جودي ، how are you ( كيف حالك ؟ ) .. أنا كنت آآ.. .. ممممم.. تمام

ظلت تتحرك بحركات عشوائية وتغمغم بخفوت ، في حين راقبها ممدوح بنظراته الثاقبة ، ثم نظر في ساعة يده ، و..
-الوقت بيضيع الفاضي ، وهي مش مركزة بس غير في عيالها ، وأنا عاوز أتبسط معاها ، يالا بقى يا نريموو

أنهت ناريمان المكالمة الهاتفية مع جايدا ، وعاودت أدراجها في اتجاه ممدوح ووجهها مازال إلى حد ما متشنج الملامح ..
-برضوه متعرفش عنها حاجة
-طب اهدي ، شوية أكيد وهتلاقيها جاية عندك

ضيقت ناريمان عينيها ، ووضعت يدها في منتصف خصرها ، وصرت على أسنانها في حنق ، ..
-البنت دي لازم تتعاقب ، بس أشوفها

مد ممدوح يده ليمسك بكف يدها ، ثم وضعه على صدره ، وبصوته الرخيم بدأ الحديث ب...
-اعملي اللي انتي عاوزاه معاها ، بس الوقت من دهب وآآ..

أخفض نبرة صوته أكثر لتصبح أقرب للهمس ، ونظر إليها بنظرات ذات مغزى ، ..
-واحنا جايين هنا عشان نتبسط ، صح ولا أنا غلطان ؟

ابتسمت هي له ابتسامة مجاملة ، ثم تنهدت في إرهاق ، و..
-اوكي

أسند هو ذراعه على كتفها بعد أن جذبها نحوه ، ثم سار كلاهما في اتجاه الشاليه الخاص بعائلة الجندي ...

في منزل تقى عوض الله ،،،،،

رصت تقى صحون الطعام على الطاولة ، ولم تنطق بكلمة خشية أن تثير حنق والدتها التي لم تكف عن رمقها بنظراتها الحادة ، وجلست على مقعدها في صمت ، وبدأت في تناول الطعام ..
لم تتحدث فردوس هي الأخرى بل ظل عقلها مشغولاً بأحداث اليوم من البحث عن وظيفة تناسبها ، والسؤال عن زوجها وكذلك أختها ، وبالتالي لم تكن لديها الطاقة الكافية للمجادلة مع ابنتها على فعلتها الغبية ..

حاولت تقى أن تختلس النظرات إلى والدتها ، فتيقنت من شرودها ، ومن عدم تناولها للطعام بصورة جيدة ، فإنتابها القلق على حالها ، وترددت في الحديث معها ، ولكن في النهاية قررت أن تفتح معها حواراً عادياً لعلها تسبر أغوار عقلها ، لذا أردفت ب ..
-ماما

انتبهت لها فردوس ، وسلطت عينيها عليها ، وبكل جفاء تحدثت ب ..
-في ايه؟

ابتلعت تقى ريقها في توتر ، ثم نظرت إلى صحن طعامها شبه الفارغ ، وسألتها بخفوت ملحوظ ب...
-هو .. هو انتي كويسة ؟
-أه

ابتسمت تقى ابتسامة صغيرة ، ثم نظرت في اتجاه والدتها بحيرة ، و..
-طيب .. حضرتك ساكتة ليه ؟ هو .. أو أنا زعلتلك في حاجة ؟

حدجتها والدتها بنظراتها الصارمة قبل أن تنفجر بغضب فيها ب....
-يعني مش عارفة انتي عملتي ايه ؟
-والله يا ماما أنا كنت بس عاوزة أشوف الدنيا تحت عاملة إزاي ، لكن آآ..

تركت فردوس معلقتها على الصحن ، ثم ...
-خلاص قفلي على الموضوع ده ، مش ناقصة رغي على الفاضي

أخفضت تقى رأسها في إستياء ، و..
-حاضر

ثم صمتت للحظات قبل أن تنطق بنبرة شبه مرتبكة ب ..
-أومال مافيش جديد ؟

رفعت فردوس حاجبها في إنزعاج ، ثم تنهدت في إنهاك قبل أن تنهض عن الطاولة ، وتجيبها ب...
-لأ .. لمي الأطباق واغسليها ، مش عاوزة حاجة تبات في الحوض ، أنا مش ناقصة قرف
-طيب

ثم تركتها وانصرفت في اتجاه غرفتها وهي مقطبة الجبين ....

في سرادق حفل الزفاف ،،،،

انطلقت الألعاب النارية المصحوبة بالموسيقى الصاخبة لتعلن عن بدء حفل الزفاف الشعبي ..
إكتسى وجه بطة بعلامات الرعب والقلق ، ولم تكف عن النظر إلى عبد الحق الذي كان يرسم تلك الإبتسامة السخيفة على وجهه
جلست هي على ( الكوشة ) المخصصة للعروسين ، وظلت تراقب الجميع بأعين متوجسة ..
وقفت إلى جوارها والدتها وأخواتها الصغيرات ، وكذلك عددٍ من رفيقاتها في المدرسة ..
انحنت إحداهن على ركبة بطة ، ثم ( قرصتها ) بخفة فيها وهي تبتسم لها بحماس ، و...
-أديني قرصتك في ركبتك عشان أحصلك في جمعتك

إبتسمت بطة إبتسامة مصطنعة ، ولم تعقب ..
توالت القبلات والتهنئات عليها ، ولكنها لم تكن متواجدة بروحها معهن ، بل ظلت تترقب ما الذي يمكن أن يحدث لها لاحقاً ...

بينما إنشغل عبد الحق بالرقص والغناء مع أصدقائه الذين لم يجعلوه يجلس لثانية واحدة بجوار عروسه ..
كذلك أعطاه البعض منهم لفافات غريبة الشكل ، وكذلك بعض الأقراص ، فدسها في جيبة ، وابتسم لهم في خبث ..

لم تكف إحسان هي الأخرى في رمق بطة بنظرات نارية متوعدة ، وظلت مكفهرة الوجه ، وعابسة الملامح ، و..
-ربنا يجعلها ليلة سودة عليكي وعلى اللي زيك

مالت هنية برأسها عليها ، ولكزتها في ذراعها و..
-شوية وكلنا هنتفرج على العجب كله

صرت إحسان على أسنانها في قوة ، وكورت قبضة يدها في حنق ، و..
-ده أنا هاكسر نفسها بنت ال *** دي

ابتسمت هنية في تشفي ، ونظرت إلى العروس بنظرات حاقدة ، و...
-وماله ، المهم إنتي تعرفيها إنك ست البيت ، والأمر والنهي ليكي وبس !

في شاليه عائلة الجندي ،،،،،

وضعت ناريمان المفتاح في المكان المخصص له لكي تفتح الباب ، وكان يقف ورائها ممدوح وهو يحمل في يده حقائب بلاستيكية مليئة بالطعام الجاهز والشراب ..
كان كلاهما يتبادلان كلاماً غير مفهوم إلى أن ولجا إلى الداخل فتسمرا في مكانهما غير مصدقين وجوده أمامهما ..

ارتبكت ناريمان على الفور ، وتوترت ملامحها ، وحاولت أن تسيطر على إنفعالاتها المضطربة ، ولكن خرج صوتها ضعيفاً مرتبكاً حينما نطقت ب...
-م... مهاب !

ضيق مهاب عينيه أكثر ، وحدق فيها بنظرات شبه حادة ، و..
-أيوه ، كنتي مفكراني حد تاني

تنحنح ممدوح في خشونة ، وتصنع السعال ، ثم ..
-احم ... ازيك يا مهاب ، حمدلله على سلامتك

نهض مهاب عن المقعد وهو متجهم الوجه ، وسار في اتجاههما ، ورمق كليهما بنظرات مشمئزة قبل أن يوجه حديثه لممدوح ب....
-إنت بتعمل هنا ايه يا ممدوح ؟

ابتسم ممدوح في برود مستفز ، ثم أسند الحقائب البلاستيكية على الأرض ، ونظر إلى رفيقه بنظرات غير عابئة بعد أن وضعي يديه في جيبي شورته القصير ، ثم بكل برود تحدث قائلاً ب...
-ولا حاجة
-ولا حاجة إزاي ؟ انت مش كنت لسه أعد في السعودية ، واجازتك لسه بدري عليها !!

ابتسم هو في برود أكثر ، ثم أخرج يده اليمنى من جيبه ، ومررها على رأسها ليرتب شعره بروية ، ثم أردف ب...
-عادي ، زهقت ، فقولت أخد الأجازة بدري

مط مهاب شفتيه في عدم إقتناع ، ووقف قبالة ممدوح ورمقه بنظراته النارية والاستهجانية قبل أن ينطق متهكماً ب...
-تنزل بدري .. ممممممم.. بس اللي أعرفه إن اللي بيرجع من السفر ، بيروح بيته ، مش بيجي الساحل مع مرات صاحبه

ابتسم له في خبث ، ورمقه بنظرات تحمل مغزى و..
-ما إحنا كلنا عيلة واحدة ، ولا .. آآ.. ولا نسيت ...!

شعرت ناريمان بإضطراب الأجواء بين الاثنين ، وخشيت أن يتمادى الأمر أكثر من هذا ، فتدخلت على الفور ب...
-مهاب ، انت .. انت مش كان عندك مؤتمر باين ؟

لم ينظر مهاب في اتجاهها ، بل ظل محدقاً بممدوح ، و..
-أه كان في ، بس اتلغى !!!

ثم نظر لها من زاوية عينه بقسوة قبل أن يتابع بنبرة تحمل إيحاءاً ما ب ...
-وأظن يعني إنه من حقي كجوزك إني أقضي وقت معاكي ومع عيلتي ، ولا أنا غلطان يا .. يا ناريمان هانم

تنحنحت هي في حرج ، ونظرت إلى ممدوح نظرة خاطفة وكأنها تحاول تبرير ما ستفعله لاحقاً ، و..
-أه طبعاً .. آآ.. ح.. حمدلله على سلامتك يا مهاب

ثم اقتربت منه وعانقته عناقاً عادياً لا يحمل من الود أو القرب أي شيء .. ثم ابتعدت عنه ، وتحاشت النظر إليه ، و..
-هاروح أنا أجهز حاجة بسيطة للعشا

ابتسم لها زوجها إبتسامة مجاملة ، ثم وضع يده على وجنتها ليمسح عليها برقة قبل أن يتحدث ب....
-تمام ..

ثم استدار قليلاً برأسه ليتابع النظر إلى ممدوح بنظراته الساخطة ، و..
-وأهي فرصة أكون أنا اتكلمت مع صاحبي شوية

ابتلعت ريقها في توتر جلي ، ووزعت نظراتها بين الاثنين ، وحاولت أن تبدو أكثر هدوءاً ، و..
-أوكي .. بس .. بلاش خناق ، احنا عاوزين نقضي سهرة لطيفة

أجابها مهاب ببرود دون أن ينظر إليها ب ..
-أكيد .. بسرعة جهزي الحاجة يا حبيبتي
-طيب

ثم تركتهما وانصرفت وهي تضع يدها على قلبها ، و..
-أووف ، مكنش متوقع إنك تجي خالص يا مهاب ، إيه بس اللي جابك الوقتي ، OMG ..!!!!

أمسك مهاب ممدوح من ذراعه ، ودفعه عنوة في اتجاه الشرفة الواسعة ، ولم يتركه إلا حينما تأكد من ابتعادهما تماماً عن ناظري زوجته ، فحدجه بنظراته الغاضبة أولاً ثم انفجر ثائراً فيه ب....
-انت اتجننت يا ممدوح ، بتعمل ايه هنا مع مراتي ؟!!!

ابتسم له في تهكم واضح ، ثم ....
-ولا حاجة ، عادي يعني ، زيارة عائلية

إغتاظ مهاب كثيراً من ردة فعله الفجة ، وإنتابته العصبية حتى في نبرة صوته ، و...
-يا سلام ؟!! هو انت شايفني أهبل ولا مغفل عشان أصدق كلامك ده

تنهد ممدوح في عدم إكتراث ، ثم اتجه إلى أقرب مقعد بلاستيكي ، وجلس عليه ، ووضع ساقه فوق الأخرى ، ثم أسند مرفقيه على المسندين ، وبدأ يحرك المقعد بطريقة هادئة ..
-براحتك

إشتعل مهاب غضباً ، وثارت ثائرته كثيراً ، فإقترب منه ، وأمسك به من ياقته ، وجذبه عنوة من عليه لينهض الأخير واقفاً ، ثم بنبرة محتقنة تحدث ب...
-فوق يا ممدوح ، ماضيك الوسخ أنا لسه محافظ عليه ، فمتخلنيش أتجن وأطلعه عليك

وضع ممدوح قبضتي يده على يدي مهاب ، ثم نزعهما بقوة ، وهو يرمقه بنظراته المحذرة ، و..
-قبل ما تتجن وتطلعه ، إفتكر إني كنت ستر وغطا عليك في بلاويك ، ولا ناسي الممرضات والخدامات وأخرهم كان تهاني ..!

أطبق مهاب على فم ممدوح ليمنعه عن الكلام ، و..
-بس اسكت خالص ، دول كلهم مايجوش حاجة جمب اللي إنت عملته فيها

أزاح يده بعيداً عن ثغره ، ثم قبض على كفه ، وضغط عليه بأصابعه في حنق ، ومن زاوية فمه تحدث وهو يضغط على الحروف ب ..
-هع .. تهاني ! أنا معملتش ده لوحدي ، إنت مش كنت معايا ، وبموافقتك عشان تغطي على جريمتك في المستشفى

اتسعت عينيه الحمراوتين في غضب واضح ، وصر على أسنانه أكثر ، و....
-اسكت خالص ، ماتنطقش

دفعه ممدوح للخلف ، ونظر له بجفاء قبل أن يتحدث بنبرة قاسية ب...
-لأ هاتكلم ، لأني مش لوحدي اللي عملت ده ، كان بمباركة منك ، وكفاية إني سبتلك مراتي تعمل فيها اللي انت عاوزه
-بس انت آآآ.....

(( طرااااااااااااااخ ))

توقف كلاهما عن الجدال الحاد حينما سمعا صوت تحطم لأكواب زجاجية وتهشمها إلى أجزاء صغيرة ، فنظرا حيث مصدر الصراخ العالي ، و..
-بس بقى انتو الاتنين ، كفاية حرام عليكم ..!!!!

نظر مهاب إلى زوجته فوجدها تضع كلتا يديها على أذنيها لتسدهما ، وملامح وجهها متشنجة للغاية ، و..
-إرحموني بقى ، أنا تعبت ، سنين وأنا كاتمة في نفسي اللي حصل ، وخلاص زهقت ، وبرضوه لسه بتتخانقوا

أراد ممدوح أن يتحرك صوب ناريمان ، ولكنه تحامل على نفسه ليظل واقفاً في مكانه ، في حين زفر مهاب في ضيق ، ومر يده على رأسه ودعكها في توتر مشحون ، و..
-ناريمان ، خلاص اهدي

بدأت ناريمان تنتحب ،وصوتها صارأكثر إختناقاً بسبب بكائها ، و..

-أهدى ازاي ، وانتو الاتنين مصممين تفتحوا الماضي ده ؟!

رمق ممدوح رفيقه بنظرات استنكار ، ثم أشار لها بعينيه ، وبنبرة متعجرفة تابع حديثه ب...
-والله مش أنا اللي حابب أفتحه ، شوفي جوزك وآآ...

استدار مهاب بظهره ليواجهه ، ثم بنبرة محتقنة وشبه آمرة صاح ب ....
-إنت لسه هنا ، اتفضل امشي ، إرجع لعيالك

قهقه ممدوح بطريقة غريبة وهيسترية ، وأرجع رأسه للخلف ، ثم تبدلت ملامحه للسواد ، وتلاشت ابتسامته المستفزة ، وحدق في مهاب بنظرات فارغة ، و...
-دي نكتة دي ولا حاجة ، إنت عارف كويس إن ولادي ماتوا يوم حريق المعمل !!

ثم صمت لثوانٍ قليلة قبل أن يتابع بنبرة منفعلة وهو يشير بإصبعه ب..
-فاكر اليوم ده يا مهاب ، يا ريت تكون فاكره زيي ، أنا مانستش اللي حصل فيه للحظة بس !

زاغت عيني مهاب وظهر الرعب الممتزج بالذعر فيهما ، وقد مر بباله ذكرى ما حدث قبل سنوات ...

في شاليه أخر مترامي الأطراف ،،،

ضغط فارس على زر إنارة الغرفة ، ثم وضع يده على ظهر ليان ودفعها بخفة إلى الداخل وهو يبتسم لها ابتسامة عذبة ، و..
-خشي يا حبيبتي ، متخافيش !

أومأت هي برأسها موافقة ، ثم بخطوات مرتبكة ولجت للداخل ، وتأملت الغرفة من حولها ببطء .. كان يتوسطها فراشاً عريضاً يكفي لشخصين ، وأريكة صغيرة مريحة على الجانب من اللون البيج ، وأمامها طاولة صغيرة ، وكذلك مرآة معلقة على الحائط ، بالإضافة إلى شاشة تلفاز عريضة مثبتة على الجدار المواجه للفراش ..

شعرت ليان بقشعريرة تدب في أوصالها ، وحاولت اخفائها وظلت تبتسم لتبدو هادئة أمام فارس ، ثم سارت في اتجاه الفراش ، ومسحت عليه بأطراف أصابعه ، ومن ثم جلست عليه .. وظلت تدور برأسها في الغرفة ..

أخرج فارس من جيب بنطاله الخلفي ورقة بيضاء ، ثم جلس على الأريكة ، وسحب الطاولة في اتجاهه ، وبدأ في كتابة بعض العبارات .. ثم رفع عينيه في اتجاه ليان،و..
-تعالي يا حبيبتي جمبي ، أنا خلاص كتبت الورقة ، وناقص بس توقيعك عليها

تنهدت ليان في توتر ، وبصوت خافت أردفت ب ..
-اوكي

نهضت هي عن الفراش ، وسارت في اتجاه الأريكة ، فأفسح لها فارس المجال قليلاً لتجلس إلى جواره ، ثم نظر إليها بنظرات عميقة ، ومد يده بالقلم الحبر في اتجاهها، و..
-امضي يا عروسة

أمسكت ليان بالقلم بأصابع مرتجفة ، وظلت يدها تهتز في خوف وهي توقع على تلك الورقة ..
وما إن انتهت هي من التوقيع عليها حتى جذب هو الورقة منها ، وقام بطيها ووضعها في جيبه ، ثم سحب القلم من يدها ، وألقاه خلف ظهره ، وبكلتا يديه أمسك بكفي يد ليان ، وجلس إلى جوارها ملتصقاً بها و..
-بحبك يا مراتي ، مبروك يا أجمل عروسة

نظرت له ليان بحيرة ، ثم بنبرة منخفضة همست ب...
-هو .. هو إحنا كده اتجوزنا ؟

ابتسم لها ابتسامة صفراء من خلف أسنانه وهو ينظر لها في لؤم ، ثم حرك رأسه ناحيتها بعد أن أجلسها على حجره ، ودقق النظر في شفتيها التي كانتا ترتجف بشدة ، وتحدث بنبرة ماكرة ب....
-طبعاً بس على الورق ، لكن .. آآ.. لكن دلوقتي هيبقى عملي ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السابع والعشرون

بداخل سيارة الهوندا ،،،،

تأكدت أم بطة من جلوس إبنتها في المقعد الخلفي ، ثم قامت بلملمة ذيل فستان زفافها المبعثر ، ونظرت لها بعاطفة أمومية ، وبصوت دافيء تحدثت ب.. :
-ربنا يسعدك يا بنتي ، ويكرمك يا رب مع عريسك ، حطيه في عينيكي ومتزعليهوش يا بت

تنفست بطة بهدوء ، ونظرت إلى والدتها بنظرات شبه معاتبة ، ثم بكل جدية ردت عليها ب ..:
-ربنا يسهل
-مش هوصيكي ، وأي مشاكل تحصل بيني وبين جوزك محدش يعرف عنها حاجة ، كده أريح ليكي

زمت بطة شفتيها في إحتجاج :
-طيب خلاص يامه فهمت .. حاجة تانية ؟
-لأ

صافح عبد الحق رفاقه بحرارة ، ولم يدخر أي أحد منهم وسعه في إسداء النصح له وإعطائه إرشادات ليلة العمر ..
وما إن انتهى حتى ألقى بثقل جسده إلى جوار زوجته، ثم رمقها بنظرات أكثر تفحصا لمفاتن جسدها، ثم مال برأسه عليها وهمس لها ب ..
-الليلة ليلتك يا .. آآ... يا بطة

إبتلعت بطة ريقها في توجس ، وتحاشت النظر إليه ، واستدارت برأسها في اتجاه النافذة ، ولكنها إنتفضت فجأة فزعة في مكانها حينما وجدت عبد الحق قابضاً على كف يدها ، ومقرباً إياه من فمه ، فنظرت لها بنظرات مرتعدة ، في حين أردف هو ب..
-مش هاتعرفي تهربي مني ، ولا من اللي جاي ..!

تجمدت عيني بطة في مقلتيهما ، ولم تعرف ما الذي يشير إليه بعبارته تلك .. ولكنها دعت الله في سرها ب ..:
-يا رب عديها على خير ، يا رب كملها بالستر من عندك

-يالا يا اسطى ، اطلع على البيت ، لأحسن ورانا شغل إنما إيييييه للصبح
قالها عبد الحق وهو ينظر بخبث إلى بطة ..
في شاليه آخر بالساحل الشمالي ،،،،

إختبأت ليان أسفل الملاءة وحاولت أن تسيطر على نوبة الخوف التي إنتابتها بعدما حصل فارس على مبتغاه الدنيء منها ..
كانت تنظر حولها بنظرات مرتبكة ، فلمحت ثيابها ملاقاة على الأرضية الرخامية ، وكذلك ملابسه .. بالإضافة إلى هاتفها المحمول الذي أغلقته ..
عضت هي على شفتيها في قلق بالغ وهي تلوم نفسها ب ..:
-أنا إيه اللي عملته في نفسي ده؟ أنا .. أنا ايه اللي خلاني بس آآ.. أوافق على اللي طلبه مني ..!

لمحت ليان بطرف عينها بقعة دماء وردية في منتصف الفراش ، فلوت شفتيها في توتر، ثم حركت الملاءة قليلاً بقدمها لتداريها ، وتنهدت في قلق وهي تبتلع ريقها بصعوبة ..
تململت في الفراش بعد أن تمددت عليه ، فتناثر شعرها الهائج على وجهها ، فمدت هي يدها لتعيد خصلات الشعر المنسدلة على جبينها خلف أذنها ، ثم تنفست ببطء لتهديء من روعها ..
انتبهت هي إلى صوت صرير فتح باب الغرفة ، فإنزلقت أكثر بجسدها العاري أسفل الملاءة ..

ارتسم على وجهها علامات الارتياح حينما رأته بجسده القوي يدلف للداخل .. وابتسمت له برقة ..
أحضر فارس كأساً من الخمر بعد أن وضع به مكعبات من الثلج ، ثم اقترب من ليان وجلس إلى جوارها بعد أن ثنى ركبته أسفل منه ، ثم مد يده بالكأس نحوها ، وهو يرمقها بنظراته الهادئة ، وبصوته الرخيم تحدث ب .. :
-حبيبتي ، اشربي ده وهاتبقي كويسة

ارتجفت شفتيها وهي تحاول الرد عليه ، فخرج صوتها متلعثماً :
-اوكي

أخذت ليان الكأس وتجرعته على فمها دفعة واحدة ، فسعلت على الفور وبشدة ، وإنحنت للأمام محاولة لفظ ما علق في جوفها ، فنهض فارس من مكانه ، ووقف خلفها ، ثم ضرب على ظهرها العاري عدة مرات وهو يعاتبها ب .. :
-يا ليوو بالراحة مش كده يا قلبي ، ده يتشرب على مراحل ، مش زي ما إنتي عملتي

إلتقطت هي أنفاسها ، وتوقفت عن السعال الشديد ، ونظرت له بنظرات ممتنة ، و..
-آها .. كح .. آآ..

تنهد فارس في إرتياح ، ثم نظر إليها بنظرات متفحصة ، ومد أنامله الخشنة نحوها ليزيح الملاءة قليلاً عنها ، ثم تأمل كتفيها وجزءاً من مفاتنها ، فتلونت وجنتيها باللون الأحمر حينما رأت نظراته الجريئة لها .. تحسس فارس بأطراف أصابعه بشرتها الناعمة فأصيبت هي بالقشعريرة ، ثم رفع عينيه قليلاً لينظر إليها بنظرات مطولة ، وبنبرة ماكرة تشدق ب ... :
-الحق يتقال أنا ماتبسطش في حياتي إلا معاكي بس يا مزة

لم تجبه ليان بل إكتفت بإبتسامة صغيرة رسمتها على شفتيها ..
اتسعت ابتسامة فارس الصفراء لتتحول إلى إبتسامة مخيفة برزت جميع أنيابه ، وهنا شعر ليان بأن هناك خطب ما في المسألة .. فنظراته لم تكن مريحة على الإطلاق ، وكذلك تصرفاته معها .. وجاهدت لتقنع نفسها بالعكس ...
ولكن فجأة جذب هو الملاءة عنوة من عليها لينكشف جسدها بالكامل أمامه ، فشهقت هي من الذعر ، وتبدلت تعابير وجهها للخوف الشديد ، وحاولت أن تغطي مفاتنها بكفي يدها وهي تنظر إليه بصدمة قبل أن تسأله بإرتباك ب ..:
-إنت .. إنت بتعمل ايه ؟

كور فارس الملاءة ، ثم ألقاها خلف ظهره ، وأخرج من جيبه هاتفه المحمول ، وقام بفتح الكاميرا الخاصة به ليدوي الفلاش بعدها لأكثر من مرة معلناً عن تسجيل بعض الصور ..

-متخافيش ، أنا بس هاخد صورة للذكرى
قالها فارس وهو يحدجها بنظراته المهينة لها ، ثم اعتلى ثغره إبتسامة أكثر وضاعة حينما رأى بقعة الدماء الوردية بارزة في الصورة ..

لم تستوعب ليان ما الذي يحدث معها ، ولكنها سريعاً ثنيت ساقيها لتغطي أي شيء من جسدها المكشوف أمامه ، ولكن للأسف لم تجد ما يسترها ، فنظرت إليه بذعر ، وبنبرة مشدوهة صرخت ب ..:
-آآ.. ايه ؟ انت .. انت بتصور إيه ؟ انت اتجننت
-لأ يا حلوة ، ده مش جنان

وضعت ليان يدها أمام عدسة الكاميرا لتمنعه من التصوير ، وصرخت فيه عالياً ب ..:
-ده.. ده أنا مراتك

قهقه فارس بطريقة مستفزة ، ثم ببرود مستفز أجابها ب ...:
-هأو .. مراتي ! طب سلامات يا مدام !

احتقن وجهها بالدماء الغاضبة ، وإختنق صوتها في حلقها ، فخرج متشنجاً حينما صاحت ب ..:
-حرام عليك ؟ ده أنا وثقت فيك وصدقتك

ابتسم متهكماً وهو يتابع حديثه بنبرة غير مكترثة ب ..:
-وايه يعني ، ولا يفرق معايا كلام الأفلام ده كله ، ده أنا واد مرقع يا بت

لم تجد ليان ما يدفعها للرد على وقاحته سوى البصق عليه :
-اتفوو عليك

ضحك فارس بطريقة أكثر استفزازية ، ونظر إليها بنظرات جامدة ، ثم بنبرة فجة أردف ب ..:
-مقبولة منك .. أنا عذرك برضوه .. كده 100 فل وعشرة ، بس أدوس بقى حفظ ويبقى كده عملنا أحلى شغل

استدار فارس برأسه للخلف بحثاً عن ملابس ليان ، ثم انحنى بجذعه للأسفل ، وإلتقطها ، ومن ثم ألقاها في إتجاهها ، وبصوت بارد آمرها ب ..:
-استري نفسك يا حلوة ، أنا خلاص خدت اللي عاوزه منك ، ولو إنه على عيني الجمال ده يدارى ، بس كده بح

رمقته ليان بنظراتها المشتعلة من عينيها المغرورقتين من البكاء ، ثم هدرت صارخة فيه ب ..:
-ليييييه ؟؟؟ ليييه عملت فيا كده ؟؟؟ لييييييه ؟؟؟
-عشان آآ...

في نفس التوقيت فتحت لوزة باب الغرفة لتلج إلى الداخل وهي تنظر إلى ليان بنظرات إحتقارية ، ثم بكل قسوة صاحت ب..:
-أقولك أنا يا حلوة ليه ؟ دي حاجة بس بسيطة من اللي الباشا اخوكي عمله

نظرت ليان إلى لوزة بنظرات حائرة ، وبنبة مختنقة تحدثت ب ..:
-آآ.. أخويا ؟ أوس !
-أيوه .. أوس باشا .. ابقي سلميلي عليه يا .. يا مدام
قالتها لوزة وهي تضحك ساخرة منها ، ولم تكف عن رمقها بتلك النظرات المهينة التي زادتها ذلاً وإنكساراً ...

اقترب فارس من لوزة ، وأحاطها من خصرها بذراعه ، ثم قربها إلى صدره ، ونظر إليها بنظرات مطولة قبل أن يلتهم شفتيها بشفتيه ، فنظرت إليه ليان بإشمئزاز غير مصدقة أنها وقعت ضحية لفخ محكم لم تستطع أن تراه بوضوح .. فصرت على أسنانها في غضب ، وإرتدت ملابسها على عجالة ..
عاود فارس النظر إلى ليان ، وبحاجبٍ مرفوع ، ونبرة فظة تحدث ب ..:
-ولعلمك بقى إحنا جوازنا عدم اللامؤاخذة كده بخ ..!

فغرت هي شفتيها في عدم تصديق ، واتسعت عينيها في ذهول ، وحاولت أن تنطق فخرج صوتها مكتوماً :
-هاه .. آآ.. ج..آآآ

رفع فارس كف يده أمام وجهها ليجبرها على الصمت ، ثم بكل وقاحة نطق ب.. :
-اسكتي شوية ، بصي من غير إحم كده ولا دستور ، احنا لا اتجوزنا ولا اتهببنا ، أنا يدوب بس دوقت العسل معاكي يا .. يا مهلبية !

لكزته لوزة في جانبه ، فتأوه هو من الآلم ، ثم حدجته بنظرات محذرة وهي تتوعد ب :
-ما تتلم ياض ، ده أنا واقفة جمبك ، ولا عاوزني أوريك وشي التاني

أخفض فارس رأسه قليلاً ، ثم داعب أرنبة أنفها بطرف إصبعه ، ثم تحدث بهمس قائلاً :
-إنت الأصل يا باشا ، بس أنا بأجبر بخاطر البُنية بكلمتين كده
-لا تجبر ولا تطيب ، إحنا خلاص مهمتنا خلصت لحد كده ، وبح ، ماشي ؟
-أوامرك ..

أشارت له بطرف عينها ليتبعها قبل أن تنطق ب ..:
-طب يالا يا فارس

أوشك الاثنين على الخروج من الغرفة ، ولكن تراجع فارس للخلف خطوة ليخرج من جيب شورته الورقة المطوية ، ثم نظر إلى ليان بنظرات فارغة وقال لها .. :
-بيتهيألي دي مالهاش أي لازمة
وبكل قسوة قام فارس بتمزيق الورقة إلى أجزاء صغيرة ، ثم وضعها في كف يده ، و نفخها فيها بهواء فمه في اتجاه ليان لتتناثر حولها ، ثم لوح لها بإصابعه ، وبنبرة استخفاف نطق ب.. :
-باي يا ليووو ، ولا زي ما بيقولوا تِشاو عليكي

تجمدت ليان في مكانها من الصدمة ، وشحب لون وجهها سريعاً وهي غير مصدقة أنها قد صارت ضحية لأكذوبة كبيرة ، خسرت فيها شرفها وعرضها بسبب أشياءٍ لا تعرفها عن أخيها ..
إنهارت ليان على الأرضية ، فساقيها لم تعد تقويان على حملها ، وبكت بحرقة وهي ممسكة ببقايا ورقة الزواج العرفي ، وبصوت مختنق صرخت ب ..:
-لأ.. لأ ، حرام اللي بيحصل ده فيا ، حرام ...!!!!

في منزل عبد الحق بالزقاق ،،،،،

لم تتوقف أبواق السيارات عن إزعاج جميع سكان تلك المنطقة الشعبية بصوتها الجهوري معلنة عن وصول أحدث عرسان الليلة ..
ترجل عبد الحق من السيارة أولاً ، ولوح لأقاربه وأصدقائه بيده ، ثم دار حول السيارة ، واتجه إلى الباب الخلفي وفتحه ، وانحنى بجذعه للأسفل ونظر إلى عروسه بنظرات جادة قبل أن ينطق بنبرة شبه فولاذية :
-انزلي

لم تجبه بطة ، بل نظرت له بخوف ، وامتثلت لأوامره في صمت ، وكادت أن تتعثر في ذيل فستانها وهي تترجل من السيارة ، ولكن أسندها من ذراعها زوجها ، وهمس لها ب ..:
-جاهزة للي جاي
-هاه
قالتها بطة وهي غير مستوعبة للغرض من تلميحاته المريبة تلك ..

اعتدلت بطة في وقفتها ، وسارت بخطوات متمهلة في اتجاه بوابة البناية القديمة التي ستسكن بها مع والدة زوجها وعائلته ، فأمها قد وافقت على أن تمكث إبنتها معهم بشرط إحضار غرفة نوم جديدة لها ، في مقابل تجهيزها بالمفروشات المناسبة من حيث السعر ..

ولجت بطة إلى داخل مدخل البناية ، ورفعت بصرها للأعلى قليلاً لتتأمل المكان ، وفجأة أصبحت ساقيها معلقتين في الهواء وشخص ما يطوقها من خصرها ، فنظرت إلى الجانب بعينيها ، فوجدت عبد الحق يحملها بين ذراعيه ، ويبتسم لها إبتسامة لئيمة و..:
-المرادي بس هاشيلك لبيتك يا بطتي

اكتست وجنتيها سريعاً بحمرة الخجل ، ولفت ذراعيها حول عنقه ، وأخفضت رأسها وعينيها للأسفل .. في حين تعالت الزغاريد والتهليلات من حولهما ..
صعد عبد الحق بزوجته إلى الطابق الثاني حيث يوجد منزل العائلة المتواضع والمكون من ثلاث غرف بسيطة في أثاثها القديم ، فيما عدا غرفته التي تم طلائها وتجهيزها قبل عدة أيام لتناسب تلك المناسبة السارة ..

دفع هو باب الغرفة بساقه ، ثم أنزل زوجته على ساقيه ، فسارت هي بخطوات خجلة نحو الفراش وجلست على طرفه ، وأطرقت رأسها في إستحياء ..
ابتسم عبد الحق مجدداً لها ، وبصوت رخيم قال :
-هاسيبك خمساية وراجع تكوني خدتي على المكان

هزت بطة رأسها موافقة ، وظلت تفرك في أصابع يدها في توتر واضح ، في حين نزع عبد الحق رابطة عنقه ، وألقاها على المقعد الخشبي الصغير المجاور لخزانة الملابس ، وهو يسب ب ..:
-بتاعة بنت *** خنقاني من الصبح ، أعوذو بالله منها ..!

نظرت له بطة بإستغراب ، ومطت شفتيها في تعجب وهي تحدث نفسها ب ..:
-يعني حبكت تشتم الوقتي ، مش تصبر شوية لما ناخد على بعض وأكتشف طابعك المهبب

خرج عبد الحق من الغرفة ، وأغلق الباب خلفه ، فتنفست بطة الصعداء ، وأزاحت الطرحة قليلاً عنها ، وبدأت تجوب ببصرها الغرفة وهي تهمس ب.. :
-مش بطالة ، مع إني والله أستاهل الأحسن ، بس هأعمل ايه في أمي اللي كانت مستعجلة عشان تجوزني أي حد والسلام ..!

ثم استدارت برأسها فجأة ناحية باب الغرفة حينما سمعت صوت مقبضه يفتح بقوة ..
اتسعت عيني بطة في ذهول حينما رأت إحسان أمامها وعلى وجهها تعابير غامضة ، وشعرت بالرعب يتسرب إلى بدنها ، ولكنها جاهدت لتحافظ على رباطة جأشها أمامها ..

لوت إحسان زاوية فمها في تشفي ، ثم بنبرة غليظة قالت :
-جاهزة يا بنت ال *** لدخلتلك البلدي

إزداد جحوظ عيني بطة ، ونهضت فزعة من مكانها ، وفغر ثغرها للأسفل ..

حدجها إحسان بنظرات قاتلة ، ثم بخطوات واثقة اقتربت منها وهي تتحدث بثبات ب ..:
-هو النبي حارسه وصاينه مقالكيش إن الدخلة بلدي

لم تصدق بطة أذنيها حينما أعادت والدة زوجها على مسامعها تلك الكلمة مجدداً ، وظنت أنها تتوهم ما تسمعه ، ولم يخلو وجهها من تعابير الصدمة ..
حاولت هي أن تجيب عليها ، ولكن خرج صوتها متحشرجاً ومبحوحاً حينما ردت عليها ب ..:
-آآ.. ايه ؟ ب.. بلدي ؟

لم تفق بطة من صدمتها سريعاً حيث لمحت من زاوية عينها هنية ومعها شادية تقفان على ( عتبة ) الغرفة .. فإنتابها الفزع ، وزاغت نظراتها بينهن ، بينما خرج صوتها من حلقها مرتعشاً حينما سألتها :
-م... م.. آآ... مين دول ؟ وجايين هنا ليه ؟؟

التفتت إحسان برأسها للخلف ، وبنبرة آمرة وهي ترفع كلا حاجبيها للأعلى صاحت ب ..
-يالا يا نسوان ، عاوزين نجهز المحروسة لليلتها

-م.. محدش يقرب مني ، محدش يجي جمبي ، والله لأصوت وألم عليكم الناس
قالتها بطة محذرة بصوت مرتعد وهي تتراجع بظهرها للخلف

لم يتغير تعبير وجه إحسان كثيراً ، بل على العكس إزدادت نبرتها حدة وإصرار حينما أشارت لمن معها بيدها وقالت :
-وإحنا مش عاوزين منك غير الصويت يا بت ، يالا يا ولية منك ليها ، إحنا مش هانقضي الليل كله هنا

اعتلى ثغر هنية ابتسامة واسعة متشفية ، وشعرت بالإنتشاء لأن خطتها أوشكت على النجاح ، ثم سارت في اتجاه بطة وهي ترمقها بتلك النظرات المترقبة ..

دب الذعر في جميع أنحاء خلايا جسد بطة ، وبنبرة أكثر فزعاً صرخت فيهن عالياً ب ..:
-محدش يجي جمبي ، محدش يلمسني ، يامه ، الحقوني يا ناس ، يامه حوشيهم عني

أحاطت النسوة الثلاث ببطة ، ثم قمن بجذبها بعنف نحو الفراش ..
دفعتها إحسان أولاً بكل ما أوتيت من قوة على ظهرها ، ثم بنظرة قاسية آمرت هنية ب ..:
-امسكيها يا ولية كويس
-من عينيا ...
قالتها هنية وهي توميء برأسها عدة مرات ، ثم مدت يدها لتقبض على ذراع بطة ، ولكنها عجزت عن الإمساك به ، فنبشت أظافرها في مرفقها لتؤلمها ، فصرخت بطة بحدة من الآلم .. في حين قفزت شادية على بطة وأمسكت بذراعها الأخر ، وألقت بثقل جسدها على عنقها وكتفيها ل ( تقيد ) حركتها ، فأصبحت بطة مشلولة عاجزة عن الحركة ، وتحت رحمتهن ..

توقفت إحسان في مكانها لتتفحص بطة لثوانٍ قبل أن تسأل :
-ها يا نسوان ماسكينها كويس ؟
-أيوه
أجابت هنية بكل ثقة وهي ممسكة بذراع بطة تحت إبطها

حاولت بطة أن تفلت ذراعها وتحرره ، وظلت تتلوى بجسدها بحركات عنيفة لتتخلص من قبضتي هنية وشادية ، ولكن لفارق الحجم والجسد كانت محاولتها تبوء بالفشل ..
وبنبرة يائسة توسلت بطة لإحسان ب ..:
-أبوس ايدك خليهم يسبوني ، حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده !

بصقت عليها إحسان قبل أن تجيبها ب ..:
-هو أنا عملت حاجة لسه يا ****** ، ده أنا هوريكي شغل الحموات اللي على أصوله

-أيوه ربيها بنت ال *** دي ، مش ناقصين تنطيط من مفعوصة زيها ..!
قالتها هنية بشماتة واضحة وهي تحاول تثبيت جسد بطة ..

استدارت بطة برأسها للجانب ناحية هنية ، ثم بكل شراسة قامت بعض ذراع هنية ، فصرخت الأخيرة عالياً :
-آآآآآي ... يا بنت العضاضة ، البت المفكوكة عضتني

أرخت هنية قبضتيها عن بطة لتتحسس موضع الآلم ، في حين استغلت بطة الفرصة لتخلص ذراعها منها ، فتنبهت إحسان لما تفعله ، فصاحت محذرة ب :
-يا ولية يا اللي اسمك هنية إمسكيها كويس ، متخليهاش تفلت من إيدك
-لألألأ ... ابعدوا عني .. الحقوووني ، آآآآآآه .. آآآآه

-اخررررسي يا بت
قالتها إحسان وهي تصفع بطة بقسوة على وجنتها لتجبرها على الصمت ..

بعد لحظات دلف عبد الحق إلى داخل الغرفة ، وإشرأب برأسه للأعلى قليلاً ليتابع ما يحدث وهو يتسأل بنبرة مهتمة ب ..:
-ها يامه ، كله تمام ؟

نظرت إليه والدته بنظرات متأففة قبل أن تجيبه بتهكم ب ..:
-تعالى يا سيد الرجالة ، تعالى عشان تكمل شغلك

حرك عبد الحق يديه بعصبية ، وبنبرة شبه منفعلة أجابها ب ..:
-الله يامه ! بلاش تريقة الله يكرمك ، الأمور دي ماتتخدش قفش كده

صرخت بطة عالياً وهي تتلوى بجسدها في كل الإتجاهات ، ثم نظرت في اتجاه زوجها وبنبرة راجية إستنجدته ب ..:
-لألألألأ.. ابعدوا عني ، تعالى يا عبده حوش أمك عني

هزت إحسان كفي يدها عدة مرات إشارة منها لسوء إختيار بطة ، ثم بنبرة متهكمة تشدقت ب ...
-اتسندتي على حيطة مايلة يا خايبة ، ده هو اللي هاي .... آآ.. هايكشف المستور ، بس على عينك يا تاجر ...!

اتجهت إحسان صوب إبنها ، وضربت على كتفه بقوة ، ونظرت إليه بحدة وهي تحدثه بصرامة ب ..
-وريني يا فالح هاتعمل ايه في المعدولة اللي اتجوزتها !
-ماتستقليش بيا يامه ، ده أنا سبع رجالة في بعض
-طب خد .. ورينا شطارتك يا فالح
ثم أعطته قطعة قماش بيضاء صغيرة كانت مكورة في قبضة يدها ، فأخذها منها عبد الحق ، ولفها حول إصبعه ، ونظر إلى والدته بنظرات متحدية :
-هاتشوفي

حدقت بطة في زوجها ووالدته بنظرات مصدومة ، وإزداد صراخها ب :
-يا ولاد ال *** هاتعملوا ايه ، ابعدوا عني ، لألألألأ

لم يهتم عبد الحق بصرخاتها ، ولا بسبابها ، بل اقترب من الفراش بخطواته الثقيلة ، ثم بكل برود تحدث ب :
-وحياتك يا ست هنية اكتمي بؤها شوية لأحسن كده أنا مش هاعرف أركز
-حاضر يا بني ، انت تؤمر بس

كممت هنية فم بطة بكف يدها ، وتشبثت شادية أكثر بها ، في حين إنضمت إحسان إليهما ، وتعاون الجميع في إزاحة الجزء السفلي من فستان عرسها ليكشف عن ساقيها .. ثم نزعت إحسان ذلك السروال الضيق الذي يغطيهما ، وألقته على الأرض دون إكتراث ، وصرت على أسنانها وهي تتفحص عوراتها و..
-جاهز ياض

-أها
أوميء برأسه موافقاً ، ثم اعتلى ثغره ابتسامة واسعة ، ونظر إلى بطة بنظرات شهوانية قبل أن ينطق ب ..
-باين عليها هاتكون ليلة مفترجة ..

ثم شمر عن ساعديه ، وجلس على طرف الفراش ، وأفسح ما بين ساقي زوجته ونظر لها بنظراته الوضيعة قبل أن ينطق ب ..
-مش قولتلك إنها هاتبقى ليلة ماتتنسيش ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثامن والعشرون

في شاليه عائلة الجندي ،،،،

ساد صمت مشحون بين مهاب وممدوح ، وتبادلا النظرات النارية والغاضبة فيما بينهما .. في حين إرتمت ناريمان على أقرب مقعد وهي تنتحب بصوت مرتفع ، ودفنت وجهها بين راحتي يدها ..
لم يجرؤ ثلاثتهم على التحدث عن أسرار الماضي ، وإكتفوا بالنظرات الغامضة ..
في النهاية زفر مهاب في ضيق وهو ينظر في اتجاه زوجته وصاح بها متسائلاً :
-فين ليان ؟

لم تجبه ناريمان في البداية ، فأعاد مهاب تكرار السؤال ولكن بحدة أكبر وهو ينظر نحو ممدوح وكأنه يتعمد إشعال غيرته :
-فين بنتي ليان ؟

ابتسم ممدوح لنفسه في سخرية مريرة ، ونظر ناحية الشاطيء من جانب الشرفة ليتجنب نظرات مهاب الشامتة ، وغمغم بخفوت لنفسه ب :
-إحرق دمي أكتر لما تنادي بنتك بإسم آآ.... آآ.. ملاكي

أبعدت ناريمان كفي يدها قليلاً عن وجهها ، ورفعت عينيها المنتفختين للأعلى ، وأجابت عليه بصوت مبحوح ومتلعثم :
-م.. م.. آآ... معرفش

رمقها مهاب بنظراتٍ شرسة قبل أن يتابع الحديث معها بعصبية ب ..:
-يعني ايه متعرفيش ؟؟ مش المفروض البنت معاكي ، وإنتي مسئولة عنها ؟

ابتلعت هي ريقها في توتر ، ووزعت نظرها بينه وبين ممدوح ، وحاولت أن تبدو متماسكة حينما أجابت عليه ب ..:
-ماهو .. آآ.. ما أنا بأطلبها على الفون من بدري وهي يا قفلاه يا مش بترد

لوح بيده في وجهها بإنفعال ، وهو يصرخ عالياً ب .. :
-إنتي معندكيش دم ، وفالحة بس تخرجي مع البيه

-بلاش أنا يا مهاب ..!
قالها ممدوح محذراً وهو يشير له بطرف عينه

اقترب مهاب مجدداً من ممدوح ووقف قبالته ، ونظر له بتحدي ، ثم صر على أسنانه وهو ينطق ب ..:
-اخرج من بيتي ، ومن حياتي ، أنا جبت أخري معاك

ابتسم له ممدوح إبتسامة صفراء مستفزة قبل أن يجيبه ب ..:
-إحنا قدرنا واحد يا .. يا صاحبي .. الماضي جمعنا ، وهانفضل كده لحد ما واحد فينا يموت فيرتاح التاني منه ...!

كان مهاب على وشك الرد عليه ، ولكن انتبه لصوت فتح باب الشاليه الخارجي ، فكور قبضته في غضب ، ونظر بتوعد له وهو يقول :
-الماضي إدفن من زمان يا ممدوح ، ها إدفن ، وأحسنلك تسيبه مكانه !

ثم سار بخطوات أقرب للركض خارج الشرفة ليرى من القادم ..
تابعه ممدوح بنظراته الساخطة إلى أن اختفى عن ناظريه تماماً ، فتوجه ناحية ناريمان ، وجثى على ركبتيه أمامها ، ثم وضع كفي يده على فخذيها ، ونظر لها بحنو ، وبنبرة خافتة أردف ب ..
-نيرموو .. مش عاوزك تقلقي ، أنا هافضل معاكي دايما

أزاحت ناريمان يديه بعيداً عنها ، ونظرت له بنظرات متوسلة قبل أن تجيبه ب ..:
-امشي الوقتي يا ممدوح ، بليز ..
أطالت هي في نظراتها الآسفة ، و..
- بليز

تنهد ممدوح في ضيق وهو خافض لرأسه ، ثم رفع عينيه لتلتقي بعينيها ، وبنبرة رخيمة قال لها :
-حاضر ، أنا هامشي الوقتي ..!
-ميرسي بجد ليك

إحتضن كف يدها بكفيه ، ونظر لها بعمق وبنبرة هادئة أوصاها ب :
-خلي بالك من نفسك ، وطمنيني على الوضع ، وإبقي قوليلي وصلتي لإيه مع مهاب

أومأت ناريمان برأسها بخفة وهي تجيبه ب ..:
-اوكي ..

سار مهاب بخطواته الراكضة نحو باب الشاليه ليجد ابنته ليان تجر ساقيها وتسير كالهائمة على وجهها في اتجاه الدرج ، توقف للحظة في مكانه مشدوهاً بحالتها المزرية ، وتأمل لثوانٍ معدودة حالة الجمود الغريبة السائدة على تعابير وجهها ، ولاحظ نظراتها الحزينة ، فإنقبض قلبه ، ومن ثم صاح فيها عالياً ب..:
-ليان .. !

لم تلتفت ليان إليه ، بل تابعت صعودها على الدرج وإكتفت بإلقاء نظرة غامضة نحوه .. فإنزعج مهاب كثيراً من ردة فعلها الجافة عليه ، فهدر بها ب ..
-بنت ! اقفي مكانك ، أنا مش بأكلمك ؟ ولا دي التربية اللي ناريمان هانم علمتهالك ؟!

اتجه مهاب بأنظاره المحتقنة نحو الدرج ، وظل مسلطاً بصره على ابنته التي لم تعبأ بصراخه فيها ..

في حين خرجت ناريمان على إثر صوته من الشرفة ، ثم ركضت نحوه ، ووضعت كفي يدها على كتفيه ، وتوسلت له ب ..
-بليز مهاب ، مافيش داعي تتعصب دلوقتي

أبعد هو يديها عنه بقوة ، ثم حدجها بنظرات مهينة قبل أن ينطق بتبرم ب ..:
-في ايه يا هانم ؟ هو مش من حقي أعرف بنتي كانت فين ولا بتعمل ايه لوحدها ؟

أخذت ناريمان نفساً مطولاً ، وزفرته على عجالة لتهديء من نفسها ، ثم بهدوء مصطنع أجابته ب ..:
-اوكي ، من حقك ، بس مش وإنت منفعل كده

رد عليها مهاب بعصبية وهو يلوح بيده ب ..:
-والله أنا حر في طريقتي مع بنتي ، مش هاتيجي الوقتي وتقوليلي أعمل ايه !!

-حلو دور الأب ده .. مع إنه مش لايق عليك
قالها ممدوح بتهكم وهو يضع يديه في جيبي الشورت الذي يرتديه ..

اندفع مهاب في اتجاهه كالثور الهائج ، ثم أمسك به من تلابيبه ، وحدجه بنظرات نارية قبل أن ينفجر فيه قائلاً:
-إنت ليه مصمم تخليني أرتكب جناية الوقتي ؟!!!!

أمسك ممدوح بقبضتيه ، وأبعدهما عنه ، ونظر له نظرات ساخطة ، ثم بنبرة جامدة أردف ب ..:
-ماتعملش حاجة ، أنا ماشي .. كفاية كده عليك النهاردة

هدر فيه مهاب بصوته الجهوري ب ..:
-في داهية ..!!

نظرت ناريمان بتوسل شديد إلى ممدوح حتى لا ينفعل هو الأخر على مهاب ، فإكتفى الأخير بكظم غيظه ، ثم سار مسرعاً نحو الباب ، وصفقه بعنف خلفه ..

لم تردْ ناريمان هي الأخرى أن تتجادل مع زوجها ، لذا أسرعت نحو الدرج وغمغمت ب ..:
-أما أشوف ليوو كانت فين

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي ،،،

جلست بطة على طرف الفراش منكمشة على نفسها في رعب جلي ، وثنيت ركبتيها أمام صدرها ، وضمت لساقيها معاً بذراعيها ، ونظرت حولها بريبة وظلت تبكي بحرقة ومرارة إلى أن تورمت عينيها وصارتا حمراوتين ، وكذلك إنتفخ أنفها ..
لم تبدل هي فستان زفافها الذي تلطخ بدماء برائتها ، بل ظلت على تلك الوضعية ترتجف وترتعش وهي تتآلم في داخلها من هول ما مرت به ..
أغمضت عينيها لتنسى ذلك المشهد القاسي الذي مرت به ..
هي لم تتخيل أن ليلتها ستكون دامية بحق ، لم يطرأ ببالها أن يفعل ( شبيه ) الرجال بها هذا ، ولم تتصور أن تشاركه والدته في تلك الجريمة ..
حقاً لقد صدقت حينما حطمتها ، وآلمتها .. وأفقدتها أبسط حقوقها ..

شهقت بطة بصوت مرتفع وهي تتذكر كيف رأت لذة التشفي ونشوة الشماتة جلية في أعين من شهدوا على ذبحها بقسوة ..
إنتفضت في مكانها لأكثر من مرة ، وإختنق صدرها من كثرة البكاء .. ووجدت صعوبة في التنفس بصورة طبيعية .. ورغم هذا لم تطلب المساعدة من أحد ، ولم تحاول حتى النهوض من مكانها ، فالآلم البدني يقتلها ، والآلم النفسي كسرها بحق ..

استدارت برأسها فزعة ناحية باب الغرفة حينما فتحه عبد الحق مجدداً وولج للداخل فنظرت له بإشمئزاز وهو يرتدي ذلك السروال الداخلي المتهدل على جسده ، وشعرت بالتقزز من وجودها معه في نفس المكان ..
لذا أشاحت ببصرها بعيداً عنه ، وكتمت نحيبها .. ومسحت عبراتها في فستانها ، في حين اقترب هو من الفراش ، وألقى بجسده المنهك عليه ، ثم مد كف يده ليلمس ذراعها فإنتفضت كمن لامسه تيار كهربي ، وإنكمشت هي على نفسها أكثر ، فنظر لها بإستغراب ، ثم بصوت متحشرج نطق ب ..
-في ايه يا عروسة ؟

أغمضت بطة عينيها جبراً ، وعضت على شفتيها بقوة ، وحاولت ألا تركز حواسها معه ، فكل صوت يصدره ، وكل حركة يقوم بها تصيبها بالغثيان ، وتزيد رغبتها في النفور منه ..
اعتدل هو في جلسته على الفراش ، ونظر لها بتعجب ، ثم تنحنح بطريقة مزعجة ، وبصوته الآجش قال :
-مالك قالبة سحنتك ليه ؟ ما هي الليلة عدت وخلاص

لم تنظر هي ناحيته ، وظلت على وضعيتها تلك .. فلوى فمه في عدم إكتراث ، ثم نظر إلى الكومود المجاور له ، ولمح شرائط الأدوية المنشطة التي أهداها له رفاق السوء ، فظهرت إبتسامة ماكرة من بين أسنانه ، وسحب شريط منهم ، ثم أفرغ القرص الموجود بداخله ، ودسه في كف يده ، ونظر إلى بطة بجرأة وتفرس ملامح جسدها ببطء ، ثم بنبرة خافتة قال لها ..:
-مش هاتيجي بقى آآ...

ومد يده ليحرر أصابعها المتشابكة معاً ، فشهقت في ذعر ، ونهضت على الفور من مكانها ، ونظرت له بنظرات محتقنة قبل أن تنطق محذرة ب ..:
-إياك تلمسني !
-نعم ياختي ؟

هدرت فيه بطة صارخة ب ...:
-بقولك إياك تقرب مني ، إنت لو كنت راجل ، ولا حتى فيك ذرة رجولة مكونتش تقبل إن ده يحصل فيا

-أوووف ، أعوذو بالله ، هو أنا ناقص غم .. !
قالها عبد الحق وهو ينفخ في ضيق زائف ، .. ثم وضع يده على رأسه وحكها عدة مرات ، ومن ثم نظر إليها وتابع ببرود مستفز ب ..:
-هو إيه اللي حصل يعني ، ماهي كانت دخلة زي أي دخلة

اتسعت عينيها في ذهول ، ثم بكل غضب هدرت ب ..:
-دخلة !!! إنت بتسمي اللي عملتوه فيا دخلة ، يا شيخ حرام عليك ، ده أنا اتفضحت قصاد الناس ، غير ما إنت كسرتني ووجعتني وآآ... آآه
ثم صمتت مجبرة ، وعضت على شفتيها ، وكورت قبضتي يدها في ضيق ، وبدى وجهها منزعجاً ، فقد كافحت لتخفي الوخزات والآلام الحادة في الجزء السفلي من جسدها ..

تمطع بجسده في الفراش ، ومد كف يده تحت الوسادة ليخبيء القرص ، ثم أرخى ذراعيه إلى جوار جسده ، ونظر إلى السقف ، وبتنهيدة إرهاق أكمل ب ..:
-فضيحة ليه ؟ ما إنتي طلعتي زي الفل وبختم ربك

ثم أدار رأسه في اتجاهها ، ونظر لها بنظرات ذات مغزى قبل أن يتابع ب ..:
- وبصراحة كده أنا مقدرش أكسر كلمة أمي

فغرت شفتيها في تهكم وهي تنطق ب ..:
-أمك ..!!!!

أوميء برأسه ببرود :
-أيوه
ثم سألها بخبث ب ..:
-المهم هاتيجي جمبي ولا آآ.. ؟!

أجابته هي بصرامة قاسية وهي تنظر له بعينيها الحمراوتين :
-لأ ..
-يعني الليلة فكست ؟!
-آه ، وإنسى إنك تاخد مني حاجة تاني

-مش عاوز ، أنا أصلاً فصلت شحن من زمان وكنت بتأكد بس .. هاه
تثاءب عبد الحق أولاً بطريقة مزعجة ، ثم أولاها ظهره ونام على جانبه الأيسر ، وأغمض عينيه ، ثم رفع ذراعه في الهواء وأشار لها وبصوت شبه ناعس ومتثاقل آمرها ب ..:
-طب إطفي النور خليني أتخمد لأحسن الدخان والبرشام عموني ، ومش قادر أعمل حاجة .. آآآخخ..

صرت على أسنانها من الحنق ، وحدجته بنظرات شرسة وحاقدة ، ثم همست لنفسها ب ...:
-منك لله يا شيخ إنت وأمك ، منكم لله ، أشوفكم مفضوحين عن قريب يا رب

في طائرة مصر للطيران ،،،،

جلس أوس على المقعد الذي حجزه في درجة رجال الأعمال بالطائرة العائدة إلى القاهرة ، ثم بمهارة ربط حزام الآمان ، وأرجع ظهره للخلف ، وحدق أمامه ..
اقتربت منه المضيفة ، ومالت عليها بجسدها قليلاً بعد أن إستندت بكف يدها على مقدمة مقعده ، ثم همست له ب ..:
-تحب حضرتك تشرب حاجة الوقتي ؟
-أها .. مياه ساقعة
-بس ؟
-أيوه
-حاضر يا فندم

استدارت المضيفة بظهرها ، وقامت بفتح زجاجة مياة معدنية مثلجة ، وأفرغت بعضها في كأس شفاف ، ثم قدمته لأوس وهي ترسم على شفتيها إبتسامة رقيقة ..
ولكن إهتزت الطائرة فجأة فإضطربت المضيفة ، وإرتعشت يدها الممسكة بالكأس ، وتساقطت المياه على بنطال أوس الرمادي الداكن ، فحدجها بنظرات قوية ومخيفة ، فإرتكبت المضيفة أكثر وتوترت وسقط الكأس من يدها ، وبنبرة آسفة تشدقت ب ..
-سوري يا فندم ، لحظة وهاجيب مناديل لحضرتك

أشار هو لها بكف يده ، وبصرامة رد عليها ب...
-خلاص .. إمشي
-أنا أسفة يا فندم ، حضرتك ده .. آآ.. ده مطب هوائي وآآ..

نظر لها أوس مجدداً بنظرات أكثر حدة وهو يرفع أحد حاجبيه ، ثم بصوته الآمر صدح ب ..:
-قولتلك خلاص ، اتفضلي

تنحنحت المضيفة في حرج ، وحاولت أن تسيطر على إرتباكها ، والسخونة التي أعتلت وجهها من طريقته الفجة معها ، ثم بتلعثم واضح ردت عليه ب ..:
-إحم .. آآ.. حاضر ..

ثم بخطوات متعثرة التفتت نحو الطاولة المعدنية التي تجرها ، ودفعتها للأمام وإنصرفت مبتعدة عنه وهي تتمتم بخفوت شديد ..

نفخ أوس من الحنق ، وبطرف كفه مسح بقايا قطرات الماء المتجمدة على بنطاله ، ثم ضيق عينيه قليلاً وهو ينظر ناحية الكأس الملقى أسفل المقعد المتواجد أمامه ، ثم رفع عينيه لينظر من النافذة الصغيرة الجانبية وهو يلوي فمه في إمتعاض ، فرأى جناح الطائرة يخترق تلك السحب الضبابية ، فسلط بصره عليهم وضيق عينيه بتركيز شديد ، وشرد لوهلة في ذكريات بعيدة ، ولمحات من ماضيه ....

نظر ذلك الصغير الجالس على الأريكة الجلدية – ذات الحجم المتوسط - بعينيه الدقيقتين إلى تلك المعدات الغريبة الموضوعة أمامه ولم ينبس بكلمة ، ثم رفع إلى فمه الكوب الزجاجي ليرتشف منه بعض الماء ..
ولكن حينما سمع صوت فتح باب الغرفة إرتجفت يديه الممسكة به وسقط رغماً عنه على الأرض وتناثرت المياه على ركبتيه وأطراف السروال الصبياني – ذي اللون الزيتوني – الذي يرتديه وبللته ..
إندفعت تهاني مسرعة ناحيته ، وأشارت له بالجلوس ، ثم جلست على إحدى ركبتيها ، ومدت يدها لتمسح بنعومة على وجنته ، وبصوتها الأمومي قالت له :
-حبيبي ، متخافش ، مافيش حاجة حصلت

هز الصغير رأسه موافقاً إياها ، وبصوت طفولي أجاب ب ..:
-أها

أمسكت تهاني بكف يده ، وقبلته بشفتيها ، ثم أخذت تداعب أصابعه ، فضحك أوس لها ، ومن ثم نهضت عن الأرضية الرخامية ، و..
-هاجيب شورت تاني يا حبيبي من ال Lucker ( الدولاب ) ورجعالك ، أوعى تلعب في حاجة ، وخليك أعد في مكانك ، أوكي ؟
-حاضر

في نفس اللحظة دلف ذلك الشخص الذي يبغضه الصغير أوس إلى داخل غرفة المكتب ، فزم شفتيه بشدة للأمام ، وضيق عينيه ، وحدجه بنظرات حادة ولم ينطق بكلمة ..
رمقه ممدوح بنظرات لئيمة ، ثم غمز له بطرف عينه وهو يبتسم له بإبتسامة سخيفة من بين أسنانه ، ومن ثم نظر لزوجته تهاني بنظرات مهتمة قبل أن يردف ب ..:
-حبيبتي

إلتفتت تهاني بجسدها كليةً للخلف ، ونظرت له بإستغراب وهي عاقدة لحاجبيها :
-ممدوح ! إنت بتعمل ايه ؟

ثم أمعنت النظر في تلك العربة الصغيرة التي يجرها أمامه ، وفغرت شفتيها في تعجب حينما رأت رضيعتيها الصغيرتين ، ثم سألته بتلهف :
- الله ، إنت جايب البنات معاك كمان ؟ طب ليه ؟
-المربية اعتذرت ومجاتش النهاردة
-اعتذرت !!
-أها .. بتقول عندها برد ، وخايفة تعدي البنات
-ممممم..
-وبصراحة أنا مش هأعرف أركز معاهم ، ما انتي عارفة أنا بأتلبخ في تكة
-اوكي يا حبيبي ، أنا هاجي أشوفهم ، بس أجيب شورت أوس
-تمام

ثم إلتفت برأسه ناحية الصغير أوس ، ورمقه بنظرات متمهلة ومطولة قبل أن يسألها :
-هو هايقضي اليوم معانا ؟

أتاه صوت تهاني من الغرفة الجانبية عالياً ب ..:
-أيوه ، مهاب هيخليه معايا الفترة دي ، أنا مش مصدقة إنه وافق بالساهل على الموضوع ده ، إنت عارف أنا أد إيه استرجيته عشان يخليه يعقد معانا بعد ما اتجوزنا

هز ممدوح رأسه في انزعاج ، ثم بنبرة شبه عادية رد عليها ب :
-أها .. طب كويس

لم يكف أوس عن التحديق هو الأخر في ممدوح ، ولم يتوقف عن صر أسنانه بقوة ..

ولجت تهاني إلى الغرفة مجدداً وهي تحمل في يدها بنطالاً أخراً ، ثم اتجهت نحو إبنها ، ونظرت إليه في حنو ، وبنبرتها الهادئة قالت :
-تعالى يا حبيبي عشان أغيرلك هدومك بدل ما تبرد

جذب الصغير أوس البنطال بعنف من يد والدته قبل أن ينطق بصرامة ب :
-أنا بأعرف لوحدي يا مامي

إبتسمت له إبتسامة رقيقة ، ثم بنفس النبرة العذبة تابعت ب :
-ما أنا عارفة يا قلبي ، بس عشان أقفلك السوستة وآآ..
-أنا كبير دلوقتي
قاطعها أوس بنبرة حادة قبل أن ينهض عن مقعده ويسير في اتجاه الغرفة الصغيرة الجانبية

نظرت لها تهاني بإندهاش ، ثم بنبرة عذبة قالت :
-حبيبي ..

إلتفت برأسه نصف إستدارة ليراها ، ولم يجبْ عليها ، في حين لوحت هي له بأطراف أصابعها ، وبإبتسامتها الحانية نطقت ب ..:
-ربنا يخليك ليا يا قلبي ، وتفضل معايا على طول

ظل الصغير أوس عابس الملامح ، مقطب الجبين ، وسار في اتجاه الغرفة الجانبية وإختفى بداخلها ، ولكنه أصغى بإنتباه لكل كلمة تقال في الخارج بين والدته وزوجها الجديد ..

راقب شخص ما بالخارج ما يحدث داخل غرفة المكتب الموجودة بالمعمل الخاص من تلك النافذة الزجاجية ، وإعتلى ثغره إبتسامة شيطانية وهو يحدث نفسه ب :
-حلو أوي ، زي ما الباشا قالي ، وقت ما يكونوا كلهم مع بعض ، أعمل الماس الكهربي ، وأنا لو نفذت اللي قال الباشا عليه ، هيرضى عني ويديني اللي وعدني بيه ...

اقترب ممدوح من زوجته تهاني التي إستندت بمرفقيها على صدرها ، وأحاطها هو من خصرها بكلا ذراعيه ، ثم نظر في عينيها بنظرات عاشقة ، فبادلته هي تلك النظرات الحالمة ، وبتنهيدة رومانسية قالت له :

-أنا حاسة إني في حلم ، مش مصدقة إن كل اللي بأحبهم معايا ، إنت وأوس .. آآ..
ثم نظرت في إتجاه الرضيعتين الصغيرتين ، وتابعت كلامها ب ..:
-وبيسان وليان ..

ابتسم ممدوح لها ، وهز رأسه وهو يجيبها ب :
-أها

ثم تبدلت ملامح وجهها للقلق والتوتر ، ونظرت ناحية الغرفة الجانبية ، وبخفوت قالت :
-أنا خايفة أفوق من الحلم ده على كابوس

لوى ممدوح فمه في عدم اقتناع ، ثم مسد على شعرها ، و..
-متقوليش كده ، أنا معاكي

مطت شفتيها للأمام أكثر ، ثم قالت بإهتمام :
-بس إنت عارف صاحبك ، مش بالساهل إنه يتخلى عن اللي يخصه ، وخصوصاً إننا عارفين عنه كل حاجة

وضع ممدوح يده على طرف ذقنها ، وضغط عليها قليلاً ، ثم بكل ثقة أجاب ب :
-مهاب مش بيعمل غير اللي بأقوله عليه

ضيقت هي عينيها ، ثم بنبرة جادة سألته ب :
-طب وجوازنا من بعض ؟ كان برضوه إقتراح منك ؟

ابتسك بثقة لها وهو يجيبها ب :
-لأ طبعا ده كان مقدر يا حبيبتي ، وبعدين هو مايستهلش إلا اللي زيه

أرخت هي ساعديها عن صدره ، وسارت بضعة خطوات للأمام وهي تتنهد بإنهاك ، ثم جلست على الأريكة ، وتنهدت مجدداً بآسى ، وبنبرة حزينة تابعت ب ..:
-آآآه ، عندك حق .. كفاية أوي إني استحملت لسنين شذوذه وطريقته المقرفة معايا عشان خاطر ابني

تحرك ممدوح ناحيتها ، وبهدوء طلب منها :
-متحكيش في اللي فات يا تهاني

حركت تهاني رأسها على الجانبين ، وبصوت آسف أردفت باقي كلامها ب :
-أنا مش مصدقة بجد إني اتطلقت منه للمرة التالتة ، كل مرة كان بيرمي عليا اليمين وهو مش في وعيه كنت بأحس إني هاضيع ، وأضطر أركع تحت رجله وأسترجاه عشان يردني تاني وميرمنيش في الشارع بعيد عن إبني

جلس هو إلى جوارها ، ونظر لها بنظرات جادة قبل أن يآمرها ب :
-ششششش .. إنسي يا حبيبتي ، ده كان ماضي

نظرت له بتوتر ، وأمسكت بكف يده ، وقالت له:
-بس مهاب مش هايسكت
-بصي مهاب مركز مع ناريمان دلوقتي ، وإنتي عارفة هو أد ايه بيدور على مصلحته
-زيك برضوه !

ابتسم ممدوح لها إبتسامة مغترة ، ثم بنبرة متعجرفة نطق ب :
-لأ أنا غيره طبعاً ، ما إنتي عارفة يا قلبي
-أه يا روحي

ثم تأبط ممدوح في ذراع زوجته ، وغمز لها من زاوية عينه ، وبنبرة شبه ماكرة طلب منها :
-طب تعالي معايا نشوف نتائج التحاليل طلعوا ولا لأ
-وأوس ، والبنات ؟
-مش هايحصلهم حاجة ، دول عشراية بس وهانرجع تاني
-اوكي ..

خرج الاثنين من الغرفة تاركين الصغيرتين في عربة الأطفال وهما غافلتين ، وكذلك أوس الذي طرق الباب بعنف بقبضته الصغيرة حينما رأهما يخرجان سويا ، فصر على أسنانه في حنق :
-أنا بأكرهكم .. بأكرهكم ..!

تملكت العصبية من أوس وكان على وشك إحداث الفوضى بها ، ولكنه سمع صوت فتح باب الغرفة ، فتسمر في مكانه لوهلة ، وتوقف عن إصدار أي صوت ، وركز سمعه على الهمهات التي تصدر بالخارج ..
فتنبه إلى صوت والدته وهي تهمس ب :
-الله ! بلاش الحركات دي يا ممدوح ، ششششش.. أوس هنا
-طب يالا بقى ، مش عاوز أضيع وقت
-أوكي ، اسبقني وأنا جاية

ثم سمع صوت فتح الباب وغلقه مجدداً ، فإستشاط غضباً في مكانه ، ومن ثم سمع صوت والدته وهو يأتي من الخارج ب :
-حبيبي ، أنا هاروح أخلص شغل في المعمل وجاية على طول ، خد بالك من إخواتك ، ماشي

لم يجبْ عليها أوس ، بل ركل الأرض بعصبية .. وضيق عينيه أكثر ، وزم شفتيه بحدة ..

ظل أوس قابعاً في مكانه لعدة دقائق وهو يحاول التنفيس عن غضبه .. ثم سمع صراخ لإحدى الرضيعتين ، فنفخ في ضيق :
-أوووف ، إنتي صحيتي !

ثم تحرك بخطوات متثاقلة في اتجاه عربة الأطفال ، ولكنه تباطيء في حركاته حينما اشتم بأنفه تلك الرائحة الغريبة ، فإستدار برأسه للجانب ، ورأى تلك النيران المندلعة في الستائر المعلقة فحدق بعينيه بشدة بها ، وتراقص إنعكاس ألسنتها بطريقة غريبة في مقلتيه وكأنها تغيظه ، وتدريجياً تراجع بجسده للخلف في خوف ، ورغم هذا لم يطرف بعينيه ، ولم يهتز ، بل مكث على الأرضية في ثبات وتابع حركتها بهدوء مخيف ، ثم ثنى ساقيه وضمهما معاً بذراعيه ، وإستند برأسه على ركبتيه ، وأخذ يستنشق الدخان بغزارة إلى أن أصبحت الرؤية ضبابية ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والعشرون

تعلن طائرة شركة مصر للطيران عن وصول رحلتها القادمة من العاصمة الإيطالية روما إلى مطار القاهرة الدولي ، برجاء ربط الأحزمة ، وإلتزام المقاعد .. شكراً

أفاق أوس من شروده على صوت الميكروفون الداخلي بالطائرة ، فزفر في ضيق ، ونظر حوله بوجهه المكفهر ، ثم فك أزرار قميصه حتى منتصف صدره ، ومسح بكف يده قطرات العرق البارد التي تكونت على جبينه ، و صر على أسنانه في غضب وهو يحدث نفسه ب ..:
-بأكرهكم كلكم .. بأكرهكم ....!!!!!

سيطر هو على أنفاسه المتلاحقة حتى عاد للتنفس بإنتظام من جديد ، وراقب حركة توقف الطائرة بأعين كالصقر ، ثم حل وثاق حزام الآمان الخاص بمقعده ، ونهض على الفور من عليه - كمن لدغه عقرب للتو ، وجذب حقيبة صغيرة كانت موضوعة بالخزانة الخاصة به ، ثم سار في اتجاه باب الطائرة بوجه صارم للغاية ..

في شاليه عائلة الجندي ،،،،،

طرقت ناريمان باب غرفة ليان مرة واحدة قبل أن تدلف إلى الداخل وهي عابسة الوجه ، ثم ألقت نظرة على ابنتها التي جلست على طرف الفراش ، ومولية ظهرها إياها ، وشاردة بدرجة كبيرة

طرقت ناريمان بقدمها الأرض عدة مرات ، ولوت فمها وهي تنطق ب ..:
-إنتي كنتي فين ؟ عاجبك اللي باباكي عمله ده ؟ المفروض تردي على مكالماتي ، مش سيباني طول اليوم ومش سألة فيا ولا حتى بتاخدي إذني في حاجة !! ها ! كنتي فين ؟

لم تجبها ليان بل ظلت صامتة كالصنم مما جعل ناريمان تنفعل أكثر ، وتندفع في اتجاهها بغضب ، ثم أمسكتها من ذراعها وجذبتها عنوة من على طرف الفراش ، ونظرت لها بغيظ وهي تصرخ فيها ب ..:
-انتي مش بتحسي ؟ أنا بأكلمك من الصبح وانتي باردة مش عندك دم ولا إحساس باللي عملتيه

أشاحت ليان بذراعها بقوة لتتحرر من قبضتها ، ثم رمقتها بنظرات مهينة تحمل الإنكسار قبل أن تجيبها بصوت مختنق :
-هو يعني وجودي كان هايفرق معاكي في حاجة ؟
-بنت !
-روحي يا مامي عاتبي حد تاني غيري أنا

إنزعجت ناريمان أكثر ، وقطبت جبينها ، ثم بنبرة عصبية صاحت فيها ب ..:
-ليان !!! إنتي ازاي بتتكلمي بالأسلوب الوقح ده معايا ؟؟ أكيد أخوكي هو السبب ، طبعاً ما بيصدق يلاقي فرصة وآآ...

قاطعتها ليان بحدة وهي تهدر بصوتها المتشنج ب ..:
-بس بقى ، روحي شوفي نفسك الأول

صدحت ناريمان بغضب جم وهي تعتبها ب ..:
-آآ.. قصدك ايه ؟؟ انتي اتجننتي ؟ إزاي تتجرأي عليا كده ، ده أنا مامتك
-لأ ما اتجننتش ، روحي شوفي كنتي في حضن مين الأول قبل ما تيجي وتلوميني على اللي بأعمله
قالتها ليان بقسوة تامة وهي تنظر في عيني ناريمان مباشرة دون أن تطرف للحظة ..

في حين جحظت الأخيرة بعينيها في صدمة ، وتملكها الإرتباك ، واكتسى وجهها سريعاً بعلامات الذهول ، وابتلعت ريقها الذي جف بخوف ، ثم تابعت ليان حديثها الجاد ب ..:
-روحي قولي لأخويا كنت بتعمل ايه مع غيري وخلتني ضحية لغيره يلعب بيا
-هاه

أشارت ليان بإصبعها في وجهها وهي تصرخ ب :
-قبل ما تلوموني على أي حاجة بأعملها وتحاسبوني ، حاسبوا نفسكم الأول ، شوفوا عملتوا ايه .. يالا .. مستنية إيه ؟!!

صمتت لثوانٍ معدودة قبل أن تكمل بنبرة أكثر سخطاً :
-فكراني مخدتش بالي من الغراميات مع آنكل ممدوح ..

ثم نظرت إلى والدتها بإشمئزاز ، ولوت شفتيها في إستنكار صريح وهي تكمل عبارتها ب :
-كلكم مقرفين ، كلكم كدابين وغشاشين .. أنا بأكرهكم ، وبأكره نفسي ، وبأكره كل حاجة في العيلة دي

اقتربت منها ناريمان ، وأحاطتها بذراعيها لتضمها إلى صدرها وهي تآمرها بهدوء ب :
-اسكتي يا ليان ، اسكتي يا بنتي

دفعتها ليان بعنف وهي تتراجع خطوة للخلف ، ثم نهرتها ب :
-ابعدي ايدك عني ، ماتلمسنيش

أشارت ناريمان بكلتا يديها ، وحاولت أن تبدو هادئة وهي تبرر لها موقفها ب :
-إهدي طيب ، وأنا هاقولك الحقيقة ، أكيد إنتي فهمتي حاجة غلط ، أنا وآنكل ممدوح مجرد Friends ، وآآ ..

صرت ليان على أسنانها في غضب واضح وهي تقاطعها ب :
-أنا شوفتك بعيني ، عاوزة إيه تاني ، إنتي استحالة تكوني أم ، مافيش أم تعمل كده وبنتها معاها .. سبيني بقى .. سبيني واطلعي برا

تراجعت ناريمان للخلف في خوف وهي غير قادرة على إستيعاب ما قالته هي للتو .. ونظرت لها بنظرات زائغة ، كما إرتجفت شفتيها بشدة فوضعت كفي يدها عليهما ، وبدأت تعض أناملها من الرعب ، وهزت رأسها بطريقة لا إرادية وقد مر ببالها مقتطفات من ماضيها .......

هزت ناريمان رأسها بعصبية وهي تبكي بطريقة هيسترية على أحد الأَسِرةِ البيضاء في ذلك المشفى الخاص بإحدى الدول العربية والذي يعتبر والدها – الطبيب شوقى علام – شريك أساسي فيه ، ، وتعالت شهقاتها عالياً ، فحاول والدها تهدئتها ب :
-اهدي يا ناريمان ، إنتي أقوى من كده ، دي إرادة ربنا
-لأ .. مش ممكن ، إشمعنا أنا ؟؟
-شششش .. محدش يقدر يعترض على قضاء الله ، ودلوقتي في بدائل وآآ..

قاطعته بصوتها المختنق من كثرة البكاء :
-إزاي هتوافق يا دادي إنك تعمل كده ؟ ده أنا بنتك !

نظر لها بحزن ، وبصوت آسف أجابها ب:
-الموضوع فيه حياتك ، ودي اللي تهمني يا بنتي

ثم إلتفت إلى الجراح الشاب الواقف بجواره ، ونظر إليه برجاء قبل أن ينطق ب :
-ما تقولها يا د. مهاب ؟

تنحنح مهاب وهو مكور قبضة يده بالقرب من فمه ، ثم نظر بحذر ناحية ناريمان وبصوت هاديء ورخيم قال:
-يا آنسة ناريمان ، لازم نستأصل الرحم ، وكل تأخير في ميعاد العملية بيعرضك أكتر للخطر

-استحالة أوافق على كده ، انتو مش عارفين إن ده معناه ، إني آآ.. مش هاقدر .. آآآ..
ثم إختنقت الكلمات في حلقها ، وبكت بحرقة أكبر .. فزم مهاب فمه ، ونظر إلى الطبيب شوقي وهز كتفيه في حيرة ، فأطرق الأخير رأسه في آسى على ابنته ، ثم انصرف من الغرفة وهو يغمغم بكلمات غير مسموعة ...
في حين عاود مهاب النظر إلى ناريمان ، واقترب من فراشها ، ثم جلس إلى جوارها ، وأمسك بكف يدها ، وإحتضنه بين راحتي يده ، وبنبرة خافتة أردف ب..:
-متخافيش ، أنا هافضل معاكي ، إنتي في أمان بين ايديا
-إنت آآ...

تحدث مهاب بطريقة مراوغة وهو يضغط على كل كلمة وهو ينطق ب :
-أنا مش عاوزك تفكري في حاجة ، وصدقيني اللي جاي هايكون أفضل بكتير .. طول ما إنتي معايا ...!

ضيقت هي عينيها الدامعتين في عدم فهم ، ونظرت له بإستغراب ، فابتسم هو لها إبتسامة عادية ، وربت على كفها ورفعه إلى فمه وقبله بحنو و..:
-إنتي هاتكوني بخير .. هاتكوني بخير ...!

ثم مسح بكف يده الأخر وجنتها المبللة بالعبرات ، وهز رأسه بحركات بسيطة ليبث في نفسها الطمأنينة ..

راقبهما من الخارج الطبيب شوقي ، فتنهد في إرتياح ، وإعتلى ثغرة ابتسامة أمل ...

عودة للوقت الحاضر ،،،،،،

سار ممدوح على الشاطيء وهو ينفخ نيران غضب من صدره ، فكلمات مهاب كانت لها أكبر الأثر في إشعال ذلك البركان الخامد في صدره ..
لم يتوقف عن صر أسنانه ، ولا عن إطلاق السباب اللاذع طوال سيره ..
ثم لمح صَدَفة ملاقاة على الشاطيء ، فإنحنى بجذعه للأسفل ليلتقطها بيده ، ثم ألقاها بكل ما أوتي من قوة إلى داخل مياه البحر الداكنة ، وتحدث مع نفسه بصوت حانق ب :
-آه يا بن ال *** ، عملت كل اللي طلبته مني زمان ، ونفذتلك كل حاجة ، والوقتي بتعاملني كأني حيوان ومتطفل عليك ، وناسي إنتو خدتوا مني إيه ، وحرقتوا قلبي على بناتي ..

ضيق عينيه بقساوة ، ثم بنبرة متوعدة أردف ب :
-ماشي يا مهاب ال *** ، مش بالساهل إني أسيبك تتهنى في حياتك ...!!!

في شاليه ما بالساحل الشمالي ،،،

تغنجت لوزة بجسدها البارز من أسفل قميص نومها العاري ذي اللون الروز وهي تقف أمام المرآة ، ثم لمحت بضع آثار لإعتداء أوس عليها ، فتحسست تلك المواضع بأطراف أصابعها ، ثم عضت على شفتيها في ضيق ، وأشاحت بوجهها بعيداً عن المرآة ونظرت في اتجاه فارس الممدد على الفراش والممسك بالهاتف المحمول في يده ، ونظرت له بفضول وسألته :
-بتعمل ايه ؟
-بأظبط الفولدر بتاع صور المحروسة عشان أما أطبعهم وأبعتهم هدية للباشا في مكتبه
-أها .. طب سيبه وتعالى عندي
-طيب، أنا قربت أخلص أهوو

ثم عض على شفتيه بطريقة شهوانية وهو يتأمل صور ليان بتمعن شديد و..
-آآآآخ .. كانت بت جامدة فحت من فوق لتحت !!

-ماتتعدل يا فارس ..!!!!!
قالتها لوزة محذرة وهي تطلق شرارة حادة من عينيها

-مقصدش يا لوزة ، إنتي مالكيش زي ، بس برضوه ، الواحد بيموت في الحرام ، وحرام الجمال ده كان يتساي على طول من غير ما آآ...

هدرت هي به عالياً ب:
-أووف ، فارس

إنتفض فزعاً في مكانه ، وألقى بالهاتف إلى جواره ، ونهض عن الفراش وهو يجيبها بنبرة شبه خائفة ب:
-ماشي ، ماشي ..!

في منزل تقى عوض الله ،،،،

أفاقت تقى من نومها على صوت والدتها الذي يأتي من خارج الغرفة ب :
-يا تقى ، إنتي يا بت ، اصحي إحنا بقينا الضهر

تثاءبت هي بهدوء ، ثم فتحت عينيها بتثاقل وهي تتمطع بجسدها المرهق في الفراش ، ثم اعتدلت في نومتها ، وأجابتها بصوت ناعس :
-حاضر يا ماما ، هاغسل وشي واجيلك
-انجزي طيب

خرجت تقى من الغرفة وهي ممسكة بمنشفة قديمة في يدها ، ونظرت في إتجاه والدتها ، ورسمت على شفتيها إبتسامة عذبة ..
لم تنظر لها فردوس ، بل إنحنت بجسدها على تلك الخزانة القديمة لتخرج حذائها منها ، وبصوت جاف أردفت ب:
-عاوزة ألحق أنزل السوق أجيب خضار منه ، وبعدها هاطلع على المصنع ، البت زينات قالتلي إنها كلمت الأسطى حسين عني ، ووافق إني أرجع تاني بس هايخصم مني اسبوع

اتسعت حدقتي عين تقى في فرحة وهي تنطق ب :
-بجد يا ماما ؟ ده خبر حلو أوي

زمت فردوس ثغرها للأمام ، ووضعت إحدى قدميها بداخل ( فردةٍ ) من حذائها القديم ، و بنبرة يائسة قالت :
-يا رب تكون صادقة بس في كلامها ، وماتكونش بتسرح بيا ، أنا مش ناقصة غلب أكتر من كده

وقفت تقى إلى جوار والدتها ، وجثت على ركبتيها لتلمع حذائها بطرف كم قميصها ، وبصوت متفائل تحدثت ب:
-إن شاء الله هايطلع كلامها جد وربنا هيكرمنا
-إن شاءالله

في نفس التوقيت سمعت كلتاهما صوت قرع جرس باب المنزل ، فأشارت فردوس لإبنتها بعينيها لتذهب ناحيته وهي تآمرها ب :
-افتحي الباب ، تلاقيها خالتك إجلال جاية تشار علينا ، صبحي عليها عقبال ما أربط الطرحة دي بدبوس
-طيب
أومأت هي برأسها موافقة ، ثم سارت حيثما أشارت ...

تهادت تقى في خطواتها وهي تتجه نحو الباب ، ثم ألقت بالمنشفة القديمة على كتفها ، ورسمت على شفتيها إبتسامة رقيقة وهي تفتح مقبضه ..
ولكن .. سرعان ما تلاشت تعابير وجهها المشرقة ، وتحول للذبول ، وإختفت الدماء الدافئة من عروقها ليحل محلها الشحوب ، وإسودت عينيها فجأة بعدما إتسعتا من الصدمة ، وإرتجفت شفتيها الصغيرتين في رعب واضح .. ودب الفزع في خلايا جسدها المنهك ، وبدأت ترتعش بشدة ، وتتنفس بصعوبة ....

-إيييه يا تقى !! كنتي مفكراني هاسيبك بالساهل كده
قالها أوس بثقة وهو ينظر لها بقسوة ، وإبتسامة تحدي تظهر من بين أسنانه ...

أولته تقى ظهرها ، وكانت على وشك الركض بخطوات متعثرة تجاه غرفة أمها وهي تحاول الصراخ مستغيثة بها ، ولكنها تسمرت في مكانها حينما رأتها تقف خلفها ومسلطة أنظارها عليه ، فتنفست الصعداء ، وشعرت إلى حد ما بالإرتياح .. ثم أسرعت ناحيتها ، وإختبئت خلفها ، ونظرت إليه بتوجس ..

ولج أوس إلى صالة المنزل بخطوات متمهلة ، وجاب ببصره المكان ، ونجح في إيصال مشاعر التأفف من حالتهما البائسة لهما ...

حدجته فردوس بنظرات قوية ، وبنبرة حادة صرخت فيه ب :
-جاي هنا ليه يا بيه ؟ عندك سرقة جديدة ومش لاقي حد تتهمه بيها ؟

ابتسم لها أوس من زاوية فمه في تهكم ، ولم يعقبْ ..
في حين ابتلعت تقى ريقها في خوف ، ونظرت إليه بذعر من أعلى كتف والدتها ..

تحركت فردوس خطوة ناحيته ، وظل وجهها مكفهراً ، وبصلابة قالت له :
-لو معندكش حاجة تقولها يبقى تتفضل من غير مطرود

لم ينظر أوس إلى فردوس ، بل سلط أنظاره على تقى المذعورة ورمقها بنظراته الغامضة .. ثم ببروده المعتاد أولاها ظهره ، ونظر إلى الأريكة المتواجدة بالقرب من باب المنزل ، وسار في اتجاهها ..

وقف أوس أمام الأريكة ، ثم إنحنى قليلاً بجذعه ليمسح عليها بأطراف أنامله ، ثم نفخ في الغبار العالق بإصبعيه بطريقة مستفزة .. ومن ثم جلس على الأريكة وأراح ظهره للخلف، وإستند بمرفقيه على مسنديها ، ومن ثَم وضع ساقه فوق الأخرى بطرقة واثقة للغاية ...

زفرت فردوس في ضيق ، ونظرت إليه شزراً وهي تنطق ب :
-يا بيه عاوز إيه مننا تاني ؟

إبتسم أوس إبتسامة شيطانية ، وهز ساقه بحركة ثابتة ، ثم نظر لفردوس نظرات مطولة ذات مغزى ، و بنبرة ماكرة بادر ب :
-مسألتيش نفسك إنتي خرجتي إزاي من المصيبة اللي كنتي فيها ؟

فغرت فردوس شفتيها في حيرة واضحة ، وإستدارت برأسها نصف إستدارة ناحية تقى ، ثم عاودت النظر إليه ، وسألته بجدية :
-قصدك ايه ؟ مش .. مش إنت اتنازلت عن المحضر !

-أها
هز أوس رأسه موافقاً ، ثم أنزل ساقه ، وشبّك كفي يده معاً ، وآمال جذعه للأمام ونظر إلى فردوس بحدة وهو يتابع بغموض ب:
-بس مسألتيش برضوه نفسك إيه اللي خلاني أعمل كده ؟!

صمت هو للحظات قبل أن يكمل بنفس الثقة ب :
-يعني مش معقول أنا من النوع اللي بأسيب حقي ببساطة ، أكيد هايكون في مقابل !

ثم سلط عينيه على تقى ، وغمز لها بطرف عينه بطريقة مريبة قبل أن يوجه حديثه لها ب :
- ولا إيه رأيك يا تقى ....
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثلاثون

في المشفى الحكومي العام ،،،،،

وصل الشيخ أحمد ومعه رشيد إلى استقبال ذلك المشفى المجاني ليطمئنا على حالة العامل سيد الذي إحترق وجهه ..
تنحنح رشيد بصوت متحشرج قبل أن ينطق ب :
-هاروح أدفع التذاكر يا شيخنا
-استنى يا بني
قالها الشيخ أحمد وهو يضع يده في جيب ( قفطانه ) ليخرج مبلغاً من المال منه ، ثم مد يده المتكورة نحوه ، ودس في كفه المال ، وهو يتابع ب :
-روح إدفع تمنهم بدول

ابتسم له رشيد قائلاً :
-كتر خيرك يا شيخنا
ثم إنصرف مسرعاً في اتجاه نافذة دفع تذاكر الدخول للمشفى ، ولكن كان هناك صفاً طويلاً أمام النافذة ، فزفر في غضب ، وغمغم ب :
-حتى دي كمان فيها طوابير ..!

تعهد الشيخ أحمد بتحمل نفقات علاج العامل سيد من جيبه الخاص ، ولم يدخر وسعه في إبلاغ أهل الخير بمساعدة عائلته وفي الإنفاق عليهم ريثما يتعافى ..
أمسك هو بمسبحته بأطراف أصابعه ، وأخذ يحركها بثبات وهو يتمتم بخفوت ، ثم قرر أن يتجول في أروقة المشفى حتى يعود إليه سيد ، ولكنه توقف في مكانه حينما مرت عيناه على لافتة صغيرة أعلى جهة اليمين مدون عليها عبارة صغيرة فقرأها بصوت مسموع ب :
-عنبر الكسور للرجال .. ربنا يشفي ويعافي كل مريض ..

قرر الشيخ أحمد أن يدلف إلى داخل العنبر ليلقى نظرة سريعة على من فيه لعله يمد يد العون لمن يحتاج إلى ذلك .. شعر هو بغصة في حلقه ، وإنقباضة في قلبه بسبب حال معظم المرضى البائسين والمتواجدين على الآسرة الغير آدمية ..
تأسف هو كثيراً لرؤيتهم على تلك الوضعية ، ورجى الله أن يجعله سبباً في مساعدتهم
ثم رفع كفي يده بالدعاء لهم جميعاً ، وما إن إنتهى حتى مسح على وجهه براحتيه ، وتنهد في آسى ، وأطرق رأسه للأسفل وهو يحدث نفسه ب :
-تولاهم يا رب برحمتك
ثم إستدار ليتجه للخارج ، ولكنه تسمر في مكانه حينما رأه أمامه مسجى على الفراش الجانبي وفي حالة يرثى لها .. ظن في البداية أنه شخص آخر ، فنظر له بتفحص شديد وبتمعن أكبر - وتعابير وجهه شبه مصدومة لرؤيته – ليتأكد من هويته .. ثم قال بنزق :
-عم عوض .... !

في منزل تقى عوض الله ،،،،

إنتفضت تقى في مكانها مذعورة حينما سمعته يوجه حديثه الخبيث لها ، وهو يرمقها بنظراته اللئيمة ، فإبتلعت ريقها بصعوبة ، وحادت ببصرها عنه ، ونظرت في اتجاه والدتها التي كانت تحدق بها هي الأخرى .. لقد جف حلقها حقاً من هول إفتراءاته ....

وبصوت قاتم وهي متجهمة الوجه تسائلت فردوس ب :
-قصدك ايه يا بيه بكلامك ده ؟؟

-هو سؤالي فيه حاجة مش واضحة ؟
سألها أوس ببرود تام وهو يوزع نظراته الحادة ما بين فردوس وتقى ..

اقتربت منه فردوس ، ونظرت له بصرامة قبل أن تسأله مجدداً ب :
-وضحلي يا بيه معنى كلامك ده ، معلش ماهو أنا فهمي على أدي !

اتسعت إبتسامة أوس الماجنة قبل أن يجبيها بمكر ب :
-تفتكري إيه المقابل اللي بنتك عملته و خلاني أتنازل بسهولة عن محضر سرقة كان ممكن يوديكي في مليون داهية

جحظت مقلتي عين فردوس وقد فهمت ما الذي يرمي إليه أوس الجندي بكلامه المنتقى بعناية .. في حين إنقبض قلب تقى بشدة ، فهي متيقنة أن عباراته تلك تتضمن مغزى سيء النية نحوها ..

أخذ هو نفساً مطولاً ، وزفره على مهل ، ثم فك تشابك أصابعه ، ونهض عن الأريكة ، ووضع كفي يده في جيبي بنطاله ، ومن ثم وقف قبالة فردوس ، ونظر من أعلى كتفها إلى تقى المرابطة في الخلف ، وحدها بنظراته المخيفة ، وبكل ثقة سألها ب :
-مش ناوية تيجي تروقي مكانك يا تقى في قصري ؟
-هاه
قالتها فردوس بصوت مدهوش للغاية وهي محدقة بعيني أوس الجامدة والمسلطة في آن واحد على إبنتها ..

في حين تابع هو ب :
-ده سريري زي ما هو ، مطرح ما كنتي نايمة عليه جمبي طول الليل .. ده أنا حتى مخلتش عفاف تقرب من الأوضة عشان تيجي انتي تكملي شغلك فيها ، ما إنتي عرفاني بقى مش بأحب حد يقصر في شغله معايا ، ولا حد يكمل شغل حد ..!!!!!!

لم تصدق فردوس إذنيها وهي تستمع إلى تلك الكلمات التي تمس عرض إبنتها ، فصرخت فيه عالياً ب :
-إنت .. إنت بتقول ايه ؟؟؟!!!

ثم أمسكت به من ياقة قميصه وأخذت تهزه بعنف وهي تهدر ب :
-بنتي متعملش كده
-لأ عملت
أجابها أوس وهو يزيح يديها بكل برود عن ياقته

ثم تحرك في اتجاه تقى ونظر لها مباشرة ، وسألها بنبرة غليظة ب :
-تقدري تنكري إنك جيتي تشتغلى عندي عشان خاطر أمك ؟ لأ ونمتي في أوضتي ، وجمبي على السرير ، وآآ..

قاطعته تقى وهي تلوح بعصبية بيدها في الهواء ، وصرخت هادرة ب :
-بسسسسس .. حرام عليك ، أنا معملتش ده ، أنا وافقت أشتغل غصب عني خدامة عندك ، ليه بتفتري عليا ؟!

-هو أنا عملت حاجة لسه فيكي
ثم مط فمه للأمام في استنكار زائف قبل أن يكمل وهو يغمز لها ب :
-مممممم .. الظاهر إنك خايفة تقولي لأمك عن اللي عملتيه معايا ، بلاش طيب كده .. مش هاتقدري تنكري إنك قضيتي الليل كله لوحدك وإنتي آآآ... إحم ..!

اتسعت حدقتي عينها أكثر في صدمة وهي غير مصدقة لتلميحاته الكارثية ، فقالت بعنف :
-إنت ايه شيطان ؟ والله العظيم إنت أسوأ من الشيطان نفسه ..!!!!
-مممم.. ماشي أنا شيطان ، بس تنكري إني بعت معاكي ال security أحمد عشان يوصلك البيت

فغرت تقى شفتيها في صدمة، ونظرت إلى والدتها بنظرات مرتجفة وحاولت أن تتحدث ولكن ألجمت المفاجأة لسانها ، فخرج صوتها متلعثماً ب :
-هاه .. آآ.. أحمد !

وقفت فردوس هي الأخرى في حالة إندهاش تام ، وراقبت الجدال الدائر بينهما لبرهة قبل أن تندفع كالمغيبة في اتجاه ابنتها التي تفاجئت بملامح وجهها المحتقنة والحمرة البارزة من عروقها ، فأيقنت أن أمها على وشك الإنفجار ...
مدت فردوس يدها لتقبض على رأس إبنتها ، ولوتها بعصبية للأسفل ، فتأوهت تقى من الآلم وأغمضت عينيها ، وتوسلت لها راجية ب :
-يا ماما استني اسمعيني الأول

لم تمهلها فردوس الفرصة لكي تبرر موقفها ، بل صفعتها على وجنتها بيدها الأخرى عدة مرات متتالية وهي تعنفها ب :
-ازاي تعملي كده يا **** يا بنت ال *** ..!!!!!

توسلت تقى لها بصوت مختنق من البكاء ب:
-آآآه .. قسماً بالله أنا مظلومة ، اسمعيني بس ، آآآآآه ، آآآي .
-يا شيخة كنتي سيبني أموت ولا أولع ، ولا إنك تفرطي في نفسك يا رخيصة

حاولت تقى أن تخلص فروة رأسها من براثن أمها وهي تصرخ ب :
-محصلش ، أنا زي ما أنا والله ، صدقيني يامه

تشنجت فردوس أكثر وإنفعلت على ابنتها ، وصرخت غاضبة فيها ب :
-ده أنا بأقطع من لحمي وأديكي ، وبأطفح الكوتة عشان أحافظ عليكي لحد ما يجي اللي ياخدك ويريحني من همك ، وإنتي يا بنت ال*** تعملي كده

إنتحبت تقى وتعالت شهقاتها الممزوجة بأنينها وهي تترجى والدتها ب :
-كدب والله العظيم كدب!

-كدب يا زبالة يا **** ، ده أنا شيفاكي يومها وإنتي نازلة من التاكسي ومكونتيش على بعضك
قالتها فردوس وهي تصفع وتضرب إبنتها على مواضع مختلفة من جسدها بإنفعال زائد ..

ضحك أوس بطريقة مستفزة وشعر بالتسلية الرهيبة هو يتابع الاشتباك الدائر بينهما ، ثم تدخل في الحوار ، و بنبرة تحمل اللوم الزائف تحدث قائلاً :
-شوفتي يا تقى ، يعني أمك بنفسها شافتك في التاكسي ، ومش بعيد الحارة كلها كمان .. ده كلام !!

تعالت صراخات تقى أكثر وهي تحاول الدفاع عن نفسها أمام والدتها من إتهامات أوس الباطلة ، ولم تكف فردوس هي الأخرى عن صب جام غضبها عليها .....

وعلى إثر ذلك الصوت الرهيب ، فتحت الجارة إجلال باب منزلها ، وإشرأبت برقبتها محاولة معرفة ما الذي يدور في الجوار ، وحدثت نفسها عالياً ب :
-يا ساتر يا رب ، إيه الصريخ والصويت ده كله ، في ايه بالظبط ؟

وحينما لم تتمكن من الرؤية بوضوح عقدت العزم على :
-أنا رايحة أشوف في ايه ! لأحسن تكون حصلت نصيبة جديدة عن دوسة ! لطفك يا رب

واربت إجلال باب منزلها ، وعدلت من وضعية حجابها المنزلي ، وركضت بخطواتها البطيئة ناحية منزل تقى ..
وقفت هي على عتبة المنزل تنظر بذهول لما يحدث ، ثم شهقت في خوف حينما رأت فردوس تعتدي على إبنتها بالضرب ، فلطمت على صدرها و..:
-يا لهوي بالي ! في ايه يا فردوس ؟

ثم ولجت مسرعة في اتجاههما ، وحاولت أن تحول بين الاثنتين ، وتفض الإشتباك وهي تقول :
-سيبي البت يا فردوس ، دي هاتموت في ايدك
-يا ريتها تموت الواطية ال ***** ..!

نظرت تقى بتوسل للجارة إجلال وهي تحاول تجنب ضربات والدتها المتلاحقة ، وبصوت منتحب رجتها ب :
-آآآآه .. إلحقيني يا خالتي إجلال ، والله ما عملت حاجة !

أمسكت إجلال بذراعي فردوس ، وحاولت تخليصها تقى منها وهي تنطق ب :
- لا حول ولا قوة إلا بالله ، ده شيطان والله اللي دخل بينكم ، استهدوا بالله كده ، الجيران والحارة هيتفرجوا عليكم

صرخت فيها فردوس مستنكرة ب :
-سبيني عليها يا إجلال ، سبيني أموتها وارتاح

-صلي على النبي كده وإهدي
قالتها إجلال وقد تمكنت من إبعادها نوعًا ما عن تقى .. في حين حاولت الأخيرة أن تلتقط أنفاسها المتلاحقة من أثر بكائها المرير بسبب آلام تلك الضربات عليها ..

ابتسم أوس بشماتة وهو يرى كيف إستطاع ببضعة كلمات بسيطة أن يرى تعذيب تلك البائسة وتحطيمها ، وإفساد ما بينها وبين أمها في أقل من دقائق ..
رأت تقى تلك النظرات الحقودة والمدمرة في عينيه ، فتملكها الغضب الشديد وقررت أن تنتقم لشرفها ولسمعتها التي تلطخت منه ، فوجهت أنظارها نحو المطبخ

في نفس التوقيت سمعت الجارة أم بطة صوت الصراخ وهي تعد طعام الإفطار لإبنتها فنظرت من الشرفة وحاولت أن تستشف ما الذي يحدث وهي تسأل نفسها ب :
-في ايه ياخواتي ؟ مين اللي بيصوت كده على الصبح

وقفت جارة أخرى في الشرفة المقابلة في البناية المجاورة ، وأجابتها ب:
-الظاهر إن فردوس بتتخانق مع بنتها

مط أم بطة شفتيها للأمام ، وبنبرة مهتمة تابعت ب :
-والنبي غلبانة البت دي ، مش بتخلص من أمها

أجابتها جارتها بفتور واضح ب :
-تلاقيها بس قلت أدبها عليها ففردوس مخلصهاش وبتربيها

هزت أم بطة رأسها بخفة وهي تجيبها بعدم إكتراث ب :
-أها

إستندت تلك الجارة على مرفقيها على حافة سور الشرفة ، ثم تسائلت بإهتمام ممزوج بالفضول وهي ترفع حاجبها ب :
-المهم عروستنا القمر عاملة ايه مع عريسها ؟

أجابتها أم بطة بهدوء وهي تعقد رباط حجابها ب :
- والله ما اعرف لسه ، أنا يدوب كنت بأحضرلها فطار العرايس ورايحة أشأر عليها

إعتدلت الجارة في وقفتها بالشرفة ، وبإبتسامة مصطنعة على وجهها الممتليء قالت :
-طب سلميلي عليها أوي لحد ما أجي بنفسي أباركلها وأنقطها

بادلتها أم بطة إبتسامة مجاملة قبل أن تتشدق ب :
-يوصل يا حبيبتي ، نجاملك في الفرح إن شاء الله ..!

ثم خرجت من الشرفة لتكمل تجهيز صينية الطعام الشهي لإبنتها بطة ...

في منزل تقى عوض الله ،،،،

توقفت تقى عن البكاء ، وإشتعلت عينيها كجمرتين من الجحيم ، فهي لم تقابل في حياتها من كان بمثل تلك الخسة والدناءة ...
ركضت هي في اتجاه المطبخ وقد إنتوت أن ترد له الصاع صاعين فوراً ..
جابت تقى ببصرها المكان بحثاً عن سكين ما ، وبالفعل وجدت واحد منهم موضوعاً بالحوض وسط الصحون ، فجذبته بيدها ، وقبضت عليه بأصابعها بشدة ، وصرت على أسنانها بقسوة ، ثم بتوعد عنيف هدرت ب..:
-والله لأقتلك ، هاقتلك يا حيوان ...!

ثم إندفعت خارج المطبخ ووجهها متصلب للغاية ، وعينيها تنطقان بالشرر المتطاير ، واتجهت صوبه حينما وجدته يقف في منتصف صالة منزلها عاقد لساعديه أمام صدره ، وما زاد من إستفزازها هي تلك الأبتسامة الوضيعة على ثغره ..
إهتاجت هي بإنفعال شديد ، ولم تعد قادرة على السيطرة على نفسها ،فرفعت يدها القابضة على السكين عالياً في الهواء ، وصرخت عالياً وهي تركض نحوه ب :
-هاقتلك ، إنت اللي زيك مش لازم يعيش أبداً

تنبهت كلاً من فردوس وإجلال لصوت تقى ، وتسمرت كلتاهما في مكانهما من هول الصدمة ..
في حين إزداد أوس ثقة بنفسه وهو يرى كيف تحاول تلك الذليلة الكَسِيرة الوقوف أمام جبروته ..

أرخى أوس ساعديه عن صدره ، ومال بجذعه للجانب ليتفادى ضربتها الموجهة إلى صدره حينما حاولت هي طعنة بكل ما أوتيت من قوة ..
كررت تقى المحاولة وهي تصر بقسوة بالغة على أسنانها ، ولكن تلك المرة لم تستطع ، حيث باغتها أوس ،و قبض على معصمها ، وضغط عليه بأصابعه فآلمها بشدة .. ورغم هذا لم تتخلْ عن السكين ...
نظرت مباشرة في عينيه ولم تطرف للحظة ، فرأى أوس تلك النظرات القاتلة فيهما ، فابتسم بعنجهية ، وقال بإستخاف :
-برافو .. أنا كده هاتغر في نفسي .. إيه يا تقى ؟ هاتقتليني مرة واحدة ؟؟؟ طب اتعلمي الأول إزاي تمسكي السكينة كويس

تلوت تقى بمعصمها محاولة جعل نصل السكين يلامسه ، ولكنها فشلت .. وبكل ثقة ومهارة جذب أوس السكين من أصابعها ، وأمسك به بيده الأخرى ، وقربه من وجهها ، وبنبرة ساخرة أردف ب :
-هي دي اللي عاوزة تموتيني بيها ؟

ثم زم شفتيه في استنكار ، وهز رأسه متعجباً ، وغمز لها قبل أن يتابع بنفس الصوت الساخر ..:
-مش حلوة خالص !

ألقى أوس السكين على الأرض ، وأمسك بمعصم تقى الأخر ، وضمهما معاً .. وقربها نحوه ..
في حين نظرت هي إليه بذعر جلي ، وإرتجفت بشدة وقد باءت خطتها بالفشل الذريع ..
رمقها هو مجدداً بنظراته المتعالية ، ولم يحيد بعينيه عنها ، ثم بغطرسة واضحة قال لها :
-قولتهالك قبل كده ، مش بالساهل تخلصي مني يا تقى

نظرت هي له بيأس جلي وهي تحاول التملص منه ، بينما إزداد هو غرور وثقة في نفسه ، ولكن تشنجت تعابير وجهها فجأة ، وعضت على شفتيها بطريقة غريبة ، ثم أغمضت عينيها وضغطت عليهما بطريقة مريبة وكأن شيئاً ما أصابها ، ومن ثم أصدرت أنيناً مكتوماً ب :
-آآآآه .. آآ..

ضيق أوس عينيه في حيرة ، ونظر لها بتفرس محاولاً فهم ما الذي بدل حالها فجأة ، ولكنه إنتبه إلى صوت صراخ الجارة المتواجدة معهم من الخلف ب :
-ليه يا فردوس قتلتيها ، لييييييييييه ...

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الأول الفصول 21-30 للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الحادي والعشرون

حاولت تقى أن تركض في اتجاه والدتها ولكن لم تسعفها قدمها المصابة .. فصدحت عاليا و...
-تقى بنبرة مرتفعة : يا ماما .. يا ماما !!!
انتبهت لها فردوس ، ونظرت حيث مصدر الصوت ، فرأت ابنتها و...
-فردوس وهي تضيق عينيها في استغراب : تقى ...!

إرتمت تقى في أحضان والدتها ولفت ذراعيها حولها وأسندت رأسها على كتفها و....
-تقى بصوت شبه مختنق : ياااه يا ماما ، لو تعرفي أد ايه أنا كنت مفتقداكي .. آآآه يا ماما .. ده الدنيا من غيرك وحشة أوي ، والبيت من غير وجودك فيه كان زي القبر

لم تستوعب فردوس في البداية ما الذي أصاب ابنتها ، وماذا حدث لساقها ، وكيف صارت هكذا ، ولكنها حقا كانت تشتاق إليها هي الأخرى ، لذا ضمتها إلى صدرها وربتت على ظهرها في حنو شديد و....
-فردوس بصوت دافيء : وإنتي كمان يا بنتي

تنهدت تقى في ارتياح واضح ، ثم أغمضت عينيها المنهكتين ، وتسللت عبرات -رغما عنها - من مقلتيها و....
-تقى بخفوت : ربنا ما يحرمني منك أبدا يا أمي

-أحمد بصوت هاديء من خلفهما : حمدلله على سلامة الحاجة يا آنسة تقى ...!

فتحت تقى عينيها في صدمة ، ثم أبعدت رأسها عن كتف والدتها ، واستدارت برأسها نصف استدارة ناحيته لتجده على مقربة من كلتاهما ، وعلى وجهه تلك الابتسامة السخيفة ، و....
-تقى بضيق : انت لسه هنا ؟؟!!

حدجته فردوس هي اﻷخرى بنظرات غريبة ، ثم مطت شفتيها قليلا للأمام ، ومن ثم نظىت لابنتها بنظرات قوية و....
-فردوس بنبرة جامدة : مين ده يا بت ؟!
-تقى بتلعثم : ده ... آآ.. ده
-أحمد بحماس : أنا السيكورتي بتاع الباشا اللي شغالة عنده اﻵنسة

رفعت فردوس أحد حاجبيها في ذهول ، واكتسى وجهها بعلامات التساؤل والحيرة و....
-فردوس بإندهاش : شغالة ..!!!!

مد الحارس أحمد يده ناحية فردوس ليصافحها ، ولكنها نظرت إلى يده الممدودة إليه شزرا ، ولم تبادله التحية .. فشعر هو بالحرج منها ، وسحب يده سريعا للخلف و....
-أحمد وهو بتنحنح بخشونة : احم .. طيب الحمدلله إن حضرتك بخير ، أنا كده اقدر أطمن على تقى ... آآ... قصدي الآنسة تقى .. فهستأذنكم بقى أشوف اللي ورايا:

نظرت كلتاهما إليه بنظرات ما بين قوية وحادة ، فابتسم نصف ابتسامة لهما ، و...
-أحمد بصوت هاديء : عن اذنكم .. سلامو عليكم

ثم تنحنح مجددا وهو يسير في الاتجاه المعاكس ، وإرتسم على وجهه ابتسامة عذبة مليئة بالتفاؤل ..
بينما قطبت فردوس جبينها ، وظلت متجهمة الوجه .. لوت تقى شفتيها وأدركت أن والدتها لن تجعل الأمر يمر مرور الكرام ، فعبوس وجهها هو خير دليل على صحة ظنونها ، ولكن ما باليد حيلة .. فهي لم تخطيء ، ولم ترتكب من اﻷفعال ما يجعلها تشعر بالخجل ، ولكنها تعلم أن والدتها من النوع الذي لا يمرر أي شيء دون محاسبة .. لذلك بادرت هي و..
-تقى بصوت خافت ويحمل القليل من اﻹرتباك : ماما .. آآ.. أنا كنت عاوزة أقولك .. آآ..
-فردوس مقاطعة بصرامة : ششششش ... مش عاوزة أسمع حاجة الوقتي ، لينا بيت نتكلم فيه يا .. يا بنت بطني ....!!

هنا إزدادت حدة التوتر لدى تقى ، فهي لا تعلم ما الذي تفكر فيه والدتها والتي ظلت صامتة طوال طريق العودة إلى المنزل .. ورغم هذا لم يتوقف عقلها عن التفكير لثانية واحدة ، فهي تريد أن تعرف ما الذي فعلته ابنتها في غيابها ؟ وكيف استطاعت أن تجد وظيفة بتلك السرعة في ظل تلك الظروف الغير هينة ؟ وكيف يوصلها شخص غريب عنها إلى منزلها ؟ وما الذي أصاب قدمها ؟ وكيف أصبحت هيئتها شبه مزرية ؟ عشرات الأسئلة كانت تدور في رأسها ..

أما تقى فقد كانت تنظر إلى والدتها بين الحين واﻷخر بقلق محاولة سبر أغوار عقلها ، ومعرفة ما الذي تفكر فيه .. هي متيقنة أن رأسها مشحون بالكثير والكثير من اﻷسئلة عنها ،ومع ذلك ظلت تذكر نفسها أنها لم تخطيء ، و أنها فعلت الصواب من أجل أمها فقط .....

وصل الحارس أحمد إلى أول الطريق ، ثم أخرج هاتفه المحمول من جيبه ، وعاود الاتصال بالمدبرة عفاف و.....
-أحمد هاتفيا بنبرة عادية غير مبالية : أيوه يا استاذة عفاف
-عفاف هاتفيا بحدة : إنت فين يا أحمد ؟؟؟ ده أنا بقالي فترة باتصل بيك
-أحمد بهدوء : كنت بوصل تقى ، ما حضرتك عارفة !
-عفاف بنبرة شبه آمرة : طب تعالى بسرعة ، الباشا أوس بيسأل عنك

اكتسى وجهه سريعا بعلامات التوجس والقلق ، ورفع حاجبيه في إندهاش ، ورفع يده عاليا ووضعها على رأسه ليحكها في حيرة و.....
-أحمد متسائلا بنبرة متوترة : اييييه !! الباشا بيسأل عني !! طب ليه؟!
-عفاف بصوت قلق : معرفش ، بس حاول تيجي بسرعة ، ده قالب الدنيا عليك

إزدادت نسبة القلق لديه ، زفر في توتر ، ثم ......
-أحمد بنبرة مضطربة : ربنا يستر ، أنا في الطريق
-عفاف بإيجاز : طب يالا
-أحمد بتلهف : على طول اهووو ...

ثم أشار بيده ﻹحدى سيارات اﻷجرة ، ثم ركبها سريعا وطلب من السائق إيصاله إلى وجهته المنشودة ....

في منزل تقى عوض الله ،،،،

فتحت فردوس قفل المنزل ، وأمسكته في يدها ، ثم ولجت إلى الداخل ، ولحقت بها تقى بخطوات متهاودة ثم .....
-تقى بنبرة حذرة : آآ... ماما !

لم تلتفت إليها فردوس بل ظلت مولبة إياها ظهرها وهي مكفهرة الملامح و....
-فردوس بضيق : عاوزة ايه ؟
-تقى بصوت خافت ومتلعثم : احم .. آآ.. أنا .. كنت عاوزة أقولك إني آآ...

استدارت فردوس بجسدها في اتجاه ابنتها ، وحدجتها بنظرات قوية بعد أن ضيقت عينيها و...
-فردوس بصوت حاد : قولي اللي عاوزاه

إرتبكت تقى أكثر وبدأت تتصبب عرقا باردا .. لم تعرف من أين تبدأ حديثها .. في حين عقدت والدتها ساعديها أمام صدرها ، و.....
-فردوس بصوت قوي : ما تنطقي يا بت ! ولا بتدوري على كدبة جديدة
-تقى بتلهف : أبدا والله يا ماما
-فردوس بنبرة غليظة : اومال ساكتة ليه ؟ اتنيلي قوليلي كنتي فين وشكلك متبهدل كده ليه ؟؟

ثم أشارت بيدها لقدم ابنتها المصاب و...
-فردوس متابعة بإنفعال : ورجلك دي اتعورت من ايه وآآ...
-تقى مقاطعة بخفوت : يا ماما أنا روحت اشتغل عشان خاطرك والله ، عشان اعرف اطلعك من الحبس

وعلى ما يبدو فوالدتها لم تقتنع بما تقول ، ولم تكف عن رمقها بالنظرات المنزعجة ، و....
-فردوس بجدية وهي ترفع أحد حاجبيها : مقولتيش برضوه رجلك حصلها كده من ايه ؟
-تقى بنبرة شبه خائفة : اصل انا دوست على ازاز ورجلي اتجرحت
-فردوس متسائلة بجمود : ودوستي عليه كده من الباب للطاء ؟
-تقى بتلعثم : آآ.. لا .. ما .. ماهو انا وقعت الحاجة من ايدي وأنا شغالة في المطبخ
-فردوس بجدية : مطبخ !! انتي كنتي بتشتغلي ايه ؟!
-تقى بخفوت وهي مطرقة الرأس : خدامة
-فردوس بصدمة : اييييييه ؟؟؟؟؟؟!!!!

اكتسى وجه فردوس بحمرة الغضب ، وإزداد إنعقاد ما بين حاجبيها ، و...
-فردوس بإنفعال جلي : ما تنطقي يا بت انتي ، هو أنا هاخد الكلام بالعافية منك
-تقى بنبرة مرتعدة : والله مش زي ما انتي فاهمة ، ده أنا كنت بساعد ست كبيرة في شغل المطبخ وآآ...
-فردوس مقاطعة بصرامة : معدتش في شغل خلاص ، انا جيت وبصحتي ، ومن بكرة هارجع المصنع تاني
-تقى بنبرة آسفة : مش هاينفع يا ماما
-فردوس بتهكم : ليه إن شاء الله ، كنت ناقصة إيد ولا رجل
-تقى بنبرة حزينة : مش كده خالص ، بس خالتي زينات وسعدية جوم من يومين هنا وبلغوني إن رئيس العمال آآ... آآ...

صمتت هي لثانيتين لتستجمع شجاعتها ، وأخفضت عينيها للأسفل و....
-تقى بصوت حزين : هو .. هو .. استغنى عنك ...!!

فغرت فردوس شفتيها في صدمة ، واتسعت عينيها في ذهول ، و .....
-فردوس بنبرة مشدوهة : هاه ... ليه ؟

اقترب تقى من والدتها ، ووضعت يدها على كتفها و....
-تقى بصوت رقيق : ان شاء الله هتلاقي احسن من الشغل ده

أبعدت فردوس كف يد ابنتها عن كتفها ، وسريعا تبدل وجهها للصرامة مرة أخرى ، وحدجتها بالنظرات الجامدة ، و....
-فردوس بنبرة ضائقة تحمل التحذير : مالكيش دعوة بيا ، ومن هنا ورايح مافيش شغل تاني ، وكلامي يتنفذ باﻷمر ، انتي فاهمة ؟!
-تقى وهي توميء برأسها : حاضر

أرادت تقى أن تسأل والدتها ذاك السؤال الذي يحيرها ويشغل بالها منذ أن رأتها اليوم .. فابتلعت ريقها و...
-تقى بصوت هاديء ورقيق : ماما هو انا ممكن أعرف انتي خرجتي إزاي ؟
-فردوس بنبرة فظة : جرى ايه يا بت هو انتي مفكرة إن أمك حرامية وسرقت زي الولية اللي ما تتسمى ، أديني خرجت زي ما الناس بتخرج ، ولا تكونيش كنتي عاوزاني أفضل محبوسة عسان تدوري على حل شعرك
-تقى بنبرة شبه مرتجفة : ماقصدش والله يا ماما ، بالعكس ده انا فرحانة اوي إنك خرجتي ، وعقبال بابا وخالتي لما يرجعوا هما كمان ، أنا بس مستغربة من إن ..آآ...
-فردوس مقاطعة بضيق : يوووه بطلي رغي وهري على الفاضي ، وروحي غيري هدومك دي

ثم نظرت فردوس إلى عباءة ابنتها بتفحص أكبر ، وأيضا إلى ( الشبشب ) الرجالي الذي ترتديه و...
-فردوس متسائلة بصوت شبه محتقن وهي تشير بأصابعها : ألا صحيح ايه اللي بهدل هدومك كده ؟
ابتلعت تقى ريقها مجددا ، نظرت إلى حيث أشارت والدتها ، و...
-تقى بتلعثم : ده ... ده من الشغل و....

في تلك اﻷثناء قرع جرس باب المنزل ، فنظرت كلتاهما إليه ، و.....
-فردوس بصوت آمر : خشي إنتي جوا ، وأنا هاروح أشوف مين ده كمان اللي جاي الوقتي
-تقى بنبرة اقرب للهمس : حاضر

تنفست تقى الصعداء ، حيث أراحها قرع الجرس من عناء محاصرة والدتها لها باﻷسئلة ، فهي لم تعد قادرة على الرد بسبب الإنهاك النفسي والارهاق البدني الذي مرت بهما خلال اليومين المنصرمين .....

توجهت فردوس ناحية باب المنزل لترى من الطارق ، فوجدت جارتها الطيبة السيدة إجلال وهي تحمل في يديها صينية كبيرة مغطاة بمفرش صغير و....
-إجلال بصوت دافيء وعلى وجهها ابتسامة صافية : أنا قولت انتو اكيد هاتكونوا تعبانين ومش هتقدروا تطبخوا ، فأنا جهزتلكم حاجة كده بسيطة على ما أوسم
-فردوس بنبرة ممتنة : كتر خيرك يا إجلال ياختي ، ماكنش ليه لزوم والله تتعبي نفسك
-إجلال بنبرة حماسية : تعب ايه بس ، هو أنا عملت حاجة .. افتحي بس الباب

فتحت فردوس الباب على مصرعيه لكي تسمح لجارتها بالمرور بالصينية ، ثم تناولتها من يديها و...
-فردوس بصوت هاديء وممتن : والله الواحد ما عارف يودي جمايلك دي فين
-إجلال بضيق زائف : برضوه هتقولي جمايلي .. يا ولية ده احنا عشرة عمر ، والجيران لبعضيها

وضعت فردوس الصينية على الطاولة التي تتوسط الصالة ، و...
-فردوس وهي توميء برأسها : عندك حق فعلا ، ربنا يديم المحبة بينا
-إجلال بصوت رقيق : أمين

ثم ربتت هي على ظهر فردوس ، و....
-إجلال بنبرة عادية : هاسيبك بقى تاخدي راحتك وأروح اشوف الحاجات اللي ورايا
-فردوس بإصرار : تمشي بس ، اقعدي كلي معانا
-إجلال وهي تبتسم : سبقتك من بدري يا حبيبتي ، خليكي انتي بس في نفسك ومع بنتك ، وعقبال يا رب ما نبارك رجوع عم عوض وتهاني
-فردوس بصوت راجي : ياااااا رب أمين

تبادلت كلتاهما قبلات الوداع على وجنتيهما ، ثم رافقتها هي إلى باب المنزل ، وتوجهت بعدها إلى غرفتها وهي تنادي ابنتها و...
-فردوس بصوت عالي : أما تخلصي اطلعي كلي ، خالتك إجلال عملت اﻻكل وجبتهولنا
-تقى بصوت مبحوح من داخل غرفتها : حاضر !

في قصر عائلة الجندي ،،،،

توقف سائق اﻷجرة أمام البوابة الخارجية لقصر الجندي ، وترجل منها الحارس أحمد وهو يتلفت حوله بريبة محاولا تخمين ما يحدث و....
-أحمد لنفسه بتوجس : في حاجة غلط

أسرع أحمد في اتجاه زميله الحارس جمال الذي كان مشغولا بالحديث في اللاسلكي ، و....
-أحمد بنظرات مترقبة ، وصوت جاد : هو في ايه يا جمال ؟

رمقه اﻷخير بنظرات معاتبة قبل أن يتشدق ب.....
-جمال بصوت آمر : تعالى معايا
-أحمد متسائلا بتوجس : أجي معاك فين ؟؟

لم يمهله الحارس جمال الفرصة حيث قبض عليه من ذراعه بقوة ، فتعجب أحمد مما يفعله زميله ، وضيق عينيه في حيرة ، و.....
-أحمد بصوت منزعج للغاية : الله انت ماسكني كده ليه ؟ ما تكلم يا جدع

أشار الحارس جمال بيده لاثنين أخرين من الحرس ، فركضوا في اتجاهه وأمسك ثلاثتهم به وقيدوا حركته ، فحاول هو أن يقاومهم ويتحرر منهم ، ولكنه للأسف كان عاجزا أمام قوتهم الجسمانية ، و....
-أحمد متسائلا بخوف : يا جدعان في ايه ؟؟ انتو بتعملوا كده ليه فيا ، ده انا أحمد زميلكم ،ده احنا أكلين عيش وملح سوا
-جمال بصوت فاتر : ماهو عشان العيش والملح ده ، فإحمد ربنا إنك لسه ماشي عفى رجلك

ثم قام الثلاثة بدفع أحمد دفعا إلى داخل القصر ، ومن ثم قادوه إلى أقصى الحديقة الخلفية حيث يوجد الجراج الخاص بالسيارات ..
كان أوس ينتظرهم هناك وهو واضع كلا يديه في جيبي بنطاله الأسود الداكن ، أما أزرار قميصه الكحلي فكانت مفتوحة لمنتصف صدره ..
تسرب الرعب إلى أوصال أحمد حينما لمح طيف رب عمله من بعيد ، وبدى الفزع جليا في مقلتيه ... فهو يعلم علم اليقين بصفاته الفجة والقاسية في التعامل مع الغير ، ولذا كان يتجنب - هو وزملائه - إغضابه بأي حال من اﻷحوال ..

كان يدور في رأسه الكثير من الأسئلة أهمها هو ما الذي أخطأ في فعله لكي يستدعيه إلى هنا بتلك الصورة المرعبة ..
أرخى الثلاثة أيدهم عنه ودفعه بقوة للأمام ، فسقط على ركبتيه و إستند بمرفقيه على اﻷرض ، ونظر بأعين زائغة نحو أوس و...
-أحمد بصوت مرتجف : خير.. خير يا باشا !!

تنهد أوس بقوة ، ثم ضرب اﻷرض بقدمه بقوة وهو يسير نحوه ، ولم يطرف للحظة بعينيه القاسيتين إلى أن وقف قبالة الحارس ...
ابتلع أحمد ريقه الذي جف لأكثر من مرة ، بلل شفتيه المتشققتين بطرف لسانه ، و ...
-أحمد بذعر : أنا.. أنا .... آآ..

انحنى أوس بجذعه للأمام فجأة ، ثم أمسك بقبضتيه بتلابيب أحمد وجذبه للأعلى ، وحدجه نظرات قاتلة ونارية ، و...
-أوس بنبرة جامدة : شغلك هنا عندي انتهى خلاص
-أحمد بتلعثم ونظرات مرتعدة : بس أنا .. أنا معملتش حاجة
-أوس بنبرة قاسية وهو يصر على أسنانه : كون إنك تيجي جمب اللي يخصني يبقى ملكش لازمة عندي

ثم أرخى أوس قبضتيه عن ياقته ،وضرب بهما بقوة على كتفيه ، فشعر أحمد بأصابعه القوية تؤلمه ، و...
-أحمد بنبرة خافتة وهو يحاول كتم آلامه : اللي ...آآ.. اللي تشوفه يا باشا .. محدش بيموت من الجوع ، ده اﻷرزاق على الله

أبعد أوس قبضتيه عن كتفي أحمد ، ثم وضع يده على طرف ذقنه وضربه بخفة كأنه يمزح معه و...
-أوس بهدوء قاسي : صح .. محدش بيموت من الجوع ..!!!!

ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية ، ولمعت عينيه بقسوة ، و....
- أوس متابعا بصوت قاتم يحمل الوعيد : بس بيموت من حاجات تانية ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثاني والعشرون

في قصر عائلة الجندي ،،،

أمسك أوس بتلابيب الحارس أحمد ، ثم لكمه بقوة في وجهه عدة مرات مما جعل الدماء تسيل من بين أسنانه ، ومن أنفه ، ولم يحاول الأخير الدفاع حتى عن نفسه ، بل ظل يتأوه من اﻵلم و......
-أحمد بصوت مختنق : آآه .. طب ليه بس يا باشا كل ده ؟! آآه...!!

أفرغ أوس شحنة غضبه بالكامل فيه ، ثم حدجه بنظرات مميتة و....
-أوس وهو يزمجر غاضبا : محدش يستجري ياخد حاجة مني ..!!!!
-أحمد بصوت مكتوم : آآه .. والله ما سرقت يا باشا .. اس.. اسأل حتى الحراسة وآآ...
-أوس مقاطعا بحنق : كون إنك تفكر بس في اللي يخصني ده لوحده يقضي على عمرك

ثم ثنى هو ركبته ، وركله أسفل معدته مما جعله يصرخ من اﻵلم ، ولم يمهله الفرصة للتأوه بل باغته بضربات قوية متلاحقة أسقطته على اﻷرض ..فتركه وهو ينفض يده من الدماء التي لطختها ، ثم وجه بصره نتحية الحرس ، و....
-أوس بصرامة : مش عاوز أشوف الخلقة دي تاني هنا قدامي
-جمال وهو يهز رأسه موافقا : أوامرك يا باشا

ثم أشار بعينيه نحو أحمد المسجى على وجهه و...
-أوس بصوت آمر : الكلب ده يترمي بعد ما تربوه

وبالفعل اقترب الثلاث حرس من أحمد ، وكالوا له من الركلات ما جعله يتنفض بفزع وهو يصرخ عاليا ب....
-أحمد بصوت مبحوح : آآآه .... كفاية ... آآآه

لم يصغ أي أحد لصراخه بل ظلوا ينهالون عليه بالضرب المبرح ..

تركهم أوس يكملون عملهم معه ، ثم أمسك بهاتفه الذي ظل يرن في جيبه ﻷكثر من مرة ولكنه تجاهله ريثما ينتهي من أحمد ...
وضع هو الهاتف على أذنه ، و....
-أوس هاتفيا ببرود : في ايه يا عدي ، مش أنا قولتلك روح الشركة وأنا لما هاخلص هاجي
-عدي هاتفيا بجدية : في مشكلة كده لازم انت بنفسك اللي تاخد القرار فيها

قطب هو جبينه ، وانتبه بكل حواسه لما يقول وهو يسير مبتعدا عن حرسه ...
-أوس بجدية : مشكلة ايه ؟
-عدي بقلق : مش هاينفع تتحكي .. حاول تيجي يا أوس

زفر هو في ضيق ، ثم ......
-أوس بإقتضاب : ماشي ، أما أشوف .....!

في منزل تقى عوض الله ،،،،

تناولت تقى الطعام مع والدتها في صمت ، وإن صح التعبير هي كانت فقط تحرك فمها وكأنها تلوك الطعام ، ولكنها حقا كانت فاقدة لشهيتها إلا أنها إدعت أنها تأكل فقط لتتطمئن على أن والدتها طبيعية معها ...
قطعت فردوس ذلك الصمت ب....
-فردوس بفتور : أنا من بكرة هنزل أدور على شغل بدل اللي فات

أومأت تقى برأسها موافقة دون أن تنظر إليها .. فتابعت هي ب....
-فردوس بنفس النبرة الفاترة : وهحاول اسأل عن أبوكي في الحواري اللي حوالينا يكون حد شافه كده ولا كده

رفعت تقى رأسها ونظرت إلى والدتها بنظرات جادة و....
-تقى متسائلة بإهتمام : طب وخالتي تهاني ؟

تركت فردوس الملعقة ، وزفرت في انزعاج واضح و...
-فردوس بصوت ممتعض : أكيد يعني مش نسياها ، هدور عليها واسأل الجيران .. وربنا يعترنا فيها
-تقى بنبرة راجية : يا رب أمييييين

مضغت تقى بعض الطعام الذي دسته في فمها ، و...
-تقى متسائلة بعشم : تحبي أساعدك يا ماما ؟
-فردوس بنبرة ساخطة وهي ترمقها بنظرات ساخرة : تساعديني ازاي يعني وانتي مكسحة كده ؟؟!!
شعرت تقى أنها فقدت الجزء الضئيل المتبقي من شهيتها ، فأخفضت رأسها في حزن ، وظلت تحرك ملعقتها في صحنها الممتليء بالطعام ، بينما تابعت فردوس حديثها الجاف و..
-فردوس بنبرة متهكمة : خليكي بس مركزالي في شغل البيت ، ومالكيش دعوة بأي حاجة تانية .. أنا مش ناقصة أشيل هم فوق همي اللي ما بيخلصش
-تقى بصوت حزين ، ونظرات منكسرة : حاضر...

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،،

مد أحد اﻷشخاص يده بملف ما أسود اللون وهو ينظر بحذر في اتجاه أوس الجالس على رأس طاولة الاجتماعات ، و...
-المحامي بصوت هاديء : دي العقود يا فندم

أمسك أوس بالملف ، ثم سنده بعدم اهتمام أمامه ، وقام بفتحه والعبث في الأوراق الموجودة بداخله ليلقى بنظرات خاطفة على أهم بنوده ...
راقب المحامي ردود أفعاله وحاول أن يستشف قراره .. لكن كان من المستحيل التنبؤ بتصرفاته ..
بينما تابع عدي ما يدور في صمت ... فهو متيقن من وجود مشكلة ولن تمر مرور الكرام ...

نظر أوس في اتجاه المحامي ، و...
-أوس بصوت قاتم : تتلغى العقود دي فورا

ارتسمت علامات الدهشة على وجه المحامي ، ورفع كلا حاجبيه في صدمة ، و...
-المحامي فاغرا شفتيه : هااااه

ثم نظر في اتجاه عدي كأنه يستنجد به ، ولكن جذب انتباهه صوت أوس القوي ، و....
-أوس بجمود يحمل التهكم : فيه ايه كلامي مش واضح ؟ ولا انت سمعك تقل ؟!!!

تنحنح المحامي في حرج ، وابتلع ريقه سريعا و...
-المحامي بنبرة قلقة : لا يا فندم سمعت ، بس.. بس ده معناه احتمال وجود خسارة لينا

ضرب هو بكف يده على الطاولة ، ونظر للمحامي بنظرات حادة و....
-أوس بحنق : مش مهم ، أنا محدش يكسر كلامي مهما كان ، ويخالف أوامري من غير ما يتحاسب
-عدي بهدوء حذر : اهدى بس يا أوس ، مافيش داعي للتسرع ، احنا محتاجين نفكر بهدوء ، فمتخدش المواضيع قفش ، وآآ...
-أوس مقاطعا بصرامة : عدي ! انت عارف كويس إني ماقبلش حد يلوي دراعي حتى لو كان مين !!!
-عدي بنبرة هادئة : بس انت عارف إن ده عمك سامي .. وهو آآ....

-أوس مقاطعا بجدية : عمي مش عمي ، هو هيتعامل زي الغريب ، في شروط وتعاقدات وهو خالفها .. يبقى يشرب ، وأنا قسما بالله هأعرفه هو مين
-عدي بنبرة مهتمة : طب أنا عندي اقتراح ممكن يعوض خسارتنا ، ايه رأيك لو نتواصل مع التوكيل الرئيسي في ايطاليا و...
-أوس بنبرة متصلبة : انت قولت اللي ناوي اعمله ، أنا مش هاسيب رقبتي تحت رحمة حد ، وهاعرف عمي سامي مين هو أوس الجندي ، وإن مش أنا اللي يتلعب معايا اللعبة ( الوسخة ) دي ...!!!!
-عدي بصوت آجش : تمام متفقين ، أنا هاخلي السكرتيرة تجهز كل حاجة ، وتحجز التذاكر وتخلصلنا إجراءات السفر
-أوس بجدية : تمام .. أنا عاوز أخلص من الموضوع ده في ظرف يومين بالكتير خليني أشوف مصالحي التانية
-عدي متسائلا بفضول : مصالح ايه ؟!
-أوس بنبرة فاترة : حاجات متخصكش ..خليك بس مركز في سفرنا
-عدي بإيجاز : أوكي ..اللي يريحك

نهض أوس عن مقعده ، ثم أولى الاثنين ظهره ، ووضع يديه في جيبي بنطاله ، وحدق مباشرة أمامه في الفراغ ، و.....
-أوس لنفسه بتوعد : هما يومين بس يا تقى هاسيبك فيهم تشمي نفسك وتحسي باﻷمان ، بس بعد كده هاتيجي راكعة تحت رجلي ، وأبدأ أنا مهمتي معاكي ......!!!

في اليوم التالي ، قضت فردوس نهارها في البحث عن زوجها وأختها ، وسؤال كل من يقطن بجوارهم في الحواري واﻷزقة القريبة عنهما .. وكذلك لم تنس السؤال عن وظيفة شاغرة متاحة تناسبها ، ولكنها للأسف لم توفق في مسعاها ..
ورغم حالة اﻹنهاك والتعب والضيق المسيطرة عليها إلا أنها لم تكل أو تمل ، وظلت تجوب الطرقات هنا وهناك ....

في منزل الجارة أم بطة ،،،،،

لم تتوقف أم بطة عن إطلاق الزغاريد ، ولا عن التباهي بعرس ابنتها الذي سيقام الليلة في الصوان الكبير الذي ينصب حاليا أسفل البناية ..
-أم بطة بصوت جهوري : يالا يا بنات .. يالا يا حبايب ، كل يهيص ويرقص ، ده فرح ست البنات النهاردة
-إحدى الجارات متسائلة بلكنة شعبية للغاية : هي العروسة هاتروح الكاوافيرة امتى ؟
-جارة ما متسائلة بفضول شديد : على كده أم العريس هاتيجي معاها ؟!
-أم بطة وهي ترفع أحد حاجبيها في ضيق : اه جاية
-جارة أخرى بنبرة لئيمة : طب خدي بالك بقى بدل ما تعمل حاجة في بنتك !

رفعت أم بطة حاجبها في توجس ، وزمت شفتيها في امتعاض ، و...
-أم بطة على مضض : تعمل ايه فيها ؟ يا شيخة قولي كلام غير ده
-جارة أخرى بصوت ماكر : هو انتي مش عارفة الحموات وألاعيبهم
-أم بطة بنبرة غليظة : بقولك ايه سيبي بنتي في حالها ، هي حرة في حياتها ، وتصطفل مع حماتها ، هي بقت ملزمة منهم
-جارة اخرى بنبرة شبه حرجة : أنا مقصدش ، أنا غرضي آآ...

-أم بطة بحدة وهي تشير بإصبعها : يووه قفلي ع الهري ده كله وخلينا نشوف البت واللي ورانا .. أنا مش ناقصة حد يأطم فيا ويبكتلي
-جارة أخرى وهي تلوي فمها : خلاص يا حبيبتي ، هي كانت نصيحة لوجه الله
-أم بطة بنبرة متأففة : لا تنصحيني ولا أنصحك .. فضيناها

ثم استدارت برأسها نحو بقية النسوة ، ولوحت بكلتا يديها في الهواء و...
-أم بطة بصوت عالي : سمعوني الزغاريط يا نسوووااان .. لووولوووووولي

وبالفعل سادت أجواء البهجة والزغاريد في أرجاء المنزل

في منزل تقى عوض الله ،،،

عادت فردوس إلى منزلها بعد أن أنهكها السير طوال اليوم على قدميها بحثا عن زوجها وأختها ، وكذلك عن وظيفة تقتات منها ، فألقت بجسدها على اﻷريكة ، وظلت تزفر في إرهاق ...
في نفس الوقت كانت تقى قد إنتهت لتوها من تنظيف المنزل وإعادة ترتيبه ..
اقتربت هي منها ، ووقفت خلفها ، ثم ربتت على ظهرها ، و....
-تقى متسائلة بإهتمام : ها يا ماما في جديد ؟!
-فردوس بصوت منهك : ﻷ مافيش
-تقى بنبرة رقيقة وخافتة : ربنا يسمعنا خير عنهم يا رب
-فردوس بإقتضاب : يا رب

ثم أخذت نفسا مطولا ، وزفرته مجددا في تعب ، و...
-فردوس بلهجة آمرة وهي تشير بإصبعها : طب قومي حطي الأكل عقبال ما اتشطف
-تقى وهي توميء برأسها : حاضر

ثم سارت هي في اتجاه المطبخ ، وقبل أن تدلف داخله ، استدارت نصف استدارة بجسدها ، وتنحنحت في رقة ، و....
-تقى متسائلة بحذر : ماما.. آآ.. هو أنا ينفع أروح فرح بطة ؟

عبست فردوس بوجهها ، وقطبت جبينها بشدة ، و....
-فردوس بحنق : هو إنتي معندكيش دم ؟؟ عاوزة تحضري افراح وترقصي وتزيطي واحنا عندنا النصايب دي كلها

ثم وضعت كلتا يديها على فخذيها ، وضربتهما لاكثر من مرة في ضيق واضح ، و....
-فردوس متابعة بصوت متشنج : اه طبعا وإنتي هاتجيبي الاحساس منين ولا هاتشيلي المسؤلية إزاي وانتي ولا همك
-تقى بصوت شبه مختنق : والله العظيم أبدا .. انا بس كنت عاوزة أباركلها وأمشي
-فردوس بحنق : لا تباركي ولا تنيلي .. اقفلي على السيرة دي ، جتك وكسة تاخدك ..!!!

مطت تقى شفتيها في حزن ، وأطرقت رأسها للأسفل ، ثم ولجت إلى الداخل ...

في الساحل الشمالي ،،،،،،

تجنبت ليان الجلوس مع والدتها وصديق العائلة ممدوح قدر المستطاع ، فهي تشعر بالخزي من كلاهما .. وفي نفس الوقت لم تكف عن الاتصال بفارس الذي كان يتعمد تجاهلها ليضمن خضوعها التام له ...
سارت هي بجوار الشاطيء ، وركلت بقدمها الرمال البيضاء ، وشردت في الأمواج المتلاطمة ..
راقبتها رفيقتها جايدا باستغراب ، و...
-جايدا بصوت هاديء : هاي.. ليووو ، انتي روحتي فين ؟
-ليان وهي تزم شفتيها في تأفف : مافيش
-جايدا باستغراب : مافيش ازاي ، ده انتي شكلك stressed على الاخر
-ليان وهي تزفر في انزعاج : اوووف .. أنا مخنوقة
-جايدا متسائلة في فضول : مخنوقة من ايه ؟

-ليان بضيق : من كل حاجة ؟
-جايدا بنبرة هادئة : طب ما تقوليلي
-ليان بإنفعال واضح : يوووه .. بليز جودي .. انا مش حابة أحكي اي حاجة
-جايدا بحماس : طب ايه رأيك نروح نغير جو ، ده في نايت جديد فاتح ، وبيقولوا ده حكاية
-ليان بنبرة غير مبالية : I don't care ( مش فارق معايا )

تنهدت هي مجددا في حزن ، ونظرت إلى شاشة هاتفها في ضيق ، و .....
-ليان وهي تهمس لنفسها : انت فين يا فارس .. أنا محتاجاك أوي أوي ..!!!

رمقتها رفيقتها بإندهاش شديد ، و....
-جايدا بإستغراب : إنتي بتكلمي نفسك ولا إيه ؟
-ليان بنبرة مرهقة : عادي .. never mind !!!

في مكان آخر بالساحل الشمالي ،،،،

تمدد ممدوح على المقعد المخصص للسباحة ، ووضع قبضتي يده خلف رأسه ، ونظر إلى ناريمان الجالسة بجواره بنظرات فخر ، و...
-ممدوح بنبرة ماكرة : ايه رأيك ؟
-ناريمان بتوجس : تمام .. بس .. بس ده ممكن يأذيه في شغله؟
-ممدوح بنبرة مغترة : لا أذية ولا غيره ، مش كل اللي يهمك انه يتلهي عنك ، وانا عملت ده في تكة ، ها مبسوطة ؟
-ناريمان بتنهيدة ارتياح : اها ... كده تمام ، طالما هايشليني من دماغه ولو حتى يومين أنا مرتاحة ..
-ممدوح بثقة : وعمه سامي ماستناش يدوب مكالمة مع وعد بصفقة كان تحت ضرسي
-ناريمان وهي تغمز له بلؤم : طلعت مش سهل يا حبيبي
-ممدوح بإبتسامة تباهي : اومال ايه .. ولسه !

ثم مال برأسه ناحيتها ، ونظر لها بنظرات جريئة و...
-ممدوح بخفوت : مش هاتدلعيني بقى يا نيرموو
-ناريمان بدلال : أكييييد ..
-ممدوح وهو يشير لها بعينيه : طب يالا
-ناريمان بابتسامة مجاملة : اوكي

ثم نهض كلاهما مبتعدين عن المقاعد و تبادلا كلمات خافتة ، وسارا في اتجاه الشاليه الخاص بممدوح ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثالث والعشرون

في الساحل الشمالي ،،،،

أسندت ليان رأسها على صدر فارس الذي إتكأ بمرفقيه على الرمال الذهبية ، ثم تنهدت هي في حزن ، وأغمضت عينيها ، و...
-ليان بخفوت : ماتسبنيش تاني يا فارس ، اوعى تبعد عني
-فارس بنبرة رومانسية : حاضر

مدت هي أصابع يدها لتلامس صدره بعد أن فتحت عينيها ، و....
-ليان بصوت شبه حزين : أنا معنتش بأثق في اي حد خلاص

أمسك فارس بكف يدها ورفعه إلى فمه وقبله في حنو زائد ، و نظر إليه بعينين ناعستين ، و....
-فارس بصوت رخيم : مش عاوزك تقلقي يا حبيبتي طول ما أنا جمبك .. انا مش هاسيبك .. انتي عمري كله !

ثم قبلها مجددا من يدها ، فنظرت إليه بنظرات رومانسية ، فتابع هو حديثه ب...
-فارس بنبرة خافتة : وقريب اوي هانكون سوا وللأبد ، بحبك يا ليوو ....!!

ثم أحاطها بذراعيه وضمها إليه.. فشعرت بالدفء يسري في روحها الهائمة، وفجأة فتحت ليان عينيها لتجد نفسها غافلة على أحد المقاعد الخاصة بالشاطيء، فتنهدت في حسرة فقد كان ما رأته مجرد حلم عابر تمنت لو تحقق فعلا ووجدت الحضن الذي يحتويها فتشعر معه بالآمان ....

في منزل الجارة أم بطة،،،

توالت الاتصالات الهاتفية منذ مطلع هذا اليوم لتهنئة بطة بزيجتها وخاصة من رفيقاتها المقربات منها ومن زميلاتها في المدرسة الثانوية الصناعية .. فهي أصغر عروسة ستزف إلى عريسها الليلة ..
ورغم الفرحة البادية على كل صديقاتها إلا أنها كانت تشعر بعدم اكتمال فرحتها .. هي لا تعرف السبب ، ولكن يخالجها شعور غريب بأن اﻷمور تمت على عجالة ..
قطع تفكيرها رنين الهاتف مجددا ، فأجابت على المتصل وهي تدعي السعادة ...
ومن بين تلك المكالمات الهاتفية ، مكالمة من زميلتها الخلوقة هاجر ..

كانت هاجر قد أخبرت والدها عن زيجة صديقتها - والتي كانت تماثلها في العمر - فانزعج الأخير من اﻷمر ، وأخبرها بأن هذا غير قانوني وبه مخالفات .. فأرادت هاجر أن تبلغ صديقتها بما قاله والدها .. وبالفعل هاتفتها و..
-بطة هاتفيا بنبرة جادة : انتي واثقة من اللي بتقوليه ده ؟
-هاجر هاتفيا بنبرة هادئة : ايوه .. بابا موصيني أقولك عشان تخدي بالك

فركت بطة جبينها بكف يدها ، ثم ابتلعت ريقها في قلق ، و.....
-بطة بتوجس : طب .. طب المفروض أنا اعمل ايه ؟؟
-هاجر بصوت رقيق : حاولي تتكلمي مع مامتك .. يمكن هي مش واخدة بالها
-بطة بنبرة حائرة : ما انتي عارفة امي مش من السهل يتقالها حاجة زي كده وتقتنع على طول
-هاجر بهدوء : الصراحة مامتك صعب اوي
-بطة وهي تلوي شفتيها في امتعاض : يعني انا كده لازم اتصرف واشوف حل مش بس مع امي لا مع عبده كمان.

-هاجر بإيجاز : بصراحة ايوه
-بطة بضيق : يبقى مش هاوصل لحاجة
-هاجر متسائلة بجدية : ليه بس ؟ انتي بس اقنعي مامتك وهي يمكن تلاقي الحل وتأجل الجوازة شوية
-بطة بتهكم : تأجل الجوازة .. يبقى انتي متعرفيش امي ..
-هاجر بصوت هاديء : ربنا معاكي يا بطة ويحلها من عنده.

-بطة متسائلة برجاء : طب انتي ماينفعش تجيلي يا هاجر وتكلميها معايا ، يمكن ده يفرق
-هاجر بنبرة آسفة : والله لو كانت ظروفي تسمح كنت جيتلك .. بس انتي عارفة الوضع ازاي عندي !!
-بطة بضيق : اه عارفة .. يا ريتك كنتي موجودة .. كان زمانك ساعدتني في الهم اللي أنا فيه ده
-هاجر بنبرة حزينة : معلش يا بطة ، غصب عني والله
-بطة بنبرة يائسة : مايهمكيش .. انا هاتصرف
-هاجر برجاء : ربنا يكرمك

انهت بطة المكالمة مع هاجر وهي في حيرة واضحة من أمرها ، زفرت في انزعاج ﻷكثر من مرة ، و..
-بطة بصوت جاد للغاية : اعمل انا ايه الوقتي ؟؟؟

في منزل تقى عوض الله ،،،،،

تنهدت تقى في إرهاق وهي تحاول النهوض من على فراشها ، ثم رفعت قدمها اليمنى للأعلى قليلا لتتفحصها .. و...
-تقى بخفوت لنفسها : أما اشوف الجرح إن كان لم ولا لسه

نزعت هي بحذر الرباط الطبي الذي يلف قدمها وهي تصر على أسنانها خشية أن تصدر أي صوت ، ثم تلمست بأطراف أصابعها مكان الجرح و ..
-تقى بصوت متآلم : آآه .. ده لسه زي ماهو .. انا محتاجة اغير الشاش ده وأحط حاجة تانية مكانه

أنزلت قدمها بهدوء ..وسارت على طرف كعبها وهي تحاول ألا تلقي بثقل جسدها عليه ..
-تقى بنبرة راجية : يا رب هون واشفيني

توقفت تقى أمام خزانة الملابس ، وفتحت ضلفته ، وعبثت في محتوياته بحثا عن قطعة قماش نظيفة لتضمد بها قدمها .. ثم أخرجت مرهما طبيا من أحد اﻷدراج الداخلية ، و إستندت بظهرها على الخزانة وقامت بلف قطعة القماش بعد أن وضعت المرهم و...
-تقى بهدوء : يا رب تيجي بفايدة

-فردوس بنبرة مرتفعة : أنا نازلة شوية تحت ومش هتأخر، ماتفتحيش لحد ، ماشي يا بت ؟
انتبهت هي إلى صوت والدتها العالي الذي يأتي من خارج غرفتها و...
-تقى بنبرة عالية : حاضر
-فردوس بصوت آمر : وماتنسيش تنقعي الفول في المياه بعد ما تنقيه
-تقى بصوت مرتفع : طيب

ثم سمعت صوت غلق باب المنزل ، فتنهدت في تعب و...
-تقى بإرهاق : يا معين يا رب ، ده أنا لسه عاوزة اعمل الغسيل وأروق الصالة وآآ....!!

في منزل الجارة أم بطة ،،،،،،

ظلت بطة تجوب الغرفة ذهابا وإيابا وهي في حالة عصبية وفي حيرة من أمرها ... فوالدتها تريد تزويجها فقط لتتخلص من عبئها ، وبالتالي لا يشكل أي فارق معها إن كانت ستصبح سعيدة في حياتها القادمة أم لا ...
وقفت هي أمام التسريحة ذات المرآة المكسورة وتأملت نفسها ، و...
-بطة بغرور : وربنا أنا خسارة في الفقري ده

ثم مطت شفتيها وتغنجت بجسدها و...
-بطة بثقة : ده أنا أعجب الباشا .. بس لولا الظروف

تنهدت في انزعاج وصدى كلمات رفيقتها يتردد في عقلها ، وحاولت ان تجد لها مبررات مقنعة و...
-بطة بصوت حائر : ماهي أمي برضوه معذورة هاتصرف على مين ولا مين ..

ولكنها تذكرت تصرفات إحسان الوقحة معها فتملكها الانزعاج ، و....
-بطة بضيق : كله كوم والولية دي كوم تاني .. اوووف .. يا ساتر يا رب عليها ..!!!

مطت شفتيها في استهجان وغمغمت بخفوت ثم توجهت للشرفة لتلمح تقى وهي تعلق الملابس المغسولة على الحبال ، فحدقت بها بنظرات مطولة و....
-بطة لنفسها بجدية : طب ما البت تقى ظروفها اسوأ مني وأمها مجوزتهاش اشمعنى أنا يعني ؟؟!! ﻷ وهي كمان أكبر مني !!!

إستندت هي بكف يدها على زجاج الشرفة ، و حدقت في الفراغ بعد أن اشتدت ملامح وجهها صرامة و...
-بطة بنبرة عازمة : انا لازم اتصرف واشوف آآ....

في تلك اﻷثناء ولجت أم بطة لداخل الغرفة وهي تحمل كومة من الملابس المطوية ، ونظرت إلى ابنتها بإستغراب ، و...
-أم بطة بنبرة متعجبة : انتي بتكلمي نفسك يا بت ؟

انتبهت لها بطة ، فأنزلت ذراعها ، واستدرات بجسدها للخلف ، وارتبكت ملامحها وترددت في إخبار والدتها بما يجيش في صدرها ...
وضعت أم بطة الملابس بداخل الخزانة ، و...
-أم بطة بنبرة حماسية : يالا يا عروسة جهزي نفسك بقى عشان يدوب نلحق نروح الكوافيرة ، ده النهاردة يومك .. انا خلاص خلصت كل اللي ورايا

مطت بطة شفتيها في تأفف ، و...
-بطة وهي تتمتم بخفوت : يوم اسود ومهبب..!

نظرت لها والدتها باستغراب ، ورفعت أحد حاجبيها ، و...
-أم بطة بتعجب : يا بت هو انتي هاتفضلي كده كتير تكلمي نفسك زي الهبلة

أخذت هي نفسا مطولا ، وزفرته بتعصب ، و....
-بطة بتذمر : هو أنا يعني لاقيت حد أكلمه وقولت ﻷ
-أم بطة بعدم اكتراث : بلاش حكي فاضي ، يالا لاحسن الوقت يسرقنا ومنلحقش ، شوفي هتاخدي ايه وانتي نازلة ، و آآ.....

لم تستمع بطة إلى كلمة أخرى مما تقولها والدتها ، فقد كان شاغلها اﻷكبر هو مصيرها الغامض مع زوج لم تعرفه جيدا ..
في النهاية قررت هي أن تخبر والدتها لذا تشدقت ب......
-بطة متسائلة بجدية : يامه ..هو اللي احنا بنعمله ده صح ؟!

عبست ملامح وجهها أكثر ، قطبت جبينها و...
-أم بطة بعدم فهم : قصدك ايه ؟
-بطة بتردد : يعني .. آآ.. انا ازاي هاتجوز وأنا عندي 16 سنة .. ده صح ؟
-أم بطة بصوت شبه حاد :انتي جبتي الكلام ده منين ؟؟!!
-بطة بتلعثم : أنا... أنا سمعت الكلام ده في .. آآ.. في التلافزيون
-أم بطة وهي تمط شفتيها في سخرية : هو في حد بيصدق كلام التلافزيون ده ، وبعدين الواد عبده مظبط كل حاجة مع المأذون ، فمتشليش هم يا بت .. ده انتي واخدة راجل ابن سوق

اكتسى وجهها بعلامات الحيرة ، وإزداد إنعقاد حاجبيها ، و ...
-بطة متسائلة بتوجس : ازاي يعني ؟؟ تقصدي ايه يامه ؟؟!!!

ارتسمت ابتسامة مغترة وواثقة على وجه أم بطة ، ولوحت بيدها في تفاخر ، و...
-أم بطة بصوت واثق : هو هايكتب ورقة جواز كده بس مش هاتتسجل في الدفتر إلا لما تتمي 18 سنة
-بطة وهي تفرغ شفتيها بإندهاش : ايييه ؟!
-أم بطة متابعة بتفاخر : والمأذون مننا وعلينا ، وبعدين هو الجواز ايه غير اشهار والكل يعرف ، وأدينا عازمين الحبايب كلهم
-بطة بنظرات مصدومة ، ونبرة مدهوشة : بس .. بس ده غلط
-أم بطة بعدم مبالاة : غلط ايه يا بت .. ده الكل ماشي كده هنا ، هو احنا هنعمل حاجة غريبة.

-بطة بنبرة محتجة : طب ليه مانستناش أما اكمل 18 سنة وأبقى اتنيل اتجوز .. ولا حتى لما أخلص الدبلون
-أم بطة بصوت ضائق : هو أنا لسه هاستنى كل ده ، بلاش قرف !! أنا عاوزة اخلص من كوم اللحم اللي ورايا
-بطة بإحتجاج أشد وهي تشير بيدها : بس يامه كده حقي هايضيع !
-أم بطة باستغراب : ايه ؟ حقك يضيع !!!
-بطة وهي تصر على أسنانها : أيوه ..

-أم بطة بصوت جاد يحمل التهكم : حق ايه اللي هايضيع ؟! هو كان هيتجوزك في الدرى ، ماهو عامل ومكلف فرح أد كده وعازم القريب والغريب عشان يعرفوا
-بطة بإعتراض واضح : يامه ده مش قانوني ، كده مش هيبقالي أي حقوق شرعية
-أم بطة بإندهاش أشد : قانوني وشرعي ! بت انتي ده مش كلامك
-بطة وهي تزفر في ضيق : يوووه .. مهما قولت برضوه انتي مش هاتسمعيني

ثم تحركت مبتعدة عن والدتها ، ولكن أمسكتها اﻷخيرة من ذراعها ، وقبضت عليها بشدة ، ثم هزتها بعنف ، وهدرت هي ب.....
-أم بطة بزمجرة عالية : انطقي يا بت مين ملى دماغك بالكلام الفاضي ده ؟!
-بطة بحنق : محدش
-أم بطة بصوت يحمل التهديد : ﻷ بقى ، قسما بالله لو ما نطقتي وقولتي مين لعب في دماغك ﻷجيبك تحت رجلي وأنسل الشبشب ده نسايل على دماغك

ثم قبضت أكثر على ذراعها ، وانحنت بجسدها لﻷمام لتأتي بفردة ( شبشبها ) ، فنظرت لها بطة بخوف ، وأدركت أنها أخطأت حينما ظنت أن والدتها من النوع الذي يقبل المحاورة ...
-أم بطة بتوعد : هو انا ناقصة فضايح ؟!
-بطة بصوت متلعثم : دي .. دي هاجر يامه اللي قالتلي كده

ألقت أم بطة بشبشبها على اﻷرض ، ورمقت ابنتها بنظرات غريبة و...
-أم بطة وهي تلوي فمها في استنكار : هاجر !!
-بطة بضيق : ايوه هاجر

مطت أم بطة شفتيها في سخرية ، و أرخت قبضة يدها عن ذراع ابنتها ، ورمقتها بنظرات حنو زائف و....
-أم بطة بصوت خافت ولئيم : يا عبيطة ، وهو في واحدة عاقلة ومخها يوزن بلد زيك تصدق كلام الفقرية دي .. يا بت دي معنسة وغيرانة منك
-بطة بصوت جاد : لا يامه ده أبوها اللي قالها كده
-أم بطة بمكر : وهو اللي يقولك اي حاجة تصدقيها .. انتي كنتي معاها ؟!
-بطة بإيجاز : ﻷ
-أم بطة بنبرة مهينة : دي واحدة مصدية محدش عمره هايبص في وشها اللي يقطع الخميرة من البيت ..هي بتقول كده عشان تخرب عليكي

ثم وضعت يدها على كتف ابنتها ، ومالت برأسها نحوها ، و...
-أم بطة بخبث : خليكي ناصحة يا بت ، وبصي لمصلحتك ، وسيبك من البنات النحس اللي مابيجيش من وراهم غير الهم والغلب ..

أخفضت بطة عينيها للأسفل ، بينما ربتت والدتها على ظهرها ، و ....
-أم بطة بصوت خافت : يالا يا بنتي ربنا يهديكي .. البسي يالا وشيلي كلام البت بنت ال*** دي من دماغك

هزت بطة رأسها موافقة بالرغم من عدم اقتناعها بالمبررات التي تقولها والدتها .. ورسمت على وجهها ابتسامة زائفة و..
-بطة باستسلام : حاضر يامه ... انا هالبس
-أم بطة بفرحة جلية : ياختي اسم الله والحارس الله ..تسلميلي يا بنت بطني

ثم احتضنت ابنتها وقبلتها من وجنتيها ، وسارت في اتجاه باب الغرفة .. بينما تسمرت بطة في مكانها ووضعت يدها في وسط خصرها ، و ....
-بطة بنبرة مليئة بالتحدي : مافيش قدامي غير إني أفركش الجوازة دي بمعرفتي ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الرابع والعشرون

في سرادق ما كبير على مدخل الحارة ،،،،،

أنتهى معظم الرجال المتواجدين بداخل وحول السرادق المقام لحفل زفاف الليلة من العمل فيه ، وتبقى فقط تعليق بعض الزينات واﻷضواء الكهربائية على مداخله ، وأيضا على واجهات البنايات الملاصقة ...
في حين وضع رجلين أخرين ( الكوشة ) الخاصة بالعروسين ، وقام شابين صغيرين برص المقاعد والطاولات الخشبية على الجانبين ..
في حين انحنى رجل ضخم البنية بجذعه للأسفل لكي يضع السجاد الخاص بالعرس على الإسفلت ..
كذلك تم نصب مسرح خشبي واسع وتجهيزه بمعدات الفرقة الموسيقية التي ستتولى إحياء تلك الليلة ....

وقف شاب ما في منتصف السرادق واضعا قبضتي يده في جيبي بنطاله الجينز ، وموليا ظهره لمعظم المتواجدين ، ثم أخرج إحدى قبضتيه ، ومررها على فروة رأسه المجعدة ، ومن ثم التفت بجسده للجانب ، فظهرت ملامح وجهه السمراء وحاجبه المعقوف ورموشه الكثيفة وذقنه شبه الحليقة ، ثم أشار بيده ﻷحد اﻷشخاص ، وغمز له وهو يبتسم و...
-الله ينور يا باشا
التفت له أحد العاملين وهز رأسه موافقا ، ثم هدر عاليا ب...
-مبروك يا عريس .. وعقبال البكاري

ابتسم له عبد الحق ابتسامة سخيفة ، ثم أومىء برأسه ، وتحدث بهدوء ب....
-في حياتك إن شاء الله وتبقى تعملهم الصوان ده
-نعملك أبوه يا باشا .. انت أؤمر بس

رفع عبد الحق يده عاليا ليحيه ، ثم أخفض رأسه قليلا و...
-تسلم ياخويا

ثم سار في اتجاه مخرج السرادق وهو هاديء الملامح ، ومن ثم أخرج هاتفه المحمول ونظر في شاشته فتبدلت قسمات وجهه للضيق ، و...
-يا دين النبي ، الوقت جري بسرعة ، ده أنا يدوب ألحق استحمى وأطلع ع الواد سمير الحلاق يسنجفني

بداخل صالون التجميل الشعبي الخاص بالسيدات ،،،

أخرجت بطة فستانها من الحقيبة البلاستيكية التي تغلفه، ورفضت أن تعاونها أي من الفتيات المتواجدات بداخل الصالون في ارتدائه.. ورغم الحيرة التي كانت بها ، إلا أنها تمكنت في النهاية من إرتدائه وتبقى فقط إغلاق السحاب
خرجت بطة من المرحاض وهي تحمل أطراف فستانها ، ولم تعبأ بنظرات الدهشة الممزوجة بالصدمة على أوجه الحاضرات ..
سارت هي بخطوات واثقة في اتجاه المقعد المخصص لتزيين العرائس ، ونظرت إلى مصففة الشعر - نسرين - بنظرات جادة ، وتشدقت ب...
-أنا جاهزة

أشارت لها نسرين بيدها لكي تنحني قليلا للأمام ، و...
-هاتي أما اقفلك السوستة يا عروسة

أومأت بطة برأسها موافقة ، ثم مالت للأمام و..
-ماشي

ارتدت العروس بطة فستانا ذو صدر مكشوف ، وبدون حمالات ، عاري الكتفين والذراعين .. يكشف عن معظم مفاتن جسدها بطريقة مثيرة للغاية ..
رفضت هي أن ترتدي ( بادي ) من قماش الساتان أو الدانتيل كي تغطي جسدها .. نعم ، لقد تعمدت أن تستفز خطيبها بهيئتها تلك حتى تأخذه حمية الرجل الشرقي فيتركها على الفور وينهي تلك الخطبة دون أي عناء يذكر ..
كانت تلك هي خطتها البسيطة التي هداها عقلها إليها ..

أمسكت نسرين بخصلات شعر بطة وبدأت في تمشيطه استعدادا لتزينها ، فتأوهت الأخيرة من اﻵلم ، ووضعت يدها على رأسها وصرخت بإستنكار ب...
-ايييه ما بالراحة يا نسرين ، ده شعري مش سلك ألمونيا ..! ماتشديش جامد !!

أرخت نسرين أصابعها قليلا عن فروة رأسها ، و ابتسمت لها ابتسامة مجاملة وهي تمضغ العلكة و...
-حاضر يا عروسة

ثم أمسكت بجهاز الاستشوار ومكواة الشعر الكهربائية وبدأت في تصفيف شعر بطة وفرده .. فشعرت اﻷخيرة مجددا بالحرارة الساخنة تلسع أذنيها وتحرق فروتها ، فاستدارت بوجهها للخلف ، ولوت شفتيها في تذمر ، و...
-جرى ايه يا نسرين ، ما تحاسبي شوية عليا
-وربنا ما عملت حاجة يا عروسة ، ده الششوار هو اللي سخن

أشارت لها بطة بإصبعها محذرة ، و..
-طب وطي الحرارة شوية ، محدش قالك إني عاوزة أتشوي

مطت نسرين شفتيها للأمام في امتعاض وهي وتهز رأسها موافقة ، ونفخت بالونة بالعلكة ثم قامت بطرقعتها ، و..
-طيب .. من عينيا

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب ،،،،

طرق شخص ما تبرز علامات الشيب على رأسه بقوة على سطح مكتب السكرتيرة ، قم لوح بيده في الهواء بعصبية ، وهو يهدر ب...
-يعني ايه سافر؟
تنحنحت السكرتيرة في حرج ، ثم أجفلت عينيها قليلا و..
-يعني مش موجود يا فندم
تملك الانفعال من سامي ، وقطب جبينه بشدة ، وصدح بضيق ب....
-هو لعب عيال ، ده أنا عمه ، مش موظف شغال عنده عشان يلغي كل حاجة كده من غير ما يقولي ...!!!

رمقته السكرتيرة بنظرات قلقة بعد أن ابتعدت خطوة للخلف ، وبنبرة رقيقة تحدثت ب....
-اهدى يا سامي بيه .. حضرتك عارف إن أوس باشا بإيده كل حاجة ، وهو اللي بيقرر هايعمل ايه ..
-مش هاهدى وبلغي البيه اللي مشغلك إن سامي الجندي هايدفعه تمن اللي عمله معايا غالي أوي....!!!

ثم حدجها بنظرات محتقنة من عينيه الحمراوتين ، والتفت بجسده للخلف ورحل وهو يغمغم بغيظ ..

بداخل صالون التجميل الشعبي ،،،،،

ولجت إحسان ومعها هنية إلى داخل الصالون وهما ترتديان عباءتين مزدانتين باللآليء اللامعة في منطقة الصدر وعند اﻷكمام من اللون اﻷسود ..
مطت إحسان شفتيها في تأفف ، ورفعت حاجبيها في ترفع و..
-سلامو عليكم

استدارت نسرين في اتجاه مصدر الصوت ، وابتسمت ابتسامة زائفة وهي تتحدث بهدوء ب...
-وعليكم السلام .. اتفضلوا

إشرأبت هنية بعنقها للأعلى في محاولة منها للتطلع إلى ملامح العروس بعد أن أوشكت على الإنتهاء ، ورمقتها بفضول وهي تتحدث بحماسة زائدة ب....
-أومال عروستنا الحلوة خلصت يا عسل ؟

أولتها نسرين ظهرها ، وقامت بتثبيت بعض الدبابيس في خصلات شعر بطة ، و...
-قربت أهوو

اقتربت إحسان من بطة ونظرت إليها مطولا وهي تتفحصها بتمعن ، وجابت ببصرها تفاصيل بشرتها المزدانة بمساحيق التجميل الرخيصة ، ثم نزلت بعينيها إلى أسفل عنقها ومنه إلى مفاتنها البارزة فإكفهر وجهها سريعا ، وتبدلت تعابيرها للضيق والإنزعاج ، ومطت فمها في استهجان جلي ، و....
-ايه اللي عملاه في نفسك ده يا بت ؟!!!!!

نظرت لها بطة من طرف عينها بعد أن أمالت وجهها للجانب قليلا ، ومن ثم أشاحت به بعيدا ، لتعاود النظر للأعلى بعدم مبالاة ، وببرود مستفز أجابتها ب....
-في ايه يا حماتي؟ ما نسرين شغالة زي الفل اهوو

جذبت إحسان ذراع نسرين لتجبرها على التوقف عن إكمال عملها ، ثم دفعتها للخلف ووقفت قبالة بطة التي كانت لا تزال جالسة على مقعدها في هدوء يدفع للغيظ ، وحدجتها بنظرات نارية وهي تعنفها ب....
-ما تتعدلي كده يا بت وأنا بأكلمك بدل ما أقطمك نصين ..

رفعت بطة رأسها بتأني ، ولوت شفتيها في سخرية ، ثم رمقت إحسان بتعالي ، و...
-وليه الغلط بس يا حماتي !!

لوحت إحسان بيدها في وجه بطة ، وسلطت عينيها المشتعلتين عليها ، و...
-ايه المسخرة اللي إنتي لابساها دي ؟!!

وقفت هنية على مقربة من كلتاهما ، واتسعت عينيها في صدمة ، و فرجت فمها في سخرية وهي تتحدق ب....
-يا حلاوة يا ولاد.. ايه اللحمة دي كلها ؟!!

زفرت بطة في إنزعاج ، وأشاحت بوجهها للجانب لتتجنب نظرات إحسان المحتقنة ، ثم رفعت أصابع كف يدها اﻷيسر أمام فمها لتدعي أنها تنفخ في طلاء أظافرها ، و...
-ماله يعني ؟ ما الفستان حلو اهوو وعلى الموضة
-موضة تاخدك يا بعيدة ، بلاش قلة أدب

اعتدلت بطة في جلستها ، وصرت على أسنانها في غيظ ، و..
-والله ده اللي عندي ...

ثم صمتت لثوان قليلة قبل أن تتابع ببرود مصطنع ب....
-واللي مش عاجبه يشرب من البحر .....!!!

جحظت إحسان بعينيها ، وقبضت على ذراع بطة وهزتها بعنف منه ، و...
-نعم يا روح أمك ، ده انتي متعرفنيش يا حيلتها ، ده أنا أفضحك قبل ما تفكري تفضحيني أنا ولا ابني

أزاحت بطة قبضة إحسان عن ذراعها بعد مجهود ، ثم نظرت لها شزرا ، و...
-هو انتي مفكراني ماليش اهل ، ده أنا آآ...

قاطعتها إحسان بعد أن أمسكت بها من طرف ذقنها لتتوقف هي مجبرة عن الكلام ، وضغطتبب عليه بقوة لتؤلمها ولم تهتم بإفساد أحمر الشفاة ولا بالبودرة البيضاء ، ثم رمقتها لنظرات متوعدة و...
-آه مالكيش يا حلوة ، وانتي لسه ماشوفتيش وشي التاني ، والظاهر عليكي هاتجربيه قريب

أبعدت بطة قبضتها عن فكها ، ونظرت إليها بإحتقان ، ورغم التشنج البادي في صوتها إلا أنها هدرت ب....
-أنا لا عاوزة أشوف وش تاني ولا أولاني ولا حتى عاوزة أجربه ، أقولك على حاجة ، بلاها الجوازة الغم دي

نظرت هي إليها بإحتقار ، وجذبتها من شعرها ، و...
-غم أما يشيلك إنتي وأهلك

تأوهت بطة من اﻵلم وحاولت أن تحرر خصلات شعرها ، و...
-آآي .. سيبي شعري

تدخلت هنية عند تلك المرحلة منعا لتطور اﻷمر أكثر من هذا حتى لا يصل إلى اشتباك باﻷيدي و...
-اهدي يا إحسان مش كده

وقفت نسرين هي الأخرى على الجانب الأخر ، و...
-ماتصلوا على النبي يا جماعة ، ده شيطان وربنا اللي داخل بينكم

نجحت هنية في تخليص بطة ، وتراجعت بإحسان إلى الخلف التي لم تكف عن سب بطة وإزدرائها، و..
-سبيني يا هنية أربي البت دي ، اهوو ده اللي ناقص

-يووووه ... كفاية بقى ، أنا اتخنقت وجبت أخري منك ..!
قالتها بطة قبل أن تنفعل بطريقة هيسترية ، فحاولت نسرين تهدئتها

في حين مالت هنية على أذن إحسان وهمست لها ب....
-تعالي معايا يا إحسان برا الوقتي
-والله ما هأطلع من هنا غير لما أجيب أجل البت دي ، ماهو يانا ياهي !!
-وتجيبي الفضايح لنفسك

حدجتها هي بنظرات نارية قبل أن تعبس أكثر بوجهها المجعد وتتحدث بتهكم ب.....
-فضايح مين يا ولية ، ده ابني اللي هايسيب ***** بنت ال***** دي

ضيقت هنية عينيها في لؤم ، وأخفضت نبرة صوتها ليبدو كفحيح اﻷفعى
-و ليه تجيبي أجلها لما ممكن آآ...

ثم نظرت حولها بحذر قبل أن تتابع حديثها الخافت ، و..
-الكلام مش هاينفع هنا .. تعالي برا بس

وبالفعل خرجت كلتاهما من الصالون الشعبي ، ووقفتا على رصيفه ، فبادرت هنية ب....
-هنا هنعرف نتكلم

كورت إحسان قبضة يدها في غيظ ، ونظرت أمامها بعينين كالجمرتين المتقدتين ، و...
-قسما بالله ﻷقول للواد عبده ينهي الجوازة دي حالا
-وتخلي حتت بت زي دي تنفذ كلامها

وكأنها أرادت أن تزيد من حدة اشتعال النيران المستعرة ، ولكن إحسان هدرت ب...
-تغور في 60 داهية ، المركب اللي تودي

مطت هنية شفتيها في لؤم ، ونظرت إلى إحسان بنظرات تحمل الخبث ، و...
-وماله تغور .. بس بعد ما تكسريها

ضيقت إحسان عينيها في اهتمام ، ثم هدأت نبرة صوتها إلى حد ما ، و...
-تقصدي ايه ؟

ابتسمت هنية ابتسامة شيطانية و....
-أقصد إنك آآ...

ثم أخفضت صوتها كثيرا وهمست بخطتها الماكرة في أذن إحسان التي ابتسمت في تشفي، وحدقت أمامها في قوة متوعدة ، و...
-وماله ...خليني ( أفسخها ) ... وبعد كده هاتشوف المر كله معايا ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الخامس والعشرون

الفصل الخامس والعشرون :

في الساحل الشمالي ،،،،،

رفضت ليان أن تذهب بصحبة رفيقتها جايدا إلى الملهى الجديد ، وفضلت أن تكمل يومها وهي تتجول على الشاطيء.. كانت هي معظم الوقت شاردة وحزينة .. هي تعلم أن والدتها ترتكب خطيئة شنيعة في حق نفسها أولا قبل عائلتها ..
تنهدت في آسى ، وأطرقت رأسها في ضيق ، و...
-ليه عملتي كده ؟ ليه كسرتي نظرتي ليكي ، أنا مش عارفة ازاي هتعامل معاكي عادي وكأن مافيش حاجة حصلت ، أوووف

أكملت ليان تسكعها الذي كان بلا وجهة محددة إلى أن تسمرت فجأة في مكانها بعد أن اتسعت حدقتي عينيها من الصدمة ...
-مش... مش معقول ...!!!

رمشت ليان بعينيها عدة مرات لتتأكد أنها لا تتوهم ما تراه ، خفق قلبها بشدة من فرط السعادة التي باغتتها ..
-ده فارس .. انا مش مصدقة نفسي .. أوووه

ثم سارت بخطوات راكضة للأمام في اتجاه فارس الذي كان يتناول أحد المشروبات الباردة على ( بار ) ما ..
لم تنتبه هي إلى المرأة الجالسة بجواره والمستندة بذراعها على كتفه ، فرؤيته نصب عينيها كانت كافية بالنسبة لها ..
لوحت ليان بيدها في الهواء وهي تصيح عاليا ب....
-فارس ... فارس

انتبه كلا من فارس ولوزة إلى ذلك الصوت اﻷنثوي المألوف الذي يأتي من الخلف ، فسحبت لوزة ذراعها سريعا ، واستدارت في إتجاه عامل البار ، وأشارت له بعينيها وتحدثت بنبرة شبه مرتعشة وهي تبتلع ريقها ب.....
-آآ.. كوكتيل تاني بليز ....!

تعمد فارس أن يعبس بوجهه وهو ينظر إلى ليان ، ثم زفر في انزعاج زائف ، والتفت بوجهه للجانب ، ولوى فمه في إزدراء ..
وقفت ليان قبالته وظلت تلهث أمامه وهي تحاول أن تتحدث ب...
-فارس .. miss you ... انت انت مش بترد عليا ليه ؟؟

لم ينظر هو في اتجاهها وإكتفى بمط شفتيه في تأفف مصطنع ، و..
-عاوزة ايه تاني ؟ مش احنا خلاص finish .. فينيتوو يعني !!!

وضعت هي يدها على ذراعه البارز ، وقبضت عليه بأصابعها كأنها تستنجده ، ونظرت إليه بتوسل ، و...
-ﻻ يا فارس .. انا لسه عاوزاك .. !

رمقها هو بنظرات باردة ، ثم أزاح يدها بعيدا عن ذراعه ، و..
-وأنا مش عاوز..

ثم أخرج حفنة نقود من جيبه وألقاها على البار ، وسار مبتعدا عن الجميع ..
تبعته ليان بنظرات مصدومة ، وحاولت أن تلحق به

راقبتهما لوزة بنظرات شيطانية ، وارتسم على وجهها علامات الرضا ، ورفعت حاجبها اﻷيسر في إعجاب ، و..
-براوة يا وله .. عرفت توقعها صح ..!

ثم رفعت كأس المشروب إلى فمها ، وإرتشفت منه القليل قبل أن تحدق في الفراغ أمامها بنظرات محتقنة ، و..
-قريب أوي هايتكسر ضهرك وهايضيع شرفك يا ... يا ابن الجندي ...!!!

ركضت ليان خلف فارس ، وحاولت إيقافه أكثر من مرة ، وأمسكت به من ذراعه ، وتحدثت بأنفاس متلاحقة ب.....
-استنى بس ! أنا تعبت من الجري

دفع بيدها للخلف ووجهه جامد من التعبيرات ، ثم أكمل سيره دون أي اكتراث بها .. في حين انحنت هي لﻷمام وإستندت بكفي يدها على ركبتيها ، وبدأت تنتحب ، ثم على صوتها تدريجيا ليتحول إلى شهقات وبكاء حاد ...

توقف فارس عن الحركة ، وإستدار برأسه نصف إستدارة للخلف ليراها ، فوجدها تبكي بحرقة ، فزم فمه في امتعاض ، ورفع يده ليمررها في رأسه ، ثم زفر في ضيق مصطنع قبل أن ينطق ب...
-اوووف .. خلاص يا ليان ، بلاش تعيطي ! انتي عارفة إني مش بأستحمل أشوفك كده ..!!

لم تستمع هي إليه ، واستمرت في البكاء .. فلوى هو فمه ، وسار في اتجاهها ، ثم أسند يده على ظهرها وربت عليه في حنية و..
-كفاية يا ليووو

مد هو ذراعه الأخر وحاول أن يعدلها في وقفتها ، فإستجابت هي له ، و إستندت برأسها على صدره بعد أن أغمضت عينيها المغرورقتين بالدموع ، ولم تكف عن البكاء..
مسد هو بيده على شعرها ، وضمها من خصرها بذراعه اﻷخر إليه في حنو زائف ..
-ليووو.. دموعك دي بتقطعني من جوا ، كفاية بقى

فتحت هي عينيها المنتفختين قليلا ، ونظرت إليه بنظرات حزينة ، ثم بصوت خافت ومختنق تحدثت ب.....
-أنا محتاجاك جمبي يا فارس ، ماتسبنيش !

أرخى فارس ذراعه عن خصرها ، وأحاط بوجهها الحزين بكفي يده ، ومسح بأصابعه عبراتها من على وجنتيها ، ونظر في عينيها بنظرات مطولة دافئة ، و...
-في ايه يا حبيبتي ؟ مالك .. طمنيني عليكي ؟
-أنا تعبانة من غيرك ، كل حاجة في حياتي بقت كدبة

وضع هو إصبعه على شفتيها ليمنعها عن الحديث ، واقترب برأسه منها ، وبنبرة رخيمة خافتة تشدق ب.....
-شششششش... اهدي ، ماتكلميش خالص

ارتفع صدرها وهبط من كثرة البكاء ، فضمها إلى صدره مجددا ، وإحتضنها بشدة ، و....
-ليوووو.. بليز !

هدأت هي قليلا في أحضانه ، فابتسم في لؤم و...
-أنا بأحبك يا ليووو .. ومش عاوز أبعد عنك لحظة
-ولا أنا

أبعد هو رأسها عن صدره ، ونظر لها بعينيه الناعستين ولم يرمش للحظة و...
-ليان .. تتجوزيني ؟! .. بس عرفي !

فغرت هي شفتيها من الصدمة ، وتوقفت عن النحيب والبكاء ونظرت إليه بعدم تصديق .. فعاود تكرار جملته اﻷخيرة على مسامعها ولكن بنبرة أكثر جدية ..
-ليان أنا عاوز أفضل جمبك على طول ، وظروفي حاليا ماتسمحش إني أتجوزك رسمي .. بس أنا مش قادر أشوفك كده ومعملش حاجة ، أنا عاوز أكون سندك .. صدرك الحنين اللي ترتاحي عليه ..

ثم صمت لثوان معدودة قبل أن يتابع ب.....
-حبيبتي ، إنتي مش عارفة حبك عامل فيا ايه ، بعدك عني مخليني مش على بعضي .. انتي عارفة جوازنا ده هيقرب أوي ما بينا لحد ما الظروف تظبط ونعلنه رسمي .. ها قولتي ايه ؟ موافقة تتجوزيني ؟!

لم تعرف هي بماذا تجيبه ، فقد باغتها بسؤاله هذا .. فظلت صامتة ، عاجزة عن الرد ، ووجهها جامد ، خالي من التعبيرات ..
هزها هو من كتفيها بهدوء حينما لاحظ صمتها المخيف ، و...
-ايه ؟ مش موافقة ؟!

مط فمه في يأس ، وأرخى قبضتي يده تماما عنها ، وأجفل عينيه في إنكسار ، و....
-خلاص يا ليان ، أنا مش محتاج أعرف ردك .. هو بابن على وشك ، وأنا أسف إني آآآ.....

وضعت هي كف يدها على فمه ، ونظرت له بنظرات فارغة ، ثم قالت بنزق....
-أنا موافقة نتجوز عرفي .....!!!

داخل الصالون الشعبي ،،،،

احتقن وجه بطة بالدماء المشتعلة من الغيظ ، وظلت تهز ساقيها بعصبية مفرطة ، و...
-ولية استغفر الله العظيم ، تفور الدم

عبثت نسرين بخصلات شعر بطة لتعيد ترتيبه من جديد بعدما أفسدته إحسان .. في حين ولجت أم بطة لداخل الصالون وعلى وجهها ابتسامة مشرقة ولكن سرعان ما تلاشت ليحل محلها علامات اﻹنزعاج الممزوجة بالصدمة ..

تسمرت لوهلة في مكانها ، ولم تطرف بعينيها ، ثم إذ بها تلطم فجأة على صدرها في فزع وهي محدقة في ابنتها ، وتشدقت ب...
-يخربيتك يا بعيدة ! ايه المنظر المفضوح ده يا مفضوحة ...!!

نفخت بطة في ضيق ، ونظرت إلى والدتها بنظرات غير عابئة ، و...
-في ايه يامه !!
-دك موو ..

ثم رفعت إصبعها لتشير إلى مفاتن ابنتها البارزة من اﻷعلى وهي مقطبة الجبين ، و..
-إنتي حماتك شافتك بالبتاع ده كده ؟!

زمت بطة شفتيها في برود ، و...
-آه

وضعت أم بطة إصبعيها على طرف ذقنها ، ولوت شفتيها في سخرية ، و..
-ليها حق الولية تقلب وشها ومتردش عليا السلام ولا حتى تبوسني بنفس ، ما هو بنتي جيبالي الكافية وفضحاني ..!

لوحت بطة بيدها في الهواء وهي تشيح بوجهها بعيدا عن والدتها ، و....
-بناقص من أم دي جوازة !!
-بقولك ايه يا بت ، أمور الهبل والاستعباط دي مش هتطلع دلوقتي ، مش اللي بنيته في سنين تجي انتي و تهديه في لحظة ...!!

لوت بطة شفتيها أكثر في استهجان ، و....
-يعني جوازة الأمل ، يامه دول عالم زبالة ، لولا الحظ بس كان زمانتهم آآ....

قاطعتها والدتها بحزم وهي تشير بإصبعها محذرة ب....
-بلا حظ بلا نيلة ، قفلي على الكلام ده خالص ، مش ناقصة إنك تتوكسي جمبي
-يامه انا مش عاوزاه
-غصب عنك هاتتجوزيه ، انتي عاوزة تجرسيني قدام أهل الحارة كلهم

ثم سمعت كلتاهما أصوات أبواق سيارات تأتي من خارج الصالون ، فإنقبض قلب أم بطة ، وظهرت تعابير الرعب على وجهها واضحة ، و...
-يادي النصيبة ، عريسك جه برا ، ربنا يستر وماتقلبش بغم

ابتسمت بطة إبتسامة سخرية من زاوية فمها ، و...
-ولا تقلب .. مش فارقة !!

جذبتها والدتها من على المقعد الحديدي لتنهض رغما عنها ، ثم حاولت أن تخفي كتفي ابنتها بالطرحة المعلقة في التاج المثبت على رأسها ، ومطت شفتيها في توتر،..
-عدي الليلة دي على خير يا رب ....!!

ثم استدارت برأسها في اتجاه نسرين ، وأشارت لها بعينيها و..
-هاتي ياختي الشال اللي عندك ده أما أشبكه باﻹبرة
-ايه اللي بتعمليه ده يامه ؟!
-اسكتي يا بت خليني اصلح اللي هببتيه
-شكل الفستان هايبوظ
-يبوظ ولا يولع مش احسن ما تفضحينا يا مفضوحة

هزت بطة جسدها في اعتراض ، وزفرت عاليا ب...
-اووف

نهرتها والدتها بشدة ، وحدجتها لنظرات حادة و...
-اثبتي يا بت .. داهية تاخدك
- يا ريت ربنا ياخدني عشان ترتاحوا كلكم مني

لم تنظر لها والدتها ، بل ظلت منحنية الرأس مسلطة بصرها على مافي يدها حتى تكمل حياكة الشال بالفستان ، و...
- وماله ! بس ياخدك وإنتي في بيته ، وإنتي على ذمته ، مش وإنتي متعلقة لسه في رقبتي ، كفاية كوم اللحم اللي ورايا غيرك ...!!
-حسبي الله ونعم الوكيل

تأكدت أم بطة من إتمام عملها ، فتنهدت في إرتياح ، ثم لكزت ابنتها في ذراعها لتتحرك إلى اﻷمام وظلت تغمغم في خفوت بكلمات غير مفهومة .....

في الخارج ،،،،

اصطفت سيارة كحلية اللون - من ماركة هوندا - مزدانة بالبلالين والشرائط الورقية بجوار الرصيف الملاصق للصالون الشعبي ، وترجل منها عبد الحق وهو متأنق على غير عادته ، بالطبع فهو عريس اليوم .. وإلتف حوله بعض من أصدقائه الذين أصروا على مصاحبته خلال يومه هذا ...

كان عبد الحق ممسكا بباقة ورد بيضاء صناعية كي يقدمها للعروس - كتقليد متبع في تلك المناسبة - وباليد اﻷخرى أخذ يعدل من وضعية ال( بابيون ) اﻷسود الذي يرتديه ..
لف أحد اﻷشخاص يده حول عنقه ، وتحدث معه بحماس زائد وهو يغمز له ب.....
-منور يا عريس

أزاح عبد الحق يد صديقه من حول عنقه ، و...
-خف إيدك شوية يا جدع

وثب هذا الشخص في مكانه بطريقة منفعلة ، ثم لوح بيده و...
-وربنا لنخلي فرحك الحارة واللي حواليها يحلفوا بيه
-طيب.. وروني بقى
-هاتشوف يا برنجي

مالت هنية على أذن إحسان وأسندت يدها على كتفها ، ثم أشارت بعينيها و...
-أهوو الدلعدي ابنك جه ، الحقي بقى قوليله على اللي بسلامتها عملته ، اكسبي وقت قبل ما تخرج من جوا
-طيب

وبالفعل سارت إحسان في اتجاه السيارة ، وحاولت أن تجد السبيل إلى ابنها المحاصر وسط أصدقائه ، فلم تستطع ، لذا صاحت عاليا ب.....
-عبده .. واد يا عبده .. إنت يا وله ...!!!!

انتبه عبد الحق إلى صوت والدته ، فإشرأب برأسه عاليا كي يراها ، و...
-أيوه يا حاجة
-تعالى هنا ، عاوزاك في كلمتين
-بعدين يامه

عبست هي بوجهها ، وتحدثت بصرامة و....
-يا واد بسرعة بدل ما آآ....
-طيب .. طيب !

دفع عبد الحق أصدقائه برفق وهو يضحك و...
-وسعوا شوية يا رجالة أما أشوف الحاجة عاوزة ايه

أفسح له البعض المجال ليمر ، و...
-ماشي يا عريس
-سكة يا جدعان للعريس
-منورة يا حاجة

وقف عبد الحق قبالة والدته ، وأخذ يعدل بيده سترة الحلة السوداء التي يرتديها ، ولم ينظر في اتجاه والدته ، و...
-عاوزة ايه يا أم عبده ؟

لكزته والدته في كتفه وهي تنظر له غيظ و...
-بصلي يا واد وأنا بأكلمك

تحسس هو موضع اﻵلم ، وفركه بأصابعه ، ونظر في اتجاهها و..
-في ايه يامه ، بتضربيني ليه بس ؟ ده أنا عريس النهاردة
-اسمعني كويس يا واد يا عبده ﻷحسن مافيش وقت
-ها .. قولي !
-المزغودة على قلبها ست الحسن والدلال

نظر هو لها بإهتمام ، و...
-بطة ...! مالها ؟
-عاوزاك تشد معاها الوقتي

مط عبد الحق ثغره في عدم اقتناع ، ثم نظر لوالدته بحيرة و....
-ليه كده بس ، ده حتى فال وحش والله !!
-يا واد افهم ، ادبحلها القطة من أول يوم عشان تكون تحت طوعك وتسمع كلامك بدل ما تركبك يا منيل وتتوكس أكتر ما أنت

حك هو طرف ذقنه في عدم فهم ، فمالت هي برأسها عليه وهمست له بكلمات غير واضحة .. في حين أصغى هو إليها بإهتمام وظلت تعابير وجهه غير مفهومة ، ثم ...
-ماشي يا حاجة

فتحت نسرين باب الصالون الخاص بها ، وأطلت منه أم بطة أولا وهي ترفع كف يدها بالقرب من فمها لتطلق الزغاريد ..
-تعالى يا عريس خد عروستك ، لووولوووولي .. ربنا يجعلها جوازة السعد والهنا عليكم

كان عبد الحق على وشك اﻹبتسام ولكنه رأى نظرات والدته الصارمة له ، فبدل ملامح وجهه للضيق الزائف ، ثم سار في اتجاه البوابة ..
فتحت أم بطة ذراعيها في الهواء ، ثم جذبت العريس إليها وإحتضنته ، و..
-مبروك يا عريس بنتي ، لولوووولي

ابتسم لها عبد الحق ابتسامة مجاملة بعد أن تحرر من ذراعيها ، ولكن لم تتبدل ملامح وجهه كثيرا ، ثم تحدث ب....
-الله يبارك فيكي يا حماتي

ثم أفسحت له المجال لكي يمر إلى الداخل حيث تنتظره عروسه ..

تنحنح بصوت خشن ومتحشرج وهو يلج إلى الداخل ولم ينتبه للهمهمات النسائية حوله ، فقد كان شاغله اﻷكبر هو رؤية عروسه بطة .. وبالفعل رأها أمامه ولكنها كانت تحيد ببصرها بعيدا عنه ..

تمعن عبد الحق في ملامح تلك العروس التي بدت بمساحيق التجميل أكبر من عمرها الحقيقي وأكثر جمالا ، وكاد أن ينطق بإعجابه الشديد بها ورغبته في إلتهامها ، ولكنه تذكر كلام والدته بألا يدع الفرصة لها ، وعليه أن يفرض هيمنته الذكورية وأمور أخرى حاول أن يلهي عقله قليلاً عنها حتى يتمكن من التركيز ...

تعجبت بطة من حالة الصمت السائدة منه ، وظنت أنه ربما يريد التراجع عن اﻹرتباط بها ، فتهللت أساريرها قليلا ، ولكن أصيبت بالإحباط حينما أردف ب....
-يالا .. يا .. يا عروسة .. ده لسه ليلتلك طويلة

لم تفهم بطة ما الذي يعنيه بكلامه هذا ، ولكن نظراته اللئيمة توحي بأنه يضمر لها شيئاً سيئاً ..
تأبطت هي في ذراعه وانطلقا خارج الصالون والزغاريد والتهليلات من المتواجدين تحاوطهما .....

في منزل تقى عوض الله ،،،،

وقفت تقى في شرفة منزلها لتتابع من اﻷعلى مراسم حفل الزفاف بعد أن غطت شعرها بخمار طويل .. كم كانت تود أن تشارك الجيران فرحتهم ، ولكنها باتت محرومة من اﻹبتسام حتى لا تثير حنق والدتها ..
مر ببالها ذكرى عابرة مما حدث بينها وبين ذلك البغيض ذو القلب المتحجر ، فزفرت في إستياء ، و...
-ربنا ينتقم منه ويحرقه .. معندوش رحمة ولا شفقة بحد ..!!!

ثم لمحت طيف والدتها وهي تأتي من بعيد ، فاضطربت ملامحها ، و...
-احسن حاجة اعملها إني أخش جوا بدل ما تسمعني كلمتين في جنابي

وبالفعل استدارت للخلف ، وخرجت من الشرفة وأغلقت النافذة خلفها ..
رأتها والدتها من اﻷسفل فإكفهر وجهها وإنعقد ما بين حاجبيها ، وضيقت عينيها في توعد ، و...
-ماشي يا تقى .. ماشي !!

في مسجد الحارة القريب ،،،

كان الشيخ أحمد قد انتهى لتوه من درسه اليومي حينما حضر إليه أحد اﻷشخاص ذوي اﻷجسام الهزيلة والبشرة السمراء المجهدة ، واقترب منه وركع بجواره ، ثم نظر له بنظرات جادة و...
-سلامو عليكم يا شيخنا

التفت إليه الشيخ أحمد وابتسم له ابتسامة هادئة وهو يدير مسبحته بأطراف أصابعه و..
-وعليكم السلام ورحمة الله يا رشيد
-عرفت اللي حصل يا شيخنا

ظل الشيخ أحمد يحرك مسبحته في هدوء ، ونظر له بحيرة و...
-خير يا بني

التقط رشيد أنفاسه ، ونظر إلى الشيخ بنظرات ضيقة من عينيه المرهقتين ، و...
-الواد سيد اللي شغال في فرن العيش النار هبت في وشه وولع ..!

إنتفض الشيخ أحمد ذعرا في مكانه ، وتحولت نبرة صوته الهادئة للحزن الممزوج بالأسف ، و...
-لا إله إلا الله .. يا ساتر يا رب .. !!
-اه والله يا شيخنا ، ولولا ستر ربنا كان زمانته راح فيها

رفع الشيخ أحمد بصره للسماء وكذلك كفيه ، وبنبرة متضرعة أردف ب....
-اللهم أجرنا من عذابك يا الله .. ألطف بعبيدك يا كريم

ضيق الشيخ أحمد عينيه في تساؤل ، و..
-طب هو عامل ايه الوقتي ؟

لوى رشيد زاوية فمه في إستنكار ، و...
-والله حالته تصعب على الكافر .. !!
-لا حول ولا قوة إلا بالله ! وهو فين دلوقتي ؟
-موجود في المستوصف

ربت الشيخ أحمد على فخذ رشيد حاثا إياه على النهوض ، و...
-بينا نروحله يا رشيد يا بني ، ده عيادة المريض واجب
-ماشي يا شيخنا ، بس آآ...
-في ايه؟
-احنا .. آآ.. قصدي يعني أنا واللي معايا كنا بنلمله قرشين كده عشان آآ.. يعني .. آآ

هز الشيخ أحمد رأسه عدة مرات ليشير إلى فهمه للمقصد من كلامه ، و...
-مفهوم . مفهوم .. متحملش هم يا رشيد .. أنا هاخد مبلغ من صندوق الخير بتاع الجامع لسيد .. أهي حاجة تساعده على العلاج وإن شاء الله أهل الخير يتعاطفوا مع حالته ويساعدوه يقف على رجله من أول وجديد !

ارتسمت علامات اﻹرتياح على وجهه ، وانفرج فمه في سعادة وأشار بكفي يده وهو يتحدث بحماس ب.....
-ربنا يباركلك يا شيخنا ، والله ما في زيك في الحارة دي ..!
-احنا كلنا في خدمة بعض يا بني

ثم نهض من مكانه ، وتبعه رشيد إلى خارج المسجد ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السادس والعشرون

في أحد الفنادق الشهيرة بالعاصمة الإيطالية روما ،،،
في الجناح الملكي ،،،
تمدد عُدي على بطنه بعد أن وضع منشفة بيضاء على خصره ، وثنى مرفقيه أسفل رأسه بعد أن أغمض عينيه ، وإسترخى تماماً ، ثم بصوت شبه ناعس أردف ب ...
-Go ahead babe ( إبدأي يا حلوة )

بدأت فتاة ما أجنبية الملامح ذو شعر أشقر، وبشرة بيضاء.. ترتدي ملابس تشبه الممرضات ولكنها أقل حشمة وشبه عارية في تدليك ظهره بكلتا يديها، تارة بنعومة، وتارة أخرى بقسوة جعلته يصدر أنيناً خافتا..
كان على وشك الإسترخاء أكثر، والتمادي في أمور محظورة مع الفتاة، ولكن قطع نيته صوت طرقات ثابتة على الباب، فزفر في انزعاج، ورفع حاجبه في ضيق، و..
-إيه الفقر ده ! ده أنا لسه كنت هاسخن

أشار عدي للفتاة بطرف يده لكي تبتعد عنه، ثم نهض عن الفراش ، وسار في اتجاه الصالة الخارجية بعد أن أغلق باب غرفة النوم .. ثم فتحه ليجد أوس أمامه ، فإتسعت عيناه من الإندهاش ، و..
-أوس ! إنت مش كنت هاتظبط نفسك مع آآ...

تأمله أوس بنظرات متفحصة ، ولم ينبس بكلمة ، فابتسم عدي في بلاهة وهو ينظر إلى خصره وإلى المنشفة التي كادت أن تسقط عنه ، وغمز له بلؤم و..
-معلش كنت في جلسة مساج إنما هتعجبك

ظلت تعابير وجه أوس جامدة وغير مقروءة ، ثم دلف إلى داخل الجناح ، ومن ثم أشار بحاجبه لعدي وكأنه يصدر أمراً صارماً له ب ..
-وزع البت دي الوقتي !

انزعج عدي على الفور ، وظهر العبوس على قسمات وجهه ، وتذمر قائلاً ..
-ليه بس ؟ حد يقول للنعمة لأ ... وبعدين إنت مش كنت مظبط مع مزة من إياهم وآآ..

أولاه أوس ظهره ، ووضع يديه في جيبي بنطاله ، ونظر في اتجاه المنظر الطبيعي الذي يظهر جلياً من خلف الحائط الزجاجي ، وزفر في انزعاج ، و..
-مخنوق مش عاوز أي حد ..!

اقترب عدي منه ، ووقف خلفه ، و..
-مخنوق !! من إيه ؟ ده حتى المزز هنا رهن إشارتك ، في تكة تبقى عبدة عندك ، تعمل فيها اللي انت عاوزه ، وتقولك كمان يا باشا ، ده أنا كلي ملك على رأي البت المطربة اللي اسمها شيرين

استدار أوس بجسده كلياً ليواجه عدي ، ونظر إليه بنظرات غامضة ، و..
-أنا مش فايق للهزار ، ولا لغيره ، أنا عاوز أرجع مصر بسرعة

انعقد حاجبي عدي في اندهاش ، ووضع يده على طرف ذقنه في حيرة ، و...
-ترجع مصر بسرعة ! يا أوس ده احنا لسه واصلين ، وملحقناش حتى نقابل مندوبين التوكيل ، ومحتاجين وقت عشان نظبط كل حاجة ، ونتأكد من العقود والإتفاقيات ، وآآ...

أسند أوس كف يده على كتف رفيقه ، وضغط عليه قليلاً كي يكف عن الكلام ، وحدق أمامه و..
-كل ده مايفرقش معايا ، أنا عاوزها هي !!!
-مين دي ؟

تنهد أوس في ضيق ، ثم أبعد يده ، وإستدار للخلف مجدداً في اتجاه الحائط الزجاجي ، سلط بصره على نقطة ما فيه ، ثم بكل هدوء تحدث ب...
-تقى ..!

وضع عدي يده على رأسه ودعكها عدة مرات في يأس ، ثم وقف إلى جواره رفيقه ، ونظر إلى حيثما ينظر ، و...
-برضوه البت دي لسه في دماغك ، انساها يا بني ، والله ما هيجي من وراها غير وجع الدماغ

تنهد أوس في ضيق ، ثم نظر لعدي بعينيه الصارمتين ، وبنبرة تحمل الوعيد تشدق ب...
-مش هنساها يا عدي غير لما أخد اللي أنا عاوزه منها

لمح عدي الإصرار واضحاً في عينيه ، فحاول أن يستشف منه السبب ، فبادر بسؤاله ب...
-وإنت في ايه بينك وبينها بس لكل ده ؟؟ إيه اللي مخليك حاطتها في دماغك ومركز أوي معاها ؟؟؟!!!!
-في إنها أول واحدة إتجرأت عليا
-هو إنت يعني سبتها ، ما انت قرفتها ، وآآ..

صر أوس على أسنانه في توعد وهو يضيق عينيه الغاضبتين أكثر و...
-أنا ماعملتش حاجة فيها لسه !!

أشار له عدي بطرف إصبعه محذراً ب...
-بص ! طول ما إنت بتفكر في البت دي مش هترتاح ، أنا لو مكانك أكبر منها ، دي واحدة وقيع ، كسر ، متسواش أصلاً إنك آآ..

رفع أوس كف يده في وجه عدي ليمنع الأخير عن الإستمرار في الحديث ، ثم بكل صلابة تحدث ب.....
-عدي ، مات الكلام في الموضوع ده ، أنا راجع بكرة مصر ، وإنت مكاني هنا تخلص كل حاجة ، ماشي

ارتسمت علامات الإندهاش على جميع قسمات وجهه ، وفغر ثغره من الصدمة ، و...
-ايييه ؟؟ انت بتقول ايه ؟

ابتسم له أوس من زاوية فمه نصف إبتسامة ، وبكل برود تحدث قائلاً ...
-اللي سمعته ، أنا خلاص حجزت التذكرة ، ومسافر الفجر
-نعم !!

أسند أوس كف يده على كتف عدي ، ثم ربت عليه بقوة ، ولم يطرف بعينيه وهو يتحدث بهدوئه المستفز ب...
-Good Luck يا صاحبي ، ورينا شطارتك في مهمتك دي ..!!!!

ثم سار في اتجاه باب الجناح ، ولم يلتفت للخلف تاركاً رفيقه في حالة صدمة ..
وضع عدي كلتا يديه على فروة رأسه ومررهما بعصبية عليها ليحكها في نرفزة ، و..
-أوس ده مجنون ، والله مجنون ، ومش هيرتاح إلا لما يجيب لنفسه مشاكل مالهاش حل مع الزفتة دي ...!!

في منزل حكمت

عادت رحمة من الخارج ، وألقت بحقيبة يدها الحمراء الكبيرة على الأريكة ، ثم خلعت حذائها ذو الكعب العالي ، وسارت في اتجاه غرفتها ، ولكنها توقفت عن الحركة حينما وجدت خيال شخص ما قابع في الظلام ..
-الله ! إنتي

نهضت حكمت عن المقعد ، وأضاءت مصباح غرفة الصالة وهي تسير في اتجاه ابنتها ، و..
-ايوه ياختي ، أنا !

أمعنت رحمة النظر في والدتها ، وبكل جفاء تسائلت ب...
-انتي خرجتي من القسم امتى يامه؟

لوت حكمت زاوية فمها في تهكم جلي ، و...
-طب كويس إنك فاكرة إني لسه أمك ، و أني كنت متنيلة محبوسة في القسم

أشاحت رحمة بيدها في الهواء بكل إنفعال ، ثم أولت ظهرها لها ، و...
-يوووه يامه ، مش كل يوم هانعيد ونزيد في الاسطوانة الفارغة دي

لكزتها والدتها في كتفها بعد أن وقفت خلفها ، ثم بإنزعاج زائف نطقت ب...
-يا بت خلي عندك دم ، ده أنا بأهبب اللي بأهببه ده عشان تاكلي كويس وتلبسي نضيف وأعملك قيمة وسط الناس

نظرت لها رحمة بإزدراء قبل أن تردف متبرمة ب ...
-هأو .. ناس ؟ هما فين دول ، يامه خليني حاطة زفت في بؤي وساكتة ..!
-هو أنا يعني قصرت معاكي ؟ ماهو على يدك

زفرت رحمة في يأس ، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عن والدتها ، وأولتها ظهرها وسارت في اتجاه المرحاض ، و..
-بقولك إيه يامه ، قفلي على السيرة دي وخليني أروح أنضف جتتي قبل ما أنزل ..!

ضيقت حكمت عينيها في حيرة ، و..
-هو إنتي نازلة تاني ؟

وضعت رحمة يدها في منتصف خصرها ، ومدت ساقها للأمام وهي ترمق والدتها بنظرات متحدية ، و..
-أه .. عندك مانع ؟!

فغرت حكمت شفتيها قليلاً من الإندهاش ، ثم سريعاً ما لملمت شتات نفسها ، وتحدثت بنبرة شبه متلعثمة ب...
- هه ، آآ.. لأ .. بس آآ.. على فين العزم ؟
-شغل يامه ، شغل

اقتربت حكمت من إبنتها ، ونظرت لها بعاطفة مصطنعة وهي خافضة لنبرة صوتها ، و...
-طيب .. بس مش ناوية كده آآ... آآآ.. تشوفي أمك بحاجة ؟

تنهدت رحمة في إنهاك ، ثم أشارت بعينيها نحو حقيبتها الملاقاة ، و..
-عندك الشنطة أهي يامه ، خدي منها اللي انتي عاوزاه ، بس سيبلي فلوس للمواصلات

تهللت أسارير حكمت على الفور ، وإرتسمت الابتسامة العريضة على ثغرها ، وظهرت الفرحة جلية في كلتا عينيها ، و...
-حبيبتي يا رحووم ، تسلميلي يا غالية !

ثم ركضت في اتجاه الحقيبة ، وانحنت لتلتقطها ، وبدأت تعبث في محتوياتها بحثاً عن النقود ... بينما اتجهت رحمة للمرحاض ، وصفقت الباب خلفها بقوة .......

في الساحل الشمالي ،،،،،

وضعت ناريمان الهاتف على أذنها بعد أن ضغطت على زر الإتصال بإبنتها ، ثم ظلت تهز ساقها البارزة من أسفل تنورتها التي تصل إلى ما بعد ركبتيها في عصبية ، و..
-أووف عليكي يا ليوو ، بجد إنتي غريبة ! مش معقول مش شايفة كل ال missed calls دي ..!!!!

-ناريمان حبيبتي ، تعالي يالا

استدارت ناريمان بظهرها للخلف ، ورمقت ممدوح بنظرات حادة وشبه غاضبة ، و...
-ثواني يا ممدوح ، هاطمن بس على ليان ، وبعد كده آآ..

وضع ممدوح قبضتي يده على ذراعي ناريمان ، وظل يتحسسهما بأصابعه وهو يبادلها نظرات دافئة ، و..
-مالك يا حبي ؟

تنهدت هي في إرهاق ، وحدقت فيه بأعين شبه مضطربة ، و..
-ليان مدوخاني معاها من الصبح

وضع ممدوح إصبعه على طرف ذقنها ، وظل يمرره عليه في نعومة، و..
-عادي يا ناريمان ، كل البنات اللي في سنها كده

أزاحت هي إصبعه ، ثم تحركت للأمام خطوتين ، و..
-لألأ .. هي مكانتش كده ، بالعكس إحنا كنا جايين الساحل وهي طبيعية جدا ، لكن فجأة حالها اتشقلب ، وبقيت مش عارفة أوصلها

عقد ممدوح ساعديه أمام صدره ، ونظر في اتجاهها ، و...
-تلاقيها بس مشغولة مع صاحبتها ولا حاجة

التفت له برأسها كلية ً ، ولم ترمش بعينيها ، و..
-جايدا !

ابتسم هو لها بهدوء زائف ، وهز رأسه موافقاً ..
-أكيد

تملكها الحماس ، وأجفلت عينيها قليلاً لتنظر لهاتفها المحمول ، ومن ثم بدأت بالضغط على أزراره في تلهف ، و...
-طب أنا هاكلم جايدا وأسألها عنها ، at least ( على الأقل ) هاطمني عليها ..!
-أوكي ، بس بسرعة عشان نلحق نرجع الشاليه

هزت هي رأسها موافقة عدة مرات ، و..
-اوكي

وضعت الهاتف مجدداً على أذنها ، وانتظرت أن يأتيها الرد من الجانب الأخر ، و..
-هاي جودي ، how are you ( كيف حالك ؟ ) .. أنا كنت آآ.. .. ممممم.. تمام

ظلت تتحرك بحركات عشوائية وتغمغم بخفوت ، في حين راقبها ممدوح بنظراته الثاقبة ، ثم نظر في ساعة يده ، و..
-الوقت بيضيع الفاضي ، وهي مش مركزة بس غير في عيالها ، وأنا عاوز أتبسط معاها ، يالا بقى يا نريموو

أنهت ناريمان المكالمة الهاتفية مع جايدا ، وعاودت أدراجها في اتجاه ممدوح ووجهها مازال إلى حد ما متشنج الملامح ..
-برضوه متعرفش عنها حاجة
-طب اهدي ، شوية أكيد وهتلاقيها جاية عندك

ضيقت ناريمان عينيها ، ووضعت يدها في منتصف خصرها ، وصرت على أسنانها في حنق ، ..
-البنت دي لازم تتعاقب ، بس أشوفها

مد ممدوح يده ليمسك بكف يدها ، ثم وضعه على صدره ، وبصوته الرخيم بدأ الحديث ب...
-اعملي اللي انتي عاوزاه معاها ، بس الوقت من دهب وآآ..

أخفض نبرة صوته أكثر لتصبح أقرب للهمس ، ونظر إليها بنظرات ذات مغزى ، ..
-واحنا جايين هنا عشان نتبسط ، صح ولا أنا غلطان ؟

ابتسمت هي له ابتسامة مجاملة ، ثم تنهدت في إرهاق ، و..
-اوكي

أسند هو ذراعه على كتفها بعد أن جذبها نحوه ، ثم سار كلاهما في اتجاه الشاليه الخاص بعائلة الجندي ...

في منزل تقى عوض الله ،،،،،

رصت تقى صحون الطعام على الطاولة ، ولم تنطق بكلمة خشية أن تثير حنق والدتها التي لم تكف عن رمقها بنظراتها الحادة ، وجلست على مقعدها في صمت ، وبدأت في تناول الطعام ..
لم تتحدث فردوس هي الأخرى بل ظل عقلها مشغولاً بأحداث اليوم من البحث عن وظيفة تناسبها ، والسؤال عن زوجها وكذلك أختها ، وبالتالي لم تكن لديها الطاقة الكافية للمجادلة مع ابنتها على فعلتها الغبية ..

حاولت تقى أن تختلس النظرات إلى والدتها ، فتيقنت من شرودها ، ومن عدم تناولها للطعام بصورة جيدة ، فإنتابها القلق على حالها ، وترددت في الحديث معها ، ولكن في النهاية قررت أن تفتح معها حواراً عادياً لعلها تسبر أغوار عقلها ، لذا أردفت ب ..
-ماما

انتبهت لها فردوس ، وسلطت عينيها عليها ، وبكل جفاء تحدثت ب ..
-في ايه؟

ابتلعت تقى ريقها في توتر ، ثم نظرت إلى صحن طعامها شبه الفارغ ، وسألتها بخفوت ملحوظ ب...
-هو .. هو انتي كويسة ؟
-أه

ابتسمت تقى ابتسامة صغيرة ، ثم نظرت في اتجاه والدتها بحيرة ، و..
-طيب .. حضرتك ساكتة ليه ؟ هو .. أو أنا زعلتلك في حاجة ؟

حدجتها والدتها بنظراتها الصارمة قبل أن تنفجر بغضب فيها ب....
-يعني مش عارفة انتي عملتي ايه ؟
-والله يا ماما أنا كنت بس عاوزة أشوف الدنيا تحت عاملة إزاي ، لكن آآ..

تركت فردوس معلقتها على الصحن ، ثم ...
-خلاص قفلي على الموضوع ده ، مش ناقصة رغي على الفاضي

أخفضت تقى رأسها في إستياء ، و..
-حاضر

ثم صمتت للحظات قبل أن تنطق بنبرة شبه مرتبكة ب ..
-أومال مافيش جديد ؟

رفعت فردوس حاجبها في إنزعاج ، ثم تنهدت في إنهاك قبل أن تنهض عن الطاولة ، وتجيبها ب...
-لأ .. لمي الأطباق واغسليها ، مش عاوزة حاجة تبات في الحوض ، أنا مش ناقصة قرف
-طيب

ثم تركتها وانصرفت في اتجاه غرفتها وهي مقطبة الجبين ....

في سرادق حفل الزفاف ،،،،

انطلقت الألعاب النارية المصحوبة بالموسيقى الصاخبة لتعلن عن بدء حفل الزفاف الشعبي ..
إكتسى وجه بطة بعلامات الرعب والقلق ، ولم تكف عن النظر إلى عبد الحق الذي كان يرسم تلك الإبتسامة السخيفة على وجهه
جلست هي على ( الكوشة ) المخصصة للعروسين ، وظلت تراقب الجميع بأعين متوجسة ..
وقفت إلى جوارها والدتها وأخواتها الصغيرات ، وكذلك عددٍ من رفيقاتها في المدرسة ..
انحنت إحداهن على ركبة بطة ، ثم ( قرصتها ) بخفة فيها وهي تبتسم لها بحماس ، و...
-أديني قرصتك في ركبتك عشان أحصلك في جمعتك

إبتسمت بطة إبتسامة مصطنعة ، ولم تعقب ..
توالت القبلات والتهنئات عليها ، ولكنها لم تكن متواجدة بروحها معهن ، بل ظلت تترقب ما الذي يمكن أن يحدث لها لاحقاً ...

بينما إنشغل عبد الحق بالرقص والغناء مع أصدقائه الذين لم يجعلوه يجلس لثانية واحدة بجوار عروسه ..
كذلك أعطاه البعض منهم لفافات غريبة الشكل ، وكذلك بعض الأقراص ، فدسها في جيبة ، وابتسم لهم في خبث ..

لم تكف إحسان هي الأخرى في رمق بطة بنظرات نارية متوعدة ، وظلت مكفهرة الوجه ، وعابسة الملامح ، و..
-ربنا يجعلها ليلة سودة عليكي وعلى اللي زيك

مالت هنية برأسها عليها ، ولكزتها في ذراعها و..
-شوية وكلنا هنتفرج على العجب كله

صرت إحسان على أسنانها في قوة ، وكورت قبضة يدها في حنق ، و..
-ده أنا هاكسر نفسها بنت ال *** دي

ابتسمت هنية في تشفي ، ونظرت إلى العروس بنظرات حاقدة ، و...
-وماله ، المهم إنتي تعرفيها إنك ست البيت ، والأمر والنهي ليكي وبس !

في شاليه عائلة الجندي ،،،،،

وضعت ناريمان المفتاح في المكان المخصص له لكي تفتح الباب ، وكان يقف ورائها ممدوح وهو يحمل في يده حقائب بلاستيكية مليئة بالطعام الجاهز والشراب ..
كان كلاهما يتبادلان كلاماً غير مفهوم إلى أن ولجا إلى الداخل فتسمرا في مكانهما غير مصدقين وجوده أمامهما ..

ارتبكت ناريمان على الفور ، وتوترت ملامحها ، وحاولت أن تسيطر على إنفعالاتها المضطربة ، ولكن خرج صوتها ضعيفاً مرتبكاً حينما نطقت ب...
-م... مهاب !

ضيق مهاب عينيه أكثر ، وحدق فيها بنظرات شبه حادة ، و..
-أيوه ، كنتي مفكراني حد تاني

تنحنح ممدوح في خشونة ، وتصنع السعال ، ثم ..
-احم ... ازيك يا مهاب ، حمدلله على سلامتك

نهض مهاب عن المقعد وهو متجهم الوجه ، وسار في اتجاههما ، ورمق كليهما بنظرات مشمئزة قبل أن يوجه حديثه لممدوح ب....
-إنت بتعمل هنا ايه يا ممدوح ؟

ابتسم ممدوح في برود مستفز ، ثم أسند الحقائب البلاستيكية على الأرض ، ونظر إلى رفيقه بنظرات غير عابئة بعد أن وضعي يديه في جيبي شورته القصير ، ثم بكل برود تحدث قائلاً ب...
-ولا حاجة
-ولا حاجة إزاي ؟ انت مش كنت لسه أعد في السعودية ، واجازتك لسه بدري عليها !!

ابتسم هو في برود أكثر ، ثم أخرج يده اليمنى من جيبه ، ومررها على رأسها ليرتب شعره بروية ، ثم أردف ب...
-عادي ، زهقت ، فقولت أخد الأجازة بدري

مط مهاب شفتيه في عدم إقتناع ، ووقف قبالة ممدوح ورمقه بنظراته النارية والاستهجانية قبل أن ينطق متهكماً ب...
-تنزل بدري .. ممممممم.. بس اللي أعرفه إن اللي بيرجع من السفر ، بيروح بيته ، مش بيجي الساحل مع مرات صاحبه

ابتسم له في خبث ، ورمقه بنظرات تحمل مغزى و..
-ما إحنا كلنا عيلة واحدة ، ولا .. آآ.. ولا نسيت ...!

شعرت ناريمان بإضطراب الأجواء بين الاثنين ، وخشيت أن يتمادى الأمر أكثر من هذا ، فتدخلت على الفور ب...
-مهاب ، انت .. انت مش كان عندك مؤتمر باين ؟

لم ينظر مهاب في اتجاهها ، بل ظل محدقاً بممدوح ، و..
-أه كان في ، بس اتلغى !!!

ثم نظر لها من زاوية عينه بقسوة قبل أن يتابع بنبرة تحمل إيحاءاً ما ب ...
-وأظن يعني إنه من حقي كجوزك إني أقضي وقت معاكي ومع عيلتي ، ولا أنا غلطان يا .. يا ناريمان هانم

تنحنحت هي في حرج ، ونظرت إلى ممدوح نظرة خاطفة وكأنها تحاول تبرير ما ستفعله لاحقاً ، و..
-أه طبعاً .. آآ.. ح.. حمدلله على سلامتك يا مهاب

ثم اقتربت منه وعانقته عناقاً عادياً لا يحمل من الود أو القرب أي شيء .. ثم ابتعدت عنه ، وتحاشت النظر إليه ، و..
-هاروح أنا أجهز حاجة بسيطة للعشا

ابتسم لها زوجها إبتسامة مجاملة ، ثم وضع يده على وجنتها ليمسح عليها برقة قبل أن يتحدث ب....
-تمام ..

ثم استدار قليلاً برأسه ليتابع النظر إلى ممدوح بنظراته الساخطة ، و..
-وأهي فرصة أكون أنا اتكلمت مع صاحبي شوية

ابتلعت ريقها في توتر جلي ، ووزعت نظراتها بين الاثنين ، وحاولت أن تبدو أكثر هدوءاً ، و..
-أوكي .. بس .. بلاش خناق ، احنا عاوزين نقضي سهرة لطيفة

أجابها مهاب ببرود دون أن ينظر إليها ب ..
-أكيد .. بسرعة جهزي الحاجة يا حبيبتي
-طيب

ثم تركتهما وانصرفت وهي تضع يدها على قلبها ، و..
-أووف ، مكنش متوقع إنك تجي خالص يا مهاب ، إيه بس اللي جابك الوقتي ، OMG ..!!!!

أمسك مهاب ممدوح من ذراعه ، ودفعه عنوة في اتجاه الشرفة الواسعة ، ولم يتركه إلا حينما تأكد من ابتعادهما تماماً عن ناظري زوجته ، فحدجه بنظراته الغاضبة أولاً ثم انفجر ثائراً فيه ب....
-انت اتجننت يا ممدوح ، بتعمل ايه هنا مع مراتي ؟!!!

ابتسم له في تهكم واضح ، ثم ....
-ولا حاجة ، عادي يعني ، زيارة عائلية

إغتاظ مهاب كثيراً من ردة فعله الفجة ، وإنتابته العصبية حتى في نبرة صوته ، و...
-يا سلام ؟!! هو انت شايفني أهبل ولا مغفل عشان أصدق كلامك ده

تنهد ممدوح في عدم إكتراث ، ثم اتجه إلى أقرب مقعد بلاستيكي ، وجلس عليه ، ووضع ساقه فوق الأخرى ، ثم أسند مرفقيه على المسندين ، وبدأ يحرك المقعد بطريقة هادئة ..
-براحتك

إشتعل مهاب غضباً ، وثارت ثائرته كثيراً ، فإقترب منه ، وأمسك به من ياقته ، وجذبه عنوة من عليه لينهض الأخير واقفاً ، ثم بنبرة محتقنة تحدث ب...
-فوق يا ممدوح ، ماضيك الوسخ أنا لسه محافظ عليه ، فمتخلنيش أتجن وأطلعه عليك

وضع ممدوح قبضتي يده على يدي مهاب ، ثم نزعهما بقوة ، وهو يرمقه بنظراته المحذرة ، و..
-قبل ما تتجن وتطلعه ، إفتكر إني كنت ستر وغطا عليك في بلاويك ، ولا ناسي الممرضات والخدامات وأخرهم كان تهاني ..!

أطبق مهاب على فم ممدوح ليمنعه عن الكلام ، و..
-بس اسكت خالص ، دول كلهم مايجوش حاجة جمب اللي إنت عملته فيها

أزاح يده بعيداً عن ثغره ، ثم قبض على كفه ، وضغط عليه بأصابعه في حنق ، ومن زاوية فمه تحدث وهو يضغط على الحروف ب ..
-هع .. تهاني ! أنا معملتش ده لوحدي ، إنت مش كنت معايا ، وبموافقتك عشان تغطي على جريمتك في المستشفى

اتسعت عينيه الحمراوتين في غضب واضح ، وصر على أسنانه أكثر ، و....
-اسكت خالص ، ماتنطقش

دفعه ممدوح للخلف ، ونظر له بجفاء قبل أن يتحدث بنبرة قاسية ب...
-لأ هاتكلم ، لأني مش لوحدي اللي عملت ده ، كان بمباركة منك ، وكفاية إني سبتلك مراتي تعمل فيها اللي انت عاوزه
-بس انت آآآ.....

(( طرااااااااااااااخ ))

توقف كلاهما عن الجدال الحاد حينما سمعا صوت تحطم لأكواب زجاجية وتهشمها إلى أجزاء صغيرة ، فنظرا حيث مصدر الصراخ العالي ، و..
-بس بقى انتو الاتنين ، كفاية حرام عليكم ..!!!!

نظر مهاب إلى زوجته فوجدها تضع كلتا يديها على أذنيها لتسدهما ، وملامح وجهها متشنجة للغاية ، و..
-إرحموني بقى ، أنا تعبت ، سنين وأنا كاتمة في نفسي اللي حصل ، وخلاص زهقت ، وبرضوه لسه بتتخانقوا

أراد ممدوح أن يتحرك صوب ناريمان ، ولكنه تحامل على نفسه ليظل واقفاً في مكانه ، في حين زفر مهاب في ضيق ، ومر يده على رأسه ودعكها في توتر مشحون ، و..
-ناريمان ، خلاص اهدي

بدأت ناريمان تنتحب ،وصوتها صارأكثر إختناقاً بسبب بكائها ، و..

-أهدى ازاي ، وانتو الاتنين مصممين تفتحوا الماضي ده ؟!

رمق ممدوح رفيقه بنظرات استنكار ، ثم أشار لها بعينيه ، وبنبرة متعجرفة تابع حديثه ب...
-والله مش أنا اللي حابب أفتحه ، شوفي جوزك وآآ...

استدار مهاب بظهره ليواجهه ، ثم بنبرة محتقنة وشبه آمرة صاح ب ....
-إنت لسه هنا ، اتفضل امشي ، إرجع لعيالك

قهقه ممدوح بطريقة غريبة وهيسترية ، وأرجع رأسه للخلف ، ثم تبدلت ملامحه للسواد ، وتلاشت ابتسامته المستفزة ، وحدق في مهاب بنظرات فارغة ، و...
-دي نكتة دي ولا حاجة ، إنت عارف كويس إن ولادي ماتوا يوم حريق المعمل !!

ثم صمت لثوانٍ قليلة قبل أن يتابع بنبرة منفعلة وهو يشير بإصبعه ب..
-فاكر اليوم ده يا مهاب ، يا ريت تكون فاكره زيي ، أنا مانستش اللي حصل فيه للحظة بس !

زاغت عيني مهاب وظهر الرعب الممتزج بالذعر فيهما ، وقد مر بباله ذكرى ما حدث قبل سنوات ...

في شاليه أخر مترامي الأطراف ،،،

ضغط فارس على زر إنارة الغرفة ، ثم وضع يده على ظهر ليان ودفعها بخفة إلى الداخل وهو يبتسم لها ابتسامة عذبة ، و..
-خشي يا حبيبتي ، متخافيش !

أومأت هي برأسها موافقة ، ثم بخطوات مرتبكة ولجت للداخل ، وتأملت الغرفة من حولها ببطء .. كان يتوسطها فراشاً عريضاً يكفي لشخصين ، وأريكة صغيرة مريحة على الجانب من اللون البيج ، وأمامها طاولة صغيرة ، وكذلك مرآة معلقة على الحائط ، بالإضافة إلى شاشة تلفاز عريضة مثبتة على الجدار المواجه للفراش ..

شعرت ليان بقشعريرة تدب في أوصالها ، وحاولت اخفائها وظلت تبتسم لتبدو هادئة أمام فارس ، ثم سارت في اتجاه الفراش ، ومسحت عليه بأطراف أصابعه ، ومن ثم جلست عليه .. وظلت تدور برأسها في الغرفة ..

أخرج فارس من جيب بنطاله الخلفي ورقة بيضاء ، ثم جلس على الأريكة ، وسحب الطاولة في اتجاهه ، وبدأ في كتابة بعض العبارات .. ثم رفع عينيه في اتجاه ليان،و..
-تعالي يا حبيبتي جمبي ، أنا خلاص كتبت الورقة ، وناقص بس توقيعك عليها

تنهدت ليان في توتر ، وبصوت خافت أردفت ب ..
-اوكي

نهضت هي عن الفراش ، وسارت في اتجاه الأريكة ، فأفسح لها فارس المجال قليلاً لتجلس إلى جواره ، ثم نظر إليها بنظرات عميقة ، ومد يده بالقلم الحبر في اتجاهها، و..
-امضي يا عروسة

أمسكت ليان بالقلم بأصابع مرتجفة ، وظلت يدها تهتز في خوف وهي توقع على تلك الورقة ..
وما إن انتهت هي من التوقيع عليها حتى جذب هو الورقة منها ، وقام بطيها ووضعها في جيبه ، ثم سحب القلم من يدها ، وألقاه خلف ظهره ، وبكلتا يديه أمسك بكفي يد ليان ، وجلس إلى جوارها ملتصقاً بها و..
-بحبك يا مراتي ، مبروك يا أجمل عروسة

نظرت له ليان بحيرة ، ثم بنبرة منخفضة همست ب...
-هو .. هو إحنا كده اتجوزنا ؟

ابتسم لها ابتسامة صفراء من خلف أسنانه وهو ينظر لها في لؤم ، ثم حرك رأسه ناحيتها بعد أن أجلسها على حجره ، ودقق النظر في شفتيها التي كانتا ترتجف بشدة ، وتحدث بنبرة ماكرة ب....
-طبعاً بس على الورق ، لكن .. آآ.. لكن دلوقتي هيبقى عملي ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل السابع والعشرون

بداخل سيارة الهوندا ،،،،

تأكدت أم بطة من جلوس إبنتها في المقعد الخلفي ، ثم قامت بلملمة ذيل فستان زفافها المبعثر ، ونظرت لها بعاطفة أمومية ، وبصوت دافيء تحدثت ب.. :
-ربنا يسعدك يا بنتي ، ويكرمك يا رب مع عريسك ، حطيه في عينيكي ومتزعليهوش يا بت

تنفست بطة بهدوء ، ونظرت إلى والدتها بنظرات شبه معاتبة ، ثم بكل جدية ردت عليها ب ..:
-ربنا يسهل
-مش هوصيكي ، وأي مشاكل تحصل بيني وبين جوزك محدش يعرف عنها حاجة ، كده أريح ليكي

زمت بطة شفتيها في إحتجاج :
-طيب خلاص يامه فهمت .. حاجة تانية ؟
-لأ

صافح عبد الحق رفاقه بحرارة ، ولم يدخر أي أحد منهم وسعه في إسداء النصح له وإعطائه إرشادات ليلة العمر ..
وما إن انتهى حتى ألقى بثقل جسده إلى جوار زوجته، ثم رمقها بنظرات أكثر تفحصا لمفاتن جسدها، ثم مال برأسه عليها وهمس لها ب ..
-الليلة ليلتك يا .. آآ... يا بطة

إبتلعت بطة ريقها في توجس ، وتحاشت النظر إليه ، واستدارت برأسها في اتجاه النافذة ، ولكنها إنتفضت فجأة فزعة في مكانها حينما وجدت عبد الحق قابضاً على كف يدها ، ومقرباً إياه من فمه ، فنظرت لها بنظرات مرتعدة ، في حين أردف هو ب..
-مش هاتعرفي تهربي مني ، ولا من اللي جاي ..!

تجمدت عيني بطة في مقلتيهما ، ولم تعرف ما الذي يشير إليه بعبارته تلك .. ولكنها دعت الله في سرها ب ..:
-يا رب عديها على خير ، يا رب كملها بالستر من عندك

-يالا يا اسطى ، اطلع على البيت ، لأحسن ورانا شغل إنما إيييييه للصبح
قالها عبد الحق وهو ينظر بخبث إلى بطة ..
في شاليه آخر بالساحل الشمالي ،،،،

إختبأت ليان أسفل الملاءة وحاولت أن تسيطر على نوبة الخوف التي إنتابتها بعدما حصل فارس على مبتغاه الدنيء منها ..
كانت تنظر حولها بنظرات مرتبكة ، فلمحت ثيابها ملاقاة على الأرضية الرخامية ، وكذلك ملابسه .. بالإضافة إلى هاتفها المحمول الذي أغلقته ..
عضت هي على شفتيها في قلق بالغ وهي تلوم نفسها ب ..:
-أنا إيه اللي عملته في نفسي ده؟ أنا .. أنا ايه اللي خلاني بس آآ.. أوافق على اللي طلبه مني ..!

لمحت ليان بطرف عينها بقعة دماء وردية في منتصف الفراش ، فلوت شفتيها في توتر، ثم حركت الملاءة قليلاً بقدمها لتداريها ، وتنهدت في قلق وهي تبتلع ريقها بصعوبة ..
تململت في الفراش بعد أن تمددت عليه ، فتناثر شعرها الهائج على وجهها ، فمدت هي يدها لتعيد خصلات الشعر المنسدلة على جبينها خلف أذنها ، ثم تنفست ببطء لتهديء من روعها ..
انتبهت هي إلى صوت صرير فتح باب الغرفة ، فإنزلقت أكثر بجسدها العاري أسفل الملاءة ..

ارتسم على وجهها علامات الارتياح حينما رأته بجسده القوي يدلف للداخل .. وابتسمت له برقة ..
أحضر فارس كأساً من الخمر بعد أن وضع به مكعبات من الثلج ، ثم اقترب من ليان وجلس إلى جوارها بعد أن ثنى ركبته أسفل منه ، ثم مد يده بالكأس نحوها ، وهو يرمقها بنظراته الهادئة ، وبصوته الرخيم تحدث ب .. :
-حبيبتي ، اشربي ده وهاتبقي كويسة

ارتجفت شفتيها وهي تحاول الرد عليه ، فخرج صوتها متلعثماً :
-اوكي

أخذت ليان الكأس وتجرعته على فمها دفعة واحدة ، فسعلت على الفور وبشدة ، وإنحنت للأمام محاولة لفظ ما علق في جوفها ، فنهض فارس من مكانه ، ووقف خلفها ، ثم ضرب على ظهرها العاري عدة مرات وهو يعاتبها ب .. :
-يا ليوو بالراحة مش كده يا قلبي ، ده يتشرب على مراحل ، مش زي ما إنتي عملتي

إلتقطت هي أنفاسها ، وتوقفت عن السعال الشديد ، ونظرت له بنظرات ممتنة ، و..
-آها .. كح .. آآ..

تنهد فارس في إرتياح ، ثم نظر إليها بنظرات متفحصة ، ومد أنامله الخشنة نحوها ليزيح الملاءة قليلاً عنها ، ثم تأمل كتفيها وجزءاً من مفاتنها ، فتلونت وجنتيها باللون الأحمر حينما رأت نظراته الجريئة لها .. تحسس فارس بأطراف أصابعه بشرتها الناعمة فأصيبت هي بالقشعريرة ، ثم رفع عينيه قليلاً لينظر إليها بنظرات مطولة ، وبنبرة ماكرة تشدق ب ... :
-الحق يتقال أنا ماتبسطش في حياتي إلا معاكي بس يا مزة

لم تجبه ليان بل إكتفت بإبتسامة صغيرة رسمتها على شفتيها ..
اتسعت ابتسامة فارس الصفراء لتتحول إلى إبتسامة مخيفة برزت جميع أنيابه ، وهنا شعر ليان بأن هناك خطب ما في المسألة .. فنظراته لم تكن مريحة على الإطلاق ، وكذلك تصرفاته معها .. وجاهدت لتقنع نفسها بالعكس ...
ولكن فجأة جذب هو الملاءة عنوة من عليها لينكشف جسدها بالكامل أمامه ، فشهقت هي من الذعر ، وتبدلت تعابير وجهها للخوف الشديد ، وحاولت أن تغطي مفاتنها بكفي يدها وهي تنظر إليه بصدمة قبل أن تسأله بإرتباك ب ..:
-إنت .. إنت بتعمل ايه ؟

كور فارس الملاءة ، ثم ألقاها خلف ظهره ، وأخرج من جيبه هاتفه المحمول ، وقام بفتح الكاميرا الخاصة به ليدوي الفلاش بعدها لأكثر من مرة معلناً عن تسجيل بعض الصور ..

-متخافيش ، أنا بس هاخد صورة للذكرى
قالها فارس وهو يحدجها بنظراته المهينة لها ، ثم اعتلى ثغره إبتسامة أكثر وضاعة حينما رأى بقعة الدماء الوردية بارزة في الصورة ..

لم تستوعب ليان ما الذي يحدث معها ، ولكنها سريعاً ثنيت ساقيها لتغطي أي شيء من جسدها المكشوف أمامه ، ولكن للأسف لم تجد ما يسترها ، فنظرت إليه بذعر ، وبنبرة مشدوهة صرخت ب ..:
-آآ.. ايه ؟ انت .. انت بتصور إيه ؟ انت اتجننت
-لأ يا حلوة ، ده مش جنان

وضعت ليان يدها أمام عدسة الكاميرا لتمنعه من التصوير ، وصرخت فيه عالياً ب ..:
-ده.. ده أنا مراتك

قهقه فارس بطريقة مستفزة ، ثم ببرود مستفز أجابها ب ...:
-هأو .. مراتي ! طب سلامات يا مدام !

احتقن وجهها بالدماء الغاضبة ، وإختنق صوتها في حلقها ، فخرج متشنجاً حينما صاحت ب ..:
-حرام عليك ؟ ده أنا وثقت فيك وصدقتك

ابتسم متهكماً وهو يتابع حديثه بنبرة غير مكترثة ب ..:
-وايه يعني ، ولا يفرق معايا كلام الأفلام ده كله ، ده أنا واد مرقع يا بت

لم تجد ليان ما يدفعها للرد على وقاحته سوى البصق عليه :
-اتفوو عليك

ضحك فارس بطريقة أكثر استفزازية ، ونظر إليها بنظرات جامدة ، ثم بنبرة فجة أردف ب ..:
-مقبولة منك .. أنا عذرك برضوه .. كده 100 فل وعشرة ، بس أدوس بقى حفظ ويبقى كده عملنا أحلى شغل

استدار فارس برأسه للخلف بحثاً عن ملابس ليان ، ثم انحنى بجذعه للأسفل ، وإلتقطها ، ومن ثم ألقاها في إتجاهها ، وبصوت بارد آمرها ب ..:
-استري نفسك يا حلوة ، أنا خلاص خدت اللي عاوزه منك ، ولو إنه على عيني الجمال ده يدارى ، بس كده بح

رمقته ليان بنظراتها المشتعلة من عينيها المغرورقتين من البكاء ، ثم هدرت صارخة فيه ب ..:
-ليييييه ؟؟؟ ليييه عملت فيا كده ؟؟؟ لييييييه ؟؟؟
-عشان آآ...

في نفس التوقيت فتحت لوزة باب الغرفة لتلج إلى الداخل وهي تنظر إلى ليان بنظرات إحتقارية ، ثم بكل قسوة صاحت ب..:
-أقولك أنا يا حلوة ليه ؟ دي حاجة بس بسيطة من اللي الباشا اخوكي عمله

نظرت ليان إلى لوزة بنظرات حائرة ، وبنبة مختنقة تحدثت ب ..:
-آآ.. أخويا ؟ أوس !
-أيوه .. أوس باشا .. ابقي سلميلي عليه يا .. يا مدام
قالتها لوزة وهي تضحك ساخرة منها ، ولم تكف عن رمقها بتلك النظرات المهينة التي زادتها ذلاً وإنكساراً ...

اقترب فارس من لوزة ، وأحاطها من خصرها بذراعه ، ثم قربها إلى صدره ، ونظر إليها بنظرات مطولة قبل أن يلتهم شفتيها بشفتيه ، فنظرت إليه ليان بإشمئزاز غير مصدقة أنها وقعت ضحية لفخ محكم لم تستطع أن تراه بوضوح .. فصرت على أسنانها في غضب ، وإرتدت ملابسها على عجالة ..
عاود فارس النظر إلى ليان ، وبحاجبٍ مرفوع ، ونبرة فظة تحدث ب ..:
-ولعلمك بقى إحنا جوازنا عدم اللامؤاخذة كده بخ ..!

فغرت هي شفتيها في عدم تصديق ، واتسعت عينيها في ذهول ، وحاولت أن تنطق فخرج صوتها مكتوماً :
-هاه .. آآ.. ج..آآآ

رفع فارس كف يده أمام وجهها ليجبرها على الصمت ، ثم بكل وقاحة نطق ب.. :
-اسكتي شوية ، بصي من غير إحم كده ولا دستور ، احنا لا اتجوزنا ولا اتهببنا ، أنا يدوب بس دوقت العسل معاكي يا .. يا مهلبية !

لكزته لوزة في جانبه ، فتأوه هو من الآلم ، ثم حدجته بنظرات محذرة وهي تتوعد ب :
-ما تتلم ياض ، ده أنا واقفة جمبك ، ولا عاوزني أوريك وشي التاني

أخفض فارس رأسه قليلاً ، ثم داعب أرنبة أنفها بطرف إصبعه ، ثم تحدث بهمس قائلاً :
-إنت الأصل يا باشا ، بس أنا بأجبر بخاطر البُنية بكلمتين كده
-لا تجبر ولا تطيب ، إحنا خلاص مهمتنا خلصت لحد كده ، وبح ، ماشي ؟
-أوامرك ..

أشارت له بطرف عينها ليتبعها قبل أن تنطق ب ..:
-طب يالا يا فارس

أوشك الاثنين على الخروج من الغرفة ، ولكن تراجع فارس للخلف خطوة ليخرج من جيب شورته الورقة المطوية ، ثم نظر إلى ليان بنظرات فارغة وقال لها .. :
-بيتهيألي دي مالهاش أي لازمة
وبكل قسوة قام فارس بتمزيق الورقة إلى أجزاء صغيرة ، ثم وضعها في كف يده ، و نفخها فيها بهواء فمه في اتجاه ليان لتتناثر حولها ، ثم لوح لها بإصابعه ، وبنبرة استخفاف نطق ب.. :
-باي يا ليووو ، ولا زي ما بيقولوا تِشاو عليكي

تجمدت ليان في مكانها من الصدمة ، وشحب لون وجهها سريعاً وهي غير مصدقة أنها قد صارت ضحية لأكذوبة كبيرة ، خسرت فيها شرفها وعرضها بسبب أشياءٍ لا تعرفها عن أخيها ..
إنهارت ليان على الأرضية ، فساقيها لم تعد تقويان على حملها ، وبكت بحرقة وهي ممسكة ببقايا ورقة الزواج العرفي ، وبصوت مختنق صرخت ب ..:
-لأ.. لأ ، حرام اللي بيحصل ده فيا ، حرام ...!!!!

في منزل عبد الحق بالزقاق ،،،،،

لم تتوقف أبواق السيارات عن إزعاج جميع سكان تلك المنطقة الشعبية بصوتها الجهوري معلنة عن وصول أحدث عرسان الليلة ..
ترجل عبد الحق من السيارة أولاً ، ولوح لأقاربه وأصدقائه بيده ، ثم دار حول السيارة ، واتجه إلى الباب الخلفي وفتحه ، وانحنى بجذعه للأسفل ونظر إلى عروسه بنظرات جادة قبل أن ينطق بنبرة شبه فولاذية :
-انزلي

لم تجبه بطة ، بل نظرت له بخوف ، وامتثلت لأوامره في صمت ، وكادت أن تتعثر في ذيل فستانها وهي تترجل من السيارة ، ولكن أسندها من ذراعها زوجها ، وهمس لها ب ..:
-جاهزة للي جاي
-هاه
قالتها بطة وهي غير مستوعبة للغرض من تلميحاته المريبة تلك ..

اعتدلت بطة في وقفتها ، وسارت بخطوات متمهلة في اتجاه بوابة البناية القديمة التي ستسكن بها مع والدة زوجها وعائلته ، فأمها قد وافقت على أن تمكث إبنتها معهم بشرط إحضار غرفة نوم جديدة لها ، في مقابل تجهيزها بالمفروشات المناسبة من حيث السعر ..

ولجت بطة إلى داخل مدخل البناية ، ورفعت بصرها للأعلى قليلاً لتتأمل المكان ، وفجأة أصبحت ساقيها معلقتين في الهواء وشخص ما يطوقها من خصرها ، فنظرت إلى الجانب بعينيها ، فوجدت عبد الحق يحملها بين ذراعيه ، ويبتسم لها إبتسامة لئيمة و..:
-المرادي بس هاشيلك لبيتك يا بطتي

اكتست وجنتيها سريعاً بحمرة الخجل ، ولفت ذراعيها حول عنقه ، وأخفضت رأسها وعينيها للأسفل .. في حين تعالت الزغاريد والتهليلات من حولهما ..
صعد عبد الحق بزوجته إلى الطابق الثاني حيث يوجد منزل العائلة المتواضع والمكون من ثلاث غرف بسيطة في أثاثها القديم ، فيما عدا غرفته التي تم طلائها وتجهيزها قبل عدة أيام لتناسب تلك المناسبة السارة ..

دفع هو باب الغرفة بساقه ، ثم أنزل زوجته على ساقيه ، فسارت هي بخطوات خجلة نحو الفراش وجلست على طرفه ، وأطرقت رأسها في إستحياء ..
ابتسم عبد الحق مجدداً لها ، وبصوت رخيم قال :
-هاسيبك خمساية وراجع تكوني خدتي على المكان

هزت بطة رأسها موافقة ، وظلت تفرك في أصابع يدها في توتر واضح ، في حين نزع عبد الحق رابطة عنقه ، وألقاها على المقعد الخشبي الصغير المجاور لخزانة الملابس ، وهو يسب ب ..:
-بتاعة بنت *** خنقاني من الصبح ، أعوذو بالله منها ..!

نظرت له بطة بإستغراب ، ومطت شفتيها في تعجب وهي تحدث نفسها ب ..:
-يعني حبكت تشتم الوقتي ، مش تصبر شوية لما ناخد على بعض وأكتشف طابعك المهبب

خرج عبد الحق من الغرفة ، وأغلق الباب خلفه ، فتنفست بطة الصعداء ، وأزاحت الطرحة قليلاً عنها ، وبدأت تجوب ببصرها الغرفة وهي تهمس ب.. :
-مش بطالة ، مع إني والله أستاهل الأحسن ، بس هأعمل ايه في أمي اللي كانت مستعجلة عشان تجوزني أي حد والسلام ..!

ثم استدارت برأسها فجأة ناحية باب الغرفة حينما سمعت صوت مقبضه يفتح بقوة ..
اتسعت عيني بطة في ذهول حينما رأت إحسان أمامها وعلى وجهها تعابير غامضة ، وشعرت بالرعب يتسرب إلى بدنها ، ولكنها جاهدت لتحافظ على رباطة جأشها أمامها ..

لوت إحسان زاوية فمها في تشفي ، ثم بنبرة غليظة قالت :
-جاهزة يا بنت ال *** لدخلتلك البلدي

إزداد جحوظ عيني بطة ، ونهضت فزعة من مكانها ، وفغر ثغرها للأسفل ..

حدجها إحسان بنظرات قاتلة ، ثم بخطوات واثقة اقتربت منها وهي تتحدث بثبات ب ..:
-هو النبي حارسه وصاينه مقالكيش إن الدخلة بلدي

لم تصدق بطة أذنيها حينما أعادت والدة زوجها على مسامعها تلك الكلمة مجدداً ، وظنت أنها تتوهم ما تسمعه ، ولم يخلو وجهها من تعابير الصدمة ..
حاولت هي أن تجيب عليها ، ولكن خرج صوتها متحشرجاً ومبحوحاً حينما ردت عليها ب ..:
-آآ.. ايه ؟ ب.. بلدي ؟

لم تفق بطة من صدمتها سريعاً حيث لمحت من زاوية عينها هنية ومعها شادية تقفان على ( عتبة ) الغرفة .. فإنتابها الفزع ، وزاغت نظراتها بينهن ، بينما خرج صوتها من حلقها مرتعشاً حينما سألتها :
-م... م.. آآ... مين دول ؟ وجايين هنا ليه ؟؟

التفتت إحسان برأسها للخلف ، وبنبرة آمرة وهي ترفع كلا حاجبيها للأعلى صاحت ب ..
-يالا يا نسوان ، عاوزين نجهز المحروسة لليلتها

-م.. محدش يقرب مني ، محدش يجي جمبي ، والله لأصوت وألم عليكم الناس
قالتها بطة محذرة بصوت مرتعد وهي تتراجع بظهرها للخلف

لم يتغير تعبير وجه إحسان كثيراً ، بل على العكس إزدادت نبرتها حدة وإصرار حينما أشارت لمن معها بيدها وقالت :
-وإحنا مش عاوزين منك غير الصويت يا بت ، يالا يا ولية منك ليها ، إحنا مش هانقضي الليل كله هنا

اعتلى ثغر هنية ابتسامة واسعة متشفية ، وشعرت بالإنتشاء لأن خطتها أوشكت على النجاح ، ثم سارت في اتجاه بطة وهي ترمقها بتلك النظرات المترقبة ..

دب الذعر في جميع أنحاء خلايا جسد بطة ، وبنبرة أكثر فزعاً صرخت فيهن عالياً ب ..:
-محدش يجي جمبي ، محدش يلمسني ، يامه ، الحقوني يا ناس ، يامه حوشيهم عني

أحاطت النسوة الثلاث ببطة ، ثم قمن بجذبها بعنف نحو الفراش ..
دفعتها إحسان أولاً بكل ما أوتيت من قوة على ظهرها ، ثم بنظرة قاسية آمرت هنية ب ..:
-امسكيها يا ولية كويس
-من عينيا ...
قالتها هنية وهي توميء برأسها عدة مرات ، ثم مدت يدها لتقبض على ذراع بطة ، ولكنها عجزت عن الإمساك به ، فنبشت أظافرها في مرفقها لتؤلمها ، فصرخت بطة بحدة من الآلم .. في حين قفزت شادية على بطة وأمسكت بذراعها الأخر ، وألقت بثقل جسدها على عنقها وكتفيها ل ( تقيد ) حركتها ، فأصبحت بطة مشلولة عاجزة عن الحركة ، وتحت رحمتهن ..

توقفت إحسان في مكانها لتتفحص بطة لثوانٍ قبل أن تسأل :
-ها يا نسوان ماسكينها كويس ؟
-أيوه
أجابت هنية بكل ثقة وهي ممسكة بذراع بطة تحت إبطها

حاولت بطة أن تفلت ذراعها وتحرره ، وظلت تتلوى بجسدها بحركات عنيفة لتتخلص من قبضتي هنية وشادية ، ولكن لفارق الحجم والجسد كانت محاولتها تبوء بالفشل ..
وبنبرة يائسة توسلت بطة لإحسان ب ..:
-أبوس ايدك خليهم يسبوني ، حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده !

بصقت عليها إحسان قبل أن تجيبها ب ..:
-هو أنا عملت حاجة لسه يا ****** ، ده أنا هوريكي شغل الحموات اللي على أصوله

-أيوه ربيها بنت ال *** دي ، مش ناقصين تنطيط من مفعوصة زيها ..!
قالتها هنية بشماتة واضحة وهي تحاول تثبيت جسد بطة ..

استدارت بطة برأسها للجانب ناحية هنية ، ثم بكل شراسة قامت بعض ذراع هنية ، فصرخت الأخيرة عالياً :
-آآآآآي ... يا بنت العضاضة ، البت المفكوكة عضتني

أرخت هنية قبضتيها عن بطة لتتحسس موضع الآلم ، في حين استغلت بطة الفرصة لتخلص ذراعها منها ، فتنبهت إحسان لما تفعله ، فصاحت محذرة ب :
-يا ولية يا اللي اسمك هنية إمسكيها كويس ، متخليهاش تفلت من إيدك
-لألألأ ... ابعدوا عني .. الحقوووني ، آآآآآآه .. آآآآه

-اخررررسي يا بت
قالتها إحسان وهي تصفع بطة بقسوة على وجنتها لتجبرها على الصمت ..

بعد لحظات دلف عبد الحق إلى داخل الغرفة ، وإشرأب برأسه للأعلى قليلاً ليتابع ما يحدث وهو يتسأل بنبرة مهتمة ب ..:
-ها يامه ، كله تمام ؟

نظرت إليه والدته بنظرات متأففة قبل أن تجيبه بتهكم ب ..:
-تعالى يا سيد الرجالة ، تعالى عشان تكمل شغلك

حرك عبد الحق يديه بعصبية ، وبنبرة شبه منفعلة أجابها ب ..:
-الله يامه ! بلاش تريقة الله يكرمك ، الأمور دي ماتتخدش قفش كده

صرخت بطة عالياً وهي تتلوى بجسدها في كل الإتجاهات ، ثم نظرت في اتجاه زوجها وبنبرة راجية إستنجدته ب ..:
-لألألألأ.. ابعدوا عني ، تعالى يا عبده حوش أمك عني

هزت إحسان كفي يدها عدة مرات إشارة منها لسوء إختيار بطة ، ثم بنبرة متهكمة تشدقت ب ...
-اتسندتي على حيطة مايلة يا خايبة ، ده هو اللي هاي .... آآ.. هايكشف المستور ، بس على عينك يا تاجر ...!

اتجهت إحسان صوب إبنها ، وضربت على كتفه بقوة ، ونظرت إليه بحدة وهي تحدثه بصرامة ب ..
-وريني يا فالح هاتعمل ايه في المعدولة اللي اتجوزتها !
-ماتستقليش بيا يامه ، ده أنا سبع رجالة في بعض
-طب خد .. ورينا شطارتك يا فالح
ثم أعطته قطعة قماش بيضاء صغيرة كانت مكورة في قبضة يدها ، فأخذها منها عبد الحق ، ولفها حول إصبعه ، ونظر إلى والدته بنظرات متحدية :
-هاتشوفي

حدقت بطة في زوجها ووالدته بنظرات مصدومة ، وإزداد صراخها ب :
-يا ولاد ال *** هاتعملوا ايه ، ابعدوا عني ، لألألألأ

لم يهتم عبد الحق بصرخاتها ، ولا بسبابها ، بل اقترب من الفراش بخطواته الثقيلة ، ثم بكل برود تحدث ب :
-وحياتك يا ست هنية اكتمي بؤها شوية لأحسن كده أنا مش هاعرف أركز
-حاضر يا بني ، انت تؤمر بس

كممت هنية فم بطة بكف يدها ، وتشبثت شادية أكثر بها ، في حين إنضمت إحسان إليهما ، وتعاون الجميع في إزاحة الجزء السفلي من فستان عرسها ليكشف عن ساقيها .. ثم نزعت إحسان ذلك السروال الضيق الذي يغطيهما ، وألقته على الأرض دون إكتراث ، وصرت على أسنانها وهي تتفحص عوراتها و..
-جاهز ياض

-أها
أوميء برأسه موافقاً ، ثم اعتلى ثغره ابتسامة واسعة ، ونظر إلى بطة بنظرات شهوانية قبل أن ينطق ب ..
-باين عليها هاتكون ليلة مفترجة ..

ثم شمر عن ساعديه ، وجلس على طرف الفراش ، وأفسح ما بين ساقي زوجته ونظر لها بنظراته الوضيعة قبل أن ينطق ب ..
-مش قولتلك إنها هاتبقى ليلة ماتتنسيش ...
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثامن والعشرون

في شاليه عائلة الجندي ،،،،

ساد صمت مشحون بين مهاب وممدوح ، وتبادلا النظرات النارية والغاضبة فيما بينهما .. في حين إرتمت ناريمان على أقرب مقعد وهي تنتحب بصوت مرتفع ، ودفنت وجهها بين راحتي يدها ..
لم يجرؤ ثلاثتهم على التحدث عن أسرار الماضي ، وإكتفوا بالنظرات الغامضة ..
في النهاية زفر مهاب في ضيق وهو ينظر في اتجاه زوجته وصاح بها متسائلاً :
-فين ليان ؟

لم تجبه ناريمان في البداية ، فأعاد مهاب تكرار السؤال ولكن بحدة أكبر وهو ينظر نحو ممدوح وكأنه يتعمد إشعال غيرته :
-فين بنتي ليان ؟

ابتسم ممدوح لنفسه في سخرية مريرة ، ونظر ناحية الشاطيء من جانب الشرفة ليتجنب نظرات مهاب الشامتة ، وغمغم بخفوت لنفسه ب :
-إحرق دمي أكتر لما تنادي بنتك بإسم آآ.... آآ.. ملاكي

أبعدت ناريمان كفي يدها قليلاً عن وجهها ، ورفعت عينيها المنتفختين للأعلى ، وأجابت عليه بصوت مبحوح ومتلعثم :
-م.. م.. آآ... معرفش

رمقها مهاب بنظراتٍ شرسة قبل أن يتابع الحديث معها بعصبية ب ..:
-يعني ايه متعرفيش ؟؟ مش المفروض البنت معاكي ، وإنتي مسئولة عنها ؟

ابتلعت هي ريقها في توتر ، ووزعت نظرها بينه وبين ممدوح ، وحاولت أن تبدو متماسكة حينما أجابت عليه ب ..:
-ماهو .. آآ.. ما أنا بأطلبها على الفون من بدري وهي يا قفلاه يا مش بترد

لوح بيده في وجهها بإنفعال ، وهو يصرخ عالياً ب .. :
-إنتي معندكيش دم ، وفالحة بس تخرجي مع البيه

-بلاش أنا يا مهاب ..!
قالها ممدوح محذراً وهو يشير له بطرف عينه

اقترب مهاب مجدداً من ممدوح ووقف قبالته ، ونظر له بتحدي ، ثم صر على أسنانه وهو ينطق ب ..:
-اخرج من بيتي ، ومن حياتي ، أنا جبت أخري معاك

ابتسم له ممدوح إبتسامة صفراء مستفزة قبل أن يجيبه ب ..:
-إحنا قدرنا واحد يا .. يا صاحبي .. الماضي جمعنا ، وهانفضل كده لحد ما واحد فينا يموت فيرتاح التاني منه ...!

كان مهاب على وشك الرد عليه ، ولكن انتبه لصوت فتح باب الشاليه الخارجي ، فكور قبضته في غضب ، ونظر بتوعد له وهو يقول :
-الماضي إدفن من زمان يا ممدوح ، ها إدفن ، وأحسنلك تسيبه مكانه !

ثم سار بخطوات أقرب للركض خارج الشرفة ليرى من القادم ..
تابعه ممدوح بنظراته الساخطة إلى أن اختفى عن ناظريه تماماً ، فتوجه ناحية ناريمان ، وجثى على ركبتيه أمامها ، ثم وضع كفي يده على فخذيها ، ونظر لها بحنو ، وبنبرة خافتة أردف ب ..
-نيرموو .. مش عاوزك تقلقي ، أنا هافضل معاكي دايما

أزاحت ناريمان يديه بعيداً عنها ، ونظرت له بنظرات متوسلة قبل أن تجيبه ب ..:
-امشي الوقتي يا ممدوح ، بليز ..
أطالت هي في نظراتها الآسفة ، و..
- بليز

تنهد ممدوح في ضيق وهو خافض لرأسه ، ثم رفع عينيه لتلتقي بعينيها ، وبنبرة رخيمة قال لها :
-حاضر ، أنا هامشي الوقتي ..!
-ميرسي بجد ليك

إحتضن كف يدها بكفيه ، ونظر لها بعمق وبنبرة هادئة أوصاها ب :
-خلي بالك من نفسك ، وطمنيني على الوضع ، وإبقي قوليلي وصلتي لإيه مع مهاب

أومأت ناريمان برأسها بخفة وهي تجيبه ب ..:
-اوكي ..

سار مهاب بخطواته الراكضة نحو باب الشاليه ليجد ابنته ليان تجر ساقيها وتسير كالهائمة على وجهها في اتجاه الدرج ، توقف للحظة في مكانه مشدوهاً بحالتها المزرية ، وتأمل لثوانٍ معدودة حالة الجمود الغريبة السائدة على تعابير وجهها ، ولاحظ نظراتها الحزينة ، فإنقبض قلبه ، ومن ثم صاح فيها عالياً ب..:
-ليان .. !

لم تلتفت ليان إليه ، بل تابعت صعودها على الدرج وإكتفت بإلقاء نظرة غامضة نحوه .. فإنزعج مهاب كثيراً من ردة فعلها الجافة عليه ، فهدر بها ب ..
-بنت ! اقفي مكانك ، أنا مش بأكلمك ؟ ولا دي التربية اللي ناريمان هانم علمتهالك ؟!

اتجه مهاب بأنظاره المحتقنة نحو الدرج ، وظل مسلطاً بصره على ابنته التي لم تعبأ بصراخه فيها ..

في حين خرجت ناريمان على إثر صوته من الشرفة ، ثم ركضت نحوه ، ووضعت كفي يدها على كتفيه ، وتوسلت له ب ..
-بليز مهاب ، مافيش داعي تتعصب دلوقتي

أبعد هو يديها عنه بقوة ، ثم حدجها بنظرات مهينة قبل أن ينطق بتبرم ب ..:
-في ايه يا هانم ؟ هو مش من حقي أعرف بنتي كانت فين ولا بتعمل ايه لوحدها ؟

أخذت ناريمان نفساً مطولاً ، وزفرته على عجالة لتهديء من نفسها ، ثم بهدوء مصطنع أجابته ب ..:
-اوكي ، من حقك ، بس مش وإنت منفعل كده

رد عليها مهاب بعصبية وهو يلوح بيده ب ..:
-والله أنا حر في طريقتي مع بنتي ، مش هاتيجي الوقتي وتقوليلي أعمل ايه !!

-حلو دور الأب ده .. مع إنه مش لايق عليك
قالها ممدوح بتهكم وهو يضع يديه في جيبي الشورت الذي يرتديه ..

اندفع مهاب في اتجاهه كالثور الهائج ، ثم أمسك به من تلابيبه ، وحدجه بنظرات نارية قبل أن ينفجر فيه قائلاً:
-إنت ليه مصمم تخليني أرتكب جناية الوقتي ؟!!!!

أمسك ممدوح بقبضتيه ، وأبعدهما عنه ، ونظر له نظرات ساخطة ، ثم بنبرة جامدة أردف ب ..:
-ماتعملش حاجة ، أنا ماشي .. كفاية كده عليك النهاردة

هدر فيه مهاب بصوته الجهوري ب ..:
-في داهية ..!!

نظرت ناريمان بتوسل شديد إلى ممدوح حتى لا ينفعل هو الأخر على مهاب ، فإكتفى الأخير بكظم غيظه ، ثم سار مسرعاً نحو الباب ، وصفقه بعنف خلفه ..

لم تردْ ناريمان هي الأخرى أن تتجادل مع زوجها ، لذا أسرعت نحو الدرج وغمغمت ب ..:
-أما أشوف ليوو كانت فين

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي ،،،

جلست بطة على طرف الفراش منكمشة على نفسها في رعب جلي ، وثنيت ركبتيها أمام صدرها ، وضمت لساقيها معاً بذراعيها ، ونظرت حولها بريبة وظلت تبكي بحرقة ومرارة إلى أن تورمت عينيها وصارتا حمراوتين ، وكذلك إنتفخ أنفها ..
لم تبدل هي فستان زفافها الذي تلطخ بدماء برائتها ، بل ظلت على تلك الوضعية ترتجف وترتعش وهي تتآلم في داخلها من هول ما مرت به ..
أغمضت عينيها لتنسى ذلك المشهد القاسي الذي مرت به ..
هي لم تتخيل أن ليلتها ستكون دامية بحق ، لم يطرأ ببالها أن يفعل ( شبيه ) الرجال بها هذا ، ولم تتصور أن تشاركه والدته في تلك الجريمة ..
حقاً لقد صدقت حينما حطمتها ، وآلمتها .. وأفقدتها أبسط حقوقها ..

شهقت بطة بصوت مرتفع وهي تتذكر كيف رأت لذة التشفي ونشوة الشماتة جلية في أعين من شهدوا على ذبحها بقسوة ..
إنتفضت في مكانها لأكثر من مرة ، وإختنق صدرها من كثرة البكاء .. ووجدت صعوبة في التنفس بصورة طبيعية .. ورغم هذا لم تطلب المساعدة من أحد ، ولم تحاول حتى النهوض من مكانها ، فالآلم البدني يقتلها ، والآلم النفسي كسرها بحق ..

استدارت برأسها فزعة ناحية باب الغرفة حينما فتحه عبد الحق مجدداً وولج للداخل فنظرت له بإشمئزاز وهو يرتدي ذلك السروال الداخلي المتهدل على جسده ، وشعرت بالتقزز من وجودها معه في نفس المكان ..
لذا أشاحت ببصرها بعيداً عنه ، وكتمت نحيبها .. ومسحت عبراتها في فستانها ، في حين اقترب هو من الفراش ، وألقى بجسده المنهك عليه ، ثم مد كف يده ليلمس ذراعها فإنتفضت كمن لامسه تيار كهربي ، وإنكمشت هي على نفسها أكثر ، فنظر لها بإستغراب ، ثم بصوت متحشرج نطق ب ..
-في ايه يا عروسة ؟

أغمضت بطة عينيها جبراً ، وعضت على شفتيها بقوة ، وحاولت ألا تركز حواسها معه ، فكل صوت يصدره ، وكل حركة يقوم بها تصيبها بالغثيان ، وتزيد رغبتها في النفور منه ..
اعتدل هو في جلسته على الفراش ، ونظر لها بتعجب ، ثم تنحنح بطريقة مزعجة ، وبصوته الآجش قال :
-مالك قالبة سحنتك ليه ؟ ما هي الليلة عدت وخلاص

لم تنظر هي ناحيته ، وظلت على وضعيتها تلك .. فلوى فمه في عدم إكتراث ، ثم نظر إلى الكومود المجاور له ، ولمح شرائط الأدوية المنشطة التي أهداها له رفاق السوء ، فظهرت إبتسامة ماكرة من بين أسنانه ، وسحب شريط منهم ، ثم أفرغ القرص الموجود بداخله ، ودسه في كف يده ، ونظر إلى بطة بجرأة وتفرس ملامح جسدها ببطء ، ثم بنبرة خافتة قال لها ..:
-مش هاتيجي بقى آآ...

ومد يده ليحرر أصابعها المتشابكة معاً ، فشهقت في ذعر ، ونهضت على الفور من مكانها ، ونظرت له بنظرات محتقنة قبل أن تنطق محذرة ب ..:
-إياك تلمسني !
-نعم ياختي ؟

هدرت فيه بطة صارخة ب ...:
-بقولك إياك تقرب مني ، إنت لو كنت راجل ، ولا حتى فيك ذرة رجولة مكونتش تقبل إن ده يحصل فيا

-أوووف ، أعوذو بالله ، هو أنا ناقص غم .. !
قالها عبد الحق وهو ينفخ في ضيق زائف ، .. ثم وضع يده على رأسه وحكها عدة مرات ، ومن ثم نظر إليها وتابع ببرود مستفز ب ..:
-هو إيه اللي حصل يعني ، ماهي كانت دخلة زي أي دخلة

اتسعت عينيها في ذهول ، ثم بكل غضب هدرت ب ..:
-دخلة !!! إنت بتسمي اللي عملتوه فيا دخلة ، يا شيخ حرام عليك ، ده أنا اتفضحت قصاد الناس ، غير ما إنت كسرتني ووجعتني وآآ... آآه
ثم صمتت مجبرة ، وعضت على شفتيها ، وكورت قبضتي يدها في ضيق ، وبدى وجهها منزعجاً ، فقد كافحت لتخفي الوخزات والآلام الحادة في الجزء السفلي من جسدها ..

تمطع بجسده في الفراش ، ومد كف يده تحت الوسادة ليخبيء القرص ، ثم أرخى ذراعيه إلى جوار جسده ، ونظر إلى السقف ، وبتنهيدة إرهاق أكمل ب ..:
-فضيحة ليه ؟ ما إنتي طلعتي زي الفل وبختم ربك

ثم أدار رأسه في اتجاهها ، ونظر لها بنظرات ذات مغزى قبل أن يتابع ب ..:
- وبصراحة كده أنا مقدرش أكسر كلمة أمي

فغرت شفتيها في تهكم وهي تنطق ب ..:
-أمك ..!!!!

أوميء برأسه ببرود :
-أيوه
ثم سألها بخبث ب ..:
-المهم هاتيجي جمبي ولا آآ.. ؟!

أجابته هي بصرامة قاسية وهي تنظر له بعينيها الحمراوتين :
-لأ ..
-يعني الليلة فكست ؟!
-آه ، وإنسى إنك تاخد مني حاجة تاني

-مش عاوز ، أنا أصلاً فصلت شحن من زمان وكنت بتأكد بس .. هاه
تثاءب عبد الحق أولاً بطريقة مزعجة ، ثم أولاها ظهره ونام على جانبه الأيسر ، وأغمض عينيه ، ثم رفع ذراعه في الهواء وأشار لها وبصوت شبه ناعس ومتثاقل آمرها ب ..:
-طب إطفي النور خليني أتخمد لأحسن الدخان والبرشام عموني ، ومش قادر أعمل حاجة .. آآآخخ..

صرت على أسنانها من الحنق ، وحدجته بنظرات شرسة وحاقدة ، ثم همست لنفسها ب ...:
-منك لله يا شيخ إنت وأمك ، منكم لله ، أشوفكم مفضوحين عن قريب يا رب

في طائرة مصر للطيران ،،،،

جلس أوس على المقعد الذي حجزه في درجة رجال الأعمال بالطائرة العائدة إلى القاهرة ، ثم بمهارة ربط حزام الآمان ، وأرجع ظهره للخلف ، وحدق أمامه ..
اقتربت منه المضيفة ، ومالت عليها بجسدها قليلاً بعد أن إستندت بكف يدها على مقدمة مقعده ، ثم همست له ب ..:
-تحب حضرتك تشرب حاجة الوقتي ؟
-أها .. مياه ساقعة
-بس ؟
-أيوه
-حاضر يا فندم

استدارت المضيفة بظهرها ، وقامت بفتح زجاجة مياة معدنية مثلجة ، وأفرغت بعضها في كأس شفاف ، ثم قدمته لأوس وهي ترسم على شفتيها إبتسامة رقيقة ..
ولكن إهتزت الطائرة فجأة فإضطربت المضيفة ، وإرتعشت يدها الممسكة بالكأس ، وتساقطت المياه على بنطال أوس الرمادي الداكن ، فحدجها بنظرات قوية ومخيفة ، فإرتكبت المضيفة أكثر وتوترت وسقط الكأس من يدها ، وبنبرة آسفة تشدقت ب ..
-سوري يا فندم ، لحظة وهاجيب مناديل لحضرتك

أشار هو لها بكف يده ، وبصرامة رد عليها ب...
-خلاص .. إمشي
-أنا أسفة يا فندم ، حضرتك ده .. آآ.. ده مطب هوائي وآآ..

نظر لها أوس مجدداً بنظرات أكثر حدة وهو يرفع أحد حاجبيه ، ثم بصوته الآمر صدح ب ..:
-قولتلك خلاص ، اتفضلي

تنحنحت المضيفة في حرج ، وحاولت أن تسيطر على إرتباكها ، والسخونة التي أعتلت وجهها من طريقته الفجة معها ، ثم بتلعثم واضح ردت عليه ب ..:
-إحم .. آآ.. حاضر ..

ثم بخطوات متعثرة التفتت نحو الطاولة المعدنية التي تجرها ، ودفعتها للأمام وإنصرفت مبتعدة عنه وهي تتمتم بخفوت شديد ..

نفخ أوس من الحنق ، وبطرف كفه مسح بقايا قطرات الماء المتجمدة على بنطاله ، ثم ضيق عينيه قليلاً وهو ينظر ناحية الكأس الملقى أسفل المقعد المتواجد أمامه ، ثم رفع عينيه لينظر من النافذة الصغيرة الجانبية وهو يلوي فمه في إمتعاض ، فرأى جناح الطائرة يخترق تلك السحب الضبابية ، فسلط بصره عليهم وضيق عينيه بتركيز شديد ، وشرد لوهلة في ذكريات بعيدة ، ولمحات من ماضيه ....

نظر ذلك الصغير الجالس على الأريكة الجلدية – ذات الحجم المتوسط - بعينيه الدقيقتين إلى تلك المعدات الغريبة الموضوعة أمامه ولم ينبس بكلمة ، ثم رفع إلى فمه الكوب الزجاجي ليرتشف منه بعض الماء ..
ولكن حينما سمع صوت فتح باب الغرفة إرتجفت يديه الممسكة به وسقط رغماً عنه على الأرض وتناثرت المياه على ركبتيه وأطراف السروال الصبياني – ذي اللون الزيتوني – الذي يرتديه وبللته ..
إندفعت تهاني مسرعة ناحيته ، وأشارت له بالجلوس ، ثم جلست على إحدى ركبتيها ، ومدت يدها لتمسح بنعومة على وجنته ، وبصوتها الأمومي قالت له :
-حبيبي ، متخافش ، مافيش حاجة حصلت

هز الصغير رأسه موافقاً إياها ، وبصوت طفولي أجاب ب ..:
-أها

أمسكت تهاني بكف يده ، وقبلته بشفتيها ، ثم أخذت تداعب أصابعه ، فضحك أوس لها ، ومن ثم نهضت عن الأرضية الرخامية ، و..
-هاجيب شورت تاني يا حبيبي من ال Lucker ( الدولاب ) ورجعالك ، أوعى تلعب في حاجة ، وخليك أعد في مكانك ، أوكي ؟
-حاضر

في نفس اللحظة دلف ذلك الشخص الذي يبغضه الصغير أوس إلى داخل غرفة المكتب ، فزم شفتيه بشدة للأمام ، وضيق عينيه ، وحدجه بنظرات حادة ولم ينطق بكلمة ..
رمقه ممدوح بنظرات لئيمة ، ثم غمز له بطرف عينه وهو يبتسم له بإبتسامة سخيفة من بين أسنانه ، ومن ثم نظر لزوجته تهاني بنظرات مهتمة قبل أن يردف ب ..:
-حبيبتي

إلتفتت تهاني بجسدها كليةً للخلف ، ونظرت له بإستغراب وهي عاقدة لحاجبيها :
-ممدوح ! إنت بتعمل ايه ؟

ثم أمعنت النظر في تلك العربة الصغيرة التي يجرها أمامه ، وفغرت شفتيها في تعجب حينما رأت رضيعتيها الصغيرتين ، ثم سألته بتلهف :
- الله ، إنت جايب البنات معاك كمان ؟ طب ليه ؟
-المربية اعتذرت ومجاتش النهاردة
-اعتذرت !!
-أها .. بتقول عندها برد ، وخايفة تعدي البنات
-ممممم..
-وبصراحة أنا مش هأعرف أركز معاهم ، ما انتي عارفة أنا بأتلبخ في تكة
-اوكي يا حبيبي ، أنا هاجي أشوفهم ، بس أجيب شورت أوس
-تمام

ثم إلتفت برأسه ناحية الصغير أوس ، ورمقه بنظرات متمهلة ومطولة قبل أن يسألها :
-هو هايقضي اليوم معانا ؟

أتاه صوت تهاني من الغرفة الجانبية عالياً ب ..:
-أيوه ، مهاب هيخليه معايا الفترة دي ، أنا مش مصدقة إنه وافق بالساهل على الموضوع ده ، إنت عارف أنا أد إيه استرجيته عشان يخليه يعقد معانا بعد ما اتجوزنا

هز ممدوح رأسه في انزعاج ، ثم بنبرة شبه عادية رد عليها ب :
-أها .. طب كويس

لم يكف أوس عن التحديق هو الأخر في ممدوح ، ولم يتوقف عن صر أسنانه بقوة ..

ولجت تهاني إلى الغرفة مجدداً وهي تحمل في يدها بنطالاً أخراً ، ثم اتجهت نحو إبنها ، ونظرت إليه في حنو ، وبنبرتها الهادئة قالت :
-تعالى يا حبيبي عشان أغيرلك هدومك بدل ما تبرد

جذب الصغير أوس البنطال بعنف من يد والدته قبل أن ينطق بصرامة ب :
-أنا بأعرف لوحدي يا مامي

إبتسمت له إبتسامة رقيقة ، ثم بنفس النبرة العذبة تابعت ب :
-ما أنا عارفة يا قلبي ، بس عشان أقفلك السوستة وآآ..
-أنا كبير دلوقتي
قاطعها أوس بنبرة حادة قبل أن ينهض عن مقعده ويسير في اتجاه الغرفة الصغيرة الجانبية

نظرت لها تهاني بإندهاش ، ثم بنبرة عذبة قالت :
-حبيبي ..

إلتفت برأسه نصف إستدارة ليراها ، ولم يجبْ عليها ، في حين لوحت هي له بأطراف أصابعها ، وبإبتسامتها الحانية نطقت ب ..:
-ربنا يخليك ليا يا قلبي ، وتفضل معايا على طول

ظل الصغير أوس عابس الملامح ، مقطب الجبين ، وسار في اتجاه الغرفة الجانبية وإختفى بداخلها ، ولكنه أصغى بإنتباه لكل كلمة تقال في الخارج بين والدته وزوجها الجديد ..

راقب شخص ما بالخارج ما يحدث داخل غرفة المكتب الموجودة بالمعمل الخاص من تلك النافذة الزجاجية ، وإعتلى ثغره إبتسامة شيطانية وهو يحدث نفسه ب :
-حلو أوي ، زي ما الباشا قالي ، وقت ما يكونوا كلهم مع بعض ، أعمل الماس الكهربي ، وأنا لو نفذت اللي قال الباشا عليه ، هيرضى عني ويديني اللي وعدني بيه ...

اقترب ممدوح من زوجته تهاني التي إستندت بمرفقيها على صدرها ، وأحاطها هو من خصرها بكلا ذراعيه ، ثم نظر في عينيها بنظرات عاشقة ، فبادلته هي تلك النظرات الحالمة ، وبتنهيدة رومانسية قالت له :

-أنا حاسة إني في حلم ، مش مصدقة إن كل اللي بأحبهم معايا ، إنت وأوس .. آآ..
ثم نظرت في إتجاه الرضيعتين الصغيرتين ، وتابعت كلامها ب ..:
-وبيسان وليان ..

ابتسم ممدوح لها ، وهز رأسه وهو يجيبها ب :
-أها

ثم تبدلت ملامح وجهها للقلق والتوتر ، ونظرت ناحية الغرفة الجانبية ، وبخفوت قالت :
-أنا خايفة أفوق من الحلم ده على كابوس

لوى ممدوح فمه في عدم اقتناع ، ثم مسد على شعرها ، و..
-متقوليش كده ، أنا معاكي

مطت شفتيها للأمام أكثر ، ثم قالت بإهتمام :
-بس إنت عارف صاحبك ، مش بالساهل إنه يتخلى عن اللي يخصه ، وخصوصاً إننا عارفين عنه كل حاجة

وضع ممدوح يده على طرف ذقنها ، وضغط عليها قليلاً ، ثم بكل ثقة أجاب ب :
-مهاب مش بيعمل غير اللي بأقوله عليه

ضيقت هي عينيها ، ثم بنبرة جادة سألته ب :
-طب وجوازنا من بعض ؟ كان برضوه إقتراح منك ؟

ابتسك بثقة لها وهو يجيبها ب :
-لأ طبعا ده كان مقدر يا حبيبتي ، وبعدين هو مايستهلش إلا اللي زيه

أرخت هي ساعديها عن صدره ، وسارت بضعة خطوات للأمام وهي تتنهد بإنهاك ، ثم جلست على الأريكة ، وتنهدت مجدداً بآسى ، وبنبرة حزينة تابعت ب ..:
-آآآه ، عندك حق .. كفاية أوي إني استحملت لسنين شذوذه وطريقته المقرفة معايا عشان خاطر ابني

تحرك ممدوح ناحيتها ، وبهدوء طلب منها :
-متحكيش في اللي فات يا تهاني

حركت تهاني رأسها على الجانبين ، وبصوت آسف أردفت باقي كلامها ب :
-أنا مش مصدقة بجد إني اتطلقت منه للمرة التالتة ، كل مرة كان بيرمي عليا اليمين وهو مش في وعيه كنت بأحس إني هاضيع ، وأضطر أركع تحت رجله وأسترجاه عشان يردني تاني وميرمنيش في الشارع بعيد عن إبني

جلس هو إلى جوارها ، ونظر لها بنظرات جادة قبل أن يآمرها ب :
-ششششش .. إنسي يا حبيبتي ، ده كان ماضي

نظرت له بتوتر ، وأمسكت بكف يده ، وقالت له:
-بس مهاب مش هايسكت
-بصي مهاب مركز مع ناريمان دلوقتي ، وإنتي عارفة هو أد ايه بيدور على مصلحته
-زيك برضوه !

ابتسم ممدوح لها إبتسامة مغترة ، ثم بنبرة متعجرفة نطق ب :
-لأ أنا غيره طبعاً ، ما إنتي عارفة يا قلبي
-أه يا روحي

ثم تأبط ممدوح في ذراع زوجته ، وغمز لها من زاوية عينه ، وبنبرة شبه ماكرة طلب منها :
-طب تعالي معايا نشوف نتائج التحاليل طلعوا ولا لأ
-وأوس ، والبنات ؟
-مش هايحصلهم حاجة ، دول عشراية بس وهانرجع تاني
-اوكي ..

خرج الاثنين من الغرفة تاركين الصغيرتين في عربة الأطفال وهما غافلتين ، وكذلك أوس الذي طرق الباب بعنف بقبضته الصغيرة حينما رأهما يخرجان سويا ، فصر على أسنانه في حنق :
-أنا بأكرهكم .. بأكرهكم ..!

تملكت العصبية من أوس وكان على وشك إحداث الفوضى بها ، ولكنه سمع صوت فتح باب الغرفة ، فتسمر في مكانه لوهلة ، وتوقف عن إصدار أي صوت ، وركز سمعه على الهمهات التي تصدر بالخارج ..
فتنبه إلى صوت والدته وهي تهمس ب :
-الله ! بلاش الحركات دي يا ممدوح ، ششششش.. أوس هنا
-طب يالا بقى ، مش عاوز أضيع وقت
-أوكي ، اسبقني وأنا جاية

ثم سمع صوت فتح الباب وغلقه مجدداً ، فإستشاط غضباً في مكانه ، ومن ثم سمع صوت والدته وهو يأتي من الخارج ب :
-حبيبي ، أنا هاروح أخلص شغل في المعمل وجاية على طول ، خد بالك من إخواتك ، ماشي

لم يجبْ عليها أوس ، بل ركل الأرض بعصبية .. وضيق عينيه أكثر ، وزم شفتيه بحدة ..

ظل أوس قابعاً في مكانه لعدة دقائق وهو يحاول التنفيس عن غضبه .. ثم سمع صراخ لإحدى الرضيعتين ، فنفخ في ضيق :
-أوووف ، إنتي صحيتي !

ثم تحرك بخطوات متثاقلة في اتجاه عربة الأطفال ، ولكنه تباطيء في حركاته حينما اشتم بأنفه تلك الرائحة الغريبة ، فإستدار برأسه للجانب ، ورأى تلك النيران المندلعة في الستائر المعلقة فحدق بعينيه بشدة بها ، وتراقص إنعكاس ألسنتها بطريقة غريبة في مقلتيه وكأنها تغيظه ، وتدريجياً تراجع بجسده للخلف في خوف ، ورغم هذا لم يطرف بعينيه ، ولم يهتز ، بل مكث على الأرضية في ثبات وتابع حركتها بهدوء مخيف ، ثم ثنى ساقيه وضمهما معاً بذراعيه ، وإستند برأسه على ركبتيه ، وأخذ يستنشق الدخان بغزارة إلى أن أصبحت الرؤية ضبابية ..
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والعشرون

تعلن طائرة شركة مصر للطيران عن وصول رحلتها القادمة من العاصمة الإيطالية روما إلى مطار القاهرة الدولي ، برجاء ربط الأحزمة ، وإلتزام المقاعد .. شكراً

أفاق أوس من شروده على صوت الميكروفون الداخلي بالطائرة ، فزفر في ضيق ، ونظر حوله بوجهه المكفهر ، ثم فك أزرار قميصه حتى منتصف صدره ، ومسح بكف يده قطرات العرق البارد التي تكونت على جبينه ، و صر على أسنانه في غضب وهو يحدث نفسه ب ..:
-بأكرهكم كلكم .. بأكرهكم ....!!!!!

سيطر هو على أنفاسه المتلاحقة حتى عاد للتنفس بإنتظام من جديد ، وراقب حركة توقف الطائرة بأعين كالصقر ، ثم حل وثاق حزام الآمان الخاص بمقعده ، ونهض على الفور من عليه - كمن لدغه عقرب للتو ، وجذب حقيبة صغيرة كانت موضوعة بالخزانة الخاصة به ، ثم سار في اتجاه باب الطائرة بوجه صارم للغاية ..

في شاليه عائلة الجندي ،،،،،

طرقت ناريمان باب غرفة ليان مرة واحدة قبل أن تدلف إلى الداخل وهي عابسة الوجه ، ثم ألقت نظرة على ابنتها التي جلست على طرف الفراش ، ومولية ظهرها إياها ، وشاردة بدرجة كبيرة

طرقت ناريمان بقدمها الأرض عدة مرات ، ولوت فمها وهي تنطق ب ..:
-إنتي كنتي فين ؟ عاجبك اللي باباكي عمله ده ؟ المفروض تردي على مكالماتي ، مش سيباني طول اليوم ومش سألة فيا ولا حتى بتاخدي إذني في حاجة !! ها ! كنتي فين ؟

لم تجبها ليان بل ظلت صامتة كالصنم مما جعل ناريمان تنفعل أكثر ، وتندفع في اتجاهها بغضب ، ثم أمسكتها من ذراعها وجذبتها عنوة من على طرف الفراش ، ونظرت لها بغيظ وهي تصرخ فيها ب ..:
-انتي مش بتحسي ؟ أنا بأكلمك من الصبح وانتي باردة مش عندك دم ولا إحساس باللي عملتيه

أشاحت ليان بذراعها بقوة لتتحرر من قبضتها ، ثم رمقتها بنظرات مهينة تحمل الإنكسار قبل أن تجيبها بصوت مختنق :
-هو يعني وجودي كان هايفرق معاكي في حاجة ؟
-بنت !
-روحي يا مامي عاتبي حد تاني غيري أنا

إنزعجت ناريمان أكثر ، وقطبت جبينها ، ثم بنبرة عصبية صاحت فيها ب ..:
-ليان !!! إنتي ازاي بتتكلمي بالأسلوب الوقح ده معايا ؟؟ أكيد أخوكي هو السبب ، طبعاً ما بيصدق يلاقي فرصة وآآ...

قاطعتها ليان بحدة وهي تهدر بصوتها المتشنج ب ..:
-بس بقى ، روحي شوفي نفسك الأول

صدحت ناريمان بغضب جم وهي تعتبها ب ..:
-آآ.. قصدك ايه ؟؟ انتي اتجننتي ؟ إزاي تتجرأي عليا كده ، ده أنا مامتك
-لأ ما اتجننتش ، روحي شوفي كنتي في حضن مين الأول قبل ما تيجي وتلوميني على اللي بأعمله
قالتها ليان بقسوة تامة وهي تنظر في عيني ناريمان مباشرة دون أن تطرف للحظة ..

في حين جحظت الأخيرة بعينيها في صدمة ، وتملكها الإرتباك ، واكتسى وجهها سريعاً بعلامات الذهول ، وابتلعت ريقها الذي جف بخوف ، ثم تابعت ليان حديثها الجاد ب ..:
-روحي قولي لأخويا كنت بتعمل ايه مع غيري وخلتني ضحية لغيره يلعب بيا
-هاه

أشارت ليان بإصبعها في وجهها وهي تصرخ ب :
-قبل ما تلوموني على أي حاجة بأعملها وتحاسبوني ، حاسبوا نفسكم الأول ، شوفوا عملتوا ايه .. يالا .. مستنية إيه ؟!!

صمتت لثوانٍ معدودة قبل أن تكمل بنبرة أكثر سخطاً :
-فكراني مخدتش بالي من الغراميات مع آنكل ممدوح ..

ثم نظرت إلى والدتها بإشمئزاز ، ولوت شفتيها في إستنكار صريح وهي تكمل عبارتها ب :
-كلكم مقرفين ، كلكم كدابين وغشاشين .. أنا بأكرهكم ، وبأكره نفسي ، وبأكره كل حاجة في العيلة دي

اقتربت منها ناريمان ، وأحاطتها بذراعيها لتضمها إلى صدرها وهي تآمرها بهدوء ب :
-اسكتي يا ليان ، اسكتي يا بنتي

دفعتها ليان بعنف وهي تتراجع خطوة للخلف ، ثم نهرتها ب :
-ابعدي ايدك عني ، ماتلمسنيش

أشارت ناريمان بكلتا يديها ، وحاولت أن تبدو هادئة وهي تبرر لها موقفها ب :
-إهدي طيب ، وأنا هاقولك الحقيقة ، أكيد إنتي فهمتي حاجة غلط ، أنا وآنكل ممدوح مجرد Friends ، وآآ ..

صرت ليان على أسنانها في غضب واضح وهي تقاطعها ب :
-أنا شوفتك بعيني ، عاوزة إيه تاني ، إنتي استحالة تكوني أم ، مافيش أم تعمل كده وبنتها معاها .. سبيني بقى .. سبيني واطلعي برا

تراجعت ناريمان للخلف في خوف وهي غير قادرة على إستيعاب ما قالته هي للتو .. ونظرت لها بنظرات زائغة ، كما إرتجفت شفتيها بشدة فوضعت كفي يدها عليهما ، وبدأت تعض أناملها من الرعب ، وهزت رأسها بطريقة لا إرادية وقد مر ببالها مقتطفات من ماضيها .......

هزت ناريمان رأسها بعصبية وهي تبكي بطريقة هيسترية على أحد الأَسِرةِ البيضاء في ذلك المشفى الخاص بإحدى الدول العربية والذي يعتبر والدها – الطبيب شوقى علام – شريك أساسي فيه ، ، وتعالت شهقاتها عالياً ، فحاول والدها تهدئتها ب :
-اهدي يا ناريمان ، إنتي أقوى من كده ، دي إرادة ربنا
-لأ .. مش ممكن ، إشمعنا أنا ؟؟
-شششش .. محدش يقدر يعترض على قضاء الله ، ودلوقتي في بدائل وآآ..

قاطعته بصوتها المختنق من كثرة البكاء :
-إزاي هتوافق يا دادي إنك تعمل كده ؟ ده أنا بنتك !

نظر لها بحزن ، وبصوت آسف أجابها ب:
-الموضوع فيه حياتك ، ودي اللي تهمني يا بنتي

ثم إلتفت إلى الجراح الشاب الواقف بجواره ، ونظر إليه برجاء قبل أن ينطق ب :
-ما تقولها يا د. مهاب ؟

تنحنح مهاب وهو مكور قبضة يده بالقرب من فمه ، ثم نظر بحذر ناحية ناريمان وبصوت هاديء ورخيم قال:
-يا آنسة ناريمان ، لازم نستأصل الرحم ، وكل تأخير في ميعاد العملية بيعرضك أكتر للخطر

-استحالة أوافق على كده ، انتو مش عارفين إن ده معناه ، إني آآ.. مش هاقدر .. آآآ..
ثم إختنقت الكلمات في حلقها ، وبكت بحرقة أكبر .. فزم مهاب فمه ، ونظر إلى الطبيب شوقي وهز كتفيه في حيرة ، فأطرق الأخير رأسه في آسى على ابنته ، ثم انصرف من الغرفة وهو يغمغم بكلمات غير مسموعة ...
في حين عاود مهاب النظر إلى ناريمان ، واقترب من فراشها ، ثم جلس إلى جوارها ، وأمسك بكف يدها ، وإحتضنه بين راحتي يده ، وبنبرة خافتة أردف ب..:
-متخافيش ، أنا هافضل معاكي ، إنتي في أمان بين ايديا
-إنت آآ...

تحدث مهاب بطريقة مراوغة وهو يضغط على كل كلمة وهو ينطق ب :
-أنا مش عاوزك تفكري في حاجة ، وصدقيني اللي جاي هايكون أفضل بكتير .. طول ما إنتي معايا ...!

ضيقت هي عينيها الدامعتين في عدم فهم ، ونظرت له بإستغراب ، فابتسم هو لها إبتسامة عادية ، وربت على كفها ورفعه إلى فمه وقبله بحنو و..:
-إنتي هاتكوني بخير .. هاتكوني بخير ...!

ثم مسح بكف يده الأخر وجنتها المبللة بالعبرات ، وهز رأسه بحركات بسيطة ليبث في نفسها الطمأنينة ..

راقبهما من الخارج الطبيب شوقي ، فتنهد في إرتياح ، وإعتلى ثغرة ابتسامة أمل ...

عودة للوقت الحاضر ،،،،،،

سار ممدوح على الشاطيء وهو ينفخ نيران غضب من صدره ، فكلمات مهاب كانت لها أكبر الأثر في إشعال ذلك البركان الخامد في صدره ..
لم يتوقف عن صر أسنانه ، ولا عن إطلاق السباب اللاذع طوال سيره ..
ثم لمح صَدَفة ملاقاة على الشاطيء ، فإنحنى بجذعه للأسفل ليلتقطها بيده ، ثم ألقاها بكل ما أوتي من قوة إلى داخل مياه البحر الداكنة ، وتحدث مع نفسه بصوت حانق ب :
-آه يا بن ال *** ، عملت كل اللي طلبته مني زمان ، ونفذتلك كل حاجة ، والوقتي بتعاملني كأني حيوان ومتطفل عليك ، وناسي إنتو خدتوا مني إيه ، وحرقتوا قلبي على بناتي ..

ضيق عينيه بقساوة ، ثم بنبرة متوعدة أردف ب :
-ماشي يا مهاب ال *** ، مش بالساهل إني أسيبك تتهنى في حياتك ...!!!

في شاليه ما بالساحل الشمالي ،،،

تغنجت لوزة بجسدها البارز من أسفل قميص نومها العاري ذي اللون الروز وهي تقف أمام المرآة ، ثم لمحت بضع آثار لإعتداء أوس عليها ، فتحسست تلك المواضع بأطراف أصابعها ، ثم عضت على شفتيها في ضيق ، وأشاحت بوجهها بعيداً عن المرآة ونظرت في اتجاه فارس الممدد على الفراش والممسك بالهاتف المحمول في يده ، ونظرت له بفضول وسألته :
-بتعمل ايه ؟
-بأظبط الفولدر بتاع صور المحروسة عشان أما أطبعهم وأبعتهم هدية للباشا في مكتبه
-أها .. طب سيبه وتعالى عندي
-طيب، أنا قربت أخلص أهوو

ثم عض على شفتيه بطريقة شهوانية وهو يتأمل صور ليان بتمعن شديد و..
-آآآآخ .. كانت بت جامدة فحت من فوق لتحت !!

-ماتتعدل يا فارس ..!!!!!
قالتها لوزة محذرة وهي تطلق شرارة حادة من عينيها

-مقصدش يا لوزة ، إنتي مالكيش زي ، بس برضوه ، الواحد بيموت في الحرام ، وحرام الجمال ده كان يتساي على طول من غير ما آآ...

هدرت هي به عالياً ب:
-أووف ، فارس

إنتفض فزعاً في مكانه ، وألقى بالهاتف إلى جواره ، ونهض عن الفراش وهو يجيبها بنبرة شبه خائفة ب:
-ماشي ، ماشي ..!

في منزل تقى عوض الله ،،،،

أفاقت تقى من نومها على صوت والدتها الذي يأتي من خارج الغرفة ب :
-يا تقى ، إنتي يا بت ، اصحي إحنا بقينا الضهر

تثاءبت هي بهدوء ، ثم فتحت عينيها بتثاقل وهي تتمطع بجسدها المرهق في الفراش ، ثم اعتدلت في نومتها ، وأجابتها بصوت ناعس :
-حاضر يا ماما ، هاغسل وشي واجيلك
-انجزي طيب

خرجت تقى من الغرفة وهي ممسكة بمنشفة قديمة في يدها ، ونظرت في إتجاه والدتها ، ورسمت على شفتيها إبتسامة عذبة ..
لم تنظر لها فردوس ، بل إنحنت بجسدها على تلك الخزانة القديمة لتخرج حذائها منها ، وبصوت جاف أردفت ب:
-عاوزة ألحق أنزل السوق أجيب خضار منه ، وبعدها هاطلع على المصنع ، البت زينات قالتلي إنها كلمت الأسطى حسين عني ، ووافق إني أرجع تاني بس هايخصم مني اسبوع

اتسعت حدقتي عين تقى في فرحة وهي تنطق ب :
-بجد يا ماما ؟ ده خبر حلو أوي

زمت فردوس ثغرها للأمام ، ووضعت إحدى قدميها بداخل ( فردةٍ ) من حذائها القديم ، و بنبرة يائسة قالت :
-يا رب تكون صادقة بس في كلامها ، وماتكونش بتسرح بيا ، أنا مش ناقصة غلب أكتر من كده

وقفت تقى إلى جوار والدتها ، وجثت على ركبتيها لتلمع حذائها بطرف كم قميصها ، وبصوت متفائل تحدثت ب:
-إن شاء الله هايطلع كلامها جد وربنا هيكرمنا
-إن شاءالله

في نفس التوقيت سمعت كلتاهما صوت قرع جرس باب المنزل ، فأشارت فردوس لإبنتها بعينيها لتذهب ناحيته وهي تآمرها ب :
-افتحي الباب ، تلاقيها خالتك إجلال جاية تشار علينا ، صبحي عليها عقبال ما أربط الطرحة دي بدبوس
-طيب
أومأت هي برأسها موافقة ، ثم سارت حيثما أشارت ...

تهادت تقى في خطواتها وهي تتجه نحو الباب ، ثم ألقت بالمنشفة القديمة على كتفها ، ورسمت على شفتيها إبتسامة رقيقة وهي تفتح مقبضه ..
ولكن .. سرعان ما تلاشت تعابير وجهها المشرقة ، وتحول للذبول ، وإختفت الدماء الدافئة من عروقها ليحل محلها الشحوب ، وإسودت عينيها فجأة بعدما إتسعتا من الصدمة ، وإرتجفت شفتيها الصغيرتين في رعب واضح .. ودب الفزع في خلايا جسدها المنهك ، وبدأت ترتعش بشدة ، وتتنفس بصعوبة ....

-إيييه يا تقى !! كنتي مفكراني هاسيبك بالساهل كده
قالها أوس بثقة وهو ينظر لها بقسوة ، وإبتسامة تحدي تظهر من بين أسنانه ...

أولته تقى ظهرها ، وكانت على وشك الركض بخطوات متعثرة تجاه غرفة أمها وهي تحاول الصراخ مستغيثة بها ، ولكنها تسمرت في مكانها حينما رأتها تقف خلفها ومسلطة أنظارها عليه ، فتنفست الصعداء ، وشعرت إلى حد ما بالإرتياح .. ثم أسرعت ناحيتها ، وإختبئت خلفها ، ونظرت إليه بتوجس ..

ولج أوس إلى صالة المنزل بخطوات متمهلة ، وجاب ببصره المكان ، ونجح في إيصال مشاعر التأفف من حالتهما البائسة لهما ...

حدجته فردوس بنظرات قوية ، وبنبرة حادة صرخت فيه ب :
-جاي هنا ليه يا بيه ؟ عندك سرقة جديدة ومش لاقي حد تتهمه بيها ؟

ابتسم لها أوس من زاوية فمه في تهكم ، ولم يعقبْ ..
في حين ابتلعت تقى ريقها في خوف ، ونظرت إليه بذعر من أعلى كتف والدتها ..

تحركت فردوس خطوة ناحيته ، وظل وجهها مكفهراً ، وبصلابة قالت له :
-لو معندكش حاجة تقولها يبقى تتفضل من غير مطرود

لم ينظر أوس إلى فردوس ، بل سلط أنظاره على تقى المذعورة ورمقها بنظراته الغامضة .. ثم ببروده المعتاد أولاها ظهره ، ونظر إلى الأريكة المتواجدة بالقرب من باب المنزل ، وسار في اتجاهها ..

وقف أوس أمام الأريكة ، ثم إنحنى قليلاً بجذعه ليمسح عليها بأطراف أنامله ، ثم نفخ في الغبار العالق بإصبعيه بطريقة مستفزة .. ومن ثم جلس على الأريكة وأراح ظهره للخلف، وإستند بمرفقيه على مسنديها ، ومن ثَم وضع ساقه فوق الأخرى بطرقة واثقة للغاية ...

زفرت فردوس في ضيق ، ونظرت إليه شزراً وهي تنطق ب :
-يا بيه عاوز إيه مننا تاني ؟

إبتسم أوس إبتسامة شيطانية ، وهز ساقه بحركة ثابتة ، ثم نظر لفردوس نظرات مطولة ذات مغزى ، و بنبرة ماكرة بادر ب :
-مسألتيش نفسك إنتي خرجتي إزاي من المصيبة اللي كنتي فيها ؟

فغرت فردوس شفتيها في حيرة واضحة ، وإستدارت برأسها نصف إستدارة ناحية تقى ، ثم عاودت النظر إليه ، وسألته بجدية :
-قصدك ايه ؟ مش .. مش إنت اتنازلت عن المحضر !

-أها
هز أوس رأسه موافقاً ، ثم أنزل ساقه ، وشبّك كفي يده معاً ، وآمال جذعه للأمام ونظر إلى فردوس بحدة وهو يتابع بغموض ب:
-بس مسألتيش برضوه نفسك إيه اللي خلاني أعمل كده ؟!

صمت هو للحظات قبل أن يكمل بنفس الثقة ب :
-يعني مش معقول أنا من النوع اللي بأسيب حقي ببساطة ، أكيد هايكون في مقابل !

ثم سلط عينيه على تقى ، وغمز لها بطرف عينه بطريقة مريبة قبل أن يوجه حديثه لها ب :
- ولا إيه رأيك يا تقى ....
رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثلاثون

في المشفى الحكومي العام ،،،،،

وصل الشيخ أحمد ومعه رشيد إلى استقبال ذلك المشفى المجاني ليطمئنا على حالة العامل سيد الذي إحترق وجهه ..
تنحنح رشيد بصوت متحشرج قبل أن ينطق ب :
-هاروح أدفع التذاكر يا شيخنا
-استنى يا بني
قالها الشيخ أحمد وهو يضع يده في جيب ( قفطانه ) ليخرج مبلغاً من المال منه ، ثم مد يده المتكورة نحوه ، ودس في كفه المال ، وهو يتابع ب :
-روح إدفع تمنهم بدول

ابتسم له رشيد قائلاً :
-كتر خيرك يا شيخنا
ثم إنصرف مسرعاً في اتجاه نافذة دفع تذاكر الدخول للمشفى ، ولكن كان هناك صفاً طويلاً أمام النافذة ، فزفر في غضب ، وغمغم ب :
-حتى دي كمان فيها طوابير ..!

تعهد الشيخ أحمد بتحمل نفقات علاج العامل سيد من جيبه الخاص ، ولم يدخر وسعه في إبلاغ أهل الخير بمساعدة عائلته وفي الإنفاق عليهم ريثما يتعافى ..
أمسك هو بمسبحته بأطراف أصابعه ، وأخذ يحركها بثبات وهو يتمتم بخفوت ، ثم قرر أن يتجول في أروقة المشفى حتى يعود إليه سيد ، ولكنه توقف في مكانه حينما مرت عيناه على لافتة صغيرة أعلى جهة اليمين مدون عليها عبارة صغيرة فقرأها بصوت مسموع ب :
-عنبر الكسور للرجال .. ربنا يشفي ويعافي كل مريض ..

قرر الشيخ أحمد أن يدلف إلى داخل العنبر ليلقى نظرة سريعة على من فيه لعله يمد يد العون لمن يحتاج إلى ذلك .. شعر هو بغصة في حلقه ، وإنقباضة في قلبه بسبب حال معظم المرضى البائسين والمتواجدين على الآسرة الغير آدمية ..
تأسف هو كثيراً لرؤيتهم على تلك الوضعية ، ورجى الله أن يجعله سبباً في مساعدتهم
ثم رفع كفي يده بالدعاء لهم جميعاً ، وما إن إنتهى حتى مسح على وجهه براحتيه ، وتنهد في آسى ، وأطرق رأسه للأسفل وهو يحدث نفسه ب :
-تولاهم يا رب برحمتك
ثم إستدار ليتجه للخارج ، ولكنه تسمر في مكانه حينما رأه أمامه مسجى على الفراش الجانبي وفي حالة يرثى لها .. ظن في البداية أنه شخص آخر ، فنظر له بتفحص شديد وبتمعن أكبر - وتعابير وجهه شبه مصدومة لرؤيته – ليتأكد من هويته .. ثم قال بنزق :
-عم عوض .... !

في منزل تقى عوض الله ،،،،

إنتفضت تقى في مكانها مذعورة حينما سمعته يوجه حديثه الخبيث لها ، وهو يرمقها بنظراته اللئيمة ، فإبتلعت ريقها بصعوبة ، وحادت ببصرها عنه ، ونظرت في اتجاه والدتها التي كانت تحدق بها هي الأخرى .. لقد جف حلقها حقاً من هول إفتراءاته ....

وبصوت قاتم وهي متجهمة الوجه تسائلت فردوس ب :
-قصدك ايه يا بيه بكلامك ده ؟؟

-هو سؤالي فيه حاجة مش واضحة ؟
سألها أوس ببرود تام وهو يوزع نظراته الحادة ما بين فردوس وتقى ..

اقتربت منه فردوس ، ونظرت له بصرامة قبل أن تسأله مجدداً ب :
-وضحلي يا بيه معنى كلامك ده ، معلش ماهو أنا فهمي على أدي !

اتسعت إبتسامة أوس الماجنة قبل أن يجبيها بمكر ب :
-تفتكري إيه المقابل اللي بنتك عملته و خلاني أتنازل بسهولة عن محضر سرقة كان ممكن يوديكي في مليون داهية

جحظت مقلتي عين فردوس وقد فهمت ما الذي يرمي إليه أوس الجندي بكلامه المنتقى بعناية .. في حين إنقبض قلب تقى بشدة ، فهي متيقنة أن عباراته تلك تتضمن مغزى سيء النية نحوها ..

أخذ هو نفساً مطولاً ، وزفره على مهل ، ثم فك تشابك أصابعه ، ونهض عن الأريكة ، ووضع كفي يده في جيبي بنطاله ، ومن ثم وقف قبالة فردوس ، ونظر من أعلى كتفها إلى تقى المرابطة في الخلف ، وحدها بنظراته المخيفة ، وبكل ثقة سألها ب :
-مش ناوية تيجي تروقي مكانك يا تقى في قصري ؟
-هاه
قالتها فردوس بصوت مدهوش للغاية وهي محدقة بعيني أوس الجامدة والمسلطة في آن واحد على إبنتها ..

في حين تابع هو ب :
-ده سريري زي ما هو ، مطرح ما كنتي نايمة عليه جمبي طول الليل .. ده أنا حتى مخلتش عفاف تقرب من الأوضة عشان تيجي انتي تكملي شغلك فيها ، ما إنتي عرفاني بقى مش بأحب حد يقصر في شغله معايا ، ولا حد يكمل شغل حد ..!!!!!!

لم تصدق فردوس إذنيها وهي تستمع إلى تلك الكلمات التي تمس عرض إبنتها ، فصرخت فيه عالياً ب :
-إنت .. إنت بتقول ايه ؟؟؟!!!

ثم أمسكت به من ياقة قميصه وأخذت تهزه بعنف وهي تهدر ب :
-بنتي متعملش كده
-لأ عملت
أجابها أوس وهو يزيح يديها بكل برود عن ياقته

ثم تحرك في اتجاه تقى ونظر لها مباشرة ، وسألها بنبرة غليظة ب :
-تقدري تنكري إنك جيتي تشتغلى عندي عشان خاطر أمك ؟ لأ ونمتي في أوضتي ، وجمبي على السرير ، وآآ..

قاطعته تقى وهي تلوح بعصبية بيدها في الهواء ، وصرخت هادرة ب :
-بسسسسس .. حرام عليك ، أنا معملتش ده ، أنا وافقت أشتغل غصب عني خدامة عندك ، ليه بتفتري عليا ؟!

-هو أنا عملت حاجة لسه فيكي
ثم مط فمه للأمام في استنكار زائف قبل أن يكمل وهو يغمز لها ب :
-مممممم .. الظاهر إنك خايفة تقولي لأمك عن اللي عملتيه معايا ، بلاش طيب كده .. مش هاتقدري تنكري إنك قضيتي الليل كله لوحدك وإنتي آآآ... إحم ..!

اتسعت حدقتي عينها أكثر في صدمة وهي غير مصدقة لتلميحاته الكارثية ، فقالت بعنف :
-إنت ايه شيطان ؟ والله العظيم إنت أسوأ من الشيطان نفسه ..!!!!
-مممم.. ماشي أنا شيطان ، بس تنكري إني بعت معاكي ال security أحمد عشان يوصلك البيت

فغرت تقى شفتيها في صدمة، ونظرت إلى والدتها بنظرات مرتجفة وحاولت أن تتحدث ولكن ألجمت المفاجأة لسانها ، فخرج صوتها متلعثماً ب :
-هاه .. آآ.. أحمد !

وقفت فردوس هي الأخرى في حالة إندهاش تام ، وراقبت الجدال الدائر بينهما لبرهة قبل أن تندفع كالمغيبة في اتجاه ابنتها التي تفاجئت بملامح وجهها المحتقنة والحمرة البارزة من عروقها ، فأيقنت أن أمها على وشك الإنفجار ...
مدت فردوس يدها لتقبض على رأس إبنتها ، ولوتها بعصبية للأسفل ، فتأوهت تقى من الآلم وأغمضت عينيها ، وتوسلت لها راجية ب :
-يا ماما استني اسمعيني الأول

لم تمهلها فردوس الفرصة لكي تبرر موقفها ، بل صفعتها على وجنتها بيدها الأخرى عدة مرات متتالية وهي تعنفها ب :
-ازاي تعملي كده يا **** يا بنت ال *** ..!!!!!

توسلت تقى لها بصوت مختنق من البكاء ب:
-آآآه .. قسماً بالله أنا مظلومة ، اسمعيني بس ، آآآآآه ، آآآي .
-يا شيخة كنتي سيبني أموت ولا أولع ، ولا إنك تفرطي في نفسك يا رخيصة

حاولت تقى أن تخلص فروة رأسها من براثن أمها وهي تصرخ ب :
-محصلش ، أنا زي ما أنا والله ، صدقيني يامه

تشنجت فردوس أكثر وإنفعلت على ابنتها ، وصرخت غاضبة فيها ب :
-ده أنا بأقطع من لحمي وأديكي ، وبأطفح الكوتة عشان أحافظ عليكي لحد ما يجي اللي ياخدك ويريحني من همك ، وإنتي يا بنت ال*** تعملي كده

إنتحبت تقى وتعالت شهقاتها الممزوجة بأنينها وهي تترجى والدتها ب :
-كدب والله العظيم كدب!

-كدب يا زبالة يا **** ، ده أنا شيفاكي يومها وإنتي نازلة من التاكسي ومكونتيش على بعضك
قالتها فردوس وهي تصفع وتضرب إبنتها على مواضع مختلفة من جسدها بإنفعال زائد ..

ضحك أوس بطريقة مستفزة وشعر بالتسلية الرهيبة هو يتابع الاشتباك الدائر بينهما ، ثم تدخل في الحوار ، و بنبرة تحمل اللوم الزائف تحدث قائلاً :
-شوفتي يا تقى ، يعني أمك بنفسها شافتك في التاكسي ، ومش بعيد الحارة كلها كمان .. ده كلام !!

تعالت صراخات تقى أكثر وهي تحاول الدفاع عن نفسها أمام والدتها من إتهامات أوس الباطلة ، ولم تكف فردوس هي الأخرى عن صب جام غضبها عليها .....

وعلى إثر ذلك الصوت الرهيب ، فتحت الجارة إجلال باب منزلها ، وإشرأبت برقبتها محاولة معرفة ما الذي يدور في الجوار ، وحدثت نفسها عالياً ب :
-يا ساتر يا رب ، إيه الصريخ والصويت ده كله ، في ايه بالظبط ؟

وحينما لم تتمكن من الرؤية بوضوح عقدت العزم على :
-أنا رايحة أش