ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي عشر

في منزل أوس بمنطقة المعادي
سعلت تقى وهي تتململ في الفراش ، وتأوهت بأنين مكتوم وهي تحاول تحريك ذراعيها ..
شعرت بوخز في كف يدها ، ففتحت عينيها بتثاقل ، ثم مالت برأسها -الموضوع على الوسادة - للجانب لتجد إبرة ما مغروسة فيه ، فإزداد ذعرها ، ورمشت عدة مرات لتتأكد من أنها لا تتوهم ما تراه ..

نهضت بصورة فجائية فشعرت بدوار رهيب يجتاحها .. فوضعت يدها على مقدمة رأسها ..
ثم وجدت يد ما تربت على كتفها بحنو ، وصوت أنثوي دافيء يهمس لها ب :
-اهدي يا تقى ، انتي كويسة
إلتفتت برأسها نحو مصدر الصوت ، وضيقت عينيها بإستغراب حينما رأتها أمامها .. هل هي حقاً أمها ؟ أم أنها تتوهم رؤيتها ؟ هي حقاً تشتاق إلى حضنها ، تتوق إلى الدفء الموجود بمنزلها .. كم أنها تتلهف لرؤية والدها والتحدث معه كما كان يحدث سلفاً ..

أخذت نفساً عميقاً ، وزفرته ببطء لتتحكم في نفسها ..
كانت الرؤية غير واضحة ، الصورة تهتز أمام عينيها بقوة ، ربما يحدث لها هذا نتيجة تأثير ذلك المحلول المعلق بجوارها ، أو لحركتها المفاجأة ..
أخفضت رأسها في ضعف ، ودعكت عينيها بوهن ، ثم عاودت النظر مجدداً ناحية تلك المرأة ، وتلك المرة ظنت أن حدسها قد أصاب ، فنهضت عن الفراش هتفت بحماس رغم ضعفها ب :
-م.. ماما !

فتحت تقى ذراعيها لتحتضنها ، وتحركت بساقيها الهلاميتين نحوها ، ولكن سريعاً ما تراخى جسدها ، وفقدت الوعي مجدداً ، فأسرعت " عفاف " بإمساكها ، وضمها إلى صدرها وهي تصرخ بخوف :
-تقى .. تقى !!
ركضت في إتجاهها فتاة أخرى تبدو من هيئتها العامة أنها ممرضة ، وعاونتها في وضع تقى على الفراش .. ثم أردفت بجدية :
-حسبي يا مدام ، أنا هتعامل معاها.

غطت عفاف تقى بالملاءة ، ودثرها جيداً ، وربتت على كفها برفق ، وقالت محذرة :
-خدي بالك منها
ردت عليها الممرضة بصوت جاف يحمل الجدية ب :
-متقلقيش ، ده عادي في حالتها
تنهدت في حزن ، وتابعت بنبرة راجية ب :
-ربنا يعديها على خير.

استمرت الممرضة في الإعتناء بتقى ، وحرصت على تنفيذ تعليمات الطبيب بدقة ..
بينما راقبتها عفاف بإهتمام واضح على قسمات وجهها ، ثم تنحنحت بخفوت وهي تسألها بإستفسار ب :
-احم .. هو .. هو المفروض هاتفوق امتى عشان تلبس وتجهز لدخلتها ؟
نظرت لها الممرضة بثبات ، وأجابتها بجمود ب :
-على حسب .. أنا ماشية على تعليمات الدكتور ، وشوية وهاتفوق
لوت فمها للجانب ، وتابعت قائلة بنبرة متوترة وهي محدقة بتقى :
-طب لو في قلق قولي ، وانا أتصل بأوس باشا ، وهو هايتصرف.

أومأت الممرضة برأسها إيجابياً وهي تهتف ب :
-حاضر ،لو في هاقولك ..!
ثم تنحت المدبرة عفاف جانباً وتركت الممرضة تباشر عملها مع تقى ..
وحان من رأسها إلتفاتة للجانب لترى متعلقات العروس موضوعة على الأريكة الوثيرة .. فتنهدت في حزن ، وحدثت نفسها بخفوت ب :
-هو اللي بيحصلك ده قليل يا بنتي ، ربنا يسترها معاكي ويعدي الليلادي على خير ... !

على مقربة من قصر عائلة الجندي ،،،
نزلت فردوس ومعها حارس الأمن أحمد من الحافلة على أول الطريق الرئيسي المؤدي للقصر ..
أشار هو لها بيده لتتحرك في شارع أخر موازي في نهايته توجد إحدى بوابات القصر ..
وهي بكل عزم سارت في اتجاهه .. كانت ملامح وجهها متصلبة ، عينيها ثابتتين رغم الحركة اللا إرادية لبؤبؤهما .. فكل تفكيرها منصب في تلك اللحظة على الوصول للبوابة ، والدخول للقصر وإنتشال إبنتها ، والعودة بها سالمة إلى منزلهما البسيط ..

هي قد عرفت الطريق إليها رغم الظلام السائد في المنطقة ، ولكن معالمها حفرت في عقلها ، ولن يمنعها عنها أي شخص .. فهي من كانت تضحي على الدوام من أجلها ، واليوم قد جاء دورها لتقوم بوظيفتها كأم تفني عمرها من أجل فلذة كبدها ...
لم يعرف أحمد ما الذي يدور في رأس تلك السيدة ، فهي لم تنطق بكلمة واحدة منذ أن أخبرها بمعرفته بمكان القصر .. ولكنه رأى في عينيها إصرار غريب لم يعهده فيها حينما رأها أول مرة ..

فقد تشكلت في رأسه فكرة عن كونها أم متسلطة قاسية ، لكنه صدم برؤيتها على العكس تماماً ..
بعد دقائق قليلة وصل كلاهما إلى البوابة ، ونظرا حولهما بتفحص ..
انتفض حارس الأمن جمال من " الكابينة " القابع بداخلها فور رؤيته لأحمد ، وركض في إتجاهه وهو يصيح بإنزعاج ب :
-برضوه جيت تاني يا أحمد ، ناسي الباشا قال إيه
نظر إليه بضجر وهو يجيبه بضيق ب :
-لأ مانستش.

ثم أشار بعينيه نحو فردوس وتابع حديثه بجدية ب :
-بس الست دي جاية تشوف بنتها
هتفت فردوس بصوت عالي ومنفعل ب :
-فين بنتي ؟ أنا عاوزة أدخل اشوفها
وإندفعت في إتجاه البوابة الجانبية ، ولكن أوقفها الحرس المتواجدين أمامها ، ومنعوها من الدخول ، فذمتهم بغضب ..
أمسك جمال بذراع أحمد ودفعه للجانب ، وسأله بجدية ب :
-بنت مين بالظبط ؟

أجابه أحمد بإهتمام واضح في نبرة صوته ب :
-تقى ، البت الغلابة اللي جت تشتغل هنا من فترة ، عارفها ؟
أرجع جمال رأسه للخلف ، وأرخى قبضته عنه ، وتابع قائلاً ببرود :
-أها ، بس هي مش شغالة هنا !
-هاه
قالها أحمد وهو فاغر فمه في إندهاش ، فقد إعتقد أن تقى قد عادت للعمل بالقصر بعد أن طرد منه ، وتعذر عليه الوصول إليها ، فلجأ إلى والدتها لكي يعرف أخبارها .. ولكن خابت آماله ..

نظرت فردوس لجمال بريبة ، وصاحت بتذمر :
-إزاي ؟ ده .. ده الجدع ده قالي إنها شغالة هنا خدامة
نهرها هو بضيق وهو يلوح بيده أمام وجهها ب :
-يا ست بأقولك بنتك مجتش هنا من يوم ما خدها أحمد ومشى.

إندفع أحمد في إتجاه جمال ، وأمسك به من تلابيبه ، وهزه بعنف وهو يصرخ ب :
-إنت كداب ، أوس باشا مش بيسيب حد حطه في دماغه
وضع جمال قبضتي على كفي أحمد ، وحاول إبعادهما وهو ينظر في عينيه بغل محذراً ب :
-نزل إيدك يا أحمد بدل ما أخليك تندم !
اضطر الأخير أن ينفذ طلبه ، وأبعد قبضتيه عن ياقته ، وظل يحدجه بالنظرات المشتعلة ولم ينبس بكلمة ..
لوى جمال فمه في تهكم وهو يتابع ب :
-كويس إنك لسه بعقلك وماتهورتش معايا.

نظر له أحمد برجاء وهو يحدثه بتوسل ب :
-أنا عاوز أعرف هي فين !
ببرود أجابه دون أن يطرف له جفن :
-قولتلك مجتش هنا
اقتربت منه فردوس ، ونظرت له بحنو عجيب ، ثم مدت يدها نحو كفه لتمسكه ، وكادت أن تقبله وهي تستعطفه ب :
-يا بني الله يكرمك ، ربنا ما يوقعك في ضيقة .. خليني طيب أخش اشوف البيه جوا ، ها .. أنا هاستسمحه يمكن يكون عارف طريقها ، والنبي يا بني ، أبوس إيدك !

سحب هو يده سريعاً ، وأكمل متبرماً :
-يا ست قولت مليون مرة إن بنتك مش جوا
ثم صمت لبرهة ليراقب ردة فعلها ، فوجدها بدأت بالنحيب ، فنفخ منزعجاً وتابع بضيق ب :
-وبعدين محدش جوا أصلاً عشان تقابليه ، الكل في فرح الهانم الصغيرة !
نظر أحمد إلى فردوس – وكذلك هي – بنظرات غريبة ، ثم تسائل بجدية ب :
-هي ليان هانم هتتجوز ؟
أجابه الحارس جمال بإيجاز ب :
-أه.

ضيق أحمد عينيه ، وسأله بفضول أكبر ب :
-لمين؟
رد عليه بإقتضاب وهو ينظر حوله بترقب :
-لعدي بيه الشامي
وقع الإسم على أذنيه كالصاعقة ، فإنتبهت حواسه له ، وصاح بإندهاش :
-ايه عدي بيه ؟ صاحب الباشا ؟!
أومأ جمال برأسه وهو يجيبه بجديه قائلاً :
-أه هو
حك أحمد طرف ذقنه متسائلاً بإستغراب ب:
-بس ليه كده ؟ ده .. آآآ...

قاطعه جمال بنبرة غليظة ، وبنظرات صارمة قائلاً :
-مالناش فيه ، اللي يتجوز يتجوز ، واللي يطلق يطلق ، هما باشاوات في بعض
هز الأخير رأسه موافقاً إياه وهو ينطق ب :
-اها .. على رأيك
أجفلت فردوس عينيها في إحباط ، وتوسلت للحارس جمال برجاء ب :
-أمانة عليك يا ابني لو عرفت حاجة عن بنتي تقولي
نظر لها بتعالي ، ثم حاد بعينيه عنها وهو يجيبها بإمتعاض ب :
-إن شاء الله.

أراد أحمد أن يثبت للسيدة فردوس أنه قادر على مساعدتها في العثور على إبنتها ، فهتف بحماس ب :
-بص أنا هابقى اكلمك لو آآ..
قاطعه جمال بصوت جاف ونظرات صارمة ب :
-لأ متكلمنيش .. لو في حاجة أنا هابقى اتصل ، ويالا من هنا قبل ما حد منهم يرجع وتحصل مشكلة
شعر أحمد بالحرج من رده الفظ عليه ، ونظر بإرتباك ناحية فردوس ، وتنحنح بصوت خشن ، ثم قال بجدية زائفة :
-ماشي .. بس ماتنساش.

رمق كلاهما بنظرات ساخطة ، ثم أمرهما ب :
-طيب ، اتفضلوا
وضع أحمد يده على كتف السيدة فردوس التي كانت مسلطة أنظارها على بوابة القصر لتنتبه هي له ، ومال برأسه عليها قائلاً بهمس :
-يالا يا ست أم تقى ، احنا هانجي وقت تاني
نظرت له بأعين دامعة ، ثم قالت وهي تنتحب :
-مش هاين عليا أمشي من غير ما أشوف بنتي.

تنهد هو في يأس ، ثم أردف بصوت أسف ب :
-هو قال إنها مش جوا
عاودت النظر إلى بوابة القصر الحديدية ، ثم تنهدت بإستسلام ب :
-قلبي حاسس إنها موجودة وهما مخبيين عليا.

أدرك أحمد أن السيدة فردوس قد تعلقت بأمل وجودها بداخل القصر، وربما تكون صادقة في إحساسها، فقلب الأم لا يخطيء في معظم الأحيان.. ولكنهما لن يستطيعا الولوج الآن.. عليه أن يتأكد فقط من وجودها حتى يرسم خطة للدخول وتخليصها من براثن أوس ..
ظلت أنظارها معلقة بالبوابة وضمت يديها إلى صدرها وهزت كتفيها في إحباط ..
رمقها أحمد بنظرات دافئة ومشفقة على حالها ، ثم تحدث بصوت جاد مطمئناً إياها ب :
-بصي أنا مش هاسيبها ، وهوصلها وأطمنك عليها
نظرت في إتجاهه بحماس بدى واضحاً في عينيها الحمراوتين وهي تهتف ب :
-بجد ؟

ابتسم لها إبتسامة عريضة وهو يجيبها بشوق حقيقي ب :
-اه طبعاً .. دي .. دي تقى
نظرت له ممتنة ، ثم سارت مبتعدة عن البوابة وهي مطرقة الرأس ..
بعد دقائق وصل كليهما إلى الشارع الرئيسي ..
درست فردوس المكان جيداً ، وحفظت معالمه عن ظهر قلب ، ثم إلتفتت برأسها ناحية أحمد و سألته بإهتمام :
-بس إنت متأكد من الجدع الأمن ده ؟

أومأ برأسه وهو يجيبها بثقة ب :
-ايوه ، هو مأكدلي إنه لو شافها ولا عرف حاجة عنها هيبلغنا
ثم صمت للحظة ليحدث نفسه بإصرار بعد أن إلتفت برأسه للخلف :
-ولو حتى مقالش أنا هافضل مراقب المكان لحد ما أوصلها وأرجعها لحضني تاني... !
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني عشر

وصلت سيارة فارهة أمام بوابة مركز التجميل الشهير، وقام السائق بصفها بمحازاة الرصيف ليترجل منها عدي الذي تأنق بصورة ملفتة للأنظار ومثيرة للإعجاب .. حيث إرتدى حِلة سوداء – ذات ماركة شهيرة – وعَدَل من وضعية ( البابيون ) الخاص به .. ثم إتجه ناحية البوابة الزجاجية وهو يحمل تلك الباقة الأنيقة في يده ..
قام حارس ما بفتح البوابة له بعد أن ألقى عليه التحية ، ثم ولج إلى الداخل وإبتسامة عريضة تكسو قسمات وجهه ..

إستقبلته ناريمان بتلك الإبتسامة السخيفة على وجهها ، ثم إحتضنته بحذر وهمست له قائلة :
-مش هوصيك
أومأ برأسه إيماءة خفيفة وهو يجيبها بإبتسامة واثقة :
-كل حاجة هاتكون زي ما إنتي عاوزة
-أوكي .. وعروستك مستنياك.

قالتها ناريمان وهي تشير بيدها للجانب ليلتفت عدي برأسه نحو تلك الزاوية التي تقف عنده عروسه وهي في قمة جمالها ..
فغر عدي فمه في إنبهار ، فتلك هي المرة الأولى التي يراها في كامل زينتها ، فعادة كان وجودها مثل عدمه ، لا يشكل فارقاً معه ..
لكن منذ أن علم بفعلتها المشينة ، وعقده النية على أن تكون له ، وهو يراها بمنظور أخر ..
إبتلع لعابه وهو يبتسم لها بمكر .. ثم سار بخطوات متهادية نحوها ، ومد ذراعه ليمسك كفها الرقيق ، وإنحنى بجذعه للأمام ليقبله بعذوبة ، ثم أردف هامساً :
-مبروك.

ثم تقوس فمه للجانب وهو يبتسم لها بلؤم متوعداً إياها بليلة لن تمحى من ذاكرتها ..
نظرت له ليان بكبرياء زائف وهي تهز رأسها بحركة خفيفة ، وردت عليه هامسة :
-ميرسي ..
أعطاها باقة الورد البيضاء ، التي تكلفت الكثير في إعدادها ، لتمسكها في يدها ، وتأبطت هي في ذراعه الأخر .. وسار كلاهما في إتجاه المدخل ..
إلتف حولهما صديقات العروس اللائي تبارين في فرد ذيل فستانها الفريد وإلتقاط الصور التذكارية معهما ..

لم يخلو وجه ناريمان من تلك الإبتسامة المصطنعة أمام المتواجدين ..
كانت تتمنى في نفسها أن يمر اليوم بسلام حتى تستريح وتعيد ترتيب زمام أمورها ..
رن هاتفها المحمول برقم ممدوح ، فتراجعت بحذر بعيداً عن الأنظار لتتمكن من الإجابة عليه ..
وضعت الهاتف على أذنها ، وهتفت بتوتر :
-إنت فين ؟
أجابها ممدوح بصوته الرخيم وهو يدير مقود السيارة قائلاً :
-رايح على القاعة ، ها ليان خلصت ؟

ردت عليه بنبرة متوترة وهي تشرأب برأسها للأعلى :
-أها.. شوية وهانكون هناك
هز رأسه عدة مرات بحركة بسيطة ثم تابع وهو يوقف سيارته أمام إشارة المرور لينظر إلى العسكري بنظرات جادة :
-تمام ، وأنا قدامي حاجة بسيطة وأكون قصاد الفندق
عضت على شفتيها في قلق ، وأسندت كفها على كتفها الأيمن ، وهتفت محذرة :
-أوكي .. حاول تتجنب مهاب ، مش عاوزة قلق في الفرح بليز !

تقوس فمه في تهكم ، ثم نفخ في ضيق وأردف قائلاً :
-اطمني يا ناريمان ، إحنا جايين نفرح النهاردة
لاحظت ناريمان إنصراف العروسين من المركز ، فأكملت على عجالة ب :
-أما نشوف .. باي دلوقتي لأنهم خلاص هيركبوا العربية
زفر في إنزعاج ، ومن ثم أجابها بفتور :
-ماشي .. باي !
أضاءت الإشارة باللون الأخضر ، فتحرك ممدوح بالسيارة للأمام ، وحدث نفسه بتبرم قائلاً :
-مش أنا اللي يتخاف مني يا ناريمان !

في قصر عائلة الجندي ،،،
دلف أوس إلى غرفته بعد أن أعطى أوامره للحرس الخارجي بالإنتباه جيداً ، وتنظيف سيارته ريثما يستعد هو للخروج ..
فتح خزانة ملابسه ، وإنتقى تلك الحِلة السوداء المميزة والتي إشتراها خصيصاً لتلك الليلة الفريدة ..
ليس من أجل عرس أخته على رفيقه المقرب ، بل من أجل زواجه ممن عاهد نفسه على تحطيمها ...

أسند الحلة على طرف الفراش ، ثم نزع قميصه وألقاه دون إكتراث على الأرضية ، ليقف عاري الصدر مشعلاً لسيجارته الفاخرة وهو يعتريه شعور غريب ..
نفث دخان السيجارة بتلذذ وهو ينظر لنفسه بزهو في المرآة ، ثم أردف قائلاً بغرور :
-ماتخلقش لسه اللي يقف قصادك يا أوس الجندي !
احتفظ بالسيجار في فمه ، ثم سار في إتجاه المرحاض ، وولج داخله ليغتسل ..

بعد برهة من الوقت كان أوس الجندي مستعداً في سيارته الفارهة ..
ضغط على بوق السيارة ليفتح له الحرس البوابة الحديدية للقصر لينطلق بها في إتجاه الفندق أولاً ..
وضع أوس سماعة الهاتف على أذنه وهو يتحدث بصرامة ب :
-ساعة زمن بالكتير وتكون عندي بالشهود في العنوان ده
مط شفتيه وأصغى بإنتباه للطرف الأخر قبل أن يقاطعه بحزم قائلاً :
-هتلاقي اللي يفتحلك ، سلام !
ثم نزع السماعة وألقى بها على التابلوه ، ومن ثم أدار عجلة القيادة في الإتجاه العكسي ، وإنطلق في وجهته ، وحدث نفسه بغرور قائلاً :
-كله هايخلص الليلة !

بداخل ردهة الفندق الشهير ،،،
وصل العروسان إلى بهو الفندق الفاخر و المزدان بالأضواء البيضاء ..
وتعالت الزغاريد المباركة لهما ، وتوالت التهنئات عليهما من المنتظرين حضورهما ..
وقف مهاب على أول الدرج ينتظر صعود إبنته إليه حتى يسلمها إلى عريسها كتقليد معروف ..
لم يبدْ على وجهه الفرحة الحقيقية ، بل رسم قناع مزيف عليه لينتهي من تلك الليلة بأقل الخسائر ؛ فالفضيحة ستوصم عائلته بالكامل ، وتزويجها من عدي سيحول دون هذا ..

لقد كانت ملامح ليان مقاربة بدرجة غريبة إلى تهاني.. لم يتصور أن تجعل مساحيق التجميل الشبه بينهما جليا إلى تلك الدرجة.. لم تشبه زوجته ناريمان في شيء، بل كانت نسخة مصغرة عن زوجته الأولى ..
إبتلع مهاب ريقه بتوتر وهو يتذكر ليلة عرسه بتهاني ..
رغم بعد الزمان والمكان ، إلا أن الشبه كان قريباً ..
وما زاد من توتره حقاً هو رؤيته لممدوح يمرق بين الحضور ..
وقف متصلباً بجسده ، واضعاً يديه في جيبي بنطال حلته ، ولم يكف عن حدجه بتلك النظرات التي لم ينساها ..
نعم نظرات تجعل حقيقته عارية أمام الجميع ...

تراقصت الفرحة في عيني تهاني وهي تزف إليه بفستانها الأبيض البسيط ، ثم أمسكت بكفه بيد مرتعشة ، وهتفت متحمسة :
-أنا مش مصدقة ، إحنا خلاص إتجوزنا يا حبيبي ، وهايتقفل علينا باب واحد
أدارها مهاب حول نفسها لترتسم السعادة أكثر على محياها ، ثم إحتضن وجهها بكفيه ، وقرب رأسها منه ، وهمس لها بسعادة زائفة :
-مبروك يا حبيبتي.

تنهدت في شوق وهي تنظر له بنظرات رومانسية قائلة :
-يا رب تدوم فرحتنا للأبد .. وربنا يقدرني وأسعدك
بادلتها إبتسامة هادئة وهو يجيبها بإيجاز ب :
-أمين
ثم رأى ممدوح يلوح له بذراعه من بعيد ، وهو يرمقه بنظرات لئيمة ، فتبدل وجهه للعبوس ، وأردف بتوتر ملحوظ
-آآ.. .. ثواني بس يا تهاني
قطبت جبينها في إستغراب ، ونظرت له بفضول متسائلة بحيرة :
-رايح فين ؟

تنحنح بخشونة وهو يجيبها بإرتباك ب :
-هاسلم على المعازيم وراجعلك تاني
إبتسمت له بخجل ، ثم همست وهي تغمز له ب :
-طيب ماتتأخرش عليا ، هاه ؟
-ماشي .. ماشي
قالها مهاب وهو يسير بخطوات مسرعة في اتجاه ممدوح الذي أولاه ظهره ....

تلفت مهاب حوله بريبة وهي ينادي على رفيقه ب :
-ممدوح ، إستنى !
زفر ممدوح في إنزعاج وهو يركل بيده الأرض ، ثم قال بسخط :
-عاوز إيه ؟
لكزه في ذراعه ، وسأله بإستفهام :
-ايه يا بني ، مالك ؟
أجابه بإقتضاب وهو يحيد ببصره بعيداً :
-مافيش
نفخ مهاب في ضيق زائف ، ثم أردف بنبرة حادة ب :
-إنت عاوز تعكنن عليا ليلة فرحي !!
نظر له بإحتقان وهو يرد عليه بسخط :
-أنا برضوه ؟

لم يعرف مهاب ما الذي يدور في خلد رفيقه ، ولكن حالة الإنزعاج البادية عليه تشير إلى وجود خطب ما ، لذلك سأله مجدداً بفضول ب :
-أومال مالك بس ؟
عبس ممدوح بوجهه ، وأجابه بتذمر :
-مافيش ، إنت مش بتعمل اللي عاوزه ، وخلاص اتجوزت
إبتسم له مهاب إبتسامة مراوغة ، وأجابه بمكر وهو يغمز له ب :
-لو ده اللي مضايقك ، فماتقلقش ، كل حاجة هاتمشي زي ما هي ، إحنا مع بعض في سهراتنا وآآآ.... وإنت فاهم بقى.

لمح ممدوح تهاني وهي تأتي من بعيد وممسكة بطرفي فستانها ، ففكر أن يستغل الفرصة ويكشف دون أي مجهود منه حقيقة مهاب الغائبة لها ..
تأكد هو من أنها على مسافة قريبة منهما لتتمكن من سماعهما بوضوح ..
وعقد حاجبيه ، وحدق مباشرة في عيني رفيقه ، وسأله بجمود :
-وتهاني ؟
تنهد مهاب في إنهاك ، ثم دعك فروة رأسه وهو يرد عليه ببرود قائلاً :
-تهاني دي عشان اكمل الصورة الإجتماعية ، دكتور ومتجوز ، عنده عيلة ، ومستقر ، لكن لا هي من مستوايا ، ولا أصلاً تليق بيا.

إدعى ممدوح الإندهاش ليكمل تمثيليته السخيفة ، وسأله بإستغراب ب :
-طب وإتجوزتها ليه ؟ ماكان عندك ألف واحدة غيرها
رد عليه بثقة وهو يلوي فمه قائلاً :
-لأنها الوحيدة اللي هاتخاف إن بيتها يتخرب ، يعني زي ما بيقولوا بالبلدي هترضى بالمقسوم ، وهاتحط جزمة في بؤها وتسكت عن أي حاجة تشوفها ..!
لم تصدق تهاني أذنيها وهي تستمع إلى كلمات مهاب الصادمة .. فقد أرادت اللحاق به لتخبره بوصول السيارة الخاصة بهما ، ولكنها لم تتوقع أن تعرف الحقيقة في ليلة عمرها المميزة ..

نعم ... في لحظة واحدة إنهار كل شيء ، تحطمت أحلامها ، إنكسر قلبها ، وأفاقت من حبها على ذلك الواقع المرير
هي تلك الفقيرة المتفوقة التي سافرت في بعثة تعليمية بإحدى الدول العربية لتلتقي بهذا الطبيب الثري الشاب الذي خطف قلبها ، وآسر عقلها ، ومهد لها كل الأمور ، وذلل لها الصعاب ، لتظن أنها ستتوج حبها بالزواج ، ولكن الحقيقة أقسى بكثير ....
إستدار مهاب برأسه بعد أن رأى نظرات الذعر في مقلتي رفيقه ممدوح ، فوجدها تقف مصدومة من خلفه ، فعاود النظر إليه بقلق شديد .. فأكمل ممدوح ردة فعله الزائفة ب :
-ت.. تهاني !

إنتحبت هي بأنين مكتوم وهي تسأله بصدمة :-
-ليه ؟ ليه عملت كده .. ليه ؟؟؟؟
لم يجبها وقتها ، بل إكتفى بالصمت ومراقبة عبراتها الساخنة وهي تنهمر على وجنتيها ..
نعم لم ينس تلك النظرة المعاتبة في عينيها .. نظرة الأسف الممزوجة بالندم على حب بريء أعطته لمن لا يستحق

أفاق مهاب من شروده على صوت الدفوف العالية والمزامير الصاخبة ، فسعل مدعياً وجود شيء ما قد علق بحلقه ، ثم رسم إبتسامة زائفة على وجهه ، وأردف قائلاً بنبرة هادئة :
-يالا يا بنتي
إبتسمت له بخجل مصطنع ، وتأبطت في ذراعه واستعدت للنزول من على الدرج ..

وقف عدي في الأسفل وهو ينظر إلى عروسه بنظرات مترقبة .. ماهي إلا بضع ساعات حتى ينغلق عليهما باباً واحداً ، وتصبح زوجته ، وتعرف مصيرها معه ...
وصل مهاب بليان إلى نهاية الدرج حيث مد عدي يده ، وأمسك بكفها الرقيق ، وأردف بصوت رخيم قائلاً :
-شكراً يا عمي ، ماتقلقش عليها ، أنا هأعوضها عن اللي فات
هز رأسه في إمتنان ، ثم تابع قائلاً بإيجاز :
-تمام ..

حاوطت الفرقة الموسيقية كلا العروسين ، وبدأت تعزف أشهر الأغاني الطربية ، وهما يتمايلان بخفة مدعيان الفرحة ..
ولج أوس إلى داخل الردهة وهو متأنق بشكل أثار إعجاب الحاضرات اللاتي همسن بإنبهار وهن ينظرن إليه بتلهف ..
نظر هو إلى الإثنين بنظرات ممتعضة .. فأكثر ما يزعجه أنه يعلم حقيقة رفيقه ، وفضيحة أخته .. وكلاهما إتفقا على إكمال تلك التمثيلية السخيفة من أجل الحفاظ على مظهرهما الإجتماعي ..

تابعتهم ناريمان بنظرات مترقبة ، فوجود أوس يثير إضطرابها ..
فأشاحت بوجهها بعيداً عنه ، وأخذت تتفرس في أوجه الحاضرين محاولة بث الإطمئنان في نفسها المتوترة .. فمصير إبنتها محتوم على إتمام تلك الزيجة وإعلانها أمام الحضور ..
هي تخشى أن يحدث مفاجأة ما تقلب الأمور رأساً على عقب ..
نعم ، تخشى أن يتهور أوس ويتسبب في إحداث فضيحة للعائلة ...
كانت ضربات قلبها غير منتظمة ، وتتلفت بين الحين والأخر حولها لتتأكد من وجوده ..

هي تخاف من ردود فعله الغير متوقعة ، فبالرغم منه أنه لم يهتم يوماً بأخته ، إلا أنها قلقة من حدوث العكس خاصة الليلة ، وأمام هذا الحشد الكبير ، فهو من يفاجئها دوماً بما لا تتوقعه ، كذلك هو لا يعرْ أي أحد الإهتمام ، ويفعل ما يحلو له دون إكتراث بالنتائج ..
عاتبت نفسها لأنها هي الأخرى لم تولي ليان الرعاية الكافية رغم ما فعله مهاب لتصبح إبنتها .. ولكنها ظنت بتزويجها أنها تصلح ذاك الخطأ الجسيم ..
وقف ممدوح إلى جوارها ، ووضع يده على كتفها ، فإنتبهت له ، ونظرت له بتمعن وهي تهتف بثقة ب :
-كل حاجة تمت زي ما احنا عاوزين.

رمقها بنظرات إستهجان وهو يلوي فمه في تهكم قائلاً:
-لأ قصدك زي ما إنتي عاوزة
تجهمت تعابيرها ، ونظرت له بحنق ، ثم صاحت بضيق وهي تشير بإصبعها :
-قصدك إيه ممدوح ؟ كنت عاوزني أسيب الدنيا تخرب من غير ما أتصرف وأصلحها
قاطعها بصوت جاف ، ونظرات باردة ب :
-إنتي عارفة كويسة الحقيقة ، بس دي لو كانت بنتي ، مكونتش هاسمح إنه يحصلها ده من الأول أصلاً.

إبتلعت ريقها في توتر جلي ، فقد كانت تخشى أن يكون قد عرف حقيقة نسب ليان .. وتلميحاته هذه لبث الرعب في نفسها ..
حاولت أن تبدو صلبة أمامه ، ولكنها كانت في قمة إضطرابها ..
كل شيء على وشك الإنهيار ما لم تسيطر هي على زمام الأمور
نعم هي مدركة أنها وافق دون تردد على إتمام تلك الزيجة للحفاظ على صورة عائلتها الإجتماعية أمام الجميع .. وتجنب الفضيحة العامة التي ستؤثر بالسلب على سمعة العائلة ..

حاولت ناريمان أن تبرر موقفها قائلة بإستعطاف :
-بس أنا كنت ..آآآ.....
قاطعهما مهاب بصوته المحتد قائلاً :
-مبروك
إلتفت كلاهما إلى الخلف ليجداه ينظر إليهما بنظرات نارية قبل أن يكمل بإمتعاض :
-خلصتوا ولا أسيبكم تكملوا
إرتبكت ناريمان ، وتوترت أعصابها ، وبدأت أصابعها ترتجف لا إرادياً .. في حين إنتفخ صدر ممدوح بالغرور الزائد ، وأجابه بنبرة متغطرسة قائلاً :
-أوعى تقولي إنك غيران من مراتك عليا .. ماتنساش إن احنا دايماً بينا شيء مشترك.

تحولت مقلتيه لجمرتين صغيرتين متقدتان بنيران محتدة ، ثم هتف محذراً :
-ممدوح ، لم نفسك ، ولا إنت جاي تبوظ الدنيا في فرح بنتي
لوى فمه في تهكم ، ثم أردف ساخطاً ب :
-وهو أنا أقدر .. ما هي بنتي برضوه ..!
تبادل كلاً من مهاب وناريمان نظرات غريبة وخائفة .. فالأول تملكه الرعب من أن يكون رفيقه قد إكتشف حقيقة الأمر برمته ، والثانية تخشى أن تحدث الفضيحة وينهار كل شيء في لحظة وتنكشف جرائمها للجميع ..

تعجب ممدوح من حالهما الغير مفهوم .. وسألهما بإستغراب قائلاً :
-مالكم ؟ بتبصوا لبعض كده ليه ؟ هو أنا قولت حاجة غريبة ؟
ثم نفخ في إنزعاج ، وتابع بضيق :
-ما هي لو كانت بناتي عايشة كان زمانهم في سن ليان ، ولا .. ولا أنا غلطان ؟!!!!
ساد صمت غريب في الأجواء .. واستمر تبادل النظرات المريبة بين الجميع ..

جف حلق ناريمان وهي تنظر بصدمة إليه ، ولم تعرف بماذا تجيبه ، فعقلها بات مشتتاً بسبب تلك الضغوط الرهيبة التي لم تعدْ تستطيع تحملها ..
في حين تدارك مهاب الأمر سريعاً بعد أن وجد حالة التخبط المسيطرة على زوجته ،فهتف بصوت محتقن ب :
-أظن إن إنت مش غريب يا ممدوح ، اعتبره فرحك ، وأنا هاخد ناريمان ونسلم على الضيوف
ثم قبض على ذراعها ، وسار بها مبتعداً عن رفيقه الذي نظر لهما بريبة ، وحدث نفسه مستغرباً ب :
-في حاجة غلط ، تصرفاتهم مش مريحاني !!!

إستدار ممدوح برأسه للجانب ليجد أوس عاقداً ساعديه أمام صدره ، ويقف بشموخ عجيب .. فنظر له الأخير بنظرات إحتقار ، فإستشاط ممدوح غضباً ، وأراد أن يثير إستفزازه ، فأردف لنفسه بسخط قائلاً :
-جتلي في ملعبي
تحرك ممدوح في إتجاه أوس ، ولم يحيد بنظراته الحادة عنه ، ثم هتف عالياً بنبرة مستفزة :
-حبيبي .. مش هاتسلم على عمك
رمقه أوس بنظرات أكثر شراسة ، ثم أجابه بنبرة مهينة :
-مش عاوز أوسخ إيدي بأمثالك
هز رأسه في معاتبة مصطنعة ، وأردف متهكماً :
-تؤ .. تؤ .. وده يصح برضوه تتكلم كده مع عمك ممدوح ، إش حال مكونتش مربيك على إيدي ..

ثم غمز له بطرف عينه وهو يتابع بلؤم :
-ولا .. آآ.. نسيت
للحظة مر ببال أوس مقتطفات مما حدث معه في طفولته البعيدة ، وكيف أُسيء إليه بطريقة مهينة لم يعرف عنها أي أحد .. فإزدادت نبضات عروقه الغاضبة في عنقه ، وتسارعت دقات قلبه الحانقة ، وتلون وجهه بحمرة الغضب ..
قاوم أوس رغبته في سفك دم ذلك الحقير ، وأجابه بنزق :
-بعيد عنك كانت تربية وسخة ماتستهلش إني أفتكرها أصلاً.

لوى ممدوح فمه في إستنكار وهو يعاتبه ب :
-طب قول كلام غير ده ، ده هي اللي عملتلك بني آدم وراجل
توهجت عيناه بالشرر وهو يصرخ فيه بإنفعال قائلاً :
-أنا راجل غصب عنك وآآآ..
قاطعه ممدوح ببرود مستفز وهو يربت على كتفه :
-بالراحة بس ليطقلك عرق ، ما أنا عارف إنك راجل ، وشايف رجولتك على .. على إيدي
كان أوس قاب قوسين أو أدنى من الفتك به ، فكانت نظراته النارية خير دليل على هذا ..

بذل مجهوداً ليتحكم في أعصابه ، وكز على أسنانه وهو ينطق بشراسة ب :
-وأنا ممكن أمحي رجولتك برضوه على إيدي !!!!
زم ثغره في سخرية ، وأردف ببرود أكثر :
-مممممم.. شيء عظيم ، أنا واثق من ده ، ما أنت طالع لأبوك في الحاجات دي .. مش لأمك.

لم يتحمل أوس كلمة أخرى منه ، فهجم عليه ، وأمسك به من تلابيبه ، ثم قربه منه وهزه بعنف وهو ينطق بإهتياج :
-اخرس ، ورحمة الغاليين لأدفنك السعادي هنا ، ومش هاعمل إعتبار لحد !!!
تابعتهما نظرات بعض المحيطين بتوجس شديد ، وسمع كلاهما شهقات من جميلات العرس المتواجدات على مقربة منهما ، ولكن تدخل أفراد الأمن سريعاً للحول دون تطور الأمر ، فبادر أحدهم بنبرة رسمية ب :
-في مشكلة يا فندم ؟

ظل الإثنين محدقين ببعضهما البعض بتلك النظرات المميتة والتي تحمل الكثير من البغض والكره
ولم يكف أفراد الأمن عن التوسل إليهما بهدوء مترقب لينفصلا عن بعضهما ..
تهامس البعض عما يحدث .. وتجمع أخرون على مسافة قريبة لمتابعة ما يحدث ..
لاحظ ممدوح أنهما أصبحا محط أنظار الجميع ، فأزاح قبضتي أوس بصعوبة تامة عن ياقته وهو يتصنع الهدوء ، ورغم هذا ظل محدقاً به بنظراته الطويلة المستفزة للأعصاب ، وأجاب فرد الأمن بتريث ب :
-لا مافيش ، ده احنا بس بندردش مع بعض شوية.

وزع فرد الأمن الأخر نظراته بين الإثنين ، وطلب منه بصوت هاديء :
-طب يا فندم آآآ...
قاطعه ممدوح مجدداً بصوت خشن وهو يشير بكف يده لفرد الأمن :
-شششش ، مافيش داعي تقول حاجة
ثم سلط أنظاره الحانقة على أوس ، وأكمل بإبتسامة سخيفة على محياه ب :
-فرصة سعيدة يا .. يا أوس.

حدجه أوس بنظراته الإحتقارية والمخيفة وهو يحذره بصرامة ب :
-أحسنلك ماتقفش في وشي بدل ما تندم
مط شفتيه في إستهزاء وهو يجيبه ب :
-وماله ، الحذر مطلوب
ثم ربت ممدوح على كتفه ، وأكمل ساخراً وهو يرمقه بنظرات باردة :
-أقولك على حاجة أنا هاسلم على اختك وصاحبك .. أصلهم لايقين على بعض .. شكلهم كيوت !!!

وهز حاجبيه في إستخفاف ، وإستدار بجسده متجهاً إلى الرواق المؤدي لقاعة الأفراح الداخلية ...
تابعه أوس بنظرات مشتعلة ، وسبه بحنق قائلاً :
-إولع يا بن ال **** !
ثم إلتفت للخلف ليبتعد عن الردهة وهو يتمتم بتوعد له .. ولكنه إصطدم بعمه سامي الذي حدجه بنظرات محتقنة وهو يهتف ب :
-مش تاخد بالك يا إبن مهاب
-أنا واخد بالي يا عمي كويس .. بص إنت قدامك بدل ما تقع تاني
-مش هافوت اللي عملته فيا يا أوس ، مش هافوته
-بدل ما تفوته ، اتعلم ماتقفش قدام الأقوى منك
احتقن وجهه بدماء غاضبة ، ورد عليه بنبرة محتدة ب :
-إنت آآآ..

قاطعه أوس بإستخفاف وهو يضع ذراعه حول كتفه ، ثم أجبره على الإستدارة ناحية أحد المصورين ، وتابع بسخرية مستفزة وهو يشير له بعينيه :
-اضحك يا عمي .. عشان وشك ينور
وهنا صدح فلاش الكاميرا ، فأشار المصور بإصبعه بعلامة الإعجاب بعد أن إلتقط صورة تجمعهما سوياً ليبعد أوس ذراعه عنه ، ويكمل بإستخفاف :
-اطلع كل جاتوه ، ده في أوبن بوفيه فوق ، أصل بلغني انك مش لاقي تاكل!

توهجت عيني سامي عقب تلك العبارة الأخيرة ، فمط أوس شفتيه للأمام وأرسل له قبلة في الهواء مكملاً وصلة إهانته ثم تركه وإنصرف ناحية مدخل الفندق ...
إكتسى وجهه بحمرة الغضب ، وصرخت عيناه متوعدة وهو ينطق من بين أسنانه بعنف :
-والله لأوريك يا أوس .. ومش هاسيب حقي !!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،
بدأت تقى تستعيد وعيها ، وسعلت بصوت قوي وهي تفتح عينيها ببطء ..
تنفست المدبرة عفاف الصعداء وهي تراها قد أفاقت مجدداً ، ثم شهقت بفرحة :
-الحمدلله إنك بخير ، أنا كنت هاموت من القلق عليكي يا بنتي
لقد مرت ساعات وتقى فاقدة للوعي ، تهزيء أحياناً ، وتتشنج في أحيانٍ أخرى .. مما استرعى قلق عفاف عليها .. فحينما رأتها تفيق تملكتها الفرحة ..
نظرت إليها تقى بنظرات زائغة وهي تردد بضعف ب :
-أنا .. أنا فين ؟

مسحت عفاف على وجه تقى بحنو زائد ، ونظرت لها بإشفاق .. هي تود طمأنتها ، ولكنها تخشى أن تسوء حالتها ، لذا حاولت أن تبدو حذرة وهي تجيبها بصوت أموي :
-إنتي معايا يا بنتي ، متخافيش
رفعت تقى كفها لتمسح تلك العبرات العالقة بأهدابها ، فرأت الإبرة المغروسة فيه ، فضيقت عينيها في خوف ، وتسائلت بتوجس :
-هو .. هو ايه اللي حصل ؟
نظرت لها عفاف بريبة ، وردت عليها بتلعثم قائلة :
-إحم .. آآ.. إنتي تعبتي شوية وآآ..

تذكرت تقى أين هي الآن .. إنها بمنزله ذلك البغيض ، ولكنها في غرفة أخرى .. الغرفة الأكبر حجماً .. وترتدي ملابساً أخرى ..
أمعنت النظر إلى حالها ، فوجدت نفسها ترتدي فستاناً مكشوف الصدر وعاري الكتفين من اللون الأبيض ..
تحسست صدرها بكف يدها المرتجف ، وشعرت بإرتعاشة رهيبة تجتاح جسدها الهزيل ..
حاولت أن تنفي عن عقلها فكرة أن يكون ما ترتديه هو فستان العرس ..
ولكن فضولها دفعها لإزاحة الملاءة عن جسدها لتتحول شكوكها إلى أمر حقيقي وواقع ملموس ..

شحب لون وجهها حينما رأت نفسها في فستان العرس .. فبدأت أنفاسها تتسارع ، وإضطربت ضربات قلبها ، ثم نظرت حولها بذعر .. وصرخت مستغيثة بخوف جلي :
-خرجوني من هنا ، أنا عاوزة أمشي
أمسكت بها عفاف من ذراعيها وحاولت تثبيتها في الفراش وهي تهتف بتوتر :
-إهدي يا تقى ، مافيش حاجة حصلت
قاومتها الأخيرة بكل قوتها ، ولكنها لم تكن كافية لتتمكن من الإفلات من حصارها ، فصاحت بتشنج :
-أنا مش عاوزة أقعد هنا ، هايدبحني لو فضلت موجودة.

إحتضنتها عفاف بذراعيها ، وأسندت رأسها على صدرها ، ومسحت بيدها على رأسها وظهرها في حنو ، وتابعت بصوت دافيء :
-إهدي يا بنتي ، أنا معاكي
أرجعت تقى رأسها للخلف لتنظر لها بعينيها الباكيتين قائلة بتوسل :
-إنتي مش فاهمة حاجة ، هو مش هايسبني أبداً
أحتضنتها عفاف بعاطفة أقوى ، وأشفقت على حالها ، وأردفت بصوت هاديء رغم تأثره ب :
-شششش .. متخافيش .. أنا من هنا.

تشنجت تقى أكثر ، وتعالت شهقاتها وهي تتوسل لها ببكاء حار ب :
-مشيني من هنا ، أنا .. أنا عارفة إنك طيبة وهتساعديني صح ؟ عشان خاطري خليني أمشي من هنا ، أنا.. أنا هاهرب ومحدش هايشوفني آآآ...
قاطعها صوت رجولي صارم ومتعصب قائلاً :
-مش أنا قايلك مش هاتعرفي تهربي مني ، إنتي ليا وبس...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث عشر

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
نجح المسؤلين عن تجهيز القاعة في إبهار الحاضرين بمدى فخامة ورقي الديكورات المستخدمة ..
فالرواق المؤدي للقاعة تزين بالسجاد الأحمر ، وبالحواجز الذهبية التي توحي لك بأن تخطو لحفل الأوسكار وليس لحفل زفاف ..
كانت طاولات القاعة زجاجية براقة موضوع عليها مزهريات من الكريستال وممتلئة بورود بيضاء طبيعية
والمقاعد ملفوفة بأقمشة بيضاء وفضية .. وأرجلها مغلفة بشرائط من الستان ..

الجدران – ذات الطلاء البيج - معلق عليها شاشات عرض ليتمكن الحاضرين من رؤية العروسين من كافة الزوايا بوضوح تام
بالإضافة إلى ثريات مختلفة الأحجام موزعة بطريقة متناسقة على سقفية القاعة البيضاء ..
كانت كوشة العروسين مكونة من أريكة بيضاء وثيرة ، معقوفة من الجانب ، وبها مسند فضي مقوص من الجانب الأخرى ..
ومن خلفها تم وضع لوحة من الستائر الشيفون المرصعة بالفصوص الزجاجية لتعكس الأضواء عليها ..
توسط القاعة مساحة مخصصة للرقص من أرضية لامعة مثبت أسفلها مصابيح ضوئية مختلفة تحول الأرضية في لحظة إلى لوحة مضيئة بمختلف الألوان ...

بحث سامي عن أخيه مهاب وسط الحاضرين ، وبالفعل وجده يصافح أحد رجال الأعمال ، فخطى بخطوات أقرب للركض – ووجهه متصلب – نحوه ، ثم أردف بنزق وهو يحدجه بنظرات حادة :
-ينفع عمايل ابنك دي يا مهاب !!!
تنحنح مهاب في حرج ، وقال بتوتر :
-إحم .. عن اذنك شوية
ثم قبض على ذراع أخيه ، ودفعه للجانب وهو يكز على أسنانه قائلاً بحنق :
-تعالى معايا يا سامي.

وقف الإثنين في أحد أركان القاعة ، فهتف سامي بإنفعال :
-إبنك مش ناوي يجيبها لبر معايا ، وقسماً بالله لولا صلة الدم لكان زماني آآآ...
قاطعه مهاب بصوت حازم وهو يرفع كف يده أمام وجهه :
-سامي اهدى على نفسك ، إيه المطلوب دلوقتي ؟
أشار سامي بإصبعه محذراً ب :
-خلي ابنك يبعد عن طريقي بدل ماأندمه على اللي فات كله !

زفر مهاب في ضيق ، وأشاح بوجهه للجانب ، ثم تابع بغيظ :
-إنت عارف إن أنا ماليش كلمة عليه
إنفعل سامي وهو يرد قائلاً :
-ليك ولا لأ ، مش فارق معايا ، أنا بس بأحذرك يا مهاب عشان ماترجعش تقولي مانبهتنيش !!!
أدرك مهاب أن أخيه لن يعدل بالساهل عن تهديده هذا ، لذا حاول أن يبدو أمامه أنه متفهم لوضعه ، فإبتسم له بسخافة ، وأردف قائلاً بنبرة هادئة :
-اصبر بس وهنتفاهم !

هز رأسه بإعتراض جلي وهو ينطق بصرامة ب :
-لأ .. يا ترجع كل حاجة زي الأول ، يا هايشوف أوس الوش التاني مني ! وده اخر ما عندي ..!!!
ثم تركه وإنصرف خارج القاعة ، فزم مهاب ثغره في ضيق ، وحدث نفسه بسخط قائلاً :
-أووف ، يعني كنت ناقصك إنت كمان يا سامي ، ما كفاية اللي أنا فيه ..!!

بدأت أولى فقرات الحفل بعرض ناري مبهر حاز على إعجاب الحاضرين ، تبعه دخول العروسين وسط راقصات محترفات من فرقة باليه شهيرة لاقت الإستحسان .. ثم بدأت الرقصة الهادئة الخاصة بهما ..
أمسك عدي بكف ليان وضغطت عليه برفق ، ولف ذراعه الأخر حول خصرها ، ثم قربها من صدره ، فإلتصقت به ، وأسندت كفها عليه ، ونظرت له بإعجاب ..
لم يكف عن الإبتسام لها ، وهمس في أذنها قائلاً بعد أن إنحنى برأسه عليها :
-النهاردة يوم مش هايتنسي
أومأت برأسها موافقة ، ولم تحيد بعينيها اللامعتين عنه ..

جلست ناريمان على أول الطاولات الرئيسية وهي محدقة بهما ، وبين الحين والأخر تختلس النظرات إلى ممدوح الجالس على مقربة منها ..
حمدت الله في نفسها أن كل شيء يمر بسلام .. ولكن مازال عقلها متوجساً من حدوث الأسوأ
تبادل مهاب وممدوح النظرات المطولة التي تحمل الوعيد ..
فالبغض بينهما يزداد يوماً عن الأخر ، خاصة أن ممدوح لم يعد يخشى من خسارة أي شيء .. ومهاب بات يشعر بالتهديد من رفيقه الذي كان بئر أسراره ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
حدقت تقى بذعر - وجسدها يرتجف بالكامل – في أوس الذي كان يرمقها بنظراته الشرسة ..
هربت الكلمات من على شفتيها ، و تجمدت الدماء في عروقها ، بدت كالموتى في هيئتها العامة ..
إضطربت أنفاسها ، وتسارعت دقات قلبها .. وتشبثت أكثر بالمدبرة عفاف وكأنها درع يحميها من بطشه الغير متوقع ..
تفرس أوس فيها بشراهة ممتعاً عينيه القاتمتين برؤية ضعفها يزداد يوماً بعد يوم على يديه ..
فكل إرتجافة من جسدها تثيره للفتك بها .. وهَوَانها يجعله أكثر رغبة في الظفر بها والتلذذ بتعذيبها ..

كم دفع من أموال للعاهرات ليدعين الضعف أمامه ، ويمثلن الخوف الشديد منه ، واليوم ينال مبتغاه برؤيتها على تلك الحالة ..
وقفت بينهما المدبرة عفاف حائرة ، فهي لا تعرف فيما يفكر رب عملها ، وماذا ينتوي أن يفعل بتلك البريئة ..

انت صدمتها حينما هاتفها وأمرها بالحضور إلى هذا العنوان الغريب على الفور، فإمتثلت دون أي تردد لأوامره، ولكنها لا تقارن بصدمتها الرهيبة حينما رأت تقى متواجدة في هذا المنزل الغريب ..
لم تعرف كيف تتصرف حينما رأتها فاقدة للوعي ، منهكة للغاية ، قاب قوسين أو أدنى من الموت .. ولكنها لم تتركها للحظة ، وظلت جالسة إلى جوارها ..
لم يغب عن بالها لحظة أن أمرها بصوته الصادح ب :
-عاوزك تلبسيها الفستان ده.

ثم أشار بإصبعه نحو فستان موضوع في حقيبة بلاستيكية ..
نظرت هي له بخوف قائلة :
-بس هي آآ.. نايمة وآآ..
قاطعها بصرامة وعينيه تنطقان شرراً :
-أنا مش بأطلب ، أنا بأمر !
هزت رأسها موافقة وهي تجيبه بخفوت :
-حاضر يا باشا
وبالفعل نزعت عنها ملابسها ، ولبستها ذلك الفستان الأبيض وقلبها ينبض حسرة عليها ..
ثم ظلت جالسة إلى جوارها ترعاها حتى إستردت وعيها ..

وفي تلك اللحظة تحديداً أدركت المدبرة عفاف حجم الخطر المحدق بهذه الفتاة البسيطة ..
عقد أوس ساعديه أمام صدره ، وإستند بجسده على باب الغرفة ، وثنى ساقه للأمام ثم تسائل بسخرية ب :
-قوليلي ناوية تهربي مني إزاي ؟
نظرت بخوف له ، وحولت عينيها نحو المدبرة عفاف مستغيثة بها ، فإبتلعت الأخيرة ريقها في توتر ملحوظ ، وأردفت بصوت متقطع ب :
-آآ.. دي .. يا باشا آآآ ...
قاطعها هو بصوته الأمر والمتصلب ب :
-اسكتي !

ثم تابع بنفس اللهجة الآمرة قائلاً وهو يشير بإصبعه للخلف :
-إطلعي برا
إنتفضت عفاف في مكانها رهبةً منه ، وهزت رأسها عدة مرات بتوتر معلنة إمتثالها لأوامره ..
قبضت تقى على ذراعي المدبرة عفاف أكثر ، وهمست لها بإستعطاف جلي قائلة :
-ماتسبنيش لوحدي معاه
أرخى أوس ساعديه ، وإعتدل في وقفته ، وحدج عفاف بنظرات قاتلة ، ثم هتف بنبرة مخيفة ب :
-سمعتي اللي أنا قولته
نظرت عفاف إلى تلك البريئة بأسف جلي ، ثم أردفت بصوت حزين وهي تنظر لها بعجز:
-أنا أسفة يا بنتي
هزت تقى رأسها برفض تام ، وتمسكت بها أكثر وهتفت بصوت مبحوح ومختنق :
-لألألأ .. ماتمشيش !

صدح بصوته الجهوري مرعباً كلتاهما ب :
-عفاف ، خدي حاجتك واطلعي برا مش هاكرر كلامي تاني
إبتلعت ريقها في ذعر ، وأجابته وهي مطرقة الرأس :
-حاضر يا أوس باشا
جاهدت عفاف لتسحب ذراعيها من قبضتي المذعورة تقى التي بكت متوسلة إياها أن تظل معها ..
ولكنها توسلت لها بتلعثم وخوف :
-ماينفعش يا بنتي .. ما.. ماينفعش !

إنسلت هي من بين قبضتيها ، وأسرعت في خطاها نحو باب الغرفة الواقف بجواره أوس ..
ودت لو إستطاعت إقناعه بتركها لشأنها ، ولكن هي مثلها لا حول لها ولا قوة ..
مرت من أمامه بخطوات أقرب إلى الركض ، وحانت منها إلتفاتة للخلف لترى تقى متسمرة في مكانها على الفراش ، جسدها يرتجف أكثر .. وعينيها الحمراوتين تنطقان عن كم الفزع الذي تعانيه معه ..
أشفقت عليها ، ولكن ما بيدها أي حيلة ، فأجفلت عينيها في أسف ، وخرجت من الغرفة ..

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير ،،،
تجمعت جميلات الحفل حول العروس وبدأن بالتباري في الرقص معها على أنغام عدد من المطربين المعروفين الذين لم يتأخروا عن تلبية الدعوة ..
كما إلتف بعض الشباب حول عدي ، ورقصوا معه ليضيفوا جواً من الحماسة على الأجواء ..
وتسابق المصورين في تغطية تفاصيل هذا الحفل المبهر ..

تجولت ناريمان بين الحاضرين ، وهي ترسم على وجهها قناع السعادة الزائفة ، لتتلقى التهنئات والمباركات على ذلك الزواج الميمون ..
تابعها مهاب بعينين جامدتين ، ولكنه تفاجيء بممدوح يقف أمامه ، فإمتعض وجهه ، وأردف على مضض ب :
-خير يا ممدوح ، عاوز ايه ؟
سحب ممدوح المقعد المجاور له ، وجلس عليه ، وأردف ببرود قائلاً :
-ولا حاجة .. أنا لاقيتك قاعد لوحدك ، فقولت أسليك.

نظر له بإستهجان ، وأجابه بنزق :
-شكراً يا سيدي ، شوف إنت وراك إيه
هز ممدوح رأسه بإستنكار ، ونظر له ببرود وهو يرد عليه بإنزعاج زائف :
-ليه المعاملة الناشفة دي ، ده انت المفروض تكون فرحان لجوازة بنتك
إكفهر وجه مهاب ، وقطب جبينه ، وهتف بنبرة محتجة قائلاً :
-والله ده شيء يخصني
إبتسم له ممدوح إبتسامة مستفزة ، وتابع ببرود :
-هي غلطت .. بس عدي زي إبنك برضوه.

تصلبت عروق مهاب وهو يحذره بصوت قاتم ب :
-ممدوح ، مافيش داعي للكلام ده ، خلاص ده موضوع واتقفل
إزدادت إبتسامته الماجنة ، وغمز له وهو يجيبه بمكر ب :
-على رأيك .. ماهي لاقت ال ...آآ.... احم ..اللي يشيل الليلة
استشاط مهاب من الغيظ وهو يستمع إلى تلميحات رفيقه المسيئة ، فتشدق بتهكم قائلاً :
-ماهي الظاهر طالعة لأبوها ، بتعرف تسلك أمورها صح !!
نظر له الأخير بإستغراب ، فهو لم يفهم المغزى من جملته الأخيرة ، فتسائل قائلاً بفضول:
-نعم ، تقصد ايه ؟!

ارتبك مهاب وأدرك أنه كان على وشك الوقوع في خطأ جسيم بزلة لسانه تلك ، فبادر على عجالة ب :
-آآآ... متخدش في بالك !
ضاقت عيني ممدوح بحيرة واضحة ، وأسند كفه على طرف ذقنه ، ودعكه قليلاً ..
ثم أشاح بوجهه في إتجاه الشاشة العريضة المثبتة على أحد جدران القاعة حيث كانت صورة العروس ليان تملؤها ..
حدق هو بصورتها بتفرس متمعن لملامحها .. لكن كانت تعبيرات وجهها تشبه بدرجة غير معقولة تهاني في شبابها ..
نفس الإبتسامة ، نفس النظرات والإيماءات ، حتى تقوس شفتيها وهي تتحدث ..

لم يكن ممدوح قد إنتبه من قبل لهذا الشبه الغريب .. ولكن تركيز عدسات الكاميرا عليها ووضعها لمساحيق التجميل بتلك الطريقة ذكرته بها .. وجعلت قلبه ينقبض وهو يرى ذلك الشبه المقارب بينهما ...
حدث نفسه بعد تفكير مرهق قائلاً :
-لازم أشوف الصور القديمة ، استحالة يكون الشبه قريب للدرجادي
راقبه مهاب وهو محدق بغرابة إلى الشاشة ، فتوترت ملامحه ، وإزداد إرتباكاً ..
فكر سريعاً في أن يصرف إنتباهه عنها ، فصاح بصوت مرتفع قائلاً بإرتباك :
-مقولتليش انت .. انت هاتفتح معملك امتى ؟

حاد هو بعينيه بعيداً عن الشاشه ، ورمقه بإندهاش معلقاً ب :
-ياه ، انت بجد مهتم إنك تعرف ، غريبة !
سأله مهاب بهدوء مصطنع ب :
-مستغرب ليه ؟
زم ممدوح ثغره في عدم إقتناع ، وأجابه بجفاء :
-يعني فجأة كده بتسأل
هز كتفيه في عدم مبالاة وهو يرد عليه قائلاً :
-عادي كنت مشغول.

لم يقتنع ممدوح بحجته الزائفة ، فأردف بإستهزاء :
-مممم ، ده أنا بقالي فترة هنا .. !
ابتلع مهاب ريقه ، وعدل من وضعية سترته ، وتشدق ب :
-أصل أنا آآآآ... يعني آآ..
قاطعه ممدوح بصوت حاسم قائلاً :
-مافيش داعي إنك تبرر ، لأني مش مصدقك من الأساس .. ده أنا عاجنك وخابزك يا ... يا مهاب !!!
رمقه مهاب بنظراته المنزعجة ، ثم نهض عن المقعد وقال بضجر :
-أقولك ، أنا هاسلم على المعازيم أحسن
تقوس فمه في عدم مبالاة ، وأجابه ببرود ب :
-وماله
ثم إستدار ناحية شاشة العرض ، وأخرج هاتفه المحمول وقام بإلتقاط صورة مكبرة للعروس ليان ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
زاغت عيني تقى وهي ترى جلادها يقف بجبروته معتداً بنفسه أمامها ..
لم ترمش بعينيها خوفا منه.. ولكنها كانت ترتجف بشدة.. ضمت ذراعيها إلى صدرها محاولة تغطيته، ولكن تلك البرودة الرهيبة التي تجتاحها جعلت أسنانها تصطك ببعضها البعض ..
نعم فهي صارت بمفردها معه في تلك الغرفة الكئيبة ، ولا يوجد ما يحميها منه .. فرعبها منه هو أمر بديهي ..
فهي في قمة ضعفها ، وهو في قمة قسوته ..

لقد أيقنت أن فرصة نجاتها من براثنه تكاد تكون منعدمة ..
تمطع أوس بذراعيه في تفاخر ، ثم وضع كفيه في جيبي بنطاله ، وتحرك خطوة للأمام ..
لم يحدْ للحظة بنظراته القوية عنها ..
إرتعشت وهي تراه مقبل نحوها ..

نظرت حولها بريبة محاولة البحث عن شيء تستخدمه للدفاع عن نفسها في حال اقترابه الشديد منها
لكن لا شيء سوى آثار تلك الإبرة الطبية المغروزة في كفها ..
تحسستها بأصابع مرتجفة ، وعضت على شفتها السفلى وهي تنتزعها لعلها تكون وسيلة حمايتها ..
رأها أوس وهي تقبض على الإبرة وترفعها بيدها المرتجفة أمامه ، فعقد حاجبيه للأعلى ، ومط شفتيه بإندهاش زائف ..

صرخت تقى محذرة بتلعثم وهي تلوح بالإبرة :
-لو قربت مني ه.. هاموت نفسي !
نظر لها أوس بإنبهار .. فرغم وهنها الشديد إلا أنها تقاوم حتى أخر نفس .. وهذا ما يزيده إثارة ورغبة فيها ...
-ارمي البتاعة دي من إيدك
-ابعد عني ، أنا ..آآآ....

قاطعها بصوت حاسم وهو يرمقها بنظراته الحادة ب :
-قولتلك لأ مش هابعد .. وكل اللي بتعمليه ده قضا !!
ثم سار بخطواته الواثقة نحوها دون أن تطرف عيناه ..
إنقبض قلبها ، وتلاحقت أنفاسها وهي تراه مقبلاً عليها كالذئب الجامح
فهددته بعينيها بغرس الإبرة فيها ..
ولكنه باغتها بقبضه على معصمها .. وجذبها نحو صدره ..

جحظت بعينيها الحمراوتين وهي ترى تلاشي المسافات بينهما .. وإستندت رغماً عنها بكفها الأخر على صدره .. فشعرت بدقات قلبه الثابتة بدرجة مخيفة ..
لم يهتز جسده للحظة واحدة .. بل كان أكثر تصلباً وجموداً ..
تعالى صدرها وهبط في ذعر ، وتلاحقت أنفاسها .. بينما إرتسمت على محياه إبتسامة لئيمة وهو ينطق من بين أسنانه بإصرار ب :
-إنتي ليا وبس ..!!!!!!!
تلونت شفتيها باللون الأزرق من الخوف ، ولم تنبس بكلمة إعتراض واحدة ..
جاهدت لتحرر معصمها من قبضته حتى تجرحه بتلك الإبرة بعد أن فشلت محاولتها في التهديد بقتل نفسها ، ولكنه تعمد أن يعتصر رسغها بأصابعه القوية لتظل أثاره محفورة عليها ..

تأوهت من الألم ، وتشنجت قسمات وجهها ، ورأى نبضات عرقها البارز من عنقها ، فتنهد في حرارة ، وهمس قائلاً :
-مش هاتفلتي مني يا تقى
حاولت أن تخلص ذراعها الأخر منه ، ولكنه كان محاصراً بين صدريهما ..
تلذذ برؤيتها تقاومه .. وبصلابة إنتزع بإصبعيه تلك الإبرة وألقاها خلف ظهره ، ثم أحاط خصرها به لتلتصق عن عمد بجسده ، ويثير فزعها ..
وبالفعل نجح في هذا ..

كانت تتلوى من الخوف في أحضانه .. وهو ينظر لها بشراهة متمتعاً برؤيتها على وشك الإنهيار ..
أخفض عينيه على شفتيها المرتعشتين - واللاتين كانتا تنطقان عن لسان حالها دون أن تتفوه بحرف - وإحترق شوقاُ لتذوق طعم الخوف عليهما ..
إنحنى برأسه عليها ، فأرجعت رأسها قدر المستطاع للخلف لتتحاشاه ، فشعر بالإطراء من حاله ، وقوس فمه وهو ينطق بثقة قائلاً :
-قدرنا واحد يا تقى .. سامعة واحد .. واستحالة نبعد عن بعض ....!!!

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير ،،،،
أعلن منسق الحفل عن وصول المأذون ومعه لفيف من الشيوخ المعروفين إعلامياً للشهود على وثيقة الزواج ..
تفرق الجميع من حول العروسين ، وتعالت الزغاريد المصحوبة بأغاني الزفاف الشهيرة ..
إبتسم عدي لليان إبتسامة سعيدة ، وهمس لها في أذنها ب :
-كلها شويو ونكون مع بعض للأبد
إبتسمت له بخجل وهي تجيبه ب:
-شور.

رفع عدي كف يدها الرقيقة ليقبله برومانسية أثارت حماس جميلات الحفل وهتفت بإعجاب .. كذلك تعالت الصافرات الشبابية ..
أوصل عدي عروسه إلى الكوشة ، ثم اتجه إلى الطاولة التي تم تخصيصها لعقد القران ..
جلست ليان على " الكوشة " وبجوارها جايدا ومن حولهما جميلات الحفل .. وبدأن بالغمز واللمز عن رومانسية العريس ومدى وسامته ..
نظرت إليهن ليان بزوايا عينيها وشرت بالغبطة بداخل نفسها ..

فهي ربما تكون ظفرت بمن يعوضها عن الحنان الغائب في حياتها ، ويمحي عن ذاكرتها الخيبة التي وقعت بها ..
وقفت ناريمان على مقربة من الكوشة وحولها سيدات المجتمع المخملي يتهامسن في إعجاب عن روعة تنظيم الحفل ، وجمال التصميمات ..
هزت رأسها مشاركة إياهن في الحديث ، ولكن عينيها لم تتوقفان للحظة عن النظر إلى زوجها وعشيقها ..
كلاهما جلسا متلاصقين على نفس الطاولة في تحدٍ سافر لبعضهما البعض ، بينما جلس قبالتهما عدي وفي المنتصف المأذون ..
بدأ الأخير كلامه بصوت رخيم وثابت ب :
-بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين و..آآ..........!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
أرخى أوس قبضته عن معصم تقى ، وأطبق على فكها ، ورفع وجهها نحوه بعد أن قربه إليه .. وأردف بتهكم قائلاً :
-مش يالا يا عروسة
اتسعت مقليتها أكثر في رعب ، وحاولت أن تنطق ب :
-هاه .. آآ..
تلوى فمه بمكر وهو يرى إنتصاره يتراقص في عينيها ، فتابع بجموح قائلاً :
-إحنا إتأخرنا على الناس اللي برا ..!

لم تفهم هي ما الذي يرمي إليه بعبارته الأخيرة تلك ، ولكن النظرات الشيطانية المنبعثة من عينيه كانتا كافيتين لتفهم مقصده ..
فغرت شفتيها في رعب وهي تسأله بصوت لاهث ومتقطع ب :
-ن.. ناس مين ؟
وقبل أن يجيبها بصوته الآجش ، باغتها بوضع ذراعه أسفل ركبتيها ليحملها بين ذراعيه ، فشهقت في خوف ، فأردف بنبرة مشاكسة وهو يتحرك بها نحو باب الغرفة :
-المأذون يا عروسة
عجزت لوهلة عن الرد عليه من أثر الصدمة ، ونظرت له بذهول تام .. وكأنها تحاول إستيعاب ما لفظه فمه .. ولكن سريعاً ما أفاقت من صدمتها لتصرخ محتدة وهي تركل بساقيها في الهواء :
-لألألألأ ..

ضغط بقبضتيه على جسدها الهزيل فشعرت بأنها تعتصر بين ذراعيه ، ونظر لها بدناءة وهو ينطق بخسة من بين أسنانه :
-تؤ.. تؤ .. تؤ .. الرفس جاي بعدين
وإستمر في إحاطتها بذراعيه إلى أن خرج من الغرفة ، وتوجه ناحية الصالة حيث ينتظرهما المأذون والشهود...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع عشر

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
وضع عدي قبضته في قبضة مهاب ، ثم أسند المأذون قبضته عليهما ، وأردف في الميكروفون بنبرة هادئة ب :
-قال تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ".. الزواج يا سادة هو أساس بناء أسرة كريمة في المجتمع ، وله حكمه وآدابه ، واليوم بفضل الله نعقد قران إثنين من أبنائنا .. فنسأل الله لهما التوفيق ..

إلتفت المأذون برأسه نحو عدي ، وتابع بنبرته الثابتة ب :
-من فضلك ردد ورائي
إبتسم الأخير له إبتسامة هادئة وهو يجيبه بتلهف ب :
-اوكي
تنحنح المأذون بصوت خشن قائلاً :
-أنا عدي عبد الرحمن الشامي قد إستخرت الله ، واطلب منك أن تزوجني إبنتك الآنسة ليان مهاب الجندي ( البكر ) الرشيد على سنه الله ورسوله ، وعلى الصداق المسمى بيننا.

أخذ عدي نفساً عميقاً ، وزفره على عجالة ، وردد قائلاً بهدوء نسبي وهو ينظر في عيني مهاب :
-أنا عدي عبد الرحمن الشامي قد استخرت الله ، وأطلب منك أن تزوجني ابنتك ال آآ.... .. ال .. آآآ...
ثم صمت لثانية فإنتاب مهاب القلق مما يمكن أن يحدث .. هل سيغدر بهم عدي ويتسبب في فضيحة كبرى
وضعت ناريمان هي الأخرى يدها على قلبها ، ونظرت بتوجس إلى عدي .. هل حقاً سيرتكب حماقة ما ؟
شحب لون وجه ليان وهي ترى الصمت الغريب الذي ساد فجأة في القاعة ، فالكل ينتظر أن يكمل عدي جملته ..
ولكنه على العكس ظل صامتاً مما ألهب جو التوتر ..

راقبتها جايدا بإندهاش ، فهي لا تعرف ما الذي أصاب رفيقتها المقربة فجأة ليبدو وجهها كالموتى ..
تعجب ممدوح من فعلة عدي الغير متوقعة .. وتسائل بحيرة في نفسه .. لماذا لم يكمل عبارته إلى الآن ؟
ثوانٍ مرت على الجميع وكأنها دهر .. قطعها صياح شاب ما من الخلف مازحاً ب :
-ايه يا عريس نسيت الكلام ولا إيه
تعالت الضحكات في القاعة ، فخففت من حدة التوتر قليلاً .. ولكن أوجه ناريمان ومهاب وليان ظلت كما هي .. جامدة متصلبة يسودها الرعب ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي
أنزل أوس تقى على ساقيها ، وأجبرها على الجلوس على الأريكة الجانبية .. وأشار لعفاف بعينيه لتأتي إليه ، ثم أمرها بخفوت ب :
-خليكي جمبها
أومأت برأسها مطيعة إياه وهي تجيبه ب :
-حاضر يا باشا
سار هو في اتجاه الشيخ الوقور الجالس بالصالة وبجواره محامي الشركات وموظفين أخرين ..
ثم جلس قبالتهم واضعاً ساقه فوق الأخرى ، وأردف بصرامة :
-إبدأ يا شيخ !

هز الشيخ الوقور رأسه موافقاً ، ثم سعل بصوت خشن ، وشرع قائلاً :
-إن الحمد لله نحمده نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وآآآ....
قاطعه أوس بضيق واضح يحمل التهكم في نبرة صوته وهو يحدجه بنظراته الشرسة ب :
-جرى ايه يا شيخنا ، هو انت جاي تخطب خطبة الجمعة هنا
إنزعج الشيخ من أسلوب أوس الفظ معه ، فرد عليه بجدية قائلاً :
-لأ يا بني أنا بس آآ...

قاطعه مجدداً بصوت أمر وهو يشير بيده :
-اكتب يا شيخنا الكتاب ، خليني أخد راحتي مع ..
ثم سلط أنظاره الشرسة على تقى ليزيد من رعبها وهو ينطق بثقة ب :
-مع مراتي ...!!!!!
أمسكت تقى بكفي المدبرة عفاف التي ضمتها إلى صدرها محاولة الإختباء من مصيرها المزعوم ..
نظر الشيخ إلى تقى بريبة ، ثم عاود النظر إلى أوس وسأله بحذر وهو يبتلع ريقه :
-هو العروسة موافقة يا بني ؟

أنزل أوس ساقيه ، وإنحنى بجذعه للأمام ، وحدج الشيخ بنظرات شرسة وهو يسأله بغلظة :
-هتفرق معاك ؟
هز الشيخ رأسه إيجابياً وهو يرد عليه بهدوء نسبي ب :
-اه يا بني .. ده جواز ، وفيه قبول ورفض
إعتلى ثغره إبتسامة ماكرة .. ثم اعتدل في جلسته ، وحدق في تقى بنظرات دقيقة متوعدة ، وأخذ نفساً عميقاً ، وزفره على مهل مجيباً إياه بغرور زائد :
-وماله ، هو أنا برضوه هاتجوزها غصب عنها ، إسألها بنفسك يا شيخنا
إلتفت الشيخ نحو تقى ، وسألها بجدية :
-إنتي معترضة يا بنتي ؟

وزعت هي أنظارها بينه وبين المدبرة عفاف التي رمقتها بحنو ممزوج بالشفقة وإرتجفت بشدة وهي تحاول إجبار حالها على الرفض ولكن هل تستطيع تحمل عواقب قرارها هذا ..
هي تذكر وعيد أوس بتدميرها ، والإنتقام من والدتها ، وتشريد عائلتها .. وتعلم أنه قادر على فعل هذا .. يكفيها أن تنظر إلى وجهه المتصلب لتتأكد من صدق حدسها..
نظرت إلى المدبرة عفاف مجدداً محاولة البحث في عينيها عن شجاعتها الهاربة ، لكنها قرأت فيهما الندم والحسرة ..

تنهدت في يأس ، وبصوت متلعثم وخانق ويحمل الخوف أجابته
-آآ.. ل ... لأ
هز الشيخ رأسه ولم يعقب ، بل أمسك بالأوراق التي كانت بحوزته ، وبدأ يدون بها بعض الملحوظات ، ثم سألها مرة أخرى بهدوء قائلاً :
-مين وكيلك يا عروسة ؟
نظرت له بعدم فهم وهي فاغرة شفتيها المرتجفتين ب :
-هاه
رفع الشيخ عينيه نحوها ، وسألها بجدية :
-مين الوكيل عنك ؟

ردت بنبرة حزينة وهامسة لم يسمعها أحد إلا عفاف الملاصقة لها ب :
-ب .. با آآآ...
توقفت عن الكلام بعد أن أغمضت عينيها في حزن مرير ..
كم كانت تحلم بأن يزفها والدها لمن يختارها قلبه ، فتقف مزهوة بهما معاً ..
ولكنها اليوم عاجزة عن معرفة مصير والدها ، فأخر مرة رأته فيها حينما خرج للبحث عن خالتها.. ومن وقتها لم يعد ولم تعرف عنه شيء إلى أن إنتهى بها المطاف في براثن هذا الذئب ..

طال صمتها ، وإزداد تعجب الشيخ ، ولكن تدخل محامي الشركة قائلاً بصوت جاد وهو يخرج بطاقة هويته من حافظة نقوده :
-أنا وكيلها
تناول الشيخ البطاقة منه ، وأسندها أمامه على الطاولة ، وهو ينطق بتريث ب :
-على بركة الله
إلتوى ثغر أوس بإشتهاء مثير وهو يشهد بعينيه إستعداد الجميع للتوقيع على ذاك الميثاق ...
لقد اقترب من تحقيق حلمه في التلذذ بإستمتاع مثير بمن ستلبي رغباته الوحشية بضعفها الحقيقي ... وليس كما إعتاد بمقابل مادي وتأوهات زائفة ......

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
تفرس عدي في أوجه الحاضرين مستمتعاً بنظرات الترقب الممزوجة بالخوف في أعينهم .. واعتلى فمه إبتسامة مراوغة ..
فجميع من بالقاعة يظن أن ليان هي فتاة طاهرة نقية لم يمسسها رجل غيره ، فيما عدا أهلها ..
نظرات السخرية كانت هي السائدة على وجهه ، هل يردد كذباً أنها فتاة ( بكر ) أم يفضح أمرها وتحدث الفاجعة ..
هتف المأذون متسائلاً بنبرة جادة :
-أقول تاني ؟

إلتفت عدي برأسه نحوه ، ونظر له مطولاً .. ثم أجابه بلهجة يشوبها اللامبالاة قائلاً
-لأ .. أنا فاكر يا شيخنا ، وهاقول !
تنفست ناريمان الصعداء وشعرت أن روحها ردت إليها من جديد ..
لقد كانت لحظات عصيبة بحق ..
مسحت بيدها على وجنتيها ، فشعرت بملمسهما البارد ، فتنحنحت بخفوت ، وإبتلعت ريقها ، وحاولت أن تستعيد هدوئها الإنفعالي ، ورسمت قناع السعادة الغامرة وهي تهتف بمرح :
-مالوش حل عدي ، دايماً يحب يهزر في المواقف الجد.

ردت عليها سيدة ما بلطافة :
-اه واضح
توجست ليان خيفة من عدي بعد الذي فعله .. وشعرت أن هناك شيئاً ما يضمره في صدره ..
أرادت أن تكذب حدسها ، ولكن قلبها ينبئها بأن ما يحدث ما هو إلا مقدمة لشيء ما أسوأ ..
أثار ما فعله عدي حفيظة مهاب ، ولكن ماذا سيفعل معه ، هو من يتستر على فضيحة ليان ، لذا عليه أن يصمت مجبراً ، ويتمم تلك الزيجة دون أي إعتراض ...

في منزل أوس بمنطقة المعادي
انتهى الشيخ الوقور من تجهيز أوراق وثيقة الزواج ، ثم دعا العروس بصوت هاديء ب :
-تعالي يا عروسة عشان توقعي هنا
نظرت تقى بذعر إلى عفاف ، وتمسكت أكثر بها .. وودت لو تساندها وتمنعها عن إرتكاب تلك الجريمة الشنعاء ..
إحتضنتها الأخيرة بذراعها ، وربتت على كتفها ، وهمست لها ب :
-قومي يا بنتي
أجبرتها على النهوض من على الأريكة ، وسارت محتضنة إياها إلى أن وصلت بالقرب من الشيخ الذي أسند الأوراق أمامها ، ثم القلم .. وبهدوء مريب طلب منها :
-امضي هنا ، وابصمي !

بأصابع مرتجفة حاولت تقى أن تمسك بالقلم الحبر وتوقع على وثيقة سجنها للأبد ..
مر أمام عينيها لحظات من حياتها السابقة ؛ طفولتها البعيدة وهي تلعب مع صغار الحارة بالعرائس والكرة .. ونداء أبيها لها حينما ولد أخيها الصغير ، وفرحته بهما .. ثم لحظات الحزن حينما اكتشفوا مرضه المزمن ومعاناته لفترة طويلة قبل أن يتوفاه الله بسبب عجز عائلتها عن توفير نفقات عمليته
عودة خالتها من الخارج للمكوث معهم بعد فقدانها لعائلتها بالكامل وهي في حالة نفسية وعقلية سيئة
إصطحاب والدها الطيب لها في أول أيام دراستها في كل مرحلة تعليمية إلى أن وصلت للمعهد ..

فرحته بنجاحها الذي يتناسب مع قدرتها العقلية ..
سيرته الطيبة والعطرة التي كانت تدعوها للفخر به ..
صوت والدتها المتذمر وهي تعلمها قواعد الطهي وتنظيف المنزل والعناية بخالتها أثناء غيابها
لحظة بلوغها ، وتلقين أمها لتعليمات صارمة بشأن إختلاطها بمجتمع الذكور
إرتدائها للحجاب ، وتجنبها للحديث مع الغرباء .. ورفض أمها لعملها تحت أي ضغط للحفاظ على شرفها
تمتعها بحياتها البسيطة ، وإشتياقها للدفء الموجود بين جدران منزلها المتهالك
حنينها إلى غرفتها ، وإلى ملابسها البسيطة المحتشمة ..

إفتقادها لوجود أبويها معها في أخطر اللحظات في حياتها ..
شعورها باليتم –رغماً عنها – بسبب غيابهما ..
ثم المصائب التي توالت عليهم جميعاً بسبب إتهام باطل بالسرقة لوالدتها .. وما تبعه من بطش وجبروت شخص بغيض رفض أن يتحداه كائن لا حول له ولا قوة ، فأوصلها إلى ما هي عليه الآن ..
طال ترددها ، فوضعت عفاف يدها على كتفها ، وضغطت عليه قليلاً لتنتبه الأخيرة لها ..
إلتفتت تقى لها نصف إلتفاتة ، وحانت من عينيها نظرة حسرة وإنكسار .. فأومات عفاف لها بإستسلام هامسة ب:
-يالا يا بنتي ، محدش فينا في ايده حاجة يعملها
راقبها أوس بثبات إلى أن إنتهت من التوقيع على جميع الأوراق .. فتنهد في إرتياح .. وتقوس فمه بإبتسامة شيطانية ، ثم صاح بصوت جهوري آمر :
-كله برا ...!!!!

في قاعة الأفراح بالفندق الشهير
تعالت الزغاريد والأغاني المبهجة لأحد المطربين الشعبيين بعد أن إنتهت مراسم عقد القران ..
وتراقص الحاضرون مع الفرقة المصاحبة للمطرب ، واضافوا جواً من الحماسة ..
كانت عيني ليان تحمل نظرة عتاب لعدي الذي تلاعب بأعصابها وشكت في إتمامه للزيجة ..
لاحظ هو عبوسها .. فمال عليها سائلاً إياها ب :
-مالك يا ليوو ؟

نظرت له بإزدراء وهي تجيبه بحدة :
-ينفع اللي عملته ده !!
ابتسم لها إبتسامة عريضة وهو يتابع مازحاً :
-بهزر يا حبيبتي ، بس إيه رأيك أنفع أبقى كوميديان ؟
إزداد ضيق عينيها ، وهتفت بعتاب :
-هو في هزار في الحاجات دي ؟!
أجابها دون تردد ب :
-أه طبعاً ..
نفخت في ضيق من ردوده العادية ، وتابعت بإمتعاض قائلة :
-لأ بجد ، أنا اتضايقت من اللي عملته ، وفكرت إنك آآآ..

قاطعها عدي بوضع إصبعه على شفتيها ، ورمقها بنظراته الشقية ، وأردف برومانسية :
-اوعي تفكري في لحظة إني ممكن أسيب نصي التاني ، ده أنا مصدقت إنك بقيتي ليا .. أنا بأحبك يا ليان !
فغرت شفتيها وتسائلت في إستغراب
-هاه ، إنت بتحبني فعلا ؟
-ايوه يا حبيبة قلبي ، ومش هانفترق عن بعض مهما حصل
ثم إحتضنها بين ذراعيه ، فأسندت رأسها على صدره ، وتنهدت في إرتياح مؤقت ....

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
تفاجيء الجميع بصوت أوس الأمر وبنهوضه المخيف ليعيد على مسامعهم مجدداً بغلظة أشد :
-كله يطلع براً ، دوركم خلص ..!
لمعت عيناه ببريق شر مخيف وهو يحدجهم بشراسة ..
جمع الشيخ الوقور أوراقه في الحقيبة التي جاء بها ، وعاونه محامي الشركات ، بينما إتجه الموظفين إلى باب المنزل ..

لملمت المدبرة عفاف أشيائها ، وأطرقت رأسها في خزي وهي تمتثل لأوامره ..
كم تمنت أن تمد يد العون لتلك الصغيرة ، ولكنها مثلها عاجزة عن الوقوف أمام بطشه ..
إنكمشت تقى في مكانها وهي تنظر له بذعر ، لم تستطع قدميها أن تحملاها لتنهض من مكانها ، وتفر من أمامه ..
إحتضنت صدرها بذراعيها ، وضمت ساقيها معاً .. وظلت ترتجف بشدة ..
أولاها أوس ظهره وهو يراقب خروج أخر فرد من منزله ليتحول وجهه للقتامة، وتسطع عيناه بشرر مستطر.. ثم إنفرج فمه لتظهر أنيابه خلف إبتسامته الشيطانية...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس عشر

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
إنتهى المطرب الشعبي من أغنيته الأخيرة ، والتي كانت الختام لفقرات الحفل ، ثم تجمع غالبية الحاضرين حول العروسين لإلتقاط الصور التذكارية معهما ...
تنهدت ناريمان في إرتياح لإنتهاء تلك الليلة دون حدوث أي مشاحنات من أي نوع ..
بحثت بعينيها عن مهاب فوجدته بصحبة بعض رجال الأعمال ، فإبتلعت ريقها بهدوء ، ثم إشرأبت برأسها للأعلى للبحث عن عشيقها ممدوح ، فلم تجده ..
توجست خيفة أن يكون قد حدث بينه وبين زوجها مشادة كلامية فإنصرف على إثرها ..

أمسكت بهاتفها النقال وعبثت بأزراه ، ثم وضعت الهاتف على أذنها وهي تسير مبتعدة عن الواقفين ..
إنتظرت أن يأتيها رده على إتصالها ، ولكن دون جدوى ، فبدى وجهها منزعجاً ..
زفرت في ضيق ، وحدثت نفسها بخفوت قائلة :
-راح فين ده ؟ ومش بيرد على مكالماتي ليه ؟!

سلم عدي على معظم الحاضرين وثغره يعلوه إبتسامة لئيمة حاول أن يخفيها قدر المستطاع .. فالليلة هي ليلته الموعودة ..
كان بين الحين والأخر ينظر إلى زوجته بنظرات رومانسية والهة ولكنها في نفس الوقت مخادعة ..
وكان تارة يغمز لها بمكر ، وتارة يرمقها بهيام .. فتبتسم له بخجل معتقدة أنها ستغدو أسعد عروس الليلة ...
أحطات جميلات الحفل بليان ، وحسدن إياها على عريسها الذي بدى كالعاشق المتيم من تصرفاته أمام الجميع ..
إكتفت هي بالرد عليهن بكلمات مقتضبة ..

كانت توليه ظهرها وهي تستمع إلى مزاح رفيقاتها .. فتفاجئت به يحاوطها من خصرها ، ويقبلها وجنتها بحب .. ثم مال على أذنها وهمس لها بحرارة :
-مش يالا بقى
توردت وجنتيها قليلاً ، وأومأت برأسها موافقة .. فتهللت أساريره أكثر ، وصاح بحماس :
-شكراً يا جماعة على حضوركم النهاردة ، أسيبكم تكملوا السهرة ، وأطلع أنا مع عروستي للجناح بتاعنا
تعالت صافرات الشباب وبدأوا بالتلميحات المازحة عن ليلة الدخلة، فلوح لهم عدي بكفه متجاهلا تعليقاتهم ثم ضم ليان إلى صدره، وقبلها من جبينها ليزيد من غيرة جميلات الحفل وتأوهاتهن الحارة ..

أرخى عدي ذراعه عن خصر ليان ، وأمسك بها من كفها ، وتشابكت أصابعهما معاً ، وسارا في إتجاه باب القاعة ..
اقتربت ناريمان منهما ، وإنحنت برأسها على ليان ، وقبلتها قبلة صغيرة على وجنتها ، ونظرت إلى عدي بنظرات جادة ، وهي تحدثه قائلة :
-مش هوصيك على ليو !
إلتفت برأسه لزوجته ، ورمقها بنظرات مطولة وهو يجيب ناريمان بهدوء مريب :
-مش محتاجة وصاية ، دي .. دي نصي الحلو !

إنضم إليهم مهاب وهو مقطب لجبينه ، ونظر إلى كلاهما بنظرات متفحصة ، ثم أردف بصوت مرهق وموجز :
-مبروك
إبتسم له عدي قائلاً بسعادة :
-الله يبارك فيك يا د. مهاب
رسمت ليان إبتسامة مصطنعة على ثغرها وهي تجيبه بفتور :
-ثانكس دادي
وزع مهاب ناظريه بينهما ، ثم سألهما بجمود :
-طالعين على أوضتكم ؟

هز عدي رأسه ، وأجابه بإبتسامة عريضة على محياه :
-قصدك الجناح بتاعنا يا دكتور
مط فمه للأمام وهو يتابع بنبرة عادية :
-أها .. تمام
تنحنح عدي بصوت خافت ، ثم لف ذراعه حول خصر زوجته ، ورمقها بنظرات عاشقة وهو يهمس قائلاً :
-عن إذنكم ، أنا حابب أقعد مع عروستي !
-اتفضلوا يا حبايبي ، Enjoy your honeymoon ( استمتعوا بشهر عسلكم )
لوحت ليان بأطراف أصابعها لكلاهما ، وسارت متأبطة ذراع زوجها في إتجاه المصعد ....

ولجت ليان أولاً إلى داخل المصعد ، وأطرقت رأسها للأسفل قليلاً بعد أن ألصقت ظهرها بزاويته الجانبية ..
ضغط عدي على زر غلق المصعد ، ثم إستدار برأسه للخلف لينظر إليها بنظرات متفحصة ..
كانت تعبث هي بخصلات شعرها بتوتر ، فإرتسم على ثغره إبتسامة ماكرة ، ثم تحرك نحوها ، ورفع يده ناحية وجهها ، ومسح عليه بنعومة ، فإبتسمت بخجل ، وتوردت وجنتيها ..

اقترب عدي من أذنها ، وهمس لها بحب :
-بأحبك
أجابته بخفوت شديد وهي مجفلة لعينيها :
-وأنا كمان
-طب مش هاتخليني أشوف عينيكي الحلوة
وبخفة رفع رأسها للأعلى بعد أن وضع إصبعيه على طرف ذقنها ..
ثم نظر لها مطولاً ، وأردف بنعومة :
-يا بختي بيكي.

إزداد توهج وجنتيها ، وشعرت بحرارة غريبة تجتاح جسدها ، فلوى فمه في غرور وهو يرى تأثير رجولته الزائفة عليها ..
ثم قرر أن يستغل الفرصة ويغتنم منها قبلة عميقة .. فمال برأسه على رأسها ، وكان على وشك تقبيلها ، ولكن توقف المصعد في الطابق المتواجد به جناحهما ، فإرتبكت ليان ، وأبعدته بدلال عنها قائلة برقة :
-وصلنا ..!
نظر لها بتسلية وهو يهمس لها ب :
-ماشي يا ليوو .. هاتروحي مني فين !

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
صفق أوس الباب بعنف لتنتفض تقى في مقعدها مذعورة منه ..
شمر عن ساعديه وهو يلتفت بجسده نحوها ، ثم صر على أسنانه بغلظة وهو يرمقها بنظراته المتوعدة قائلاً :
-جه وقت الحساب يا تقى
حاولت هي أن تنطق ، ولكن رهبتها الشديدة منه ألجمت لسانها .. فإكتفت بالإنكماش على نفسها ، والتحديق به بخوف رهيب ..
لقد أصبحت الآن بمفردها معه ، وباتت برائتها على وشك الإغتيال ..

حدجها بنظرات مميتة وهو يسير نحوها بخطوات ثابتة ، وتابع بجموح :
-خلاص حصل اللي إنتي عاوزاه ، واتجوزتك .. بس ..آآآ....
توقف أوس عن إتمام جملته الأخيرة حيث وصل إلى حيث تجلس هي ، ثم إنحنى بجذعه للأمام عليها ، وأسند كفي يده على مسندي الأريكة ، فحاصرها بين ذراعيه ، ونظر لها بشراسة دون أن تطرف عيناه .. وأكمل بنبرة قاتمة :
-بس جه دوري أخد اللي أنا عاوزه منك !!

كان إقترابه منها مخيف إلى حد الموت ، فنظراته كانت تذبحها قبل لسانه ، وقسمات وجهه تعبر عن تلذذه بالإنتقام منها ..
مال برأسه أكثر عليها ، فحاولت أن تبعد وجهها عنه ، فإقترب من إذنها ، فلفحتها أنفاسه المحتقنة من الغضب .. وشعرت بتلك القشعريرة الرهيبة تصيب عنقها ، وتتسرب إلى باقي جسدها ..
تقوس فمه بطريقة مريبة ، وهو يهمس لها قائلاً بنبرة تشبه فحيح الأفعى :
-وده وقت الحساب يا تقى !

بداخل جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،،،
وضع عدي مفتاح الباب الإلكتروني في مكانه لينفرج الباب قليلاً ، ثم دفعه بخفة للخلف ، ونظر إلى عروسه بحب مصطنع ، وأشار لها بكفه لتمر إلى الداخل وهو ينطق ب :
-اتفضلي يا حبيبتي
أومأت برأسها موافقة ، ولم تجبه ، وسارت بتمهل نحو الباب بعد أن رفعت فستانها عن الأرضية قليلاً ..
وقف عدي أمامها ليسد عليها الطريق ، فنظرت له بإندهاش سائلة إياه بإستغراب ب :
-What ( ماذا ) ؟

رسم إبتسامة هادئة على وجهه ، ثم مد كفه نحو كفها ، وأمسك به ، ورفعه إلى فمه وقبله بعشق ، وأسبل عينيه وهو يجيبها بهمس :
-أنا بنفسي اللي هادخلك لجوا
ثم جذبها برقة نحوه ، وأحاط خصرها بذراعه ، وإنحنى بجذعه للأمام ليضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ، وبكل رفق حملها بين ذراعيه ، فلقت هي ذراعيها حول عنقه ، وتمسكت به ..
نظر لها بنظرات رومانسية ، وقبل أرنبة أنفها ، ودفع الباب بقدمه ، ليدلف الاثنين إلى داخل الجناح الخاص بهما حيث المفاجئة التي أعدها لها بالداخل ...

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
فكرت تقى في دفع أوس – بما تبقى لديها من قوة - بعيداً عنها لتتجنب أنفاسه الكريهة التي تصيبها بالإختناق ..
ألا يكفيها كلماته الحادة التي تصيبها بالإشمئزاز منه ، ليحاصرها أيضاً بأنفاسه البغيضة فيشعرها أكثر بالغثيان .. ناهيك عن جو الفزع الذي تعيش فيه منذ أن إلتقته أول مرة ..

قرأ أوس في عينيها نظرات الخوف ، فشعر بالإنتشاء من حاله ، وأنه مازال يحتفظ بقدرته على إرهابها ، وبث الرعب في نفسها من مجرد نظرات .. فماذا عن الأفعال ؟
مجرد وجود تلك الفكرة في رأسه زادت من تسليته ، ورفعت إثارته ....
فطالما حلم أن يمارس ما إعتاده من أفعال مشينة مع من لا تدعي الضعف ، وها قد وجد مبتغاه ..
فقد ظن في البداية أنها تتحدى قواه ، وتتجرأ عليه .. لكنه إكتشف أنها أضعف بكثير مما إعتقد ...

إنتظر هو لفترة طويلة حتى ظفر بها .. واليوم صارت بين يديه ليفعل بها ما يريد دون أن ينقذها أحد من عقابه الجسيم ..
إستجمعت تقى شجاعتها الهاربة ، ورفعت كفيها نحو صدره ، وحاولت تحريك جسده المتصلب .. ولكنها عجزت عن تحريكه لبوصة
قهقه أوس من محاولتها الفاشلة ، ونظر لها بلؤم وهو ينطق بإستخفاف :
-وفري مجهودك للي جاي.

باغتها هو بالإمساك بمعصميها بقبضتيه ، وإعتصرهما بشدة و هو يجذبها عنوة من على الأريكة ، فإرتطمت بصدره ، وأصقها به ، وكز على أسنانه بشراسة وهو يحدجها بنظراته المميتة قائلاً :
-ده الليلة ليلتك يا .. يا عروسة !
تلوت بجسدها محاولة تخليص نفسها من حصاره صارخة بإهتياج ب :
-سيبني !
صاح بها بنبرة عنيفة :
-لأ .. لأ.

ثم لف ذراعه حولها بعد أن ألصق ظهرها بصدره ، وضم معصميها معاً بقبضته ، وإنحنى قليلاً بجذعه ليضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ليحملها بقسوة بين ذراعيه ..
إنتفضت بجسدها بالكامل محاولة الإفلات منه ، ولكن بلا جدوى .. فمقاومتها لا تقارن بقوته المشحونة ضدها ..
سار حاملاً إياها بثبات عجيب في إتجاه غرفة نومهما ..
ومع إقترابها من مكان الغرفة حتى زادت إنتفاضة جسدها ، وإرتعادة أوصالها ..
ظلت تركل بقدميها ، وتصرخ مستغيثة أن يتركها .. ولكنه كان كالصنم ، لا يسمعها ، ولا يرى سوى إنتقامه المحتوم منها ...

بداخل جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،
تفاجئت ليان بالترتيبات التي أضافها زوجها عدي في الجناح الخاص بهما ..
رمشت بعينيها عدة مرات غير مصدقة ذلك المنظر الرائع الذي جعلها تشعر بأنها أسعد زوجة في العالم
فغرت شفتيها في إندهاش ممزوج بالإنبهار وهي تتشدق قائلة :
-إنت .. إنت اللي عملت ده ؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد عليها بصوت رخيم :
-أيوه ، وده قليل عليكي يا حبيبتي ..!

جابت بعينيها المكان متأملة إياه بإعجاب شديد ، لقد إستطاع عدي أن يحول الإستقبال في أقل من ساعتين إلى حديقة أوروبية صغيرة مليئة بالورود الحمراء ، والشموع المضيئة ، والبلالين المصممة على هيئة قلوب مختلفة الأحجام والأشكال ..
كما مهد لها طريقاً بقطع الأزهار لتخطو عليه برشاقة بعد أن أنزلها على ساقيها نحو الفراش الذي يتوسط الغرفة الأخرى ..
نظرت له بعشق وهي تردد بحماس :
-أنا مش مصدقة ، إنت عملت ده إزاي وإمتى ؟
إبتسم لها بهدوء وهو يجيبها بمكر :
-حبيبتي ، المهم عندي إنك تكوني مبسوطة.

فردت ذراعيها في الهواء ، ودارت حول نفسها وهي تهتف بسعادة جلية :
-أنا مش بس مبسوطة ، أنا أكتر واحدة محظوظة في الدنيا دي
راقبها بإمعان ، وتفرس في ملامحها المتحمسة ، وأجابها بهدوء وهو يبتسم لها بسخافة :
-طبعاً يا ليووو ، ده انا اللي محظوظ بيكي
توجه عدي ناحية مشغل الموسيقى الحديث الموضوع بجوار شاشة التلفاز ، ثم ضغط على على زر التشغيل لتبدأ موسيقى هادئة في الإنبعاث من سماعاته ..
توقفت ليان عن الدوران لتنظر إلى زوجها بنظرات مترقبة وممزوجة بالخجل ..

مد كف يده نحو كفها ، فوضعته بداخله ، فتلمسه بحرص ، وقبض عليه برفق ، ثم اقترب منه خطوة ، ولف ذراعه حول خصرها ، وضمها إلى صدره ، فأصبح الإثنين متلاصقين ، ونظر مباشرة في عينيها ..
ظل يتأملها مطولاً .. وهي تبادله تلك النظرات الحالمة .. فهي أكثر النساء حظاً به ..
تمايلت ليان وهي في أحضانه على الإيقاعات الموسيقية - التي تطرب لها الآذان - بنعومة وخفة ..
شعرت أنها تطوف في أحلامها .. تحلق في السماء ..
قرأ هو بوضوح عينيها ، وعرف أنه استحوذ بالكامل عليها...

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
إرتسمت نظرات الذعر على عيني تقى ، وحاولت أن تتخلص من أذرع أوس القابضة عليها ، ولكنه لم يكنْ ليدعها تفلت منه بسهولة ..
دلف الإثنين إلى داخل غرفة النوم .. فإزداد صراخها ب :
-لألألأ .. مش عاوزاك ، سيبني حرام عليك
نظر لها بشراسة وهو يجيبها بتوعد مخيف :
-الحرام لسه جاي بعدين.

أرخى ذراعه عن ركبتيها ، فإنزلقت ساقيها للأسفل ، ولكنه لم يفلتها ..
بل لف ذراعه حول خصرها ، وألصق صدرها بصدره ..
ونظر لها بنظرات أكتر شراسة ، وأردف بجموح :
-ايه رأيك يا عروسة نبدأ ليلتنا بالرقصة السلو
وبالفعل أجبرها على التمايل معه والرقص في أحضانه دون وجود أي موسيقى ، فشعرت بالإختناق من أنفاسه التي تزيد من إشمئزازها ..
وقاومته رغم حالة الوهن البادية عليه ..
ولكن هي كالبرعم اليانع الذي يقف بمفرده في مهب الريح ..

جاهدت لتنسل من أحضانه ، ونظرت له برعب وهي ترى تلك الحالة الغريبة التي تسيطر عليه .. وصرخت بضعف :
-إنت مش طبيعي .. إنت .. إنت أكيد مجنون
نظر لها بصرامة وهو يجيبها بإستفزاز قائلاً :
-أنا لو كنت مجنون ، مكونتش هاتبقي واقفة قصادي السعادي
نظرت له بإحتقان وهي تجيبه بتحدي سافر :
-يا ريتك كنت خلصت عليا
حدجها بنظراته المميتة وهو يتابع بصرامة :
-مش بالبساطة دي.

تلوت بجسدها وهي تلهث من المجهود المضاعف لتقاومه قائلة :
-أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده ؟!
أجابها دون تردد ب :
-غلطتك الوحيدة إنك فكرتي تقفي قصادي !
لمعت عينيها من قبضتيه التي تعتصرها ، وهتفت بصوت مختنق :
-أنا كنت بأدافع عن أهلي ، كنت بأحمي أمي من واحد زيك.

رمقها بنظراته الضيقة وهو يجيبها بنبرة لئيمة تبرز من خلف تلك الإبتسامة الوضيعة التي تشكلت على ثغره قائلاً :
-فعلاً ، بس باللي عملتيه خلاكي تيجي على هوايا ، وأنا كنت مستني اللي زيك من زمان .. أيوه من زمان أوي
قرأت تقى في عينيه القاتمتين ما جعلها تسبه بإهتياج وهي تباغته بصفعة قوية :
-إنت حيوان وإبن *** ، آآآ... آآآآآه .. آآآآآه
صُدم أوس من فعلتها ، ورد لها الصفعة ، ثم جذبها من شعرها بقسوة للأسفل بعد أن أرخى ذراعه عن خصرها ، فهو لم يتحمل أن تهينه وتتخطى حدودها معه ، بل وتتطاول عليه قولاً وفعلاً ..

أراد أن يحطمها قبل أن تتمادى وتظن أنها ربحت جولة معه ..
إنحنت رأسها مع قبضة يده وهي تصرخ متأوهة من عنفه ، فحدجها بنظراته المشتعلة وهو يتوعدها ب :
-مش بالساهل هاسيبك يا ***** ، مش قبل ما أخد كل اللي عاوزه منك !

في الجناح الخاص بالعرائس في الفندق الشهير ،،،
تودد عدي بإشتياق لزوجته ، وقبل جبينها بقبلة مطولة وناعمة .. فاإمضت عينيها على إثرها ..
ثم أسند رأسه على رأسها ، واستنشق رائحة عطرها الأنثوي .. وهمس لها قائلاً :
-حياتي هتبدأ معاكي ، ومش هتنتهي أبداً
أسبلت عينيها بعشق وهي ترد عليه بنعومة :
-أنا مش كنت متخيلاك كده
إبتسم لها بهدوء ، وسألها وهو يتحسس شفتيها قائلاً :
-ها ، كنتي متخيلاني إزاي ؟

مطت شفتيها بعبث أنثوي ، وتحسست أزرار ياقته ، وهمست برقة :
-يعني .. انت صاحب أوس ، ف ..آآ.. فكنت مفكرة إنك شبهه
إبتسم عدي مجاملاً إياها ، وحدث نفسه بلؤم :
-ده أنا متخيرش عنه يا حلوة ، بس هو أسوأ مني بمراحل ...!
فكلماتها رغم عفويتها إلا إنها تحمل الحقيقة، وكيف لا يكون مثله وهو من ييسر لأخيها السبل للتمتع بليالٍ ماجنة في أحضان عاهرات إرتضين أن يكنْ تحت قدميهما فقط لتلبية غرائزهم ..

فكم بحث عمن يرتضيها أخيها في مقابل أن يجد من تكون سلواه ..
هو يعلم بعجزه ، ولكن لم يمنعه هذا عن تسلية نفسه بأي وسيلة أخرى ..
نظرت له وهي عاقدة حاجبيها في إندهاش ، فهو لم يعقب على جملتها الأخيرة ، وشعرت بشروده .. فسألته بحيرة :
-هو أنا قولت حاجة غلط ؟
نظر لها بنظرات غريبة ، فإزدادت حيرتها ، وسألته متوجسة ب :
-هو أنا قولت حاجة غلط.

إبتسم لها مجدداً وهو يهز رأسه نافياً ، ثم بكل خفة أبعد بأصابعه خصلات شعرها عن جبينها ، ورمقها بنظرات حانية ، و مال برأسه عليها ، اقترب ببطء من شفتيها المكتنزتين ، فشعرت بأنفاسه تشعل وجنتيها .. فتوردت كلتاهما أكثر ..
أغمضت عينيها لتستشعر فمه وهو يطبق بنعومة على شفتيها ..
شعرت ليان بقبلاته الحارة ، والتي كانت بمثابة فتيل أشعل الحملسة والرغبة في أوصالها ..
إستسلمت له .. وبادلته بعشق قبلات مطولة ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
نظر لها أوس بشراسة ، فإتسعت مقلتيها في رعب وهي تحاول تخليص خصلات شعرها من أصابعه المغروسة فيهم ..
رأى بوضوح إرتجافة شفتيها وهي تفتعل الشجاعة ، فأغرته كثيراً لتذوقهما ..
كم حلم بتلك اللحظة أن يمارس معها الحب على طريقته دون أن يجد إدعاء باطل بالرهبة منه ، والضعف أمامه ..
أراد أن يشعر بقوته تخترقها وهي في قمة ضعفها وهوانها ..

أراد أن يثبت لنفسه أنه مازال كما هو قادر على إخضاع أي إنثى ، أن يتقن ما تعلمه من دروس على أيدي أبيه وزوج أمه مع ..
بأن تحطيم المرأة يكن بإذلالها عنوة .. فيرى في أعينها الإشتهاء إليه ، وبأن يؤجج رغباته ، ويشعل نيران الحب فيها بتعذيبها ..
لم تعدْ ترهبه ذكريات ماضيه البعيدة .. فاليوم سيثبت صحة تلك النظرية التي أتقنها بمهارة مع ساقطاته ، ولكن مع من أوقظت فيه الرغبة بكل قوة ...

لذا وبدون تردد إنحنى أوس برأسه على تقى ليلتهم شفتيها بشفتيه ..
أطبق عليهما بلا رحمة ، وقبلها بعنف شديد جعلها تشعر بأنه يحرق روحها بنيرانه المستعرة ..
إزداد إشمئزازها منه ، وحاولت أن تصرخ ، ولكن صرخاتها لم تعرف الطريق إلا لجوفه ..
بغضت حالها وهي في أحضانه ، كرهت جسدها وهو يقاوم بشراسة رغباته الجامحة ..
فدفاعاتها لا تذكر أمام إصراره على نيل مبتغاه منها ....

في الجناح الخاص بالعرائس بالفندق الشهير ،،،،
بتمهل مصحوب بالدلال والمداعبة ، بدأ عدي في نزع فستان عرس ليان ..
أنزل السحاب للأسفل وهو يضمها إلى صدره ..
قبل عنقها بشغف .. فجعلها تتأوه بصوت مكتوم مزيداً لهيب شوقها ..
كان يلمس بشرتها بنعومة بأنامله مستشعراً تلك الرجفة الخفيفة في جسدها المتأجج ..
إنحنى ليقبلها بعذوبة أذابتها سريعاً ، وزادت من لهيب مشاعرها ..
تسارعت دقات قلبها مع كلماته التي إخترقت آذانها ..
إستسلمت ليان دون أي مقاومة لذلك التيار الجارف من المشاعر الرهيبة التي نفثها فيها زوجها عدي ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي
إنتهى أوس من نيل عدد لا نهائي من القبلات من شفتيها فإزداد تورمهما ..
حاولت إبعاد رأسه عنها ، ولكنه كان كالملتصق بالغراء بها ..
لذا إستخدمت أظافرها ، وخربشته قدر المستطاع في وجهه ، وفي عنقه .. فصرخ بتآلم لأول مرة في حياته ، وأبعد رأسه عنها ، وإهتاج بعنف قائلاً :
-آآآآآه .. يا بنت ال ****
إحتقنت مقلتيه بنيران الإنتقام وهو يسبها بسبابه اللاذع ..
زاد نفورها منه ، وأيقنت أنها في خوض معركتها الأخيرة معه ، وعليها ألا تستسلم له مهما تمكن منها...

فصرخت بإهتياج رهيب :
-هاموتلك لو لمستني ، هاقتلك
-يا ريت تعملي ده
قالها أوس بتحدٍ سافر لها وهو يرمقها بنظراته الشيطانية ..
لن ينكر أنه أعجب كثيراً بمقاومته الهزيلة له ، وتسلى برؤيتها تحاول الدفاع عن نفسها .. ففي النهاية هذا هو مبتغاه ، أن يجد مقاومة حقيقة له .....
بصقت تقى في وجهه بتقزز واضح وهي تتابع بعصبية :
-إنت ( أوسخ ) من إنك تكون بني آدم.

توهجت عيناه بشرر مستطر وهو يمسح عن وجهه لعابها ، وصر على أسنانه وهو يتوعدها قائلاً :
-وأنا مش هاكون وسخ إلا معاكي ..
زاد من شراسته معها ، حيث قبض على رسغيها ، وجمعهما معاً بيده القوية ، وبكل قسوة أخذ ينزع عنها ثوبها الأبيض ، لم يهتم بصراخها ، ولا بخربشاتها المؤلمة له ..
أمسك بالسحاب القابض على فستانها من الظهر ، وإنتزعه إنتزاعاً بلا رحمة كاشفاً جسدها أمامه ..
أصابها الهلع وهي ترى نفسها تتعرى رغم كونه زوجها ، فإهتاجت بصراخ عنيف قائلة :
-لألألألأ .. لألألأ .. ماتلمسنيش !

تحسس بغلظة بشرتها المرتجفة ، وإحتضنها برغبة متوحشة بين ذراعيه ..
أمسكت وجهه بكفيها ، وغرست أظافرها في قسماته ، وجاهدت لإرجاع رأسه للخلف حتى لا يلمسها بفمه وظلت تصرخ فيه بهستيرية ، ولكن لم يزيده هذا إلا إصراراً على تحقيق مبتغاه منها .....

في جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،،
أبعد عدي رأسه عن زوجته ليان ، ونظر لها برومانسية عشقتها ، ثم بكل رفق حملها بين ذراعيه ، وتشبثت هي بعنقه ، فألصقها بصدره ، وقبلها من شفتيها .. ثم دار بها عدة مرات حول نفسه .. فتعالت ضحكاتها الناعمة .. وهمست قائلة :
-بموت فيك
-وأنا ماليش إلا انتي
قالها عدي وهو ينحني على أرنبة أنفها ليداعبها بحنو ..

فأسبلت عينيها له ، وطمعت في المزيد ..
قرأ عدي ما تمليه عليه عينيها ، وغمز لها وهو يسير بها نحو الفراش ..
ثم وضعها عليه ، ولكنه لم يبعد ذراعيه عنها ..
تلمس بأصابعه برقة بشرتها الناعمة ، فألهب مشاعرها ، ولبى نداء قلبها المشحون بالعواطف المثارة ..
نجح هو في إيصال زوجته إلى ذروتها ، وجعلها تشتهي القرب منه وإليه ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،،
إستمدت تقى قوتها المفاجئة من شحنها لإنفعالاتها المهتاجة وتوجيهها نحو هدف واحد .. حماية نفسها مهما تكلف الأمر .. وإستبسلت بشجاعة عجيبة وهي تحاول إبعاده عنها ، وتغطية جسدها المتكشف أمامه ..
ورغم تلك الشجاعة المهلكة إلا أنها كانت لا تذكر مقارنة بذلك الهمجي الذي كان يصارعها بلا تفكير ..
إنحنى أوس بجذعه للأمام بعد أن أمسك بمعصمها ليحملها ، فلم تشعر بساقيها تلامسان الأرضية الباردة ، فجزعت أكثر ، وهتفت بعنف :
-لألألأ .. ماتلمسنيش !!

برزت أنيابه وهو يلقي بجسدها الهزيل على كتفه ، قائلاً بتحدي رهيب :
-أنا عاوزك تصرخي أكتر لأني مش هاسيبك النهاردة
، ثم ألقي بجسدها الهزيل على كتفه ، وسار بها في إتجاه غرفة نومهما ..
ركلت بقدميها في الهواء ، وضربت بقبضتها ظهره لعله يرتعد ..
تقوس فم أوس بإبتسامة تحمل ما يضمره لها ..
ولج إلى داخل الغرفة بها ، ثم ألقى جسدها بعنف على الفراش ، فصرخت متأوهة من الآلم ..

وزحفت بمرفقيها للخلف وهي تصرخ بتوسل :
-ارحمني ، لألألألأ..
رأت في عينيه إصراراً رهيباً على أخذها عنوة .. فزاد هلعها منه ..
خلع قميصه وهو يلوي فمه بتوعد .. ثم ألقاه بعدم إكتراث على الأرضية ، واقترب من الفراش
تراجعت للخلف بجسدها ، محاولة الزود بنفسها والهروب من براثنه .. لكنه كان الأسرع في الإمساك بها من قدمها اليسرى ..
صرخت بإهتياج قائلة وهي تحرك قدمها محاولة تخليصها من قبضته :
-إنت ايه ، معندكش قلب ، معندكش اخوات .. حرام عليك !!

إزدادت قتامة عينيه وهو يجيبها بشراسة :
-ولو عندي .. محدش هايمنعني منك !!!
نظرت له بإشمئزاز وهي تهتف محتدة ب :
-أنا بأقرف من نفسي وأنا معاك ، إنت استحالة تكون زي البشر الطبيعيين
نظر لها بأعين شيطانية ، وتابع بنبرة شرسة :
-ومين قالك إني طبيعي .. أنا مجنون باللي بأعمله .. وإنتي نجحتي في إنك توصليني للدرجة دي !!

ثم جذبها من ساقيها نحوه ، وباعد بينهما ، وهَمّ بها ..
وحدجها بنظراته التي لن تنسى ظلمتها يوماً ، وصر على أسنانه بغلظة قائلاً :
-إنتي ليا وبس .. ليا أنا وبس
وهنا تعالت صراخاتها حقاً نافرة بكل ذرة في كيانها ما يفعله بها :
-لألألألألألألألألأ ......!!!

ركلته بقدميها المقيدتين بقبضتيه ، وألهبت وجهه بأظافرها وجرحته عمداً في عنقه ، فما كان منه إلا أن نزع حزامه الجلدي ، وأمسك معصميها ، وربطهما معاً بإستخدام ذلك الحزام ، وقيد حركة يديها بطرفه ، وثبت الطرف الأخر بمسند الفراش العريض ، فشلها تماماً عن الحركة ..
بصقت في وجهه وهي تصرخ بصوت مبحوح :
-إنت مش اكتر من حيوان ..آآآآه .. حيوان
تناوب صفعها بكفيه إلى أن بدأت تخبو قواها ، فتمكن منها ، وهو ينظر لها بأعين جامدة .. بوجه متصلب لم ينبض أبداً بالحياة ..

وهنا كانت اللحظة الفاصلة في حياة كلاهما ..
ففيها أدرك أوس أنه حصل أخيراً - بعد معاناة مع ماضيه المريض - على مبتغاه الذي كان يسعى دوماً إليه .. نعم أن يكون المسيطر بقوة غير معهودة في علاقته الجسدية مع شخصية هلامية لا قدرة لها على إتخاذ أي قرار .. أن يكون المتحكم الوحيد في مصيرها .. أن يواجه ذاك الشعور الذي أصابه قديماً بالعجز ، ويثبت لنفسه أنه قادر على أن يهيمن على غيره ..
ذكر نفسه وهو يضاجع زوجته بأنه لا مكان للخوف في حياته بعد الآن ..

لا مكان لتلك الذكريات البعيدة و القريبة - في آن واحد - من أن تطارده لتنغص عليه لياله ..
كان يبث فيها كل قوة ليبرهن لنفسه أنه لم يكن عاجزاً وقتها ..
نعم .. لم يكن سوى طفلاً صغيراً أُغتصب على يدي شخصية كريهة ..
كذلك أيقنت تقى أن هناك شيئاً ما بداخلها قد مات ..
شيء قد أُخذ منها بالقوة ، وتركها حطام أنثى ..

فهي كانت إلى وقت قريب الطفلة الصغيرة الطيبة الساذجة عديمة الخبرة التي تسعى لإرضاء أبويها .. لم يكن لها أي رأي ..عليها أن تنصاع بإستسلام تام لأوامر والدتها ، وتنعم بحب والدها ..
حياتها بسيطة للغاية .. أحلامها بريئة .. مطالبها لم تكن بالكثيرة
واليوم فقدت كل شيء .. ولم تعد كما كانت ..
بل تحولت إلى شبح امرأة ..

أغمضت تقى عينيها لتتجرع بمرارة لا توصف ذلك الآلم النفسي والبدني ..
هي عاهدته عنيداً ذي قوة وجبروت .. شخص لا يُستهان به .. قادر بسلطته على أن يفعل ما يعجز عقلها البسيط عن التفكير فيه ..
، ولكنها اليوم رأت فيه بوضوح ذئباً بشرياً .. حيواناً بربرياً يحاول إتباع غرائزه ..
أدركت الآن المعنى الحرفي لعزة النفس والكرامة الإنسانية ..
كانت من قبل تبتلع الإهانة اللفظية على مضض من أجل عائلتها ..
ولكنها اليوم عرفت معنى الإذلال البشري .. إهدار إنسانيتها قبل كبريائها ، نعم .. لقد دفع بها إلى هاوية المعتدى عليهن تحت رباط الزواج المقدس ...

في جناح العرائس بالفندق الشهير
نظرت ليان إلى زوجها بصدرها اللاهث وهي تحاول إرتشاف حبه الذي يقدمه لها بتتابع ..
مسح على ذراعيها ، وقبل جبينها بشغف ، ثم نزل بشفتيه على عينيها وقبلهما بحنو زائد ، ومن ثم إنتقل إلى وجنتيها ..
وما إن وصل إلى شفتيها ، حتى إلتقطهما بمهارة ، وبث حبه الزائف لها ..
ثم أردف بصوت هامس :
-إنتي بقيتي ملكي .. يعني ليا وبس
ردت عليه بخفوت وهي تلهث :
-أنا عاوزاك !

نظر لها بطريقة غريبة ، ثم ضربها بخفة على وجنتها ، وأردف ببرود مفاجيء ب :
-وأنا قرفان منك !
ضيقت عينيها في إستغراب شديد ، ورفعت حاجبيها مندهشة وسألته وهي فاغرة شفتيها ب :
-إيه ؟!!!
إعتدل في نومته ، وأبعد ذراعيه عنها .. ثم عقدهما خلف رأسه ، وحدق بسقفية الغرفة ، وأجابها بفتور :
-أخرك معايا كده ، لأن أنا ماليش في الليلة أصلاً !

شعرت بنبضات قلبها تخفق بفزع ، بينما هربت الدماء من وجهها ، فشحب لونه على الفور .. ومن ثم نهضت من على الفراش ، ونظرت له بتوجس شديد وهي تسأله بقلق حقيقي :
-انت بتقول ايه ؟
تثاءب ببرود وهو يكمل حديثه قائلاً بجمود :
-بأقول الحقيقة اللي متعرفيهاش !
إبتلعت ريقها بتوتر رهيب ، ونظرت له بخوف وهي تردد بتلعثم :
-أنا .. أنا مش فاهمة حاجة !

أدار رأسه ناحيتها ، وحدجها بنظرات مهينة وهو يجيبها :
-يعني أنا لا مؤاخذة أخري معاكي بوس وحضن ، أكتر من كده موعدكيش ...!!!!
فغرت شفتيها بصدمة واضحة ، وإتسعت مقلتيها بذعر وقد فهمت المغزى من كلماته الفجة ونظراته الوقحة ، وحاولت أن تنطق ب :
-هاه ، إنت آآ...!
إبتسم لها بإبتسامة مستفزة ، ورمقها بنظرات إحتقارية وهو يهمس بتشفي :
-تلاقيكي بتقولي لنفسك أنا خدت أكبر مقلب في حياتي !! تعيشي وتاخدي يا .. يا *****...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس عشر

في منزل ممدوح الجديد ،،،،
تجاهل ممدوح الإتصالات الهاتفية المتكررة لناريمان ، ووضع الهاتف على وضعية الصامت ، فشاغله الأكبر الآن هو التأكد من شكوكه ..
هو يعلم أن الإنخراط في الماضي سيفتح أبواباً من الحجيم ، ولكن لا بديل عنه من أجل الوصول للحقيقة ..

فتح هو الضلفة الخاصة بخزانة ملابسه بعد أن وقف أمامها ، وانحنى بجذعه للأسفل ، وأخرج حقيبة جلدية سوداء .. ثم أسندها على الفراش ، وجلس إلى جوارها ..
بلمسات خشنة تحسس تلك الحقيبة ، ومسح على سطحها ببطء قبل أن يعبث بالقفل الخاص بها ليفتحها ..
أخذ نفساً عميقاً ، وزفره على مهل ، وبنظرات مترقبة بدأ يفحص محتواها ..
أمسك هو بعدة أوراق صفراء قديمة ، وطرحها جانباً ، وظل ينظر إلى الملفات الموضوعة أسفلها، إلى أن لمح مبتغاه .. فمد يده بحذر نحوه ، ومن ثم سحب مظروفاً بالياً ، وأغلق الحقيبة على ما فيها ..

زفر ممدوح مجدداً ذلك الهواء الثقيل المحبوس في صدره ، وحدث نفسه قائلاً :
-استحالة تكون دي تهيؤات !
فتح المظروف وأخرج منه عدة صور فوتغرافية قديمة .. ثم بدأ في تفحصها واحدة تلو الأخرى إلى أن وقعت عيناه على الصورة المنشودة ..
فألقى بالبقية على الفراش ، وظل محدقاً لبرهة بها ..
ارتسمت علامات الإندهاش الممزوجة بالخوف على تعابير وجهه ..
تلاحقت أنفاسه قليلاً وهو يرى صورتها المشابهة بدرجة مخيفة لها ..

نعم إنها زوجته تهاني في ثوب عرسها .. نسخة من ليان ..
ظل محدقاً بالصورة لعدة دقائق محاولاً إيجاد التفسير المنطقي لهذا التشابه العجيب :
-مش ممكن الشبه ده ، مش معقول ، في حاجة غايبة عني !
ابتلع ريقه بتوتر ، وتابع بجدية واضحة ب :
-لازم أعرف الحقيقة ، لأن ده .. ده معناه إن في إحتمال كبير إنها تكون .. تكون ....!!!
إتسعت مقلتيه في صدمة غير مستوعباً لتلك الفكرة التي عجز لسانه عن النطق بها ..

في منزل تقى عوض الله ،،،،
صارعت تقى بذراعيها مجموعة من الذئاب الضارية التي تجمعت حولها لتفترسها ..
ركضت لمسافات بعيدة ، ولكن تلك الذئاب باتت على وشك الإمساك بها ..
صرخت مستغيثة بوالدتها ناظرة لها بتوسل شديد :
-إلحقيني يا ماما .. هايموتني
رمقتها والدتها بنظرات مرتعدة ، وحاولت التحرك من مكانها ، ولكن كانت قدميها ملتصقتين بالأرضية ..
مدت يدها لتمسك بها ، لكنها لم تصل إليها ..
فغرت فمها لتلبي ندائها .. ولكن كان صوتها مكتوماً ..

أدركت الحقيقة المفزعة .. هي بكماء .. فقدت القدرة على النطق ..
ركضت تقى في إتجاهها ، ولكن كان هناك حائلاً زجاجياً يمنعها من الوصول إليها ، فتوسلت لها ببكاء حارق ب:
-هاموت يا ماما ، ماتسبنيش .. حوشيهم عني ، ساعديني يا أمي !
لهثت فردوس بصعوبة بالغة وهي تحاول إزاحة قدميها ، والتحدث لتجيبها ..
لكن دون جدوى .. عجزت عن فعل أي شيء لها
نظرت بذعر حينما رأت اقتراب الذئاب منها ، لقد أوشكوا على نهش لحمها .. والنيل منها ، فصرخت بفزع رهيب يصم الآذان قائلة :
-أمه ...!!!!

نهضت فردوس من على الفراش وهي تصرخ بذعر غريب بعد أن رأت كابوساً مفزعاً قائلة :
-بنتي .. تقى !!
تعالى صدرها اللاهث وهي تحاول ضبط أنفاسها المتلاحقة ، ومسح عرقها المتصبب من معظم جسدها ..
نظرت إلى جوارها ، فوجدت زوجها غافلاً ..
فتنهدت في يأس ، وحدثت نفسها بحزن مرير ب :
-يا مين يجمعني بيكي تانية يا غالية ! آآآآآه .. يا حرقة قلبي عليكي !

أزاحت الملاءة من عليها ، ونهضت من على الفراش ، وولجت خارج الغرفة ، وسارت في إتجاه المطبخ ..
ملأت كوباً معدنياً بالمياه الباردة ، وإرتشفت منه البعض .. ثم تابعت حديثها الحزين ب :
-يا ترى فين أراضيكي يا حتة من قلبي ؟
أسندت الكوب في الحوض ، وحدقت أمامها في الفراغ .. وتنهدت بمرارة ..
ظلت شادرة لبعض الوقت تسترجع في ذاكرتها ذلك الكابوس المزعج الذي أيقظها بفزع من نومها ..
ثم فكرت بصوت مسموع :
-أنا لازم أروح القصر ده تاني أسأل عليها ، هي أكيد هناك ، والراجل المفتري ده مخبيها ، مش هاستنى حد يقولي أعمل ايه ، أنا هادور عليها بنفسي !

في منزل أوس بمنطقة المعادي
تمدد أوس في المغطس لبرهة من الزمن وهو مغمض العينين ، مرتخي العضلات ، ساكن بدرجة غير معقولة ....
لا يعرف كم مر عليه من الوقت وهو على تلك الحالة المستكينة ..
ولكن شعوره بالإرتياح النفسي جعله يهدأ تماماً ..
تمطع بعضلات ذراعيه وهو ينهض عن المغطس ، ثم لف خصره بمنشفة قطنية ووقف يتأمل حالة في المرآة ..

كانت قسمات وجهه تعكس الكثير عن حالته النفسية الحالية بالرغم من أثار الخدوش البادية على عنقه وأذنيه ، وجانبي وجهه ..
فنظراته العميقة توحي بالكثير من الرضا عن حاله .. وإبتسامة إنتصار تطفو على ثغره ..
فهو إكتسب ثقة رهيبة في قدراته الجسمانية بعد أن تمكن من إخضاع تلك الساذجة لسيطرته ..
نظر لنفسه بزهو .. ولكن لم يدمْ الحال كثيراً ، فطائف ذكرى ذلك المغتصب لم يكن يدعه لحاله ..
فصورته البغيضة تعود لتتجسد على المرآة وكأنها تسخر منه ..

سمع صوته من بعيد يقتحم حياته هامساً بإستهزاء :
-لا برافو ، بتعرف تضرب ، مممم.. عجبتني يا .. يا أوس !!
تشنجت عضلات وجهه ، وإهتز بعنف ..
جحظ بعينيه الصغيرتين المذعورتين وهو يرى إبتسامة ممدوح الماجنة أثناء اقترابه منه ..
إزدادت ضربات قلبه ، وتسارعت حد الموت وهو يقيده ليراوده عن نفسه ليُسلي نفسه ويتمتع به بشذوذ مرعب ..
أجبر أوس نفسه على عدم التفكير فيما مضى ، وضرب المرآة بقبضته ، ثم كز على أسنانه مردفاً بإختناق :
ب :
-أنا أقوى منه ، هو معدتش ليه وجود في حياتي ، معدتش موجود !!

كانت جاحظة العينين ، محدقة بالحائط المواجه لها ، فاقدة للإدراك الحسي والذهني ..
لم ترمش عينيها إلا لتزيح تلك العبرات العالقة بأهدابها ..
فقدت معنى الحياة بعد الذي صار معها ..
ولِما تشعر بها وقد فقدت عذريتها على يد ذئب لا يعرف الحب ؟
أغتيلت برائتها فقط لتلبية هواجس مريضة لدى شخص غير طبيعي ..

لم تخطيء في حقه ولم تحاول حتى الإقتراب منه أو الدخول في عالمه ..
بل إنها لم تتجرأ عليه إلا حينما أجبرتها الظروف على هذا ..
هي كانت تدافع عن أسرتها ، تحميهم من بطش شخص متجبر ..
هي كانت تساند والدتها التي أرهقتها ظروف الحياة وأضنتها فتعرضت للظلم البائن ، فأرادت نصرتها ..
إنهالت العبرات أكثر لتبلل وجنتيها وعنقها والوسادة ، ولكنها لم تكنْ لتطفيء النيران المتأججة بصدرها ...
كانت متصلبة الذراعين بسبب تقييدها لساعات بمسند الفراش ..
ولكنها لم تتحرك أو تشتكي ، ولما الشكوى وقد فقدت روحها بعد ما حدث ؟

خرج أوس من المرحاض وهو ملتف بالمنشفة و منتصب الجسد ، وفروة رأسه تقطر ماءاً ..
نظر إليها بعدم إكتراث ، ثم حدثها بفظاظة قائلاً :
-كانت ليلة صح ؟
لم تجبه بل ظلت صامتة ، فتعجب من سكونها ، فأراد أن يتسلى أكثر فتابع بوقاحة :
-لأحسن تكوني مش قادرة من ليلة امبارح !
إحتقن جسدها غضباً من كلماته المستفزة ، ولكنها أثرت الصمت ..
إلتقط سيجارته الفاخرة ، ولكنه لم يجد قداحته ليشعلها .. فنظر في إتجاه المرآة ، فوجدها مسنودة هناك ، فلوى فمه ، ثم أشعلها بتلذذ بعد أن سلط عينيه على تقى..

مرر عينيه القاتمتين ببطء على جسدها - شبه المتعري - مستمعاً برؤية أثار قوته عليها .. ونفث بشراهة دخان سيجارته الكثيف ...
رأى رسغيها وهما مرفوعان للأعلى، فتذكر نسيانه لحل وثاق يديها، فدنا من الفراش بهدوء وبحركة إنحنائية عادية حل وثاق حزامه الجلدي من المسند ليرتخي ذراعيها للأسفل ..

تفاجيء بحالة الجمود المسيطرة عليها .. فجلس على طرف الفراش ، ونظر لها بتمعن
مد يده نحو رسغيها المقيدين ، ونزع عنهما حزامه الجلدي ..
فوجده قد طبع معالمه عليهما مكملاً حلقة تسليته .. ثم تركهما لتتأوه بصوت مكتوم وهي تضم ذراعيها إلى صدرها ..
نفث مجدداً دخان سيجارته ، ثم مرر إصبعه على ظهرها العاري مصيباً إياها بالقشعريرة والتقزز معاً من لمسته المؤلمة عليها ..
تقوس فمه في إشتهاء وهو يأمرها ببرود :
-قومي يالا.

إنكمشت بجسدها ، وحاولت أن تبتعد عنه .. لكن حالة الآلم الرهيبة المسيطرة عليها جعلتها عاجزة عن التحرك ..
نهض هو من جوارها ، وأطفأ سيجارته في المنفضة الموضوعة على الكومود ..
ثم دقق النظر في الخدوش البادية على وجهه في إنعكاس صورته بالمرآة ، ومن ثَمَّ عاود النظر إلى تقى ، وحدجها بنظرات جافة وتابع بصوت جاد :
-متعودتش إن واحدة تعمل فيا كده .. بس منكرش إنك عجبتيني !
تحسس بأصابعه أثار الخدوش ، ثم حدث نفسه بخفوت قائلاً :
-بيتهيألي في سبرتو جوا في الحمام !

ثم سار في إتجاه المرحاض ، ودلف إلى الداخل بحثاً عن مطهرٍ ما..
أغمضت تقى عينيها لتمنح الفرصة الأخيرة لعبراتها لكي تنهمر رغماً عنها متجاوزة مناسك الآلم التي خاضتها قبل سويعات قلائل ..
ثم مسحت تلك العبرات الحارقة بكفيها ، وأخذت نفساً عميقاً لتمنع حالها من البكاء المرير ..
وبخطوات حذرة حاولت النهوض من على الفراش
عضت على شفتيها السفلى وهي تقاوم الشعور بالآلم الجسدي ..

وقفت بصعوبة على ساقيها ، وضمت ذراعها الأيسر إلى صدرها لتحول دون سقوط فستانها عنها ..
وحاولت أن تستند بذراعها الأخر على الكومود الملاصق للفراش ..
سارت ببطء شديد خطوتين للأمام محاولة الحفاظ على إتزانها ..
أشاحت بوجهها للجانب فرأت إنعكاس صورتها في المرآة
بقايا أنثى .. حُطام امرأة ..

تحولت المرآة أمام عينيها لشاشة سينمائية تعرض مقتطفات مما تعرضت له مع ذلك الذئب الوحشي حتى مطلع الفجر ..
إرتفع صدرها وهبط بسبب أنفاسها اللاهثة .. رأت على معصميها أثار تعذيبه جلية .. فإزدادت شهقاتها ..
لم تتحمل رؤية نفسها بتلك الصورة المقيتة .. فنظرت حولها بطريقة مريبة .. ولمحت تلك المزهرية الصغيرة على الطاولة ، فهرولت نحوها ، وقبضت عليها ، ثم قذفتها بعنف في إتجاه المرآة لتحدث دوياً هائلاً قبل أن يتساقط الزجاج محطماً على الأرضية ..

كما إنتابتها حالة من الصراخ الهيستري ، والتي على إثر كليهما ركض أوس خارج المرحاض قبل أن يكمل إرتداء ملابسه ..
نظر لها بإندهاش وهو مقطب الجبين وعابس الوجه .. ثم إلتفت ناحية المرآة ليراها محطمة تماماً ... فإزداد إنعقاد ما بين حاجبيه ، وإستدار لينظر إليها بنظرات حانقة وهو يصيح فيها بصرامة :
-إنتي عملتي إيه ؟
صرت على أسنانها وهي تصرخ عالياً بعصبية :
-إنت مش بني آدم ، مش بني آدم !!!!

نظر لها بإستهزاء ، ثم قهقه عالياً بطريقة مستفزة ، وفجأة سكن تماماً ، وتحولت ملامحه للجمود لينطق بصوت قاتم :
-أنا أوس الجندي مش أي حد ! أنا اللي بأخد حقي أول باول ومش بأسمح لمين يقف قصادي أو بس يفكر حتى يتحداني .. أنا اللي عرفت أخليكي تحت رجلي وواقفة كده قصادي ، أنا اللي ملكتك وخليتك بتاعتي !
لم يغبْ عن عقلها للحظة ما فعله بها بطريقة وحشية لا رحمة فيها ، فنظرت له بشراسة قبل أن تهجم عليه قائلة بإنفعال واضح :
-هاموتك زي ما دبحتني .. مش هاسيبك ، هاموتك ، هاتموت على إيدي..!

حاولت تقى أن تنال منه ، وإنهالت عليه بقبضتيها الضعيفتين محاولة إلحاق الأذى به في صدره فلكمته عدة مرات فيه ، ولكنه لم يتحرك قيد أنملة ، ثم رفعتهما نحو وجهه لتخدشه بكل غل في وجنتيه ..
ولكن لم يؤثر به أي شيء مما تفعله .. فقد تمكن من الإمساك بها ، وأحكم سيطرته عليها ولف ذراعيها ليقيدها بهما دون مجهود يذكر ، ثم أدارها بخفة ليلتصق ظهرها بصدره ، ومال على أذنها برأسه ليهمس لها بأنفاسه الحارقة التي تبغضها ب :
-واضح إنك عاوزة تعيدي ليلة امبارح ، وأنا مش هاحرمك من ده ، ما أنا برضوه هاشوف كيفك زي ما بتشوفيني !

-لألألألألأ
كانت تلك أخر صرخات لتقى قبل أن يلقي بها أوس على فراشه ليشل حركتها تماماً ، ويتمكن منها ويثبتها بمهارة إعتادها ، ومن ثم إغتصبها مجدداً بعنف غير مسبوق فقضى على أخر ما تبقى لديها من مقاومة ...!

في جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،
جفا النوم جفني ليان التي قضت ليلتها وهي تبكي بحسرة على حالها .. نظرت بإحتقار نحو عدي الذي يغط في نوم عميق وظلت تندب حظها البائس الذي جعلها تقبل به زوجاً يعوضها عما مضى ...
لم تتخيل أن تقع مرة أخرى فريسة سائغة في براثن شخص خدعها تحت شعار الحب النقي .. واستغل الظروف ليوقعها في شباكه ..
وهي كالغبية توهمت أنها وجدت من يعوضها عما حدث لها ، ولم تنتبه لحقارة زوجها ..
لقد حذرها أوس منه من قبل ، وهي لم تصغْ إليه .. بل أصرت عليه وكأنه الملاذ لها ..

هي هربت من واقع آليم إلى واقع أسوأ بكثير مما تخيلت ..
لقد بات لزاماً عليها أن تتقبل تلك الحقيقة المُرة ..
هي لن تتجرأ على البوح بما عرفته عنه لأي فرد من أسرتها حتى لا تثير شماتتهم وسخطهم .. فهي الوحيدة الملامة في النهاية على سوء إختيارها .. ولن يتمكن أحد تلك المرة من مساعدتها ، فهي من جَنَت على نفسها
تثاءب عدي وهو يحاول فتح جفنيه الثقيلين ، فوجد زوجته هائمة .. تضم ركبتيها إلى صدرها .. وجهها شاحب ، ملامحها كالموتى ..

أغمض عينيه مرة أخرى ، وتثاءب بصوت خشن ، ثم مد كفه ناحية كتفها ، وضربها بقوة .. فإنتبهت هي له ، ورمقته بتلك النظرات النارية ، فنظر لها بنصف عين ، وهتف بصوت ناعس يحمل التهكم :
-صباحية مباركة يا .. يا عروسة
صرت على أسنانها وهي تجيبه بحنق :
-بتتريق حضرتك ؟!
اعتدل في نومته ، وعقد ذراعيه خلف رأسه ، وحدق بالسقف ، ونظر لها من طرف عينه قبل أن يجيبها ببرود :
-أيوه .. أصلي بصراحة مبسوط من المقلب اللي شربتيه.

احتقنت عينيها أكثر من رده البارد ، وسألته بصوت مختنق وهي تضربه في صدره بكف يدها :
-عملت فيا كده ليه ؟
أمسك عدي بمعصمها ، وضغط عليه بقسوة جعلها تتأوه من الآلم ، ثم قربه من فمه ، وقبله بطريقة اشمئزت هي منه .. ثم جلس في الفراش ونظر له بحدة وهو يجيبها بنبرة تحمل التهديد :
-وهو أنا عملت حاجة أصلاً ؟
سحبت معصمها من قبضته ، وفركته بغيظ ، ثم نظرت له بإزدراء وهي تهته محتدة ب :
-انت .. إنت ضحكت عليا واستغليت اللي حصل ليا ، واتجوزتني !

زم فمه للجانب وهو ينهض عن الفراش ، ووقف يتمطع بذراعيه في الهواء ، وإلتفت برأسه نصف إلتفاتة ليجيبها بهدوء مستفز :
-مش بالظبط ، ما إنتي اتبسطتي مع السافل اللي قبلي !
حدجته بنظرات محتقنة وهي تنطق بصوت محتد :
-آآآه يا آآ.....
قاطعها محذراً بغلظة وهو يرمقها بنظراته الغير مهتمة :
-إياكي تغلطي ، فاهمة !
كزت على أسنانها أكثر ، وظهر صوتها مهتاجاً وهي تصيح قائلة :
-أومال عاوز تفهمني إنك عملت ده كله عشان بتحبني ؟!

قهقه عدي بصوت عالياً مثيراً سخطها أكثر ، وأجابها بجموح :
-حب ، لأ طبعاً ، أنا مش بتاع حب ، أنا ممكن أكون معجب بالجمال الطبيعي ، بالأنوثة المتفجرة ، بالمسائل إياها ، لكن معمريش حبيت حد إلا .. إلا اللي ما تتسمى طلقيتي ، بس غارت في داهية ، والحب مالوش مكان في حياتي !!
ضيقت عينيها المتورمتين وهي تسأله بغضب :
-طب اتجوزتني ليه ؟؟؟

إبتسم لها إبتسامة صفراء برزت من خلف أسنانه وهو يغمز لها قائلاً :
-المصلحة يا بيبي !
لم تفهم مقصده ، فهتفت بضيق :
-نعم ؟!
اقترب عدي منها ، ووقف قبالتها ورمقها بنظرات مهينة .. ثم أردف بنبرة ساخطة :
-انتي كنتي محتاجني عشان أتستر على فضايحك الوسخة ، وأنا كنت محتاجك عشان أداري على آآآآ... ما إنتي فاهمة بقى يا مدام !
كانت كلماته الأخيرة كعود الثقاب الذي أشعل فتيل غضبها ، فصرخت فيه عالياً وهي تسبه ببشاعة :
-آآآه يا **** ، يا آآآ..

أطبق بكف يده على فكها ، ومنعها من إكمال سبابها ، ونظر لها بشراسة وهو يحذرها قائلاً :
-أحسنلك تلمي لسانك ده بدل ما أندمك على كل كلمة هاتقوليها !
ثم دفعها للخلف بعنف ، فإختل توازنها وسقطت على الفراش ..
حاولت ليان أن تلملم شتات نفسها وهددته بصوت مرتعد قائلة :
-مش خايف لأفضحك ، وأقولهم عليك !
نظر لها بإستخفاف وهو يرفع حاجبه للأعلى متسائلاً بفضول :
-تقولي لمين بالظبط ؟
ضيقت عينيها بقسوة لتجيبه دون تردد ب :
-لأهلي !

مط ثغره للجانبين ، ولوح لها بكف يده وهو يتابع بنبرة ساخرة :
-مممممم.. بجد ! طب إتفضلي .. وأظن انهم ماهيصدقوا ينقذوكي مني !
بادلته نظرات متحدية وهي تهتف عالياً ب :
-طب مش خايف من أوس ليعرف باللي .. باللي انت عملته !
هز كتفيه في عدم إكتراث ، وأجابها ببرود واضح :
-لأ طبعاً ، لأنه بنفسه عارف حقيقتي ، وهو حذرك مني ، بس انتي ركبتي دماغك ووافقتي عليا بالبلاوي بتاعتي كلها !

هنا أدركت ليان حجم الكارثة التي أوقعت نفسها فيها .. فلا مهرب الآن لها من مصيرها المحتوم ..
دفنت وجهها بين راحتي يديها وهي تصرخ بغضب :
-مكونتش أعرف ، مكونتش أعرف !!!!!
حك عدي رأسه عدة مرات ، وأكمل بصوت جاف :
-مش هاتفرق كتير تعرفي ولا لأ .. لأني اللي أنا عاوزه خلاص حصل ، وعاوزك من هنا ورايح تعملي اللي هاقولك ايه
رفعت وجهها لتنظر له بعينيها الحمراوتين ، وهتفت متحدية :
-إنت بتحلم !

جلس هو إلى جوارها على الفراش ، ونظر لها بإستهزاء وهو يرد عليها بصرامة :
-لأ يا مدام ، ده اللي هاتنفذيه بالحرف ، وإتقي شري أحسنلك !
صرت على أسنانها وهي ترمقه بنظرات نارية ، ثم هتفت بصوت مختنق :
-أنا بأكرهك .. بأكرهك
لوى فمه في عدم إكتراث ، وأردف متهكماً :
-ومين قالك تحبيني أصلاً ، ده حتى وحشة في حقي إن مزة زيك تحبني ، أنا عاوزك كده كرهاني ، وقرفانة مني !

في منزل ممدوح الجديد ،،،،
ظل ممدوح يجوب غرفته ذهاباً وإياباً وهو ممسك بتلك الصورة الفوتغرافية القديمة لزوجته ..
لم يتوقف عقله للحظة عن التفكير في ليان ، وظل يسأل نفسه بتوتر رهيب :
-مش معقول تكون هي ، لأ .. أنا .. أنا مش مصدق ، ده .. ده الشبه واحد ، أنا .. أنا لازم أعرف الحقيقة
أسرع ناحية هاتفه الموضوع على الطاولة ليهاتف ناريمان ، ولكنه توقف قبل أن يضغط على زر الإتصال ، وتابع بجدية :
-ما هي أكيد مش هاتقول الحقيقة ، ممكن تكدب ، طب هاعمل ايه ، دي نسخة من تهاني ، وانا مش هاتوه عن مراتي !

إبتلع ريقه بعصبية وهو يجلس على طرف الفراش ، وأكمل قائلاً :
-لازم أنفرد بناريمان وأسيطر عليها كويس .. أسرار مهاب معاها هي وبس ، ووجوده الوقتي ممكن يخليها تخاف تقولي أي حاجة !!
أخذ نفساً عميقاً ، وزفره ببطء شديد ليسيطر على إنفعالاته قبل أن يتابع بنفس الصوت الجاد :
-إهدى يا ممدوح ، وخد كل حاجة بالراحة وبالعقل عشان توصل للي إنت عاوزه !
ثم صمت للحظة وأضاف قائلاً :
-أه لو طلع الموضوع زي ما أنا شاكك ، قسماً بالله هاندمك يا مهاب على كل حاجة واولها ابنك !!!

في منزل تقى عوض الله ،،،،
أسندت فردوس صينية الطعام على الكومود المجاور لفراش زوجها ، ومسدت على رأسه ، ثم إنحنت لتقبله ، وهمست له قائلة :
-أنا نازلة يا عوض !
ثم تنهدت في يأس بعد أن إعتدلت في وقفتها ، وأردفت بخفوت :
-هاروح أشوف بنتنا تقى .. !
نظر لها عوض بنظرات زائغة ، ولم ينبس بكلمة ..

لوت فمها للجانب ، وتابعت بصوت حزين :
-الأكل جاهز ، لو جوعت مد إيدك وكل .. أنا .. أنا مش هتأخر ..
تحركت بخطوات متثاقلة في إتجاه باب الغرفة ، ورمقت زوجها بنظرات أخيرة ، ثم قالت بنبرة تحمل التفاؤل :
-إدعيلي ربنا يعترني فيها .. قلبي بيقولي إنها موجودة هناك...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع عشر

في قصر عائلة الجندي ،،،
أعد مهاب حقيبته للسفر ، وتأكد من وجود كل ما يحتاجه بداخلها ، ثم ولج خارج غرفة نومه ، ووقف على مقربة من الدرج ، وصاح عالياً :
-عفاف .. ابعتي حد ياخد الشنطة من أوضتي
أتاه صوتها من الأسفل وهي تجيبه بنبرة رسمية :
-حاضر يا مهاب باشا
نظرت له ناريمان بجدية وهي تسير في إتجاهه وتحمل بين كفيها قدحاً من الشاي ، وسألته بنبرة عادية :
-خلاص ، نويت تسافر ؟

رمقها بنظرات مطولة قبل أن يوليها ظهره ويتجه نحو الغرفة قائلاً بنبرة منزعجة :
-أها ، ويا ريت ما تسألنيش
سارت خلفه وهي عابسة الوجه ، وأردفت بتجهم :
-مش ناوي تطمن على بنتك الأول وتشوف عملت ايه مع عريسها ؟
رمقها بنظرات مستهزأة من طرف عينه وهو يجيبها بسخط
-مش لما تكون جوازة عدلة الأول ، ما انتي عارفة كويس هما اتجوزوا ليه !

-بس at least ( على الأقل ) هما اتجوزوا
-مش فارقة ، انا ورايا شغل وعاوز انتهي منه
-اوكي يا مهاب .. براحتك !!
ثم تركته بمفرده ، وإنصرفت خارج الغرفة ..
بينما أمسك هو بهاتفه المحمول ودسه في جيبه ، وإرتدى ساعته في يده ، وتوجه نحو الخارج وهو يغمغم لنفسه :
-فرصة أبعد شوية و ارتاح من القرف ده كله ، وأشوف نفسي يومين !

على مقربة من القصر ،،،
ترجلت فردوس من الحافلة وهي تلهث بسبب الحرارة العالية والزحام الشديد ..
مسحت بطرف حجابها جبينها الذي تصبب عرقاً من المجهود الذي استهلك طاقتها ، وجابت بعينيها المرهقتين المكان ..
ثم إبتلعت ريقها في حلقها الجاف ، وحدثت نفسها بصوت لاهث قائلة :
-أنا كنت جاية من هنا ، و.. والواد قالي أمشي من هنا ..!
خطت نحو طريق فرعي بخطوات متثاقلة ، وحدثت نفسها بإصرار رغم الإجهاد البادي عليها :
-آآه يا ركبي .. معنتش قادرة منها ، استحميلي يا فردوس عشان بنتك !

بعد دقائق قليلة كانت تقف هي على مقربة من بوابة القصر الحديدية ..
تابعت بحذر شديد حركة الحرس المرابط أمام البوابة ومسحت بلسانها على شفتيها المشققتين، ثم تشبثت بحافظة نقودها الصغيرة وسارت بخطوات واثقة في إتجاه هذا الضخم الذي تحدثت معه من قبل ..
رأها الحارس جمال وهي تقترب منه فإمتعض وجهه على الفور ، ونفخ بضيق ، وتحرك بخطوات سريعة صوبها ..
إرتسم على ثغرها إبتسامة رضا حينما رأته يقترب منها ، وقالت بتلهف :
-ازيك يا ابني ، ف.. فاكرني ؟

أمسك بها الحارس جمال من ذراعها ، ودفعها بقسوة نحو الجانب ، وصر على أسنانه ناطقاً بغلظة :
-تعالي معايا يا حاجّة !
نظرت له وبريق من الأمل يلوح في عينيها قائلة :
-أنا كنت عايزة آآآ..
قاطعها بصوت جاد وهو ينظر حوله بريبة :
-هانتكلم هناك !
-ماشي يا بني
سارت معه إلى أن توارى الإثنين عن الأنظار، فسألها بضيق واضح وهو يتلفت حوله :
-خير.

نظرت له بأعين دامعة وهي تسأله بتلهف :
-مافيش أخبار يا بني عن تقى ؟
أجابها قائلاً بنفاذ صبر :
-لأ يا ست مافيش
أطرقت رأسها في إنكسار واضح ، وبدى الحزن في نبرة صوتها وهي تسأله بتلعثم :
-طب .. طب البيه أوس موجود جوا آآ.. ادخل أكلمه
نظر لها بحنق وهو يجيبها بإيجاز :
-لأ مجاش من إمبارح.

إنتحبت فردوس وأجهشت بالبكاء المرير وهي تتابع حديثها قائلة :
-ليه يا بني بتكدب على ست كبيرة زيي متعلقة في حبال الهوى ونفسها تعرف أي حاجة عن بنتها !
إحتقن وجه الحارس جمال وهو يرد عليها بإنفعال بائن :
-يا ست لا بأكدب ولا بأتنيل ، أنا لو شوفتها هاقول ، لكن بنتك مجتش هنا خالص !
ثم قام بدفعها من كتفها للخلف وهو يأمرها بصرامة :
-ويالا بقى من هنا بدل ما تعمليلي مصيبة
نظرت له برجاء ، وصاحت متوسلة :
-حرام عليك.

نفخ من الضيق وهو يبتعد عنها قائلاً بسخط :
-يوووه ، يا شيخة اتكلي على الله ، شوفي بنتك في حتة تانية !
ثم تركها وإنصرف في اتجاه البوابة الرئيسية وهو يتمتم بكلمات غاضبة ...
وقفت فردوس في مكانها حائرة وعينيها تفيضان من الدمع حسرة على إبنتها ..
حانت من نظرة إلى الأعلى محاولة إكتشاف ما الذي يوجد خلف هذا السور العالي ...
وقالت لنفسها بيأس :
-يا ما كان نفسي أدخل جوا واجيبك ، بس أنا عاجزة لوحدي ، آآآآه يا بنتي ..!!
ثم جرجرت ساقيها المرهقتين ، وسارت مبتعدة عن القصر ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
وقف أوس أمام بقايا المرآة المحطمة مزهواُ بنفسه ، معتداً بمآثره ، يمشط شعره المبتل بفرشاته .. ثم إلتفت برأسه للخلف لينظر إلى تقى الفاقدة للوعي على الفراش ..
تقوس فمه في تلذذ عجيب وهو يتذكر كيف نالها رغماً عنها ، وإستمتع مجدداً بشعور الإنتصار وإثبات رجولته الطاغية ..
هي حقاً تمكنت من إسعاده دون أن تدري .. لبت رغباته الحيوانية وأثبتت له أنه قادر على إخضاع أي أنثى ..
لقد ظفر بأخر معاركه ، وإنتصر لنفسه ..

على الجانب الأخر ، جاهدت تقى لتكتم أنين جسدها المغتصب وروحها المنتهكة ..
إدعت النوم لعلها تهرب من واقعها المخيف .. فليس بها أي ذرة أخرى لتتحمل إعتداء وحشي أخر منه ..
فهي لم تعدْ تشعر بأي شيء بعد أن افترسها بلا رحمة سوى بالآلام الموجعة التي تفتك بها ..
ألقى أوس بالفرشاة دون إكتراث ، وعدل من وضعية أكمامه ، واقترب من الفراش ، وجثى بركبته على طرفه ، ومال على أذنها ليهمس قائلاً :
-شوية و راجعلك تاني !

إعتصرت تقى عينيها بقوة محاولة كتمان شهقاتها لعل تمثيليتها الزائفة بأنها غافلة تنجلي عليه ...
هي تبغض أنفاسه القريبة والحارقة لها ، وتمقت كل لحظة يكون فيها إلى جوارها ..
لقد ذبحها بسكين بارد ، ووقف متشفياً على بقاياها ، مستمتعاً بجسدها المذبوح ..
شعر هو بتلك التنهيدات المكتومة تخنقها ، فأراد أن يتسلى أكثر بها ..
لذا جذبها بقسوة من شعرها فصرخت عالياً :
-آآآآه .. لأ.

حاولت أن تخلص خصلات شعرها من أصابعه القاسية ، ولكنها فشلت .. بينما أطبق هو بكفه على فكها وإعتصره بقوة أشد متلذذاً برؤية دموعها تغرق كفه .. وصر على أسنانه قائلاً بنبرة تشبه الفحيح وهو ينظر مباشرة في عينيها :
-خلي الآهات لليل وأخره ..!!!!
ثم أرخى قبضتيه عنها ، ورمقها بنظرات جريئة متفحصة لظهرها المكشوف أمامه ، وأضاف قائلاً :
-وأنا مش هاغيب كتير عنك .. !
توجه أوس إلى باب الغرفة ، وصفعه خلفه بقوة ، فإنتفضت تقى على إثر الصوت وهي تجهش بالبكاء المرير صارخة بإنكسار :
-آآآآآآآآآآآآآه .....!

على مقربة من قصر عائلة الجندي ،،،
فُتحت البوابة الرئيسية للقصر لتخرج سيارة مهاب الجندي ويقودها سائقه الخاص حيث إتجهت في الطريق الذي تسير فيه فردوس بخطواتها البطيئة ..
قاد السائق السيارة على مهل محاولاً إعطاء الفرصة لتلك العجوز لكي تسبقه .. ولكن إنزعج مهاب من بطء السيارة ، فقال بضيق :
-إنت مش ملاحظ إني مستعجل يا بني آدم إنت
نظر السائق إليه عبر المرآة الأمامية ، وأجابه بهدوئه المعهود :
-يا فندم في واحدة عجوزة ماشية قدامي.

لوى مهاب فمه في إمتعاض قائلاً بعدم إهتمام :
-دوسها ، اخبطها ، بس مش عاوز تأخير
زم السائق ثغره في تأفف ، ورد عليه بإستسلام :
-ح.. حاضر يا فندم
ضغط بقبضته على بوق السيارة لتنتبه له تلك العجوز ..
وبالفعل إستدارت برأسها ناحية السيارة الفارهة التي تسير خلفها ، ونظرت بإرهاق لسائقها ، وهتفت بحدة وهي تلوح بيدها في الهواء :
-بالراحة يا بني ، مستعجل على إيه.

نظر لها مهاب شزراً ، وصرخ بصرامة جادة :
-مش قوتلك دوسها ، ولا إنت مش بتنفذ الأوامر يا بهيم إنت !
أجابه السائق بتلعثم وهو يضغط على البوق :
-يا فندم هي آآآ...
قاطعه مهاب وهو يأمره بحدة :
-دوسها ..!

اضطر السائق أن يمتثل لأوامر رب عمله ، وإنحرف بالسيارة بحرفية فائقة لكي يجبر فردوس على الإبتعاد عن منتصف الطريق ، ولكنها لم تستطع أن تضبط خطواتها ، فتعثرت وهي تحاول الركض ، وإلتفت ساقيها حول الأخرى ، وسقطت على الأرضية الترابية ، فلامسه جبينها ، وتغبرت عباءتها السوداء .. فصاحت بإهتياج وهي تشير بيدها بعد أن رفعت وجهها عن الأرضية :
-يا عالم إتقوا الله ، ده احنا بشر مش حيوانات ماشية قصادكم ، منكم لله ، منكم لله .....!
ثم نفضت يديها ، وأمسكت بحافظة نقودها ، وبتثاقل تحاملت على نفسها ونهضت عن الأرضية وهي ترثي حالها ...

في جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،،
تمدد عدي على الأريكة العريضة ، وأمسك بثمار الفاكهة يتناولها واحدة تلو الأخرى بهدوء عجيب وهو يشاهد التلفاز ..
كان يشعر بإنتشاء عجيب وهو يرى إنتصاره قد تحقق نصب عينيه ..
لم يحتاج إلى مجهود يُذكر معها ، فالكلمات المعسولة قد أتت بنتائجها مع تلك الساذجة ، وكيف لا يتمكن من خداعها وهو منغمس حتى أخمص قدميه في الرزائل
إبتلع حبات العنب الطازجة ، وحدث نفسه بتفاخر قائلاً :
-مش ناقصني غير كام صورة من إياهم على الفيس بوك والمجلات ، والناس تحكي عن قصة الحب الكبيرة اللي بينا ، وأبقى محيت بأستيكة الماضي ابن ال *** اللي شابهني ، وأفضى بقى لسهرات وليالي زمان !

نفخت ليان بضيق واضح وهي تضم ركبتيها إلى صدرها ، وتعقد ساعديها حولهما .. وهمست لنفسها بحنق :
-أنا اللي عملت في نفسي كده ، كان فين my mind ( عقلي ) وأنا بوافق عليه ، طب هاقول ايه لمامي ولا دادي ، إن اللي اخترته طلع **** !
أرخت ساعديها ، وأسندت مرفقها على ركبتها ، ثم مالت برأسها على كفها ، وأضافت بحزن :
-مش لازم حد يعرف بالكارثة دي !
ثم حدقت في نقطة من الفراغ أمامها ، وتوعدت قائلة :
-وأنا بنفسي اللي هاخلص منك قريب يا عدي ، وهادفعك تمن الكدبة اللي كدبتها عليا ، هي بس مسألة وقت يا *** وهاتشوف مين هي ليان الجندي !

في أحد المقاهي الشعبية ،،،
نفث أحمد دخان الشيشة المحبوس بصدره ، ثم إرتشف بضع رشفات من فنجان القهوة ، و قال بخشونة لرفيقه الجالس إلى جواره :
-أديني بلقط رزقي من أي مصلحة ، أنقل لده بضاعة ، أوصل زبون
أسند رفيقه قدح الشاي ، ونظر له بجدية وهو يتابع ب :
-طب ما تعمل جمعية وتجيبلك مكروباص بالقسط ، وأهو يطلعلك منه حسنة
رمقه أحمد بنظرات مقتضبة وهو يجيبه بسخط :
-يا عم هو أنا معايا مليم ، ده أنا يدوب مقضيها حبة من هنا وحبة من هناك
إرتشف رفيقه أخر جزء من الشاي الساخن ، وأضاف قائلاً :
-ربك بيقول إسعى يا عبد وأنا أسعى معاك
-ماهو أنا آآآآ....

توقف أحمد عن إتمام جملته حيث رن هاتفه المحمول برقم غريب ، فحدق بالشاشة في استغراب ، وتسائل مندهشاً ب :
-ده مين ده ؟ أنا معرفش النمرة دي !!
ضيق رفيقه عينيه ، وأشار له بكفه وهو يهتف بإصرار :
-طب ما ترد عليه
ثم صمت للحظة قب أن يتابع مازحاً :
-أوعى تقولي بتخاف من المعاكسات ؟
نظر له أحمد بإستهزاء وهو يجيبه ببرود :
-يا عم معاكسات إيه بس ، استنى كده أما أشوف
تنحنح هو بصوت عالي وهو يضغط على زر الإيجاب قائلاً :
-ألووو .. مين ؟

جاءه صوت المتصل على الجانب الأخر
-الأستاذ أحمد
أجابه أحمد ببرود شديد وهو ينفث دخان الشيشة :
-أه أنا ، مين معايا ؟
-هاتعرف لما تيجي على العنوان ده !
حك أحمد رأسه بعد أن ألقى بالشيشة على الطاولة وهو يسأله بفضول :
-مش أما أعرف قبلة إنت مين ؟
-معاك المحامي أمجد سعفان ، مدير مكتب الباشا سامي الجندي
جحظ أحمد بعينيه في صدمة وهو يجيبه بذهول قائلاً بعد ان نهض من مقعده مفزوعاً :
-مين ... ؟؟؟؟

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
وقفت تقى تنظر للكدمات الزرقاء والخدوش المحفورة في أجزاء متفرقة من جسدها أمام المرآة في المرحاض وهي تبكي بحسرة على حالها ..
فما أُرتُبك في حقها لم يفعله شخص سَوِيّ بل أقل ما يوصف به أنه ذئب غير طبيعي ..
تحسست بحذر تلك الكدمة الكبيرة على فخذها ، وتأوهت بأنين واضح وهي تحاول نزع بقايا فستانها الملوث بدماء طُهرها ومقاومتها ..
مسحت بأناملها الضعيفة عبراتها ، وهمست لنفسها قائلة بإنكسار :
-اشمعنى أنا ؟ ليه ؟؟

أطلقت لنفسها العنان لتخرج ما في صدرها ، وبكت بحرقة أشد وهي تصرخ بإنفعال :
-ليه اتكتب عليا أتدبح على واحد زي ده ، قتل كل حاجة كانت حلوة فيا ، ليه ؟؟ عملت ايه غلط ؟؟ ما أنا طول عمري راضية بحياتي ، وبنصيبي .. ليه يا ربي ؟؟ الحمل كبير عليا ، أنا مش قادرة ، أنا بأموت كل لحظة وأنا معاه ، يا رب .. يا رب
إنهارت على أرضية المرحاض الباردة – وهي شبه عارية – ودفنت وجهها بين راحتي يدها ، وتابعت بإهتياج :
-يا ريتني أموت وأرتاح من ده كله .. يا رب خدني ، يا رب
ثم لمحت بعينيها تلك القطع الزجاجية المتناثرة على عتبة المرحاض، فبرقت عينيها ، وتوهجت بوميض غريب.

إبتلعت ريقها وهي تقاوم سيطرة فكرة التخلص من حياتها على عقلها ..
لماذا تتحمل تلك الحياة اللا آدمية مع حيوان لا يعرف الرحمة ؟ فالموت أسهل بكثير من أن تخوض ذلك العذاب اليومي والمذلة المهينة على يديه ..
زحفت رغم آلامها على الأرضية لتتجه نحو عتبة المرحاض ..
مدت يدها المرتجفة لتمسك بقطعة الزجاج الحادة ، ورفعتها نصب عينيها ..
رأت فيها إنعكاس شبحها ، وببطء مصوب بالإرتعاش أنزلتها على رسغها ..
بكت بحرقة وشهقت بصراخ وهي تلصقها بجلد رسغها المتورم من أثار حزامه الجلدي ..

لم تشعر بآلام تلك القطعة الحادة وهي تخترقها .. فآلام نفسها أكثر بكثير ..
ثم سمعت صوتاً تطرب له الآذان يصدح من الخارج بقوة.. فإنتبهت حواسها له ، وتوقفت عن إكمال غرز القطعة الزجاجية .. ورفعت بصرها نحو تلك النافذة العلوية الموجودة بالمرحاض .. ولمعت عينيها المتورمتين ببريق مختلف ..
نعم إنه صوت الأذان يأتي من مسجد قريب .. ذلك الصوت الذي آسر أذنيها ، وجعلها تهدأ قليلاً ، كم إشتاقت له ، وكم أعادها سريعاً لذكريات طيبة مع عائلتها ..

نعم لقد جعل روحها المضطربة تسكن ، وأعاد لذاكرتها ذكرياتها الجميلة مع والدها حينما كان يصطحبها معه للصلاة فور أن يؤذن لها ..
إبتسمت لنفسها وهي تتذكر كيف كانت تركض - بضفائرها الصغيرة - فرحة للمسجد لتؤدي الصلوات المفروضة وهي تهتف قائلة :
-يالا يا بابا ، هايصلوا قبلنا
إبتسم لها والدها وهو يجيبها بصوت هاديء :
-يا بنتي استني ، لسه في وقت على الإقامة !

-إنت مش قايلي يا بابا إن اللي بيروح المسجد أول واحد كأنه ضحى بجمل ، واللي بعده بشوية ببقرة ، واللي بيتأخر كمان شوية زي اللي ضحى بفرخة ، واللي بيوصل يا بابا متأخر خالص خالص بيضحي ببيضة
-ايوه يا تقى
-طب أنا عاوزة أضحي بجمل مش بيضة
ضحك لبرائتها ، وأردف قائلا بحنو أبوي :
-ربنا يباركلي فيكي يا تقى ، ويحفظك
تنهدت بإختناق وهي تبكي ذكرياتها البعيدة مع أقرب شخص لقلبها ..

ذرفت الدموع بلا توقف وهي تحدث نفسها بصوت مبحوح :
-وحشتني يا بابا ، وحشني حضنك .. وحشتني الأيام دي أوي .. آآآآآآه .. كله راح مني ، آآآآآه .. كله ضاع
إزداد نحيبها ، وعويلها .. وظلت تهز رأسها رافضة واقعها .. ثم دفنت وجهها في راحتيها ، وصرخت بصوت مكتوم
لم تعبأ بالدماء التي تنزف من رسغها المجروح ، وإمتزجت دموعها بدمائها.

صدح صوت إمام المسجد وهو يقيم الصلاة مردداً بعذوبة ملائكية آيات الذكر الحكيم جعلتها تتوقف فجأة عن البكاء ، وأبعدت راحتيها عن وجهها الذي تلطخ بدمائها ...
نعم لقد كان صوته عذباً شجياً وكأنه كالبلسم لروحها المعذبة ..
إستمعت لصوته وهو يتلو : " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "
وجدت تقى في تلك الآية الإجابة عن سؤالها ..

تحاملت على نفسها ، وزحفت نحو المغطس ، وأسندت كفيها على طرفه لكي تنهض عن الأرضية .. ثم بحماس مفاجيء قررت تقى أن تلجأ إلى الله – بصدق - في محنتها ، أن تستعين بالصبر والصلاة على تلك البلوى .. وتجاهد نفسها من أجل الخلاص ..
هي حقاً في إبتلاء تحتاج فيه إلى معنويات روحانية عالية ، تحتاج إلى دعم نفسي قوي حتى تتجاوز تلك الأزمة
قررت ألا تستسلم لمصيرها البائس .. وأن تقاوم رغبات الشيطان بإيمانها القوي ..
أن تتسلح بما تعلمته من أبيها الطيب من مواجهة الشر بالإستعانة بالله ، وباللجوء دوماً إليه ..

حدثت نفسها برجاء :
-يا رب عيني عليه ، ونجيني منه !
نزعت عن جسدها الفستان ، ورفعت ساقها لتدخل إلى المغطس ، وأدارت الصنبور ، وتركت الماء الساخن ينهمر على جسدها ليغسل عنها ما علق فيها من رائحته العفنة ..
رأت الدماء تغطي أرضية المغطس الصلبة ، فإختلطت عبراتها مع الماء ..

شعور رهيب بالدوار يجتاح رأسها فجعلها مترنحة غير قادرة على الوقوف ..
إستندت بكفيها على الحائط المبلل ، ولكنها لم تستطع حفظ توازنها ..
فسقطت فاقدة للوعي ، وإرتطمت رأسها بقوة بحافة المغطس ، فجُرحت بعمق ، ونزفت بغزارة ، وتمددت كالموتى بداخل المغطس الذي غمرته المياه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن عشر

في قصر عائلة الجندي
حاولت ناريمان الإتصال بممدوح ولكن كان هاتفه غير متاح ، فإنتابها القلق ، وألقت بهاتفها على الأريكة وحدثت نفسها بضجر قائلة :
-أووف ، فينك يا ممدوح ، إختفائك ده مش مريحني ، هو أنا ناقصة قلق ! مش هاينفع أصبر أكتر من كده ، لازم أروحلك
وبالفعل عقدت العزم على زيارة عشيقها ، فأسرعت ناحية غرفة تبديل ملابسها ، وإنتقت لنفسها بزة كلاسيكية كحلية ، وألقتها على الفراش ، ثم توجهت ناحية باب الغرفة ، وولجت للخارج ، وصاحت بصوت عالي وهي تقف بجوار الدرابزون :
-عفاف !

أجابتها الأخيرة على الفور من الأسفل بهدوء:
-نعم يا هانم
-خلي السواق يجهز بالعربية عشان انا خارجة كمان شوية
تنحنحت عفاف بصوت خافت قبل أن تجيبها بتردد :
-بس يا هانم ، مدام هياتم اتصلت وبلغتني إنها جاية لحضرتك عشان آآآ....
قاطعتها ناريمان بتذمر قائلة :
-يوووه ، ده مش وقتها خالص !

-طب حضرتك تؤمريني بإيه يا هانم ؟
إنتظرت هي أن تجيبها على سؤالها ، وراقبتها في صمت ..
وقفت ناريمان تفكر مع نفسها بصوت شبه مسموع وهي تلوي شفتيها :
-هاتكون عاوزاني فيه ايه؟ أنا لو مش سألت فيها هتفضل تزهقني ، وانا عارفاها فظيعة !
تنهدت بإستسلام وهي تأمر مخدومتها ب :
-استني ، متقوليش حاجة للسواق ، أنا هاقابلها الأول
أومأت عفاف برأسها إيماءة خفيفة وهي ترد عليها بإنصياع :
-حاضر يا هانم

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
مالت السكرتيرة بحذر على سطح مكتب رب عملها " أوس " لتضع تلك الملفات الهامة عليه قبل أن يشير لها بإصبعه لتنصرف .. أومأت برأسها إيماءة خفيفة لتعلن إمتثالها لأوامره الصامتة ، ولم يخفْ عنها رؤية تلك الإبتسامة الغريبة التي تعلو ثغره .. فقلما رأته يبتسم ..
كان يهتز بمقعده الجلدي العريض بحركات خفيفة وهو يطالع بنظرات غير مكترثة ما دُون في تلك الأوراق ..

تجسد أمامه على تلك الملفات صورة تقى وهي تقاومه بشراسة أثناء معاشرته لها قسراً ، فبرزت أسنانه خلف إبتسامته الشيطانية وهو يحدث نفسه بتفاخر قائلاً :
-صحيح مافيش حاجة جت بالساهل ، بس في الأخر خدت اللي أنا عاوزه منك !
أرجع ظهره للخلف ، ووضع ساقه فوق الأخرى وتابع بنفس التباهي العجيب :
-ومانكرش إنك الوحيدة اللي عرفتي ترضيني صح ، وخليتني أثبت لنفسي إني مش آآآآ....

أغمض عينيه القاسيتين ولم يكمل عبارته ليقاوم هجوم ذكريات ماضيه البعيدة ، ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره على مهل ، وإنتصب في جلسته ، ثم طرق على سطح مكتبه الزجاجي ، وأردف بصوت حاسم لنفسه وهو محدق أمامه بنظرات حادة :
-الماضي مالوش في حياتك مكان يا أوس ، إنتهى !
نهض من على المقعد ، وهاتف السكرتيرة قائلاً بصرامة :
-إلغي كل مواعيد النهاردة ، وحددي ميعاد بديل على الأسبوع الجاي
أجابته بصوت خافت قائلة :
-تمام يا فندم.

وضع أوس إصبعيه أعلى طرف أنفه ، وأردف بصوته المتصلب :
-أه ، وشوفيلي في حاجة مهمة عندي الأسبوع ده ولا لأ
ردت عليه دون تردد وهي تنظر في المفكرة الصغيرة التي بحوزتها :
-في يا فندم الاتفاق على صفقة مع المستثمر الكويتي آآ.....
قاطعها بجدية وهو يمرر يده في شعر رأسه :
-أها .. خلاص فاكر ، رتبي الاجتماع معاه وبلغيني بالميعاد النهائي للمقابلة
هزت رأسها موافقة وهي تدون شيء ما بالمفكرة :
-حاضر يا أوس باشا
أسند أوس سماعة الهاتف دون أن يضيف كلمة أخرى ، ثم جمع مفاتيحه الخاصة ، وهاتفه المحمول ، وتوجه صوب باب الغرفة ووجهه شبه متشنج ...

اضطرت ليان آسفة أن تسافر مع زوجها المخادع عُدي إلى أحد البلدان الأسيوية لقضاء شهر عسلها الزائف حتى تكتمل الصورة الإجتماعية المصطنعة للعروسين السعيدين ..
كانت تبغض كل لحظة تقضيها معه ، فهو خدعها ، واستغلها حتى يصل إلى مبتغاه ..
سارت على الشاطيء بمفردها فور أن وصلت إلى المنتجع السياحي ، و حدثت نفسها بعتاب قائلة :
-أنا اللي سلمت نفسي ليه ، أنا اللي مش سمعت لحد !

أدمعت عينيها وهي تكمل بنبرة حزينة :
-بس أنا مش عملت ده من نفسي ، أنا .. أنا كنت بأهرب من اللي مامي عملته ، بس .. بس وقعت في عذاب مش بينتهي !!!
تنهدت في حزن مرير وهي تتابع حديث نفسها ب :
-أه لو كنت أعرف حقيقته من الأول كنت فضلت زي ما انا .. At least ( على الأقل ) كنت هاتصرف مع الكلب فارس .. لكن عدي .. مش سهل خالص ، وأنا ضعت .. فعلا ضعت معاهم الاتنين .. آآآآآآه !
صرخت بمرارة كبيرة وهي تلقي بجسدها على الرمال الناعمة فلحظاتها معهما جعلتها تشمئز من حالها وتكره سذاجتها التي أوقعتها في الفخ مرتين ..
أطلقت لنفسها العنان لتبكي حالها ..

فلم يعد بيدها حيلة سوى البكاء على بقاياها ...
وعدي - على الجانب الأخر - لم يكترث على الإطلاق بمشاعرها الساخطة نحوه ..
فغايته الأهم هو إيهام الجميع بأنه العاشق المتيم ، وأنه بطل قصة حب أسطورية حتى يغطي تماماً على ما قيل عنه في السابق من أنه عاجز جنسياً ويستعيد سمعته بين عالم الذكور ...

كان يراقبها من على بعد من الشرفة المطلة على الشاطيء وهو يحتسي كأس الخمر الخاص به ، وثغره يعلوه إبتسامة زهو ..
رأها تنهار على الرمال ، فإزدادت عينيه لمعاناً ، وحدث نفسه بتشفي قائلاً :
-كانت ضربة معلم يا عدي ، عرفت تنقي ضحيتك صح ! دلوقتي أقدر أرتاح وما أفكرش في اللي فات ، واحدة زي دي مش هاتقدر تقف قصادك ..!
شعر بتأنيب الضمير قليلاً وهو يُذكر حاله بكونها شقيقة رفيقه المقرب ، ولكنه برر فعلته الشنعاء تلك ب :
-صحيح هي جت في أختك يا أوس ، بس هي قامت بدورها زي ما أنا طول عمري بأقوم بدوري معاك ، يعني خدمة قصاد خدمة !!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
تسرب بخار الماء المتجمع بكثافة من فتحات التهوية الجانبية في المرحاض فبدى كما لو كانت هناك أدخنة متصاعدة من داخل المنزل ...
لاحظت إحدى الجارات صعود تلك الأبخرة إليها وتسربها عبر نافذة مطبخها ، فتوجست خيفة من أن يكون هناك إندلاع للحريق ، فهاتفت حارس البناية عبر جهاز ( الإنتركام ) قائلة بضيق :
-في دخان مالي البرج ، شوف في ايه !
سألها الحارس بعدم فهم وهو يزم فمه الغليظ :
-دخان فين ده يا ست الهوانم ؟

ردت عليه بحدة وهي عاقدة لحاجبيها :
-معرفش ، بس أنا اتخنقت في شقتي ، فاتصرف وبلغ المطافي ولا البوليس ، إحنا مش ناقصين كارثة
هز رأسه عدة مرات قائلاً بتلهف :
-حاضر يا هانم ، أنا هاطلع أفتش عن الدخان ده
نفخت بإنزعاج وهي تأمره ب :
-بسرعة يالا
-على طول أهوو ، استر يا رب.

ركض حارس البناية في إتجاه الرواق المجاور للمصعد لكي يتابع الوضع من أسفل ال " منور " الجانبي الذي تطل فيه نوافذ المطابخ والمراحيض على بعضها البعض
وبالفعل لاحظ إنبعاث للأدخنة الكثيفة من فتحة التهوية الملحقة بالمرحاض الخاص بالطابق المتواجد فيه منزل أوس الجندي ، فإنتابه الهلع ، وصرخ بذعر :
-يا سنة سوووخة يا ولاد ، ده بيت الباشا !
أخرج حارس البناية هاتفه المحمول من جيب جلبابه ، وبتعجل ضغط على زر قائمة الأسماء لديه ، ليبحث عن اسم أوس الجندي ، ثم ضغط على زر الإتصال ، وابتلع ريقه في توجس مخيف وهو ينتظر إجابته عليه...

على الجانب الأخر بداخل سيارة أوس ،،
كان هو ممسكاً بالمقود بيد واحدة ، ومسنداً يده الأخرى على طرف النافذة ..
نظر للطريق وللسيارات من حوله بنظرات غير مكترثة من خلف نظارته القاتمة ..
مسح بلسانه على أسنانه ، ونفخ في ضيق بسبب زحام السيارات وتدافع سائقيها في الإشارات المرورية ، فأردف بحنق :
-مافيش وقت الشوارع فيه تبقى فاضية ، حاجة تخنق
رن هاتفه الموضوع على " تابلوه " السيارة ، فمد يده ليلتقطه ، وقرأ اسم المتصل بإستغراب ، وحدث نفسه بصوت جاد :
-البواب !

أجاب على إتصاله بجمود قائلاً :
-عاوز إيه ؟
هتف الحارس بنبرة هلعة وهو ينظر للأعلى :
-إلحق يا باشا في دخان طالع من الحمام عندك ، هو .. هو حضرتك نسيت آآآ......
قاطعه أوس بصوت حاد متسائلاً بشراسة :
-دخان ! إنت بتقول ايه ؟
رد عليه بصوت متقطع وهو يرتجف خوفاً من ردة فعله المخيفة :
-يا.. يا باشا ، أنا .. أنا واقف في المنور ، وآآ.. وشايف دخان طالع من عندك
جحظت عيني أوس في صدمة ، وخفق قلبه بشدة وهو يجيبه بهتاف عالي :
-إيييييييييييييييييه !!!

تابع الحارس حديثه متسائلاً بخوف :
-أبلغ يا .. يا باشا ال .. آآ.. المطافي ؟
رد عليه أوس بصوت صارم يحمل التحذير الشديد :
-إياك تتصل بحد ، أنا جاي !
ثم ألقى بالهاتف إلى جواره ، وأدار المقود للجانب ، و ضغط على دواسة البنزين وإنطلق بسرعة رهيبة متخطياً الإشارات المرورية في إتجاه منزله الذي كان يبعد مسافة قريبة عن مكانه الحالي ...
سلط عينيه على الطريق ، ونطق من بين أسنانه بخوف شبه حقيقي :
-تقى !!!

لم يعرف لماذا أصابته حالة من التوتر والإضطراب حينما علم بوجود حريق في منزله وخاصة وهي حبيسة منزله ..
دار في رأسه عشرات الأسئلة التي حاول أن يجد إجابة مقنعة لها ..
إيعقل أن تنهي حياتها بعد ما فعله بها ؟ هل دفعها للإنتحار بإصراره على التلذذ بتعذيبها ، فقررت هي أن تضع حداً لهذا الآلم اللامتناهي بيدها لا بيده ؟
هل هي أضعف حقاً من تحمل وحشيته فوجدت السبيل لإنهاء حياتها ؟

لماذا كل هذا الخوف الرهيب على فقدانها ؟ أيخشى أن يخسرها بعد معاناة من البحث عن مثيلتها ، تلك البريئة الساذجة التي أثبت معها أنه لم يعد يهاب الماضي ؟
أم يخاف فقدانها قبل أن يحتفل بإنتصاره عليها تلك التي تجرأت وتحدت رجولته وقوته المفرطة ؟
مجرد التفكير في إختفائها للأبد من حياته وعدم تمتعه بها - بعد شعور الإرتياح الذي لم يعرف طعمه إلا معها - أربكه كثيراً ...
حقاً هناك دافع لهذا الشعور المخيف الذي سيطر تماماً على عقله ، وإنعكس على ضربات قلبه وتلاحق أنفاسه المضطربة ...

في قصر عائلة الجندي ،،،
مدت ناريمان يدها لتصافح هياتم التي كانت ترسم إبتسامة عريضة على محياها وهي تقول :
-سوري يا مدام ناريمان هاعطلك شوية
تقوست شفتيها وهي تجيبها بصوت شبه منزعج :
-لأ عادي.

ثم أشارت لها بالجلوس على الأريكة ، فأردفت هياتم قائلة بحماس :
-إحم .. معلش أنا بس بأجهز لترتيب حفل الجمعية السنوي ، وكنت عاوزة أخد رأيك في شوية اقتراحات
أومأت برأسها وهي تجيبها متشدقة :
-أها .. طب يا ريت بسرعة عشان عندي مواعيد
نظرت لها هياتم بإستغراب ، وردت بجدية ب :
-طب .. طب أجيلك وقت تاني !

-لأ خلاص ، قوليلي بس على الاقتراحات وأنا هاشوف هاعمل ايه
مدت هياتم يدها بحافظة بلاستيكية تحتوي على أوراق ما نحو ناريمان وهي تبتسم بهدوء :
-دي نبذة مختصرة عن اللي بأفكر فيه ، يعني حابة يكون الإحتفال السنادي مختلف شوية
مطت ناريمان شفتيها في إهتمام زائفة وهي تغمغم بإيجاز :
-ممم ... أها.

-احنا هانضيف جهودنا كمان في دار الأيتام والمسنين ، والحالات الإجتماعية وآآآ..
قاطعتها بوجه شبه متجهم وهي تسند الأوراق على الطاولة الرخامية :
-أنا هارجع الورق ده وأقولك رأيي
شعرت هياتم بالحرج من ردودها المقتضبة وخاصة إن تعبيرات وجهها توحي بالإنزعاج ، فردت عليها بإبتسامة مجاملة :
-اوكي يا مدام ناريمان .. أستأذن أنا الوقتي.

تنهدت ناريمان بإرتياح وهي تنهض عن الأريكة ، وتمتمت ب :
-اوكي يا هياتم ، سوري وقتي ضيق ومش عارفة أخد راحتي معاكي
رسمت هياتم إبتسامة رقيقة على ثغرها وهي تتمتم بهدوء :
-ولا يهمك ، تتعوض تاني
-أكيد ، لازم نقعد مع بعض ، وأنا هأقرى ال Notes ( الملحوظات ) دي وهأرد عليكي
-تمام .. See you ( أشوفك قريب )
-شور ، باي.

وتبادلت الإثنتين المصافحة ، وولجت بعدها هياتم إلى الخارج ، فأسرعت ناريمان نحو الدرج وهي تهتف بصوت عالي وآمر :
-عفاف ، خلي السواق يجهز
-حاضر يا هانم
صعدت هي على الدرج بخطوات سريعة وهي تحدث نفسها بضيق :
-إتأخرت خالص !!

وصل أوس بسيارته أمام مدخل البناية حيث وجد حارس العقار منتظراً إياه وعلى وجهه توتر ممزوج بالخوف الشديد ..
ترجل من السيارة ، وصفق بابها بقوة ، ثم ركض في إتجاهه صارخاً بصرامة :
-اتصلت بحد ؟
أجابه الحارس وهو يحاول اللحاق به بصوت مرتعد :
-لأ يا باشا .. أنا .. أنا واقف مستني سيادتك من بدري
أشار له أوس بإصبعه وهو يركض ناحية المصعد قائلاً بحدة :
-خليك هنا عند البوابة ، ومعاك الموبايل ، وأنا لو آآ....

قاطعه الحارس بإصرار وهو يقف خلفه :
-أنا طالع معاك يا باشا
دلف أوس إلى داخل المصعد ، وإستدار بجسده ليواجهه ، ثم رمقه بنظرات مميتة ، وأمره بصوته الصارم :
-إنت تترزع هنا مكانك ، فاهم !
رد عليه بإعتراض قائلاً :
-بس آآآ....

كانت نظرات أوس لوحدها كافية ليتراجع الحارس سريعاً عن إصراره ، فقال بخوف :
-اللي تؤمر بيه يا باشا
ثم ضغط أوس على زر إغلاق باب المصعد وهو مستمر في حدجه بنظرات قاتلة تسمر على إثرها الحارس في مكانه ...
إبتلع الأخير ريقه ، وغمغم قائلاً بذعر :
-عديها يا رب على خير ، شكلها ليلة مش فايتة !!!

تنفس أوس بصعوبة داخل المصعد ، وسلط بصره للأعلى ، ثم ضرب بعنف على الباب الحديدي وهو يهتف بإهتياج :
-عملتي ايه يا تقى ؟ مش هارحمك لو موتي نفسك ، مش هاسيبك تعملي ده ، مش هاسيبك ...!!

بعد أقل من دقيقة كان المصعد في قد وصل للطابق المنشود ..
وما إن فُتحت الأبواب حتى ركض أوس في إتجاه باب منزله ، ووضع سريعاً المفتاح في موضعه وأدارلينفتح الباب على مصرعيه فإندفعت فجأة سحابة كثيفة من بخار الماء للخارج فإنطلق على إثرها جهاز الإنذار الخاص بالحرائق الموضوع في الرواق الخارجي ...
صفق أوس الباب خلفه ، وركض بسرعة في إتجاه المرحاض وهو يصرخ بحدة :
-تقى ! كح ... تقى !!

سعل لأكثر من مرة بسبب إستنشاقه للبخار الكثيف ، ووضع ذراعه على فتحتي أنفه ليتمكن من التنفس ...
ولج هو إلى داخل غرفة النوم ، فوجد الرؤية بها غير واضحة ..
وأدار عينيه ناحية باب المرحاض ، فوجد الأبخرة تنبعث منه ...
لذا دون تردد ركض بخطوات سريعة فوق بقايا زجاج المرآة المحطم محدثاً صوتاً رهيباً وهو يدلف إلى داخل المرحاض ..
كانت المفاجأة الصادمة له - والتي أصابته بالذعر والخوف في آن واحد - حينما وجد الأرضية غارقة بالمياه الملونة بالدماء الحمراء ..
-إيه ده !!

إنقبض قلبه سريعاً ، وبحث بعينيه عن تقى وسط تلك الأبخرة التي تغطي المكان ، وتجعل الرؤية غير واضحة تماماً ..
وبالفعل رأها ممددة في المغطس – وهي عارية تماماً - ولكن دون حراك ورأسها على وشك الغرق بسبب إمتلائه بالمياه ..
ركض في إتجاهها ، وإنحنى بجذعه للأمام عليها ، وصرخ فيها قائلاً :
-تقى .. تقى !

ثم مد يده ليغلق الصنبور ، وأحاطها من ظهرها بذراعه الأخر ليقربها منه ، فوجدها فاقدة للوعي ، وشاحبة الوجه ، وجسدها بارد للغاية ...
وضع قبضته على وجنتها ، ولطمها بقوة محاولاً إفاقتها وهو يصرخ بتوتر :
-ردي عليا ، إيه اللي عملتيه ده ؟
ولكن كانت محاولاته دون جدوى
رأى أوس ذلك الجرح الغائر في مقدمة رأسها ، فلمسه بأصابعه وضغط عليه محاولاً منع النزيف وهو يهتف بإنفعال :
-ردي عليا يا تقى ، قومي وكلميني ، مش هاسمحلك تسبيني !
مد يده ليلتقط كفها ، فرأى جرحاً أخراً في رسغها ، فصعق ، وتبدلت نظراته للهلع ...
لم ينتظر للحظة ، حيث أحكم لف ذراعه حول ظهرها ، ووضع الذراع الأخرى أسفل ركبتيها وحملها من المغطس ، وركض بها إلى غرفة النوم ...

أسندها أوس على الفراش ، وعاد مجدداً لداخل المرحاض ليسحب المنشفة القطنية من على الرف الزجاجي ، وجثى فوقها ، وحاول تجفيف جسدها وشعرها ..
ثم نزل عن الفراش ، و أسرع نحو خزانة الملابس ليفتحها ويبحث عن شيء ترتديه يستر جسدها ، ولكن للأسف لم يجد ما يناسبها ..
فكل ما وضعه بالداخل كان لإجل إمتاعه هو ... لذا صفق الضلفة بعنف ، وفتح ضلفته الخاصة ، وألقى بمحتوياتها على الأرضية محاولاً إيجاد أي شيء ..
كان عقله غير مستوعب لما يحدث ..
فالثواني قد تشكل فارقاً حيوياً في حياتها ..

وضع كلتا يديه على رأسه في حيرة ، وضغط عليها بشدة محاولاً الوصول لحل عاجل في تلك الكارثة ..
نظر لها أوس بخوف وهو يراها تزداد شحوباً ...
ثم ركل الضلفة بقدمه وهو يصرخ بإهتياج :
-لييييييه !! مش هاسيبك تضيعي مني مهما حصل !!!

لوهلة عجز عن التفكير فيما يفعله ، وكان على وشك الإنفجار من الغضب .. ثم رأى " تي شيرتاً " داخلياً خاصاً به من اللون الأبيض ملقى على الجانب ، فإلتقطه على عجالة ، وكذلك سحب" بوكسره " - ( ملابس داخلية رجالية ) الرياضي ذو اللون الرمادي والمحفور عليه تلك الماركة العالمية الشهيرة - من على الرف ، وأسرع ناحيتها ..
حاول هو على عجالة إلباسها التي شيرت أولاً ، ثم البوكسر الرياضي ، ومن ثم دار بعينيه في الأرضية محاولاً إيجاد قماشة ما يوقف بها النزيف ، فدفعه تفكيره للنظر نحو طرف الفراش ...

إندفع أوس نحو الوسائد الموضوعة على الطرف ، وسحب إحداهم ، ونزع غطائها ، ومزقه بشراسة ، ثم جثى على ركبته أمام تقى ، وقام بلف القماش الممزق حول رسغها محاولاً منع إستمرار النزيف ..
وكذلك فعل مع رأسها ...
ثم خلع سترته ، وألبسها إياها محاولاً تدفئتها بعد أن تحول جسدها إلى كتلة باردة مصحوبة بالشحوب ..
ومن ثم قام بحملها مجدداً ، وركض بها في خارج الغرفة في إتجاه باب المنزل و....
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع عشر

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،
أسرع أوس وهو يحمل تقى بين ذراعيه في إتجاه باب المنزل ، وبلمسة خاطفة فتح المقبض ، وإنطلق إلى الخارج دون أن يهتم بغلق الباب ..
ركض ناحية المصعد ، وضرب بقبضته بعنف عى زر إستدعائه ، وهو يصرخ بعنف :
-البهايم اللي في الأسانسير ، انزلوا
ثم دق بعنف على الباب المعدني ..

وبعد لحظة انفتح الباب لتخرج منه سيدة ذات ملامح وجه متصلب ، وترتدي ثياباً باهظة ، فهتفت فيه بضيق :
-في ايه ؟ ايه الغارة اللي انت عاملها دي ؟
وأمعنت النظر في تلك الفتاة التي يحملها – وهي في حالة إعياء شديد – وتابعت بسخط :
-في إيه اللي بيحصل هنا ؟
حدجها بنظرات حادة وهو يصدح بصراخ آمر :
-برا
فغرت شفتيها في ذهول ونظرت له بإندهاش ، وهي ترد قائلة :
-نعم
ضم تقى إلى صدره ، وبطرف يده دفع تلك السيدة إلى الجانب وهو ينهرها بصوت جهوري :
-اطلعي برا ، إنتي لسه هاترغي !

لم تفق السيدة من حالة الصدمة التي إنتابتها، فهي لم تتوقع أن يحدثها أحد بوقاحة مثل ذلك الرجل العجيب، فهي ذات منزلة وشأن.. ومعروف عنها التكبر والتعالي..
وقفت أمامه تنظر إليه بأعين مشتعلة ، وصرت على أسنانها وهي تهتف محتجة :
-إنت عارف إنت بتكلم مين ؟
حدجها بنظرات أكثر سخطاً وهو يضغط بقسوة على زر غلق المصعد قائلاً بفظاظة :
-ولا تفرقي معايا
هتفت مهددة بصوت مرتفع وهي تلوح بيدها في الهواء :
-أنا هوريك يا بني آدم إنت ، ده أنا مدام سوزان مرات المستشار وحيد الدمرداش.

لوى فمه في سخط ، وأجابها بوقاحة وإيجاز وباب المصعد ينغلق على كليهما :
-غوري
هزت السيدة سوزان رأسها في عدم تصديق ، وإزدادت ثورتها غضباً ، وتحركت نحو الدرج وهي تصرخ بإنفعال :
-أنا يتقلي الألفاظ البيئة دي ، فين بواب البرج ده ، أنا هاعرفك مقامك ، إزاي الأشكال الزبالة دي تسكن هنا معانا ؟

وقفت بجوار الدرابزون ، وصرخت بصوت عالي قائلة :
-إنتي يا بواب الزفت ، إطلعلي هنا حالاً
أتاها صوته من الأسفل وهو يرد عليها قائلاً :
-إيوه يا هانم ، طالع أهوو ..!!
غمغمت بصوت متجهم قائلة :
-إن مخليتهم يطردوك من هنا يا حيوان ، مش كفاية شابه البرج والناس اللي فيه !

نظر أوس إلى تقى بنظرات مذعورة وهو يرى بشرتها تزداد شحوباً ..
مال على رأسها وصرخ بعصبية قائلاً :
-ردي عليا ، أنا عارف إنك سمعاني ، ماتمثليش
ظل يهزها بين ذراعيها لعلها تفتح عينيها أو تهمس بكلمات .. ولكنها كانت كال " خرقة " لا حياة فيها ..
رفع ذراعه قليلاً ليسند رأسها على صدره ، وضغط على جبينها بذقنه قائلاً بتوعد :
-مش هاسيبك تروحي مني ، مش هاسيبك ، افتكري ده كويس !!!
حاول أن يضبط إنفعالاته ، فأخذ نفساً عميقاً .. وزفره على عجالة ، وتابع بإحتقان :
-أُم ده أسانسير !!!!

بعد أقل من دقيقة ، وصل أوس إلى الطابق الأرضي وعقله لم يتوقف للحظة عن التفكير في مصير تقى ..
وما إن إنفتح الباب حتى إنطلق بها راكضاً نحو مدخل البناية حيث سيارته المصفوفة أمامها ...
قام أوس بفتح الباب الأمامي للسيارة ، وبكل حذر أسند تقى على المقعد ، وضم جانبي سترته عليها محاولاً توليد قدراً من الدفء لجسدها البارد ، ثم أمال رأسها على الجانب ، و سحب حزام الآمان من جوارها ، وربطه حولها ..
ثم أغلق الباب ودار حول مقدمة السيارة ليركب إلى جوارها ..
أدار مفتاح المحرك ، ثم إلتفت برأسه للخلف ، وإنطلق بالسيارة في إتجاه مشفى الجندي الخاص ..

عند منزل ممدوح الجديد ،،،،،
وقف ناريمان أمام باب المنزل وظلت تقرع الجرس لأكثر من مرة وهي واضعة لهاتفها المحمول على أذنها ..
نظرت حولها بريبة وهي تحدث نفسها بخفوت قائلة ك
-إنت فين يا ممدوح ؟ مش موجود ولا بترد ! أوف ، رد عليا بقى
تلفتت حولها بتوجس ، واتجهت نحو المصعد بعد أن يئست من إجابته عليها وهي تتمتم بغيظ :
-لإمتى هافضل في التعب ده لوحدي ، ومحدش حاسس بيا ؟ أنا أعصابي تعبت خلاص ، ومش قادرة أستحمل أي ضغط تاني

في المنتجع السياحي بإحدى البلدان الأسيوية ،،،
وضعت ليان يدها في وسط خصلات شعرها ، وسارت في إتجاه الشرفة وهي تتحدث هاتفياً مع رفيقتها بخفوت :
-أنا مخنوقة
ثم إستدارت برأسها للخلف لتتأكد من عدم متابعة عدي لها، فقد إستغلت فرصة وجوده بالمرحاض لتتحدث مع جايدا وتفتفض معها قليلاً ..
جاءها ردها هاتفياً ب :
-إنتي لحقتي يا بنتي ، ده انتي لسه مكملتيش يومين جواز !
تنهدت بإحباط وهي تجيبها قائلة :
-إنتي مش عارفة حاجة يا جودي ، أنا آآآآ...

لم تكمل ليان جملتها حيث تفاجئت بيد خشنة تجذب الهاتف من على أذنها ، فإستدارت برأسها بذعر للخلف ...
إبتلعت ليان ريقها وهي ترى عدي يقف خلفها وصدره عاري ، وملتف بمنشفة قطنية من الأسفل ، وقطرات الماء تتساقط على جبينه ..
كان وجهه متجهم للغاية وهو ينظر إلى اسم المتصل على شاشة هاتفها ..
حاولت أن تبرر فعلتها ، فأردفت بتلعثم :
-ده .. آآ.. دي .. ج ..

-بقى كده يا ليان ، بتطلعي سري لبرا
ابتلعت ريقها وهي تنظر له بخوف ، وقالت بصوت متلعثم :
-أنا .. أنا
حدجها بنظرات متوعدة وهو ينطق بصوت قاتم :
-إنتي هاتعرفي الوقتي اللي يخون عقابه ايه عندي
-بس أنا...آآ...
قاطعها بصوت حاد بعد أن أطبق على فكها بقبضته ، فآلمها كثيراً ، وأردف بقسوة :
-أنا مش زي أي حد يا .. يا مدام
تأوهت ليان من الآلم ووضعت كلتا يديها على قبضته محاولة إزاحتها ، وهتفت بصوت مكتوم :
-مش .. مش قولت حاجة.

جذبها عدي من شعرها للأسفل ، ونظر بشراسة في عينيها متابعاً بنبرة شيطانية :
-وأنا ليا لي طرقي معاكي ، فرصة أتسلى زي زمان !
-آآآآآه .. إنت .. إنت بتوجعني
-الوجع الحقيقي هتعرفيه يا ليان على إيدي ، ده أنا وأخوكي أساتذة في ده
اتسعت مقلتيها في خوف كبير وهي تسأله بنبرة مرتعدة :
-آآآ.. ق... قصدك إيه ؟

لم يجبها عدي بل أرخى قبضته عن فكها ، ثم صفعها بقسوة على وجنتها ، فهتفت بصراخ بإحتجاج وهي تتحسسها :
-آآآآآه .. إنت بتضربني ؟
نظر لها بإحتقار وهو يجيبها ببرود :
-لأ يا حلوة ، ده مش ضرب .. الضرب في عُرفنا حاجة تانية خالص إنتي متعرفيهاش أصلاً ، بس ده قرصة ودن ليكي !
ثم صمت للحظة ليتابع ردة فعلها ، فوجدها تنظر له بهلع ، فلوى فمه في تسلي ، ومن ثم أردف محذراً بصرامة وهو يشير بإصبعه :
-وأنا بأحذرك مني ، لأني لو سبت نفسي عليكي ، صدقيني هاتشوفي اللي ما عمرك ما تتخيليه ، فاهمة !!
أومأت برأسها بطريقة لا إرادية عدة مرات لتعلن عن خنوعها بإستسلام لأوامره النافذة ..

اخترق أوس البوابة الأمنية الخاصة بمشفى أبيه بسيارته ، فركض الحرس الأمني خلفه ..
وما إن رأوه حتى هتف أحدهم للباقي بجدية :
-ده الباشا أوس
هز حارس أخر رأسه وهو يجيبه بنبرة رسمية :
-تمام ، كله يرجع مكانه !
صف أوس السيارة أمام المدخل ، وفتح بابه ودار حولها ليفتح الباب الأخر الملاصق لتقى ، وانحنى بجسده عليها ، ثم أرخى حزام الآمان عنها ، وأحاطها من ظهرها بذراعه بعد أن لفه حولها ، وقربها إلى صدره ، ثم وضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ، وهمس في أذنها قائلاً :
-مش هاتروحي مني ، مش هاتبعدي عني.

في مشفى الجندي الخاص ،،،
ركض أوس داخل ردهة الإستقبال وهو يحمل تقى بين ذراعيه صارخاً بعنف :
-إنتو يا بهايم ، حد يجي هنا بسرعة
تجمع حوله عدد من الأطباء والممرضين ، وتسائل أحدهم بجدية :
-أوس باشا ، ايه اللي حصل ؟
أسرع ممرض ما بإحضار " التروللي " الطبي ، وهتف :
-حاسب يا أوس باشا
ومد ممرض أخر ذراعيه ليحمل تقى عنه قائلاً بإصرار :
-عنك يا باشا ، أنا هاخدها منك.

لم يصغْ إليه أوس بل وضع هو بنفسه تقى على السرير الطبي ، ومسح على جبينها بقبضته ، وأمسك بيده الأخرى كفها .. ورمقها بنظرات متوترة وهو يهمس لها :
-مش هاتبعدي عني يا تقى ، مش هاتبعدي بالساهل !
صاح أحد الأطباء بصوت مرتفع ب :
-جهزوا الطواريء بسرعة
دفع الممرضين " التروللي " في إتجاه غرفة الطواريء ، وإنطلق معهم أوس ، ولكن أوقفه كبير الأطباء قائلاً بتوسل :
-من فضلك يا باشا ، خليك هنا ، وانا هاتعامل معاها
دفعه أوس بقبضتيه في صدره هاتفاً بعنف :
-أنا محدش هيمنعني عنها.

نظر له الطبيب برجاء وهو يضيف بتوتر :
-يا أوس باشا .. ده.. ده لمصلحتها
أمسك أوس بالطبيب من ياقته ، وقربه إلى وجهه ، ونظر إلى عينيه مباشرة ، وهدده بصوت مخيف :
-قسماً بالله لو ما اتصرفتوا ولحقتوها ، هآآآآ....
قاطعه الطبيب بهدوء وهو يحاول تخليص نفسه من قبضته :
-من غير ما تحلف ، أنا والدكاترة جوا هانعمل اللي علينا ، عن إذنك
أرخى أوس قبضتيه عنه ، وظل محدقاً به وهو يدلف للداخل ..

ضرب الحائط بقبضته بقسوة ، وصرخ بإهتياج :
-مش هاتموتي يا تقى ، مش هاتموتي !!!
اقترب أحد الأطباء من أوس ، ووضع يده بحذر على كتفه ، وهو يقول بخفوت :
-حضرتك كويس ، أصل .. أصل قميصك كله دم وآآآ...
إستدار أوس فجأة ليقاطعه بصوته الصارم ووجهه ذو الملامح المتجهمة قائلاً :
-ملكش دعوة !

إبتلع الطبيب ريقه بتوتر وهو ينطق ب :
-أنا عاوز أفحص حضرتك وآآ..
قاطعه أوس بصوت جهوري غاضب وهو يدفعه بعنف للخلف :
-غور من قدامي !
ارتعد الطبيب ، وتراجع بجسده وهو يرد عليه بخوف :
-حاضر يا باشا ، اللي تشوفه.

نظر أوس إلى قميصه فوجده بالفعل ملطخاً بالدماء ، ولكنها لا تخصه ...
إنها دماء تلك البريئة التي حاولت إنهاء حياتها معه رغماً عنه ..
قبض على القميص بأنامله القوية ، وصر على أسنانه قائلاً بحنق :
-لأ يا تقى ، مش هايحصل ده ، مش بعد ما لاقيتك تضيعي مني !!!!

في دار رعاية المسنين
وقفت مديرة الدار وسط قاعة الطعام وعلى ثغرها إبتسامة عريضة ، ثم صفقت بيديها لينتبه لها الجميع .. وأردفت بحماس :
-أحب أشكر كل اللي ساهم في إننا نوصل للمرحلة دي مع أعضاء الدار ، والحمدلله قدرنا نعالج حالات كتير ، وده طبعاً بفضل الله أولاً ، وبفضل مجهودات العاملين في الدار وتبرعات الخيرين .. !
تنحنحت بصوت رقيق وهي تضيف قائلة :
-كمان فريق العمل الشاب اللي انضم للجمعية ومتأخرش عن .. آآآآ

لم تتابع تهاني بإهتمام ما تقوله تلك السيدة ، بل تنهدت في حزن وهي تنظر إلى مجموعة من الشابات الجميلات - ذوي المعاطف البيضاء - وهن يبتسمن ويومئن برؤوسهن في إمتنان للمديرة التي تمتدح مجهوداتهن ..
تذكرت حالها وهي في مثل أعمارهن .. وشردت في ذكرياتها البعيدة حينما تخرجت من كليتها وتم تكريمها لتوفقها الدراسي ..
أسندت ذقنها على مرفقها لتتجسد أمام عينيها صورتها بالمعطف الأبيض منذ أكثر من ثلاثة عقود ...

صافحت تهاني عميد الكلية وهي تشكره بإمتنان على ترشيحه القوي لها .. فقد نالت منحة دراسية في إحدى البلدان العربية بعد مدحه لتفوقها ورغبتها اللامتناهية في تحصيل العلم ..
عادت يومها إلى منزل عائلتها وهي في قمة سعادتها ..
لم تتوقع أن تحصل على فرصة جديدة لكي تبدأ في بلد جديد بعيداً عن حالة الفقر التي كانت تعيشها.

لم تنسْ ردة فعل أختها " فردوس " وهي تستهزئ بها قائلة :
-بكرة ترجعي هنا ومعاكي خيبة الأمل راكبة جمل ، علم ايه يا تهاني اللي مسافرة عشانه
نظرت لها بحزن وهي تعاتبها ب :
-ده بدل ما تشجعيني وتفرحي ليا ؟
زمت شفتيها في إمتعاض وهي ترد عليها بتهكم :
-أنا فرحنالك ، بس العلم مش هيأكلنا غير عيش حاف يا تهاني.

زفرت في ضيق وهي تشيح بيدها :
-يووه يا فردوس ، بجد إنتي عمرك ما هتفهمي طموحي
مطت فمها للجانب ، وأردفت بسخط :
-بلا طموح بلا نيلة ، خدنا إيه من العلام غير طفح الدم ، وشوية ملاليم ..
تنهدت تهاني في يأس ، وهتفت بإعتراض :
-بس أنا مش زيك.

أسندت فردوس يدها على كتف اختها ، وقالت لها بمرارة :
-يا تهاني إنتي شايفة أبوكي وأمك حالهم عامل إزاي ، هايجيبوا منين مصاريف للسفر ولتعليمك ، ده احنا مصدقنا إنك اتخرجتي عشان تساعدينا في مصاريف البيت
تراجعت تهاني مبتعدة عن أختها ، وقالت بجدية وهي تنظر أمامها :
-بس أنا مش هاضحي بتعب السنين ولا بالفرصة دي ، أنا هاشتغل وهاعتمد على نفسي ومش هارجع البلد الفقر دي تاني !
قطبت فردوس جبينها ، وأردفت بإحتجاج :
-بقى كده ؟

-أيوه .. أنا خلاص هسافر خلال كام يوم يكون الورق جهز
-بس أنا كده هاشيل الهم لوحدي ، و آآآ...
قاطعتها تهاني بجمود دون أن يرتد لها طرف :
-متحاوليش يا فردوس تقنعيني بالعكس ، أنا مش هافضل في الوضع ده كتير ، أنا عاوزة أغير كل حاجة في حياتي وأبقى أحسن ، ونويت على ده !

لم تنسْ كذلك لحظة أن وطأت قدماها أرضية أول مشفى خاص عملت به ، وتلك السعادة الغامرة التي إجتاحتها وهي تتسلم وظيفتها ذات الراتب المجزي ..
وكيف تقابلت مع الطبيب مهاب الذي نجح في إيقاعها في حبه .. ومهد الطريق لكل أحلامها الوردية ..
كانت تقاوم تيار حبه خشية أن تفقد كل شيء ، ولكنها تفاجئت به يذلل لها الصعاب ، ويحقق لها أمنياتها ..
ظنت أنها ظفرت به كزوج ، وأن المستقبل بات مشرقاً معه ، ولكنه حطم كل شيء مع إكتشافها لحقيقته المشينة ..
إجتهدت أكثر في عملها ، وسطع اسمها مع نجاحها المتكرر ..

أنجبت أول إبن لها ، وظنت أن مهاب سيغير من طباعه لأجله .. ولكنه بقى كما هو عبداً لرغباته ، منساقاً خلف نزواته الشاذة ...
فتحاملت من أجل ابنها .. ابنها فقط الذي كان الحقيقة الحلوة في حياتها معه ،
وحينما أتيحت لها الفرصة لتبدأ من جديد مع زوجها الثاني ممدوح ، ضاع كل شيء في لحظة ، وسُلب منها كل شيء .. حتى عقلها ...

سقطت من عينيها عبرات دافئة على وجنتيها .. عبرات حسرة على حالها البائس ، وماضيها المشين ...
كم تمنت لو عاد بها الزمن لترفض تلك المنحة الدراسية ، وتُصغي إلى نصيحة أختها .. فقد عادت خائبة الرجاء ، فاقدة حتى لأهليتها ...
كم ودت لو ظلت مع عائلتها البسيطة التي تذمرت على وضعهم المادي ، وبقيت في كنفهم حتى الآن ..
فهي حينما عادت إليهم كانت شبه مختلة ، مأخوذاً منها كل شيء ..
تنفست بعمق ونظرت حولها بنظرات متمعنة ..

ليس مكانها هنا .. هي لم تعدْ في حاجة للبقاء وسط هؤلاء الأشخاص ، فقد عادت إلى رشدها الآن .. وحان الوقت لها لكي تلملم شتات أمرها ، وتعيد بناء نفسها ..
نهضت تهاني عن مقعدها لتبلغ المشرفة المتابعة لحالتها عن رغبتها في الرحيل ...
نعم فقد آن الآوان لتعود إلى أختها وما تبقى من عائلتها ...

في مشفى الجندي الخاص ،،،،
راقب أوس باب غرفة الطواريء بترقب شديد وهو يجلس على المقعد المعدني الأسود المواجه له ..
فالدقائق تمر عليه كأنها ساعات ..
إنحنى للأمام ليستند بمرفقيه على ركبتيه ، فنظر إلى كفيه فوجد أثار دمائها مطبوعة على أصابعه ،
ابتلع ريقه بخوف وهو يتذكر كيف وجدها في مرحاض منزله ، هي أضعف بكثير مما تخيل ..

هاجمه ذلك الشعور الذي طالما بغضه .. شعور الخوف الممزوج بالرعب ..
أرادها لنفسه ، فقاومت رغبته ، وأنهت حياتها ..
فعلت ما لم يجرؤ على التفكير في فعله حينما كان في موقف الضعف ..
توترت أعصابه وهو يجاهد فكرة خسارتها ..
قبض كفيه بقوة ، وزفر بإختناق وهو يغمغم بإصرار :
-مش هاخسرك يا تقى !

دفع الطبيب باب الغرفة لينتفض أوس من مكانه ، ويقف على بعد خطوة واحدة منه ، سائلاً إياها بغلظة :
-ها ؟ عملت ايه ؟
-مكدبش عليك يا باشا ، ال .. ال بنت دي حالتها آآ.. صعبة ، والوضع حرج
-قصدك إيه ؟
تنحنح الطبيب بصوت خشن ، وأجابه بهدوء حذر :
-الموضوع مش على أد محاولة إنتحار زي ما كنت فاكر ، ده واضح إنها اتعرضت للاغتصاب والإعتداء الجسدي و.. آآ.. وبوحشية كمان !!
جحظ أوس بعينيه الحمراوتين ، ولم ينبس بكلمة ، فهو يعرف حقيقة ما إرتكبه معها .. وكيف كانت ليلة دامية ومميتة بالنسبة لها ، وممتعة وشهوانية لأقصى درجة معه ..

راقب الطبيب ردة فعله الغريبة ، فصمته أربكه حقاً ، ولكنه أعطاه الشجاعة ليتابع بصوت شبه مضطرب :
-أنا .. أنا هاضطر أبلغ البوليس عنها ، لأن الوضع آآآ.....
هنا أمسك به أوس من تلابيه فمنعه عن إكمال جملته ، وهزه بعنف وهو يصرخ ب :
-مش هاتبلغ حد ، سامعني !
وضع الطبيب كفيه على قبضتي أوس ، وأردف بجدية رغم إهتزاز نبرة صوته :
-يا أوس باشا حالتها سيئة ، وأنا مقدرش أسكت ، ده في جريمة حصلتلها ، ده إغتصاب ، وفيه نزيف و آآ....

قاطعه بصوت مهتاج وهو يحدجه بنظرات مخيفة قائلاً :
-بأقولك مش هاتبلغ حد عن مراتي
فغر الطبيب فمه في ذهول ، وإرتفع حاجبيه للأعلى في إندهاش ، وإتسعت عينيه بصدمة وهو ينطق بنزق ب :
-مين !!!
صرخ أوس بعنف وهو يهزه جسده بقوة قائلاً :
-المدام اللي جوا مراتي ، وأنا مش هاسمح لحد يحكي عنها
-م.. مراتك !!
تابع أوس بنفس الغلظة وهو يرمقه بتلك النظرات الشرسة :
-أنا جايبها هنا عشان تتصرف وتخليها تفوق وتعالجها من اللي هي عملته من ورايا.

كانت نظرات أوس وحدها كافية لتجعل الطبيب يتراجع عن أي قرار كان إتخذه ، فكيف سيتجرأ على إبلاغ الشرطة عن زوجة ابن صاحب المشفى ..
ربما ما حدث خلاف عائلي تطور لوضع سيء ، لكن هناك حياة إنسانة بريئة على المحك ، عليه كطبيب أن يبذل قصاري جهده معها ، لذا بدون تردد أومأ برأسه وهو يجيبه بتلعثم :
-ح.. حاضر ، و..آآ..وإحنا بنعمل اللي علينا ، اطمن.

قرب أوس رأس الطبيب إليه واخترقه بنظراته الحادة ، وصر على أسنانه وهو ينطق بإهتياج يحمل التهديد :
-أحسنلك تعمل ده وإلا .. وإلا الكل هنا هايحصلها
هز رأسه وهو يجيبه على عجالة بصوت خائف ومصدوم :
-تمام ، حضرتك بس سيبني آآ.. أشوف شغلي
أرخى قبضتيه عن الطبيب ، ودفعه للخلف ، ولم يحدْ بعينيه القاتمتين عنه وهو يدلف عائداً لغرفة الطواريء
ثم وضع كلتا يديه على رأسه ضاغطاً عليها بقوة وهو يدور حول نفسه في حيرة في الرواق ..
حدث نفسه بشراسة قائلاً :
-مش هاسمح لحد إنه يعرف باللي حصل ! ده كله ماضي ، ماضي...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل العشرون

في النادي الشهير ،،،،
ضغط ممدوح على زر وضع هاتفه النقال على وضعية الصامت بعد أن رأى اسم " ناريمان " يبرز على الشاشة ..
لوى فمه للجانب ، ثم نظر في إتجاه سامي الجندي الذي يجلس قبالته ، وإبتسم قائلاً :
-مش هانختلف يا سامي ، طالما هدفنا واحد
كور سامي قبضته في غيظ ، وأجاب بنبرة مغلولة :
-أنا هاحرق قلبه وأضيعه !

أشار له بيده وهو يتابع بنبرة متريثة :
-كل اللي إنت عاوزه هايتعمل بس بالهدوء
إحتقنت عيني سامي أكثر وهو يرد قائلاً :
-هدوء ايه بس ، إنت .. إنت مش شايف اللي حصلي
أجابه ممدوح بإيجاز وهو يضع ساقاً فوق الأخرى :
-معلش !

قطب سامي جبينه وهتف بعصبية بعد أن مال للأمام بجذعه :
-أصرفها منين معلش بتاعتك
أنزل ممدوح ساقه ، ونظر له بنظرات شيطانية وهو يضيف بجدية :
-اصبر ، احنا مش خلاص اتفقنا ، يبقى خليك معايا للأخر وهاتكسب
لوى فمه وهو يرد عليه متهكماً :
-والله أنا خايف لتضيعني تاني زي ما ضيعتني أولاني.

إعتدل ممدوح في جلسته ، وحدق في الفراغ أمامه ، وصر على أسنانه وهو ينطق بثقة :
-المرة اللي فاتت ماكنتش مدروسة أوي ، الدور ده أنا مخطط لكل حاجة !
نفخ في ضيق وهو يتابع بإنزعاج :
-أما نشوف ، الراجل اللي اتطرد من عنده أنا كلمته
نظر له ممدوح بإهتمام قائلاً :
-كلمته.

-أيوه ، أهوو نعرف منه أي حاجة عن الزفت أوس ، يمكن .. يمكن تفيدنا
-مش هاتضر يا سامي
قالها الأخير وهو يطرق بأصابعه على مسند مقعده البلاستيكي ..
اقترب النادل من طاولتهما ، وأسند فنجاني القهوة عليها ، وكذلك كوب الماء ، ثم وضع الصينية جانباً ، وسألهما بخفوت :
-حاجة تانية يا فندم ؟
رد عليه ممدوح بإيجاز :
-لأ .. روح إنت.

إنصرف النادل من أمامهما ، فأردف سامي بنبرة متحمسة :
-بعيداً عن القرف ده كله ، وسيرة الزفت ده ، أنا عندي ليك سهرة حلوة
رفع ممدوح حاجبه للأعلى ، وتسائل بإهتمام :
-سهرة إيه دي ؟
أرتسمت إبتسامة عابثة على فمه وهو يجيبه قائلاً :
-حاجة نفرفش فيها شوية.

مط ممدوح شفتيه في سخرية ، ثم تابع بجدية :
-ممممم.. هو إنت لسه زي أخوك
ضيق سامي عينيه في عدم فهم وهو ينظر إليه ، وسأله بحيرة :
-قصدك ايه ؟
تردد مهاب أمامه ، وبحث عن إجابة سريعة له حتى لا يثير شكوكه ، فماضيه الماجن مع أخيه مهاب لا يعلمه أحد ..
لذا بادر ب :
-آآآ.. أنا أقصد إنك غاوي سهرات وليالي حلوة.

هز سامي رأسه قليلاً وهو يرد بغرور :
-ايوه ، بس على أدي
إبتسم له مجاملاً وهو يقول :
-أها
أضاف سامي بنبرة اكثر حماسية وهو يميل بجسده نحو مهاب :
-المهم في نايت ( ملهى ) فاتح جديد وبيقولوا فيه صواريخ
رد عليه ممدوح مازحاً وإبتسامة عريضة تعلو ثغره :
-ده إنت متابع ؟

أرجع سامي ظهره للخلف ، وأجابه بتفاخر جلي :
-طبعاً ، ها إيه رأيك أعزم بالليل على سهرة مميزة هناك
-وماله ، فرصة نغير جو !
-تمام ، هانتظرك بالليل عند نايت ((.........)) اللي جمب ((....)) ، هاتعرف تروحه ولا آآ...
قاطعه ممدوح بصوت واثق وهو يغمز بعينه :
-لأ متقلقش عليا ، أنا في الكباريهات دايس من زمان !
إتسعت إبتسامة سامي العابثة وهو يهتف ب :
-عظيييييم !

في مشفى الجندي الخاص
دفع الأطباء والممرضين " التروللي " الذي يحمل جسد تقى إلى خارج غرفة الطواريء ..
وفور أن رأه أوس إنتفض من مكانه ، وركض نحوه ، وأمسك بحافتيه ليوقفه عنوة ، ثم مال برأسه على رأسها ، وقال منفعلاً :
-تقى ، سمعاني ، عملتي ليه كده ؟ لييييييه ؟!!

وقف الطبيب خلفه ، وربت على ظهره قائلاً برجاء :
-أوس باشا مش هاينفع اللي بتعمله ده ، هي مش هاترد عليك
دفعه أوس بعنف من صدره وهو يصدح بنبرة مخيفة :
-ابعد عن وشي ، بدل ما أدفنك هنا
ابتلع الطبيب ريقه وهو يرجوه قائلاً :
-يا باشا هي هتطلع على العناية ، وبعد كده آآآ....
قاطعه أوس بصوت غليظ وعيناه تكاد تبرزان من محجريهما :
-أنا محدش يقولي أعمل ايه !

أردف الطبيب بنبرة حذرة وهو ينظر بتوسل له :
-لمصلحتها ، كده في خطر اكتر عليها ، من فضلك يا أوس باشا ، من فضلك !
اضطر أوس أسفاً أن يرخي قبضتيه عن " التروللي " الذي إنطلق به الممرضين نحو طابق العناية المركزة ، في حين ظل هو واقفاً - رغماً عنه - في مكانه ولكن تابعتها عينيه المحتقنتين إلى أن اختفت داخل المصعد ، فإنتبه لصوت الطبيب وهو يتابع قائلاً بجدية :
-الوضع سيء معاها ، واللي .. واللي حصل مش هين.

حدجه بنظرات شرسة وهو يهتف بإنفعال :
-قولتلك مش هاتبلغ حد !
أشار له الطبيب بيديه وهو يرد عليه بتلعثم :
-أنا فاهم يا باشا ، عشانها المدام ، وال .. آآ.. احم والفضايح ، بس .. بس للأسف ده مش هايفيدها حالياً لأنها آآآآآ....
إهتاج أوس فجأة ، وأمسك به من ياقته وهزه بعنف ، وكاد أن يخنقه وهو يصرخ مقاطعاً :
-إنت مش هاتعرف مصلحتها أكتر مني !

حاول الطبيب أن يلتقط أنفاسه ، ويتحرر منه ، ولكنه كان عاجزاً تحت رحمته ، فإستسلم على الفور قائلاً :
-يا .. يا باشا ! اللي آآ... اللي تشوفه !
دفعه بقسوة للخلف وهو يرمقه بتلك النظرات المشتعلة ، ثم سار بخطوات راكضة في إتجاه المصعد ...

في دار رعاية المسنين ،،،،
أسندت المشرفة هالة كوب الماء الزجاجي على سطح مكتبها ، وإبتسمت لتهاني إبتسامة هادئة وهي تقول :
-ولو إني بأفضل وجودك معانا الفترة الجاية
بادلتها تهاني نفس الإبتسامة وهي ترد عليها :
-أنا خلاص بقيت أحسن
-بس لازم الدكتورة رجاء وآآآ...

قاطعتها بصوت خافت وهي مجفلة لعينيها :
-صدقيني وجودي هنا زي قلته ، أنا الحمدلله حالتي اتحسنت كتير ، ده طبعاً بفضل الله أولاً ، والإهتمام اللي لاقيته في الدار منكم ، ولولا كده كنت .. كنت فضلت زي ما أنا تابهة وضايعة وآآآ...
صمتت لتتجرع مرارة الآلم من ذكرياتها الحزينة ، ففقدان كل شيء ليس بالأمر الهين ..
لاحظت المشرفة هالة طول فترة صمتها ، فتابعت بحماس :
-إحم .. شكراً ليكي ، ده واجبنا معاكي.

نظرت لها تهاني بإمتنان وهي تنطق ب :
-ربنا يجزيكم خير عن اللي بتعملوه مع اللي زينا
دونت المشرفة هالة ملحوظة صغيرة في مفكرة جانبية ، وأردفت بجدية :
-طيب أنا هابلغ المديرة إنك هاتمشي بس بعد الحفلة
ضيقت تهاني عينيها في إستغراب ، وردت عليها بفضول :
-حفلة ؟

أومأت هالة برأسها وهي تضيف بصوت ناعم :
-أها ، الجمعية اللي بتتبرع للدار هنا عاملة الحفلة السنوية بتاعتها، واحنا مشاركين، يعني هنقدم حاجة رمزية للدار وحابين كل اللي ساعدتهم الجمعية يشاركوا في الحفل ده ، ويحضروا تكريم مديرة الجمعية
تسائلت تهاني بحيرة وهي تحك جانب أنفها :
-هي .. هي الحفلة دي ميعادها امتى ؟

رسمت هالة إبتسامة مشرقة على وجهها وهي ترد بثقة :
-قريب خالص ، هاتيجي الدعوة بالميعاد النهائي خلال يومين
أجفلت تهاني عينيها ، وشبكت يديها معاً ، وأردفت بتنهيدة :
-طيب .. وأنا هافضل معاكو لحد الحفلة
لم تختفْ الإبتسامة من على محياها وهي تنظر لها بإمتنان قائلة :
-تمام يا مدام تهاني

في غرفة العناية المركزة ،،،،
ثبتت الممرضة الواقفة إلى جوار فراش تقى الإبرة الطبية في كف يدها لينتقل المحلول لجسدها ، وتابعت بعينيها إنتظام وميض ضربات القلب الأخضر على شاشة الجهاز الملاصق للفراش ..
ثم أشارت بعينيها للممرضة الأخرى لكي تنهي عملها في أسرع وقت بعد أن رأت أوس الجندي من الحائط الزجاجي يتجه نحو الغرفة ..
بإندفاع غير مسبوق دلف أوس للداخل ، واتجه نحو فراش تلك التي ذبحها ، ووقف أمامها وهو غير مستوعب الحالة التي وصلت إليها ..

إبتلع ريقه بصعوبة وهو يرى أثار قبضتيه عليها ، وما سببه لها من كدمات زرقاء بدت واضحة للعيان في جسدها ، مع الخدوش البارزة في رسغيها وعنقها وساقيها .. والشحوب الجلي في وجهها ..
تجسد أمام عينيه ذكريات الليلة الدموية التي إرتشف فيها برائتها بتلذذ مريض ..
هو يعلم أنه نال غرضه منها بوحشية ، واستمتع بكل لحظة أثبت فيها أنه لم يعد أسيراً لعجز الماضي ..

ولكنه لم يرى فداحة جريمته إلا الآن .. حينما إنهارت وقررت أن تنهي إتفاقهما بالإنتحار ..
أرادها أن تصمد أكثر أمامه حتى يقتل شعور الضعف من الحالة التي تباغته بسبب ذكرياته الآليمة
خوفه من خسارتها جعلت أوصاله ترتعد رغم الثبات الزائف الذي يدعيه أمام الجميع ..
نظرت الممرضة بحيرة إليه ، فرغم وجهه المتجهم إلا أنه لم يكنْ طبيعياً ، خشيت أن تبدي إعتراضها على وجوده بالداخل فتستقبل نوبة هياج عصبي ربما تؤدي إلى خسارتها لوظيفتها وطردها من هذا المشفى ..

لذا أثرت الصمت ، وإكتفت بمتابعة المريضة في هدوء ...
سلط أوس أنظاره على الممرضتين ، وهتف بصلابة :
-برا
نظرت له إحداهما بذهول بعد أن إنتفض جسدها من صوته ، وقالت فاغرة شفتيها :
-هاه
نظرت الممرضة الأخرى بذعر إلى زميلتها ، ونطقت بخوف :
-إيه ؟

صرخ فيهما بصوت صارم وهو جاحظ العينين :
-مش عاوز حد معايا هنا
ردت عليه الممرضة الأولى بصوت متلعثم وخائف ب :
-يا فندم أنا .. انا ب..آآ....
-برا
قاطعها أوس بنبرة أشد قوة وهو يرمق كلتيهما بنظرات نارية توشك على الفتك بهما في حالة رفضهما الإنصياع لأوامره ...
، فهتفت الممرضة بذعر :
-ح... حاضر .. !

تابعهما أوس بنظرات قاتمة وهما تركضان إلى خارج الغرفة ..
ثم جلس على طرف الفراش وأمسك بكف تقى براحته ، وتحسسه بحذر ، ثم تحرك بأصابعه بتمهل على رسغها ليتحسس تلك الأثار المحفورة عليه ...
أغمض عينيه متألماً .. وأخذ نفساً طويلاً حبسه في صدره محاولاً السيطرة على هذا الشعور الذي يتمكن منه رويداً رويداً ...
شعور إختبره من قبل ، ولا يريد أن يعانيه مرة أخرى ..
نعم ؛ شعور العجز عن فعل أي شيء ..

دار في رأسه عشرات الأسئلة التي أرهقت عقله بسبب رغبته في معرفة أجوبتها ...
لماذا هي الوحيدة التي تجعله يعاني هكذا ؟ لماذا لا يستطيع أن يحتفل بإنتصاره عليها ؟ لماذا يختبر ذلك الشعور البغيض رغم نجاحه في أخذها بالقوة ؟
ألم يستمتع بلحظاته البربرية معها ؟ ألم يثبت لنفسه أنه قادر على ردع ذكريات ماضيه التي تطارده لسنوات بإغتصابها ، وجعلها ذليلة رغباته ؟ فلماذا يخاف الآن ؟
ألم يكنْ قوياً بالدرجة التي جعلته في لحظة قادراً على محو شعور الضعف والتلذذ بتحطيم آلم الماضي عن طريق جسدها ؟ فلماذا يرتعد الآن مما فعله بها ؟

قطع تفكيره المشحون صوت ممرض أخر وهو يلج للغرفة - ويحمل في يده قميصاً نظيفاً مغلفاَ – قائلاً بتلعثم :
-ال.. القميص ده عشان حضرتك ، ب .. بدل الي آآ.. اللي آآ...
توقف عن إتمام جملته ، وإكتفى بالإشارة بعينيه الخائفتين إلى قميص أوس الملطخ بالدماء ...
لم يجبه أوس بل إكتفى برمقه بتلك النظرات الشرسة التي جعلته يسند القميص على طرف الفراش ، ويركض إلى خارج الغرفة قبل أن تفتك به نظراته القاتلة ...

في النادي الشهير
خطت ناريمان بثقة إلى داخل الكافيتريا الملحق بالنادي باحثة عن مقعد خالي لتجلس عليه حتى تفكر في هدوء في خطواتها القادمة ..
تسمرت في مكانها حينما وجدت ممدوح جالساً برفقة سامي الجندي ..
إعتلتها الدهشة ، ونزعت نظارتها الشمسية لتتأكد مما تراه ، وسألت نفسها بتوجس :
-بيعملوا ايه مع بعض ؟

أعادت وضع النظارة على عينيها ، وسارت بثبات في إتجاههما وهي تسند حقيبتها على مرفقها ..
وقفت أمامهما بجسدها المشدود ، وهتفت بنبرة شبه متشنجة وهي تنظر في إتجاه سامي ومحاولة تجنب النظر نحو ممدوح :
-هاي ، إزيك يا سامي ، هاي ممدوح !
رد عليها سامي بنبرة فاترة وهو يشيح بوجهه للناحية الأخرى :
-أهلا يا ناريمان
في حين أجابها ممدوح بنبرة تحمل السخرية :
-إزيك يا .. يا ناريمان هانم.

نظرت له بإحتقان من خلف نظارتها ، وحاولت أن تبدو هادئة وهي تجيبه بصوت ثابت :
-Fine ( تمام ) ..
إبتلع ريقها ثم أضافت قائلة :
-بتعملوا ايه ؟
أجابها سامي بتهكم وهو ينهض عن مقعده :
-أنا كنت بأشم الهوا ، بس الظاهر إن الجو اتكتم فجأة ، أنا قايم يا ممدوح وعلى ميعادنا
إبتسم له ممدوح قائلاً :
-أكيد طبعاً يا سامي.

نظرت ناريمان إلى سامي شزراً ، ولوت فمها في إستنكار .. ولم تعقب
جمع سامي متعلقاته من على الطاولة وغمغم بسباب خافت وهو يسير مبتعداً عنهما ..
أسندت ناريمان حقيبتها بعصبية وهي تهتف بضيق :
-مش بترد عليا ليه يا ممدوح ؟
نظر لها ببرود وهو يجيبها بنبرة فاترة :
-إهدي الأول يا ناريمان.

انفجرت فيه بصوت شبه محتد وهي تشير بيدها :
-عاوزني أهدى ازاي وانت مطنشني ؟ مالك ؟ ايه اللي حصل ؟
إستند بذقنه على راحة يده ، وأجابها بجمود وكأنه أراد إستفزازها :
-مافيش ، كنت مشغول
ضيقت عينيها لتصبح نظراتها أكثر حدة وهي تسأله بفضول :
-مع سامي !

تنهد في إنهاك وهو يجيبها بهدوء مستفز :
-لأ .. مش لازم معاه
لم تقتنع ناريمان برده ، فهتفت متسائلة بإصرار :
-أومال هو بيكلمك عن ميعاد إيه وآآ....
قاطعها قائلاً بصوت جاد بعد أن إنتصب في جلسته :
-ناريمان ، بالراحة وخدي نفسك الأول ، وبعد كده هارد على كل أسئلتك !

زفرت في إنزعاج ، ومطت شفتيها وهي تجيبه بضيق :
-أوووف يا ممدوح ، إنت ليه بارد كده ومش حاسس بالنار اللي جوايا
نظر له بوجه خالي من التعبيرات ، ثم أردف متسائلاً بإهتمام وهو يرفع حاجبه للأعلى قليلاً :
-نار ايه بالظبط ؟
وضعت ناريمان كفيها على أنفها ، وتنهدت في إنهاك ، ثم نظرت إلى ممدوح بنظرات إحباط وأجابته بيأس :
-أنا تعبت من العيشة مع مهاب ، وعاوزة .. عاوزة اطلق !

ثم مدت يدها لتمسك بكوب المياه وترتشف منه القليل بعد أن جف حلقها من فرط توترها ..
إبتسم لها ممدوح بمكر ولم يجبها ، بل ظل يتفحصها بنظرات دقيقة مستمتعاً برؤيتها على تلك الحالة ، وحدث نفسه بتوعد قائلاً :
-هاتطلقي يا ناريمان وهاخرب بيتك على إيدي ، بس مش قبل ما أعرف منك كل حاجة ، وخصوصاً موضوع ليان...!

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني الفصول 11-20 للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الحادي عشر

في منزل أوس بمنطقة المعادي
سعلت تقى وهي تتململ في الفراش ، وتأوهت بأنين مكتوم وهي تحاول تحريك ذراعيها ..
شعرت بوخز في كف يدها ، ففتحت عينيها بتثاقل ، ثم مالت برأسها -الموضوع على الوسادة - للجانب لتجد إبرة ما مغروسة فيه ، فإزداد ذعرها ، ورمشت عدة مرات لتتأكد من أنها لا تتوهم ما تراه ..

نهضت بصورة فجائية فشعرت بدوار رهيب يجتاحها .. فوضعت يدها على مقدمة رأسها ..
ثم وجدت يد ما تربت على كتفها بحنو ، وصوت أنثوي دافيء يهمس لها ب :
-اهدي يا تقى ، انتي كويسة
إلتفتت برأسها نحو مصدر الصوت ، وضيقت عينيها بإستغراب حينما رأتها أمامها .. هل هي حقاً أمها ؟ أم أنها تتوهم رؤيتها ؟ هي حقاً تشتاق إلى حضنها ، تتوق إلى الدفء الموجود بمنزلها .. كم أنها تتلهف لرؤية والدها والتحدث معه كما كان يحدث سلفاً ..

أخذت نفساً عميقاً ، وزفرته ببطء لتتحكم في نفسها ..
كانت الرؤية غير واضحة ، الصورة تهتز أمام عينيها بقوة ، ربما يحدث لها هذا نتيجة تأثير ذلك المحلول المعلق بجوارها ، أو لحركتها المفاجأة ..
أخفضت رأسها في ضعف ، ودعكت عينيها بوهن ، ثم عاودت النظر مجدداً ناحية تلك المرأة ، وتلك المرة ظنت أن حدسها قد أصاب ، فنهضت عن الفراش هتفت بحماس رغم ضعفها ب :
-م.. ماما !

فتحت تقى ذراعيها لتحتضنها ، وتحركت بساقيها الهلاميتين نحوها ، ولكن سريعاً ما تراخى جسدها ، وفقدت الوعي مجدداً ، فأسرعت " عفاف " بإمساكها ، وضمها إلى صدرها وهي تصرخ بخوف :
-تقى .. تقى !!
ركضت في إتجاهها فتاة أخرى تبدو من هيئتها العامة أنها ممرضة ، وعاونتها في وضع تقى على الفراش .. ثم أردفت بجدية :
-حسبي يا مدام ، أنا هتعامل معاها.

غطت عفاف تقى بالملاءة ، ودثرها جيداً ، وربتت على كفها برفق ، وقالت محذرة :
-خدي بالك منها
ردت عليها الممرضة بصوت جاف يحمل الجدية ب :
-متقلقيش ، ده عادي في حالتها
تنهدت في حزن ، وتابعت بنبرة راجية ب :
-ربنا يعديها على خير.

استمرت الممرضة في الإعتناء بتقى ، وحرصت على تنفيذ تعليمات الطبيب بدقة ..
بينما راقبتها عفاف بإهتمام واضح على قسمات وجهها ، ثم تنحنحت بخفوت وهي تسألها بإستفسار ب :
-احم .. هو .. هو المفروض هاتفوق امتى عشان تلبس وتجهز لدخلتها ؟
نظرت لها الممرضة بثبات ، وأجابتها بجمود ب :
-على حسب .. أنا ماشية على تعليمات الدكتور ، وشوية وهاتفوق
لوت فمها للجانب ، وتابعت قائلة بنبرة متوترة وهي محدقة بتقى :
-طب لو في قلق قولي ، وانا أتصل بأوس باشا ، وهو هايتصرف.

أومأت الممرضة برأسها إيجابياً وهي تهتف ب :
-حاضر ،لو في هاقولك ..!
ثم تنحت المدبرة عفاف جانباً وتركت الممرضة تباشر عملها مع تقى ..
وحان من رأسها إلتفاتة للجانب لترى متعلقات العروس موضوعة على الأريكة الوثيرة .. فتنهدت في حزن ، وحدثت نفسها بخفوت ب :
-هو اللي بيحصلك ده قليل يا بنتي ، ربنا يسترها معاكي ويعدي الليلادي على خير ... !

على مقربة من قصر عائلة الجندي ،،،
نزلت فردوس ومعها حارس الأمن أحمد من الحافلة على أول الطريق الرئيسي المؤدي للقصر ..
أشار هو لها بيده لتتحرك في شارع أخر موازي في نهايته توجد إحدى بوابات القصر ..
وهي بكل عزم سارت في اتجاهه .. كانت ملامح وجهها متصلبة ، عينيها ثابتتين رغم الحركة اللا إرادية لبؤبؤهما .. فكل تفكيرها منصب في تلك اللحظة على الوصول للبوابة ، والدخول للقصر وإنتشال إبنتها ، والعودة بها سالمة إلى منزلهما البسيط ..

هي قد عرفت الطريق إليها رغم الظلام السائد في المنطقة ، ولكن معالمها حفرت في عقلها ، ولن يمنعها عنها أي شخص .. فهي من كانت تضحي على الدوام من أجلها ، واليوم قد جاء دورها لتقوم بوظيفتها كأم تفني عمرها من أجل فلذة كبدها ...
لم يعرف أحمد ما الذي يدور في رأس تلك السيدة ، فهي لم تنطق بكلمة واحدة منذ أن أخبرها بمعرفته بمكان القصر .. ولكنه رأى في عينيها إصرار غريب لم يعهده فيها حينما رأها أول مرة ..

فقد تشكلت في رأسه فكرة عن كونها أم متسلطة قاسية ، لكنه صدم برؤيتها على العكس تماماً ..
بعد دقائق قليلة وصل كلاهما إلى البوابة ، ونظرا حولهما بتفحص ..
انتفض حارس الأمن جمال من " الكابينة " القابع بداخلها فور رؤيته لأحمد ، وركض في إتجاهه وهو يصيح بإنزعاج ب :
-برضوه جيت تاني يا أحمد ، ناسي الباشا قال إيه
نظر إليه بضجر وهو يجيبه بضيق ب :
-لأ مانستش.

ثم أشار بعينيه نحو فردوس وتابع حديثه بجدية ب :
-بس الست دي جاية تشوف بنتها
هتفت فردوس بصوت عالي ومنفعل ب :
-فين بنتي ؟ أنا عاوزة أدخل اشوفها
وإندفعت في إتجاه البوابة الجانبية ، ولكن أوقفها الحرس المتواجدين أمامها ، ومنعوها من الدخول ، فذمتهم بغضب ..
أمسك جمال بذراع أحمد ودفعه للجانب ، وسأله بجدية ب :
-بنت مين بالظبط ؟

أجابه أحمد بإهتمام واضح في نبرة صوته ب :
-تقى ، البت الغلابة اللي جت تشتغل هنا من فترة ، عارفها ؟
أرجع جمال رأسه للخلف ، وأرخى قبضته عنه ، وتابع قائلاً ببرود :
-أها ، بس هي مش شغالة هنا !
-هاه
قالها أحمد وهو فاغر فمه في إندهاش ، فقد إعتقد أن تقى قد عادت للعمل بالقصر بعد أن طرد منه ، وتعذر عليه الوصول إليها ، فلجأ إلى والدتها لكي يعرف أخبارها .. ولكن خابت آماله ..

نظرت فردوس لجمال بريبة ، وصاحت بتذمر :
-إزاي ؟ ده .. ده الجدع ده قالي إنها شغالة هنا خدامة
نهرها هو بضيق وهو يلوح بيده أمام وجهها ب :
-يا ست بأقولك بنتك مجتش هنا من يوم ما خدها أحمد ومشى.

إندفع أحمد في إتجاه جمال ، وأمسك به من تلابيبه ، وهزه بعنف وهو يصرخ ب :
-إنت كداب ، أوس باشا مش بيسيب حد حطه في دماغه
وضع جمال قبضتي على كفي أحمد ، وحاول إبعادهما وهو ينظر في عينيه بغل محذراً ب :
-نزل إيدك يا أحمد بدل ما أخليك تندم !
اضطر الأخير أن ينفذ طلبه ، وأبعد قبضتيه عن ياقته ، وظل يحدجه بالنظرات المشتعلة ولم ينبس بكلمة ..
لوى جمال فمه في تهكم وهو يتابع ب :
-كويس إنك لسه بعقلك وماتهورتش معايا.

نظر له أحمد برجاء وهو يحدثه بتوسل ب :
-أنا عاوز أعرف هي فين !
ببرود أجابه دون أن يطرف له جفن :
-قولتلك مجتش هنا
اقتربت منه فردوس ، ونظرت له بحنو عجيب ، ثم مدت يدها نحو كفه لتمسكه ، وكادت أن تقبله وهي تستعطفه ب :
-يا بني الله يكرمك ، ربنا ما يوقعك في ضيقة .. خليني طيب أخش اشوف البيه جوا ، ها .. أنا هاستسمحه يمكن يكون عارف طريقها ، والنبي يا بني ، أبوس إيدك !

سحب هو يده سريعاً ، وأكمل متبرماً :
-يا ست قولت مليون مرة إن بنتك مش جوا
ثم صمت لبرهة ليراقب ردة فعلها ، فوجدها بدأت بالنحيب ، فنفخ منزعجاً وتابع بضيق ب :
-وبعدين محدش جوا أصلاً عشان تقابليه ، الكل في فرح الهانم الصغيرة !
نظر أحمد إلى فردوس – وكذلك هي – بنظرات غريبة ، ثم تسائل بجدية ب :
-هي ليان هانم هتتجوز ؟
أجابه الحارس جمال بإيجاز ب :
-أه.

ضيق أحمد عينيه ، وسأله بفضول أكبر ب :
-لمين؟
رد عليه بإقتضاب وهو ينظر حوله بترقب :
-لعدي بيه الشامي
وقع الإسم على أذنيه كالصاعقة ، فإنتبهت حواسه له ، وصاح بإندهاش :
-ايه عدي بيه ؟ صاحب الباشا ؟!
أومأ جمال برأسه وهو يجيبه بجديه قائلاً :
-أه هو
حك أحمد طرف ذقنه متسائلاً بإستغراب ب:
-بس ليه كده ؟ ده .. آآآ...

قاطعه جمال بنبرة غليظة ، وبنظرات صارمة قائلاً :
-مالناش فيه ، اللي يتجوز يتجوز ، واللي يطلق يطلق ، هما باشاوات في بعض
هز الأخير رأسه موافقاً إياه وهو ينطق ب :
-اها .. على رأيك
أجفلت فردوس عينيها في إحباط ، وتوسلت للحارس جمال برجاء ب :
-أمانة عليك يا ابني لو عرفت حاجة عن بنتي تقولي
نظر لها بتعالي ، ثم حاد بعينيه عنها وهو يجيبها بإمتعاض ب :
-إن شاء الله.

أراد أحمد أن يثبت للسيدة فردوس أنه قادر على مساعدتها في العثور على إبنتها ، فهتف بحماس ب :
-بص أنا هابقى اكلمك لو آآ..
قاطعه جمال بصوت جاف ونظرات صارمة ب :
-لأ متكلمنيش .. لو في حاجة أنا هابقى اتصل ، ويالا من هنا قبل ما حد منهم يرجع وتحصل مشكلة
شعر أحمد بالحرج من رده الفظ عليه ، ونظر بإرتباك ناحية فردوس ، وتنحنح بصوت خشن ، ثم قال بجدية زائفة :
-ماشي .. بس ماتنساش.

رمق كلاهما بنظرات ساخطة ، ثم أمرهما ب :
-طيب ، اتفضلوا
وضع أحمد يده على كتف السيدة فردوس التي كانت مسلطة أنظارها على بوابة القصر لتنتبه هي له ، ومال برأسه عليها قائلاً بهمس :
-يالا يا ست أم تقى ، احنا هانجي وقت تاني
نظرت له بأعين دامعة ، ثم قالت وهي تنتحب :
-مش هاين عليا أمشي من غير ما أشوف بنتي.

تنهد هو في يأس ، ثم أردف بصوت أسف ب :
-هو قال إنها مش جوا
عاودت النظر إلى بوابة القصر الحديدية ، ثم تنهدت بإستسلام ب :
-قلبي حاسس إنها موجودة وهما مخبيين عليا.

أدرك أحمد أن السيدة فردوس قد تعلقت بأمل وجودها بداخل القصر، وربما تكون صادقة في إحساسها، فقلب الأم لا يخطيء في معظم الأحيان.. ولكنهما لن يستطيعا الولوج الآن.. عليه أن يتأكد فقط من وجودها حتى يرسم خطة للدخول وتخليصها من براثن أوس ..
ظلت أنظارها معلقة بالبوابة وضمت يديها إلى صدرها وهزت كتفيها في إحباط ..
رمقها أحمد بنظرات دافئة ومشفقة على حالها ، ثم تحدث بصوت جاد مطمئناً إياها ب :
-بصي أنا مش هاسيبها ، وهوصلها وأطمنك عليها
نظرت في إتجاهه بحماس بدى واضحاً في عينيها الحمراوتين وهي تهتف ب :
-بجد ؟

ابتسم لها إبتسامة عريضة وهو يجيبها بشوق حقيقي ب :
-اه طبعاً .. دي .. دي تقى
نظرت له ممتنة ، ثم سارت مبتعدة عن البوابة وهي مطرقة الرأس ..
بعد دقائق وصل كليهما إلى الشارع الرئيسي ..
درست فردوس المكان جيداً ، وحفظت معالمه عن ظهر قلب ، ثم إلتفتت برأسها ناحية أحمد و سألته بإهتمام :
-بس إنت متأكد من الجدع الأمن ده ؟

أومأ برأسه وهو يجيبها بثقة ب :
-ايوه ، هو مأكدلي إنه لو شافها ولا عرف حاجة عنها هيبلغنا
ثم صمت للحظة ليحدث نفسه بإصرار بعد أن إلتفت برأسه للخلف :
-ولو حتى مقالش أنا هافضل مراقب المكان لحد ما أوصلها وأرجعها لحضني تاني... !
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني عشر

وصلت سيارة فارهة أمام بوابة مركز التجميل الشهير، وقام السائق بصفها بمحازاة الرصيف ليترجل منها عدي الذي تأنق بصورة ملفتة للأنظار ومثيرة للإعجاب .. حيث إرتدى حِلة سوداء – ذات ماركة شهيرة – وعَدَل من وضعية ( البابيون ) الخاص به .. ثم إتجه ناحية البوابة الزجاجية وهو يحمل تلك الباقة الأنيقة في يده ..
قام حارس ما بفتح البوابة له بعد أن ألقى عليه التحية ، ثم ولج إلى الداخل وإبتسامة عريضة تكسو قسمات وجهه ..

إستقبلته ناريمان بتلك الإبتسامة السخيفة على وجهها ، ثم إحتضنته بحذر وهمست له قائلة :
-مش هوصيك
أومأ برأسه إيماءة خفيفة وهو يجيبها بإبتسامة واثقة :
-كل حاجة هاتكون زي ما إنتي عاوزة
-أوكي .. وعروستك مستنياك.

قالتها ناريمان وهي تشير بيدها للجانب ليلتفت عدي برأسه نحو تلك الزاوية التي تقف عنده عروسه وهي في قمة جمالها ..
فغر عدي فمه في إنبهار ، فتلك هي المرة الأولى التي يراها في كامل زينتها ، فعادة كان وجودها مثل عدمه ، لا يشكل فارقاً معه ..
لكن منذ أن علم بفعلتها المشينة ، وعقده النية على أن تكون له ، وهو يراها بمنظور أخر ..
إبتلع لعابه وهو يبتسم لها بمكر .. ثم سار بخطوات متهادية نحوها ، ومد ذراعه ليمسك كفها الرقيق ، وإنحنى بجذعه للأمام ليقبله بعذوبة ، ثم أردف هامساً :
-مبروك.

ثم تقوس فمه للجانب وهو يبتسم لها بلؤم متوعداً إياها بليلة لن تمحى من ذاكرتها ..
نظرت له ليان بكبرياء زائف وهي تهز رأسها بحركة خفيفة ، وردت عليه هامسة :
-ميرسي ..
أعطاها باقة الورد البيضاء ، التي تكلفت الكثير في إعدادها ، لتمسكها في يدها ، وتأبطت هي في ذراعه الأخر .. وسار كلاهما في إتجاه المدخل ..
إلتف حولهما صديقات العروس اللائي تبارين في فرد ذيل فستانها الفريد وإلتقاط الصور التذكارية معهما ..

لم يخلو وجه ناريمان من تلك الإبتسامة المصطنعة أمام المتواجدين ..
كانت تتمنى في نفسها أن يمر اليوم بسلام حتى تستريح وتعيد ترتيب زمام أمورها ..
رن هاتفها المحمول برقم ممدوح ، فتراجعت بحذر بعيداً عن الأنظار لتتمكن من الإجابة عليه ..
وضعت الهاتف على أذنها ، وهتفت بتوتر :
-إنت فين ؟
أجابها ممدوح بصوته الرخيم وهو يدير مقود السيارة قائلاً :
-رايح على القاعة ، ها ليان خلصت ؟

ردت عليه بنبرة متوترة وهي تشرأب برأسها للأعلى :
-أها.. شوية وهانكون هناك
هز رأسه عدة مرات بحركة بسيطة ثم تابع وهو يوقف سيارته أمام إشارة المرور لينظر إلى العسكري بنظرات جادة :
-تمام ، وأنا قدامي حاجة بسيطة وأكون قصاد الفندق
عضت على شفتيها في قلق ، وأسندت كفها على كتفها الأيمن ، وهتفت محذرة :
-أوكي .. حاول تتجنب مهاب ، مش عاوزة قلق في الفرح بليز !

تقوس فمه في تهكم ، ثم نفخ في ضيق وأردف قائلاً :
-اطمني يا ناريمان ، إحنا جايين نفرح النهاردة
لاحظت ناريمان إنصراف العروسين من المركز ، فأكملت على عجالة ب :
-أما نشوف .. باي دلوقتي لأنهم خلاص هيركبوا العربية
زفر في إنزعاج ، ومن ثم أجابها بفتور :
-ماشي .. باي !
أضاءت الإشارة باللون الأخضر ، فتحرك ممدوح بالسيارة للأمام ، وحدث نفسه بتبرم قائلاً :
-مش أنا اللي يتخاف مني يا ناريمان !

في قصر عائلة الجندي ،،،
دلف أوس إلى غرفته بعد أن أعطى أوامره للحرس الخارجي بالإنتباه جيداً ، وتنظيف سيارته ريثما يستعد هو للخروج ..
فتح خزانة ملابسه ، وإنتقى تلك الحِلة السوداء المميزة والتي إشتراها خصيصاً لتلك الليلة الفريدة ..
ليس من أجل عرس أخته على رفيقه المقرب ، بل من أجل زواجه ممن عاهد نفسه على تحطيمها ...

أسند الحلة على طرف الفراش ، ثم نزع قميصه وألقاه دون إكتراث على الأرضية ، ليقف عاري الصدر مشعلاً لسيجارته الفاخرة وهو يعتريه شعور غريب ..
نفث دخان السيجارة بتلذذ وهو ينظر لنفسه بزهو في المرآة ، ثم أردف قائلاً بغرور :
-ماتخلقش لسه اللي يقف قصادك يا أوس الجندي !
احتفظ بالسيجار في فمه ، ثم سار في إتجاه المرحاض ، وولج داخله ليغتسل ..

بعد برهة من الوقت كان أوس الجندي مستعداً في سيارته الفارهة ..
ضغط على بوق السيارة ليفتح له الحرس البوابة الحديدية للقصر لينطلق بها في إتجاه الفندق أولاً ..
وضع أوس سماعة الهاتف على أذنه وهو يتحدث بصرامة ب :
-ساعة زمن بالكتير وتكون عندي بالشهود في العنوان ده
مط شفتيه وأصغى بإنتباه للطرف الأخر قبل أن يقاطعه بحزم قائلاً :
-هتلاقي اللي يفتحلك ، سلام !
ثم نزع السماعة وألقى بها على التابلوه ، ومن ثم أدار عجلة القيادة في الإتجاه العكسي ، وإنطلق في وجهته ، وحدث نفسه بغرور قائلاً :
-كله هايخلص الليلة !

بداخل ردهة الفندق الشهير ،،،
وصل العروسان إلى بهو الفندق الفاخر و المزدان بالأضواء البيضاء ..
وتعالت الزغاريد المباركة لهما ، وتوالت التهنئات عليهما من المنتظرين حضورهما ..
وقف مهاب على أول الدرج ينتظر صعود إبنته إليه حتى يسلمها إلى عريسها كتقليد معروف ..
لم يبدْ على وجهه الفرحة الحقيقية ، بل رسم قناع مزيف عليه لينتهي من تلك الليلة بأقل الخسائر ؛ فالفضيحة ستوصم عائلته بالكامل ، وتزويجها من عدي سيحول دون هذا ..

لقد كانت ملامح ليان مقاربة بدرجة غريبة إلى تهاني.. لم يتصور أن تجعل مساحيق التجميل الشبه بينهما جليا إلى تلك الدرجة.. لم تشبه زوجته ناريمان في شيء، بل كانت نسخة مصغرة عن زوجته الأولى ..
إبتلع مهاب ريقه بتوتر وهو يتذكر ليلة عرسه بتهاني ..
رغم بعد الزمان والمكان ، إلا أن الشبه كان قريباً ..
وما زاد من توتره حقاً هو رؤيته لممدوح يمرق بين الحضور ..
وقف متصلباً بجسده ، واضعاً يديه في جيبي بنطال حلته ، ولم يكف عن حدجه بتلك النظرات التي لم ينساها ..
نعم نظرات تجعل حقيقته عارية أمام الجميع ...

تراقصت الفرحة في عيني تهاني وهي تزف إليه بفستانها الأبيض البسيط ، ثم أمسكت بكفه بيد مرتعشة ، وهتفت متحمسة :
-أنا مش مصدقة ، إحنا خلاص إتجوزنا يا حبيبي ، وهايتقفل علينا باب واحد
أدارها مهاب حول نفسها لترتسم السعادة أكثر على محياها ، ثم إحتضن وجهها بكفيه ، وقرب رأسها منه ، وهمس لها بسعادة زائفة :
-مبروك يا حبيبتي.

تنهدت في شوق وهي تنظر له بنظرات رومانسية قائلة :
-يا رب تدوم فرحتنا للأبد .. وربنا يقدرني وأسعدك
بادلتها إبتسامة هادئة وهو يجيبها بإيجاز ب :
-أمين
ثم رأى ممدوح يلوح له بذراعه من بعيد ، وهو يرمقه بنظرات لئيمة ، فتبدل وجهه للعبوس ، وأردف بتوتر ملحوظ
-آآ.. .. ثواني بس يا تهاني
قطبت جبينها في إستغراب ، ونظرت له بفضول متسائلة بحيرة :
-رايح فين ؟

تنحنح بخشونة وهو يجيبها بإرتباك ب :
-هاسلم على المعازيم وراجعلك تاني
إبتسمت له بخجل ، ثم همست وهي تغمز له ب :
-طيب ماتتأخرش عليا ، هاه ؟
-ماشي .. ماشي
قالها مهاب وهو يسير بخطوات مسرعة في اتجاه ممدوح الذي أولاه ظهره ....

تلفت مهاب حوله بريبة وهي ينادي على رفيقه ب :
-ممدوح ، إستنى !
زفر ممدوح في إنزعاج وهو يركل بيده الأرض ، ثم قال بسخط :
-عاوز إيه ؟
لكزه في ذراعه ، وسأله بإستفهام :
-ايه يا بني ، مالك ؟
أجابه بإقتضاب وهو يحيد ببصره بعيداً :
-مافيش
نفخ مهاب في ضيق زائف ، ثم أردف بنبرة حادة ب :
-إنت عاوز تعكنن عليا ليلة فرحي !!
نظر له بإحتقان وهو يرد عليه بسخط :
-أنا برضوه ؟

لم يعرف مهاب ما الذي يدور في خلد رفيقه ، ولكن حالة الإنزعاج البادية عليه تشير إلى وجود خطب ما ، لذلك سأله مجدداً بفضول ب :
-أومال مالك بس ؟
عبس ممدوح بوجهه ، وأجابه بتذمر :
-مافيش ، إنت مش بتعمل اللي عاوزه ، وخلاص اتجوزت
إبتسم له مهاب إبتسامة مراوغة ، وأجابه بمكر وهو يغمز له ب :
-لو ده اللي مضايقك ، فماتقلقش ، كل حاجة هاتمشي زي ما هي ، إحنا مع بعض في سهراتنا وآآآ.... وإنت فاهم بقى.

لمح ممدوح تهاني وهي تأتي من بعيد وممسكة بطرفي فستانها ، ففكر أن يستغل الفرصة ويكشف دون أي مجهود منه حقيقة مهاب الغائبة لها ..
تأكد هو من أنها على مسافة قريبة منهما لتتمكن من سماعهما بوضوح ..
وعقد حاجبيه ، وحدق مباشرة في عيني رفيقه ، وسأله بجمود :
-وتهاني ؟
تنهد مهاب في إنهاك ، ثم دعك فروة رأسه وهو يرد عليه ببرود قائلاً :
-تهاني دي عشان اكمل الصورة الإجتماعية ، دكتور ومتجوز ، عنده عيلة ، ومستقر ، لكن لا هي من مستوايا ، ولا أصلاً تليق بيا.

إدعى ممدوح الإندهاش ليكمل تمثيليته السخيفة ، وسأله بإستغراب ب :
-طب وإتجوزتها ليه ؟ ماكان عندك ألف واحدة غيرها
رد عليه بثقة وهو يلوي فمه قائلاً :
-لأنها الوحيدة اللي هاتخاف إن بيتها يتخرب ، يعني زي ما بيقولوا بالبلدي هترضى بالمقسوم ، وهاتحط جزمة في بؤها وتسكت عن أي حاجة تشوفها ..!
لم تصدق تهاني أذنيها وهي تستمع إلى كلمات مهاب الصادمة .. فقد أرادت اللحاق به لتخبره بوصول السيارة الخاصة بهما ، ولكنها لم تتوقع أن تعرف الحقيقة في ليلة عمرها المميزة ..

نعم ... في لحظة واحدة إنهار كل شيء ، تحطمت أحلامها ، إنكسر قلبها ، وأفاقت من حبها على ذلك الواقع المرير
هي تلك الفقيرة المتفوقة التي سافرت في بعثة تعليمية بإحدى الدول العربية لتلتقي بهذا الطبيب الثري الشاب الذي خطف قلبها ، وآسر عقلها ، ومهد لها كل الأمور ، وذلل لها الصعاب ، لتظن أنها ستتوج حبها بالزواج ، ولكن الحقيقة أقسى بكثير ....
إستدار مهاب برأسه بعد أن رأى نظرات الذعر في مقلتي رفيقه ممدوح ، فوجدها تقف مصدومة من خلفه ، فعاود النظر إليه بقلق شديد .. فأكمل ممدوح ردة فعله الزائفة ب :
-ت.. تهاني !

إنتحبت هي بأنين مكتوم وهي تسأله بصدمة :-
-ليه ؟ ليه عملت كده .. ليه ؟؟؟؟
لم يجبها وقتها ، بل إكتفى بالصمت ومراقبة عبراتها الساخنة وهي تنهمر على وجنتيها ..
نعم لم ينس تلك النظرة المعاتبة في عينيها .. نظرة الأسف الممزوجة بالندم على حب بريء أعطته لمن لا يستحق

أفاق مهاب من شروده على صوت الدفوف العالية والمزامير الصاخبة ، فسعل مدعياً وجود شيء ما قد علق بحلقه ، ثم رسم إبتسامة زائفة على وجهه ، وأردف قائلاً بنبرة هادئة :
-يالا يا بنتي
إبتسمت له بخجل مصطنع ، وتأبطت في ذراعه واستعدت للنزول من على الدرج ..

وقف عدي في الأسفل وهو ينظر إلى عروسه بنظرات مترقبة .. ماهي إلا بضع ساعات حتى ينغلق عليهما باباً واحداً ، وتصبح زوجته ، وتعرف مصيرها معه ...
وصل مهاب بليان إلى نهاية الدرج حيث مد عدي يده ، وأمسك بكفها الرقيق ، وأردف بصوت رخيم قائلاً :
-شكراً يا عمي ، ماتقلقش عليها ، أنا هأعوضها عن اللي فات
هز رأسه في إمتنان ، ثم تابع قائلاً بإيجاز :
-تمام ..

حاوطت الفرقة الموسيقية كلا العروسين ، وبدأت تعزف أشهر الأغاني الطربية ، وهما يتمايلان بخفة مدعيان الفرحة ..
ولج أوس إلى داخل الردهة وهو متأنق بشكل أثار إعجاب الحاضرات اللاتي همسن بإنبهار وهن ينظرن إليه بتلهف ..
نظر هو إلى الإثنين بنظرات ممتعضة .. فأكثر ما يزعجه أنه يعلم حقيقة رفيقه ، وفضيحة أخته .. وكلاهما إتفقا على إكمال تلك التمثيلية السخيفة من أجل الحفاظ على مظهرهما الإجتماعي ..

تابعتهم ناريمان بنظرات مترقبة ، فوجود أوس يثير إضطرابها ..
فأشاحت بوجهها بعيداً عنه ، وأخذت تتفرس في أوجه الحاضرين محاولة بث الإطمئنان في نفسها المتوترة .. فمصير إبنتها محتوم على إتمام تلك الزيجة وإعلانها أمام الحضور ..
هي تخشى أن يحدث مفاجأة ما تقلب الأمور رأساً على عقب ..
نعم ، تخشى أن يتهور أوس ويتسبب في إحداث فضيحة للعائلة ...
كانت ضربات قلبها غير منتظمة ، وتتلفت بين الحين والأخر حولها لتتأكد من وجوده ..

هي تخاف من ردود فعله الغير متوقعة ، فبالرغم منه أنه لم يهتم يوماً بأخته ، إلا أنها قلقة من حدوث العكس خاصة الليلة ، وأمام هذا الحشد الكبير ، فهو من يفاجئها دوماً بما لا تتوقعه ، كذلك هو لا يعرْ أي أحد الإهتمام ، ويفعل ما يحلو له دون إكتراث بالنتائج ..
عاتبت نفسها لأنها هي الأخرى لم تولي ليان الرعاية الكافية رغم ما فعله مهاب لتصبح إبنتها .. ولكنها ظنت بتزويجها أنها تصلح ذاك الخطأ الجسيم ..
وقف ممدوح إلى جوارها ، ووضع يده على كتفها ، فإنتبهت له ، ونظرت له بتمعن وهي تهتف بثقة ب :
-كل حاجة تمت زي ما احنا عاوزين.

رمقها بنظرات إستهجان وهو يلوي فمه في تهكم قائلاً:
-لأ قصدك زي ما إنتي عاوزة
تجهمت تعابيرها ، ونظرت له بحنق ، ثم صاحت بضيق وهي تشير بإصبعها :
-قصدك إيه ممدوح ؟ كنت عاوزني أسيب الدنيا تخرب من غير ما أتصرف وأصلحها
قاطعها بصوت جاف ، ونظرات باردة ب :
-إنتي عارفة كويسة الحقيقة ، بس دي لو كانت بنتي ، مكونتش هاسمح إنه يحصلها ده من الأول أصلاً.

إبتلعت ريقها في توتر جلي ، فقد كانت تخشى أن يكون قد عرف حقيقة نسب ليان .. وتلميحاته هذه لبث الرعب في نفسها ..
حاولت أن تبدو صلبة أمامه ، ولكنها كانت في قمة إضطرابها ..
كل شيء على وشك الإنهيار ما لم تسيطر هي على زمام الأمور
نعم هي مدركة أنها وافق دون تردد على إتمام تلك الزيجة للحفاظ على صورة عائلتها الإجتماعية أمام الجميع .. وتجنب الفضيحة العامة التي ستؤثر بالسلب على سمعة العائلة ..

حاولت ناريمان أن تبرر موقفها قائلة بإستعطاف :
-بس أنا كنت ..آآآ.....
قاطعهما مهاب بصوته المحتد قائلاً :
-مبروك
إلتفت كلاهما إلى الخلف ليجداه ينظر إليهما بنظرات نارية قبل أن يكمل بإمتعاض :
-خلصتوا ولا أسيبكم تكملوا
إرتبكت ناريمان ، وتوترت أعصابها ، وبدأت أصابعها ترتجف لا إرادياً .. في حين إنتفخ صدر ممدوح بالغرور الزائد ، وأجابه بنبرة متغطرسة قائلاً :
-أوعى تقولي إنك غيران من مراتك عليا .. ماتنساش إن احنا دايماً بينا شيء مشترك.

تحولت مقلتيه لجمرتين صغيرتين متقدتان بنيران محتدة ، ثم هتف محذراً :
-ممدوح ، لم نفسك ، ولا إنت جاي تبوظ الدنيا في فرح بنتي
لوى فمه في تهكم ، ثم أردف ساخطاً ب :
-وهو أنا أقدر .. ما هي بنتي برضوه ..!
تبادل كلاً من مهاب وناريمان نظرات غريبة وخائفة .. فالأول تملكه الرعب من أن يكون رفيقه قد إكتشف حقيقة الأمر برمته ، والثانية تخشى أن تحدث الفضيحة وينهار كل شيء في لحظة وتنكشف جرائمها للجميع ..

تعجب ممدوح من حالهما الغير مفهوم .. وسألهما بإستغراب قائلاً :
-مالكم ؟ بتبصوا لبعض كده ليه ؟ هو أنا قولت حاجة غريبة ؟
ثم نفخ في إنزعاج ، وتابع بضيق :
-ما هي لو كانت بناتي عايشة كان زمانهم في سن ليان ، ولا .. ولا أنا غلطان ؟!!!!
ساد صمت غريب في الأجواء .. واستمر تبادل النظرات المريبة بين الجميع ..

جف حلق ناريمان وهي تنظر بصدمة إليه ، ولم تعرف بماذا تجيبه ، فعقلها بات مشتتاً بسبب تلك الضغوط الرهيبة التي لم تعدْ تستطيع تحملها ..
في حين تدارك مهاب الأمر سريعاً بعد أن وجد حالة التخبط المسيطرة على زوجته ،فهتف بصوت محتقن ب :
-أظن إن إنت مش غريب يا ممدوح ، اعتبره فرحك ، وأنا هاخد ناريمان ونسلم على الضيوف
ثم قبض على ذراعها ، وسار بها مبتعداً عن رفيقه الذي نظر لهما بريبة ، وحدث نفسه مستغرباً ب :
-في حاجة غلط ، تصرفاتهم مش مريحاني !!!

إستدار ممدوح برأسه للجانب ليجد أوس عاقداً ساعديه أمام صدره ، ويقف بشموخ عجيب .. فنظر له الأخير بنظرات إحتقار ، فإستشاط ممدوح غضباً ، وأراد أن يثير إستفزازه ، فأردف لنفسه بسخط قائلاً :
-جتلي في ملعبي
تحرك ممدوح في إتجاه أوس ، ولم يحيد بنظراته الحادة عنه ، ثم هتف عالياً بنبرة مستفزة :
-حبيبي .. مش هاتسلم على عمك
رمقه أوس بنظرات أكثر شراسة ، ثم أجابه بنبرة مهينة :
-مش عاوز أوسخ إيدي بأمثالك
هز رأسه في معاتبة مصطنعة ، وأردف متهكماً :
-تؤ .. تؤ .. وده يصح برضوه تتكلم كده مع عمك ممدوح ، إش حال مكونتش مربيك على إيدي ..

ثم غمز له بطرف عينه وهو يتابع بلؤم :
-ولا .. آآ.. نسيت
للحظة مر ببال أوس مقتطفات مما حدث معه في طفولته البعيدة ، وكيف أُسيء إليه بطريقة مهينة لم يعرف عنها أي أحد .. فإزدادت نبضات عروقه الغاضبة في عنقه ، وتسارعت دقات قلبه الحانقة ، وتلون وجهه بحمرة الغضب ..
قاوم أوس رغبته في سفك دم ذلك الحقير ، وأجابه بنزق :
-بعيد عنك كانت تربية وسخة ماتستهلش إني أفتكرها أصلاً.

لوى ممدوح فمه في إستنكار وهو يعاتبه ب :
-طب قول كلام غير ده ، ده هي اللي عملتلك بني آدم وراجل
توهجت عيناه بالشرر وهو يصرخ فيه بإنفعال قائلاً :
-أنا راجل غصب عنك وآآآ..
قاطعه ممدوح ببرود مستفز وهو يربت على كتفه :
-بالراحة بس ليطقلك عرق ، ما أنا عارف إنك راجل ، وشايف رجولتك على .. على إيدي
كان أوس قاب قوسين أو أدنى من الفتك به ، فكانت نظراته النارية خير دليل على هذا ..

بذل مجهوداً ليتحكم في أعصابه ، وكز على أسنانه وهو ينطق بشراسة ب :
-وأنا ممكن أمحي رجولتك برضوه على إيدي !!!!
زم ثغره في سخرية ، وأردف ببرود أكثر :
-مممممم.. شيء عظيم ، أنا واثق من ده ، ما أنت طالع لأبوك في الحاجات دي .. مش لأمك.

لم يتحمل أوس كلمة أخرى منه ، فهجم عليه ، وأمسك به من تلابيبه ، ثم قربه منه وهزه بعنف وهو ينطق بإهتياج :
-اخرس ، ورحمة الغاليين لأدفنك السعادي هنا ، ومش هاعمل إعتبار لحد !!!
تابعتهما نظرات بعض المحيطين بتوجس شديد ، وسمع كلاهما شهقات من جميلات العرس المتواجدات على مقربة منهما ، ولكن تدخل أفراد الأمن سريعاً للحول دون تطور الأمر ، فبادر أحدهم بنبرة رسمية ب :
-في مشكلة يا فندم ؟

ظل الإثنين محدقين ببعضهما البعض بتلك النظرات المميتة والتي تحمل الكثير من البغض والكره
ولم يكف أفراد الأمن عن التوسل إليهما بهدوء مترقب لينفصلا عن بعضهما ..
تهامس البعض عما يحدث .. وتجمع أخرون على مسافة قريبة لمتابعة ما يحدث ..
لاحظ ممدوح أنهما أصبحا محط أنظار الجميع ، فأزاح قبضتي أوس بصعوبة تامة عن ياقته وهو يتصنع الهدوء ، ورغم هذا ظل محدقاً به بنظراته الطويلة المستفزة للأعصاب ، وأجاب فرد الأمن بتريث ب :
-لا مافيش ، ده احنا بس بندردش مع بعض شوية.

وزع فرد الأمن الأخر نظراته بين الإثنين ، وطلب منه بصوت هاديء :
-طب يا فندم آآآ...
قاطعه ممدوح مجدداً بصوت خشن وهو يشير بكف يده لفرد الأمن :
-شششش ، مافيش داعي تقول حاجة
ثم سلط أنظاره الحانقة على أوس ، وأكمل بإبتسامة سخيفة على محياه ب :
-فرصة سعيدة يا .. يا أوس.

حدجه أوس بنظراته الإحتقارية والمخيفة وهو يحذره بصرامة ب :
-أحسنلك ماتقفش في وشي بدل ما تندم
مط شفتيه في إستهزاء وهو يجيبه ب :
-وماله ، الحذر مطلوب
ثم ربت ممدوح على كتفه ، وأكمل ساخراً وهو يرمقه بنظرات باردة :
-أقولك على حاجة أنا هاسلم على اختك وصاحبك .. أصلهم لايقين على بعض .. شكلهم كيوت !!!

وهز حاجبيه في إستخفاف ، وإستدار بجسده متجهاً إلى الرواق المؤدي لقاعة الأفراح الداخلية ...
تابعه أوس بنظرات مشتعلة ، وسبه بحنق قائلاً :
-إولع يا بن ال **** !
ثم إلتفت للخلف ليبتعد عن الردهة وهو يتمتم بتوعد له .. ولكنه إصطدم بعمه سامي الذي حدجه بنظرات محتقنة وهو يهتف ب :
-مش تاخد بالك يا إبن مهاب
-أنا واخد بالي يا عمي كويس .. بص إنت قدامك بدل ما تقع تاني
-مش هافوت اللي عملته فيا يا أوس ، مش هافوته
-بدل ما تفوته ، اتعلم ماتقفش قدام الأقوى منك
احتقن وجهه بدماء غاضبة ، ورد عليه بنبرة محتدة ب :
-إنت آآآ..

قاطعه أوس بإستخفاف وهو يضع ذراعه حول كتفه ، ثم أجبره على الإستدارة ناحية أحد المصورين ، وتابع بسخرية مستفزة وهو يشير له بعينيه :
-اضحك يا عمي .. عشان وشك ينور
وهنا صدح فلاش الكاميرا ، فأشار المصور بإصبعه بعلامة الإعجاب بعد أن إلتقط صورة تجمعهما سوياً ليبعد أوس ذراعه عنه ، ويكمل بإستخفاف :
-اطلع كل جاتوه ، ده في أوبن بوفيه فوق ، أصل بلغني انك مش لاقي تاكل!

توهجت عيني سامي عقب تلك العبارة الأخيرة ، فمط أوس شفتيه للأمام وأرسل له قبلة في الهواء مكملاً وصلة إهانته ثم تركه وإنصرف ناحية مدخل الفندق ...
إكتسى وجهه بحمرة الغضب ، وصرخت عيناه متوعدة وهو ينطق من بين أسنانه بعنف :
-والله لأوريك يا أوس .. ومش هاسيب حقي !!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،
بدأت تقى تستعيد وعيها ، وسعلت بصوت قوي وهي تفتح عينيها ببطء ..
تنفست المدبرة عفاف الصعداء وهي تراها قد أفاقت مجدداً ، ثم شهقت بفرحة :
-الحمدلله إنك بخير ، أنا كنت هاموت من القلق عليكي يا بنتي
لقد مرت ساعات وتقى فاقدة للوعي ، تهزيء أحياناً ، وتتشنج في أحيانٍ أخرى .. مما استرعى قلق عفاف عليها .. فحينما رأتها تفيق تملكتها الفرحة ..
نظرت إليها تقى بنظرات زائغة وهي تردد بضعف ب :
-أنا .. أنا فين ؟

مسحت عفاف على وجه تقى بحنو زائد ، ونظرت لها بإشفاق .. هي تود طمأنتها ، ولكنها تخشى أن تسوء حالتها ، لذا حاولت أن تبدو حذرة وهي تجيبها بصوت أموي :
-إنتي معايا يا بنتي ، متخافيش
رفعت تقى كفها لتمسح تلك العبرات العالقة بأهدابها ، فرأت الإبرة المغروسة فيه ، فضيقت عينيها في خوف ، وتسائلت بتوجس :
-هو .. هو ايه اللي حصل ؟
نظرت لها عفاف بريبة ، وردت عليها بتلعثم قائلة :
-إحم .. آآ.. إنتي تعبتي شوية وآآ..

تذكرت تقى أين هي الآن .. إنها بمنزله ذلك البغيض ، ولكنها في غرفة أخرى .. الغرفة الأكبر حجماً .. وترتدي ملابساً أخرى ..
أمعنت النظر إلى حالها ، فوجدت نفسها ترتدي فستاناً مكشوف الصدر وعاري الكتفين من اللون الأبيض ..
تحسست صدرها بكف يدها المرتجف ، وشعرت بإرتعاشة رهيبة تجتاح جسدها الهزيل ..
حاولت أن تنفي عن عقلها فكرة أن يكون ما ترتديه هو فستان العرس ..
ولكن فضولها دفعها لإزاحة الملاءة عن جسدها لتتحول شكوكها إلى أمر حقيقي وواقع ملموس ..

شحب لون وجهها حينما رأت نفسها في فستان العرس .. فبدأت أنفاسها تتسارع ، وإضطربت ضربات قلبها ، ثم نظرت حولها بذعر .. وصرخت مستغيثة بخوف جلي :
-خرجوني من هنا ، أنا عاوزة أمشي
أمسكت بها عفاف من ذراعيها وحاولت تثبيتها في الفراش وهي تهتف بتوتر :
-إهدي يا تقى ، مافيش حاجة حصلت
قاومتها الأخيرة بكل قوتها ، ولكنها لم تكن كافية لتتمكن من الإفلات من حصارها ، فصاحت بتشنج :
-أنا مش عاوزة أقعد هنا ، هايدبحني لو فضلت موجودة.

إحتضنتها عفاف بذراعيها ، وأسندت رأسها على صدرها ، ومسحت بيدها على رأسها وظهرها في حنو ، وتابعت بصوت دافيء :
-إهدي يا بنتي ، أنا معاكي
أرجعت تقى رأسها للخلف لتنظر لها بعينيها الباكيتين قائلة بتوسل :
-إنتي مش فاهمة حاجة ، هو مش هايسبني أبداً
أحتضنتها عفاف بعاطفة أقوى ، وأشفقت على حالها ، وأردفت بصوت هاديء رغم تأثره ب :
-شششش .. متخافيش .. أنا من هنا.

تشنجت تقى أكثر ، وتعالت شهقاتها وهي تتوسل لها ببكاء حار ب :
-مشيني من هنا ، أنا .. أنا عارفة إنك طيبة وهتساعديني صح ؟ عشان خاطري خليني أمشي من هنا ، أنا.. أنا هاهرب ومحدش هايشوفني آآآ...
قاطعها صوت رجولي صارم ومتعصب قائلاً :
-مش أنا قايلك مش هاتعرفي تهربي مني ، إنتي ليا وبس...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث عشر

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
نجح المسؤلين عن تجهيز القاعة في إبهار الحاضرين بمدى فخامة ورقي الديكورات المستخدمة ..
فالرواق المؤدي للقاعة تزين بالسجاد الأحمر ، وبالحواجز الذهبية التي توحي لك بأن تخطو لحفل الأوسكار وليس لحفل زفاف ..
كانت طاولات القاعة زجاجية براقة موضوع عليها مزهريات من الكريستال وممتلئة بورود بيضاء طبيعية
والمقاعد ملفوفة بأقمشة بيضاء وفضية .. وأرجلها مغلفة بشرائط من الستان ..

الجدران – ذات الطلاء البيج - معلق عليها شاشات عرض ليتمكن الحاضرين من رؤية العروسين من كافة الزوايا بوضوح تام
بالإضافة إلى ثريات مختلفة الأحجام موزعة بطريقة متناسقة على سقفية القاعة البيضاء ..
كانت كوشة العروسين مكونة من أريكة بيضاء وثيرة ، معقوفة من الجانب ، وبها مسند فضي مقوص من الجانب الأخرى ..
ومن خلفها تم وضع لوحة من الستائر الشيفون المرصعة بالفصوص الزجاجية لتعكس الأضواء عليها ..
توسط القاعة مساحة مخصصة للرقص من أرضية لامعة مثبت أسفلها مصابيح ضوئية مختلفة تحول الأرضية في لحظة إلى لوحة مضيئة بمختلف الألوان ...

بحث سامي عن أخيه مهاب وسط الحاضرين ، وبالفعل وجده يصافح أحد رجال الأعمال ، فخطى بخطوات أقرب للركض – ووجهه متصلب – نحوه ، ثم أردف بنزق وهو يحدجه بنظرات حادة :
-ينفع عمايل ابنك دي يا مهاب !!!
تنحنح مهاب في حرج ، وقال بتوتر :
-إحم .. عن اذنك شوية
ثم قبض على ذراع أخيه ، ودفعه للجانب وهو يكز على أسنانه قائلاً بحنق :
-تعالى معايا يا سامي.

وقف الإثنين في أحد أركان القاعة ، فهتف سامي بإنفعال :
-إبنك مش ناوي يجيبها لبر معايا ، وقسماً بالله لولا صلة الدم لكان زماني آآآ...
قاطعه مهاب بصوت حازم وهو يرفع كف يده أمام وجهه :
-سامي اهدى على نفسك ، إيه المطلوب دلوقتي ؟
أشار سامي بإصبعه محذراً ب :
-خلي ابنك يبعد عن طريقي بدل ماأندمه على اللي فات كله !

زفر مهاب في ضيق ، وأشاح بوجهه للجانب ، ثم تابع بغيظ :
-إنت عارف إن أنا ماليش كلمة عليه
إنفعل سامي وهو يرد قائلاً :
-ليك ولا لأ ، مش فارق معايا ، أنا بس بأحذرك يا مهاب عشان ماترجعش تقولي مانبهتنيش !!!
أدرك مهاب أن أخيه لن يعدل بالساهل عن تهديده هذا ، لذا حاول أن يبدو أمامه أنه متفهم لوضعه ، فإبتسم له بسخافة ، وأردف قائلاً بنبرة هادئة :
-اصبر بس وهنتفاهم !

هز رأسه بإعتراض جلي وهو ينطق بصرامة ب :
-لأ .. يا ترجع كل حاجة زي الأول ، يا هايشوف أوس الوش التاني مني ! وده اخر ما عندي ..!!!
ثم تركه وإنصرف خارج القاعة ، فزم مهاب ثغره في ضيق ، وحدث نفسه بسخط قائلاً :
-أووف ، يعني كنت ناقصك إنت كمان يا سامي ، ما كفاية اللي أنا فيه ..!!

بدأت أولى فقرات الحفل بعرض ناري مبهر حاز على إعجاب الحاضرين ، تبعه دخول العروسين وسط راقصات محترفات من فرقة باليه شهيرة لاقت الإستحسان .. ثم بدأت الرقصة الهادئة الخاصة بهما ..
أمسك عدي بكف ليان وضغطت عليه برفق ، ولف ذراعه الأخر حول خصرها ، ثم قربها من صدره ، فإلتصقت به ، وأسندت كفها عليه ، ونظرت له بإعجاب ..
لم يكف عن الإبتسام لها ، وهمس في أذنها قائلاً بعد أن إنحنى برأسه عليها :
-النهاردة يوم مش هايتنسي
أومأت برأسها موافقة ، ولم تحيد بعينيها اللامعتين عنه ..

جلست ناريمان على أول الطاولات الرئيسية وهي محدقة بهما ، وبين الحين والأخر تختلس النظرات إلى ممدوح الجالس على مقربة منها ..
حمدت الله في نفسها أن كل شيء يمر بسلام .. ولكن مازال عقلها متوجساً من حدوث الأسوأ
تبادل مهاب وممدوح النظرات المطولة التي تحمل الوعيد ..
فالبغض بينهما يزداد يوماً عن الأخر ، خاصة أن ممدوح لم يعد يخشى من خسارة أي شيء .. ومهاب بات يشعر بالتهديد من رفيقه الذي كان بئر أسراره ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
حدقت تقى بذعر - وجسدها يرتجف بالكامل – في أوس الذي كان يرمقها بنظراته الشرسة ..
هربت الكلمات من على شفتيها ، و تجمدت الدماء في عروقها ، بدت كالموتى في هيئتها العامة ..
إضطربت أنفاسها ، وتسارعت دقات قلبها .. وتشبثت أكثر بالمدبرة عفاف وكأنها درع يحميها من بطشه الغير متوقع ..
تفرس أوس فيها بشراهة ممتعاً عينيه القاتمتين برؤية ضعفها يزداد يوماً بعد يوم على يديه ..
فكل إرتجافة من جسدها تثيره للفتك بها .. وهَوَانها يجعله أكثر رغبة في الظفر بها والتلذذ بتعذيبها ..

كم دفع من أموال للعاهرات ليدعين الضعف أمامه ، ويمثلن الخوف الشديد منه ، واليوم ينال مبتغاه برؤيتها على تلك الحالة ..
وقفت بينهما المدبرة عفاف حائرة ، فهي لا تعرف فيما يفكر رب عملها ، وماذا ينتوي أن يفعل بتلك البريئة ..

انت صدمتها حينما هاتفها وأمرها بالحضور إلى هذا العنوان الغريب على الفور، فإمتثلت دون أي تردد لأوامره، ولكنها لا تقارن بصدمتها الرهيبة حينما رأت تقى متواجدة في هذا المنزل الغريب ..
لم تعرف كيف تتصرف حينما رأتها فاقدة للوعي ، منهكة للغاية ، قاب قوسين أو أدنى من الموت .. ولكنها لم تتركها للحظة ، وظلت جالسة إلى جوارها ..
لم يغب عن بالها لحظة أن أمرها بصوته الصادح ب :
-عاوزك تلبسيها الفستان ده.

ثم أشار بإصبعه نحو فستان موضوع في حقيبة بلاستيكية ..
نظرت هي له بخوف قائلة :
-بس هي آآ.. نايمة وآآ..
قاطعها بصرامة وعينيه تنطقان شرراً :
-أنا مش بأطلب ، أنا بأمر !
هزت رأسها موافقة وهي تجيبه بخفوت :
-حاضر يا باشا
وبالفعل نزعت عنها ملابسها ، ولبستها ذلك الفستان الأبيض وقلبها ينبض حسرة عليها ..
ثم ظلت جالسة إلى جوارها ترعاها حتى إستردت وعيها ..

وفي تلك اللحظة تحديداً أدركت المدبرة عفاف حجم الخطر المحدق بهذه الفتاة البسيطة ..
عقد أوس ساعديه أمام صدره ، وإستند بجسده على باب الغرفة ، وثنى ساقه للأمام ثم تسائل بسخرية ب :
-قوليلي ناوية تهربي مني إزاي ؟
نظرت بخوف له ، وحولت عينيها نحو المدبرة عفاف مستغيثة بها ، فإبتلعت الأخيرة ريقها في توتر ملحوظ ، وأردفت بصوت متقطع ب :
-آآ.. دي .. يا باشا آآآ ...
قاطعها هو بصوته الأمر والمتصلب ب :
-اسكتي !

ثم تابع بنفس اللهجة الآمرة قائلاً وهو يشير بإصبعه للخلف :
-إطلعي برا
إنتفضت عفاف في مكانها رهبةً منه ، وهزت رأسها عدة مرات بتوتر معلنة إمتثالها لأوامره ..
قبضت تقى على ذراعي المدبرة عفاف أكثر ، وهمست لها بإستعطاف جلي قائلة :
-ماتسبنيش لوحدي معاه
أرخى أوس ساعديه ، وإعتدل في وقفته ، وحدج عفاف بنظرات قاتلة ، ثم هتف بنبرة مخيفة ب :
-سمعتي اللي أنا قولته
نظرت عفاف إلى تلك البريئة بأسف جلي ، ثم أردفت بصوت حزين وهي تنظر لها بعجز:
-أنا أسفة يا بنتي
هزت تقى رأسها برفض تام ، وتمسكت بها أكثر وهتفت بصوت مبحوح ومختنق :
-لألألأ .. ماتمشيش !

صدح بصوته الجهوري مرعباً كلتاهما ب :
-عفاف ، خدي حاجتك واطلعي برا مش هاكرر كلامي تاني
إبتلعت ريقها في ذعر ، وأجابته وهي مطرقة الرأس :
-حاضر يا أوس باشا
جاهدت عفاف لتسحب ذراعيها من قبضتي المذعورة تقى التي بكت متوسلة إياها أن تظل معها ..
ولكنها توسلت لها بتلعثم وخوف :
-ماينفعش يا بنتي .. ما.. ماينفعش !

إنسلت هي من بين قبضتيها ، وأسرعت في خطاها نحو باب الغرفة الواقف بجواره أوس ..
ودت لو إستطاعت إقناعه بتركها لشأنها ، ولكن هي مثلها لا حول لها ولا قوة ..
مرت من أمامه بخطوات أقرب إلى الركض ، وحانت منها إلتفاتة للخلف لترى تقى متسمرة في مكانها على الفراش ، جسدها يرتجف أكثر .. وعينيها الحمراوتين تنطقان عن كم الفزع الذي تعانيه معه ..
أشفقت عليها ، ولكن ما بيدها أي حيلة ، فأجفلت عينيها في أسف ، وخرجت من الغرفة ..

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير ،،،
تجمعت جميلات الحفل حول العروس وبدأن بالتباري في الرقص معها على أنغام عدد من المطربين المعروفين الذين لم يتأخروا عن تلبية الدعوة ..
كما إلتف بعض الشباب حول عدي ، ورقصوا معه ليضيفوا جواً من الحماسة على الأجواء ..
وتسابق المصورين في تغطية تفاصيل هذا الحفل المبهر ..

تجولت ناريمان بين الحاضرين ، وهي ترسم على وجهها قناع السعادة الزائفة ، لتتلقى التهنئات والمباركات على ذلك الزواج الميمون ..
تابعها مهاب بعينين جامدتين ، ولكنه تفاجيء بممدوح يقف أمامه ، فإمتعض وجهه ، وأردف على مضض ب :
-خير يا ممدوح ، عاوز ايه ؟
سحب ممدوح المقعد المجاور له ، وجلس عليه ، وأردف ببرود قائلاً :
-ولا حاجة .. أنا لاقيتك قاعد لوحدك ، فقولت أسليك.

نظر له بإستهجان ، وأجابه بنزق :
-شكراً يا سيدي ، شوف إنت وراك إيه
هز ممدوح رأسه بإستنكار ، ونظر له ببرود وهو يرد عليه بإنزعاج زائف :
-ليه المعاملة الناشفة دي ، ده انت المفروض تكون فرحان لجوازة بنتك
إكفهر وجه مهاب ، وقطب جبينه ، وهتف بنبرة محتجة قائلاً :
-والله ده شيء يخصني
إبتسم له ممدوح إبتسامة مستفزة ، وتابع ببرود :
-هي غلطت .. بس عدي زي إبنك برضوه.

تصلبت عروق مهاب وهو يحذره بصوت قاتم ب :
-ممدوح ، مافيش داعي للكلام ده ، خلاص ده موضوع واتقفل
إزدادت إبتسامته الماجنة ، وغمز له وهو يجيبه بمكر ب :
-على رأيك .. ماهي لاقت ال ...آآ.... احم ..اللي يشيل الليلة
استشاط مهاب من الغيظ وهو يستمع إلى تلميحات رفيقه المسيئة ، فتشدق بتهكم قائلاً :
-ماهي الظاهر طالعة لأبوها ، بتعرف تسلك أمورها صح !!
نظر له الأخير بإستغراب ، فهو لم يفهم المغزى من جملته الأخيرة ، فتسائل قائلاً بفضول:
-نعم ، تقصد ايه ؟!

ارتبك مهاب وأدرك أنه كان على وشك الوقوع في خطأ جسيم بزلة لسانه تلك ، فبادر على عجالة ب :
-آآآ... متخدش في بالك !
ضاقت عيني ممدوح بحيرة واضحة ، وأسند كفه على طرف ذقنه ، ودعكه قليلاً ..
ثم أشاح بوجهه في إتجاه الشاشة العريضة المثبتة على أحد جدران القاعة حيث كانت صورة العروس ليان تملؤها ..
حدق هو بصورتها بتفرس متمعن لملامحها .. لكن كانت تعبيرات وجهها تشبه بدرجة غير معقولة تهاني في شبابها ..
نفس الإبتسامة ، نفس النظرات والإيماءات ، حتى تقوس شفتيها وهي تتحدث ..

لم يكن ممدوح قد إنتبه من قبل لهذا الشبه الغريب .. ولكن تركيز عدسات الكاميرا عليها ووضعها لمساحيق التجميل بتلك الطريقة ذكرته بها .. وجعلت قلبه ينقبض وهو يرى ذلك الشبه المقارب بينهما ...
حدث نفسه بعد تفكير مرهق قائلاً :
-لازم أشوف الصور القديمة ، استحالة يكون الشبه قريب للدرجادي
راقبه مهاب وهو محدق بغرابة إلى الشاشة ، فتوترت ملامحه ، وإزداد إرتباكاً ..
فكر سريعاً في أن يصرف إنتباهه عنها ، فصاح بصوت مرتفع قائلاً بإرتباك :
-مقولتليش انت .. انت هاتفتح معملك امتى ؟

حاد هو بعينيه بعيداً عن الشاشه ، ورمقه بإندهاش معلقاً ب :
-ياه ، انت بجد مهتم إنك تعرف ، غريبة !
سأله مهاب بهدوء مصطنع ب :
-مستغرب ليه ؟
زم ممدوح ثغره في عدم إقتناع ، وأجابه بجفاء :
-يعني فجأة كده بتسأل
هز كتفيه في عدم مبالاة وهو يرد عليه قائلاً :
-عادي كنت مشغول.

لم يقتنع ممدوح بحجته الزائفة ، فأردف بإستهزاء :
-مممم ، ده أنا بقالي فترة هنا .. !
ابتلع مهاب ريقه ، وعدل من وضعية سترته ، وتشدق ب :
-أصل أنا آآآآ... يعني آآ..
قاطعه ممدوح بصوت حاسم قائلاً :
-مافيش داعي إنك تبرر ، لأني مش مصدقك من الأساس .. ده أنا عاجنك وخابزك يا ... يا مهاب !!!
رمقه مهاب بنظراته المنزعجة ، ثم نهض عن المقعد وقال بضجر :
-أقولك ، أنا هاسلم على المعازيم أحسن
تقوس فمه في عدم مبالاة ، وأجابه ببرود ب :
-وماله
ثم إستدار ناحية شاشة العرض ، وأخرج هاتفه المحمول وقام بإلتقاط صورة مكبرة للعروس ليان ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
زاغت عيني تقى وهي ترى جلادها يقف بجبروته معتداً بنفسه أمامها ..
لم ترمش بعينيها خوفا منه.. ولكنها كانت ترتجف بشدة.. ضمت ذراعيها إلى صدرها محاولة تغطيته، ولكن تلك البرودة الرهيبة التي تجتاحها جعلت أسنانها تصطك ببعضها البعض ..
نعم فهي صارت بمفردها معه في تلك الغرفة الكئيبة ، ولا يوجد ما يحميها منه .. فرعبها منه هو أمر بديهي ..
فهي في قمة ضعفها ، وهو في قمة قسوته ..

لقد أيقنت أن فرصة نجاتها من براثنه تكاد تكون منعدمة ..
تمطع أوس بذراعيه في تفاخر ، ثم وضع كفيه في جيبي بنطاله ، وتحرك خطوة للأمام ..
لم يحدْ للحظة بنظراته القوية عنها ..
إرتعشت وهي تراه مقبل نحوها ..

نظرت حولها بريبة محاولة البحث عن شيء تستخدمه للدفاع عن نفسها في حال اقترابه الشديد منها
لكن لا شيء سوى آثار تلك الإبرة الطبية المغروزة في كفها ..
تحسستها بأصابع مرتجفة ، وعضت على شفتها السفلى وهي تنتزعها لعلها تكون وسيلة حمايتها ..
رأها أوس وهي تقبض على الإبرة وترفعها بيدها المرتجفة أمامه ، فعقد حاجبيه للأعلى ، ومط شفتيه بإندهاش زائف ..

صرخت تقى محذرة بتلعثم وهي تلوح بالإبرة :
-لو قربت مني ه.. هاموت نفسي !
نظر لها أوس بإنبهار .. فرغم وهنها الشديد إلا أنها تقاوم حتى أخر نفس .. وهذا ما يزيده إثارة ورغبة فيها ...
-ارمي البتاعة دي من إيدك
-ابعد عني ، أنا ..آآآ....

قاطعها بصوت حاسم وهو يرمقها بنظراته الحادة ب :
-قولتلك لأ مش هابعد .. وكل اللي بتعمليه ده قضا !!
ثم سار بخطواته الواثقة نحوها دون أن تطرف عيناه ..
إنقبض قلبها ، وتلاحقت أنفاسها وهي تراه مقبلاً عليها كالذئب الجامح
فهددته بعينيها بغرس الإبرة فيها ..
ولكنه باغتها بقبضه على معصمها .. وجذبها نحو صدره ..

جحظت بعينيها الحمراوتين وهي ترى تلاشي المسافات بينهما .. وإستندت رغماً عنها بكفها الأخر على صدره .. فشعرت بدقات قلبه الثابتة بدرجة مخيفة ..
لم يهتز جسده للحظة واحدة .. بل كان أكثر تصلباً وجموداً ..
تعالى صدرها وهبط في ذعر ، وتلاحقت أنفاسها .. بينما إرتسمت على محياه إبتسامة لئيمة وهو ينطق من بين أسنانه بإصرار ب :
-إنتي ليا وبس ..!!!!!!!
تلونت شفتيها باللون الأزرق من الخوف ، ولم تنبس بكلمة إعتراض واحدة ..
جاهدت لتحرر معصمها من قبضته حتى تجرحه بتلك الإبرة بعد أن فشلت محاولتها في التهديد بقتل نفسها ، ولكنه تعمد أن يعتصر رسغها بأصابعه القوية لتظل أثاره محفورة عليها ..

تأوهت من الألم ، وتشنجت قسمات وجهها ، ورأى نبضات عرقها البارز من عنقها ، فتنهد في حرارة ، وهمس قائلاً :
-مش هاتفلتي مني يا تقى
حاولت أن تخلص ذراعها الأخر منه ، ولكنه كان محاصراً بين صدريهما ..
تلذذ برؤيتها تقاومه .. وبصلابة إنتزع بإصبعيه تلك الإبرة وألقاها خلف ظهره ، ثم أحاط خصرها به لتلتصق عن عمد بجسده ، ويثير فزعها ..
وبالفعل نجح في هذا ..

كانت تتلوى من الخوف في أحضانه .. وهو ينظر لها بشراهة متمتعاً برؤيتها على وشك الإنهيار ..
أخفض عينيه على شفتيها المرتعشتين - واللاتين كانتا تنطقان عن لسان حالها دون أن تتفوه بحرف - وإحترق شوقاُ لتذوق طعم الخوف عليهما ..
إنحنى برأسه عليها ، فأرجعت رأسها قدر المستطاع للخلف لتتحاشاه ، فشعر بالإطراء من حاله ، وقوس فمه وهو ينطق بثقة قائلاً :
-قدرنا واحد يا تقى .. سامعة واحد .. واستحالة نبعد عن بعض ....!!!

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير ،،،،
أعلن منسق الحفل عن وصول المأذون ومعه لفيف من الشيوخ المعروفين إعلامياً للشهود على وثيقة الزواج ..
تفرق الجميع من حول العروسين ، وتعالت الزغاريد المصحوبة بأغاني الزفاف الشهيرة ..
إبتسم عدي لليان إبتسامة سعيدة ، وهمس لها في أذنها ب :
-كلها شويو ونكون مع بعض للأبد
إبتسمت له بخجل وهي تجيبه ب:
-شور.

رفع عدي كف يدها الرقيقة ليقبله برومانسية أثارت حماس جميلات الحفل وهتفت بإعجاب .. كذلك تعالت الصافرات الشبابية ..
أوصل عدي عروسه إلى الكوشة ، ثم اتجه إلى الطاولة التي تم تخصيصها لعقد القران ..
جلست ليان على " الكوشة " وبجوارها جايدا ومن حولهما جميلات الحفل .. وبدأن بالغمز واللمز عن رومانسية العريس ومدى وسامته ..
نظرت إليهن ليان بزوايا عينيها وشرت بالغبطة بداخل نفسها ..

فهي ربما تكون ظفرت بمن يعوضها عن الحنان الغائب في حياتها ، ويمحي عن ذاكرتها الخيبة التي وقعت بها ..
وقفت ناريمان على مقربة من الكوشة وحولها سيدات المجتمع المخملي يتهامسن في إعجاب عن روعة تنظيم الحفل ، وجمال التصميمات ..
هزت رأسها مشاركة إياهن في الحديث ، ولكن عينيها لم تتوقفان للحظة عن النظر إلى زوجها وعشيقها ..
كلاهما جلسا متلاصقين على نفس الطاولة في تحدٍ سافر لبعضهما البعض ، بينما جلس قبالتهما عدي وفي المنتصف المأذون ..
بدأ الأخير كلامه بصوت رخيم وثابت ب :
-بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين و..آآ..........!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
أرخى أوس قبضته عن معصم تقى ، وأطبق على فكها ، ورفع وجهها نحوه بعد أن قربه إليه .. وأردف بتهكم قائلاً :
-مش يالا يا عروسة
اتسعت مقليتها أكثر في رعب ، وحاولت أن تنطق ب :
-هاه .. آآ..
تلوى فمه بمكر وهو يرى إنتصاره يتراقص في عينيها ، فتابع بجموح قائلاً :
-إحنا إتأخرنا على الناس اللي برا ..!

لم تفهم هي ما الذي يرمي إليه بعبارته الأخيرة تلك ، ولكن النظرات الشيطانية المنبعثة من عينيه كانتا كافيتين لتفهم مقصده ..
فغرت شفتيها في رعب وهي تسأله بصوت لاهث ومتقطع ب :
-ن.. ناس مين ؟
وقبل أن يجيبها بصوته الآجش ، باغتها بوضع ذراعه أسفل ركبتيها ليحملها بين ذراعيه ، فشهقت في خوف ، فأردف بنبرة مشاكسة وهو يتحرك بها نحو باب الغرفة :
-المأذون يا عروسة
عجزت لوهلة عن الرد عليه من أثر الصدمة ، ونظرت له بذهول تام .. وكأنها تحاول إستيعاب ما لفظه فمه .. ولكن سريعاً ما أفاقت من صدمتها لتصرخ محتدة وهي تركل بساقيها في الهواء :
-لألألألأ ..

ضغط بقبضتيه على جسدها الهزيل فشعرت بأنها تعتصر بين ذراعيه ، ونظر لها بدناءة وهو ينطق بخسة من بين أسنانه :
-تؤ.. تؤ .. تؤ .. الرفس جاي بعدين
وإستمر في إحاطتها بذراعيه إلى أن خرج من الغرفة ، وتوجه ناحية الصالة حيث ينتظرهما المأذون والشهود...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع عشر

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
وضع عدي قبضته في قبضة مهاب ، ثم أسند المأذون قبضته عليهما ، وأردف في الميكروفون بنبرة هادئة ب :
-قال تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ".. الزواج يا سادة هو أساس بناء أسرة كريمة في المجتمع ، وله حكمه وآدابه ، واليوم بفضل الله نعقد قران إثنين من أبنائنا .. فنسأل الله لهما التوفيق ..

إلتفت المأذون برأسه نحو عدي ، وتابع بنبرته الثابتة ب :
-من فضلك ردد ورائي
إبتسم الأخير له إبتسامة هادئة وهو يجيبه بتلهف ب :
-اوكي
تنحنح المأذون بصوت خشن قائلاً :
-أنا عدي عبد الرحمن الشامي قد إستخرت الله ، واطلب منك أن تزوجني إبنتك الآنسة ليان مهاب الجندي ( البكر ) الرشيد على سنه الله ورسوله ، وعلى الصداق المسمى بيننا.

أخذ عدي نفساً عميقاً ، وزفره على عجالة ، وردد قائلاً بهدوء نسبي وهو ينظر في عيني مهاب :
-أنا عدي عبد الرحمن الشامي قد استخرت الله ، وأطلب منك أن تزوجني ابنتك ال آآ.... .. ال .. آآآ...
ثم صمت لثانية فإنتاب مهاب القلق مما يمكن أن يحدث .. هل سيغدر بهم عدي ويتسبب في فضيحة كبرى
وضعت ناريمان هي الأخرى يدها على قلبها ، ونظرت بتوجس إلى عدي .. هل حقاً سيرتكب حماقة ما ؟
شحب لون وجه ليان وهي ترى الصمت الغريب الذي ساد فجأة في القاعة ، فالكل ينتظر أن يكمل عدي جملته ..
ولكنه على العكس ظل صامتاً مما ألهب جو التوتر ..

راقبتها جايدا بإندهاش ، فهي لا تعرف ما الذي أصاب رفيقتها المقربة فجأة ليبدو وجهها كالموتى ..
تعجب ممدوح من فعلة عدي الغير متوقعة .. وتسائل بحيرة في نفسه .. لماذا لم يكمل عبارته إلى الآن ؟
ثوانٍ مرت على الجميع وكأنها دهر .. قطعها صياح شاب ما من الخلف مازحاً ب :
-ايه يا عريس نسيت الكلام ولا إيه
تعالت الضحكات في القاعة ، فخففت من حدة التوتر قليلاً .. ولكن أوجه ناريمان ومهاب وليان ظلت كما هي .. جامدة متصلبة يسودها الرعب ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي
أنزل أوس تقى على ساقيها ، وأجبرها على الجلوس على الأريكة الجانبية .. وأشار لعفاف بعينيه لتأتي إليه ، ثم أمرها بخفوت ب :
-خليكي جمبها
أومأت برأسها مطيعة إياه وهي تجيبه ب :
-حاضر يا باشا
سار هو في اتجاه الشيخ الوقور الجالس بالصالة وبجواره محامي الشركات وموظفين أخرين ..
ثم جلس قبالتهم واضعاً ساقه فوق الأخرى ، وأردف بصرامة :
-إبدأ يا شيخ !

هز الشيخ الوقور رأسه موافقاً ، ثم سعل بصوت خشن ، وشرع قائلاً :
-إن الحمد لله نحمده نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وآآآ....
قاطعه أوس بضيق واضح يحمل التهكم في نبرة صوته وهو يحدجه بنظراته الشرسة ب :
-جرى ايه يا شيخنا ، هو انت جاي تخطب خطبة الجمعة هنا
إنزعج الشيخ من أسلوب أوس الفظ معه ، فرد عليه بجدية قائلاً :
-لأ يا بني أنا بس آآ...

قاطعه مجدداً بصوت أمر وهو يشير بيده :
-اكتب يا شيخنا الكتاب ، خليني أخد راحتي مع ..
ثم سلط أنظاره الشرسة على تقى ليزيد من رعبها وهو ينطق بثقة ب :
-مع مراتي ...!!!!!
أمسكت تقى بكفي المدبرة عفاف التي ضمتها إلى صدرها محاولة الإختباء من مصيرها المزعوم ..
نظر الشيخ إلى تقى بريبة ، ثم عاود النظر إلى أوس وسأله بحذر وهو يبتلع ريقه :
-هو العروسة موافقة يا بني ؟

أنزل أوس ساقيه ، وإنحنى بجذعه للأمام ، وحدج الشيخ بنظرات شرسة وهو يسأله بغلظة :
-هتفرق معاك ؟
هز الشيخ رأسه إيجابياً وهو يرد عليه بهدوء نسبي ب :
-اه يا بني .. ده جواز ، وفيه قبول ورفض
إعتلى ثغره إبتسامة ماكرة .. ثم اعتدل في جلسته ، وحدق في تقى بنظرات دقيقة متوعدة ، وأخذ نفساً عميقاً ، وزفره على مهل مجيباً إياه بغرور زائد :
-وماله ، هو أنا برضوه هاتجوزها غصب عنها ، إسألها بنفسك يا شيخنا
إلتفت الشيخ نحو تقى ، وسألها بجدية :
-إنتي معترضة يا بنتي ؟

وزعت هي أنظارها بينه وبين المدبرة عفاف التي رمقتها بحنو ممزوج بالشفقة وإرتجفت بشدة وهي تحاول إجبار حالها على الرفض ولكن هل تستطيع تحمل عواقب قرارها هذا ..
هي تذكر وعيد أوس بتدميرها ، والإنتقام من والدتها ، وتشريد عائلتها .. وتعلم أنه قادر على فعل هذا .. يكفيها أن تنظر إلى وجهه المتصلب لتتأكد من صدق حدسها..
نظرت إلى المدبرة عفاف مجدداً محاولة البحث في عينيها عن شجاعتها الهاربة ، لكنها قرأت فيهما الندم والحسرة ..

تنهدت في يأس ، وبصوت متلعثم وخانق ويحمل الخوف أجابته
-آآ.. ل ... لأ
هز الشيخ رأسه ولم يعقب ، بل أمسك بالأوراق التي كانت بحوزته ، وبدأ يدون بها بعض الملحوظات ، ثم سألها مرة أخرى بهدوء قائلاً :
-مين وكيلك يا عروسة ؟
نظرت له بعدم فهم وهي فاغرة شفتيها المرتجفتين ب :
-هاه
رفع الشيخ عينيه نحوها ، وسألها بجدية :
-مين الوكيل عنك ؟

ردت بنبرة حزينة وهامسة لم يسمعها أحد إلا عفاف الملاصقة لها ب :
-ب .. با آآآ...
توقفت عن الكلام بعد أن أغمضت عينيها في حزن مرير ..
كم كانت تحلم بأن يزفها والدها لمن يختارها قلبه ، فتقف مزهوة بهما معاً ..
ولكنها اليوم عاجزة عن معرفة مصير والدها ، فأخر مرة رأته فيها حينما خرج للبحث عن خالتها.. ومن وقتها لم يعد ولم تعرف عنه شيء إلى أن إنتهى بها المطاف في براثن هذا الذئب ..

طال صمتها ، وإزداد تعجب الشيخ ، ولكن تدخل محامي الشركة قائلاً بصوت جاد وهو يخرج بطاقة هويته من حافظة نقوده :
-أنا وكيلها
تناول الشيخ البطاقة منه ، وأسندها أمامه على الطاولة ، وهو ينطق بتريث ب :
-على بركة الله
إلتوى ثغر أوس بإشتهاء مثير وهو يشهد بعينيه إستعداد الجميع للتوقيع على ذاك الميثاق ...
لقد اقترب من تحقيق حلمه في التلذذ بإستمتاع مثير بمن ستلبي رغباته الوحشية بضعفها الحقيقي ... وليس كما إعتاد بمقابل مادي وتأوهات زائفة ......

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
تفرس عدي في أوجه الحاضرين مستمتعاً بنظرات الترقب الممزوجة بالخوف في أعينهم .. واعتلى فمه إبتسامة مراوغة ..
فجميع من بالقاعة يظن أن ليان هي فتاة طاهرة نقية لم يمسسها رجل غيره ، فيما عدا أهلها ..
نظرات السخرية كانت هي السائدة على وجهه ، هل يردد كذباً أنها فتاة ( بكر ) أم يفضح أمرها وتحدث الفاجعة ..
هتف المأذون متسائلاً بنبرة جادة :
-أقول تاني ؟

إلتفت عدي برأسه نحوه ، ونظر له مطولاً .. ثم أجابه بلهجة يشوبها اللامبالاة قائلاً
-لأ .. أنا فاكر يا شيخنا ، وهاقول !
تنفست ناريمان الصعداء وشعرت أن روحها ردت إليها من جديد ..
لقد كانت لحظات عصيبة بحق ..
مسحت بيدها على وجنتيها ، فشعرت بملمسهما البارد ، فتنحنحت بخفوت ، وإبتلعت ريقها ، وحاولت أن تستعيد هدوئها الإنفعالي ، ورسمت قناع السعادة الغامرة وهي تهتف بمرح :
-مالوش حل عدي ، دايماً يحب يهزر في المواقف الجد.

ردت عليها سيدة ما بلطافة :
-اه واضح
توجست ليان خيفة من عدي بعد الذي فعله .. وشعرت أن هناك شيئاً ما يضمره في صدره ..
أرادت أن تكذب حدسها ، ولكن قلبها ينبئها بأن ما يحدث ما هو إلا مقدمة لشيء ما أسوأ ..
أثار ما فعله عدي حفيظة مهاب ، ولكن ماذا سيفعل معه ، هو من يتستر على فضيحة ليان ، لذا عليه أن يصمت مجبراً ، ويتمم تلك الزيجة دون أي إعتراض ...

في منزل أوس بمنطقة المعادي
انتهى الشيخ الوقور من تجهيز أوراق وثيقة الزواج ، ثم دعا العروس بصوت هاديء ب :
-تعالي يا عروسة عشان توقعي هنا
نظرت تقى بذعر إلى عفاف ، وتمسكت أكثر بها .. وودت لو تساندها وتمنعها عن إرتكاب تلك الجريمة الشنعاء ..
إحتضنتها الأخيرة بذراعها ، وربتت على كتفها ، وهمست لها ب :
-قومي يا بنتي
أجبرتها على النهوض من على الأريكة ، وسارت محتضنة إياها إلى أن وصلت بالقرب من الشيخ الذي أسند الأوراق أمامها ، ثم القلم .. وبهدوء مريب طلب منها :
-امضي هنا ، وابصمي !

بأصابع مرتجفة حاولت تقى أن تمسك بالقلم الحبر وتوقع على وثيقة سجنها للأبد ..
مر أمام عينيها لحظات من حياتها السابقة ؛ طفولتها البعيدة وهي تلعب مع صغار الحارة بالعرائس والكرة .. ونداء أبيها لها حينما ولد أخيها الصغير ، وفرحته بهما .. ثم لحظات الحزن حينما اكتشفوا مرضه المزمن ومعاناته لفترة طويلة قبل أن يتوفاه الله بسبب عجز عائلتها عن توفير نفقات عمليته
عودة خالتها من الخارج للمكوث معهم بعد فقدانها لعائلتها بالكامل وهي في حالة نفسية وعقلية سيئة
إصطحاب والدها الطيب لها في أول أيام دراستها في كل مرحلة تعليمية إلى أن وصلت للمعهد ..

فرحته بنجاحها الذي يتناسب مع قدرتها العقلية ..
سيرته الطيبة والعطرة التي كانت تدعوها للفخر به ..
صوت والدتها المتذمر وهي تعلمها قواعد الطهي وتنظيف المنزل والعناية بخالتها أثناء غيابها
لحظة بلوغها ، وتلقين أمها لتعليمات صارمة بشأن إختلاطها بمجتمع الذكور
إرتدائها للحجاب ، وتجنبها للحديث مع الغرباء .. ورفض أمها لعملها تحت أي ضغط للحفاظ على شرفها
تمتعها بحياتها البسيطة ، وإشتياقها للدفء الموجود بين جدران منزلها المتهالك
حنينها إلى غرفتها ، وإلى ملابسها البسيطة المحتشمة ..

إفتقادها لوجود أبويها معها في أخطر اللحظات في حياتها ..
شعورها باليتم –رغماً عنها – بسبب غيابهما ..
ثم المصائب التي توالت عليهم جميعاً بسبب إتهام باطل بالسرقة لوالدتها .. وما تبعه من بطش وجبروت شخص بغيض رفض أن يتحداه كائن لا حول له ولا قوة ، فأوصلها إلى ما هي عليه الآن ..
طال ترددها ، فوضعت عفاف يدها على كتفها ، وضغطت عليه قليلاً لتنتبه الأخيرة لها ..
إلتفتت تقى لها نصف إلتفاتة ، وحانت من عينيها نظرة حسرة وإنكسار .. فأومات عفاف لها بإستسلام هامسة ب:
-يالا يا بنتي ، محدش فينا في ايده حاجة يعملها
راقبها أوس بثبات إلى أن إنتهت من التوقيع على جميع الأوراق .. فتنهد في إرتياح .. وتقوس فمه بإبتسامة شيطانية ، ثم صاح بصوت جهوري آمر :
-كله برا ...!!!!

في قاعة الأفراح بالفندق الشهير
تعالت الزغاريد والأغاني المبهجة لأحد المطربين الشعبيين بعد أن إنتهت مراسم عقد القران ..
وتراقص الحاضرون مع الفرقة المصاحبة للمطرب ، واضافوا جواً من الحماسة ..
كانت عيني ليان تحمل نظرة عتاب لعدي الذي تلاعب بأعصابها وشكت في إتمامه للزيجة ..
لاحظ هو عبوسها .. فمال عليها سائلاً إياها ب :
-مالك يا ليوو ؟

نظرت له بإزدراء وهي تجيبه بحدة :
-ينفع اللي عملته ده !!
ابتسم لها إبتسامة عريضة وهو يتابع مازحاً :
-بهزر يا حبيبتي ، بس إيه رأيك أنفع أبقى كوميديان ؟
إزداد ضيق عينيها ، وهتفت بعتاب :
-هو في هزار في الحاجات دي ؟!
أجابها دون تردد ب :
-أه طبعاً ..
نفخت في ضيق من ردوده العادية ، وتابعت بإمتعاض قائلة :
-لأ بجد ، أنا اتضايقت من اللي عملته ، وفكرت إنك آآآ..

قاطعها عدي بوضع إصبعه على شفتيها ، ورمقها بنظراته الشقية ، وأردف برومانسية :
-اوعي تفكري في لحظة إني ممكن أسيب نصي التاني ، ده أنا مصدقت إنك بقيتي ليا .. أنا بأحبك يا ليان !
فغرت شفتيها وتسائلت في إستغراب
-هاه ، إنت بتحبني فعلا ؟
-ايوه يا حبيبة قلبي ، ومش هانفترق عن بعض مهما حصل
ثم إحتضنها بين ذراعيه ، فأسندت رأسها على صدره ، وتنهدت في إرتياح مؤقت ....

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
تفاجيء الجميع بصوت أوس الأمر وبنهوضه المخيف ليعيد على مسامعهم مجدداً بغلظة أشد :
-كله يطلع براً ، دوركم خلص ..!
لمعت عيناه ببريق شر مخيف وهو يحدجهم بشراسة ..
جمع الشيخ الوقور أوراقه في الحقيبة التي جاء بها ، وعاونه محامي الشركات ، بينما إتجه الموظفين إلى باب المنزل ..

لملمت المدبرة عفاف أشيائها ، وأطرقت رأسها في خزي وهي تمتثل لأوامره ..
كم تمنت أن تمد يد العون لتلك الصغيرة ، ولكنها مثلها عاجزة عن الوقوف أمام بطشه ..
إنكمشت تقى في مكانها وهي تنظر له بذعر ، لم تستطع قدميها أن تحملاها لتنهض من مكانها ، وتفر من أمامه ..
إحتضنت صدرها بذراعيها ، وضمت ساقيها معاً .. وظلت ترتجف بشدة ..
أولاها أوس ظهره وهو يراقب خروج أخر فرد من منزله ليتحول وجهه للقتامة، وتسطع عيناه بشرر مستطر.. ثم إنفرج فمه لتظهر أنيابه خلف إبتسامته الشيطانية...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس عشر

بداخل قاعة الأفراح بالفندق الشهير
إنتهى المطرب الشعبي من أغنيته الأخيرة ، والتي كانت الختام لفقرات الحفل ، ثم تجمع غالبية الحاضرين حول العروسين لإلتقاط الصور التذكارية معهما ...
تنهدت ناريمان في إرتياح لإنتهاء تلك الليلة دون حدوث أي مشاحنات من أي نوع ..
بحثت بعينيها عن مهاب فوجدته بصحبة بعض رجال الأعمال ، فإبتلعت ريقها بهدوء ، ثم إشرأبت برأسها للأعلى للبحث عن عشيقها ممدوح ، فلم تجده ..
توجست خيفة أن يكون قد حدث بينه وبين زوجها مشادة كلامية فإنصرف على إثرها ..

أمسكت بهاتفها النقال وعبثت بأزراه ، ثم وضعت الهاتف على أذنها وهي تسير مبتعدة عن الواقفين ..
إنتظرت أن يأتيها رده على إتصالها ، ولكن دون جدوى ، فبدى وجهها منزعجاً ..
زفرت في ضيق ، وحدثت نفسها بخفوت قائلة :
-راح فين ده ؟ ومش بيرد على مكالماتي ليه ؟!

سلم عدي على معظم الحاضرين وثغره يعلوه إبتسامة لئيمة حاول أن يخفيها قدر المستطاع .. فالليلة هي ليلته الموعودة ..
كان بين الحين والأخر ينظر إلى زوجته بنظرات رومانسية والهة ولكنها في نفس الوقت مخادعة ..
وكان تارة يغمز لها بمكر ، وتارة يرمقها بهيام .. فتبتسم له بخجل معتقدة أنها ستغدو أسعد عروس الليلة ...
أحطات جميلات الحفل بليان ، وحسدن إياها على عريسها الذي بدى كالعاشق المتيم من تصرفاته أمام الجميع ..
إكتفت هي بالرد عليهن بكلمات مقتضبة ..

كانت توليه ظهرها وهي تستمع إلى مزاح رفيقاتها .. فتفاجئت به يحاوطها من خصرها ، ويقبلها وجنتها بحب .. ثم مال على أذنها وهمس لها بحرارة :
-مش يالا بقى
توردت وجنتيها قليلاً ، وأومأت برأسها موافقة .. فتهللت أساريره أكثر ، وصاح بحماس :
-شكراً يا جماعة على حضوركم النهاردة ، أسيبكم تكملوا السهرة ، وأطلع أنا مع عروستي للجناح بتاعنا
تعالت صافرات الشباب وبدأوا بالتلميحات المازحة عن ليلة الدخلة، فلوح لهم عدي بكفه متجاهلا تعليقاتهم ثم ضم ليان إلى صدره، وقبلها من جبينها ليزيد من غيرة جميلات الحفل وتأوهاتهن الحارة ..

أرخى عدي ذراعه عن خصر ليان ، وأمسك بها من كفها ، وتشابكت أصابعهما معاً ، وسارا في إتجاه باب القاعة ..
اقتربت ناريمان منهما ، وإنحنت برأسها على ليان ، وقبلتها قبلة صغيرة على وجنتها ، ونظرت إلى عدي بنظرات جادة ، وهي تحدثه قائلة :
-مش هوصيك على ليو !
إلتفت برأسه لزوجته ، ورمقها بنظرات مطولة وهو يجيب ناريمان بهدوء مريب :
-مش محتاجة وصاية ، دي .. دي نصي الحلو !

إنضم إليهم مهاب وهو مقطب لجبينه ، ونظر إلى كلاهما بنظرات متفحصة ، ثم أردف بصوت مرهق وموجز :
-مبروك
إبتسم له عدي قائلاً بسعادة :
-الله يبارك فيك يا د. مهاب
رسمت ليان إبتسامة مصطنعة على ثغرها وهي تجيبه بفتور :
-ثانكس دادي
وزع مهاب ناظريه بينهما ، ثم سألهما بجمود :
-طالعين على أوضتكم ؟

هز عدي رأسه ، وأجابه بإبتسامة عريضة على محياه :
-قصدك الجناح بتاعنا يا دكتور
مط فمه للأمام وهو يتابع بنبرة عادية :
-أها .. تمام
تنحنح عدي بصوت خافت ، ثم لف ذراعه حول خصر زوجته ، ورمقها بنظرات عاشقة وهو يهمس قائلاً :
-عن إذنكم ، أنا حابب أقعد مع عروستي !
-اتفضلوا يا حبايبي ، Enjoy your honeymoon ( استمتعوا بشهر عسلكم )
لوحت ليان بأطراف أصابعها لكلاهما ، وسارت متأبطة ذراع زوجها في إتجاه المصعد ....

ولجت ليان أولاً إلى داخل المصعد ، وأطرقت رأسها للأسفل قليلاً بعد أن ألصقت ظهرها بزاويته الجانبية ..
ضغط عدي على زر غلق المصعد ، ثم إستدار برأسه للخلف لينظر إليها بنظرات متفحصة ..
كانت تعبث هي بخصلات شعرها بتوتر ، فإرتسم على ثغره إبتسامة ماكرة ، ثم تحرك نحوها ، ورفع يده ناحية وجهها ، ومسح عليه بنعومة ، فإبتسمت بخجل ، وتوردت وجنتيها ..

اقترب عدي من أذنها ، وهمس لها بحب :
-بأحبك
أجابته بخفوت شديد وهي مجفلة لعينيها :
-وأنا كمان
-طب مش هاتخليني أشوف عينيكي الحلوة
وبخفة رفع رأسها للأعلى بعد أن وضع إصبعيه على طرف ذقنها ..
ثم نظر لها مطولاً ، وأردف بنعومة :
-يا بختي بيكي.

إزداد توهج وجنتيها ، وشعرت بحرارة غريبة تجتاح جسدها ، فلوى فمه في غرور وهو يرى تأثير رجولته الزائفة عليها ..
ثم قرر أن يستغل الفرصة ويغتنم منها قبلة عميقة .. فمال برأسه على رأسها ، وكان على وشك تقبيلها ، ولكن توقف المصعد في الطابق المتواجد به جناحهما ، فإرتبكت ليان ، وأبعدته بدلال عنها قائلة برقة :
-وصلنا ..!
نظر لها بتسلية وهو يهمس لها ب :
-ماشي يا ليوو .. هاتروحي مني فين !

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
صفق أوس الباب بعنف لتنتفض تقى في مقعدها مذعورة منه ..
شمر عن ساعديه وهو يلتفت بجسده نحوها ، ثم صر على أسنانه بغلظة وهو يرمقها بنظراته المتوعدة قائلاً :
-جه وقت الحساب يا تقى
حاولت هي أن تنطق ، ولكن رهبتها الشديدة منه ألجمت لسانها .. فإكتفت بالإنكماش على نفسها ، والتحديق به بخوف رهيب ..
لقد أصبحت الآن بمفردها معه ، وباتت برائتها على وشك الإغتيال ..

حدجها بنظرات مميتة وهو يسير نحوها بخطوات ثابتة ، وتابع بجموح :
-خلاص حصل اللي إنتي عاوزاه ، واتجوزتك .. بس ..آآآ....
توقف أوس عن إتمام جملته الأخيرة حيث وصل إلى حيث تجلس هي ، ثم إنحنى بجذعه للأمام عليها ، وأسند كفي يده على مسندي الأريكة ، فحاصرها بين ذراعيه ، ونظر لها بشراسة دون أن تطرف عيناه .. وأكمل بنبرة قاتمة :
-بس جه دوري أخد اللي أنا عاوزه منك !!

كان إقترابه منها مخيف إلى حد الموت ، فنظراته كانت تذبحها قبل لسانه ، وقسمات وجهه تعبر عن تلذذه بالإنتقام منها ..
مال برأسه أكثر عليها ، فحاولت أن تبعد وجهها عنه ، فإقترب من إذنها ، فلفحتها أنفاسه المحتقنة من الغضب .. وشعرت بتلك القشعريرة الرهيبة تصيب عنقها ، وتتسرب إلى باقي جسدها ..
تقوس فمه بطريقة مريبة ، وهو يهمس لها قائلاً بنبرة تشبه فحيح الأفعى :
-وده وقت الحساب يا تقى !

بداخل جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،،،
وضع عدي مفتاح الباب الإلكتروني في مكانه لينفرج الباب قليلاً ، ثم دفعه بخفة للخلف ، ونظر إلى عروسه بحب مصطنع ، وأشار لها بكفه لتمر إلى الداخل وهو ينطق ب :
-اتفضلي يا حبيبتي
أومأت برأسها موافقة ، ولم تجبه ، وسارت بتمهل نحو الباب بعد أن رفعت فستانها عن الأرضية قليلاً ..
وقف عدي أمامها ليسد عليها الطريق ، فنظرت له بإندهاش سائلة إياه بإستغراب ب :
-What ( ماذا ) ؟

رسم إبتسامة هادئة على وجهه ، ثم مد كفه نحو كفها ، وأمسك به ، ورفعه إلى فمه وقبله بعشق ، وأسبل عينيه وهو يجيبها بهمس :
-أنا بنفسي اللي هادخلك لجوا
ثم جذبها برقة نحوه ، وأحاط خصرها بذراعه ، وإنحنى بجذعه للأمام ليضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ، وبكل رفق حملها بين ذراعيه ، فلقت هي ذراعيها حول عنقه ، وتمسكت به ..
نظر لها بنظرات رومانسية ، وقبل أرنبة أنفها ، ودفع الباب بقدمه ، ليدلف الاثنين إلى داخل الجناح الخاص بهما حيث المفاجئة التي أعدها لها بالداخل ...

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
فكرت تقى في دفع أوس – بما تبقى لديها من قوة - بعيداً عنها لتتجنب أنفاسه الكريهة التي تصيبها بالإختناق ..
ألا يكفيها كلماته الحادة التي تصيبها بالإشمئزاز منه ، ليحاصرها أيضاً بأنفاسه البغيضة فيشعرها أكثر بالغثيان .. ناهيك عن جو الفزع الذي تعيش فيه منذ أن إلتقته أول مرة ..

قرأ أوس في عينيها نظرات الخوف ، فشعر بالإنتشاء من حاله ، وأنه مازال يحتفظ بقدرته على إرهابها ، وبث الرعب في نفسها من مجرد نظرات .. فماذا عن الأفعال ؟
مجرد وجود تلك الفكرة في رأسه زادت من تسليته ، ورفعت إثارته ....
فطالما حلم أن يمارس ما إعتاده من أفعال مشينة مع من لا تدعي الضعف ، وها قد وجد مبتغاه ..
فقد ظن في البداية أنها تتحدى قواه ، وتتجرأ عليه .. لكنه إكتشف أنها أضعف بكثير مما إعتقد ...

إنتظر هو لفترة طويلة حتى ظفر بها .. واليوم صارت بين يديه ليفعل بها ما يريد دون أن ينقذها أحد من عقابه الجسيم ..
إستجمعت تقى شجاعتها الهاربة ، ورفعت كفيها نحو صدره ، وحاولت تحريك جسده المتصلب .. ولكنها عجزت عن تحريكه لبوصة
قهقه أوس من محاولتها الفاشلة ، ونظر لها بلؤم وهو ينطق بإستخفاف :
-وفري مجهودك للي جاي.

باغتها هو بالإمساك بمعصميها بقبضتيه ، وإعتصرهما بشدة و هو يجذبها عنوة من على الأريكة ، فإرتطمت بصدره ، وأصقها به ، وكز على أسنانه بشراسة وهو يحدجها بنظراته المميتة قائلاً :
-ده الليلة ليلتك يا .. يا عروسة !
تلوت بجسدها محاولة تخليص نفسها من حصاره صارخة بإهتياج ب :
-سيبني !
صاح بها بنبرة عنيفة :
-لأ .. لأ.

ثم لف ذراعه حولها بعد أن ألصق ظهرها بصدره ، وضم معصميها معاً بقبضته ، وإنحنى قليلاً بجذعه ليضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها ليحملها بقسوة بين ذراعيه ..
إنتفضت بجسدها بالكامل محاولة الإفلات منه ، ولكن بلا جدوى .. فمقاومتها لا تقارن بقوته المشحونة ضدها ..
سار حاملاً إياها بثبات عجيب في إتجاه غرفة نومهما ..
ومع إقترابها من مكان الغرفة حتى زادت إنتفاضة جسدها ، وإرتعادة أوصالها ..
ظلت تركل بقدميها ، وتصرخ مستغيثة أن يتركها .. ولكنه كان كالصنم ، لا يسمعها ، ولا يرى سوى إنتقامه المحتوم منها ...

بداخل جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،
تفاجئت ليان بالترتيبات التي أضافها زوجها عدي في الجناح الخاص بهما ..
رمشت بعينيها عدة مرات غير مصدقة ذلك المنظر الرائع الذي جعلها تشعر بأنها أسعد زوجة في العالم
فغرت شفتيها في إندهاش ممزوج بالإنبهار وهي تتشدق قائلة :
-إنت .. إنت اللي عملت ده ؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد عليها بصوت رخيم :
-أيوه ، وده قليل عليكي يا حبيبتي ..!

جابت بعينيها المكان متأملة إياه بإعجاب شديد ، لقد إستطاع عدي أن يحول الإستقبال في أقل من ساعتين إلى حديقة أوروبية صغيرة مليئة بالورود الحمراء ، والشموع المضيئة ، والبلالين المصممة على هيئة قلوب مختلفة الأحجام والأشكال ..
كما مهد لها طريقاً بقطع الأزهار لتخطو عليه برشاقة بعد أن أنزلها على ساقيها نحو الفراش الذي يتوسط الغرفة الأخرى ..
نظرت له بعشق وهي تردد بحماس :
-أنا مش مصدقة ، إنت عملت ده إزاي وإمتى ؟
إبتسم لها بهدوء وهو يجيبها بمكر :
-حبيبتي ، المهم عندي إنك تكوني مبسوطة.

فردت ذراعيها في الهواء ، ودارت حول نفسها وهي تهتف بسعادة جلية :
-أنا مش بس مبسوطة ، أنا أكتر واحدة محظوظة في الدنيا دي
راقبها بإمعان ، وتفرس في ملامحها المتحمسة ، وأجابها بهدوء وهو يبتسم لها بسخافة :
-طبعاً يا ليووو ، ده انا اللي محظوظ بيكي
توجه عدي ناحية مشغل الموسيقى الحديث الموضوع بجوار شاشة التلفاز ، ثم ضغط على على زر التشغيل لتبدأ موسيقى هادئة في الإنبعاث من سماعاته ..
توقفت ليان عن الدوران لتنظر إلى زوجها بنظرات مترقبة وممزوجة بالخجل ..

مد كف يده نحو كفها ، فوضعته بداخله ، فتلمسه بحرص ، وقبض عليه برفق ، ثم اقترب منه خطوة ، ولف ذراعه حول خصرها ، وضمها إلى صدره ، فأصبح الإثنين متلاصقين ، ونظر مباشرة في عينيها ..
ظل يتأملها مطولاً .. وهي تبادله تلك النظرات الحالمة .. فهي أكثر النساء حظاً به ..
تمايلت ليان وهي في أحضانه على الإيقاعات الموسيقية - التي تطرب لها الآذان - بنعومة وخفة ..
شعرت أنها تطوف في أحلامها .. تحلق في السماء ..
قرأ هو بوضوح عينيها ، وعرف أنه استحوذ بالكامل عليها...

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
إرتسمت نظرات الذعر على عيني تقى ، وحاولت أن تتخلص من أذرع أوس القابضة عليها ، ولكنه لم يكنْ ليدعها تفلت منه بسهولة ..
دلف الإثنين إلى داخل غرفة النوم .. فإزداد صراخها ب :
-لألألأ .. مش عاوزاك ، سيبني حرام عليك
نظر لها بشراسة وهو يجيبها بتوعد مخيف :
-الحرام لسه جاي بعدين.

أرخى ذراعه عن ركبتيها ، فإنزلقت ساقيها للأسفل ، ولكنه لم يفلتها ..
بل لف ذراعه حول خصرها ، وألصق صدرها بصدره ..
ونظر لها بنظرات أكتر شراسة ، وأردف بجموح :
-ايه رأيك يا عروسة نبدأ ليلتنا بالرقصة السلو
وبالفعل أجبرها على التمايل معه والرقص في أحضانه دون وجود أي موسيقى ، فشعرت بالإختناق من أنفاسه التي تزيد من إشمئزازها ..
وقاومته رغم حالة الوهن البادية عليه ..
ولكن هي كالبرعم اليانع الذي يقف بمفرده في مهب الريح ..

جاهدت لتنسل من أحضانه ، ونظرت له برعب وهي ترى تلك الحالة الغريبة التي تسيطر عليه .. وصرخت بضعف :
-إنت مش طبيعي .. إنت .. إنت أكيد مجنون
نظر لها بصرامة وهو يجيبها بإستفزاز قائلاً :
-أنا لو كنت مجنون ، مكونتش هاتبقي واقفة قصادي السعادي
نظرت له بإحتقان وهي تجيبه بتحدي سافر :
-يا ريتك كنت خلصت عليا
حدجها بنظراته المميتة وهو يتابع بصرامة :
-مش بالبساطة دي.

تلوت بجسدها وهي تلهث من المجهود المضاعف لتقاومه قائلة :
-أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده ؟!
أجابها دون تردد ب :
-غلطتك الوحيدة إنك فكرتي تقفي قصادي !
لمعت عينيها من قبضتيه التي تعتصرها ، وهتفت بصوت مختنق :
-أنا كنت بأدافع عن أهلي ، كنت بأحمي أمي من واحد زيك.

رمقها بنظراته الضيقة وهو يجيبها بنبرة لئيمة تبرز من خلف تلك الإبتسامة الوضيعة التي تشكلت على ثغره قائلاً :
-فعلاً ، بس باللي عملتيه خلاكي تيجي على هوايا ، وأنا كنت مستني اللي زيك من زمان .. أيوه من زمان أوي
قرأت تقى في عينيه القاتمتين ما جعلها تسبه بإهتياج وهي تباغته بصفعة قوية :
-إنت حيوان وإبن *** ، آآآ... آآآآآه .. آآآآآه
صُدم أوس من فعلتها ، ورد لها الصفعة ، ثم جذبها من شعرها بقسوة للأسفل بعد أن أرخى ذراعه عن خصرها ، فهو لم يتحمل أن تهينه وتتخطى حدودها معه ، بل وتتطاول عليه قولاً وفعلاً ..

أراد أن يحطمها قبل أن تتمادى وتظن أنها ربحت جولة معه ..
إنحنت رأسها مع قبضة يده وهي تصرخ متأوهة من عنفه ، فحدجها بنظراته المشتعلة وهو يتوعدها ب :
-مش بالساهل هاسيبك يا ***** ، مش قبل ما أخد كل اللي عاوزه منك !

في الجناح الخاص بالعرائس في الفندق الشهير ،،،
تودد عدي بإشتياق لزوجته ، وقبل جبينها بقبلة مطولة وناعمة .. فاإمضت عينيها على إثرها ..
ثم أسند رأسه على رأسها ، واستنشق رائحة عطرها الأنثوي .. وهمس لها قائلاً :
-حياتي هتبدأ معاكي ، ومش هتنتهي أبداً
أسبلت عينيها بعشق وهي ترد عليه بنعومة :
-أنا مش كنت متخيلاك كده
إبتسم لها بهدوء ، وسألها وهو يتحسس شفتيها قائلاً :
-ها ، كنتي متخيلاني إزاي ؟

مطت شفتيها بعبث أنثوي ، وتحسست أزرار ياقته ، وهمست برقة :
-يعني .. انت صاحب أوس ، ف ..آآ.. فكنت مفكرة إنك شبهه
إبتسم عدي مجاملاً إياها ، وحدث نفسه بلؤم :
-ده أنا متخيرش عنه يا حلوة ، بس هو أسوأ مني بمراحل ...!
فكلماتها رغم عفويتها إلا إنها تحمل الحقيقة، وكيف لا يكون مثله وهو من ييسر لأخيها السبل للتمتع بليالٍ ماجنة في أحضان عاهرات إرتضين أن يكنْ تحت قدميهما فقط لتلبية غرائزهم ..

فكم بحث عمن يرتضيها أخيها في مقابل أن يجد من تكون سلواه ..
هو يعلم بعجزه ، ولكن لم يمنعه هذا عن تسلية نفسه بأي وسيلة أخرى ..
نظرت له وهي عاقدة حاجبيها في إندهاش ، فهو لم يعقب على جملتها الأخيرة ، وشعرت بشروده .. فسألته بحيرة :
-هو أنا قولت حاجة غلط ؟
نظر لها بنظرات غريبة ، فإزدادت حيرتها ، وسألته متوجسة ب :
-هو أنا قولت حاجة غلط.

إبتسم لها مجدداً وهو يهز رأسه نافياً ، ثم بكل خفة أبعد بأصابعه خصلات شعرها عن جبينها ، ورمقها بنظرات حانية ، و مال برأسه عليها ، اقترب ببطء من شفتيها المكتنزتين ، فشعرت بأنفاسه تشعل وجنتيها .. فتوردت كلتاهما أكثر ..
أغمضت عينيها لتستشعر فمه وهو يطبق بنعومة على شفتيها ..
شعرت ليان بقبلاته الحارة ، والتي كانت بمثابة فتيل أشعل الحملسة والرغبة في أوصالها ..
إستسلمت له .. وبادلته بعشق قبلات مطولة ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
نظر لها أوس بشراسة ، فإتسعت مقلتيها في رعب وهي تحاول تخليص خصلات شعرها من أصابعه المغروسة فيهم ..
رأى بوضوح إرتجافة شفتيها وهي تفتعل الشجاعة ، فأغرته كثيراً لتذوقهما ..
كم حلم بتلك اللحظة أن يمارس معها الحب على طريقته دون أن يجد إدعاء باطل بالرهبة منه ، والضعف أمامه ..
أراد أن يشعر بقوته تخترقها وهي في قمة ضعفها وهوانها ..

أراد أن يثبت لنفسه أنه مازال كما هو قادر على إخضاع أي إنثى ، أن يتقن ما تعلمه من دروس على أيدي أبيه وزوج أمه مع ..
بأن تحطيم المرأة يكن بإذلالها عنوة .. فيرى في أعينها الإشتهاء إليه ، وبأن يؤجج رغباته ، ويشعل نيران الحب فيها بتعذيبها ..
لم تعدْ ترهبه ذكريات ماضيه البعيدة .. فاليوم سيثبت صحة تلك النظرية التي أتقنها بمهارة مع ساقطاته ، ولكن مع من أوقظت فيه الرغبة بكل قوة ...

لذا وبدون تردد إنحنى أوس برأسه على تقى ليلتهم شفتيها بشفتيه ..
أطبق عليهما بلا رحمة ، وقبلها بعنف شديد جعلها تشعر بأنه يحرق روحها بنيرانه المستعرة ..
إزداد إشمئزازها منه ، وحاولت أن تصرخ ، ولكن صرخاتها لم تعرف الطريق إلا لجوفه ..
بغضت حالها وهي في أحضانه ، كرهت جسدها وهو يقاوم بشراسة رغباته الجامحة ..
فدفاعاتها لا تذكر أمام إصراره على نيل مبتغاه منها ....

في الجناح الخاص بالعرائس بالفندق الشهير ،،،،
بتمهل مصحوب بالدلال والمداعبة ، بدأ عدي في نزع فستان عرس ليان ..
أنزل السحاب للأسفل وهو يضمها إلى صدره ..
قبل عنقها بشغف .. فجعلها تتأوه بصوت مكتوم مزيداً لهيب شوقها ..
كان يلمس بشرتها بنعومة بأنامله مستشعراً تلك الرجفة الخفيفة في جسدها المتأجج ..
إنحنى ليقبلها بعذوبة أذابتها سريعاً ، وزادت من لهيب مشاعرها ..
تسارعت دقات قلبها مع كلماته التي إخترقت آذانها ..
إستسلمت ليان دون أي مقاومة لذلك التيار الجارف من المشاعر الرهيبة التي نفثها فيها زوجها عدي ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي
إنتهى أوس من نيل عدد لا نهائي من القبلات من شفتيها فإزداد تورمهما ..
حاولت إبعاد رأسه عنها ، ولكنه كان كالملتصق بالغراء بها ..
لذا إستخدمت أظافرها ، وخربشته قدر المستطاع في وجهه ، وفي عنقه .. فصرخ بتآلم لأول مرة في حياته ، وأبعد رأسه عنها ، وإهتاج بعنف قائلاً :
-آآآآآه .. يا بنت ال ****
إحتقنت مقلتيه بنيران الإنتقام وهو يسبها بسبابه اللاذع ..
زاد نفورها منه ، وأيقنت أنها في خوض معركتها الأخيرة معه ، وعليها ألا تستسلم له مهما تمكن منها...

فصرخت بإهتياج رهيب :
-هاموتلك لو لمستني ، هاقتلك
-يا ريت تعملي ده
قالها أوس بتحدٍ سافر لها وهو يرمقها بنظراته الشيطانية ..
لن ينكر أنه أعجب كثيراً بمقاومته الهزيلة له ، وتسلى برؤيتها تحاول الدفاع عن نفسها .. ففي النهاية هذا هو مبتغاه ، أن يجد مقاومة حقيقة له .....
بصقت تقى في وجهه بتقزز واضح وهي تتابع بعصبية :
-إنت ( أوسخ ) من إنك تكون بني آدم.

توهجت عيناه بشرر مستطر وهو يمسح عن وجهه لعابها ، وصر على أسنانه وهو يتوعدها قائلاً :
-وأنا مش هاكون وسخ إلا معاكي ..
زاد من شراسته معها ، حيث قبض على رسغيها ، وجمعهما معاً بيده القوية ، وبكل قسوة أخذ ينزع عنها ثوبها الأبيض ، لم يهتم بصراخها ، ولا بخربشاتها المؤلمة له ..
أمسك بالسحاب القابض على فستانها من الظهر ، وإنتزعه إنتزاعاً بلا رحمة كاشفاً جسدها أمامه ..
أصابها الهلع وهي ترى نفسها تتعرى رغم كونه زوجها ، فإهتاجت بصراخ عنيف قائلة :
-لألألألأ .. لألألأ .. ماتلمسنيش !

تحسس بغلظة بشرتها المرتجفة ، وإحتضنها برغبة متوحشة بين ذراعيه ..
أمسكت وجهه بكفيها ، وغرست أظافرها في قسماته ، وجاهدت لإرجاع رأسه للخلف حتى لا يلمسها بفمه وظلت تصرخ فيه بهستيرية ، ولكن لم يزيده هذا إلا إصراراً على تحقيق مبتغاه منها .....

في جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،،
أبعد عدي رأسه عن زوجته ليان ، ونظر لها برومانسية عشقتها ، ثم بكل رفق حملها بين ذراعيه ، وتشبثت هي بعنقه ، فألصقها بصدره ، وقبلها من شفتيها .. ثم دار بها عدة مرات حول نفسه .. فتعالت ضحكاتها الناعمة .. وهمست قائلة :
-بموت فيك
-وأنا ماليش إلا انتي
قالها عدي وهو ينحني على أرنبة أنفها ليداعبها بحنو ..

فأسبلت عينيها له ، وطمعت في المزيد ..
قرأ عدي ما تمليه عليه عينيها ، وغمز لها وهو يسير بها نحو الفراش ..
ثم وضعها عليه ، ولكنه لم يبعد ذراعيه عنها ..
تلمس بأصابعه برقة بشرتها الناعمة ، فألهب مشاعرها ، ولبى نداء قلبها المشحون بالعواطف المثارة ..
نجح هو في إيصال زوجته إلى ذروتها ، وجعلها تشتهي القرب منه وإليه ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،،
إستمدت تقى قوتها المفاجئة من شحنها لإنفعالاتها المهتاجة وتوجيهها نحو هدف واحد .. حماية نفسها مهما تكلف الأمر .. وإستبسلت بشجاعة عجيبة وهي تحاول إبعاده عنها ، وتغطية جسدها المتكشف أمامه ..
ورغم تلك الشجاعة المهلكة إلا أنها كانت لا تذكر مقارنة بذلك الهمجي الذي كان يصارعها بلا تفكير ..
إنحنى أوس بجذعه للأمام بعد أن أمسك بمعصمها ليحملها ، فلم تشعر بساقيها تلامسان الأرضية الباردة ، فجزعت أكثر ، وهتفت بعنف :
-لألألأ .. ماتلمسنيش !!

برزت أنيابه وهو يلقي بجسدها الهزيل على كتفه ، قائلاً بتحدي رهيب :
-أنا عاوزك تصرخي أكتر لأني مش هاسيبك النهاردة
، ثم ألقي بجسدها الهزيل على كتفه ، وسار بها في إتجاه غرفة نومهما ..
ركلت بقدميها في الهواء ، وضربت بقبضتها ظهره لعله يرتعد ..
تقوس فم أوس بإبتسامة تحمل ما يضمره لها ..
ولج إلى داخل الغرفة بها ، ثم ألقى جسدها بعنف على الفراش ، فصرخت متأوهة من الآلم ..

وزحفت بمرفقيها للخلف وهي تصرخ بتوسل :
-ارحمني ، لألألألأ..
رأت في عينيه إصراراً رهيباً على أخذها عنوة .. فزاد هلعها منه ..
خلع قميصه وهو يلوي فمه بتوعد .. ثم ألقاه بعدم إكتراث على الأرضية ، واقترب من الفراش
تراجعت للخلف بجسدها ، محاولة الزود بنفسها والهروب من براثنه .. لكنه كان الأسرع في الإمساك بها من قدمها اليسرى ..
صرخت بإهتياج قائلة وهي تحرك قدمها محاولة تخليصها من قبضته :
-إنت ايه ، معندكش قلب ، معندكش اخوات .. حرام عليك !!

إزدادت قتامة عينيه وهو يجيبها بشراسة :
-ولو عندي .. محدش هايمنعني منك !!!
نظرت له بإشمئزاز وهي تهتف محتدة ب :
-أنا بأقرف من نفسي وأنا معاك ، إنت استحالة تكون زي البشر الطبيعيين
نظر لها بأعين شيطانية ، وتابع بنبرة شرسة :
-ومين قالك إني طبيعي .. أنا مجنون باللي بأعمله .. وإنتي نجحتي في إنك توصليني للدرجة دي !!

ثم جذبها من ساقيها نحوه ، وباعد بينهما ، وهَمّ بها ..
وحدجها بنظراته التي لن تنسى ظلمتها يوماً ، وصر على أسنانه بغلظة قائلاً :
-إنتي ليا وبس .. ليا أنا وبس
وهنا تعالت صراخاتها حقاً نافرة بكل ذرة في كيانها ما يفعله بها :
-لألألألألألألألألأ ......!!!

ركلته بقدميها المقيدتين بقبضتيه ، وألهبت وجهه بأظافرها وجرحته عمداً في عنقه ، فما كان منه إلا أن نزع حزامه الجلدي ، وأمسك معصميها ، وربطهما معاً بإستخدام ذلك الحزام ، وقيد حركة يديها بطرفه ، وثبت الطرف الأخر بمسند الفراش العريض ، فشلها تماماً عن الحركة ..
بصقت في وجهه وهي تصرخ بصوت مبحوح :
-إنت مش اكتر من حيوان ..آآآآه .. حيوان
تناوب صفعها بكفيه إلى أن بدأت تخبو قواها ، فتمكن منها ، وهو ينظر لها بأعين جامدة .. بوجه متصلب لم ينبض أبداً بالحياة ..

وهنا كانت اللحظة الفاصلة في حياة كلاهما ..
ففيها أدرك أوس أنه حصل أخيراً - بعد معاناة مع ماضيه المريض - على مبتغاه الذي كان يسعى دوماً إليه .. نعم أن يكون المسيطر بقوة غير معهودة في علاقته الجسدية مع شخصية هلامية لا قدرة لها على إتخاذ أي قرار .. أن يكون المتحكم الوحيد في مصيرها .. أن يواجه ذاك الشعور الذي أصابه قديماً بالعجز ، ويثبت لنفسه أنه قادر على أن يهيمن على غيره ..
ذكر نفسه وهو يضاجع زوجته بأنه لا مكان للخوف في حياته بعد الآن ..

لا مكان لتلك الذكريات البعيدة و القريبة - في آن واحد - من أن تطارده لتنغص عليه لياله ..
كان يبث فيها كل قوة ليبرهن لنفسه أنه لم يكن عاجزاً وقتها ..
نعم .. لم يكن سوى طفلاً صغيراً أُغتصب على يدي شخصية كريهة ..
كذلك أيقنت تقى أن هناك شيئاً ما بداخلها قد مات ..
شيء قد أُخذ منها بالقوة ، وتركها حطام أنثى ..

فهي كانت إلى وقت قريب الطفلة الصغيرة الطيبة الساذجة عديمة الخبرة التي تسعى لإرضاء أبويها .. لم يكن لها أي رأي ..عليها أن تنصاع بإستسلام تام لأوامر والدتها ، وتنعم بحب والدها ..
حياتها بسيطة للغاية .. أحلامها بريئة .. مطالبها لم تكن بالكثيرة
واليوم فقدت كل شيء .. ولم تعد كما كانت ..
بل تحولت إلى شبح امرأة ..

أغمضت تقى عينيها لتتجرع بمرارة لا توصف ذلك الآلم النفسي والبدني ..
هي عاهدته عنيداً ذي قوة وجبروت .. شخص لا يُستهان به .. قادر بسلطته على أن يفعل ما يعجز عقلها البسيط عن التفكير فيه ..
، ولكنها اليوم رأت فيه بوضوح ذئباً بشرياً .. حيواناً بربرياً يحاول إتباع غرائزه ..
أدركت الآن المعنى الحرفي لعزة النفس والكرامة الإنسانية ..
كانت من قبل تبتلع الإهانة اللفظية على مضض من أجل عائلتها ..
ولكنها اليوم عرفت معنى الإذلال البشري .. إهدار إنسانيتها قبل كبريائها ، نعم .. لقد دفع بها إلى هاوية المعتدى عليهن تحت رباط الزواج المقدس ...

في جناح العرائس بالفندق الشهير
نظرت ليان إلى زوجها بصدرها اللاهث وهي تحاول إرتشاف حبه الذي يقدمه لها بتتابع ..
مسح على ذراعيها ، وقبل جبينها بشغف ، ثم نزل بشفتيه على عينيها وقبلهما بحنو زائد ، ومن ثم إنتقل إلى وجنتيها ..
وما إن وصل إلى شفتيها ، حتى إلتقطهما بمهارة ، وبث حبه الزائف لها ..
ثم أردف بصوت هامس :
-إنتي بقيتي ملكي .. يعني ليا وبس
ردت عليه بخفوت وهي تلهث :
-أنا عاوزاك !

نظر لها بطريقة غريبة ، ثم ضربها بخفة على وجنتها ، وأردف ببرود مفاجيء ب :
-وأنا قرفان منك !
ضيقت عينيها في إستغراب شديد ، ورفعت حاجبيها مندهشة وسألته وهي فاغرة شفتيها ب :
-إيه ؟!!!
إعتدل في نومته ، وأبعد ذراعيه عنها .. ثم عقدهما خلف رأسه ، وحدق بسقفية الغرفة ، وأجابها بفتور :
-أخرك معايا كده ، لأن أنا ماليش في الليلة أصلاً !

شعرت بنبضات قلبها تخفق بفزع ، بينما هربت الدماء من وجهها ، فشحب لونه على الفور .. ومن ثم نهضت من على الفراش ، ونظرت له بتوجس شديد وهي تسأله بقلق حقيقي :
-انت بتقول ايه ؟
تثاءب ببرود وهو يكمل حديثه قائلاً بجمود :
-بأقول الحقيقة اللي متعرفيهاش !
إبتلعت ريقها بتوتر رهيب ، ونظرت له بخوف وهي تردد بتلعثم :
-أنا .. أنا مش فاهمة حاجة !

أدار رأسه ناحيتها ، وحدجها بنظرات مهينة وهو يجيبها :
-يعني أنا لا مؤاخذة أخري معاكي بوس وحضن ، أكتر من كده موعدكيش ...!!!!
فغرت شفتيها بصدمة واضحة ، وإتسعت مقلتيها بذعر وقد فهمت المغزى من كلماته الفجة ونظراته الوقحة ، وحاولت أن تنطق ب :
-هاه ، إنت آآ...!
إبتسم لها بإبتسامة مستفزة ، ورمقها بنظرات إحتقارية وهو يهمس بتشفي :
-تلاقيكي بتقولي لنفسك أنا خدت أكبر مقلب في حياتي !! تعيشي وتاخدي يا .. يا *****...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس عشر

في منزل ممدوح الجديد ،،،،
تجاهل ممدوح الإتصالات الهاتفية المتكررة لناريمان ، ووضع الهاتف على وضعية الصامت ، فشاغله الأكبر الآن هو التأكد من شكوكه ..
هو يعلم أن الإنخراط في الماضي سيفتح أبواباً من الحجيم ، ولكن لا بديل عنه من أجل الوصول للحقيقة ..

فتح هو الضلفة الخاصة بخزانة ملابسه بعد أن وقف أمامها ، وانحنى بجذعه للأسفل ، وأخرج حقيبة جلدية سوداء .. ثم أسندها على الفراش ، وجلس إلى جوارها ..
بلمسات خشنة تحسس تلك الحقيبة ، ومسح على سطحها ببطء قبل أن يعبث بالقفل الخاص بها ليفتحها ..
أخذ نفساً عميقاً ، وزفره على مهل ، وبنظرات مترقبة بدأ يفحص محتواها ..
أمسك هو بعدة أوراق صفراء قديمة ، وطرحها جانباً ، وظل ينظر إلى الملفات الموضوعة أسفلها، إلى أن لمح مبتغاه .. فمد يده بحذر نحوه ، ومن ثم سحب مظروفاً بالياً ، وأغلق الحقيبة على ما فيها ..

زفر ممدوح مجدداً ذلك الهواء الثقيل المحبوس في صدره ، وحدث نفسه قائلاً :
-استحالة تكون دي تهيؤات !
فتح المظروف وأخرج منه عدة صور فوتغرافية قديمة .. ثم بدأ في تفحصها واحدة تلو الأخرى إلى أن وقعت عيناه على الصورة المنشودة ..
فألقى بالبقية على الفراش ، وظل محدقاً لبرهة بها ..
ارتسمت علامات الإندهاش الممزوجة بالخوف على تعابير وجهه ..
تلاحقت أنفاسه قليلاً وهو يرى صورتها المشابهة بدرجة مخيفة لها ..

نعم إنها زوجته تهاني في ثوب عرسها .. نسخة من ليان ..
ظل محدقاً بالصورة لعدة دقائق محاولاً إيجاد التفسير المنطقي لهذا التشابه العجيب :
-مش ممكن الشبه ده ، مش معقول ، في حاجة غايبة عني !
ابتلع ريقه بتوتر ، وتابع بجدية واضحة ب :
-لازم أعرف الحقيقة ، لأن ده .. ده معناه إن في إحتمال كبير إنها تكون .. تكون ....!!!
إتسعت مقلتيه في صدمة غير مستوعباً لتلك الفكرة التي عجز لسانه عن النطق بها ..

في منزل تقى عوض الله ،،،،
صارعت تقى بذراعيها مجموعة من الذئاب الضارية التي تجمعت حولها لتفترسها ..
ركضت لمسافات بعيدة ، ولكن تلك الذئاب باتت على وشك الإمساك بها ..
صرخت مستغيثة بوالدتها ناظرة لها بتوسل شديد :
-إلحقيني يا ماما .. هايموتني
رمقتها والدتها بنظرات مرتعدة ، وحاولت التحرك من مكانها ، ولكن كانت قدميها ملتصقتين بالأرضية ..
مدت يدها لتمسك بها ، لكنها لم تصل إليها ..
فغرت فمها لتلبي ندائها .. ولكن كان صوتها مكتوماً ..

أدركت الحقيقة المفزعة .. هي بكماء .. فقدت القدرة على النطق ..
ركضت تقى في إتجاهها ، ولكن كان هناك حائلاً زجاجياً يمنعها من الوصول إليها ، فتوسلت لها ببكاء حارق ب:
-هاموت يا ماما ، ماتسبنيش .. حوشيهم عني ، ساعديني يا أمي !
لهثت فردوس بصعوبة بالغة وهي تحاول إزاحة قدميها ، والتحدث لتجيبها ..
لكن دون جدوى .. عجزت عن فعل أي شيء لها
نظرت بذعر حينما رأت اقتراب الذئاب منها ، لقد أوشكوا على نهش لحمها .. والنيل منها ، فصرخت بفزع رهيب يصم الآذان قائلة :
-أمه ...!!!!

نهضت فردوس من على الفراش وهي تصرخ بذعر غريب بعد أن رأت كابوساً مفزعاً قائلة :
-بنتي .. تقى !!
تعالى صدرها اللاهث وهي تحاول ضبط أنفاسها المتلاحقة ، ومسح عرقها المتصبب من معظم جسدها ..
نظرت إلى جوارها ، فوجدت زوجها غافلاً ..
فتنهدت في يأس ، وحدثت نفسها بحزن مرير ب :
-يا مين يجمعني بيكي تانية يا غالية ! آآآآآه .. يا حرقة قلبي عليكي !

أزاحت الملاءة من عليها ، ونهضت من على الفراش ، وولجت خارج الغرفة ، وسارت في إتجاه المطبخ ..
ملأت كوباً معدنياً بالمياه الباردة ، وإرتشفت منه البعض .. ثم تابعت حديثها الحزين ب :
-يا ترى فين أراضيكي يا حتة من قلبي ؟
أسندت الكوب في الحوض ، وحدقت أمامها في الفراغ .. وتنهدت بمرارة ..
ظلت شادرة لبعض الوقت تسترجع في ذاكرتها ذلك الكابوس المزعج الذي أيقظها بفزع من نومها ..
ثم فكرت بصوت مسموع :
-أنا لازم أروح القصر ده تاني أسأل عليها ، هي أكيد هناك ، والراجل المفتري ده مخبيها ، مش هاستنى حد يقولي أعمل ايه ، أنا هادور عليها بنفسي !

في منزل أوس بمنطقة المعادي
تمدد أوس في المغطس لبرهة من الزمن وهو مغمض العينين ، مرتخي العضلات ، ساكن بدرجة غير معقولة ....
لا يعرف كم مر عليه من الوقت وهو على تلك الحالة المستكينة ..
ولكن شعوره بالإرتياح النفسي جعله يهدأ تماماً ..
تمطع بعضلات ذراعيه وهو ينهض عن المغطس ، ثم لف خصره بمنشفة قطنية ووقف يتأمل حالة في المرآة ..

كانت قسمات وجهه تعكس الكثير عن حالته النفسية الحالية بالرغم من أثار الخدوش البادية على عنقه وأذنيه ، وجانبي وجهه ..
فنظراته العميقة توحي بالكثير من الرضا عن حاله .. وإبتسامة إنتصار تطفو على ثغره ..
فهو إكتسب ثقة رهيبة في قدراته الجسمانية بعد أن تمكن من إخضاع تلك الساذجة لسيطرته ..
نظر لنفسه بزهو .. ولكن لم يدمْ الحال كثيراً ، فطائف ذكرى ذلك المغتصب لم يكن يدعه لحاله ..
فصورته البغيضة تعود لتتجسد على المرآة وكأنها تسخر منه ..

سمع صوته من بعيد يقتحم حياته هامساً بإستهزاء :
-لا برافو ، بتعرف تضرب ، مممم.. عجبتني يا .. يا أوس !!
تشنجت عضلات وجهه ، وإهتز بعنف ..
جحظ بعينيه الصغيرتين المذعورتين وهو يرى إبتسامة ممدوح الماجنة أثناء اقترابه منه ..
إزدادت ضربات قلبه ، وتسارعت حد الموت وهو يقيده ليراوده عن نفسه ليُسلي نفسه ويتمتع به بشذوذ مرعب ..
أجبر أوس نفسه على عدم التفكير فيما مضى ، وضرب المرآة بقبضته ، ثم كز على أسنانه مردفاً بإختناق :
ب :
-أنا أقوى منه ، هو معدتش ليه وجود في حياتي ، معدتش موجود !!

كانت جاحظة العينين ، محدقة بالحائط المواجه لها ، فاقدة للإدراك الحسي والذهني ..
لم ترمش عينيها إلا لتزيح تلك العبرات العالقة بأهدابها ..
فقدت معنى الحياة بعد الذي صار معها ..
ولِما تشعر بها وقد فقدت عذريتها على يد ذئب لا يعرف الحب ؟
أغتيلت برائتها فقط لتلبية هواجس مريضة لدى شخص غير طبيعي ..

لم تخطيء في حقه ولم تحاول حتى الإقتراب منه أو الدخول في عالمه ..
بل إنها لم تتجرأ عليه إلا حينما أجبرتها الظروف على هذا ..
هي كانت تدافع عن أسرتها ، تحميهم من بطش شخص متجبر ..
هي كانت تساند والدتها التي أرهقتها ظروف الحياة وأضنتها فتعرضت للظلم البائن ، فأرادت نصرتها ..
إنهالت العبرات أكثر لتبلل وجنتيها وعنقها والوسادة ، ولكنها لم تكنْ لتطفيء النيران المتأججة بصدرها ...
كانت متصلبة الذراعين بسبب تقييدها لساعات بمسند الفراش ..
ولكنها لم تتحرك أو تشتكي ، ولما الشكوى وقد فقدت روحها بعد ما حدث ؟

خرج أوس من المرحاض وهو ملتف بالمنشفة و منتصب الجسد ، وفروة رأسه تقطر ماءاً ..
نظر إليها بعدم إكتراث ، ثم حدثها بفظاظة قائلاً :
-كانت ليلة صح ؟
لم تجبه بل ظلت صامتة ، فتعجب من سكونها ، فأراد أن يتسلى أكثر فتابع بوقاحة :
-لأحسن تكوني مش قادرة من ليلة امبارح !
إحتقن جسدها غضباً من كلماته المستفزة ، ولكنها أثرت الصمت ..
إلتقط سيجارته الفاخرة ، ولكنه لم يجد قداحته ليشعلها .. فنظر في إتجاه المرآة ، فوجدها مسنودة هناك ، فلوى فمه ، ثم أشعلها بتلذذ بعد أن سلط عينيه على تقى..

مرر عينيه القاتمتين ببطء على جسدها - شبه المتعري - مستمعاً برؤية أثار قوته عليها .. ونفث بشراهة دخان سيجارته الكثيف ...
رأى رسغيها وهما مرفوعان للأعلى، فتذكر نسيانه لحل وثاق يديها، فدنا من الفراش بهدوء وبحركة إنحنائية عادية حل وثاق حزامه الجلدي من المسند ليرتخي ذراعيها للأسفل ..

تفاجيء بحالة الجمود المسيطرة عليها .. فجلس على طرف الفراش ، ونظر لها بتمعن
مد يده نحو رسغيها المقيدين ، ونزع عنهما حزامه الجلدي ..
فوجده قد طبع معالمه عليهما مكملاً حلقة تسليته .. ثم تركهما لتتأوه بصوت مكتوم وهي تضم ذراعيها إلى صدرها ..
نفث مجدداً دخان سيجارته ، ثم مرر إصبعه على ظهرها العاري مصيباً إياها بالقشعريرة والتقزز معاً من لمسته المؤلمة عليها ..
تقوس فمه في إشتهاء وهو يأمرها ببرود :
-قومي يالا.

إنكمشت بجسدها ، وحاولت أن تبتعد عنه .. لكن حالة الآلم الرهيبة المسيطرة عليها جعلتها عاجزة عن التحرك ..
نهض هو من جوارها ، وأطفأ سيجارته في المنفضة الموضوعة على الكومود ..
ثم دقق النظر في الخدوش البادية على وجهه في إنعكاس صورته بالمرآة ، ومن ثَمَّ عاود النظر إلى تقى ، وحدجها بنظرات جافة وتابع بصوت جاد :
-متعودتش إن واحدة تعمل فيا كده .. بس منكرش إنك عجبتيني !
تحسس بأصابعه أثار الخدوش ، ثم حدث نفسه بخفوت قائلاً :
-بيتهيألي في سبرتو جوا في الحمام !

ثم سار في إتجاه المرحاض ، ودلف إلى الداخل بحثاً عن مطهرٍ ما..
أغمضت تقى عينيها لتمنح الفرصة الأخيرة لعبراتها لكي تنهمر رغماً عنها متجاوزة مناسك الآلم التي خاضتها قبل سويعات قلائل ..
ثم مسحت تلك العبرات الحارقة بكفيها ، وأخذت نفساً عميقاً لتمنع حالها من البكاء المرير ..
وبخطوات حذرة حاولت النهوض من على الفراش
عضت على شفتيها السفلى وهي تقاوم الشعور بالآلم الجسدي ..

وقفت بصعوبة على ساقيها ، وضمت ذراعها الأيسر إلى صدرها لتحول دون سقوط فستانها عنها ..
وحاولت أن تستند بذراعها الأخر على الكومود الملاصق للفراش ..
سارت ببطء شديد خطوتين للأمام محاولة الحفاظ على إتزانها ..
أشاحت بوجهها للجانب فرأت إنعكاس صورتها في المرآة
بقايا أنثى .. حُطام امرأة ..

تحولت المرآة أمام عينيها لشاشة سينمائية تعرض مقتطفات مما تعرضت له مع ذلك الذئب الوحشي حتى مطلع الفجر ..
إرتفع صدرها وهبط بسبب أنفاسها اللاهثة .. رأت على معصميها أثار تعذيبه جلية .. فإزدادت شهقاتها ..
لم تتحمل رؤية نفسها بتلك الصورة المقيتة .. فنظرت حولها بطريقة مريبة .. ولمحت تلك المزهرية الصغيرة على الطاولة ، فهرولت نحوها ، وقبضت عليها ، ثم قذفتها بعنف في إتجاه المرآة لتحدث دوياً هائلاً قبل أن يتساقط الزجاج محطماً على الأرضية ..

كما إنتابتها حالة من الصراخ الهيستري ، والتي على إثر كليهما ركض أوس خارج المرحاض قبل أن يكمل إرتداء ملابسه ..
نظر لها بإندهاش وهو مقطب الجبين وعابس الوجه .. ثم إلتفت ناحية المرآة ليراها محطمة تماماً ... فإزداد إنعقاد ما بين حاجبيه ، وإستدار لينظر إليها بنظرات حانقة وهو يصيح فيها بصرامة :
-إنتي عملتي إيه ؟
صرت على أسنانها وهي تصرخ عالياً بعصبية :
-إنت مش بني آدم ، مش بني آدم !!!!

نظر لها بإستهزاء ، ثم قهقه عالياً بطريقة مستفزة ، وفجأة سكن تماماً ، وتحولت ملامحه للجمود لينطق بصوت قاتم :
-أنا أوس الجندي مش أي حد ! أنا اللي بأخد حقي أول باول ومش بأسمح لمين يقف قصادي أو بس يفكر حتى يتحداني .. أنا اللي عرفت أخليكي تحت رجلي وواقفة كده قصادي ، أنا اللي ملكتك وخليتك بتاعتي !
لم يغبْ عن عقلها للحظة ما فعله بها بطريقة وحشية لا رحمة فيها ، فنظرت له بشراسة قبل أن تهجم عليه قائلة بإنفعال واضح :
-هاموتك زي ما دبحتني .. مش هاسيبك ، هاموتك ، هاتموت على إيدي..!

حاولت تقى أن تنال منه ، وإنهالت عليه بقبضتيها الضعيفتين محاولة إلحاق الأذى به في صدره فلكمته عدة مرات فيه ، ولكنه لم يتحرك قيد أنملة ، ثم رفعتهما نحو وجهه لتخدشه بكل غل في وجنتيه ..
ولكن لم يؤثر به أي شيء مما تفعله .. فقد تمكن من الإمساك بها ، وأحكم سيطرته عليها ولف ذراعيها ليقيدها بهما دون مجهود يذكر ، ثم أدارها بخفة ليلتصق ظهرها بصدره ، ومال على أذنها برأسه ليهمس لها بأنفاسه الحارقة التي تبغضها ب :
-واضح إنك عاوزة تعيدي ليلة امبارح ، وأنا مش هاحرمك من ده ، ما أنا برضوه هاشوف كيفك زي ما بتشوفيني !

-لألألألألأ
كانت تلك أخر صرخات لتقى قبل أن يلقي بها أوس على فراشه ليشل حركتها تماماً ، ويتمكن منها ويثبتها بمهارة إعتادها ، ومن ثم إغتصبها مجدداً بعنف غير مسبوق فقضى على أخر ما تبقى لديها من مقاومة ...!

في جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،
جفا النوم جفني ليان التي قضت ليلتها وهي تبكي بحسرة على حالها .. نظرت بإحتقار نحو عدي الذي يغط في نوم عميق وظلت تندب حظها البائس الذي جعلها تقبل به زوجاً يعوضها عما مضى ...
لم تتخيل أن تقع مرة أخرى فريسة سائغة في براثن شخص خدعها تحت شعار الحب النقي .. واستغل الظروف ليوقعها في شباكه ..
وهي كالغبية توهمت أنها وجدت من يعوضها عما حدث لها ، ولم تنتبه لحقارة زوجها ..
لقد حذرها أوس منه من قبل ، وهي لم تصغْ إليه .. بل أصرت عليه وكأنه الملاذ لها ..

هي هربت من واقع آليم إلى واقع أسوأ بكثير مما تخيلت ..
لقد بات لزاماً عليها أن تتقبل تلك الحقيقة المُرة ..
هي لن تتجرأ على البوح بما عرفته عنه لأي فرد من أسرتها حتى لا تثير شماتتهم وسخطهم .. فهي الوحيدة الملامة في النهاية على سوء إختيارها .. ولن يتمكن أحد تلك المرة من مساعدتها ، فهي من جَنَت على نفسها
تثاءب عدي وهو يحاول فتح جفنيه الثقيلين ، فوجد زوجته هائمة .. تضم ركبتيها إلى صدرها .. وجهها شاحب ، ملامحها كالموتى ..

أغمض عينيه مرة أخرى ، وتثاءب بصوت خشن ، ثم مد كفه ناحية كتفها ، وضربها بقوة .. فإنتبهت هي له ، ورمقته بتلك النظرات النارية ، فنظر لها بنصف عين ، وهتف بصوت ناعس يحمل التهكم :
-صباحية مباركة يا .. يا عروسة
صرت على أسنانها وهي تجيبه بحنق :
-بتتريق حضرتك ؟!
اعتدل في نومته ، وعقد ذراعيه خلف رأسه ، وحدق بالسقف ، ونظر لها من طرف عينه قبل أن يجيبها ببرود :
-أيوه .. أصلي بصراحة مبسوط من المقلب اللي شربتيه.

احتقنت عينيها أكثر من رده البارد ، وسألته بصوت مختنق وهي تضربه في صدره بكف يدها :
-عملت فيا كده ليه ؟
أمسك عدي بمعصمها ، وضغط عليه بقسوة جعلها تتأوه من الآلم ، ثم قربه من فمه ، وقبله بطريقة اشمئزت هي منه .. ثم جلس في الفراش ونظر له بحدة وهو يجيبها بنبرة تحمل التهديد :
-وهو أنا عملت حاجة أصلاً ؟
سحبت معصمها من قبضته ، وفركته بغيظ ، ثم نظرت له بإزدراء وهي تهته محتدة ب :
-انت .. إنت ضحكت عليا واستغليت اللي حصل ليا ، واتجوزتني !

زم فمه للجانب وهو ينهض عن الفراش ، ووقف يتمطع بذراعيه في الهواء ، وإلتفت برأسه نصف إلتفاتة ليجيبها بهدوء مستفز :
-مش بالظبط ، ما إنتي اتبسطتي مع السافل اللي قبلي !
حدجته بنظرات محتقنة وهي تنطق بصوت محتد :
-آآآه يا آآ.....
قاطعها محذراً بغلظة وهو يرمقها بنظراته الغير مهتمة :
-إياكي تغلطي ، فاهمة !
كزت على أسنانها أكثر ، وظهر صوتها مهتاجاً وهي تصيح قائلة :
-أومال عاوز تفهمني إنك عملت ده كله عشان بتحبني ؟!

قهقه عدي بصوت عالياً مثيراً سخطها أكثر ، وأجابها بجموح :
-حب ، لأ طبعاً ، أنا مش بتاع حب ، أنا ممكن أكون معجب بالجمال الطبيعي ، بالأنوثة المتفجرة ، بالمسائل إياها ، لكن معمريش حبيت حد إلا .. إلا اللي ما تتسمى طلقيتي ، بس غارت في داهية ، والحب مالوش مكان في حياتي !!
ضيقت عينيها المتورمتين وهي تسأله بغضب :
-طب اتجوزتني ليه ؟؟؟

إبتسم لها إبتسامة صفراء برزت من خلف أسنانه وهو يغمز لها قائلاً :
-المصلحة يا بيبي !
لم تفهم مقصده ، فهتفت بضيق :
-نعم ؟!
اقترب عدي منها ، ووقف قبالتها ورمقها بنظرات مهينة .. ثم أردف بنبرة ساخطة :
-انتي كنتي محتاجني عشان أتستر على فضايحك الوسخة ، وأنا كنت محتاجك عشان أداري على آآآآ... ما إنتي فاهمة بقى يا مدام !
كانت كلماته الأخيرة كعود الثقاب الذي أشعل فتيل غضبها ، فصرخت فيه عالياً وهي تسبه ببشاعة :
-آآآه يا **** ، يا آآآ..

أطبق بكف يده على فكها ، ومنعها من إكمال سبابها ، ونظر لها بشراسة وهو يحذرها قائلاً :
-أحسنلك تلمي لسانك ده بدل ما أندمك على كل كلمة هاتقوليها !
ثم دفعها للخلف بعنف ، فإختل توازنها وسقطت على الفراش ..
حاولت ليان أن تلملم شتات نفسها وهددته بصوت مرتعد قائلة :
-مش خايف لأفضحك ، وأقولهم عليك !
نظر لها بإستخفاف وهو يرفع حاجبه للأعلى متسائلاً بفضول :
-تقولي لمين بالظبط ؟
ضيقت عينيها بقسوة لتجيبه دون تردد ب :
-لأهلي !

مط ثغره للجانبين ، ولوح لها بكف يده وهو يتابع بنبرة ساخرة :
-مممممم.. بجد ! طب إتفضلي .. وأظن انهم ماهيصدقوا ينقذوكي مني !
بادلته نظرات متحدية وهي تهتف عالياً ب :
-طب مش خايف من أوس ليعرف باللي .. باللي انت عملته !
هز كتفيه في عدم إكتراث ، وأجابها ببرود واضح :
-لأ طبعاً ، لأنه بنفسه عارف حقيقتي ، وهو حذرك مني ، بس انتي ركبتي دماغك ووافقتي عليا بالبلاوي بتاعتي كلها !

هنا أدركت ليان حجم الكارثة التي أوقعت نفسها فيها .. فلا مهرب الآن لها من مصيرها المحتوم ..
دفنت وجهها بين راحتي يديها وهي تصرخ بغضب :
-مكونتش أعرف ، مكونتش أعرف !!!!!
حك عدي رأسه عدة مرات ، وأكمل بصوت جاف :
-مش هاتفرق كتير تعرفي ولا لأ .. لأني اللي أنا عاوزه خلاص حصل ، وعاوزك من هنا ورايح تعملي اللي هاقولك ايه
رفعت وجهها لتنظر له بعينيها الحمراوتين ، وهتفت متحدية :
-إنت بتحلم !

جلس هو إلى جوارها على الفراش ، ونظر لها بإستهزاء وهو يرد عليها بصرامة :
-لأ يا مدام ، ده اللي هاتنفذيه بالحرف ، وإتقي شري أحسنلك !
صرت على أسنانها وهي ترمقه بنظرات نارية ، ثم هتفت بصوت مختنق :
-أنا بأكرهك .. بأكرهك
لوى فمه في عدم إكتراث ، وأردف متهكماً :
-ومين قالك تحبيني أصلاً ، ده حتى وحشة في حقي إن مزة زيك تحبني ، أنا عاوزك كده كرهاني ، وقرفانة مني !

في منزل ممدوح الجديد ،،،،
ظل ممدوح يجوب غرفته ذهاباً وإياباً وهو ممسك بتلك الصورة الفوتغرافية القديمة لزوجته ..
لم يتوقف عقله للحظة عن التفكير في ليان ، وظل يسأل نفسه بتوتر رهيب :
-مش معقول تكون هي ، لأ .. أنا .. أنا مش مصدق ، ده .. ده الشبه واحد ، أنا .. أنا لازم أعرف الحقيقة
أسرع ناحية هاتفه الموضوع على الطاولة ليهاتف ناريمان ، ولكنه توقف قبل أن يضغط على زر الإتصال ، وتابع بجدية :
-ما هي أكيد مش هاتقول الحقيقة ، ممكن تكدب ، طب هاعمل ايه ، دي نسخة من تهاني ، وانا مش هاتوه عن مراتي !

إبتلع ريقه بعصبية وهو يجلس على طرف الفراش ، وأكمل قائلاً :
-لازم أنفرد بناريمان وأسيطر عليها كويس .. أسرار مهاب معاها هي وبس ، ووجوده الوقتي ممكن يخليها تخاف تقولي أي حاجة !!
أخذ نفساً عميقاً ، وزفره ببطء شديد ليسيطر على إنفعالاته قبل أن يتابع بنفس الصوت الجاد :
-إهدى يا ممدوح ، وخد كل حاجة بالراحة وبالعقل عشان توصل للي إنت عاوزه !
ثم صمت للحظة وأضاف قائلاً :
-أه لو طلع الموضوع زي ما أنا شاكك ، قسماً بالله هاندمك يا مهاب على كل حاجة واولها ابنك !!!

في منزل تقى عوض الله ،،،،
أسندت فردوس صينية الطعام على الكومود المجاور لفراش زوجها ، ومسدت على رأسه ، ثم إنحنت لتقبله ، وهمست له قائلة :
-أنا نازلة يا عوض !
ثم تنهدت في يأس بعد أن إعتدلت في وقفتها ، وأردفت بخفوت :
-هاروح أشوف بنتنا تقى .. !
نظر لها عوض بنظرات زائغة ، ولم ينبس بكلمة ..

لوت فمها للجانب ، وتابعت بصوت حزين :
-الأكل جاهز ، لو جوعت مد إيدك وكل .. أنا .. أنا مش هتأخر ..
تحركت بخطوات متثاقلة في إتجاه باب الغرفة ، ورمقت زوجها بنظرات أخيرة ، ثم قالت بنبرة تحمل التفاؤل :
-إدعيلي ربنا يعترني فيها .. قلبي بيقولي إنها موجودة هناك...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع عشر

في قصر عائلة الجندي ،،،
أعد مهاب حقيبته للسفر ، وتأكد من وجود كل ما يحتاجه بداخلها ، ثم ولج خارج غرفة نومه ، ووقف على مقربة من الدرج ، وصاح عالياً :
-عفاف .. ابعتي حد ياخد الشنطة من أوضتي
أتاه صوتها من الأسفل وهي تجيبه بنبرة رسمية :
-حاضر يا مهاب باشا
نظرت له ناريمان بجدية وهي تسير في إتجاهه وتحمل بين كفيها قدحاً من الشاي ، وسألته بنبرة عادية :
-خلاص ، نويت تسافر ؟

رمقها بنظرات مطولة قبل أن يوليها ظهره ويتجه نحو الغرفة قائلاً بنبرة منزعجة :
-أها ، ويا ريت ما تسألنيش
سارت خلفه وهي عابسة الوجه ، وأردفت بتجهم :
-مش ناوي تطمن على بنتك الأول وتشوف عملت ايه مع عريسها ؟
رمقها بنظرات مستهزأة من طرف عينه وهو يجيبها بسخط
-مش لما تكون جوازة عدلة الأول ، ما انتي عارفة كويس هما اتجوزوا ليه !

-بس at least ( على الأقل ) هما اتجوزوا
-مش فارقة ، انا ورايا شغل وعاوز انتهي منه
-اوكي يا مهاب .. براحتك !!
ثم تركته بمفرده ، وإنصرفت خارج الغرفة ..
بينما أمسك هو بهاتفه المحمول ودسه في جيبه ، وإرتدى ساعته في يده ، وتوجه نحو الخارج وهو يغمغم لنفسه :
-فرصة أبعد شوية و ارتاح من القرف ده كله ، وأشوف نفسي يومين !

على مقربة من القصر ،،،
ترجلت فردوس من الحافلة وهي تلهث بسبب الحرارة العالية والزحام الشديد ..
مسحت بطرف حجابها جبينها الذي تصبب عرقاً من المجهود الذي استهلك طاقتها ، وجابت بعينيها المرهقتين المكان ..
ثم إبتلعت ريقها في حلقها الجاف ، وحدثت نفسها بصوت لاهث قائلة :
-أنا كنت جاية من هنا ، و.. والواد قالي أمشي من هنا ..!
خطت نحو طريق فرعي بخطوات متثاقلة ، وحدثت نفسها بإصرار رغم الإجهاد البادي عليها :
-آآه يا ركبي .. معنتش قادرة منها ، استحميلي يا فردوس عشان بنتك !

بعد دقائق قليلة كانت تقف هي على مقربة من بوابة القصر الحديدية ..
تابعت بحذر شديد حركة الحرس المرابط أمام البوابة ومسحت بلسانها على شفتيها المشققتين، ثم تشبثت بحافظة نقودها الصغيرة وسارت بخطوات واثقة في إتجاه هذا الضخم الذي تحدثت معه من قبل ..
رأها الحارس جمال وهي تقترب منه فإمتعض وجهه على الفور ، ونفخ بضيق ، وتحرك بخطوات سريعة صوبها ..
إرتسم على ثغرها إبتسامة رضا حينما رأته يقترب منها ، وقالت بتلهف :
-ازيك يا ابني ، ف.. فاكرني ؟

أمسك بها الحارس جمال من ذراعها ، ودفعها بقسوة نحو الجانب ، وصر على أسنانه ناطقاً بغلظة :
-تعالي معايا يا حاجّة !
نظرت له وبريق من الأمل يلوح في عينيها قائلة :
-أنا كنت عايزة آآآ..
قاطعها بصوت جاد وهو ينظر حوله بريبة :
-هانتكلم هناك !
-ماشي يا بني
سارت معه إلى أن توارى الإثنين عن الأنظار، فسألها بضيق واضح وهو يتلفت حوله :
-خير.

نظرت له بأعين دامعة وهي تسأله بتلهف :
-مافيش أخبار يا بني عن تقى ؟
أجابها قائلاً بنفاذ صبر :
-لأ يا ست مافيش
أطرقت رأسها في إنكسار واضح ، وبدى الحزن في نبرة صوتها وهي تسأله بتلعثم :
-طب .. طب البيه أوس موجود جوا آآ.. ادخل أكلمه
نظر لها بحنق وهو يجيبها بإيجاز :
-لأ مجاش من إمبارح.

إنتحبت فردوس وأجهشت بالبكاء المرير وهي تتابع حديثها قائلة :
-ليه يا بني بتكدب على ست كبيرة زيي متعلقة في حبال الهوى ونفسها تعرف أي حاجة عن بنتها !
إحتقن وجه الحارس جمال وهو يرد عليها بإنفعال بائن :
-يا ست لا بأكدب ولا بأتنيل ، أنا لو شوفتها هاقول ، لكن بنتك مجتش هنا خالص !
ثم قام بدفعها من كتفها للخلف وهو يأمرها بصرامة :
-ويالا بقى من هنا بدل ما تعمليلي مصيبة
نظرت له برجاء ، وصاحت متوسلة :
-حرام عليك.

نفخ من الضيق وهو يبتعد عنها قائلاً بسخط :
-يوووه ، يا شيخة اتكلي على الله ، شوفي بنتك في حتة تانية !
ثم تركها وإنصرف في اتجاه البوابة الرئيسية وهو يتمتم بكلمات غاضبة ...
وقفت فردوس في مكانها حائرة وعينيها تفيضان من الدمع حسرة على إبنتها ..
حانت من نظرة إلى الأعلى محاولة إكتشاف ما الذي يوجد خلف هذا السور العالي ...
وقالت لنفسها بيأس :
-يا ما كان نفسي أدخل جوا واجيبك ، بس أنا عاجزة لوحدي ، آآآآه يا بنتي ..!!
ثم جرجرت ساقيها المرهقتين ، وسارت مبتعدة عن القصر ..

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
وقف أوس أمام بقايا المرآة المحطمة مزهواُ بنفسه ، معتداً بمآثره ، يمشط شعره المبتل بفرشاته .. ثم إلتفت برأسه للخلف لينظر إلى تقى الفاقدة للوعي على الفراش ..
تقوس فمه في تلذذ عجيب وهو يتذكر كيف نالها رغماً عنها ، وإستمتع مجدداً بشعور الإنتصار وإثبات رجولته الطاغية ..
هي حقاً تمكنت من إسعاده دون أن تدري .. لبت رغباته الحيوانية وأثبتت له أنه قادر على إخضاع أي أنثى ..
لقد ظفر بأخر معاركه ، وإنتصر لنفسه ..

على الجانب الأخر ، جاهدت تقى لتكتم أنين جسدها المغتصب وروحها المنتهكة ..
إدعت النوم لعلها تهرب من واقعها المخيف .. فليس بها أي ذرة أخرى لتتحمل إعتداء وحشي أخر منه ..
فهي لم تعدْ تشعر بأي شيء بعد أن افترسها بلا رحمة سوى بالآلام الموجعة التي تفتك بها ..
ألقى أوس بالفرشاة دون إكتراث ، وعدل من وضعية أكمامه ، واقترب من الفراش ، وجثى بركبته على طرفه ، ومال على أذنها ليهمس قائلاً :
-شوية و راجعلك تاني !

إعتصرت تقى عينيها بقوة محاولة كتمان شهقاتها لعل تمثيليتها الزائفة بأنها غافلة تنجلي عليه ...
هي تبغض أنفاسه القريبة والحارقة لها ، وتمقت كل لحظة يكون فيها إلى جوارها ..
لقد ذبحها بسكين بارد ، ووقف متشفياً على بقاياها ، مستمتعاً بجسدها المذبوح ..
شعر هو بتلك التنهيدات المكتومة تخنقها ، فأراد أن يتسلى أكثر بها ..
لذا جذبها بقسوة من شعرها فصرخت عالياً :
-آآآآه .. لأ.

حاولت أن تخلص خصلات شعرها من أصابعه القاسية ، ولكنها فشلت .. بينما أطبق هو بكفه على فكها وإعتصره بقوة أشد متلذذاً برؤية دموعها تغرق كفه .. وصر على أسنانه قائلاً بنبرة تشبه الفحيح وهو ينظر مباشرة في عينيها :
-خلي الآهات لليل وأخره ..!!!!
ثم أرخى قبضتيه عنها ، ورمقها بنظرات جريئة متفحصة لظهرها المكشوف أمامه ، وأضاف قائلاً :
-وأنا مش هاغيب كتير عنك .. !
توجه أوس إلى باب الغرفة ، وصفعه خلفه بقوة ، فإنتفضت تقى على إثر الصوت وهي تجهش بالبكاء المرير صارخة بإنكسار :
-آآآآآآآآآآآآآه .....!

على مقربة من قصر عائلة الجندي ،،،
فُتحت البوابة الرئيسية للقصر لتخرج سيارة مهاب الجندي ويقودها سائقه الخاص حيث إتجهت في الطريق الذي تسير فيه فردوس بخطواتها البطيئة ..
قاد السائق السيارة على مهل محاولاً إعطاء الفرصة لتلك العجوز لكي تسبقه .. ولكن إنزعج مهاب من بطء السيارة ، فقال بضيق :
-إنت مش ملاحظ إني مستعجل يا بني آدم إنت
نظر السائق إليه عبر المرآة الأمامية ، وأجابه بهدوئه المعهود :
-يا فندم في واحدة عجوزة ماشية قدامي.

لوى مهاب فمه في إمتعاض قائلاً بعدم إهتمام :
-دوسها ، اخبطها ، بس مش عاوز تأخير
زم السائق ثغره في تأفف ، ورد عليه بإستسلام :
-ح.. حاضر يا فندم
ضغط بقبضته على بوق السيارة لتنتبه له تلك العجوز ..
وبالفعل إستدارت برأسها ناحية السيارة الفارهة التي تسير خلفها ، ونظرت بإرهاق لسائقها ، وهتفت بحدة وهي تلوح بيدها في الهواء :
-بالراحة يا بني ، مستعجل على إيه.

نظر لها مهاب شزراً ، وصرخ بصرامة جادة :
-مش قوتلك دوسها ، ولا إنت مش بتنفذ الأوامر يا بهيم إنت !
أجابه السائق بتلعثم وهو يضغط على البوق :
-يا فندم هي آآآ...
قاطعه مهاب وهو يأمره بحدة :
-دوسها ..!

اضطر السائق أن يمتثل لأوامر رب عمله ، وإنحرف بالسيارة بحرفية فائقة لكي يجبر فردوس على الإبتعاد عن منتصف الطريق ، ولكنها لم تستطع أن تضبط خطواتها ، فتعثرت وهي تحاول الركض ، وإلتفت ساقيها حول الأخرى ، وسقطت على الأرضية الترابية ، فلامسه جبينها ، وتغبرت عباءتها السوداء .. فصاحت بإهتياج وهي تشير بيدها بعد أن رفعت وجهها عن الأرضية :
-يا عالم إتقوا الله ، ده احنا بشر مش حيوانات ماشية قصادكم ، منكم لله ، منكم لله .....!
ثم نفضت يديها ، وأمسكت بحافظة نقودها ، وبتثاقل تحاملت على نفسها ونهضت عن الأرضية وهي ترثي حالها ...

في جناح العرائس بالفندق الشهير ،،،،
تمدد عدي على الأريكة العريضة ، وأمسك بثمار الفاكهة يتناولها واحدة تلو الأخرى بهدوء عجيب وهو يشاهد التلفاز ..
كان يشعر بإنتشاء عجيب وهو يرى إنتصاره قد تحقق نصب عينيه ..
لم يحتاج إلى مجهود يُذكر معها ، فالكلمات المعسولة قد أتت بنتائجها مع تلك الساذجة ، وكيف لا يتمكن من خداعها وهو منغمس حتى أخمص قدميه في الرزائل
إبتلع حبات العنب الطازجة ، وحدث نفسه بتفاخر قائلاً :
-مش ناقصني غير كام صورة من إياهم على الفيس بوك والمجلات ، والناس تحكي عن قصة الحب الكبيرة اللي بينا ، وأبقى محيت بأستيكة الماضي ابن ال *** اللي شابهني ، وأفضى بقى لسهرات وليالي زمان !

نفخت ليان بضيق واضح وهي تضم ركبتيها إلى صدرها ، وتعقد ساعديها حولهما .. وهمست لنفسها بحنق :
-أنا اللي عملت في نفسي كده ، كان فين my mind ( عقلي ) وأنا بوافق عليه ، طب هاقول ايه لمامي ولا دادي ، إن اللي اخترته طلع **** !
أرخت ساعديها ، وأسندت مرفقها على ركبتها ، ثم مالت برأسها على كفها ، وأضافت بحزن :
-مش لازم حد يعرف بالكارثة دي !
ثم حدقت في نقطة من الفراغ أمامها ، وتوعدت قائلة :
-وأنا بنفسي اللي هاخلص منك قريب يا عدي ، وهادفعك تمن الكدبة اللي كدبتها عليا ، هي بس مسألة وقت يا *** وهاتشوف مين هي ليان الجندي !

في أحد المقاهي الشعبية ،،،
نفث أحمد دخان الشيشة المحبوس بصدره ، ثم إرتشف بضع رشفات من فنجان القهوة ، و قال بخشونة لرفيقه الجالس إلى جواره :
-أديني بلقط رزقي من أي مصلحة ، أنقل لده بضاعة ، أوصل زبون
أسند رفيقه قدح الشاي ، ونظر له بجدية وهو يتابع ب :
-طب ما تعمل جمعية وتجيبلك مكروباص بالقسط ، وأهو يطلعلك منه حسنة
رمقه أحمد بنظرات مقتضبة وهو يجيبه بسخط :
-يا عم هو أنا معايا مليم ، ده أنا يدوب مقضيها حبة من هنا وحبة من هناك
إرتشف رفيقه أخر جزء من الشاي الساخن ، وأضاف قائلاً :
-ربك بيقول إسعى يا عبد وأنا أسعى معاك
-ماهو أنا آآآآ....

توقف أحمد عن إتمام جملته حيث رن هاتفه المحمول برقم غريب ، فحدق بالشاشة في استغراب ، وتسائل مندهشاً ب :
-ده مين ده ؟ أنا معرفش النمرة دي !!
ضيق رفيقه عينيه ، وأشار له بكفه وهو يهتف بإصرار :
-طب ما ترد عليه
ثم صمت للحظة قب أن يتابع مازحاً :
-أوعى تقولي بتخاف من المعاكسات ؟
نظر له أحمد بإستهزاء وهو يجيبه ببرود :
-يا عم معاكسات إيه بس ، استنى كده أما أشوف
تنحنح هو بصوت عالي وهو يضغط على زر الإيجاب قائلاً :
-ألووو .. مين ؟

جاءه صوت المتصل على الجانب الأخر
-الأستاذ أحمد
أجابه أحمد ببرود شديد وهو ينفث دخان الشيشة :
-أه أنا ، مين معايا ؟
-هاتعرف لما تيجي على العنوان ده !
حك أحمد رأسه بعد أن ألقى بالشيشة على الطاولة وهو يسأله بفضول :
-مش أما أعرف قبلة إنت مين ؟
-معاك المحامي أمجد سعفان ، مدير مكتب الباشا سامي الجندي
جحظ أحمد بعينيه في صدمة وهو يجيبه بذهول قائلاً بعد ان نهض من مقعده مفزوعاً :
-مين ... ؟؟؟؟

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
وقفت تقى تنظر للكدمات الزرقاء والخدوش المحفورة في أجزاء متفرقة من جسدها أمام المرآة في المرحاض وهي تبكي بحسرة على حالها ..
فما أُرتُبك في حقها لم يفعله شخص سَوِيّ بل أقل ما يوصف به أنه ذئب غير طبيعي ..
تحسست بحذر تلك الكدمة الكبيرة على فخذها ، وتأوهت بأنين واضح وهي تحاول نزع بقايا فستانها الملوث بدماء طُهرها ومقاومتها ..
مسحت بأناملها الضعيفة عبراتها ، وهمست لنفسها قائلة بإنكسار :
-اشمعنى أنا ؟ ليه ؟؟

أطلقت لنفسها العنان لتخرج ما في صدرها ، وبكت بحرقة أشد وهي تصرخ بإنفعال :
-ليه اتكتب عليا أتدبح على واحد زي ده ، قتل كل حاجة كانت حلوة فيا ، ليه ؟؟ عملت ايه غلط ؟؟ ما أنا طول عمري راضية بحياتي ، وبنصيبي .. ليه يا ربي ؟؟ الحمل كبير عليا ، أنا مش قادرة ، أنا بأموت كل لحظة وأنا معاه ، يا رب .. يا رب
إنهارت على أرضية المرحاض الباردة – وهي شبه عارية – ودفنت وجهها بين راحتي يدها ، وتابعت بإهتياج :
-يا ريتني أموت وأرتاح من ده كله .. يا رب خدني ، يا رب
ثم لمحت بعينيها تلك القطع الزجاجية المتناثرة على عتبة المرحاض، فبرقت عينيها ، وتوهجت بوميض غريب.

إبتلعت ريقها وهي تقاوم سيطرة فكرة التخلص من حياتها على عقلها ..
لماذا تتحمل تلك الحياة اللا آدمية مع حيوان لا يعرف الرحمة ؟ فالموت أسهل بكثير من أن تخوض ذلك العذاب اليومي والمذلة المهينة على يديه ..
زحفت رغم آلامها على الأرضية لتتجه نحو عتبة المرحاض ..
مدت يدها المرتجفة لتمسك بقطعة الزجاج الحادة ، ورفعتها نصب عينيها ..
رأت فيها إنعكاس شبحها ، وببطء مصوب بالإرتعاش أنزلتها على رسغها ..
بكت بحرقة وشهقت بصراخ وهي تلصقها بجلد رسغها المتورم من أثار حزامه الجلدي ..

لم تشعر بآلام تلك القطعة الحادة وهي تخترقها .. فآلام نفسها أكثر بكثير ..
ثم سمعت صوتاً تطرب له الآذان يصدح من الخارج بقوة.. فإنتبهت حواسها له ، وتوقفت عن إكمال غرز القطعة الزجاجية .. ورفعت بصرها نحو تلك النافذة العلوية الموجودة بالمرحاض .. ولمعت عينيها المتورمتين ببريق مختلف ..
نعم إنه صوت الأذان يأتي من مسجد قريب .. ذلك الصوت الذي آسر أذنيها ، وجعلها تهدأ قليلاً ، كم إشتاقت له ، وكم أعادها سريعاً لذكريات طيبة مع عائلتها ..

نعم لقد جعل روحها المضطربة تسكن ، وأعاد لذاكرتها ذكرياتها الجميلة مع والدها حينما كان يصطحبها معه للصلاة فور أن يؤذن لها ..
إبتسمت لنفسها وهي تتذكر كيف كانت تركض - بضفائرها الصغيرة - فرحة للمسجد لتؤدي الصلوات المفروضة وهي تهتف قائلة :
-يالا يا بابا ، هايصلوا قبلنا
إبتسم لها والدها وهو يجيبها بصوت هاديء :
-يا بنتي استني ، لسه في وقت على الإقامة !

-إنت مش قايلي يا بابا إن اللي بيروح المسجد أول واحد كأنه ضحى بجمل ، واللي بعده بشوية ببقرة ، واللي بيتأخر كمان شوية زي اللي ضحى بفرخة ، واللي بيوصل يا بابا متأخر خالص خالص بيضحي ببيضة
-ايوه يا تقى
-طب أنا عاوزة أضحي بجمل مش بيضة
ضحك لبرائتها ، وأردف قائلا بحنو أبوي :
-ربنا يباركلي فيكي يا تقى ، ويحفظك
تنهدت بإختناق وهي تبكي ذكرياتها البعيدة مع أقرب شخص لقلبها ..

ذرفت الدموع بلا توقف وهي تحدث نفسها بصوت مبحوح :
-وحشتني يا بابا ، وحشني حضنك .. وحشتني الأيام دي أوي .. آآآآآآه .. كله راح مني ، آآآآآه .. كله ضاع
إزداد نحيبها ، وعويلها .. وظلت تهز رأسها رافضة واقعها .. ثم دفنت وجهها في راحتيها ، وصرخت بصوت مكتوم
لم تعبأ بالدماء التي تنزف من رسغها المجروح ، وإمتزجت دموعها بدمائها.

صدح صوت إمام المسجد وهو يقيم الصلاة مردداً بعذوبة ملائكية آيات الذكر الحكيم جعلتها تتوقف فجأة عن البكاء ، وأبعدت راحتيها عن وجهها الذي تلطخ بدمائها ...
نعم لقد كان صوته عذباً شجياً وكأنه كالبلسم لروحها المعذبة ..
إستمعت لصوته وهو يتلو : " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "
وجدت تقى في تلك الآية الإجابة عن سؤالها ..

تحاملت على نفسها ، وزحفت نحو المغطس ، وأسندت كفيها على طرفه لكي تنهض عن الأرضية .. ثم بحماس مفاجيء قررت تقى أن تلجأ إلى الله – بصدق - في محنتها ، أن تستعين بالصبر والصلاة على تلك البلوى .. وتجاهد نفسها من أجل الخلاص ..
هي حقاً في إبتلاء تحتاج فيه إلى معنويات روحانية عالية ، تحتاج إلى دعم نفسي قوي حتى تتجاوز تلك الأزمة
قررت ألا تستسلم لمصيرها البائس .. وأن تقاوم رغبات الشيطان بإيمانها القوي ..
أن تتسلح بما تعلمته من أبيها الطيب من مواجهة الشر بالإستعانة بالله ، وباللجوء دوماً إليه ..

حدثت نفسها برجاء :
-يا رب عيني عليه ، ونجيني منه !
نزعت عن جسدها الفستان ، ورفعت ساقها لتدخل إلى المغطس ، وأدارت الصنبور ، وتركت الماء الساخن ينهمر على جسدها ليغسل عنها ما علق فيها من رائحته العفنة ..
رأت الدماء تغطي أرضية المغطس الصلبة ، فإختلطت عبراتها مع الماء ..

شعور رهيب بالدوار يجتاح رأسها فجعلها مترنحة غير قادرة على الوقوف ..
إستندت بكفيها على الحائط المبلل ، ولكنها لم تستطع حفظ توازنها ..
فسقطت فاقدة للوعي ، وإرتطمت رأسها بقوة بحافة المغطس ، فجُرحت بعمق ، ونزفت بغزارة ، وتمددت كالموتى بداخل المغطس الذي غمرته المياه...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن عشر

في قصر عائلة الجندي
حاولت ناريمان الإتصال بممدوح ولكن كان هاتفه غير متاح ، فإنتابها القلق ، وألقت بهاتفها على الأريكة وحدثت نفسها بضجر قائلة :
-أووف ، فينك يا ممدوح ، إختفائك ده مش مريحني ، هو أنا ناقصة قلق ! مش هاينفع أصبر أكتر من كده ، لازم أروحلك
وبالفعل عقدت العزم على زيارة عشيقها ، فأسرعت ناحية غرفة تبديل ملابسها ، وإنتقت لنفسها بزة كلاسيكية كحلية ، وألقتها على الفراش ، ثم توجهت ناحية باب الغرفة ، وولجت للخارج ، وصاحت بصوت عالي وهي تقف بجوار الدرابزون :
-عفاف !

أجابتها الأخيرة على الفور من الأسفل بهدوء:
-نعم يا هانم
-خلي السواق يجهز بالعربية عشان انا خارجة كمان شوية
تنحنحت عفاف بصوت خافت قبل أن تجيبها بتردد :
-بس يا هانم ، مدام هياتم اتصلت وبلغتني إنها جاية لحضرتك عشان آآآ....
قاطعتها ناريمان بتذمر قائلة :
-يوووه ، ده مش وقتها خالص !

-طب حضرتك تؤمريني بإيه يا هانم ؟
إنتظرت هي أن تجيبها على سؤالها ، وراقبتها في صمت ..
وقفت ناريمان تفكر مع نفسها بصوت شبه مسموع وهي تلوي شفتيها :
-هاتكون عاوزاني فيه ايه؟ أنا لو مش سألت فيها هتفضل تزهقني ، وانا عارفاها فظيعة !
تنهدت بإستسلام وهي تأمر مخدومتها ب :
-استني ، متقوليش حاجة للسواق ، أنا هاقابلها الأول
أومأت عفاف برأسها إيماءة خفيفة وهي ترد عليها بإنصياع :
-حاضر يا هانم

في المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب
مالت السكرتيرة بحذر على سطح مكتب رب عملها " أوس " لتضع تلك الملفات الهامة عليه قبل أن يشير لها بإصبعه لتنصرف .. أومأت برأسها إيماءة خفيفة لتعلن إمتثالها لأوامره الصامتة ، ولم يخفْ عنها رؤية تلك الإبتسامة الغريبة التي تعلو ثغره .. فقلما رأته يبتسم ..
كان يهتز بمقعده الجلدي العريض بحركات خفيفة وهو يطالع بنظرات غير مكترثة ما دُون في تلك الأوراق ..

تجسد أمامه على تلك الملفات صورة تقى وهي تقاومه بشراسة أثناء معاشرته لها قسراً ، فبرزت أسنانه خلف إبتسامته الشيطانية وهو يحدث نفسه بتفاخر قائلاً :
-صحيح مافيش حاجة جت بالساهل ، بس في الأخر خدت اللي أنا عاوزه منك !
أرجع ظهره للخلف ، ووضع ساقه فوق الأخرى وتابع بنفس التباهي العجيب :
-ومانكرش إنك الوحيدة اللي عرفتي ترضيني صح ، وخليتني أثبت لنفسي إني مش آآآآ....

أغمض عينيه القاسيتين ولم يكمل عبارته ليقاوم هجوم ذكريات ماضيه البعيدة ، ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره على مهل ، وإنتصب في جلسته ، ثم طرق على سطح مكتبه الزجاجي ، وأردف بصوت حاسم لنفسه وهو محدق أمامه بنظرات حادة :
-الماضي مالوش في حياتك مكان يا أوس ، إنتهى !
نهض من على المقعد ، وهاتف السكرتيرة قائلاً بصرامة :
-إلغي كل مواعيد النهاردة ، وحددي ميعاد بديل على الأسبوع الجاي
أجابته بصوت خافت قائلة :
-تمام يا فندم.

وضع أوس إصبعيه أعلى طرف أنفه ، وأردف بصوته المتصلب :
-أه ، وشوفيلي في حاجة مهمة عندي الأسبوع ده ولا لأ
ردت عليه دون تردد وهي تنظر في المفكرة الصغيرة التي بحوزتها :
-في يا فندم الاتفاق على صفقة مع المستثمر الكويتي آآ.....
قاطعها بجدية وهو يمرر يده في شعر رأسه :
-أها .. خلاص فاكر ، رتبي الاجتماع معاه وبلغيني بالميعاد النهائي للمقابلة
هزت رأسها موافقة وهي تدون شيء ما بالمفكرة :
-حاضر يا أوس باشا
أسند أوس سماعة الهاتف دون أن يضيف كلمة أخرى ، ثم جمع مفاتيحه الخاصة ، وهاتفه المحمول ، وتوجه صوب باب الغرفة ووجهه شبه متشنج ...

اضطرت ليان آسفة أن تسافر مع زوجها المخادع عُدي إلى أحد البلدان الأسيوية لقضاء شهر عسلها الزائف حتى تكتمل الصورة الإجتماعية المصطنعة للعروسين السعيدين ..
كانت تبغض كل لحظة تقضيها معه ، فهو خدعها ، واستغلها حتى يصل إلى مبتغاه ..
سارت على الشاطيء بمفردها فور أن وصلت إلى المنتجع السياحي ، و حدثت نفسها بعتاب قائلة :
-أنا اللي سلمت نفسي ليه ، أنا اللي مش سمعت لحد !

أدمعت عينيها وهي تكمل بنبرة حزينة :
-بس أنا مش عملت ده من نفسي ، أنا .. أنا كنت بأهرب من اللي مامي عملته ، بس .. بس وقعت في عذاب مش بينتهي !!!
تنهدت في حزن مرير وهي تتابع حديث نفسها ب :
-أه لو كنت أعرف حقيقته من الأول كنت فضلت زي ما انا .. At least ( على الأقل ) كنت هاتصرف مع الكلب فارس .. لكن عدي .. مش سهل خالص ، وأنا ضعت .. فعلا ضعت معاهم الاتنين .. آآآآآآه !
صرخت بمرارة كبيرة وهي تلقي بجسدها على الرمال الناعمة فلحظاتها معهما جعلتها تشمئز من حالها وتكره سذاجتها التي أوقعتها في الفخ مرتين ..
أطلقت لنفسها العنان لتبكي حالها ..

فلم يعد بيدها حيلة سوى البكاء على بقاياها ...
وعدي - على الجانب الأخر - لم يكترث على الإطلاق بمشاعرها الساخطة نحوه ..
فغايته الأهم هو إيهام الجميع بأنه العاشق المتيم ، وأنه بطل قصة حب أسطورية حتى يغطي تماماً على ما قيل عنه في السابق من أنه عاجز جنسياً ويستعيد سمعته بين عالم الذكور ...

كان يراقبها من على بعد من الشرفة المطلة على الشاطيء وهو يحتسي كأس الخمر الخاص به ، وثغره يعلوه إبتسامة زهو ..
رأها تنهار على الرمال ، فإزدادت عينيه لمعاناً ، وحدث نفسه بتشفي قائلاً :
-كانت ضربة معلم يا عدي ، عرفت تنقي ضحيتك صح ! دلوقتي أقدر أرتاح وما أفكرش في اللي فات ، واحدة زي دي مش هاتقدر تقف قصادك ..!
شعر بتأنيب الضمير قليلاً وهو يُذكر حاله بكونها شقيقة رفيقه المقرب ، ولكنه برر فعلته الشنعاء تلك ب :
-صحيح هي جت في أختك يا أوس ، بس هي قامت بدورها زي ما أنا طول عمري بأقوم بدوري معاك ، يعني خدمة قصاد خدمة !!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
تسرب بخار الماء المتجمع بكثافة من فتحات التهوية الجانبية في المرحاض فبدى كما لو كانت هناك أدخنة متصاعدة من داخل المنزل ...
لاحظت إحدى الجارات صعود تلك الأبخرة إليها وتسربها عبر نافذة مطبخها ، فتوجست خيفة من أن يكون هناك إندلاع للحريق ، فهاتفت حارس البناية عبر جهاز ( الإنتركام ) قائلة بضيق :
-في دخان مالي البرج ، شوف في ايه !
سألها الحارس بعدم فهم وهو يزم فمه الغليظ :
-دخان فين ده يا ست الهوانم ؟

ردت عليه بحدة وهي عاقدة لحاجبيها :
-معرفش ، بس أنا اتخنقت في شقتي ، فاتصرف وبلغ المطافي ولا البوليس ، إحنا مش ناقصين كارثة
هز رأسه عدة مرات قائلاً بتلهف :
-حاضر يا هانم ، أنا هاطلع أفتش عن الدخان ده
نفخت بإنزعاج وهي تأمره ب :
-بسرعة يالا
-على طول أهوو ، استر يا رب.

ركض حارس البناية في إتجاه الرواق المجاور للمصعد لكي يتابع الوضع من أسفل ال " منور " الجانبي الذي تطل فيه نوافذ المطابخ والمراحيض على بعضها البعض
وبالفعل لاحظ إنبعاث للأدخنة الكثيفة من فتحة التهوية الملحقة بالمرحاض الخاص بالطابق المتواجد فيه منزل أوس الجندي ، فإنتابه الهلع ، وصرخ بذعر :
-يا سنة سوووخة يا ولاد ، ده بيت الباشا !
أخرج حارس البناية هاتفه المحمول من جيب جلبابه ، وبتعجل ضغط على زر قائمة الأسماء لديه ، ليبحث عن اسم أوس الجندي ، ثم ضغط على زر الإتصال ، وابتلع ريقه في توجس مخيف وهو ينتظر إجابته عليه...

على الجانب الأخر بداخل سيارة أوس ،،
كان هو ممسكاً بالمقود بيد واحدة ، ومسنداً يده الأخرى على طرف النافذة ..
نظر للطريق وللسيارات من حوله بنظرات غير مكترثة من خلف نظارته القاتمة ..
مسح بلسانه على أسنانه ، ونفخ في ضيق بسبب زحام السيارات وتدافع سائقيها في الإشارات المرورية ، فأردف بحنق :
-مافيش وقت الشوارع فيه تبقى فاضية ، حاجة تخنق
رن هاتفه الموضوع على " تابلوه " السيارة ، فمد يده ليلتقطه ، وقرأ اسم المتصل بإستغراب ، وحدث نفسه بصوت جاد :
-البواب !

أجاب على إتصاله بجمود قائلاً :
-عاوز إيه ؟
هتف الحارس بنبرة هلعة وهو ينظر للأعلى :
-إلحق يا باشا في دخان طالع من الحمام عندك ، هو .. هو حضرتك نسيت آآآ......
قاطعه أوس بصوت حاد متسائلاً بشراسة :
-دخان ! إنت بتقول ايه ؟
رد عليه بصوت متقطع وهو يرتجف خوفاً من ردة فعله المخيفة :
-يا.. يا باشا ، أنا .. أنا واقف في المنور ، وآآ.. وشايف دخان طالع من عندك
جحظت عيني أوس في صدمة ، وخفق قلبه بشدة وهو يجيبه بهتاف عالي :
-إيييييييييييييييييه !!!

تابع الحارس حديثه متسائلاً بخوف :
-أبلغ يا .. يا باشا ال .. آآ.. المطافي ؟
رد عليه أوس بصوت صارم يحمل التحذير الشديد :
-إياك تتصل بحد ، أنا جاي !
ثم ألقى بالهاتف إلى جواره ، وأدار المقود للجانب ، و ضغط على دواسة البنزين وإنطلق بسرعة رهيبة متخطياً الإشارات المرورية في إتجاه منزله الذي كان يبعد مسافة قريبة عن مكانه الحالي ...
سلط عينيه على الطريق ، ونطق من بين أسنانه بخوف شبه حقيقي :
-تقى !!!

لم يعرف لماذا أصابته حالة من التوتر والإضطراب حينما علم بوجود حريق في منزله وخاصة وهي حبيسة منزله ..
دار في رأسه عشرات الأسئلة التي حاول أن يجد إجابة مقنعة لها ..
إيعقل أن تنهي حياتها بعد ما فعله بها ؟ هل دفعها للإنتحار بإصراره على التلذذ بتعذيبها ، فقررت هي أن تضع حداً لهذا الآلم اللامتناهي بيدها لا بيده ؟
هل هي أضعف حقاً من تحمل وحشيته فوجدت السبيل لإنهاء حياتها ؟

لماذا كل هذا الخوف الرهيب على فقدانها ؟ أيخشى أن يخسرها بعد معاناة من البحث عن مثيلتها ، تلك البريئة الساذجة التي أثبت معها أنه لم يعد يهاب الماضي ؟
أم يخاف فقدانها قبل أن يحتفل بإنتصاره عليها تلك التي تجرأت وتحدت رجولته وقوته المفرطة ؟
مجرد التفكير في إختفائها للأبد من حياته وعدم تمتعه بها - بعد شعور الإرتياح الذي لم يعرف طعمه إلا معها - أربكه كثيراً ...
حقاً هناك دافع لهذا الشعور المخيف الذي سيطر تماماً على عقله ، وإنعكس على ضربات قلبه وتلاحق أنفاسه المضطربة ...

في قصر عائلة الجندي ،،،
مدت ناريمان يدها لتصافح هياتم التي كانت ترسم إبتسامة عريضة على محياها وهي تقول :
-سوري يا مدام ناريمان هاعطلك شوية
تقوست شفتيها وهي تجيبها بصوت شبه منزعج :
-لأ عادي.

ثم أشارت لها بالجلوس على الأريكة ، فأردفت هياتم قائلة بحماس :
-إحم .. معلش أنا بس بأجهز لترتيب حفل الجمعية السنوي ، وكنت عاوزة أخد رأيك في شوية اقتراحات
أومأت برأسها وهي تجيبها متشدقة :
-أها .. طب يا ريت بسرعة عشان عندي مواعيد
نظرت لها هياتم بإستغراب ، وردت بجدية ب :
-طب .. طب أجيلك وقت تاني !

-لأ خلاص ، قوليلي بس على الاقتراحات وأنا هاشوف هاعمل ايه
مدت هياتم يدها بحافظة بلاستيكية تحتوي على أوراق ما نحو ناريمان وهي تبتسم بهدوء :
-دي نبذة مختصرة عن اللي بأفكر فيه ، يعني حابة يكون الإحتفال السنادي مختلف شوية
مطت ناريمان شفتيها في إهتمام زائفة وهي تغمغم بإيجاز :
-ممم ... أها.

-احنا هانضيف جهودنا كمان في دار الأيتام والمسنين ، والحالات الإجتماعية وآآآ..
قاطعتها بوجه شبه متجهم وهي تسند الأوراق على الطاولة الرخامية :
-أنا هارجع الورق ده وأقولك رأيي
شعرت هياتم بالحرج من ردودها المقتضبة وخاصة إن تعبيرات وجهها توحي بالإنزعاج ، فردت عليها بإبتسامة مجاملة :
-اوكي يا مدام ناريمان .. أستأذن أنا الوقتي.

تنهدت ناريمان بإرتياح وهي تنهض عن الأريكة ، وتمتمت ب :
-اوكي يا هياتم ، سوري وقتي ضيق ومش عارفة أخد راحتي معاكي
رسمت هياتم إبتسامة رقيقة على ثغرها وهي تتمتم بهدوء :
-ولا يهمك ، تتعوض تاني
-أكيد ، لازم نقعد مع بعض ، وأنا هأقرى ال Notes ( الملحوظات ) دي وهأرد عليكي
-تمام .. See you ( أشوفك قريب )
-شور ، باي.

وتبادلت الإثنتين المصافحة ، وولجت بعدها هياتم إلى الخارج ، فأسرعت ناريمان نحو الدرج وهي تهتف بصوت عالي وآمر :
-عفاف ، خلي السواق يجهز
-حاضر يا هانم
صعدت هي على الدرج بخطوات سريعة وهي تحدث نفسها بضيق :
-إتأخرت خالص !!

وصل أوس بسيارته أمام مدخل البناية حيث وجد حارس العقار منتظراً إياه وعلى وجهه توتر ممزوج بالخوف الشديد ..
ترجل من السيارة ، وصفق بابها بقوة ، ثم ركض في إتجاهه صارخاً بصرامة :
-اتصلت بحد ؟
أجابه الحارس وهو يحاول اللحاق به بصوت مرتعد :
-لأ يا باشا .. أنا .. أنا واقف مستني سيادتك من بدري
أشار له أوس بإصبعه وهو يركض ناحية المصعد قائلاً بحدة :
-خليك هنا عند البوابة ، ومعاك الموبايل ، وأنا لو آآ....

قاطعه الحارس بإصرار وهو يقف خلفه :
-أنا طالع معاك يا باشا
دلف أوس إلى داخل المصعد ، وإستدار بجسده ليواجهه ، ثم رمقه بنظرات مميتة ، وأمره بصوته الصارم :
-إنت تترزع هنا مكانك ، فاهم !
رد عليه بإعتراض قائلاً :
-بس آآآ....

كانت نظرات أوس لوحدها كافية ليتراجع الحارس سريعاً عن إصراره ، فقال بخوف :
-اللي تؤمر بيه يا باشا
ثم ضغط أوس على زر إغلاق باب المصعد وهو مستمر في حدجه بنظرات قاتلة تسمر على إثرها الحارس في مكانه ...
إبتلع الأخير ريقه ، وغمغم قائلاً بذعر :
-عديها يا رب على خير ، شكلها ليلة مش فايتة !!!

تنفس أوس بصعوبة داخل المصعد ، وسلط بصره للأعلى ، ثم ضرب بعنف على الباب الحديدي وهو يهتف بإهتياج :
-عملتي ايه يا تقى ؟ مش هارحمك لو موتي نفسك ، مش هاسيبك تعملي ده ، مش هاسيبك ...!!

بعد أقل من دقيقة كان المصعد في قد وصل للطابق المنشود ..
وما إن فُتحت الأبواب حتى ركض أوس في إتجاه باب منزله ، ووضع سريعاً المفتاح في موضعه وأدارلينفتح الباب على مصرعيه فإندفعت فجأة سحابة كثيفة من بخار الماء للخارج فإنطلق على إثرها جهاز الإنذار الخاص بالحرائق الموضوع في الرواق الخارجي ...
صفق أوس الباب خلفه ، وركض بسرعة في إتجاه المرحاض وهو يصرخ بحدة :
-تقى ! كح ... تقى !!

سعل لأكثر من مرة بسبب إستنشاقه للبخار الكثيف ، ووضع ذراعه على فتحتي أنفه ليتمكن من التنفس ...
ولج هو إلى داخل غرفة النوم ، فوجد الرؤية بها غير واضحة ..
وأدار عينيه ناحية باب المرحاض ، فوجد الأبخرة تنبعث منه ...
لذا دون تردد ركض بخطوات سريعة فوق بقايا زجاج المرآة المحطم محدثاً صوتاً رهيباً وهو يدلف إلى داخل المرحاض ..
كانت المفاجأة الصادمة له - والتي أصابته بالذعر والخوف في آن واحد - حينما وجد الأرضية غارقة بالمياه الملونة بالدماء الحمراء ..
-إيه ده !!

إنقبض قلبه سريعاً ، وبحث بعينيه عن تقى وسط تلك الأبخرة التي تغطي المكان ، وتجعل الرؤية غير واضحة تماماً ..
وبالفعل رأها ممددة في المغطس – وهي عارية تماماً - ولكن دون حراك ورأسها على وشك الغرق بسبب إمتلائه بالمياه ..
ركض في إتجاهها ، وإنحنى بجذعه للأمام عليها ، وصرخ فيها قائلاً :
-تقى .. تقى !

ثم مد يده ليغلق الصنبور ، وأحاطها من ظهرها بذراعه الأخر ليقربها منه ، فوجدها فاقدة للوعي ، وشاحبة الوجه ، وجسدها بارد للغاية ...
وضع قبضته على وجنتها ، ولطمها بقوة محاولاً إفاقتها وهو يصرخ بتوتر :
-ردي عليا ، إيه اللي عملتيه ده ؟
ولكن كانت