ازرار التواصل



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الأول

تسمرت  تقى  عوض الله في مكانها ، ولم تتحرك قيد أنملة ، ف  أوس  الجندي كان لا يزال ممسكاً بكفيها المسنودين على باب السيارة ، ومحكماً لقبضتيه عليهما ..
ومع لمسته الخشنة لها ، كانت روحها النقية تحترق رويداً رويداً ..
نظر هو إليها بتمعن، ومرر عينيه القاسيتين على خلجات وجهها، وراقب بإهتمام شديد إرتجافة شفتيها الذابلتين، وأثاره شحوب لون بشرتها، وما زاد من نشوة إنتصاره هو رؤيته لبريق الذعر جليا في عينيها الزرقاوتين المتورمتين.. فحمرتهما تزيد من لهيب إنتقامه...
أخذ أوس نفساً مطولاً ، وزفره ببطء ، ثم قال بصوت رخيم :
-من اللحظة دي مكانك هيكون هنا ... معايا !

لن ينكر داخل قرارة نفسه أن حالة من الإنتشاء تسيطر عليه ، فقد ظفر بتلك التي فكرت يوماً أن تتحداه ، وآن الآوان لترهيبها ، وتلقينها ما لا يمكن أن تنساه ...
ثم ضيق عينيه لتصبحا أكثر حدة ، و أردف محذراً ب :
-ولو الشيطان وزك للحظة إنك تهربي مني ، صدقيني الجحيم بالنسبالك هايبقى جنة ... سمعاني ؟

كانت تقى تنظر إليه برعب تحاول إستيعاب تلك النقلة المفاجأة في حياتها ، فكلماته الغليظة كالسم الذي يسري في جسدها ليقتلها ببطء ..
لم تجب هي عليه في البداية ، فأثارت حفيظته ، فضغط على أصابعها المحاصرة بأصابعه ، فآلمها إلى حد ما ، وراقبت بتشفي تشنجات وجهها ، وتأوهاتها المكتوبة ، وإعتلى ثغره إبتسامة لئيمة حينما جعلها تنتبه إلى ما يقول ، ثم سألها بقسوة أشد :
-سامعة اللي قولته ؟!

إبتلعت ريقها في خوف واضح ، وهزت رأسها لعدة مرات في إستسلام مغري بالنسبة له ، وخرج صوتها ضعيفاً متردداً :
-أها .. ح.. حاضر
أرخى قبضتيه عن كفيها ، وإبتسم لها بقسوة ليستفزها ، ثم أشار لها بعينيه ، وهو يأمرها ب :
-اتحركي

سحبت تقى يديها المرتجفين من أعلى باب السيارة ، وكورتهما معاً ، وأطرقت رأسها للأسفل لترى آثار أصابع يده محفوره على كفيهما ثم رفعت رأسها فجأة بعد أن إنتفضت مذعورة حينما وجدت إصبعيه يمتدنان نحوها ويرفقعان بقوة أمام وجهها وهو يهتف بصرامة مخيفة :
-مش قولتلك اتحركي ، يالا ، مش هاستنى كتير

هزت رأسها تلقائياً لعدة مرات لتمتثل لأوامره منصاعة ، ورمشت بعينيها الخائفتين أمامه ، وتراجعت خطوة للخلف لتتجنب الإصطدام به حينما صفق الباب بيده القوية ، ثم لمحت بطرف عينها إبتسامة القاسية وهي تتجلى على فمه العنيد ..
أشار لها بإصبعه لتتحرك إلى الأمام ، فسارت بتردد ملحوظ تقدم قدم وتؤخر الأخرى نحو مدخل البناية التي أشار إليها ..
بينما تتبع هو خطواتها المتعثرة من الخلف ليتمكن من مراقبتها بتلذذ مريب وظل على ثغره تلك الإبتسامة المتشفية لتزيده غروراً وعنجهية وهو يرى إنتصاره يتحقق بسهولة كبيرة ..

مر كلاهما على حارس البناية الذي إنتفض فزعاً من على مقعده الخشبي شبه المتهالك حينما رأي أوس أمامه ..
كانت ساقيه تهتزان من أسفل جلبابه الرمادي القديم ، وأسرع يؤدي له ما يشبه التحية العسكرية ، وقال له بصوت متلعثم وهو يقترب منه :
-ن... نورت البرج يا باشا
حدجه أوس بنظراته الشرسة ، فتراجع الحارس للخلف ، وأطرق رأسه للأسفل في خزي بائن .. ثم أكمل سيره إلى الداخل

وقفت تقى حائرة في مدخل البناية ، تجوب بعينيها المرتعدتين جوانب ذلك المدخل الباهر ..
لفت أنظارها المرايا المتعددة على جانبي الجدران الرخامية ، وكذلك الشجيرات الصناعية المصفوفة على الجانبين ..
جف حلقها أكثر ، وإزدادت حاجتها للإرتواء بالمياه ، وأصبح جوفها أكثر مرارة ..
هي كالشريدة لا تعرف إلى أين تتجه ، وكيف سيكون مصيرها ، وما الذي يمكن أن يحدث لها بعد أن تصعد إلى الأعلى ..
كانت تخشى أن تجيب على تلك التساؤلات ، ولكن سريعاً ما أفاقت من حالة الشرود تلك على صوت من تبغضه ، فإستدارت برأسها قليلاً - على إستحياء – للجانب لتلمح شفتيه الغليظتين تنطقان بصرامة ب :
-الأسانسير من هنا .. تعالي

لم يكف أوس عن مراقبتها لثوانٍ مستمتعاً برؤيتها ضائعة عاجزة أمام قوته - وساديته - التي إتخذها منهاجاً لحياته ، ثم تحرك بخطوات واثقة نحو رواق جانبي صغير حيث يتواجد المصعد ...
تنهدت تقى في يأس وخضوع ، وتبعته دون أن تنبس بكلمة واحدة ، فليس هناك فرصة للإعتراض .. فهي لم تعد مليكة نفسها ..
كانت خطواتها أبطأ من المعتاد رغم جسدها الهزيل ، فهي تعلم أنها تتحرك قبالة مصيرها محتوم ..

كانت على وشك الإصطدام به نتيجة شرودها ، ولكنها لملمت شتات نفسها وتوقفت في اللحظات الأخيرة ، ورغم تقلص المسافة في تلك المنطقة الجانبية إلا أنها حاولت أن تخلق لنفسها مسافة آمان تحول بين إقترابه المحظور منها
تتبعت بعينيها ظهره المتصلب الشامخ أمامها ، ولاحظت فرق القوى الجسمانية بينهما ، وأدركت مدى ضئالتها بالمقارنة معه ، هي حقاً يمكن أن تسحق تحت قدميه ..
تراجعت بهدوء حذر خطوة للخلف ، وراقبته وهو مركز أنظاره على الأرقام المضيئة أعلى باب المصعد ، وراودتها فكرة الهروب منه ، وإستغلال تلك الفرصة في النجاة بنفسها ..

إلتفتت برأسها قليلاً نحو باب البناية الزجاجي ، وبدأت تحسب المسافة المطلوبة تقريباً للركض بأقصى سرعة فراراً من جبروته ، وحدقت بأعين حالمة في الطريق الذي كان الأمل بالنسبة لها .. وتسربت قوة خفية إليها ، لا تعرف من أين مصدرها ، ولكنها كانت كافية لتحفيزها على تنفيذ فكرتها الجامحة ..
ولكن...

قطع تفكيرها كف أوس القوي الذي أطبق على فكيها ، فإرتجفت كليةً أمامه ، وتلاشى بريق الأمل من عينيها لتحل محله لمعان الذعر الذي يشتهي رؤيته فيهما ..
أدار هو وجهها نحوه ، وظل ضاغطاً على فكها ، فحاولت أن تصرخ ،و لكن صدر منها أنيناً خافتاً ، ثم أحنى رأسه نحو رأسها قليلاً لتصبح المسافة بينهما سنتيمترات معدودة ، ونظر مباشرة بعينيه القاسيتين إلى عينيها ، فشعرت به يخترقها بسهولة ، ويقرأ أفكارها ، وبلهجة شرسة هتف ب :
-مش هتعرفي تهربي ، شيلي الفكرة دي من دماغك.

خرج صوتها ضعيفاً مكتوماً حينما حاولت أن تبرر ما لم تفعله ب :
-أنا .. آآ..
قاطعها بصوت حاد وصارم وهو يصر على أسنانه بقسوة ب :
-إنتي بتاعتي وبس ، حياتك مش ملكك ، دي تخصني ، فاهمة ، تخصني !!

ثم ضغط على فكها أكثر بأصابعه الجامدة ، فشعرت به يعتصر وجهها ، وتأوهت من الآلم ، وتوسلت له ب :
-آآآآه ، ماشي .. ماشي ، بس سبني ..آآه
أخذ أوس نفساً مطولاً ليسيطر به على حالة الإهتياج التي بدأت تجتاحه للنيل منها ، ثم زفره على مهل ، وأرخى ببطء أصابعه عن فكيها ، ثم رفع كفه فجأة للأعلى ، ليتلمس عن عمد وجنتها اليمنى ، ومسح عليها بإشتهاء ، فزادت نفوراً وتقززاً منه ، ومن طريقته ، ولكنه إبتسم بقساوة ليزيد من متعته ، وقال وهو يبتسم بشراسة لها:
-استعدي للي جاي في حياتك ....!!

توقف المصعد في الطابق الأرضي ، و فُتح بابه تلقائياً ، فأبعد أوس كفه عن وجهها ليضعه على كتفها ، فإقشعر بدنها ، ولكن أصابعه الغليظة عليه أجبرتها على الإندفاع إلى داخل المصعد معه ..
وما إن إطمئن لوجودها بالداخل ، حتى أرخى قبضته عنها ، وضغط بإصبعيه على زر الطابق المتواجد به منزله .....

في قصر عائلة الجندي ،،،،،

تحركت ناريمان بعصبية ذهاباً وإياباً في غرفة نومها ، لم تستطع إخفاء التوتر والإرتباك اللذين أصبحا رفيقيها في الأونة الأخيرة ..
ظلت هي تنظر بتوجس إلى شاشة هاتفها المحمول ، ثم تغمغم لنفسها بكلمات متشنجة ، ومن ثم تعيد وضع الهاتف على أذنها ..
حدث ناريمان نفسها بإنفعال ب :
-رد بقى يا ممدوح ، رد ..!

زفرت هي في غضب ، وتملكتها العصبية حينما لم تجد منه أي رد ، وألقت بالهاتف على الفراش ، ومن ثم قالت بيأس :
-أنا مش عارفة هاتصرف إزاي في المصيبة دي لوحدي !

ثم فركت أصابع كفيها بتوتر ملحوظ ، وأضافت متوجسة :
-ليان متعرفش عدي كويس ، وأنا أفتكر إن كان ليه مشاكل مع طليقته الأولى ، وكلامها زي ما يكون موجه ليا ..

جلست على طرف الفراش ، وتلاحقت أنفاسها بسبب اضطرابها ، فحاولت أن تضبط حالها ، ولكنها كانت عاجزة عن السيطرة على ما بها ..
نفخت بضيق وهي تحدث نفسها بإنزعاج ب :
أووووف ، ممدوح لازم يساعدني أمنع الجوازة دي مهما كان التمن ...!

ثم نهضت عن الفراش ، و مَشت نحو باب غرفتها ، وخرجت منها ، وهتف بصراخ عالي ب :
-عفاف .. يا عفاف ، تعاليلي أوضتي
-حاضر يا هانم
أجابتها المدبرة عفاف بصوت مسموع نسبياً وهي تصعد راكضة على الدرج ...

على الجانب الأخر ، أسندت ليان وجنتها على راحة يد عدي الذي كان يتلمسها بحنية زائدة ليبث في نفسها الطمأنينة ..
تنهدت هي في راحة زائفة وهي تستمع إلى كلماته المعسولة عن مستقبلهما المشرق معاً ، وأغمضت عينيها لتتمكن من رسم أحلامها الوردية ، وتتناسى - عن عمد - تلك الذكريات الخادعة مع من سلمته شرفها دون أن تكبده أي عناء ..

لم يكف عدي هو الأخر عن تفرس ليان ، والنظر إليها بنظرات تحمل من الخبث ما يمكن أن يدمرها إن علمت حقاً حقيقته ..
فهي بمثابة صيد سهل ، فرصة يمكن أن تعيد تعديل صورته ووجهته الإجتماعية في المجتمع
وهو لن يحتاج لأي مجهود ليظفر بها ويحسن من وضعه الإجتماعي الذي أسيء إليه على يد طليقته السابقة ..
إعتلى وجهه إبتسامة عابثة ، وإزداد ثقة في نفسه حينما تيقن من إستسلام ليان له ....

أطلقت ليان تنهيدات حارة تحمل من الهموم ما يُذيب الثلوج ، فتابعها عدي بإهتمام واضح ، ثم مال برأسه ناحية أرنبة أنفها ، وقبل طرفها بشفتيه ، ففتحت عينيها مذعورة مما فعل ، وتراجعت برأسها ، وكذلك جسدها للخلف ، وحدجته بنظرات مصدومة ، ثم هتفت فيه بعتاب زائف ب :
-إيه اللي عملته ده ؟

أعطاها إبتسامة مراوغة قبل أن يجبيها بنبرة دافئة ب :
-بأعمل اللي جه على بالي
-بس آآآ..

وضع هو إصبعه على شفتيها الملطختان بأحمر الشفاه المثير ليوقفها عن إكمال جملتها ، ثم أخفض بصره نحوهما ، وهمس بنبرة مهتمة ب :
-شششش .. أنا مبسوط وأنا معاكي ، متضيعيش حلاوة اللحظة

مد كفه ليمسك بكفها الموضوع على مسند المقعد ، فأسلمته له دون تردد وهي تبادله إبتسامة عذبة ، فتجرأ على أخذ كفها الأخرى بين راحتيه ، ثم أسبل عينيه قائلاً بهمس :
-أنا محظوظ إنك هاتكوني ليا يا ليان

وإنحنى برأسه ليقبلهما بشفتيه قبلة هادئة أثارت في نفسها مشاعر غريبة ومضطربة ، وجعلت قلبها يخفق بشدة ..
رقصت نفس عدي طرباً حينما رأى تأثيره الغير متكلف معها ، ونجح في رسم قناع الرومانسية على وجهه ليضمن وقوعها في شباكه المنصوبة ..
وحدث نفسه بغرور وثقة ب :
-إنتي ماينفعكيش إلا أنا ...!!!!

في الطابق الأول بإحدى البنايات الحديثة ،،،

وقف ممدوح ويديه موضوعتان في جيبي بنطاله السماوي يتأمل ذلك المكان الذي تم طلاء جدرانه حديثاً ، وتفحص بعناية شديدة كل جزء فيه ، وأخذ يرتب أفكاره الخاصة بترتيب وضعية الأجهزة والمعدات ...
بدى على قسمات وجهه علامات الإعجاب وهو يرى أحد العمال وهو يعلق اللافتة الخاصة بمعمله الجديد ، وإزدادت إشراقة عيناه وهو يقرأ إسمه المدون عليها ..

اقترب منه مهندس الديكور ، وتنحنح من خلفه وهو يضع يده على فمه ليلفت إنتباهه ، ثم أردف بنبرة رجولية خشنة ب :
-الديكور عجبك يا د. ممدوح

أومأ ممدوح برأسه موافقاً دون أن يجيبه ، فتابع المهندي حديثه بنبرة واثقة - وهو يشير بيده في أرجاء المكان - ب :
-إحنا هانحط هنا مكتب الإستقبال ، وهايكون من نفس لون الرخام الخارجي ، وهناك هانحط الكنب ، وآآآآ..

وضع ممدوح كف يده على كتف المهندس ، وقاطعه بهدوء عجيب وهو يرسم على وجهه تلك الإبتسامة السخيفة ب :
-اعمل اللي شايفه مناسب ، أنا سايبلك كل ال options ( الإختيارات )
-شكراً على الثقة دي يا د. ممدوح ، وإن شاء الله هايعجبك ال Finish بتاعي

زم ممدوح شفتيه قليلاً بعد أن أبعد يده عنه ، وضيق عينيه قليلاً ، ثم تحرك خطوة للأمام ، وأكمل بإهتمام وهو يشير بكف يده :
-أوكي ، تعالى نشوف المكتب بتاعي هاتعمل فيه إيه
إبتسم المهندس إبتسامة مصطنعة ونطق بحماس ب :
-حاضر يا دكتور
ثم تحرك كلاهما صوب أحد الأروقة الطويلة ، وتواريا عن الأنظار ..

في منزل تقى عوض الله ،،،،

سحبت الجارة إجلال المقعد المجاور لطاولة الطعام الصغيرة - التي تقع في منتصف غرفة الصالة – لتجلس عليه ، في حين قامت فردوس بصب الشاي الساخن من الإبريق المعدني القديم في كوب زجاجي ، ثم تنهدت في إنهاك ، وقامت بتقليبه بلا وعي ، ثم أسندت وجنتها على كف يدها ، وأردفت حديثها بنبرة حزينة ب :
-يا ريتني كنت صبرت ولا ظنيت فيها الوحش

مطت إجلال شفتيها للجانبين ، ثم رمقت فردوس بنظرات معاتبة ، قبل أن تجيبها بنبرة تحمل اللوم ب :
-قولتلك من الأول كده ، بس إنتي اللي خدتي الأمور على صدرك أوي ، والبت الغلبانة بنتك راحت فيها

قاومت هي عبرة تحاول السقوط من مقلتها ، وتحدثت بصوت مختنق وهي تشير بكلتا يديها ب :
-يا مين يدلني على طريقها وأنا أروحلها أخدها في حضني ..!
ثم ضمت ذراعيها إلى صدرها ، وربتت عليه لأكثر من مرة ، وتابعت بنبرة آسفة ب :
-آآآه .. أشوفها بس وأقولها حقك عليا ، أنا محقوقالك يا ضنايا

أغمضت فردوس عينيها لتنطلق عبراتها دون أي عائق ، وتغرق وجنتيها بالكامل ، ومن ثم أجهشت ببكاء مرير ، وأخذت شهقاتها في العلو .. وظلت تئن وتنوح بكلمات غير واضحة ..
أشفقت عليها إجلال كثيراً ، واقتربت منها ، ثم أسندت يدها على ظهرها ، وربتت عليه في حنو ، وتحدثت بصوت خافض ب :
-عيطي ياختي ، طلعي اللي جواكي
-آآآآآه يا حرقة قلبي عليها .. آآآآآه ، البت رمت نفسها في النار عشاني

هزت هي رأسها للجانبين ، ثم مطت شفتيها وهي تضيف بصوت هاديء :
-لا حول ولا قوة إلا بالله
-يا ريتني كنت مت ولا عملت الله عملته ده فيها ، يا رتني روحت في داهية ولا آآآ...
قاطعتها إجلال بنبرة معترضة وهي ترفع أحد حاجبيها ب :
-يا شيخة استغفري ربك وبلاش الكلام ده ، ادعيه إنه يجمعك بيها عن قريب ، وهو قادر على كل شيء

رفعت فردوس بصرها للسماء ، وناجت بصوت مرتفع متوسل ب :
-يا رب إنت اللي عالم بحالي ، يا رب رجعلي بنتي يا حي يا قيوم ..!

في قصر عائلة الجندي ،،،،

لاحقاً جاءت المدبرة عفاف إلى حديقة القصر الواسعة ، وسارت بخطوات ثابتة ومنتظمة في إتجاه ليان وعدي ، ورأت بعينيها الواسعتين عدي وهو ممسك بكفي ليان ، ويحتضنهما بين راحتيه ، فتملكها الإنزعاج ، ولكنها لن تبدي إعتراضها على ما يحدث أمام عينيها ، ففي النهاية ما هي إلا خادمة في هذا القصر الكبير ..
ظلت واقفة للحظات على مقربة منهما ، ولكن لم يعرها أحدهما الإهتمام ، لذا تنحنحت بصوت شبه مرتفع لتلفت أنظارهما إلى وجودها ، وبالفعل أرخى عدي كفيه ، فسحبت ليان يديها سريعاً ، وبدى عليها الإرتباك ، وأخفضت رأسها للأسفل لتتجنب نظرات عفاف لها ..

رسمت عفاف على وجهها إبتسامة زائفة ، وإدعت أنها لم ترْ شيئاً ، وقالت بصوت هاديء :
-ناريمان هانم عاوزة حضراتكم
-طيب .. روحي إنتي يا عفاف ، وإحنا جايين وراكي
قالها عدي بصوت عادي وهو يشير لها بعينيه لكي تنصرف ..

إبتسمت هي له إبتسامة مجاملة ، وأومأت برأسها موافقة وهي تجيبه بنفس الهدوء الإنفعالي ب :
-حاضر..
تابعها عدي وهي تنصرف مبتعدة عنهما ، ثم أطلق سَبة مسيئة لها ، ففغرت ليان شفتيها في ذهول ، ورمقته بنظرات متعجبة وهي ترفع كلا حاجبيها للأعلى ، ثم تسائلت بإستغراب واضح ب :
-إنت بتقول ايه ؟

ظهر شبح إبتسامة صفراء باردة من بين أسنانه وهو يجيبها بنبرة غير مبالية ب :
-متخديش في بالك ..!
ثم صمت لثانية قبل أن يتابع حديثه معها ب :
-تفتكري مامتك عاوزانا في ايه ؟
إكفهر وجه ليان ، وبدى عليه الإمتعاض ، وتنهدت في إحباط ، ثم أجابته بفتور ب :
-معرفش ، و I don't care ( لا أهتم )

ثم عقدت ساعديها أمام صدرها ، وأحنت رأسها في خزي ، و تذكرت كيف رأتها في أحضان رفيق العائلة المقرب ، ذاك الذي كانت تعتبره كوالدها ، وكيف كانت تبادله القبلات الساخنة دون أدنى إكتراث بوجودها معهما في نفس المكان .. وكيف دفعتها لتتهور وتسقط في براثن من إستغل سذاجتها ولعب عليها لعبة الحب لتسلم نفسها بيأس ..

لاحظ عدي شرود ليان ، فخشي أن يتركها لعقلها فتعيد التفكير في مسألة زواجهما ، فهي حالياً متقلبة المزاج ، وتتحرك وفق مشاعرها ، ولضمان نجاح زيجتهما عليه أن يكون شديد الحذر معها ، وحريصاً على ألا يفسد مخطته ، لهذا أسرع بمد يده ناحية وجهها ، ثم أمسك بخصلات شعرها المموج - التي يعبث بها الهواء - ولفها على أصابعه بحركة أثارتها ، وجعلتها تبتسم بعذوبة له ، ثم رمقها بنظرات رومانسية آسرت عينيها ، وبنبرة خافتة ولئيمة أردف ب :
-معلش حبيبتي .. لازم نشوف هي عاوزة ايه ، برضوه دي مامتك حبيبتك .!

نظرت هي لعدي بنظرات غريبة ، ولوت شفتيها في تهكم ، وقالت بسخط :
-هه .. اه هي فعلا مامتي حبيبتي !!!
تعجب هو من نظراتها الغير مفهومة تلك ، وما زاد من شكوكه هو النبرة المريرة التي تتحدث بها ، لذا أيقن أن هناك ما تخفيه عنه ، وأن هناك سراً ما يجهله ، فحاول أن يسألها بمكر ب :
-أنا حاسس إن في حاجة بينكم ، إحساسي صح ولا أنا غلطان ؟

تنهدت هي في إحباط ، ومسحت وجهها براحتي يدها ، ثم أسندتهما على جانبي أنفها ، وأغمضت عينيها في إستسلام ، وقالت بفتور :
-عدي بليز ، أنا تعبانة ، ومش عاوزة آآ...
قاطعها عدي بصوت حنون ب :
-ليان أنا مش عاوز أشوفك مضايقة ، أنا عاوز أخليكي على طول مبسوطة معايا ، وانسيكي أي حاجة وحشة شوفتيها في حياتك

رمقته هي بنظرات ساخرة من طرفي عينيها ، ثم لوت فمها للجانب في تهكم ، وأردفت بنبرة مريرة :
-صعب أي حاجة تتنسي بالساهل
ثم اطلقت تنهيدات مطولة ، وقاومت عبراتها التي تحاول الإنسياب من مقلتيها ..

أدرك عدي أن الوضع بات مشحوناً للغاية ، وأنه لا يمكن أن يترك زمام الأمور يفلت من يديه ، لذا مد إصبعيه ناحية وجهها ، ووضعهما على طرف ذقنها ، ثم أداره برفق ناحيته ، لتنظر هي بحزن له ، فأسبل عينيه لها ، ورمقها بنظرات دافئة والهة أشعرتها بإهتمامه الزائد نحوها ، فإنفرج فمها قليلاً ليرسم إبتسامة جافة عليه ..
مسح هو بإبهامه على ذقنها بحنو ، ونجح في وضع قناع الهدوء البارد على قسمات وجهه ، ثم أردف بنبرة رخيمة وهو يرمقها بنظراته المطولة ب :
-صدقيني ، أنا غير أي حد عرفتيه...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني

إنغلق باب المصعد على كليهما ، فحبست تقى أنفاسها ، وتراجعت بجسدها للخلف لتلتصق بالمرايا الجانبية ، ثم أسندت كفي يدها على الحاملين المثبتين في منتصف المرايا لتعيد إتزانها المفقود ، فساقيها كانت كالهلام ، لا تقويان على حملها بالرغم من الصلابة الزائفة التي تدعيها أمامه ، وجسدها في حالة إعياء رغم تماثله للشفاء ، أما نبضات قلبها فكانت تتسارع بدرجة مخيفة ...

حاولت هي أن تضبط أنفاسها المتلاحقة ، وتسيطر على نوبة الرعب التي تمكنت منها حتى لا تنهار سريعاً ، وكذلك لكي تتمكن من التفكير فيما هو آتٍ بذهنٍ صافٍ ..
نظرت تقى بحذر بعينيها المرهقتين إلى أوس الذي كان متقدماً عنها بخطوة ، وراقبته بتوجس شديد ، فهي تخشى أن يباغتها بحركة ما تكون هي فيها عاجزة عن الدفاع عن نفسها ، فعقلها لم يتوقف للحظة عن التفكير فيما يمكن أن يفعله بها ، فتصرفاته يصعب التنبؤ بها ، وهي متأكدة من إستحالة ردعه طالما إنتوى أن يفعل أي شيء .. وبالفعل هي الضحية التالية لبطشه وجبروته اللامتناهي ..

إبتعلت تقى تلك المرارة المنتشرة في ريقها ، وقبضت بعصبية واضحة على حاملي المصعد ..
بدأت حبات العرق الباردة في التجمع على جبينها ، وتساقط البعض منها على حاجبيها ، فرفعت كفها لتمسحهم بحذر .. ثم تلمست خصلات شعرها المتلبد والملتصق بجبينها ، فببراءة أرادت إزاحتهم وتخبأتهم خلف حجابها – الذي ظنت أنها ترتديه – ولكنها أصدرت شهقة مكتومة حينما أدركت أن رأسها مكشوف ، وأن حجاب رأسها غير موجود بالمرة ..

اتسعت عينيها في فزع ، وتملكها الرعب بسبب شعورها الطاغي بأنها عارية بدون حجابها ، وأن كل من رأها طوال الطريق قد إستباح لنفسه التمتع بما يخصها ..
فإنسلت من عينيها دمعات خزي وإنكسار بللت وجنتيها وأنفها ، وكذلك شفتيها ..

أصدرت تقى أنيناً مكتوماً ، وحدجت أوس – ذلك البغيض الذي يزداد كرهها له يوماً بعد يوم – بنظرات قاتلة .. فهو من وضعها في ذلك الموقف المخزي ، هو من يتلذذ بتعذيبها دون وجه حق ، هو من يريد أن يحني إرادتها ويكسرها بلا هوادة بسبب ذنب لا تعرفه ولم ترتكبه .. وهو من أوصلها إلى تلك الحالة المزرية وأباح لنفسه ما حُرم عليه ...

وضعت يدها على وجهها مجدداً ، ومسحت عبراتها الملتهبة عنه ، وأسندت إصبعها على طرف أنفها حتى لا يسمع هو صوت بكائها المرير ..
في حين وقف أوس معتداً بنفسه ، متفاخراً بمآثره ، ولم يخلوْ وجهه من إبتسامة الإنتصار التي تزيده عنجهية وجبروت ... فهو لم يكنْ ليخسر أي تحدي مهما كلفه الأمر ، فقد إعتاد أن يفعل ما يريد وقتما يريد دون أن يكترث بأي أحد ، ولم يهتم يوماً بمشاعر من حوله ، فهو من أجبر نفسه – منذ الصغر - على أن يصبح شرساً ، قاسياً ، عنيفاً ، ومتحجر القلب .. ولم يترك أي سبيل للرحمة أو المغفرة في قلبه .. وعُرف بين الجميع بصفاته البغيضة .. وبات الكل يخشاه بحق ..
وها هو اليوم قد أوشك على الظفر بمعركته الأخيرة التي خاضها قبل فترة .. وأصبح قاب قوسين أو أدنى من كسر من تجرأت على مجابهته ...

فُتح باب المصعد ، فخرج منه أوس أولاً ، بينما تسمرت تقى في مكانها ، ورفضت ساقيها أن تنصاعا لها ، وتلجان للخارج ..
إستدار أوس بجسده كلياً للخلف ، وحدجها بنظرات صارمة من عينيه القاتمتين ، ثم هتف بغلظة فيها ب :
-وصلنا .. تعالي يالا
هزت رأسها نافية لعدة مرات بطريقة هيسترية ، وتشبثت بحاملي المصعد ، وقالت بصوت متقطع يحمل القليل من القوة :
-م .. آآ... مش هاجي
ثم سلطت عينيها المذعورتين عليه ، وترقبت بخوف بائن ردة فعله عليها ..

في نفس التوقيت أوشك باب المصعد على الإنغلاق وهي بداخله ، فأسرع أوس بمد ساقه ليعترض البابين المعدنيين فبقى المصعد مفتوحاً ...
ثم إندفع كالثور الهائج إلى الداخل حيث تقى القابعة في زاويته ، وأمسك بمعصمها الأيمن المرابط على الحامل ، وجذبه بشراسة من عليه ، ثم مد يده الأخرى ناحية كف يدها الأيسر ، وإقتلعه من مكانه ، وقبض على معصمها بعنف ، ثم ضمهما معاً ، وألصق رسغيها الموثوقين عنوة بصدره ، ورمقها بقساوة أشد بعينيه المخيفتين ، فشعرت بنظراته البشعة تخترقها ، وتحرق روحها ، ثم هتف غاضباً فيها ب :
-قولتلك مش بمزاجك تقبلي أو ترفضي ، إنتي خلاص مابقتيش ملك نفسك

ثم هزها بعنف قبل أن يتابع بنبرة متشنجة تحمل التحذير ب :
-فأحسنلك متعانديش معايا

حركت هي رأسها للجانبين رافضة لما يقول بطريقة لا إرادية ، وكأنها تؤكد له عدم خضوعها له بسهولة تامة ، وأن المعركة لم تحسم بعد كما كان يظن .. فهي ستظل تقاومه حتى النفس الأخير مما جعله يستشاط غضباً ..
ضم أوس رسغيها معاً بقبضة واحدة .. ثم ضغط على زر إيقاف المصعد ، وإندفع خارجه بنفس القوة والصلابة ساحباً إياها خلفه ..
كانت مقاومتها – مقارنة بإندفاعه – لا تذكر .. فقد إنساقت كالبهيمة ورائه ، وإلتفت ساقيها حول بعضهما البعض ، وتعثرت وهي تحاول الإبتعاد عنه .. لكنه جرها بلا هوادة خلفه ...
خرج صوتها ضعيفاً مبحوحاً متحشرجاً وهي تصرخ معترضة بيأس ب :
-سيبني لحالي ، حرام عليك ، أنا بأكرهك

لم يعبأ هو بها ، بل إستمر في جرها نحو باب منزله .. وما إن وصل إلى وجهته حتى إلتفت برأسه ناحيتها ، ثم رمقها بنظرات صارمة وعازمة تتأمل كل ذرة في وجهها ، وسريعاً ما ضيق عينيه ، وأردفت بنبرة محتدة وهو يكز على أسنانه ب :
-مش بمزاجك يا تقى تسيبني !!!!!

ثم ضغط بأصابعه القوية على رسغيها ليؤلمها أكثر ، وتابع بشراسة جلية ب :
-وهافضل أقولهالك لحد ما تفهمي ده
كور أوس قبضة يده الأخرى ، وضرب بها على جانب رأسها ، ثم رسم إبتسامة مستفزة على وجهه ، ونطق متوعداً :
-دماغك الناشفة دي هاكسرهالك ...!

نظرت هي إليه بنظرات مذعورة ، فتلذذ برؤيتها على تلك الحالة الواهنة ، وأراد أن يزيد من لذة إنتصاره تلك ، وإراعبها أكثر ، فأطبق بيده على فكيها ، وقرب وجهها لوجهه لتزداد إرتجافتها ، ثم لوى فمه قليلاً مستمتعاً بتحكمه الكامل بها ، وحدجها بنظرات حادة من عينيه القاتمتين .. فتخللتها بقوة ، وأشعرتها بمدى عجزها ، ومدى سطوته وجبروته ..
تلوت برسغيها وبجسدها محاولة مقاومته ، وحركت رأسها الأسير بين أصابعه لتبتعد عنه ، ولكنه كان متمكناً منها ، مسيطراً عليها تماماً .. فإزداد وهنها .. وحسرتها على حالها ..
لمح هو ذاك الوميض المرتعد المكسور في عينيها ، فإزداد ثقة على ثقة ، وسيطرت عليه عنجهيته وتسلطه ، ثم أردف بنبرة خشنة تحمل القسوة والتأكيد ب :
-وأنا مش بأسيب اللي يخصني أبداً ، حطي ده في بالك كويس ، سمعاني ...!

ثم أرخى أصابعه عن فكيها ، وشعر بالإنتشاء حينما رأى أثار أنامله محفورة على وجنتيها ، وأدار رأسه للجانب ، وإعتلى ثغره إبتسامة مراوغة ، ثم أولاها ظهره ، وأخرج ( سلسلة ) مفاتيحه الفضية ليضع المفتاح في مكانه بالباب ..
إنسابت العبرات الحارقة بغرازة على وجنتيها الذابلتين لتلهبهما أكثر ، فكل شيء بات قاتماً مقيتاً خالياً من الحياة بالنسبة لها ..
وضعت يدها على فمها لتكتم صوت بكائها ، لكن ذاك الأنين المكتوم كان يصم آذانها ..
فتح أوس باب منزله ، ودفعه بخفة بكفه للأمام لينفتح على مصرعيه ...
ثم إستدار برأسه مرة أخرى ناحية تقى ، ونظر إليها بنظرات جارحة متشفية وهو يرى حالة الإنكسار المسيطرة عليها ، ثم أمرها ببرود قاسي ب :
-خشي ، مش هانقف كتير برا !

أومأت برأسها موافقة وهي تمسح العبرات بكفها عن وجنتيها ، فهي لم يعد لديها أي رغبة في المقاومة ، فإستسلمت بيأس لأوامره ، وإنصاعت ساقيها له ، وسارت بخطوات واهنة – كالمغيبة - إلى الداخل ...

مرت تقى بجواره ، ولم يتحرك هو من مكانه ، بل تعمد أن تكون المسافة ضيقة ..
تحايلت هي على نفسها ، وإنكمشت بجسدها وهي تمرق للداخل خافضة العينين .. منكسة الرأس ، مسلوبة الإرادة ..
حدجها أوس بنظرات متشفية وشرسة وهي تمرق بجانبه ،
فهزيمتها تسليه كثيراً ، ورؤيتها خانعة تزيد من رغبته في الإستمرار هكذا معها ، وكسرها أكثر .. فهناك شيء ما خفي يدفعه لأن يفعل بها ما لا تطيق ..

ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى إستعادت تقى إدراكها الشعوري بعد أن صفق أوس الباب خلفه فإنتبهت له ..
إتسعت عينيها في ذهول ، ونظرت حولها بصدمة وريبة ، وإنفرجت شفتيها في خوف .. هي لا تعرف كيف إستسلمت بسهولة لأوامره ودلفت لداخل محبسها .. ولكن عند تلك النقطة أدركت أن أي سبيل للمواجهة لن يكون في صالحها .. فهي بين قبضتي جلادها الذي بات مستعداً تماماً للإنقضاض عليها والفتك بها إن خالفته ..
حاولت هي أن تبتلع لعابها الذي اختفى تماماً من حلقها الجاف ، وكافحت لتستجمع شجاعتها الفارة ، ثم بدأت نظراتها الزائغة تدريجياً تتسلط على من تمقته ..
رأت تقى تلك الإبتسامة القاسية و الماجنة على فمه ، ولمحت في عينيه وميضاً شيطانياً لئيماً يضيئهما ، فإنتفض قلبها فزعاً ، وتعالت دقاته حتى كادت أن تخرق آذانها ..

لن تنكر أن دمائها فرت من عروقها ، وأن عقلها أصبح مشحوناً بالرعب من مصيرها المجهول معه ..
شبكت أصابعها وكورتهم معاً حتى تخفي إرتجافتهم ، ثم عضت على شفتها السفلى وحاولت أن تبدو ثابتة أمامه رغم إنهيار كل دفاعاتها ..
تكشفت أسنان أوس وهو يمرر عينيه ببطء على كل جزء فيها ، مستمتعاً بحالتها المزرية تلك ، وما زاد من تسليته هو شعورها بهيبته وجبروته ..
حدجها بنظراتها الوقحة ، وهتف بقساوة وهو يضغط على كل كلمة :
-هنا يا .. يا تقى هتنفذي إتفاقك معايا .....!

في قصر عائلة الجندي ،،،،

هزت ناريمان ساقها الموضوعة فوق الأخرى بحركة ثابتة وهي مسلطة لعينيها على عدي الذي كان يبتسم لها إبتسامة باهتة ..
تفرست في ملامحه محاولة فهم ما الذي يدور في عقله لكي يعرض هذا العرض السخي على ليان رغم معرفته بما دار ، هناك أمر ما يدربه ، وهي ستحاول إكتشافه..
لاحظت ناريمان أنها شردت كثيراً ، لذا زمت شفتيها قليلاً ، ثم أردفت متسائلة بحنق ب :
-نويت تعمل ايه ؟

تنفس عدي بهدوء وهو يجيبها بثقة ، وبنظرات مغترة من عينيه الثاقبتين ب :
-كل اللي عاوزاه ليان أنا هاعمله أكيد
-أنا ماليش دعوة باللي هي تعوزه ، أنا اللي يهمني آآآ....

قاطعها عدي بنبرة جادة وهو يشير بيده ب :
-كل حاجة هاتتعمل على مستوى عالي جدا ، حاجة تليق بالعيلتين ومركزهم ..!

مطت هي شفتيها في إعجاب ، وتوقفت عن تحريك ساقها ، ومالت برأسها للجانب ، وتفرست في وجهه ، ورغم محاولتها الكبيرة إخفاء نظرة الإنبهار بما قاله ، إلا أن قسمات وجهها كانت تتحدث عنها ..
رأى عدي تلك الإبتسامة المخفية بين ثنايا وجهها ، فتملكه الغرور ، وتابع بثبات ب :
-وأنا هاخلي ناس متخصصة في الأفراح تتولى كل حاجة ، ده غير إن فستان ليان هايكون من مصمم مشهور ، وعلى ذوقها .. وكمان هاعزم كل نجوم المجتمع ، يعني هايكون من الأخر فرح مالوش زي

تنحنحت هي بخفوت ، ثم أردفت بإيجاز ب :
-أوكي ..
أرجع عدي ظهره للخلف ، وإستراح أكثر على الأريكة الذهبية التي يجلس عليها .. ولم يستطع أن يخفي تلك الإبتسامة المغترة من على ثغره ..
حدق هو أمامه ، وأسند مرفقيه على ذراعي الأريكة ، حدث نفسه بتوعد ب :
-شوية شوية يا حماتي ، وهاخلي بنتك تدفع تمن غلطتها ....!

في الطابق الأول بإحدى البنايات الحديثة ،،،،

تأمل ممدوح بنظرات مطولة تلك اللوحة التي وضعها أحد العمال على الجدار المقابل لمكتبه ..
كانت اللوحة عبارة عن رسمة لمزهرية مليئة بالأزهار البرية ذات ألوان هادئة .. تفنن رسامها في إبراز تفاصيلها بدقة واضحة مما جعل ممدوح يقبل على شرائها بثمن ليس بالقليل حينما تم عرضها بأحد ( المعارض الفنية ) ..

هز رأسه قليلاً ، ثم إستدار للخلف ، وتوجه ناحية مكتبه الجديد الموضوع في منتصف الغرفة ..
كان كل شيء مرتباً رغم وجود الأغطية البلاستيكية عليه ، ورغم هذا جلس على مقعده الجلدي الكبير ، وأراح ظهره للخلف ، ثم أغمض عينيه ليريحهما بعد أن دعك طرفي أنفه ..
كان الإجهاد وتجاعيد السن بادية أسفل جفنيه .. فهو لم يرتح لأيام بسبب تجهيز المعمل الخاص به ..

أخذ ممدوح نفساً عميقاً ، وزفره بتمهل .. ثم شبك قبضتيه معاً ، وظل يهز مقعده بحركة خفيفة .. ومن ثم فتح عينيه لينظر إلى سطح المكتب وما عليه من أوراق متراصة بطريقة فوضوية ..
تنهد في إنهاك ، وإعتدل في جلسته ، ثم مد يده ليعيد ترتيبهم ، ولكنه لمح اسم معمله على تلك الأوراق ، فإبتسم في رضا ، ولكن سرعان ما تلاشت إبتسامته حينما رأى ذلك الشعار المقارب في تصميمه لشعار المشفى الذي كان يعمل به في الماضي .. فشرد في ذكرياته الأليمة تلك ...
لم يكنْ لينسى أبداً ما قرأته عيناه ...

إنتفض ممدوح فزعاً من على مقعده بعد أن إطلع على نتائج التحليلات الحالية وقارنها بتلك السابقة التي أجرتها تلك الخريجة الشابة ناريمان ، فألقى بالأوراق جانباً ، وحدج مهاب بنظرات مميتة ، وهو يهتف محتداً ب :
-ازاي عاوزني أداري على الكارثة دي ؟ انت عارف ايه اللي ممكن يحصل لو حد عرف باللي هي عملته ؟!!!

ظلت أنظار ممدوح مسلطة على مهاب الذي نهض هو الأخر عن مقعده المقابل للمكتب ، وظل محدقاً به بنظرات ثابتة دون أن ترمش عيناه ، ثم بنبرة ماكرة أجابه ب :
-أومال أنا جايلك ليه ..؟
وصمت للحظة قبل أن يتابع ببرود بائن :
-يعني خدمة قصاد خدمة !

برزت عروق ممدوح من عنقه وهو يهتف صارخاً بإعتراض ب :
-يا سلام بالبساطة دي.
دار مهاب حول المكتب ، ووقف قبالته ، أسند يده على كتفه ، وضغط عليه قليلاً ، وأردف بنبرة جادة تحمل اللؤم ب :
-إحنا في إيدنا كل حاجة ، ومحدش هايعرف طالما هاتعمل اللي بأقولك عليه ..!

أزاح ممدوح كف يده بعيداً عنه ، ثم دفعه من كتفه ، وسار مبتعداً عنه ، وتوجه ناحية النافذة ، وظل محدقاً للحظات بها ، ومن ثم إستدار ليواجه مهاب ، وبنبرة شبه محتقنة صاح عالياً ب :
-دي مراتي اللي بتتكلم عنها !!!!
ابتلع ممدوح ريقه قبل أن يكمل بنبرة تحمل الغصة وهو يرفع أحد حاجبيه للأعلى ب :
-وكانت مراتك برضوه ، ولا نسيت ؟!!

كانت تعابير وجه مهاب هادئة للغاية ، لا يبدو عليه التأثر مما قاله رفيقه ، بل على العكس تماماً كان يبدو متماسكاً صلباً وكأنه يتوقع تلك المشاجرة ..
أخذ هو نفساً مطولاً ، وزفره بهدوء .. ثم تحرك في اتجاه ممدوح ليتابع بنبرة ماكرة ب :
-لأ مانسيتش .. وإنت كمان عاوز تخلص منها ، وتشوف حالك ، صح ؟ فأنا بأقولك على السكة ..!!

ظهرت علامات التوتر والإرتباك على قسمات وجه ممدوح ، فحاول أن يبدو طبيعياً ، ولكن فضحته عينيه التي لمعتا من مجرد طرح لفكرة ..
أخرج هو محرمة قطنية من جيبه ، ثم جفف بها حبات العرق الذتي بدأت بالتجمع على جبينه ، ثم أردف بنبرة مترددة ب :
-بس مش بالشكل ده !

ابتسم مهاب إبتسامة شيطانية ، وبرقت عينيه بقوة حينما تأكد من نوايا رفيقه الخبيثة تجاه تهاني ، وأيقن أنه يحتاج فقط للضغط عليه أكثر ، وتذليل العقبات أمامه من أجل إقناعه بمخططه في التخلص من تهاني نهائياً ، وبالتالي سيتمكن من إنقاذ ناريمان من الأخطاء الفادحة التي إرتكبتها في تشخيص نتائج بعض التحليلات وتسببت في إلحاق الأذى ببعض المرضى ..
تنحنح هو بصوت خشن ، ثم أردف بنبرة واثقة ب :
-خلي قلبك جامد يا ممدوح

وقعت عيني ممدوح على صورة فوتغرافية صغيرة لطفلتيه الرضيعتين موضوعة في إطار فضي على سطح مكتبه .. فنفخ في ضيق ، ثم أردف بنبرة محتدة ب :
-الكلام ده كان قبل ما تبقى أم بناتي

وقف مهاب إلى جوار ممدوح ، ولف ذراعه حول كتفه ، ثم ربت عليه عدة مرات ، فإستدار الأخير برأسه للجانب قليلاً ، فإبتسم له مهاب ، وتابع بنبرة هادئة ب :
-يا سيدي بناتك هانجبلهم مربية تاخد بالها منهم !

ضيق مهاب عينيه لتصبحا أكثر قتامة ، ثم أكمل عبارته بصوت محذر ب :
-لكن وجود تهاني هيودينا كلنا في داهية ، فلازم نخلص منها !

أزاح ممدوح ذراع مهاب من على كتفه ، ونظر إليه شزراً ، ثم هتف بحنق ب :
-إنت ايه يا مهاب ؟؟؟!!!!

جمد مهاب ملامح وجهه ، وبنظرات خاوية ، ونبرة باردة أجابه ب :
-أنا عاوز مصلحتك يا ممدوح !

ثم اقترب منه أكثر ، ونظر مباشرة في عينيه ، وأكمل بخبث ب :
-مش إنت عاوز تتنعم بفلوسها ، ويبقى عندك كل حاجة ؟!

إتسعت عيني ممدوح قليلاً ، وشرد لوهلة ، ومط شفتيه وهو ينطق بخفوت حذر ب :
-مممممم... هاه

مال مهاب على أذنه ، وأردف بنفس النبرة اللئيمة ب :
-إحسبها معايا ، فهتلاقي إن احنا مقدمناش غير نعمل كده

وضع ممدوح إصبعيه على طرف ذقنه ، وظل يفركه بهما بثبات ، فالوضع برمته مقلق ، ومثير للمتاعب .. وبالتالي أي خطوة سيخطوها هو يحتاج إلى دراسة واعية حتى لا يقع في المحظور ، ويدفع ثمن تلك الجرائم ..
صمت لبرهة ، فلم يمانع مهاب في مقاطعته ، بل ارتسم على وجهه إبتسامة إرتياح ، فهو يرغب بشدة في أن ينفذ مبتغاه على أكمل وجه كي يظفر بكل شيء..
زفر ممدوح بإنزعاج ، وظل يتمتم مع نفسه بكلمات مبهمة ، ثم تنحنح بخشونة ، و سأل رفيقه بجدية وهو يضيق عينه اليسرى ب :
-طب وإنت مصلحتك ايه من ده كله ؟

أجابه مهاب على عجالة ، ودون أن تطرف عيناه ب :
-ولا حاجة

إزدادت نظرات ممدوح الحادة له ، وتابع بصوت متصلب ب :
-عاوز تفهمني إنك بتعمل كل ده لله ، أكيد هاتطلع بحاجة من الموضوع ده !!!!

إرتبك مهاب قليلاً ، ولم يعرف بماذا يجيبه في البداية ، فحاول أن يخفي توتره هذا فأسرع بتغيير الموضوع ، وبنبرة مكترثة نطق بتلهف ب :
-سيبك انت مني ، وركز بس في التحاليل دي .. !

تأكد ممدوح من ظنونه ، فإبتسم إبتسامة سخيفة له ، و رد عليه بإيجاز :
-وماله !

ثم عاود الجلوس على مقعده ، وأمسك بأوراق التحاليل المتبعثرة .. وجمعها بهدوء .. وتطلع إليها ، ثم نظر إلى مهاب وبادر ب :
-ماشي ، سيبلي الورق ده وأنا هاشوف هاتصرف إزاي !!!

أفاق ممدوح من شروده ، وترقرقت في عينيه عبرة ، لا يعرف من أين أتت .. ولكن ذكرى وفاة رضيعتيه ، حركت في نفسه شيء ما ..
تنهدت في آسى ، ثم مر بباله طيف ما صار بعدها من تطور للأمور وتلفيق إتهامات باطلة لتهاني ، وطردها بعد سلبها أموالها قد أثار حنقه ..
فإكفهر وجهه ، وتشنجت عضلات وجهه .. وإزداد إنعقاد حاجبيه ، وحدث نفسه بصوت مسموع ب :
-قريب أوي يا مهاب هايجي وقت الحساب على اللي فات كله ...... !!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

دفع مهاب باب غرفة العمليات بهدوء بعد أن لفظ المريض حياته بالداخل ..
إندفع نحوه أهل المريض ليسألوه عنه ، فأجابهم بنبرة جامدة ووجه خالٍ من التعابير :
-البقاء لله

تعالت أصوات الصراخ الممزوجة بالعويل في الرواق ، فلم يهتم هو بمشاعرهم المكلومة ، وأكمل سيره بثبات نحو المصعد ..
ركض خلفه الطبيب حسن وهو يصيح عالياً ب :
-د. مهاب ، د. مهاب

إلتفت له نصف إلتفاتة برأسه ، وسأله بجمود :
-خير يا دكتور حسن

إلتقط الطبيب حسن أنفاسه ، ثم أجابه بتلهف ب :
-في دعوة جت لحضرتك لحضور المؤتمر السنوي للأطباء بالنمسا

مط مهاب ثغره للأمام ، ثم رد عليه بهدوء :
-مممم.. تمام

عقد حسن ما بين حاجبيه وسأله بجدية قائلاً :
-حضرتك هاتروح المؤتمر ؟

دلف مهاب إلى داخل المصعد ، ثم أجابه بإيجاز :
-هاشوف

توقف حسن أمام باب المصعد ، وبنظرات ثابتة ، ونبرة هادئة هتف بإهتمام :
-طيب يا ريت حضرتك تبلغني يا دكتور هاتعمل ايه عشان أقدر أظبط جدول مواعيد العمليات

أومأ برأسه وهو يجيبه بنبرة رسمية قائلاً :
-اوكي .. نتكلم فوق في مكتبي

ولج حسن هو الأخر إلى داخل المصعد ، وهو يجيبه ب :
-حاضر

فكر مهاب - وهو في طريقه إلى مكتبه - في إستغلال تلك الفرصة للهروب مما يحدث ، ومن الكآبة التي تسيطر عليه في تلك الفترة ..
فنريمان هي المتولية زمام الأمور حالياً خاصة فيما يتعلق بزيجة ليان ، ودوره هامشي مقارنة بها .. أما أوس فإصراره على الإرتباط بتلك البائسة الحقيرة - التي لا يعرف من أين جاءت وكيف إقتحمت حياة إبنه لتفرض وجودها عليه - جعل التوتر بينهما في أوج ذروته ، وهو يحتاج إلى فاصل نفسي يتيح له فرصة التفكير الذهني السليم الذي يمكنه من إستعادة السيطرة من جديد على مجريات الأمور ....

في أحد النوادي الراقية الخاصة بالمجتمع المخملي فقط ،،،،،

ألقى سامي الجندي بهاتفه المحمول على الطاولة التي يجلس عليها بعد أن قرأ البريد الإلكتروني الخاص به ..
نفخ من الغيظ وهو يحدث نفسه بحنق ب :
-خربت بيتي يا ابن مهاب ، ده أنا شوية وهاعلن إفلاسي على ايدك !

ظل ينظر حوله بأعينه المحتقنة وهو يتخيل نظرات الشماتة الممزوجة بالحقد من هؤلاء المحيطين به وهم يرونه يطرد وتلغى عضويته من النادي ، بالإضافة إلى بيع ممتلكاته في مزاد علني لسداد ديونه ، والمصيبة الأكبر أن يتم الزج به في السجن ما لم يسدد المستحقات المتأخرة ....
نعم .. ربما تكون أيام بقائه وسط تلك الطبقة باتت معدودة على أصابع اليد ، فهو لن يستطع تدبر الأموال الكافية للإنفاق على أسرته ببذخ كما إعتاد أن يفعل من قبل .. أو حتى ليتمكن من العيش في إستقرار مؤقت ..
ضاقت به السبل وهو يحاول التفكير في مخرج لذلك المأزق الكبير ..

ضرب بقبضته بعنف على الطاولة ، فإنسكب كأس المشروب البارد عليها ، وتناثر البعض منه على حلته السماوية فصبغتها بلونه ، فهتف محتداً ب :
-يادي القرف ، كنت ناقص ده كمان

نهض سامي عن مقعده ، وجاب ببصره المكان بحثاً عن أحد الندلاء ، وحينما لمحه صاح بإهتياج جعل من حوله ينظر له بإستغراب :
-إنت يا زفت ، تعالى نضف القرف ده ، اتعلموا إزاي تشوفوا شغلكم صح !!!

نظر له النادل بإندهاش بعد أن ركض نحوه ، فهو لم يرتكب أي خطأ ليتلقى هذا الصراخ العنيف ، ولكنه إعتاد على مثل تلك النوعية من الأشخاص .. فإكتفى بالإنحناء أمامه لينظف الطاولة ، وأردف بهدوء حذر ب :
-أسف يا فندم ، لحظة وكل حاجة هترجع زي الأول

حدجه سامي بنظرات محتقنة ، ورد عليه بعصبية قائلاً :
-مافيش حاجة بترجع زي ما كانت

تنحنح النادل بصوت خشن ، وأكمل بحذر :
-يا فندم اطمن ،أنا بنفسي هاخد الجاكيت انضفه وأرجعه لسيادتك أحسن من الأول ، عندنا المتخصصين في كده ، لحظة بس

نظر سامي إلى النادل بنظرات مطولة وغريبة ، وكأنه شرد يفكر في شيء ما ..
تعجب الأخير من تلك النظرات التي لم يفهمها ، فتنحنح مجدداً ، وأردف بهدوء :
-ممكن الجاكيت يا فندم

خلعه سامي بهدوء غريب لم يتوقعه النادل منه ، ثم أعطاه إياه ، وجلس على المقعد وعقد ساقيه معاً ، وحدق في الفراغ .. وظل صامتاً لبرهة إلى أن إنصرف الأخير من أمامه بعد أن أسند الجاكيت على ذراعه ، وحمل الصينية المعدنية بيده الأخرى .. فغمغم مع نفسه قائلاً :
-الحل لكل اللي أنا فيه هو إني .. إني أتخلص منك يا أوس ...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث

في دار رعاية المسنين
حدقت تهاني بسقفية الغرفة ، وأمعنت النظر فيها بدقة غريبة .. فلون الطلاء ذكرها بحالها وهي قابعة في ذاك المشفى النفسي بعد أن إنهارت أمام مكتبها المحترق بأطفالها الصغار ..
كان شعوراً قاسياً للغاية .. أن تفقد كل شيء في لحظة واحدة ، أن تتدمر عائلتها ويتخلى عنها زوجها .. وتتحول من أم مكلومة فقدت فلذات كبدها إلى مجرمة مدانة ومهددة بالعقاب الوخيم على جرائم لم ترتكبها ..

لم يستطع عقلها تحمل كل تلك الصدمات دفعة واحدة ، فإنهار ، وإنهارت معه .. فواقعها أسوأ بكثير من أن تعيشه بكامل قواها العقلية ..
وها هي اليوم تستعيد جزءاً بعد الأخر من ذلك الماضي المرير ..
أغمضت عينيها لتترك لعبراتها الفرصة للإنهمار لتغرق وجنتيها ووسادتها ..
شهقت بصوتٍ مكتوم وهي تردد :
-خدوا مني كل حاجة ، ورموني .. حرقوا قلبي وحرقوني .. آآآآآه .. آآآآآه

تعالت شهقاتها المصحوبة بالعويل وهي تبكي بحرقة .. فإنتبهت لصوتها المشرفة المتواجدة بالخارج ، فولجت إلى الغرفة ، ونظرت إليها بإشفاق ، ثم تحركت نحوها ، ووقفت أمام الفراش ، ورمقتها بنظرات ساخطة ، وهي تردفت بضيق :
-خلاص يا تهاني ، مش كل يوم الموال ده !

أولتها تهاني ظهرها بعد أن نظرت لها شزراً ، ثم أكملت نحيبها بصوت مكتوم ، فزفرت المشرفة بإنزعاج ، ولوت فمها للجانب ، وتابعت بإمتعاض :
-خلاص براحتك ، أنا غرضي مصلحتك ، هاتفضلي تنكدي على نفسك ، ومحدش هاينفعك بحاجة

لم تجبها تهاني بل ظل يتردد صوت أنينها المختنق ..
نفخت المشرفة مجدداً ، ورمقتها بنظرات غير مبالية ، ثم تراجعت مبتعدة عنها وهي تحدثها ببرود قائلة :
-على العموم أنا بأفكرك إن ميعاد الأكل بعد نص ساعة ، لو مجتيش أنا هابعتهولك هنا

صرت تهاني على أسنانها من الضيق ، وتشبثت بوسادتها ، وحدثت نفسها بتشنج وهي تذرف دموعها ب :
-خدوا كل حاجة مني وسابولي العلقم والمُر اطفحه لوحدي .. آآآآآه !!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،

إزدادت إرتجافة تقى وهي تقف بمفردها في منتصف الصالة الواسعة بمنزل ذلك الهمجي الذي أجبرها على المجيء معه إلى منزله ..
كانت تلوم نفسها لألاف المرات لخنوعها له ، ثم تحاول تبرير موافقتها على مطالبه المجحفة بأن الوضع مؤقت وأنه لم يكن أمامها أي بديل أخر ..
كانت نظراتها زائغة ، وقلبها ينبض بقوة بين ضلوعها ، أنفاسها لاهثة رغم إنتظام تنفسها .. فكل شيء من حولها بوحي بخطر محدق بها ..

راقبها أوس بنظرات متشفية متلذذاً برؤيتها ذليلة خاضعة له ..
ورغم تعابير وجهه الجامدة إلا أن عينيه كانت توحيان بشر دفين ..
تحرك هو في إتجاهها بثبات ، فإنتفضت فزعة في مكانها ، ونظرت بذعر له ، وتراجعت بيأس للخلف – رغم تأكدها من عدم وجود أي مهرب لها من سجنها الحالي – محاولة تجنبه ..

توقف هو عن الحركة ، ثم وضع يده في جيبي بنطاله ، وإنتصب في وقفته مزهواً بنفسه ، ثم هتف بصرامة ب :
-ده المكان اللي هاتقعدي فيه الفترة اللي جاية كلها ، ومش مسمحولك تخرجي من هنا
أومأت برأسها عدة مرات موافقة ، ورمشت بعينيها بتوتر ملحوظ ، ثم ابتلعت ريقها .. ولم تعقب ..

إستدار أوس برأسه للجانبين ليتأمل منزله ، والذي كان يحتاج إلى نظافة جادة ، بنظرات غير مبالية .. ولوى فمه قليلاً في تأفف ، ثم أخرج يده من جيبه ، ووضعها على طرف أنفه ، وحكه قليلاً ، وتحدث بصوت خشن وآجش ب :
-ده بيتي ، حاجة تخصني زيك بالظبط .. صحيح هو مش متروق بس يقضي الغرض ..!

اختلست تقى النظرات من طرف عينها لترى ذلك المكان ، فلمحت عدة زجاجات فارغة على إحدى الطاولات المسطحة والمنخفضة .. وكذلك كؤوس وأكواب زجاجية ملاقاة بجوارها ..
تحرك بؤبؤ عينيها ناحية تلك الزجاجات محاولة استكشاف طبيعتهم ، فرأت تلك التحف الغالية الموضوعة على المرآة الذهبية الكبيرة .. كما رأت أيضاً غرفة الطعام حديثة الطراز ، والأرائك الجلدية البيضاء الموضوعة بالقرب منها ..

كان أثاث المنزل يبدو باهظ الثمن رغم عدم إنتظامه ، ولكنها لم ترْ مثله من قبل إلا في الأفلام التي تتحدث عن الأثرياء ..

راقبها هو بصمت ، وظل يدرس تعبيرات وجهها المصدومة مما تراه حولها ، ثم فرقع بأصابعه أمام وجهها ليلفت إنتباهها الذي كان منصباً على تأمل المكان بحذر ..
إرتعش جسدها على ذلك الصوت القوي ، وإنتبهت له ، وضيقت عينيها لتنظر إليه بتوجس شديد ..
زم أوس شفتيه قليلاً ، ثم تشدق ب :
-أنا هانزل شوية وراجعلك تاني ..!

ثم صمت للحظة قبل أن يتابع بنبرة قوية ب :
-بس مش راجع لوحدي يا .. يا عروسة !!!

جحظت عينيها حينما سمعت ذلك اللقب الذي أطلقه عليها ..
في العادة تخجل الفتاة وتحمر وجنتيها حينما يتم نعتها بالعروس، ولكن في حالة تقى، إزداد شحوب وجهها، هربت الدماء من عروقها، تراقصت العبرات في مقلتيها..
تمعن أوس في رد فعلها – المسلي – وإرتسم على ثغره إبتسامة إنتصار ، ثم أردف بصرامة ب :
-جهزي نفسك لليلة فرحك

-أنا ..آآ.. ..م...مش موافقة ...!
قالتها تقى بصوت مرتعد وصادم بالنسبة له ..
هي لا تعرف من أين أتت لها الشجاعة لتجيبه بذلك الرد المفاجيء ، ولكن تعابير وجهها المذعورة ، ونبرة صوتها الخائفة جعلته يقهقه بطريقة عالية ساخراً منها ، ومستهزئاً بشجاعتها الزائفة ..

وفجأة توقف عن الضحك ، وعبس بوجهه ، وضيق عينيه القاتمتين ، وحدجها بنظرات مميتة ، فإنتفض قلبها ، وتعالت دقاته ..
وتراجعت بقدميها المرتعشتين للخلف .. وضمت يديها إلى صدرها ، ونظرت إليه بخوف شديد ..
سار أوس في اتجاهها بخطوات قوية محدثاً صوتاً حاداً على الأرضية الرخامية اللامعة ..
إلتصق ظهرها بالحائط ، فإلتفتت برأسها كالمذعورة للجانبين محاولة البحث عن أي مهرب لها .. ولكن للأسف لم تستطعْ ، فقد حاصرها أوس بذراعيه ، حيث أسندهما على الحائط ، فأصبحت هي أسيرته ( العذراء ) ..

لم ترمش عينيه للحظة وهو ينظر لها بقساوة لم تعهدها أبداً في حياتها إلا منه ..
لم تهتز عضلة واحدة من جسده وهو متصلب أمامها محاصراً إياها دون أن يلمسها ..
إزدادت إرتجافتها ، وإنتفضت كالفرخ بين ذراعيه ، وحاولت أن تستجمع شجاعتها المصطنعة مرة أخرى ، ولكن هيهات ، فكل شيء تلاشى تماماً .. وحل محله الخوف والرعب ..

راقب أوس كل حركة مذعورة تصدر منها بغرور وتفاخر ، فهو يرى في هزيمتها وإنكسارها إنتصاره عليها .. تلك التي تجرأت عليه يوماً ...
حرك هو ذراعه الأيمن قليلاً ناحية وجهها ، فأبعدت رأسها بذعر للجانب ، وإنكمشت على نفسها ، وتشنج كتفيها ، وإرتجفت شفتيها ، وتحركت عينيها الزرقاوتين برعب ، ورمشت بأهدابها الكثيفة بلا توقف ، فإعتلى ثغره إبتسامة لئيمة وهو يرى كم الخوف الذي تعانيه من مجرد حركة أصدرها ..
تملكه الغرور أن يزيد من حدة خوفها ، لذا مد إصبعيه نحو خصلات شعرها المتلبد ، وأمسك بخصلة ولفها حول إصبعيها ، فإهتزت رأسها بخوف أشد ..
ثم من بين أسنانه القوية ، تحدث بشراسة ب :
-سمعيني قولتي إيه كده تاني

-أنا .. أنا م ..م آآ..
خرج صوتها ضعيفاً متقطعاً متلعثماً وهي تحاول إجابته ..
رفع أوس نبرة صوته لتصير أكثر حدة وصرامة وهو يهتف بعنف ب :
-أنا محدش إتجرأ على إنه يعصيني !

ثم جذب خصلة شعرها أكثر ، فصرخت متألمة ، وأغمضت عينيها الدامعتين ، فحدجها بإزدراء ، وزاد من جذبه لها ، وكز على أسنانه وهو يضيف بجموح :
-واللي فكر بس يعمل كده ، أنا بأدفنه تحت رجلي ...!!

إنسابت العبرات على وجنتيها ، وحاولت أن تتحدث ، ولكن خرج صوتها مختنقاً مكتوماً حينما أردفت ب :
-أنا .. أنا عاوزة .. ح...حد من أهلي يكون معايا .. بس .. !!

أرخى هو إصبعه إلى حد ما ، ولكنه لم يفلت خصلة شعرها .. ثم ردد ببرود ب :
-أهلك !!!!

أومأت برأسها عدة مرات ، وأجابته بنبرة مرتعدة وهي تنظر إليه بخوف :
-آآ.. أيوه ، أنا مش طالبة أكتر من كده

لوى فمه قليلاً لتبرز أسنانه من جانبها ، ثم مال برأسه عليها ، فتقلصت المسافة إلى سنتيمترات معدودة ، فخشيت على نفسها أن يرتكب حماقة ما ، فأغمضت عينيها ، وتشنجت قسمات وجهها ، فلمح هو ذلك العرق النابض أعلى عنقها ، فعض على شفته السفلى ، ثم اقترب من أذنها ، ونفث أنفاسه عليها قبل أن ينطق بصوت خافت يحمل السخرية :
-ده على أساس إنك عروسة !!

إبتلعت هي إهانته بمرارة ، فجوفها صار كالعلقم ، ثم فتحت عينيها ، وجاهدت لتبعد عنه وجهها - الذي كان قاب قوسين أو ادنى من لمسه - وأجابته بتلعثم ب :
-أنا ... أنا مش آآآ...
تشنجت أكثر وهي تتحدث ، فبات صوتها مبحوحاً غير واضحاً ، فأبعد أوس رأسه للخلف ، وأرخى ذراعه الأيسر .. ولكنه ظل ممسكاً بخصلة شعرها ، وسألها بحدة :
-ها .. مش ايه ؟
صمتت ولم تجبه ، فإغتاظ منها ، وصرخ بعنف فيها ب :
-إنطقي !!!

ببسالة أمسكت تقى بخصلة شعرها ، وجذبتها من إصبعه ، ثم إنسلت من بين ذراعيه ، لتتراجع عدة خطوات مبتعدة عنه ، ونظرت إليه بحذر ، وأجابته بنبرة مريرة ب :
-أنا مش عروسة زي ما بتقول
نظر أوس إليها بعد ما فعلته بنوع من الإعجاب ، ثم زم ثغره ، وأردف بنبرة جادة ب :
-ممممم .. حركة جريئة منك ، هاعديها بمزاجي

ثم عقد ساعديه أمام صدره ، وتأملها بتمعن شديد .. فهي كانت ترتجف رغم تلك الشجاعة الزائفة التي تحاول إظهارها أمامه ، فعينيها تفضحاها ، وشفتيها الذابلتين لا تستطيعان إخفاء صك أسنانها .. فكل ذرة في كيانها تصرخ من الخوف ..

ابتلعت تقى ريقها مجدداً ، ونظرت له بتوجس .. فهي لا تدري خطوته القادمة معها .. هي مازالت تجهل تصرفاته المباغتة رغم يقينها بنواياه الغير بريئة ..
ساد صمت مليء بالتوتر للحظات قبل أن يتسائل هو بصوت قوي وجاف ب :
-أومال إنتي ايه بالظبط ؟

ضمت هي قبضتي يدها معاً ، وألصقتهما بصدرها اللاهث .. ثم بنبرة مهزومة أجابته ب :
-أنا بأعتبر نفسي واحدة محكوم عليها بالموت
قهقه أوس مجدداً بعد أن حل ساعديه ، وأرجع رأسه للخلف لتزداد ضحكاته الساخرة والمستهزأة بها ..
ثم صمت فجأة لتتحول قسمات وجهه للصرامة والعبوس ، وحدجها بنظرات قاتلة وهو يرد عليها بحدة ب :
-ده مصيرك معايا يا تقى .. الموت ...!!!!

احتقنت عينيها بحمرة غاضبة ، وتسربت بعض الدماء التي تغلي في عروقها إلى وجنتيها ليتورد وجهها الشاحب قليلاً ..
أكثر ما أشعل غيظها هو إستهانته بحياتها ، وإستخافه بقدسية الزواج .. فهو لا يقدر قيمة الزواج ولا الشرف ولا العائلة ولا أي شيء .. الأمر سيان بالنسبة له ..
هو يعتبرها مجرد تسلية رخيصة ، فتاة يسعى بإنتقام أعمى لكسر كبريائها ، وتحطيم نفسها ، وتدنيس روحها النقية ..
وبالنسبة لها حضور عائلتها الوحيدة كافٍ لكي تتحمل قسوته اللامتناهية معها بعد أن سلبها رغماً عنها حريتها ..

أنزلت تقى قبضتيها إلى جانبها ، وعضت على شفتيها .. لم يعدْ لديها ما تخسره ، والأمل الوحيد لكي ترى عائلتها وتطمئن على والدتها هو بحضورهم إلى هذا المكان ، ورؤية والدتها لعفة ابنتها ، والتأكد من طهرها وحسن سيرتها ..
لذا تجرأت مجدداً وجازفت بتكرار مطلبها ، حيث هتفت بنبرة شبه محتدة وهي مكورة لقبضة يدها اليمنى ب :
-واللي بيموت بالإعدام بيبقاله طلبات ، وانا مش طالبة غير إن حد من أهلى يحضر آآ...

قاطعها هو برفع كف يده في وجهها ، ثم صدح بصوته الصارم والمخيف ب :
-بسسسسسس !!!!

إنتفضت تقى فزعة على صراخه القوي في مكانها ، وإرتعشت ساقيها ، وبدت كمن يوشك على السقوط .. ولكنها تماسكت أمامه ..
تحرك أوس في إتجاهها ، فخافت على نفسها منه ، وتراجعت للخلف .. بينما استمر هو في الاقتراب منها
سيطر عليها الرعب بحق وهي ترى في عينيه شراسة غير متناهية ..
فإستدارت برأسها للخلف لترى أين تسير ...
بينما أشار هو بإصبعه في وجهها محذراً وهو يهتف بصوت عنيف ب :
-إنتي أخرك معايا أبلغهم بإنك اتجوزتي ، غير كده لأ .. !!!

ابتلعت تقى ريقها ، واستمرت في التراجع بحذر للخلف، وقالت بتلعثم وهي تنظر إليه بذعر ب :
-بس أنا كنت آآآ..
قاطعها هو مجدداً بصوت أعنف ب :
-خلاص ، انتهى !

أصطدم ظهر تقى بالحائط الأخر ، فأسرع أوس في خطواتها ليمسك بها قبل أن تفلت منه ، وبالفعل غرس أظافره في ذراعيها ، فتأوهت من الآلم ، وأصدرت أنين خافت ، وأطرقت رأسها للأسفل ..
حدجها هو بنظرات شيطانية مرعبة ، ثم هزها بعنف وهو يهدر بقسوة ب :
-ده اللي عندي ، ومش هايتعمل غير كده يا تقى ، إنتي فاهمة !!

هزت تقى رأسها موافقة ، وأجابته على عجالة بصوت خائف ب :
-ط... طيب
أرخى ذراعيه عنها ، وحدجها بنظرات اكثر حدة ، ثم تحرك مبتعداً للخلف ..
ضمت تقى ذراعيها إلى صدرها ، وتحسست موضع الآلم ..
وقاومت تلك العبرات التي تتسابق للإنهمار على وجنتيها ، ثم فكرت في حل ما قد يحول دون إتمام تلك الزيجة المشؤومة الليلة ، فبادرت بقول :
-أنا .. أنا كنت عاوزة شوية حاجات كده وآآآ...

إستدار أوس ليواجهها بوجهه المتجهم ، ونظراته الدقيقة والحادة ، ثم بصوت جاف وجاد يحمل الصرامة هتف ب :
-في ساعات كل حاجة هاتكون موجودة عنك
فغرت هي شفتيها من الرعب بعد أن اتسعت عينيها من الخوف ، ونطقت معترضة ب :
-بس كده .. أنا .. انا مش هالحق آآ...
نفخ أوس من الضيق ، ووضع يده على رأسه ، ثم حكها عدة مرات بطريقة غاضبة ..
-أنا مش عاوزة غير آآآ...
لم تكمل هي عبارتها الأخيرة حيث قاطعها هو بصرامة شديدة وهو يحدجها بنظراته المميتة ، ثم صاح بنفاذ صبر ب :
-خلاص ! اسكتي

أومأت تقى برأسها موافقة ، وإكتفت بالنظر إليه بحذر ..
فكر هو للحظات فيما قالته ..
ودار حول الغرفة وهو يفرك وجهه براحة يده ، ثم إلتفت بجسده نحوها ، ليحدجها بنظرات قاتمة وهو يردف بغلظة وتوعد ب :
- ماشي ، قدامك مهلة كام يوم تجهزي فيها

شعرت تقى بالإرتياح بعد جملته الأخيرة .. وإرتخت قسمات وجهها المتشنجة نوعاً ما ، فقد بات أمامها فرصة للتفكير وتدبر أمرها قبل أن يغتالها ذلك الجلاد .. فقد تجدد الأمل لديها نوعاً ما .. إذ ربما يمكن خلال تلك الفترة أن تصل إلى ما قد يُنجيها من براثنه ..

راقب أوس بتفحص ردة فعلها ، فأيقن أنها عاقدة العزم على فعل شيء ما ، لذا أراد إخافتها وبث الرعب في نفسها ، وتبديد أحلامها الوردية ، فأردف وهو يصر على أسنانه بقسوة ب :
-ماتفرحيش كده لأنها آآآ..
ثم صمت لثانية ليتركها في حيرة من أمرها قبل أن يتابع بنبرة شيطانية ب :
-دي هاتبقى ليلة إعدامك يا .. يا عروسة

ثم رسم على ثغره إبتسامة لئيمة ، وراقب علامات الخوف التي إكتست على قسمات وجهها ، وكذلك نظرات الذعر التي برزت من عينيها بطريقة أغرته للاستمرار في إذلالها ..
تنحنح بخشونة ، ونظر لها بنظرات مليئة بالغرور والثقة .. ثم تابع بصوت قاسي ب :
-وأنا بنفسي هتأكد إن كل حاجة هاتكون جاهزة ومناسبة ل... لجنازتك...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،

تسمرت تقى في مكانها عقب عبارته الأخيرة ، ولم تنطق ببنس كلمة ، وظلت فقط محدقة به بنظرات خالية من الحياة ..
فكلماته كانت كالخناجر المسمومة التي تذبحها بلا رحمة ..
فهو يتفنن في كسرها بشتى الطرق، ولم يتوان للحظة عن إخضاعها.. فقط لأنها تحدته، و وقفت إلى جوار والدتها، ورفضت أن يطغى عليها ظلما، فتحملت هي النتائج بمفردها ...

تحرك أوس صوب باب منزله ذي اللون البني الداكن ، ثم إستدار بجسده ليرمقها بنظرات شامتة وأخيرة قبل أن يمسك بمقبض الباب ويديره لينفتح ..
لوى فمه في سخط ، ثم تحدث بصوت آجش وجاف ب :
-هاسيبك تعيشي اللحظة في مملكتي المتواضعة

ثم لوح بذراعه الأيمن في الهواء ، وضحك بطريقة ساخرة ومصطنعة .. وولج للخارج وصفق الباب من خلفه بقوة ..

إنتفضت تقى فزعة ، وضمت قبضتي يدها إلى صدرها في خوف بعد أن فغرت شفتيها من الصدمة ..
أغمضت عينيها لثوانٍ لتستوعب ما حدث ، ولكنها سريعاً ما أعادت فتحهما حيث سمعت هي صوت المفتاح وهو يُدار من الخارج ليوصد الباب عليها ، فتصبح بحق ( سجينته ) ...

ركض تقى في إتجاه الباب ، ثم أمسكت بالمقبض ، وحاولت فتحه ، ولكن للأسف كان موصوداً عليها ..
شهقت في فزع ، وهزت الباب بعنف لعلها تنجح في فتحه رغم تيقنها من أن محاولتها يائسة ..
إلتفتت بجسدها ، وأسندت ظهرها على ذلك الباب الخشبي ، ثم أجهشت بالبكاء المصحوب بالصراخ والعويل ، وظلت تهز رأسها بصورة منفعلة ..
أغرقت الدموع وجنتيها ، وتسربت إلى فمها ، فتذوقت مرارتهم ، وإنتحبت أكثر ..
لم تعد تتحمل هي الوقوف على قدميها ، فإنهارت على الأرضية الرخامية ، وضمت ركبتيها إلى صدرها ، ودفنت وجهها بين راحتي يدها .. وتعالى صوت بكاؤها المرير..

ثم حدثت نفسها بصوت مختنق ومسموع ب :
-ليه كل ده بيحصلي ؟ اشمعنى أنا ؟!! لييييه !!!

أبعدت راحتيها عن وجهها ، ثم بدأت تطرق برأسها على الباب وهي تنتحب ..
ووضعت يديها على شعرها ، وغرست أصابعها في خصلاته المتبعثرة والمتلبدة ، وحركت رأسها بطريقة عشوائية بعد أن توقفت عن طرق الباب بها ..
إنتفخ أنفها وإزداد إحمرار وتورم عينيها .. ووجدت صعوبة في التنفس بسهولة ، وجاهدت لتلتقط أنفاسها ، ثم أغمضت عينيها ، وبدى وجهها أكثر شحوباً عما مضى ..
تراخت عضلات ذراعيها أولاً ، ثم لحق بها باقي جسدها ، وإنفرج ثغرها .. ومالت بجسدها للجانب الأيسر .. وفقدت وعيها وهي قابعة في مكانها ..

بداخل سيارة أوس ،،،،،

ركب أوس سيارته بعد أن رمق حارس البناية بنظراته النارية المعتادة ، ثم أمسك بالمرآة الأمامية ، وعَدل من وضعيتها ، ونظر إلى نفسه بتفاخر فيها .. ثم رأى شبح الإبتسامة التي تطفو على ثغره ، فشعر بنشوة الإنتصار .. ورغبة جامحة في الصعود إليها ورؤيتها ذليلة عاجزة عن فعل أي شيء ..
وضع يده على رأسه ليمرره على شعره الكث ، ثم حدث نفسه بثقة ب :
-ماتخلقش لسه اللي يقف قصادك يا أوس !

أدار محرك السيارة ، وإستعد للإنطلاق بها .. ولكن رن هاتفه المحمول ، فمد يده بداخل جيب بنطاله ليخرجه ، ثم نظر إلى اسم المتصل ، فنفخ في ضيق ، وتشنجت تعابير وجهه ، ثم وضع الهاتف على أذنه بعد أن ضغط على زر الإيجاب ، وأردف بنبرة جافة ب :
-خير

صرخ مهاب فيه بصوت غاضب ب :
-إنت فين ؟ أنا عاوزك حالاً
لوى فمه قليلاً ، ثم سأله ببرود وهو يحدق في مرآة السيارة الجانبية ب :
-ليه ؟
خرج صوت أبيه عنيفاً منفعلاً وهو يهتف ب :
-يعني مش عارف اللي اختك هببته ، والفضيحة اللي جلبتهالنا ؟؟!!!!

أبعد أوس الهاتف عن أذنه ، ونظر شزراً حوله ، ثم أردف بتهكم بائن في نبرة صوته ب :
-مش الهانم حلت مشاكلها خلاص ؟ وجودي هايفرق في ايه ؟
إزداد إنفعاله ، فصرخ فيه ب :
-إنت أخوها ، ولازم يبقالك رأي !
إبتسم أوس ساخراً ، ثم تابع حديثه بسخط وتهكم أشد ب :
-كفاية عليها إنك أبوها ، وناريمان هانم أمها !
-إنت عاوز تجنني ؟؟!!!
قالها مهاب وهو يكز على أسنانه من شدة الغضب ..

زفر أوس بإنزعاج ، ثم قطب جبينه ، وأردف بصرامة ب :
-دكتور مهاب ، أنا مش فاضي ورايا حاجات تانية أهم من جوازة ليان هانم بنت الحسب والنسب
إغتاظ مهاب من رد إبنه القاسي ، فإشتعل حنقاً ، وهتف بإهتياج حاد ب :
-ياخي خلي عندك دم ، ده اللي هايتجوزها صاحبك !

لوى فمه في إستهجان ، ثم أجابة بنبرة غير مبالية ب :
-مش فارقة ، صاحبي من غيره ، بنتك اللي اختارت حياتها ، فتستحمل بقى .. سلام ...!
ألقى أوس بالهاتف بعصبية على ( تابلوه ) السيارة بعد أن أنهى المكالمة ، ثم ضرب بقبضتيه على المقود ، وصر على أسنانه ، وحدث نفسه بإنفعال ب :
-تولع ، هي طالعة زي أمها ، وس** !!!!
أدار مجدداً المحرك ، ثم لف المقود بحركة دائرية بعد أن ضغط على دواسة البنزين لينطلق بسيارته بسرعة عالية ...

في منزل الجارة أم بطة ،،،،

صاحت أم بطة عالياً في وجه بناتها الجالسات أمام التلفاز بعد أن أحضرت صحناً مليئاً بالخضراوات الطازجة لتقطعهم ب :
-فزي ( قومي ) منك ليها شوفوا كوم الغسيل اللي جوا ، واغسلوها ، وواحدة فيكم تتنحرر وتنضف الأطباق اللي بايتة في الحوض من إمبارح
-يوووه .. هو إحنا مش هانترحم بقى من الشقى بتاع كل يوم
قالتها إبنتها الصغرى بتذمر واضح وهي تنهض عن السجادة

رفعت أم بطة حاجبيها غاضبة ، ثم سبتها وقالت بسخط واضح :
-داهية تاخدك إنتي والتحف اللي معاكي ، يالا يا بت منك ليها ، هو أنا خلفة عِلل

كانت إبنتها الكبرى بطة جالسة إلى جوارها على تلك الأريكة القديمة ، ثم إلتفتت برأسها لها ..
في البداية نظرت لها مطولاً ، وأجفلت عينيها للأسفل ترثي حالها ، وحاولت أن تبدو هادئة أمام أخوتها ، ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر تعابير الحزن المرسومة عليها .. خاصة وأنها عروس جديدة ، ومن المفترض أن تكون علامات السعادة والفرحة هي التي تطغى عليها ..
تنهدت بطة في آسى ، ثم أردفت بنبرة شبه حزينة ب :
-ما بالراحة يامه على اخواتي

نظرت أم بطة لها بنظرات إستهجان ، ثم لوت فمها في عدم إقتناع ، وعنفتها ب :
-بلا وكسة ، دول خلفة الندامة والشوم ، مانيش ملاحقة من طلباتهم ، إمتى يجي بس اللي يزيح همهم عن قلبي ..!
إحتقن وجهها بالدماء الغاضبة ، ونظرت لوالدتها بإستنكار ، وتسائلت بسخط واضح :
-بقى عاوزة ترميهم يامه زي ما رمتيني ؟!

رمقتها أم بطة بنظرات غير مبالية ، ثم زمت فمها قليلاً ، وأردفت بعدم إكتراث وهي تقطع الخضراوات ب :
-إتنيلي ! هو إنتي تعرفي حاجة
تشنجت بطة وهي تجيبها بحنق واضح ب:
-يامه ده أنا في غلب ما يعلم بيه إلا ربنا

نظرت لها والدتها من طرف عينها ، ثم لكزتها في كتفها بكوعها ، و هتفت بنبرة محتدة :
-إحمدي ربنا إني عرفت أسترك
لوت بطة شفتيها في تأفف ، وردت عليها بصوت خافت ومتذمر :
-يا ريتك ما عرفتي يامه ، يا ريتك !!!
ضيقت أم بطة عينيها فهي لم تستمع جيداً إلى ما قالته الأخيرة ، ثم رفعت أحد حاجبيها في تعجب ، و تسائلت بإهتمام :
-بتقولي إيه يا بت سمعيني ؟

أخرجت بطة تنهيدة حارة من صدرها ، ثم أجابتها بصوت يائس وهي مجفلة لعينيها :
-بأقول يامه مش كنتي صبرتي شوية لحد ما أخلص الدبلون ، وبعد كده كنت أتهبب أتجوز
لوحت أم بطة بالسكين في الهواء ، وسلطت أنظارها على الخضراوات المقطعة ، وإنتقت قطعة فاسدة ، وألقتها على الأرضية ، ثم أردفت بفتور :
-بلا دبلون بلا قرف ، هناخد منه إيه يعني ؟
كزت بطة على أسنانها ، و أجابتها بإنفعال وقسمات وجهها متشنجة للغاية ب :
-كنت هاخد حد انضف من اللي أنا متجوزاه

أسندت والدتها السكين بداخل الصحن ، ثم ثنيت ساقها أسفلها ، وإلتفتت بجسدها للجانب قليلاً ، ورمقت إبنتها بنظرات جادة ، ثم شرعت حديثها بحدة ب :
-يا بت أحمدي ربنا ، هو حد لاقي رجالة يتجوزها اليومين دول !
لوت هي فمها للجانب في سخرية ، و قالت بتهكم :
-مش أما يكون المحروس أصلاً راجل !!!

إرتسمت علامات الإستفهام والحيرة على وجه أم بطة ، فأمسكت بذراع إبنتها ، وسألتها بحدة ب :
-قصدك إيه يا بت ؟
أزاحت بطة ذراعها من قبضة والدتها ، ثم تنهدت في إنهاك ، وأردفت بقنوط وهي تصر على أسنانها :
-يامه .. ده .. ده مابيعرفش يعمل أي حاجة.
ضربتها والدتها في كتفها بخفة ، وإعتدلت في جلستها ، وأنزلت ساقها للأسفل ، وقالت بنبرة عادية :
-إنتي اللي حمارة ومش عارفة تخدي جوزك تحت عبك

تشنجت بطة من ردود والدتها المستفزة ، فهتفت بنبرة عالية ب :
-طوعي إيه بس ، ده آآ..
قاطعتها والدتها بصوت جاد وهي تميل برأسها نحوها ب :
-ماهو لو تسمعي كلامي وتخلفي منه حتت عيل هاتبقي فرخة بكشك عنده !
ضيقت بطة حدقتيها ، ونظرت لوالدتها بتمعن ، وأردفت بإستخفاف :
-أخلف ؟
هزت أم بطة رأسها وهي ترد عليها بحماس زائد ب :
-اه ياختي ، ده حتى المثل بيقولك اغلبيه بالعيال يغلبك بالمال

زمت إبنتها شفتيها بطريقة ساخطة ، وضربت كفيها ببعضهما البعض ، وتحدث بنبرة متحسرة ب :
-وأنا هاشوف خلفة منين يا حسرة ، مش لما يعرف الأول !
اتسعت مقلتي والدتها في ذهول عقب العبارة الأخيرة ، وفغرت شفتيها في إندهاش ، وهتفت محتجة ب :
-هاه ، يخربيتك ، إيه الكلام اللي يخرب البيوت ده ؟؟!!!!
نكست بطة رأسها في حزن ، وتنهدت بمرارة ، وقالت بنبرة آسفة :
-دي الحقيقة يامه

إزدادت حالة الذهول لدى والدتها ، وتلاشت تعبيراتها الباردة ، ولطمت على صدرها ، وأردفت بخفوت وتحسر ب :
-حقيقة ، يا نهار اسوح !!
صمتت كلتاهما لثوانٍ ، وساد هدوء مشحون بالكثير من المشاعر المتنوعة .. فبطة ترثي حالها البائس ، وحظها النحس الذي جعل والدتها تلقي بها في براثن أحد أشباه الرجال ..
أما حال والدتها لا يسر على الإطلاق ، فهي تخشى أن تطلب إبنتها الطلاق بسبب عجز زوجها ، وبالتالي صبح عبئاً ثقيلاُ عليها ، ولكن بلقب مطلقة .. وهي بالكاد تستطيع تدبر أحوال بناتها ...

نهضت أم بطة عن الأريكة القديمة ، ثم أسندت صحن الطعام مكانها ، وأمسكت برسغ إبنتها ، وجذبتها بقوة ، وهي تهتف بها بصرامة ب :
-طب قومي معايا أما نتكلم جوا بدل حد من اخواتك يسمعنا
زمت بطة شفتيها بتذمر ، وقالت بإعتراض :
-بس يامه آآ...
نهرتها والدتها بحدة وهي تأمرها بصوت صارخ ب :
-قومي يا بت
إستسلمت بطة لأوامر والدتها ، فالجدال معها لن يفيد ، ولحقت بها وهي تتحدث بخفوت ب :
-طيب

ولجت كلتاهما إلى داخل غرفة نوم بطة ، ثم أجلست أم بطة إبنتها على طرف الفراش بعد أن أزاحت الملابس المبعثرة من عليه .. وعادت لتوصد باب الغرفة عليهما حتى تضمن عدم إقتحام أي من بناتها للغرفة ، أو التصنت عليهما ..

صمتت بطة ولم تبدأ الحديث وراقبت والدتها وهي تتصرف بغرابة ..
تحركت أم بطة في إتجاه إبنتها ، ووقفت قبالتها ، وسألتها بنبرة قوية وهي تحدجها بنظرات حادة ب :
-معناه ايه الكلام اللي قولتيه من شوية ؟

تنهدت بطة في يأس وأجفلت عينيها في حزن بائن بعد أن أشاحت بوجهها للجانب
غضبت والدتها من حالة الفتور البادية على إبنتها ، فوضعت يدها على ذقنها ، وأجبرتها على النظر إليها وهي تسألها مجدداً بصوت شبه محتد ب :
-يا بت إنطقي ، معناته إيه كلامك اللي قولتيه برا ؟

وضعت بطة يدها على قبضة والدتها ، وأزاحتها برفق عن فكها ، ثم أجابتها بإمتعاض وهي تنظر لها بحزن دفين ب :
-يامه ما الكلام مبين نفسه ، مش محتاجة قوالة
ارتسمت علامات الخوف المصحوبة بالإندهاش على وجهها ، وأردفت بتوجس ب :
-قصدك إنه آآآ..

لوت بطة فمها في سخط ، وقالت مقاطعة على مضض :
-اه بالظبط يامه
لطمت والدتها على وجنتيها ، وجحظت بعينيها في ذعر، وتابعت بصدمة :
-يادي النصيبة السودة
ضمت بطة ذراعها إلى صدرها ، وأسندت طرف ذقنها على ذراعها الأخر ، ونظرت للأسفل في حزن ، وأردفت بتذمر :
-شوفتي بختي الأسود ، أديني لا طولت بلح الشام ولا عنب اليمن

حدجتها أم بطة بنظرات ساخطة قبل أن تصرخ فيها بإهتياج :
-فقرية من يومك
إغتاظت بطة من تحميلها اللوم في تلك المسألة ، فنهضت عن الفراش ، وصرخت محتجة وهي تشيح بيدها في الهواء ب :
-مش لو كنت استنيت شوية وما اتجوزتش البني آدم ده كان آآآ...
صاحت والدتها مقاطعة بصرامة ب :
-اخرسي يا بت ، إنت هاتعلي صوتك ، ده نصيبك ، إرضي بيه

كزت على أسنانها من الغيظ ، وإحتقنت عينيها وإكتسيتا بحمرة الغضب ، وصرخت متشنجة ب :
-حتى في دي كمان ، ايه مش من حقي أشتكي
إبتعدت عنها والدتها ، وأولتها ظهرها ، ثم أمرتها بصوت صارم ب :
-لا تشتكي ولا تقولي حاجة ، إكفي على الخبر ماجور
ثم زمت شفتيها في إستهجان ، وحدثت نفسها بخفوت ب :
-أل جت الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح ...!

في مقهى ما شعبي ،،،

تحرك العامل – ذو الملابس القديمة – وهو يحمل الصينية الممتلئة بأقداح الشاي الساخنة في إتجاه إحدى الطاولات الخشبية الصغيرة ، ثم إنحنى بحذر بجذعه للأمام ، ومد يده ليتناول الأقداح وأسندها عليها ، ثم صاح بصوت عالي ب :
-شاي في الخمسينة يا بهوات
مد أحد الشباب ذوي الملامح الجامدة والبشرة السمراء يده ليمسك بقدحه ، وقال بنبرة عادية :
-اشرب شايك يا أبو حميد قبل ما يبرد
نظر له حارس الأمن السابق ( أحمد ) بنظرات حادة قبل أن يجيبه بصوت آجش ب :
-شوية كده

صر أحمد على أسنانه في غل وهو يتذكر الإهانة المريرة التي تعرض لها على يد رب عمله السابق ، وكيف دفعه إهتمامه بتلك الجميلة البريئة إلى الإعتداء عليه بالضرب الوحشي حتى كاد يفقد روحه لولا العناية الإلهية .. كور قبضته في غضب ، وظل محدقاً أمامه لبرهة ..
لم ينسْ بسهولة ما مر به .. فقد قضى الفترة الماضية طريح الفراش ، لا يقدر حتى على الدخول بمفرده للمرحاض ..

كم كان يعاني بحق إلى أن استرد صحته ، وتمكن من الوقوف على قدميه مجدداً ..
أما عن تقى ، الفتاة التي خطفت لُبه وقلبه وشغلت تفكيره لأيام طوال ، فهو لم يعرف عنها أي شيء ، و لم يرغب في أن تراه وهو في تلك الحالة المزرية ..
أراد أن يستعيد عافيته أولاً ، ثم يذهب للإطمئنان عليها ، ومن ثم رد الصاع صاعين لهذا الأوس البري ..

نظر له شاب أخر بنظرات حائرة بعد أن طال صمته ، وسأله مستفهماً ب :
-إنت برضوه لسه موضوع إنك تنتقم من البيه ده في دماغك ؟
كور حارس الأمن أحمد قبضة يده في غضب ، وأجابه بصوت حانق :
-هو أنا نسيته أصلاً
وضع الشاب الأول يده على ظهره ، فإنتبه أحمد له ، ونظر له بنظرات فارغة ، فأردف الشاب الأول محذراً ب :
-يا عم أحمد شوف حالك ، إنت مش ناقص بلاوي ، ده راجل قادر وفاجر

ضيق أحمد عينيه في توعد ، وصاح غاضباً ب :
-حتى لو كان إيه ، النار اللي جوايا مش هاتبرد إلا لما أنتقم منه
هز الشاب الثاني رأسه في يأس ، وهتف بنبرة جادة ب :
-لا حول ولا قوة إلا بالله ، يا سيدي راعي لقمة عيشك ، وركز في آآآ.....
قاطعه أحمد بصوت حازم ب :
-مش هاركز غير في إني أخد بتاري منه وبسسسسس !!!

سأله الشاب الأول بفضول ب :
-طب هاتعمل ايه ؟
حدق أحمد أمامه في نقطة ما بالفراغ ، وبصوت خشن أجابه ب :
-أنا فكرت في حاجة كده ، لو ظبطت يبقى مية مية
-اللي هي ايه بالظبط ؟
لمعت عيناه ببريق شيطاني ، ثم قال متوعداً ب :
-أنا..!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس

في منزل الجارة أم بطة
تنهدت بطة في يأس ، فردة فعل والدتها الفاترة غير مشجعة على الإطلاق .. راقبتها وهي تدور حول نفسها في الغرفة ذهاباً وإياباً وتضرب كفها بالأخر في حيرة ..
تنهدت مجدداً بإحباط ، ونظرت إلى والدتها مطولاً محاولة سبر أغوار عقلها .. ولكنها لم تفهم تعابيرها المنزعجة ..
أخذت نفساً عميقاُ ، وزفرته على مهل .. ثم نظرت في إتجاه والدتها ، وسألتها بتردد ب :
-أمه ، هو آآ.. ينفع أنا .. آآآ..

إنتبهت لها والدتها ، ونظرت لها بإزدراء ، وعنفتها ب :
-في ايه يا بت ؟ عاوزة ايه ؟

أخفضت بطة رأسها للأسفل ، وفركت أصابع كفيها المتشابكة في توتر ملحوظ ، ثم عضت على شفتيها ، وبنظرات حذرة ونبرة خافتة ومتلعثمة أجابتها ب :
-أنا عاوزة أطلق من عبده

جحظت عيني والدتها بشدة ، وأوشكتا على الخروج من محجريهما ، وإكفهر وجهها بطريقة مريبة ، وإزداد إنعقاد ما بين حاجبيها ، وتسمرت لوهلة في مكانها من هول ما سمعته ..
راقبتها بطة بأعين زائفة ، وبصوت متلعثم تابعت ب :
-يامه سمعتي أنا قولت آآآ....

لم تكمل هي عبارتها الأخيرة حيث هجمت عليها والدتها بشراسة ، وأمسكت بها من شعرها ، وجذبت عنقها للأسفل ، وصرخت فيها بإهتياج ب :
-طلاق ايه يا بنت ال *** ، هو أنا ناقصة هم على همي
تأوهت بطة من الآلم ، وحاولت أن تحرر شعرها من أصابع والدتها ، ولكنها لم تتمكن بسبب ضرباتها المتلاحقة على ظهرها ، فصاحت متوسلة ب :
-آآآه يامه ، شعري هايطلع في ايدك

أرخت هي أصابعها عنها بعد أن لكزتها بقسوة في ذراعها لتسقط إبنتها على الفراش ، ثم نهرتها بنبرة عنيفة وهي تشير بإصبعها ب :
-الكلمة دي ماسمعهاش تاني ، فاهمة
ثم أمسكت بذراعها ، وقرصتها في عضدها ، فألهبته ، فصرخت بطة عالياً ب :
-آآآآآآه ..ح.. حاضر .. خلاص ، سبيني يامه

تركتها والدتها ، وتراجعت للخلف في إتجاه باب الغرفة ، وفتحه ، وأشارت لها بعينيها الحادتين وهي تصيح فيها مزمجرة :
-قومي غوري على بيتك يالا ، وماتجيش هنا تاني ، أنا هابقى اجيلك !

لملمت بطة نفسها ، وعدلت من هيئتها ، ثم نظرت إلى والدتها بنظرات خزي ، ونهضت عن الفراش ، وسارت بخطوات متثاقلة في اتجاه باب الغرفة ..
توقفت هي أمامها .. ورمقتها بنظرات أخيرة حزينة قبل أن تنطق بمرارة :
-حاضر يامه ، هاغور من هنا ، وربنا يتوالني !!!!

ثم نكست رأسها للأسفل وهي تلج خارج الغرفة لتسحب حقيبتها الكبيرة من على الأريكة ، وتندفع في إتجاه باب المنزل ، وتصفقه بعنف بعد أن تطأ قدميها خارجه ...
إستندت أم بطة بظهرها على باب الغرفة ، وتنهدت في ضيق ، وحدثت نفسها بتبرم ب :
-ما أنا لومعملتش كده فيكي يا ضنايا هترجعي تاني هنا ، وأنا تعبت من القرف اللي مش بيخلص ده .....!!!!!

في منزل عبد الحق بالزقاق الضيق
أمسك عبد الحق بلفافة ما في يده ، ثم أخذ يطويها بحرص شديد ، وقربها من فمه ، وأخرج لسانه ، ثم مسح طرفها ليتمكن من إلصاق اللفافة ببعضها البعض ..
اعتلى فمه الجاف إبتسامة عريضة ، وبرقت عيناه في زهو ، ثم حدث نفسه بتفاخر ب :
-كده الجوينت ( اللفافة ) بقى جاهز وأخر آلسطة.

زحف عبد الحق بجسده على الفراش ليتمكن من الوصول إلى الكومود الملتصق به ، وأخذ ولاعته زهيدة الثمن ليشعل بها سيجارته يدوية الصنع ، ولكنه لم يفعل هذا بسبب إقتحام والدته لغرفته دون سايق إنذار وهي تصرخ عالياً ب :
-إنت يا واد يا اللي مبلطلي في الخط كده

قفز عبد الحق فزعاً في مكانه ، وسقطت لفافة السيجارة من بين أصابعه ، ثم نظر إلى والدته بذعر ، ونهرها بضيق ب :
-إيييييه يامه ، في حد يدخل الأوضة كده ، إفرضي أنا قالع ملط ولا آآآ...
نظرت له بإزدراء ، ولوت شفتيها الكبيرتين في سخرية ، وقالت بسخط :
-ياخويا ما أنا شايفة كل حاجة من زمان

ضيق هو عينيه في عدم فهم ، ثم سألها بفضول :
-هاه .. قصدك ايه يامه ؟
لوت فمها للجانبين ، ثم رمقته بنظرات أكثر سخطاً ، وهتفت عالياً فيه ب :
-بأقولك ايه ، متبلفنيش في الكلام ، إنت بتعمل ايه ؟

تنحنح بتوتر ، ووضع يده على رأسه ليمسحها ، ثم أجابها بإرتباك يشوبه القلق :
-إحم .. آآ.. هاه .. ولا حاجة
رمقه بنظرات إحتقارية ، ثم لوت فمها أكثر وهي تأمره بحدة ب :
-طب إنتيل إنزل شوف المحروسة مراتك إتأخرت ليه

مسح عبد الحق بلسانه على أسنانه ، ثم وضع إصبعه في أذنه ، وأجابها بعدم إكتراث :
-ماهي قالت إنها هتروح عند أمها
انفجرت فيه غاضبة وهي تشيح بيدها ب :
-أه طبعاً ، يوم بعد يوم هناك ، الله أعلم بيدبروا لإيه جوز الغربان دول ، وإنت ولا دريان بحاجة

تثاءب هو بعدم مبالاة ، وتمطع بذراعيه للجانبين ، ثم تجشأ ، و رد عليها بنبرة عادية ب :
-الله يسهلهم
اقتربت منه ، ومالت بجسدها للأمام نحوه ، ولكزته في كتفه ، ثم زمجرت ب :
-ما إنت لو تتشملل وتلمها ، ولا ترقعها العلقة التمام ، كانت تفضل تحت طوعك ، لكن هي ركبتك ودلدلت

نفخ هو بإنزعاج ، ولوح بذراعيه في الهواء ، ثم صاح منفعلاً :
-يوووووووه .. لازمته إيه يامه الكلام اللي يسم البدن ده
لوحت بيدها وهي تتابع بتهكم صريح :
-أل يعني بيأثر فيك ! ده البعيد جتته نحست من كتر التهزيق

هز رأسه في إمتعاض ، ثم أردف على مضض ب :
-ماشي يامه ، مقبولة منك
إزدادت نبرة صوتها حدة وهي تعنفه قائلة :
-ياض قوم من مكانك ، إتنحرر كده ، جاتها نيلة اللي عاوزة خلف ، قطع العيال وخلفتهم

ثم خرجت من الغرفة ، وصفقت الباب بعنف خلفها ، فزم عبد الحق شفتيه بطريقة ساخرة ، وأردف بسخط :
-أعوذو بالله ، بوظتي دماغي المتكلفة !!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي
ظلت تقى ممددة بجسدها على الأرضية الرخامية لبرهة من الوقت ، لا تعرف كم من الوقت مر عليها وهي على تلك الوضعية الغير مريحة بالمرة ، فقد إنهارت مقاومتها تماماً ، وإستسلمت بإحباط لمصيرها المظلم مع من لا يعرف الحب ..

بدأت تتململ في مكانها ، فشعرت بآلام في عظام عنقها ، وكتفيها ، وأجزاء من ساقيها .. فأصدرت أنيناً مكتوماً وهي تجاهد لتحريك جسدها ..
وبتثاقل شديد فتحت عينيها المتورمتين فكانت الرؤية ضبابية في البداية ... ثم تأوهت من الآلم وهي تحاول الإعتدال في جلستها ..
-آآآه .. دماغي هتموتني ، آآآآه

وضعت يدها على رأسها ، ودلكتها برفق لتخفف من حدة آلام الصداع الذي يعتري رأسها بالكامل ..
لم تستطع أن تتجنب تلك الآلام التي تهاجم كل عظامها ..
نظرت بيأس إلى حالها فوجدت نفسها مازالت ترتدي ملابس المشفى ، فظنت أنها ربما أصيب بنزلة برد أو ما شابه ..
نهضت تقى على مهل من على الأرضية ، فترنحت في وقفتها ، لذا إستندت بكف يدها على الحائط القريب حتى لا تفقد توازنها ..
تنهدت في إنهاك ، وسارت بخطوات بطيئة وحذرة نحو الأمام ..

تأملت بهدوء المكان من حولها بتفحص عن المرة الأولى ..
هناك صالة واسعة مزودة بالآرائك الجلدية البيضاء وطاولة صغيرة موضوع عليه عدد من الكؤوس الفارغة ، والوسائد غير مرتبة ، قابعض متكوم فوق أريكة منهم ، والبعض الأخر مُلقى على الأرضية .. وعلى مقربة هناك غرفة للطعام بها طاولة خشبية كبيرة ، ومن أسفلها موضوع مقاعد مزدانة ، ومرآة ذهبية كبيرة ، وتحف غالية ، ومزهريات مختلفة الأحجام موضوعة عند الأركان ..

ما لفت نظرها حقاً هو بعثرة بعض الصحون والأكياس البلاستيكة الفارغة على الطاولة ، بالإضافة إلى الأتربة التي تغطي الأرضية الرخامية ..
لوت تقى ثغرها في إنزعاج ، وتنهدت في ضيق ، ثم سارت بتثاقل في إتجاه رواق جانبي صغير يؤدي إلى المطبخ وإلى جواره مرحاض صغير خاص بالضيوف ..
دلفت هي إلى داخل المرحاض ، ونظرت ببطء حولها لتتأمل تصميمه ..
كانت حوائطه رخامية من اللون البيج الفاتح الممزوج بالأخضر الزيتوني .. وبه حوض صغير من اللون البيج ، وكذلك مسبح صغير للغاية يكفي لشخص واحد ، وإلى جواره ( مرحاض ) قاعدته مزخرفة و من نفس لون الطلاء ..

إستندت بيديها على الحوض ، ونكست رأسها المرهق للأسفل ، ثم فتحت الصنبور ، وبدأت تغسل وجهها بالماء ..
تنهدت لأكثر من مرة في تعب ، وشعرت برغبة ملحة في الإغتسال وتبديل ثياب المشفى ، ولكنها كانت في حيرة من أمرها .. كيف ستستحم وهي لا تملك من الملابس ما يمكن أن يسترها ..
لذا عدلت عن تلك الفكرة ، ومدت يدها لتمسك بمنشفة معلقة على حامل ذهبي ، وجذبتها لتجفف بها وجهها ، وخرجت من المرحاض وهي معها ..

كانت صوت خواء معدتها قد بدأ يزعجها حقاً .. هي لم تتناول أي شيء منذ الأمس .. وحالتها الجسدية واهنة بدرجة كبيرة ، وهي تحتاج إلى ما يجعلها تصمد وتبقى واعية ..
لذا ولجت إلى داخل المطبخ ، وبحثت عن مفتاح الإنارة حتى تتمكن من رؤية كل شيء بوضوح .. فالمكان شبه معتم ..
وبالفعل تحسست تقى طريقها على الحائط إلى أن وجدت عدة مفاتيح ، ضغطت عليهم بصورة عشوائية حتى وصلت للمفتاح المنشود والذي أضاء المطبخ بإضاءة عالية ..
ضيقت هي عينيها لتتجنب شدة الإضاءة التي سببت لها الأذى ..

ثم تأملت المكان بنظرات متأنية ..
كان المطبخ واسع إلى حد كبير ، به طاولة رخامية تتوسطه ومن أسفلها مقعدين خشبيين ..
وبجوار الحوائط توجد أدراج مصنوعة من مادة الألوميتال مقسمة إلى جزئين علوي وسفلي .. وكذلك أرفف من نفس المادة مصفوف عليها بعض الأكواب الزجاجية والأواني الفخارية ..

بحثت تقى بعينيها عن الثلاجة ، وبالفعل وجدتها في أحد الأركان .. فإعتلى ثغرها إبتسامة رضا ، وسارت في إتجاهها بخطوات بطيئة ، ثم أمسكت بمقبضها ، وإنحنت بجسدها المنهك للأمام لتنظر إلى ما بداخلها ..
وجدت بعض الأطعمة المغلفة ، وكذلك الجبن ، ومنتجات للألبان ، وفواكه طازجة ، وعصائر معلبة ، فرفعت حاجبها في تعجب ، وحدثت نفسها بحيرة ب :
-مين اللي جاب الأكل ده هنا ؟

هزت رأسها في عدم إكتراث ، ثم مدت يدها وتناولت فاكهة ما من الصحن الموجود على الرف ، وبدأت في قطمها ..
اكتشفت تقى أنها كانت جائعة للغاية ، فإلتهمت الثمرة على الفور ، ومدت يدها لتمسك بالصحن ، ثم أغلقت باب الثلاجة وسارت في إتجاه باب المطبخ ..
خرجت هي من المطبخ وهي تأكل ثمار الفاكهة ، وتجولت في بقية المنزل ..
فرأت غرفتين للنوم ، إحداهما أوسع من الأخرى ، ولكن لون الأثاث وتصميمه متقارب بدرجة كبيرة ، بالإضافة إلى لون الطلاء الفاتح ..

دلفت تقى إلى غرفة النوم الأصغر ، وإتجهت إلى خزانة الملابس بعد أن أسندت صحن الفواكه على الفراش .. وإكتفت فقط بتفاحة صغيرة في يدها تقطمها على مهل ..
وضعت هي يدها على ضلفة الدولاب ، وسحبتها للجانب ، ثم نظرت بتمعن داخلها لكي تجد ما ترتديه ..
ولكن للأسف كانت الضلفة خاوية ، فزفرت في ضيق ، ونكست رأسها للأسفل ، وحدثت نفسها بخفوت وهي تلوك قطعة التفاح ب :
-إيه ده ؟ هو مافيش أي هدوم في الدولاب ده ؟

-مش هتلاقي حاجة هنا !
قالها أوس بصوت خشن ومرعب رغم هدوئه ..
إنتفضت تقى مذعورة في مكانها على إثر صوته وشرقت .. كذلك هربت الدماء من عروقها ، وإستدارت بظهرها لتراه واقفاً بجبروته المعهود أمامها وهو عاقد لساعديه أمام صدره ، ومستنداً بظهره على باب الغرفة ..

تراجعت بخوف للخلف وهي تنظر إليه بصدمة كبيرة غير مصدقة لما تراه عيناها ، و إصطدم ظهرها بضلفة الدولاب المفتوحة ، وكادت تسقط بداخله .. ولكنها أمسكت بحوافه في اللحظة الأخيرة ..
، ورمشت بعينيها في خوف وظلت تسعل لعدة مرات بسبب المفاجأة ..
راقبها أوس بإشتهاء غريب ، وحدجها بنظرات مطولة متفحصة لحالتها المذعورة تلك ..

واعتلى ثغره إبتسامة شيطانية وهو يراها تكاد تنهار من حضوره الطاغي ..
اعتدل في وقفته ، ثم أرخى ساعديه ، ووضع يديه في جيبي بنطاله القماش الضيق ذي اللون الرمادي ، وتحرك في إتجاهها بخطوات ثابتة ، ولم يحيد بعينيه الصارمتين عنها وهو يتابع بنبرة ماكرة ب :
-هدومك في الأوضة التانية ، أوضتنا .. يا عروسة ....
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس

في منزل أوس بمنطقة المعادي
عاصفة من المشاعر المذعورة إجتاحت كيان تقى في تلك اللحظة ..
تسمرت مرتعدة في مكانها وهي ترتجف بجسدها الضعيف ، عجزت قدماها عن الهرب ، فقط ظلت محدقة به ، لا يطرف لها جفن .. ولا ترمش لها عين ...
تحرك أوس في إتجاهها بخطواته الواثقة ، وإبتسامته الشامتة تظهر جلية على ثغره ..

نظرت حولها بذعر ، بحثت عن أي مهرب لها منه ، ولكنها وجدت نفسها شبه محاصرة ..
فخفق قلبها ، وإضطرب صدرها ، وتلاحقت أنفاسها اللاهثة ..
تشبثت هي بضلفة الدولاب بكف يدها المرتجف وكأنها درع يحميها، وإنكمشت بجسدها على نفسها، وضمت ذراعها الأخر إلى صدرها ظناً منها أنها تحمي نفسها.. ثم أغمضت عينيها حينما رأته واقفاً بجسده القوي أمامها ..

حدق هو بها بتلذذ عجيب، ثم مد يده وأسندها على كفها الممسك بجانب الضلفة.. ففتحت عينيها في فزع حقيقي، ونظرت مباشرة في عينيه الجامدتين، وإزدادت إرتعادتها حينما رأت بريق الشر الذي ينبعث منهما ..
حاولت أن تسحب يدها من أسفل كفه ، ولكنه أطبق عليها بأصابعه الغليظة ، ثم وضع أصابع كفه الأخر على فكها ، وأطبق عليه .. ثم مال برأسه عليها ، فجحظت عينيها أكثر ، وكادت أن تخرجا من محجريهما من شدة الخوف ..
خرج صوتها مبحوحاً مكتوماً وهي تتوسل له ب :
-آآ... إبعد عني آآآ..
-لأ يا تقى
قالها هو بصرامة وعناد جلي في نبرة صوته ..

قرب وجهه من وجهها حتى أوشكا على التلامس ، ثم قوس فمه قليلاً وهو يحدثها بصوت خافت ب :
-عاوزك تعرفي إن الخوف الحقيقي لسه مجاش وقته !
هزت رأسها بفزع ، وزاغت عيناها من خوفها الزائد منه ..
-هاه .. آآآ...

إلتوى فمه أكثر ليظهر إبتسامته الوضيعة من بين أسنانه ، ثم تعمد أن يتحسس وجنتها بأنفه ، فأثار إشمئزازها وتأففها منه .. وأغمضت عينيها بإنزعاج وضغطت عليهما ، وحاولت أن تبعد وجهها عنه ، ولكنها كانت أسيرة كفه القوي .. فهتفت بتشنج ب :
-لأ .. آآ.. لأ
إزداد عنجهية ونشوة وهو يراها أسيرة قوته ..
وضعت تقى يدها الأخرى على كفه محاولة إبعاده عن فكها الذي أوشك على تهشيمه من فرط عنفه معها .. ولكنه أبى ألا يتركها إلا بإرادته ..

في منزل الجارة حكمت
تغنجت رحمة بجسدها أمام المرآة الموضوعة في غرفتها بعد أن إرتدت فستاناً شبه عاري من اللون الفيروزي يبرز مفاتنها بإغراء جلي ..
كما كان أيضاً عاري الكتفين ، ويصل إلى فوق ركبتيها بمسافة كشفت عن غالبية ساقيها .. وظهره مكشوف بطريقة مثيرة ..
مشطت رحمة شعرها ، وأسدلته بالكامل بعد أن جمعته معاً على جانب كتفها ، ثم وضعت كلتا يديها في منتصف خصرها ، وبدأت تتمايل بجسدها في دلال ..
إعتلى شفتيها - الملطختين بأحمر الشفاه المغري – إبتسامة ماكرة وهي تتأمل هيئتها الجديدة .. ثم حدثت نفسها بغرور ب :
-كلها شوية ويتفتحلي أبواب الشهرة والمجد

في نفس التوقيت إقتحمت والدتها " حكمت " الغرفة وهي تحمل في يدها ملابس متسخة ، وتهتف بصوت عالي ب :
-بت يا رحمة في عندك هدوم آآآ...
تنبهت هي إلى شكل إبنتها الجديد ، فإتسعت عينيها مصدومة ، وفغرت فمها في ذهول ، ثم سريعاً ما إستعادت رشدها ، وسألتها بجدية :
-ايه ده ؟ إنتي جبتي الهدوم دي منين ؟

هزت رحمة خصرها بمياعة ، ثم إلتفتت برأسها نصف إلتفاتة لتنظر إلى والدتها من طرف عينها ، وأجابتها بحماس ب :
-إيه رأيك ؟ أنفع !
-تنفعي في إيه بالظبط
-هو أنا مقولتلكيش
كورت الملابس إلى صدرها ، وسارت في إتجاهها إلى أن وقفت خلفها ، ثم سألتها بجدية وهي قاطبة لجبينها :
-تقوليلي ايه ؟

إبتسمت إبتسامة فخر ، وهزت كتفيها برشاقة ، وأجابتها بثقة :
-أنا هاشتغل في نايت كلوب
-يعني ايه ده
-يعني كباريه يامه ، كباريه

أرخت حكمت ذراعها ، فسقطت الملابس على الأرضية ، ثم لطمت على صدرها ، وشهقت بفزع وهي تصرخ ب :
-نعم !!! كباريه يا روح أمك ؟!!!!!
ببرود مستفز أجابتها هي قائلة :
-اه يامه ، ماله الكباريه
-ماله ، يعني مش عارفه إنه آآآ...

قاطعتها رحمة بحدة وهي تشيح بأصابع يدها :
-إنتي مش ليكي في الأخر تاخدي فلوس، أهوو أنا اتفتحت قدامي سكة للشهرة
حجدتها حكمت بنظرات قاتلة وهي تهتف ب :
-من الزفت ده يا رحمة !!!!

وضعت هي يدها في منتصف خصرها ، ثم رفعت رأسها في ترفع ، وصاحت بنبرة عالية :
-أيوه ، ما أنا مش هاقضيها كليبات واقعة ، أنا عاوزة أبقى فوق ، فوق أوي
أمسكتها حكمت من ذراعها ، ثم هزتها بضيق وهي تنظر لها بغيظ ، ونهرتها ب :
-يا بت بلاش السكة دي ، شوفي أي حاجة غيرها

أزاحت يدها من قبضة والدتها ، ثم أولتها ظهرها ، وعقدت ساعديها أمام صدرها ، وتابعت بعدم إكتراث :
-مافيش إلا دي يامه ، أنا عاوزة أوصل بقى ، وتعبت من كح التراب وإني أذل نفسي للي يسوى واللي مايسواش
وقفت حكمت خلفها ، وبنبرة شبه متوجسة أردفت ب :
-أنا خايفة عليكي

إستدارت رحمة بجسدها ، ونظرت لها شزراً قبل أن تنطق بتهكم صريح :
-طب خلي حد تاني غيرك يقول كده
ثم إتجهت ناحية باب الغرفة وتابعت بسخط :
-سبيني بقى أشوف حالي خليني أتنتع من القرف ده ....!!!!
ولجت رحمة خارج الغرفة تاركة والدتها " حكمت " في حالة ذهول تام ..

في منزل تقى عوض الله
جلست فردوس على طرف الفراش بجوار زوجها وهي ممسكة بملعقة مليئة بالحساء الساخن وتطعمه إياه بحنية غير معهودة منها ..
تنهدت في حزن وهي تنظر إليه بتفرس متذكرة حبه اللا محدود لإبنتهما ..
أجفلت عينيها ، وحدثته بخفوت ب :
-يا ريتني كنت زيك يا عوض ، قلبي حنين وطيب وبيشيل جواه هموم وماينطقش ، إنت كنت فعلاً عامل زي الجمل ، تتحمل وماتشتكيش .. آآآه ..

أطعمته مرة أخرى ثم تابعت بحزن ب :
-ربنا يشفيك ويزيح عنك ، وترجع تملى البيت بحسك !
ثم رفعت بصرها للسماء ، وناجت ربها بتوسل ب :
-ويردك يا بنتي لحضني وحضن أبوكي تاني ، ونتلم زي الأول مع بعض

حاول عوض التحدث من بين شفتيه المشققتين بصوت ضعيف ب :
-ت.. ت.. تقى !!
جحظت عينيها بذهول بعد أن سمعته يلفظ بإسم إبنتهما ، فشهقت في فرح ب :
-تقى ، إنت .. إنت فاكرها ؟؟؟؟

نظر لها عوض بإستغراب ، ثم سألها بصوت خافض ب :
-هاه .. مين ؟
-تقى بنتنا يا عوض ، ده إنت لسه قايل إسمها ، إيه مش فاكرها ؟ ركز يا راجل ، دي بنتك الوحيدة اللي بتحبها ودايماً كنت بتحاميلها ، ها إفتكرتها ؟؟؟؟
لم يجبها هو بل تمدد على الفراش ، وحدق في سقفية الغرفة ، وشرد في ملكوت أخر .. فتنهدت بإحباط ، وأردفت ب :
-عليه العوض ومنه العوض .. يا عوض ...!!!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي
اقترب أوس من أذنها ، وهمس فيها بنبرة تشبه الفحيح ب :
-مش بالساهل تبعدي عني ، إنتي ليا وبس ...!
تعمد أوس أن يصر على أسنانه وهو ينطق بالعبارة الأخيرة ليؤكد لها أنها ملكية خاصة به ،و لن يتركها ترحل عنه أبداً ..

ثم أرخى كفيه عنها ، وتراجع خطوة للخلف ، وحدجها بنظرات مطولة وجريئة ممرراً عينيه ببطء على كل جزء في جسدها ، فشعرت بأنها عارية أمامه بالرغم من أنها لم تبدل ثياب المشفى ..
ولكن نظراته الجارحة كانت تخترقها بسهولة تامة ، وكأنها تعرف الطريق إلى مفاتنها .. فضمت ساعديها إلى صدرها لتخبئه عن عينيه الوقحتين ، وثنت ساقها قليلاً ، ولفتها حول الساق الأخرى متكورة أكثر على حالها ..

حانت منه إلتفاتة صغيرة من رأسه لطرف الفراش ليرى الصحن المليء بالفاكهة ، فأخذ نفساً عميقاً ، وزفره على مهل ، ثم وضع كلتا يديه في جيبي بنطاله ، و إنتصب في وقفته ، وإبتسم لها بغرور وهو يحدثها ببرود ب :
-واضح إنك لاقيتي كمان الأكل اللي جبتهولك في التلاجة

مط شفتيه في إعجاب زائف ثم تابع بغطرسة ب :
-كده مافيش داعي أوريكي الشقة ، إنتي ناصحة وهاتتصرفي
صمت للحظة قبل أن يكمل محذراً :
-بس يا ريت شطارتك دي ما تخلكيش تعملي اللي تندمي عليه

لم تنطق هي بكلمة واحدة ، فقد فرت الكلمات من على شفتيها ، وظلت فقط محدقة فيه برعب .. هو ينجح دائماً في إرهابها .. في بث الذعر داخل روحها المعذبة .. وهي لم تكفْ للحظة عن المقاومة ، عن الدفاع عن حالها أمام قسوته التي تزداد يوماً بعد يوم ...
رمقها بنظرات مطولة ومتفحصة دارسة لكل ما فيها ، ثم شرع حديثه بجمود ب :
-استعدي للي جاي !

ثم استعد للولوج من الغرفة ، ولكن إستدار مرة أخيرة ليكمل بتهكم :
- أه صحيح ، معلش منظر الشقة مش أد كده .. بس إنتي موجودة تروقيها .. !!
ثم رسم على ثغره إبتسامة وضيعة قبل أن يتابع بنبرة مهينة :
-ما هي دي شغلتك الأصلية ، خدامة ، يعني حاجة مش جديدة عليكي.... !
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع

في دار رعاية المسنين
تجمع أعضاء الدار من المسنين والمسنات في الحديقة الغناء الواسعة حول بعض الطاولات المرصوص عليها أطعمة صحية ، ووقفت على مقربة منهم مديرة الدار ، ونظرت إليهم بنظرات فخر وإعتزاز ، ثم أردفت بنبرة عالية تحمل الحماسة :
-ممكن أخد من وقتكم لحظات

إنتبه الجميع إلى صوتها الصادح ، فإبتسمت لهم بإمتنان ثم تابعت بثقة قائلة :
-النهاردة هينضم معانا للدار الدكتورة شروق وهتساعد الدكتورة رجاء في شغلها ، وأتمنى أنكم تتعاونوا معاها الفترة دي
راقبت مديرة الدار الجميع بتمعن فوجدت نظرات إستهجان ونظرات إستحسان ، فتنحنحت بصوت خافت ، وأكلمت بصوت حماسي :
-أنا عارفة إنه مش من السهل الواحد يجرب حد جديد ، بس صدقوني دكتورة شروق خبرتها واسعة وهتستفيدوا من نصايحها وآآآ...

جلست تهاني بين الحاضرين ، وتنهدت في إحباط وهي تشيح بوجهها بعيداً عن مديرة الدار ، فحديثها الأخير أصابها باليأس ، فهي قد إعتادت التنفيس عما يكبت صدرها لتلك الطبيبة المهارة ، فكيف ستثق بسهولة بمن لا تعرفه ..
شبكت أصابع يدها معاً ، وظلت تفركهم بحركات عصبية ، ثم أصدرت أنيناً مكتوماً وهي تلوم نفسها قائلة :
-كله حاجة بتروح مني ، كل حاجة بتضيع .. ليه بياخدوا كل حاجة مني ؟ ليه ؟ ليه !!

أدمعت عينيها بشدة، ولم تقاوم رغبتها في البكاء.. وإنتحبت أمام الحاضرين.. فقد مر ببالها ذكرى تسلل ناريمان إلى حياتها لتقتنص الفرصة وتسلب رغماً عنها كل شيء يخصها ..
لقد فقدت عائلتها بالكامل في غمضة عين ، وأصبحت مشردة مطرودة لم تعرف لها أي مأوى سوى بيت أختها القاسي ..
هي تذكر حب تقى - تلك الصغيرة نقية القلب - ومعاملتها الطيبة معها ، لكنها لم تكن إحدى إبنتيها الراحلتين لتغدق عليها بعاطفة الأم الغير متناهية أو حتى بحنو الخالة .. لقد كانت جافة المشاعر ، متحجرة القلب بسبب ما مرت به ..
وبعد فترة من العلاج أدرجت أنها وقعت أسيرة قوقعة الذكريات الآليمة التي دمرت علاقتها بمن تبقى لها ..

رأتها الطبيبة رجاء ، فأسرعت نحوها بخطواتها الرشيقة ، ثم جلست على المقعد الشاغر بجوارها ، وأسندت يدها على فخذها لتنتبه لها ، وبنبرة حانية تشدقت ب :
-مالك يا مدام تهاني ؟ ليه بتعيطي ؟
رفعت تهاني وجهها الباكي للأعلى ، ونظرت لها بإستعطاف قائلة :
-كده تسيبني بعد ما إتعودت عليكي ؟

إبتسمت لها برقة ، ثم هتفت بجدية :
-ومين قالك إني هامشي
قطبت تهاني جبينها ، ورفعت حاجبها في تساؤل قائلة :
-أومال الدكتورة دي جاية ليه ؟

أجابتها الأخيرة دون تردد وبهدوء ب :
-دي هتساعدني بس .. في حالات كتير موجودة وأنا مش قادرة عليها لوحدي وخصوصاً إن إستجابتهم للعلاج بتاخد وقت طويل ، وأنا محتاجة حد يكون عنده ضمير يساعدني وآآ..
قاطعتها تهاني مجدداً بتوتر ملحوظ في نبرة صوتها ب :
-وأنا ؟

أمسكت الطبيبة رجاء بكف يدها ، وضغطت عليه قليلاً ، وقالت لها بصوت هاديء :
-إنتي طبعاً معايا ، إطمني ، وإن شاء الله نكمل العلاج للأخر
ظلت الطبيبة تطمئنها بكلماتها العذبة ، فنظرت لها تهاني بإمتنان ، وتنهدت في إرتياح .. فأعصابها لم تعد تحتمل تكرار تجربة خوض الماضي من جديد ..

في أحد الملاهي الليلية
تمايلت الفتيات الماجنات بأجسادهن العارية على ذاك المسرح الدائري ليلهبن مشاعر هؤلاء السكارى ، ومن ثم يسلبن عقولهم قبل أموالهم ..
ضحكت إحداهن بطريقة خليعة ، في حين وضع ضاب ما يترنح ذراعيه حول كتفها ، ثم همس لها في إذنها بشيء جعلها تزداد مياعة معه ..

كان يتابعهما من على بعد " لوزة " التي كانت تمسك بأحد الكوؤس المليئة بالخمر .. ثم تجرعت ما به في رشفة واحدة ، وأسندته بعنف على الطاولة الرخامية فكاد أن يتحطم ، فنهرها " فارس " الذي كان يجلس بجوارها ب :
-بالراحة يا مزة ، في ايه مالك !
حدجته من زاوية عينها بنظرة قاتلة قبل أن تجيبه بحنق ب :
-يعني مش عارف مالي

نفث دخان سيجارته التي أشعلها في الهواء ، ثم بنبرة باردة تحدث ب :
-يا لوزة كبري دماغك بقى ، ما احنا عملنا كل حاجة عشان نخرب بيت سي زفت بتاعك بس ولا الهوا
حدقت لوزة في نقطة ما بالفراغ أمامها ، ثم ضيقت عينيها المحتقنتين للغاية ، وأجابته بسخط واضح :
-وده اللي هايموتني

مسح هو بلسانه على مقدمة أسنانه ، ثم تجرع من الكأس رشفة صغيرة ، وأردف بإهتمام :
-أصل زي ما يكون مافيش حاجة حصلت
فكرت هي لوهلة فيما حدث من قبل ، وحاولت أن تجد تفسير منطقي لتأخر ردة فعل أوس على تلك الكارثة التي إرتكبتها بحق أخته ، ودار برأسها أنه ربما يجهل بكل شيء .. ولم يصل الأمر إلى مسامعه ، لذا إعتدلت في جلستها ، وصرخت بإندفاع :
-مش يمكن معرفش

هز فارس رأسه نافياً ، ثم تحدث من زاوية فمه بجدية ب :
-إستحالة ، ده أنا بنفسي اللي مسلم الظرف في الشركة عنده !
إزداد إحتقان عينيها بالدماء الغاضبة ، وتلون وجهها بحمرة ملتهبة ، ثم صرخت بإنفعال ب :
-يعني عاوز تفهمني إن قلبه ما اتحرقش على اخته

أجابها ببرود وهو يدخن سيجارته ب :
-مش عارف بصراحة ، بس إنتي عارفة إنها هتتجوز
ضربت بقبضة يدها على الطاولة الرخامية ، وأمسكت بالكأس بقبضتها ألخرى وضغطت عليه ، ثم نطقت بصوت محتد ب :
-وده هاينقطني كمان ، تعبنا راح على الفاضي
-أه والله .. هيييح ..
قالها فارس وهو يطلق تنهيدات حارة من صدره الذي كان يتحسسه بأصابعه ، ثم تابع بصوت متحمس :
- خسارة وربنا ، ده البت إيييييه ، كانت جامدة طحن ، ماكنة على حق !

تشنجت لوزة بطريقة عصبية قائلة :
-ما تتلم يا فارس ، ولا عاوزني أطلع جناني عليك
أشار هو لها بكفيه حتى تهدأ ، ثم بادر بجمود زائف ب :
-خلاص .. بالراحة بس .. ده إنتي الأصل يا مزة

لوحت هي بقبضتها في الهواء ، وقالت بإحتقان :
-ياما كان نفسي ألوي رقبتك يا أوس تحت إيدي
أشار فارس للعامل بعينيه لكي يملأ كأسه مجدداً ، ثم إلتقط " زيتونة " من صحن المقبلات ، وإبتلعها في جوفه ، وتسائل بنبرة شبه مهتمة ب :
-بس حاجة غريبة إنه مش باين خالص اليومين اللي فاتوا دول في أي مُكنة

أومأت لوزة برأسها موافقة ، فهي متيقنة أن إختفائه الغريب هذا لن يكون بدون سبب مقنع خاصة وأنه عاشق متيم لرغباته ، ولا يمكن أن يؤجل تلك المسألة التي تستهويه لأكثر من عدة أيام ...لذا لابد أن يكون الدافع قوياً لكي يختفي فجأة ..

إنتبهت هي أن فارس مازال محدقاً بها ، فتنحنحت بصوت عالي ، ثم قالت بيأس :
-أيوه ، وأنا مش عرفاله طريق جرة
حك هو رأسه ، ثم أضاف بجدية :
-يكونش لسه مسافر

رمقته هي بإستهزاء ، وأجابته بسخط :
-إنت أهبل .. استحالة ، هو ميقدرش يغيب كل ده عني إلا إن .. آآ.. إن كان شافله شوفة تانية
نظر لها بإهتمام وهو يقول :
-قصدك إنه رمى الهِلب على بت شمال ؟!

لوت شفتيها في ضيق وهي تجيبه ب :
-جايز ، واحدة فهمت دماغه وعرفت تظبطه صح !
رفع حاجبه في إندهاش ، وحدق بها بإستغراب ، ثم قال بنبرة تحمل الإستنكار :
-واحدة غيرك !!!

تجشأت لوزة من أثر الخمر الذي لم تكفْ عن إرتشافه ، وأكملت بإنزعاج :
-اه .. أومال يعني هايكون مخفي فين عني ؟ ده كان اخره يغيب اسبوع ، ويرجعلي تاني عشان أركع تحت رجليه ، وآآ..
عضت على شفتيها ولم تكمل عبارتها حيث تذكرت كيف كان يتلذذ بتعذيبها ، وهي التي كانت تتفنن في إرضائه حتى ينال غرضه منها

لم يهتم فارس بصمتها ، بل إرتشف من كأسه ، ثم أردف بسخط :
-يعني هي لهفت القرشين منك
رمقته بنظرات مميتة ، وكورت قبضة يدها بغيظ ، ثم كزت على أسنانها وهي تصرخ بعنف ب :
-ده أنا أدبحه وأدبحها ، مش بعد اللي عمله فيا يفلت مني قبل ما أجيبه مذلول تحت رجلي
-طب هاتعملي ايه ؟ ماهو موضوع المزة اخته فكس مننا !

سلطت أنظارها على زجاجات الخمر المرصوصة أمامها ، ثم قالت بتوعد :
-هاشوف الأول هو فين ، وأجيب أراره ، وبعد كده هاتصرف معاه !
إنتهى فارس من إرتشاف كأسه ، ثم تابع بنظرات شهوانية إحدى الفتيات التي تتراقص بفجور جلي ، فنهض عن مقعده ، وقال بفتور :
-إعرفي ديته إيه معاكي ، وأنا رقبتي سدادة طالما هتشوفيني بالمعلوم

لاحظت هي أنظاره المشدودة ناحية تلك العابثة ، فنهرته بحدة ب :
-إنت معايا يا أبو الفرس ؟!
تنحنح بصوت خشن وهو يجيبها ب :
-إحم .. آآ.. اه طبعاً ، أنا دايس في أي حاجة طالما هأقبض .. عن إذنك أما أدوس هناك لأحسن الخمرة إشتغلت
ثم تركها وتوجه ناحية تلك الفتاة ، ولف ذراعه حول خصرها ، وجذبها إلى صدره ،وظل يعبث بأصابعه على مفاتنها ، وهي تتمايل بطريقة مثيرة أمامه ..

كانت ليان مشغولة بالتجهيز لحفل عرسها - الضخم - الذي تم تحديد موعده في نهاية الأسبوع الحالي ..
لم تشعر بفرحة العروس التي تسيطر – في الغالب - عليها قبل أيام قلائل من زفافها .. بل على العكس تماماً كانت الدمية التي يحركها الأخرون وفق رغباتهم .. ولم تبدْ أي إعتراض .. فقد تحدد مصيرها ، وسيتحمل معها جريمتها ذاك الذي إرتضى بها زوجته ..
ولم تنفك ناريمان هي الأخرى عن إدعاء سعادتها الغامرة بزفاف صغيرتها أمام رفيقاتها حتى لا يتضح لهن حقيقة الأمر ..
وتجاهلت عن عمد الإجابة عن أي أسئلة تخص مسألة تلك الزيجة السريعة ، وإكتفت فقط بالرد الدبلوماسي :
-(( بينهم قصة حب كبيرة من فترة ، وعدي مش قادر يستنى أكتر من كده ، هههههه ، ما إنتو عارفين هو جاهز من كله ، ومش محتاج ، وأنا مش هاقف قصاد سعادة بنتي ))

ورغم هذا إهتمت بكافة التفاصيل الصغيرة الخاصة بالحفل .. حيث طلبت إحضار فستان الزفاف من أتيليه مصمم عالمي .. وكذلك إقامة حفل الزفاف في أحدث القاعات ذات الصيت الواسع في الشهرة ..
وأوكلت تلك المهمة لمحترفي تصميم حفلات الزفاف لينتهوا من أدق التفاصيل والتي شملت تنفيذ تصميم مبتكر وجديد ل دعوات الحضور الخاصة بالحفل ، نوعية الطعام الفاخر المقدم ، الديكورات الخاصة بالقاعة ، فقرات الحفل ، المطربين المشاركين فيه .. برنامج الحفل النهائي ..
بالإضافة إلى دعوة عدد من مشاهير المجتمع من رجال الأعمال والفنانين والأثرياء للحضور ، وأيضاً محرري صفحات المجتمع في الجرائد والمجلات المعروفة ..

تابع مهاب ما يحدث بإنزعاج ، ولم يشارك في أي شيء .. اكتفى فقط بالمشاهدة والنظر إلى ليان بسخط والتي كانت مدركة لمشاعره القانطة نحوها ..
توالت التهنئات عليه من المقربين منه ، ومن العاملين بالمشفى .. فكانت ردوده عليهم جافة مما دفعهم للشك والتساؤل ، لكنه لم يهتم بأرائهم ، وأجابهم بهدوء غريب ب :
-نركز في الشغل أحسن ...!

كذلك رتب مهاب لحضور مؤتمر طبي في دولة النمسا عقب فرح ليان مباشرة ليهرب مما يحدث ، ويحظى بوقت خاص به ( ولكن من نوع أخر ) ..

توالت الأيام على تقى وهي في حالة نفسية سيئة .. كما إزداد نحول جسدها .. وذبل وجهها للغاية .. هي كانت تقتات ما يجعلها تصمد للحياة
ظلت هي حبيسة ذاك المنزل الذي باتت جدرانه خانقة لأنفاسها .. لم يأتْ أوس لزيارتها ، فقط تركها تعاني من إرهابه المقيت بتخيلها مجيئه للإنقضاض عليها وسلبها أعز ما تملك ...

لم تعرف كيف تتصرف ، توقف عقلها عن التفكير ، فقد أرهقتها الظروف ، وأنهكها التفكير في مصيرها المحتوم ..
كانت تقضي يومها البطيء قابعة في تلك الغرفة الصغيرة ، متكورة على نفسها .. تخشى الخروج منها حتى لا تتفاجيء به موجوداً أمامها .. لساعات كانت تنتحب على الأرضية بأنين مكتوم وهي تدعو الله أن ينجيها مما هي فيه ..
لم يعد لديها أي أمل في الحياة سوى رؤية عائلتها .. والبقاء في كنفهم .. ولكن للأسف حتى هذا الأمل باتت محرومة منه ...

كانت تشعر بأنها مراقبة منه بالرغم من أن باب الغرفة موصود في غالبية الوقت ، والمفتاح موضوع أسفل وسادتها ..
لكن إحساسها بوجودها في منزله جعلها تهاب من أي شيء يخصه خاصة في الليل .. حيث تظل متقدة الحواس ، مسلطة أنظارها على الباب ، ومتمسكة بذعر بالملاءة إلى أن يغلبها النعاس من شدة الإرهاق .. فتغفو والخوف مسيطر عليها ..

استمر أوس في مباشرة أعماله خلال الفترة الصباحية .. والتردد على القصر لتبديل ثيابه ، ولم يعبأ بما يدور من ترتيبات لحفل العرس الذي بات وشيكاً ..
كما لم يعدْ يتواجد بمقر شركته لفترات طويلة ، فقط الإجتماعات والأمور الهامة هي التي ينتهي منها بنفسه ، والبقية يتركها للمدراء المعنيين ..
أما حينما يأتي المساء ، كانت له متعة من نوع خاص .. حيث ينتظر في سيارته إلى أن يتأكد من إطفاء تقى للأنوار ، فيصعد إلى منزله ، ويراقبها بتمعن شديد ..
في البداية تفاجيء من أنها توصد الباب عليها ، ولكنها كانت ساذجة فبنزعها للمفتاح من موضعه ، يسهل عليه الأمر في فتحه بالمفتاح الأخر الذي معه ..
إلى أن حانت اللحظة الحاسمة ، فقرر أن يترك لها علامة أكيدة على وجوده بالقرب منها ..
دلف إلى الغرفة بخطوات متهملة ، لم يشعل الإضاءة ، إكتفى فقط بالإنارة الخارجية الخافتة التي تنبعث من مصابيح الرواق ..

اقترب أوس من الفراش ، ثم عقد ساعديه أمام صدره ..
وتابع سكونها للحظات .. وتأمل إرتجافة جفونها ، وإنفراج شفتيها الذابلتين بتلذذ عجيب ..
تقوس فمه للجانب قليلاً في إشتهاء وهو يحدث نفسه ب :
-أول مرة هاكون فعلا مبسوط بجد باللي هاعمله فيكي ..!!!

إنحنى أوس بجذعه للأمام ، ومرر يده ببطء على الملاءة التي تدثر أسفلها ، وشعر بدفيء ينبعث من جسدها ..
ثم تلمس بحذر جبينها ووجنتها بأنامله ، وتابع بخفوت هامس ب :
-مش هاتخلصي مني أبداً
وضع أوس إصبعه على شفتيها ، وتحسسها برفق شديد ..
لمعت عينيه ببريق غريب وهو يرى تلك الإلتواءة عليهما .. فإبتسم بخبث قائلاً :
-كان لازم تفكر مليون مرة قبل ما تيجي ناحيتي !

تنهدت في نومها ، فشعر بأنفاسها الحارة على أصابعه ، فسرت قشعريرة غريبة في جسده أثارته ، وأغمض عينيه ليستمتع بهذا الشعور الغريب .. وكاد أن يستسلم لأفكاره بإفتراس ضحيته ، وإلتهامها بلا تردد ، ولكنه سيطر على نفسه .. فأبعد يده عنها ، وإعتدل في وقفته ..
ثم سار مبتعداً عنها ، وتعمد أن يترك باب الغرفة مفتوحاً ليوصل لها رسالة معينة تحمل من الذعر والرعب ما يجعله يزداد إنتشاءاً برؤيتها على تلك الحالة .. فقد أزف الوقت !

كلفت لوزة فارس بالذهاب إلى المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب في محاولة يائسة منها لتقصي أي معلومات عنه ..

وبالفعل توجه هو إلى هناك ، وكان على قدر كبير من الحذر كي لا يتم كشف أمره ..
سار فارس بخطوات مرتبكة ناحية الإستقبال .. وتلك المرة تعمد أن يغطي وجهه بلحية زائفة ، وكذلك نظارات سوداء كي يخفي ملامح وجهه ..
طرق بيده على السطح الرخامي ، فإنتبه الموظف له ، ونظر لها بتمعن وهو يسأله بنبرة جادة ب :
-أيوه يا فندم

إبتلع فارس ريقه ، ونظر حوله بريبة ، ثم أجابه بإرتباك ب :
-أنا .. أنا كنت عاوز أشوف الباشا أوس
نظر إليه الموظف بنظرات شبه إحتقارية ، ورد عليه ببرود ب :
-في ميعاد سابق ؟
-إحم .. آآ.. لأ
-يبقى مش هاينفع يا فندم ، لازم يكون في ميعاد عشان تقابله

ثم إدعى الموظف إنشغاله بكتابة بعض الملاحظات على حاسوبه الخاص ، وتجاهل فارس تماماً ..
زم الأخير فمه للجانب ، ووضع يده على لحيته الزائفة ليتأكد من ثباتها ، ثم قرب رأسه ناحية الموظف ، وسأله بخفوت حذر :
-لامؤاخذة يا أخ ، هاعطلك شوية

نظر له الموظف بإنزعاج ، وسأله بنبرة حادة
-في ايه تاني ؟
لوح فارس بكف يده بحركات دائرية في الهواء ، ثم تابع بصوت منخفض ب:
-بالراحة ، ده إحنا شباب زي بعض ، واخوك مزنوق كده في كام حاجة ، ويا سيدي مش هأخرك ده هو سؤال بس ؟

رمقه الموظف بنظرات إستهجان وهو يسأله على مضض ب :
-ها ؟
-يعني .. يعني أنا عاوز بس أعرف هو الباشا موجود ولا لأ ؟
حدجه بنفس النظرات المتعالية قبل أن يجيبه بإيجاز ب :
-لأ
-طب هو مسافر ، ولا جاي كمان شوية ؟
-لأ

لم يفهم فارس رده الموجز هذا ، فسأله بإستفسار ب :
-لأ إيه بالظبط ؟!
نظر له الموظف بضيق وهو يجيبه بسخط ب :
-يعني هو مش متواجد الأيام دي
إزدادت حيرة فارس ، فتنحنح بصوت خشن ، وسأله بإهتمام ب:
-ليه ؟

رد عليه الموظف بنبرة شبه محتدة ب :
-معرفش !
إبتسم له فارس بسخافة ، ثم سأله ببرود مستفز ب :
-حاجة حصلت عنده ؟
هنا ترك الموظف ما في يده ، وحدجه بنظرات حادة وهو يسأله بجدية شديدة ب :
-إنت بتسأل ليه ؟

ارتبك فارس ، وحاد ببصره عنه ، وأجابه بتلعثم ب :
-هاه .. آآ.. لأ عادي ، خ.. خلاص هابقى أحدد ميعاد وأجيله تاني
رد عليه الموظف بصوت حاد ب :
-يكون أفضل
نظر له بإستهزاء ، ثم إبتعد عنه ، وهو يحدثه بتهكم ب :
-طيب .. سلام يا .. يا ريس !
إشتعلت مقلتي الموظف بالغضب ، ولكنه تمالك أعصابه كي لا يفقد رونقه مع أمثال هؤلاء الأغبياء ....

خرج فارس من مقر الشركة وهو يزفر بإرتياح ، فقد نجا بإعجوبة من أن يتعرف عليه أي أحد ، ولكن إزدادت حيرته ، فهو لم يعرف أي معلومات تفيده يمكن أن يبلغ بها لوزة ..
بصق هو على جانب الطريق ، ثم قال بسخط :
-هو يوم فقر زي وش أمه العكر !

بحثت لوزة هي الأخرى عن أوس في الأماكن التي إعتاد التواجد فيها من أجل إنتقاء من تناسبه من العابثات ليمارس عليهن ساديته ، ولكن لم يكنْ له أي أثر .. ولم يظهر على الساحة في بعض الملاهي الراقية والمعروف عنها طبيعة روادها .. فالكل ينكر رؤيته لأسابيع متصلة ..

إستشاطت هي من الغضب بسبب إختفائه الغريب ، وحدثت نفسها بحنق ب :
-مش هاتعرف تزوغ مني يا أوس ال *** ، برضوه هوصلك
ثم أضاء عقلها فجأة بشيء ما ، حيث تذكرت أمر منزله المخصص للملذات والرفاهية ، فهتفت بحزم :
-كان تايه عن بالي إزاي ، أكيد هايكون هناك ، أنا رايحاله ..!
ثم سارت بخطوات أقرب إلى الركض في إتجاه سيارتها ، وركبت خلف عجلة القيادة ، وإنطلقت بها نحو منزله...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن

في منزل أوس بمنطقة المعادي
تمطعت تقى في الفراش بذراعيها وهي تحاول النهوض بعد أن فتحت عينيها بتثاقل ..
لم تهتم بالهالات السوداء التي تشكلت أسفلهما، ولا بالشحوب الدائم للون وجهها.. فما يهمها حقا هو أن يمر يومها دون أن تضطر فيه للمواجهة الحاسمة مع من تبغضه ..

حركت رأسها للجانب لترتسم علامات الذعر على قسمات وجهها المتعب ..
حاولت أن تنطق بشفتيها ، فخرجت الكلمات مرتعشة :
-م... مين .. مين اللي فتح الباب ده ؟

انكمشت على نفسها ، وضمت ساقيها إلى صدرها ، وإلتصقت بالفراش وهي جاحظة العينين ، وأكملت بنبرة مذعورة :
-أنا .. أنا كنت قفلاه قبل ما أنام

إبتلعت لعابها المرير بصعوبة ، ونهضت بحذر من على الفراش لتختبيء خلف باب الغرفة ..
حاولت أن تختلس النظرات من الزاوية المختبئة بها ، ولكنها لم تتمكن من رؤية أي شيء ..
حبست أنفاسها مترقبة ، وأغمضت عينيها وتمتمت بخفوت ب :
-أستر يا رب ..
كانت تخشى أن يكون أوس بالخارج ينتظرها لينفذ حكم إغتيال برائتها ، فحاولت أن تطرد تلك الوساوس من عقلها ، وتطمئن نفسها بأنه لا صحة لهذا ، وأنها قد غفلت بسبب الإنهاك دون أن تغلق الباب ..

عضت على شفتيها في حيرة ، وحانت منها إلتفاتة خفيفة من رأسها ناحية الوسادة ، وإزداد إتساع مقلتيها حينما رأت طرف المفتاح يبرز من أسفلها ..
إنقبض قلبها ، وتسارعت دقاته .. وحدثت نفسها بخوف جلي :
-مش ممكن ، طب .. طب مين فتحه ؟

تنفست بعمق لتضبط نبضات قلبها - ففكرة وجدها بالقرب منه هو الفزع الحقيقي بالنسبة لها – وجاهدت لتستجمع شجاعتها الهاربة حتى تخرج من الغرفة وتتأكد من صحة شكوكها ...

سارت تقى على أطراف أصابعها نحو الخارج ، ونظرت حولها ببطء وبريبة وهي تتأمل الرواق داعية الله في نفسها أن يخيب ظنونها ..
تنفست الصعداء حينما وجدت المكان هادئاً كما تركته بالأمس .. وإعتدلت في وقفتها ، وسارت بخطوات واثقة نحو الصالة ..
لكن تعالت شهقتها وصرخت مذعورة حينما وجدته جالساً أمامها على الأريكة واضعاً ساقه فوق الأخرى :
-لألأ ..!

إعتلى ثغر أوس إبتسامة شيطانية وهو ينظر لها بتفحص مميت ، وتلذذ عجيب ، ثم نطق بمكر :
-صحي النوم يا حلوة !
صمت هو للحظة واحدة قبل أن يكمل بنبرة جادة بعد أن أنزل ساقيه ، وإعتدل في جلسته ب :
-ده النهاردة .. دخلتنا !!!!

في منزل ممدوح بمصر الجديدة
إنتهت الخادمة من تنظيف المنزل ، وإعداد الطعام الظارج لرب عملها ، ثم لملمت أشيائها ، وتوجهت نحو غرفة مكتبه ، ثم طرقت بخفة على الباب قائلة :
-أنا خلصت يا بيه كل اللي ورايا ، والأكل جاهز على السفرة ، تؤمرني بحاجة تانية ؟

نظر لها ممدوح من أسفل نظارته الطبية ، ثم بجدية أجابها ب :
-لأ .. امشي إنتي ، وبكرة تيجي في ميعادك

إبتسمت الخادمة في سعادة ، ثم أجابته بتلهف :
-حاضر يا بيه
وضعت هي حقيبتها على كتفها ، وإتجهت نحو باب المنزل ، وقبل أن تغلقه خلفها سمعت صوتاً رجولياً حاداً يأمرها ب :
-إستني

إلتفتت الخادمة نحو مصدر الصوت ، فرأت رجلاً مهيباً يبدو عليه الوقار ، ولمحات من الشيب تبدو واضحة على فروة رأسه ، فتنحت جانباً ، واخفضت رأسها للأسفل وقالت بتلعثم :
-آآ.. أيوه يا بيه

حدجها ذاك الشخص بنظرات حادة قبل أن ينطق بصرامة :
-البيه اللي مشغلك موجود

رمشت بعينيها ، وسألته مستفهمة ب :
-الضاكتور ممدوح
نظر لها شزراً ، وأكمل متهكماً :
-أه هو .. هايكون مين غيره
أومأت الخادمة برأسها ، وأجابته بهدوء ب :
-إيوه يا بيه .. هو آآآ..

لكزها بقسوة في كتفها لكي يلج إلى داخل المنزل وهو يقاطعها بصوت محتد ب :
-خلاص .. اوعي من وشي
إندهشت الخادمة من طريقته الفظة ، ووقفت تنظر له بإندهاش وهي فاغرة شفتيها ب :
-هاه .. مين ده ياخواتي ؟
هزت كتفيها في عدم إكتراث ، ثم أغلقت الباب وإتجهت نحو المصعد ...

تفاجيء ممدوح ب " سامي " يقتحم عليه غرفة مكتبه وهو يصرخ ب :
-عملتها فيا وخلعت

نزع ممدوح نظارته الطبية ، وأسندها على مكتبه بعد أن نهض عن المقعد ، ثم سار نحوه قائلاً بإستغراب :
-سامي ، إهدى بس الأول
لوح سامي بيده في الهواء بعصبية وهو يصدح ب :
-مش هاهدى ولا هارتاح إلا لما تشوفلي حل في المصيبة اللي حدفتني فيها

أشار له بكف يده لكي يجلس وهو يحدثه بصوت هاديء ب :
-حاضر ، اقعد بس عشان نعرف نتكلم
زفر سامي بإنزعاج وهو ينظر بحنق في إتجاهه ، ثم إقترب من المقعد الجلدي ، وألقى بثقل جسده عليه ، وتابع بإمتعاض ب :
-استغفر الله العظيم ، أديني أعدت ، هاتعمل ايه بقى ؟

نظر ممدوح له بإمتنان لإستجابته لطلبه رغم الضيق البادي عليه ، ثم تنحنح بصوت خشن ، وسأله بهدوء حذر ب :
-قولي بس ، إنت.. إنت دخلت إزاي ؟
رمقه سامي بنظرات ساخطة وهو يجيبه بإنفعال ب :
-من الباب !

ضيق ممدوح عينيه في حيرة ، ولوى فمه للجانب قليلاً وهو يرد ب :
-بس أنا ماسمعتش صوت الجرس وآآ..
قاطعه الأخير بنبرته شبه المنفعلة ب :
-خدامتك كان خارجة وأنا لحقتها قبل ما تقفل الباب

أرجع ممدوح رأسه للخلف في تفهم ، ثم أضاف :
-أها ... قولتلي
صر سامي على أسنانه وهو يكمل بصوته المحتد ب :
-أنا عاوز حل للخساير اللي نازلة زي الداهية عليا
-طيب .. اصبر ، أنا هاتصرف وآآآ..

قاطعه مجدداً بنبرة غليظة ب :
-مش هاصبر ، إنت وعدتني هاتخرب بيت أوس الجندي ، وأنا بيتي اللي اتخرب مش هو !!!!
نفخ ممدوح في ضيق ، وحاول أن يسيطر على أعصابه كي لا ينفعل أمامه ، وبذل مجهوداً مضنياً ليخرج صوته هادئاً وهو يجيبه ب :
-وأنا كنت هاعرف منين إنه هيسافر ويعمل التوكيل وآآ..

نهض سامي من مكانه وعلى وجهه علامات الغضب جلية فتوقف ممدوح عن الحديث ، ثم صاح الأول محتداً ب :
-مش مشكلتي ، خسارتي دي إنت اللي هاتتحملها !
ثم ضيق عينيه ليستأنف حديثه بتوعد قائلاً :
-وإلا هاتصرف بطريقتي ... !!!

تابعه ممدوح بصمت ولم يعقب ، فتابع الأخير بصوت متوعد ، ونظرات قاتلة ب :
-وصدقني يا ممدوح ، أنا طريقتي مش هاتعجب أي حد ، ويمكن يطير فيها رقاب !!
نهض ممدوح هو الأخر عن المقعد ، وسأله بجدية شديدة وهو ينظر مباشرة في عينيه ب:
-إنت بتهددني ؟

هز سامي رأسه بسخط وهو يجيبه مزمجراً ب :
-إفهمها زي ما تفهمها ، بس ده أخر ما عندي ، سلام !

ثم تركته وإندفع نحو باب الغرفة ليخرج منها وهو يغمغم بكلمات غاضبة تحمل سباباً لاذعاً ..
إنزعج ممدوح من طريقة الحوار الحادة ، وسار خلفه محاولاً اللحاق به ، لكنه كان قد خرج من المنزل ، وصفق الباب بعنف ورائه ، فلوى فمه في ضيق ، ونطق متذمراً ب :
-أبن اخوك ومش قادر عليه ، هاعملك ايه يعني ؟ اتصرف معاه ، وخليني أشوف أنا هاخرب بيت أخوك نفسه إزاي !!!!!

وصلت لوزة بسيارتها أسفل البناية التي إعتادت الذهاب إليها حيث يوجد منزل أوس ..
مر ببالها ذكرى تمددها على الفراش مقيدة الذراعين ، وأوس ينال منها ما يريد ، يعذبها بلا رحمة ، يمارس ساديته بجبروت مخيف ، وهي من أسفله تتأوه وتصرخ بإستمتاع زائف ملبية لرغباته ..
كم عانت لأيام من كدماته الزرقاء ، ومن أثار أظافره التي نهشت جسدها .. ورغم هذا لم تأن ولم تشتكي .. فرضاؤه غايتها الأسمى ..

كانت الإهانة الحقيقية لها حينما يفرغ منها ويأمرها بالرحيل بعد أن يلقي في وجهها بالمال وكأنها حشرة لا قيمة لها .. هي حقيقتها المقيتة ، لكنها ظنت أنها معه أكثر من هذا ...
هي تعشق قوته المفرطة وسيطرته التامة ، ولن تنكر أنه أرضاها ، ولكنها أبت أن تظل خانعة للأبد له .. أرادت أن تذيقه من نفس الكأس ، لكنه تركها تعاني من إدمان إذلاله لها .. بل من حبها المريض له ..
إعتقدت هي بتلويث شرف أخته ستكسره وتجعله يأتي مهرولاً إليها ، لكنها صُدمت بأن ما فعلته أصبح هباءاً منثوراً .. ولم يؤثر فيه على الإطلاق.. بل إنه إبتعد تماماً عنها ، ووضع بينهما حاجز وأخر وأخر ...

زفرت لوزة في ضيق بعد أن نفضت تلك الذكريات عن مخيلتها ، ومسحت بمنشفة ورقية حبات العرق من على جبينها ، وتأملت المكان بنظرات ساخطة ، ومالت برأسها للأمام نحو المدخل ، وصرت على أسنانها وهي تتحدث ب :
-امسكي أعصابك يا لوزة ، اهدي عشان تعرفي هو فين

ثم أمسكت بخصلات شعرها ولفتها حول إصبعيها ، وضيقت عينيها الحادتين ، وتابعت بتوعد رهيب ب :
-بس وحياة مقاصيصي دول ، لهسففك التراب يا أوس لو طلعت لايف على واحدة تانية غيري ، مش أنا اللي اكون فاضلة حد ، هاطلع القديم والجديد على جتتك ، وهاخلص كله منك !

صفت هي السيارة بجوار الرصيف ، ثم ترجلت منها ، وعدلت من وضعية تنورتها الضيقة والقصيرة ، وجابت بأنظارها المكان ، ثم سارت بتغنج في إتجاه مدخل البناية...

في منزل أوس بمنطقة المعادي
رمق أوس تقى بنظرات مستمتعة وهو يراها تنتفض برعب أمامه ..
برزت أسنانه الحادة بقوة وهو ينطق بصرامة ب :
-ايه ؟ مفكراني هاسيبك لوحدك كتير .. ده حتى عيبة في حقي !

وضعت كفي يدها على فمها لتكتم شهقاتها المذعورة ، وتراجعت بتوتر شديد للخلف ..
-آآآ.. إنت !
لم تظن تقى أن شكوكها أصبحت حقيقية ، وأنه بالفعل موجود معها في المنزل ، والليلة هي ليلة ذبحها ..

نهض عن الأريكة بثبات ، وسار واثق الخطى نحوها بجسده المتصلب ثم شمر عن ساعديه ، ونظر لها بنظرات ذات معنى قائلاً بجمود :
-فستانك هناك أهوو .. قسيه !
نظرت تقى حيث أشار بعينيه ، ورأت بالفعل فستاناً – لم تتبين ملامحه - موضوعاً في حافظة جلدية على الطاولة .. فإتسعت عينيها في صدمة وهي تهمس لنفسها بتلعثم ب :
-لأ .. مش ممكن ، مش .. مش ممكن !

تقوس فمه بإبتسامة متشفية وقد إستطاع أن يقرأ ما تقوله عينيها بوضوح ..
أخذ هو نفساً عميقاً ، وزفره على مهل ، ثم تابع بصوت جاف ب :
-مقاسك مخدتش مني مجهود عشان أخمنه ، وأظن إنك مش هاتحتاجيه اصلاً النهاردة !

هزت رأسها عدة مرات رافضة لما يحدث .. ولم تطرف عينيها من الخوف .. وإستمرت في التراجع بجسدها الهزيل للخلف .. وعقلها مسيطر عليه فكرة واحدة ظلت ترددها لنفسها مراراً وتكراراً :
-إنت .. إنت مش هاتلمسني !

نظر لها أوس بعبث قائلاً ببرود :
-شكلك مش مصدقاني !

لم تتحمل هي نظراته المميتة لها ، وشعرت بخدر رهيب يسيطر عليها ..
مجرد التفكير في لمسه إياها أصابها بالإعياء .. وظلت تهمس لنفسها بإصرار :
-مش هاكون ليك .. ده كله كدب .. كدب !

إزداد شعورها بالخدر وتلك المرة لم تقرر مقاومته ، فإستسلمت له ، وأغمضت عينيها ، وإرتخت عضلات ذراعيها ، وإنهار جسدها ، وفقدت وعيها ..
كادت ترتطم بالأرضية ولكن كانت ذراعي أوس الأسرع في إلتقاطها والحول دون سقوطها ..

تمسك أوس بتقى جيداً ، وضمها بذراعيه إلى صدره ، ونظر إليها بنظرات مطولة متأملاً الوهن الرهيب الذي تمكن منها قبل أن ينالها هو ..
ثم أخفض ذراعه الأيسر ليحاوطها من خصرها ، ومال بجذعه للأسفل ليضع ذراعه أسفل ركبتيها ، ثم حملها وأحكم قبضتيه على جسدها ، وأحنى رأسه على جبينها ، وهمس لها ب :
-مش هاتعرفي برضوه تهربي مني ، إنتي ليا وبس ..!!!!

شعر بتشنج قسمات وجهها ، فإزدادت إبتسامته شراسة ..
ثم أطلق صفيراً خافتاً وسار حاملاً إياها نحو غرفة النوم الأخرى .. نحو غرفته الخاصة ...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع

في منزل أوس بمنطقة المعادي
وصلت لوزة إلى الطابق المنشود ، وتأملت المكان من حولها بحذر ، ثم أسرعت ناحية " الجرس "لتقرعه ..
ولكن قبل أن تضع يدها عليه سمعت صوتاً مألوفاً يصدر من الداخل ، فإتسعت عينيها في حنق ، وكزت على أسنانها قائلة :
-أوس ، ده .. ده هو !!!

حاولت أن تخمن ما الذي يحدث في الداخل ، ولكن وجدت صعوبة في إسترقاء السمع بوضوح ..
هدأ الصوت فجأة ، فإنزعجت كثيراً حيث ظنت أنه يمارس ما عهدته منه مع غيرها ..
إشتعلت مقلتيها بشرر غريب .. ووقفت تهز ساقيها بعصبية وهي تقرع الجرس وتحدث نفسها بحنق ب :
-والله لأوريك إنت وهي وأجرسك في العمارة

إنتظرت على جمرة من النيران المستعرة أن يفتح لها الباب ..
وهنا تلاعب الشيطان برأسها وأوهمها بأشياء مشينة تحدث .. أشياء تجيد فعلها معه ..
لم تتمالك أعصابها وهي تتخيل غيرها في أحضانه يمارس مبتغاه معها ، فضربت على الباب بعنف وهي تصرخ ب :
-إفتح يا أوس ، أنا عارفة إنك جوا معاها ، إفتح وإلا آآ..

كانت على وشك ضرب الباب بقبضتها مرة أخرى ، ولكنها توقفت حينما وجدته أمامها .. وتجمدت الكلمات على شفتيها
إبتلعت ريقها بتوتر ، ورمشت عدة مرات وهي تحاول أن تكمل بنفس النبرة المحتدة ب :
-هي فين اللي آآ.. آآآآآه

لم تكمل هي جملتها الأخيرة بل صرخت متأوهة من الآلم حيث قبض أوس على رسغها بعنف ودفعها لداخل منزله ، وصفق الباب خلفهما بقوة ..

في منزل تقى عوض الله
خرج الشيخ أحمد من غرفة العم عوض وهو مطرق الرأس وممسك بمسبحته ، ثم تنحنح بخفوت قائلاً :
-الحمدلله يا ست فردوس ، إحنا بقينا فين

نظرت هي له بإمتنان ، ثم هتفت ب :
-يستاهل الحمد طبعاً ، بس آآ..
ثم صمتت وأخفضت رأسها في حزن ، فنظر لها الشيخ أحمد بتوجس ، وسألها بقلق ب :
-بس إيه ؟

بدى صوتها حزيناً منكسراً حينما أجابته ب :
-بس هو مش فاكرني خالص
قاومت النحيب الظاهر في صوتها وهي تتابع بإخناق ب :
-ومش بيقول غير اسم تقى وبس ، مش فاكر منها إلا اسمها يا شيخنا ... وأنا مراته .. ناسيني و آآ..

إبتسم هو لها ، وهز رأسه موافقاُ على ما تقول ، ثم حاول تهوين الأمر عليها فأردف مازحاً :
-معلش هو عضمة كبيرة ، والعلاج لازم ياخد وقته معاه
عادت البسمة إلى وجهها ، ومسحت عبرة تساقطت على وجنتها بكفها المشقق ، وسألته بحماسة ب :
-يعني في أمل يا شيخنا يتعافى ؟

أجابها بصوته الهاديء ب :
-كله على الله ، ادعيله ، وإن شاء الله خير
رفعت كفيها إلى السماء ، وناجت المولى ب :
-يا رب خد بإيدنا وزيح عنه

تحرك الشيخ أحمد في اتجاه مدخل المنزل ، وقبل أن يخرج منه سألها بجدية قائلاً :
-ومافيش أخبار عن ست البنات ؟
تنهدت في آسف ، وأجابته بصوت منكسر ب :
-لأ .. معرفش عنها حاجة خالص

مط فمه للجانب قليلاً ، ثم تابع بنبرة هادئة ب :
-ربنا يرجعهالك بالسلامة
قالها ثم إنصرف خارج المنزل ، فإستندت هي بيدها على الباب وصاحت ب :
-يا رب أمين ، إدعيلنا أمانة عليك يا شيخنا
أجابها الشيخ أحمد بنبرة شبه عالية وهو يتجه للدرج ب :
-بأمر الله

ثم أغلقت الباب ، وعاودت أدراجها نحو غرفة النوم وهي تغمغم ب :
-لِم شملنا تاني يا سميع !

في منزل أوس الجندي بمنطقة المعادي
ألصق أوس جسد لوزة بباب منزله ، وقبض على عنقها بكفه الغليظ ، وحدق فيها بنظرات مميتة .. ثم صر على أسنانه بشراسة قائلاً :
-مفكراني هاسيبك كده من غير ما أخد روحك بإيدي

تلوت هي بجسدها محاولة تخليص رقبتها من بين أصابعه ، ولكنها فشلت .. شعرت بأنفاسها تختنق ، وبحشرجة قوية في صوتها ، فكافحت متوسلة له ب :
-ه... هاتخنق .. سي.. سيبني يا باشا

إستمر هو في الضغط على عنقها دون أن تطرف عينيه المحتقنتين ، وصاح فيها بشراسة ب :
-جاية هنا ليه ؟ انطقي !
-هاتخنق ي.. يا باشا

أرخى قبضته عنها ، فوضعت يديها على عنقها وفركته ، ثم نطقت بصوت متحشرج وهي تنظر له بخوف ب :
-أنا .. أنا كنت عاوزة أطمن عليك

قهقه أوس عقب عبارتها الأخيرة بطريقة متهكمة ، ثم سألها بجمود وكأن الضحكة لم تعرف طريقها إليه يوماً ب :
-وده من امتى ؟

أدركت لوزة أنه ليس في مزاج يسمح بالجدال معه، لذا إقتربت منه بدلال وأسندت كفها على كتفه وضغطت عليه قليلا ثم همست له برقة مصطنعة وهي تنظر إليه بنظرات راغبة ب :
-مش .. مش أنا لوزة حبيبتك اللي آآآ.. آآآآه

قبض هو على كفها بقوة آلمتها ، وأزاحه عن كتفه ، ثم حدجها بنظرات مهينة ، وتابع بقسوة ب :
-أنا ماليش حبيبة وانتي عارفة ده

ضمت هي كفها إلى صدرها ، ونظرت إليه بتودد ، ثم أردفت بصوت متلعثم :
-ايوه ، بس أنا .. أنا آآآ...

قاطعها هو بصرامة أجبرتها على الصمت وهو يرمقها بنظراته المهينة ب :
-بقولك إيه ، أنا مش فاضي لهري النسوان بتاعك ، لو كنتي بترضي مزاجي فإنتي قبضتي تمنه ، وأنا شوفت كيفك !

إبتلعت مرارة كبيرة في حلقها وهي تستمع إلى كلماته اللاذعة ، وحاولت أن تبرر فعلتها معه بصوت متوسل ب :
-ماشي ، بس أنا .. أنا بأحبك

ضحك بطريقة مصطنعة زادت من إستفزازها ، ثم بصوت خالي من الحياة هتف ب :
-هع هع هع .. بتحبيني ؟ بطلي هبل ، إنتي فاهمة كويس اللي بأعمله ده مش حب

وقفت قبالته ، ونظرت إليه بشوق وهي تنطق ب :
-ممكن مش حب بالنسبالك ، بس أنا ارتبطت بيك وبقيت مدمنة ليك وللي بتعمله فيا وآآ..

قاطعها بصوت جاف وهو ينظر لها بإزدراء ب :
-مافيش حاجة كانت ببلاش

أشارت إلى نفسها ، ثم قالت بتشنح :
-أنا أديتك روحي ببلاش

وضع كفه أمام وجهها ، ونظر لها بسخط ، ثم هتف بصرامة :
-لأ عندك ، كله كان بحسابه ، ويالا غوري من هنا مش عاوز أشوف خلقة امك تاني

نظرت له بأعين دامعة رغم إحتقانها ، ورددت بغضب :
-إنت بتطردني

حدجها بنظرات مهينة هو يشير بأصابع يده ، وهتف صادحاً بقوة ب :
-إنتي مفكرة نفسك مين ؟ لأ اصحي كويس ، أنا أوس باشا الجندي ، في تكة أفرمك وأمحيكي من على وش الأرض

صرت على أسنانه بضيق جلي وهي تجيبه ب :
-أنا عارفة إنت مين ، وآآ..

قاطعها ببرود وهو يجرها من ذراعها للخلف ب :
-امشي ، أنا مش فاضيلك

أزاحت قبضته عنها ، وتسمرت في مكانها رافضة ترك المنزل ..
ثم نظرت له بأعينها المتقدة من الغضب وصرخت فيه بإهتياج ب :
-يبقى الكلام اللي سمعته صحيح

ضيق عينيه في عدم فهم ، وسألها بجدية ب :
-كلام إيه ؟

حدجته بنظرات قاتلة وهي تجيبه بثقة ب :
-إنك لايف على واحدة تانية

تحولت عينيه لجمرتين من النيران وهو ينطق بشراسة ب :
-نعم !!!!

تابعت هي بصوت متشنج وهي تشير بيدها في الهواء :
-أيوه واحدة شايفة مزاجك عني

لم يمهلها الفرصة لتتمادى أكثر في الحديث ، حيث غرس أصابعه في ذراعها ، ودفعها بعنف نحو باب منزله وهو يهدر ب :
-اطلعي برا

قاومته بكل ما أوتيت من قوة وهي ترد عليه بصوت منفعل ب :
-يبقى هي أكيد جوا ، وإنت بتوزعني عشانها

فتح باب منزله ، وألقى بها في الخارج وهو يعنفها بشراسة ب :
-برا يا ***** من هنا

تحسست هي موضع أصابعه بعد أن أبعد قبضته عن ذراعها ، ثم صاحت ب :
-اشتم زي ما إنت عاوز ، أنا متأكدة إنها جوا ، أنا سمعاك بتكلمها .. آآآآآآه

أطبق هو على فكها بقبضته المتينة فتوقفت عن الكلمات وصرخت متأوهة منه ، ثم دفعها بجسدها للخلف ، ونطق بشراسة من بين أسنانه وهو يحدجها بنظراته القاسية ب :
-لما أقول برا يبقى برا .. واتجرأي بس وإفتحي بؤك بحرف عني .. هايكون أخر كلمة تقوليها !!!!

حاولت أن تتحدث ، لكن قبضته أحدثت ألماً رهيباً بفكها وهي تجاهد للنطق ب :
-آآآه.. إنت آآ..

نظر لها بشراسة أشد وهو يحذرها ب :
-أحسنلك تتقي شري لأنسفك

ثم دفعها بعنف من فكها ، ليرتد جسدها ويسقط فترتطم بأرضية المدخل ..
بصق عليها بعد أن رمقها بنظراته المهينة ، وتابع ببرود ب :
-مش أوس الجندي اللي تهدده *****

ولج إلى داخل منزله ، وصفق الباب بعنف خلفه ، فإستشاطت غضباً ، وصرخت بصوت هادر ب :
-والله لأندمك يا باشا ، لأخليك تشوف لوزة ال ***** هاتعمل ايه !

لملمت نفسها ، ونهضت عن الأرضية الصلبة ، ثم عدلت من هيئتها ، ونفضت الغبار العالق بتنورتها القصيرة ..
اعتدلت في وقفتها ، وضبطت أنفاسها اللاهثة ، ثم أزاحت خصلات شعرها التي تناثر على وجهها وعينيها للخلف ، ونظرت بحنق للباب وتوعدت ب :
-هاموتك يا أوس ، هاموتك قبل ما تدفني !!!!

ثم إتجهت للمصعد وضغطت على زره بعصبية وتابعت بصوت مهتاج ب :
-هاتموت يا أوس ، ورحمة الغاليين لهتموت على إيدي أنا...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل العاشر

توقفت سيارة الأجرة على مدخل الحارة الشعبية ، وترجل منها حارس الأمن الأسبق " أحمد " ، وأغلق الباب خلفه ، ثم إنحنى بجذعه قليلاً للأمام ليعطي السائق أجرته من النافذة .. ودس الباقي في جيبه ، ثم جاب المكان بنظرات متفحصة ..

اقترب هو من أحد المقاهي الشعبية ، ولوح بيده في الهواء عالياً وهو يصيح ب :
-سلامو عليكم
خرج له العامل الذي يلبي طلبات الزبائن مسرعاً من الداخل وهو يحمل صينية فارغة في يده ، وأجابه ب :
-أؤمر يا افندي

تنحنح أحمد بصوت خشن وهو يشير له لكي يأتي :
-كنت عاوز شوية
اقترب منه العامل ، فوضع أحمد كفه على كتفه ، ودس مبلغ نقدي في جيبه الأمامي ، فنظر له العامل بإمتنان .. ثم مال برأسه نحوه ، وهمس له ب :
-أومال بيت الست أم تقى فين ؟

ضيق العامل عينيه في استغراب ، وسأله بحيرة ب :
-أم تقى ! تقصد الست فردوس ؟!
إرتخت عضلات وجه أحمد المشدودة ، وهتف مسرعاً ب :
-أه هي

أشار العامل بيده للأمام ، وأجابه بجديه ب :
-احود يا باشا شمال من المدخل اللي جاي ، هتلاقي البيت في وشك على أخر الحارة
ربت أحمد على كتفه في امتنان جلي قائلاً :
-توشكر يا أخ

ثم تحرك بخطوات أقرب إلى الركض صوب المكان الذي أرشده إليه ..
تابعهما منسي الذي كان ينفث دخان ( الشيشة ) بشراهة ، ثم أشار بعينيه للعامل ، وسأله بصوت جاف ومتحشرج ب :
-إنت يا بني ، تعالى هنا

سار العامل في إتجاهه ، ثم مال بجذعه نحوه ، وأردف بهدوء :
-أؤمر يا سي منسي
نفث مجدداً دخان الشيشة وكأنه يخرج بركاناً من صدره ، ثم بصوت فظ تسائل ب :
-عاوزك في إيه الجدع ده ؟

لوح بيده وهو يجيبه بنبرة عادية ب :
-هو كان بيسأل على بيت الست فردوس أم تقى
إعتدل منسي في جلسته ، وحدجه بنظرات حادة وهو يهتف بحنق ب :
-نعم !!

إبتسم العامل إبتسامة عريضة – وكأنه حقق إنجازاً هاماً – وتابع بثقة ب :
-أيوه ، وأنا دلته عليه
إحتقنت عيناه أكثر ، وأردف متسائلاً بشراسة :
-طب ليه ؟

هز كتفيه في عدم إهتمام وهو يرد عليه بفتور :
-مقاليش
إغتاظ منسي من ردود العامل الغير مبالية ، فعنفه قائلاً :
-غور من قدامي

نظر له الأخير بإستغراب ، وسأله مستفهماً ب :
-ليه كده بس يا سي منسي ده أنا آآآ....
قاطعه منسي بصوت غليظ قائلاً وهو يحدجه بنظرات مهينة
-إنت هتلوك لوك معايا كتير ، غور من وشي ، جتك القرف !!

إمتعض وجه العامل ، وكظم غيظه ، ثم سار مبتعداً عنه وهو يغمغم ب :
-ماشي !!
ثم زم ثغره في تأفف ، وصاح عالياً :
-أيوه جاي !

أسند منسي الشيشة على الطاولة الصغيرة الموضوعة بجواره ، وحدق في الفراغ أمامه ، وحدث نفسه بنبرة حائرة ب :
-أنا لازم أعرف مين أصلاً ده وجاي ليه وعشان إيه بالظبط ، أكييييد وراه حاجة !!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
جلس أوس على الأريكة الوثيرة والمقابل للفراش المسجى عليه جسد تقى واضعاً هاتفه المحمول عل أذنه ومشعلاً لسيجارته الفاخرة ثم بصوت آجش وصارم أردف ب :
-في ظرف نص ساعة تكونوا عندي ، أي تأخير مش هاقبل بيه

نفض هو بقايا السيجار المحترق على الأرضية اللامعة ، ثم تابع بنفس الصلابة وهو محدق بتقى الفاقدة للوعي ب :
-لأ مش في القصر .. في بيتي التاني ، اكتبي العنوان عندك !

أملى أوس الطرف المقابل على الهاتف عنوان منزله ، ومن ثَمَ أنهى المكالمة ، وأسند الهاتف على " الطاولة الصغيرة " المجاورة ، ثم أكمل تدخين سيجارته وهو ينظر بتلذذ غريب إلى تلك الهزيلة التي سيوصمها الليلة بسوط عذابه ...

تمكن أحمد من الوصول إلى البناية التي تقطن بها تقى ، وظل يتلفت حوله محاولاً الإستدلال على الطابق المتواجد به منزلها ..
قرع بشكل عشوائي على أول منزل قابله ، ففتحت له جارة ما الباب ، ونظرت له بفضول قائلة :
-عاوز مين يا أخ ؟

نظر متفحصاً للمنزل بنظرات مطولة ، وأجابها بتردد ب :
-هو .. هو ده بيت الست آآ.. الست أم تقى
نظرت له شزراً ، ولوت فمها في ضيق وهي تجيبه بإمتعاض ب :
-لأ يا أخويا ، شقتها اللي في التالت مش هنا

ثم طرقت الباب في وجهه ، فتعجب أحمد من ردة فعلها ،وعبست ملامحه ، وحدث نفسه بتأفف ب :
-ايه الناس دي !!!
ثم إتجه إلى الدرج صاعداً إلى حيث أخبرته ...

في منزل تقى عوض الله ،،،،
ارتدت فردوس عباءتها القديمة وعَدَلت من وضعية حجابها أمام المرآة ، ونظرت إلى زوجها عوض من زاوية عينيها قائلة :
-هاروح المصنع يا عوض ، الأكل جمبك على الكومودينو ، مش هتأخر هاخلص الوردية وأرجع على طول

ثم سمعت هي صوت قرع الجرس ، فإستدارت برأسها للخلف متسائلة بحيرة :
-ده مين اللي جاي السعادي ؟

غرست الدبوس في حجابها ، وهي تلج من الغرفة متجهة ناحية باب المنزل ..
فتحت الباب على عجالة فتفاجئت بذاك الشاب الذي بدت ملامحه مألوفة لها ...
تفرست في ملامحه المرهقة بتمعن شديد ، هي متأكدة من أنها قد رأته من قبل ، ولكنها لا تتذكر حالياً ...
حاولت أن تجبر عقلها على التذكر في وقت قصير ، لكنه أبى أن ينصاع لها حالياً ..
ضيقت عينيها أكثر ، ولكن قطع تفكيرها صوته الرجولي الخشن ب :
-إزيك يا ست أم تقى ، إنتي مش فكراني ؟

أجابته دون تردد وهي تنظر له بفضول ب :
-لأ .. بس شكلك مش غريب عني
تنحنح هو بصوت خافت ، ثم إدعى أنه يسعل ، وأجفل عينيه وهو يجيبها بتلعثم ب :
-أنا .. أنا أحمد اللي .. اللي كنت شغال مع بنتك عند البيه في القصر !

اتسعت حدقتي عينيها في صدمة ، وأضاء عقلها بذكرى رؤيته وهو يترجل من سيارة الأجرة مع إبنتها قبل أشهر قليلة .. ففغرت شفتيها في ذهول ، وإندفعت نحوه ممسكة إياه من تلابيبه ، وهزته بعنف غير مسبوق وهي تصرخ ب :
-بنتي ! هي فين ؟؟ خدتوها فين ؟؟ انطق !!
حاول هو تهدئتها بعد أن باغتته بهجومها عليه .. ، وبتريث أزاح كفيها القابضين على ياقته قائلاً بتوتر :
-أنا معرفش عنها حاجة .. أنا .. أنا كنت جاي أسأل عنها

لم تتركه فردوس بل إستمرت في الإمساك به بكل قوتها صارخة بصوت محتد ب :
-يا كداب يا بن ال *** ، بتضحك على ست كبيرة زيي
أبعد يديها عنه ، وضمهماً معاً ، ثم قال بصدق شديد :
-والله ما باكدب يا ست .. ده آآآ...
قاطعته هي بصراخ أعنف وهي تتلوى بذراعيها محاولة تحريرهما ب :
-يا ناس الحقوني

أرخى قبضتيه عنها ، ثم أسرع بوضع كفه على فمها ليكممها ويمنعها عنوة عن الصراخ ، وأسند رأسها بكفه الأخر ، ودفعها إلى الداخل ، وركل الباب بقدمه لينغلق قائلاً بحنق :
-شششششش .. اسكتي يا حاجة ، أنا معملتش حاجة ، اسمعيني بس

كافحت فردوس لتبعد يديه عنها ، وخربشته بأظافرها ، ولكنه كان أقوى منها ، فنظرت له بإحتقان ، فبادلها نظرات حادة ، ثم تابع بإنفعال ب :
-اسمعيني يا ست أم تقى ، أنا مش جاي أذيكي ، أنا بس عاوز اسأل عن تقى
تمتمت بصوت مكتوم محاولة الرد عليه ، فحذرها قائلاً :
-أنا هاشيل إيدي بس اوعي تصرخي ، أنا مش ناوي شر ، بس متخلنيش أندم إني جيت

أومأت برأسها موافقة ، فهي لم يكن لديها أي خيار أخر ، فما تبتغيه هو معرفة مكان إبنتها الغائبة ..
تدريجياً أبعد أحمد راحته عن فمها ، ونظر لها ممتناً وهو يقول بهدوء حذر :
-كده تمام يا ست أم تقى
تحسست فمها الذي آلمها بسبب قبضته الغليظة عليه .. وحدجته بنظرات مغتاظة وهي تسأله بحدة ب :
-بنتي فين ؟

فرك أحمد وجهه بضيق وهو يجيبها بصوت محتد ب :
-ما أنا قولتلك أنا معرفش مكانها ، ده أنا كنت مفكر إنها هنا
هتفت محتجة بنبرة عالية وهي تنظر له بصرامة ب :
-لأ بنتي ضاعت مني من ساعة ما آآآ...

لم تكمل جملتها الأخيرة ، بل أولته ظهرها ، وصمتت عن الحديث بعد أن تذكرت كيف طعنتها بكل غل بيديها تلك دون أن تمهلها الفرصة للدفاع عن نفسها ..
و أوغر صدرها أنها حكمت عليها بأنها مذنبة رغم يقينها من براءتها ، لكنها إستسلمت لشيطان نفسها ، ونفذت حكمها عليها فوراً ..
والأعجب أن إبنتها رفضت أن تدينها ، وتحملت اللوم عنها ، ثم اختفت بعدها تاركة إياها تتجرع مرارة الخزي والوحدة ..

أفاقت من شرودها ، ومسحت بحذر عبراتها التي علقت بأهدابها ، ثم إستدارت بجسدها ناحيته ، وسألته بصوت مختنق ب :
-أومال مين يعرف ؟

دعك فروة رأسه في حيرة عدة مرات ، وتملكه القلق الشديد وهو يحاول تجنب فكرة أن تكون تلك البريئة واقعة في أسر من لا يرحم ..
هو يعلم مدى قسوته وغلظته ، بالإضافة إلى جبروته وسلطته .. وتقى لا حول لها ولا قوة .. فكيف ستقف أمامه ، وتدافع عن نفسها ..
نفخ بإحباط سائلاً إياها بيأس :
-طب.. طب هي ليها مكان تاني غير ده ممكن تروحه ؟!!

حدجته بنظرات محتقنة وهي تهتف محتجة ب :
-بأقولك بنتي مالهاش أثر ، زي ما يكون فص ملح وداب ، وإنت جاي تقولي هي فين ، ما تشوف البيه اللي مشغلك آآ...

توقفت عن إكمال جملتها حيث طرأ بعقلها فكرة خطيرة ربما تكون السبيل لمعرفة مكانها ..
رمقها أحمد بنظرات إستغراب ، فقد سيطر عليه الفضول لمعرفة ما الذي تفكر فيه ..
تفاجيء بها تمسك بذراعه بقبضتها الواهنة ، فنظر نحوها وهو مقطب الجبين متسائلاً :
-في ايه ؟

جحظت بعينيها وهي تسأله بتلهف ب :
-قولي مكان البيه بتاعك ؟
إزداد إنعقاد ما بين حاجبيه، فهو لم يفهم مبتغاها من سؤالها الجاد هذا ، فأجابها دون تريث ب :
- تقصدي قصره ولا شركته ؟
هتفت دون تأخير وهي مسلطة أنظارها عليه :
-قصره!

بداخل أحد مراكز التجميل ذائعة الصيت ،،،
تسابقت الفتيات المتواجدات بالمركز على تجهيز عروس الليلة .. فهي ليست كسائر العرائس ، إنها نجمة من نجمات المجتمع ، وعائلتها ذات الحسب والنسب ..
وبالطبع شهرة للمركز أن تكون متواجدة به ..
تنهدت ليان بفتور وهي ترى الكل رهن إشارتها يسعى لإرضائها .. لم تشعر أبداً بسعادة العروس ليلة زفافها .. ولا بفرحة عائلتها بها ..
فالكل يرسم قناع السعادة الزائفة فقط ليتجنبوا الفضيحة التي زجت بنفسها بها ..

لم تهتم بمعرفة أسماء المدعوين .. ولم تعبأ بتصميم فستانها الباهظ الثمن الذي ترتديه ويخطف أنظار من يراها فيه .. ولم تكترث حتى بفقرات الحفل الأسطورية التي تسرب محتواها للإعلام ..
كانت فاقدة للإحساس في كل شيء ..
نظرت ليان إلى نفسها في المرآة بنظرات عميقة ، كأنها ترى شريط حياتها في الأشهر الماضية يمر سريعاً مذكراً إياها بفداحة ما حدث ..

بررت لنفسها بأنها ليست من تستحق اللوم ، بل والدتها التي سقطت من أنظارها بأفعالها المشينة مع صديق العائلة ، فهي بلا وعي أجبرتها على أن تخطو مثلها ، وتسقط في ذاك البئر القذر ..
أخذت نفساً مطولاً وحبسته في صدرها محاولة السيطرة على المشاعر المهتاجة بداخلها .. ثم بهدوء زفرته .. ورفعت رأسها عالياً في ترفع وكبرياء ..
وحدثت نفسها بثقة غريبة ب :
-مش أنا المجرمة ، مش أنا !

وقفت رفيقتها جايدا من خلفها ناظرة إليها بنظرات غير مريحة .. تساورها الشكوك بوجود أمر خاطيء في تلك الزيجة السريعة ..
هي تعلم تقريباً كل شيء عن ليان ، ولكن في الفترة الأخيرة بدت لها غريبة وغامضة .. ولم تعد كلتاهما تتحدثان كالسابق ..
وضعت جايدا يديها على كتفي ليان العاريين ، ومالت برأسها للأمام ، ونظرت لها عبر المرآة قائلة بخفوت :
-مالك يا ليو ؟ شكلك مش happy ( سعيد ) خالص

تنهدت في إنهاك ، وأسندت كفها الأيسر على كف يد رفيقتها ، وأجابتها بنبرة هادئة :
-عادي
زمت جايدا شفتيها بإعتراض قائلة :
-Noway ( إستحالة ) يكون عادي ، إنتي مش بتضحكي خالص ، وآآ..
قاطعتها ليان بنبرة شبه متوسلة بعد أن أجفلت عينيها قليلاً :
-بليز جودي ، أنا مش قادرة أتكلم

هزت جايدا رأسها رافضة ، وتابعت بإصرار واضح :
-ده يخليني متأكدة إن في حاجة غلط
نظرت لها ليان بضيق ، وأردفت بحزم ب :
-جايدا ، سوري أنا مرهقة من الفرح ، فبليز بلاش نتكلم

مطت جايدا شفتيها للأمام في ضيق ، ونظرت إليه بنظرات معاتبة ، ثم قالت بهدوء :
-اوكي ..
إنضمت إليهما ناريمان ، ونظرت إلى ليان بنظرات متمعنة ، وقالت بحماس زائف :
-واو .. شكلك stunning ( مذهل )

ثم أمسكت بكف يدها ، وأجبرتها على النهوض من على المقعد لتراها بوضوح أكثر ..
كانت ليان ترتدي فستاناً أبيض اللون ومرصعاً باللأليء الصغيرة البراقة في غالبية أجزائه ..
صدره عاري يبرز مفاتنها الأنثوية بطريقة مثيرة ، وكتفيه مكشوفان يوضحان نعومة بشرتها ، كما زين عنقها عقد ثمين من الألماس الحر .

أدارتها ناريمان لتتمكن من رؤية الفستان من الخلف .. فبدى ظهرها مشدوداً ، ومكشوفاً حتى قبل خصرها بقليل ..
إنحنت جايدا للأمام لتعيد فرد ذيل الفستان الطويل الذي أكمل تلك اللمسة الجمالية عليه ..
اقتربت المصففة من العروس ، وهي تبتسم لها إبتسامة مجاملة :
-واو .. كيوت خالص .. فعلاً أميرة

بادلتها ناريمان نظرات الإعجاب ، وأدرفت بثقة :
-شور .. دي بنتي
زمت المصففة شفتيها الكبيرتين للأمام ، ثم أشارت بيدها وهي تتابع بجدية ب :
-طيب هستأذنك الأميرة ترجع مكانها عشان أحط الطرحة ، وأعمل ال finishing بتاعي

أشارت ناريمان بعينيها وهي تجيبها ب:
-أوكي
عاودت ليان الجلوس على مقعدها ، وأكملت المصففة عملها وهي تحاول إختلاق حديث شيق معهن ، ولكن كانت العروس شاردة في ملكوت أخر ..

في منزل عبد الحق بالزقاق ،،،،
تغنجت بطة بجسدها أمام المرآة وهي تضع أحمر الشفاه الصارخ ، ودندنت بخفوت مع نفسها ..
ثم إلتفتت برأسها ناحية عبد الحق الممدد على الفراش وأردفت بجدية ب :
-ها.. كده حلو ؟

سال لعابه وهو يرى جسدها العاري يتمايل بدلال من أسفل قميص النوم الشيفون القصير ذي اللون الأخضر الذي ترتديه ، فإعتدل في نومته ، وفتح لها ذراعيه وهتف متحمساً :
-تعالي في حضن جوزك يا مزة

تعمدت بطة أن تسير ببطء شديد وهي تتجه نحوه لتتأكد من تأثيرها القوي عليه .. فإزداد حماسة ورغبة فيها ..
وضعت يديها في شعرها وحركته بطريقة تحمل من الإغراء ما دفعه للجنون .. فصاح بشوق :
-يخربيت جمال أمك
-هو في زيي يا .. يا عبده
قالتها بنبرة أنثوية فاجرة ، ثم أعقبتها بضحكة رقيعة جعلته يصفق بحماس ملتهب ..

ولكنها توقفت فجأة عما تفعل لشعورها بأنها مراقبة ..
حيث لمحت طيف شخص ما يظهر من عقب الباب ..
فتحولت عينيه إلى شعلتين من الغضب ، وإكفهر وجهها ، وتحولت من الرقة إلى الخشونة ..
نظر لها عبد الحق بإندهاش عجيب ، وسألها بإستغراب ب :
-في ايه يا ولية ؟ قلبتي كده ليه ؟

كورت قبضتها بغل ، وسارت نحو باب الغرفة ، وأمسكت بالمقبض وفتحته فجأة لتجد تلك العجوز الوقحة منحنية أمامها ..
إبتلعت إحسان ريقها بصعوبة وهي تعتدل في وقفتها .. بدت مصدومة من إفتضاح أمرها .. وحاولت أن تبدو غير متأثرة وهي تشرع حديثها ب :
-ف... في ايه يا بت ؟

وضعت بطة يدها في منتصف خصرها ، وإستندت بالذراع الأخر على الباب ، وحدجتها بنظرات مميتة وهي تجيبها ب :
-إنتي اللي في ايه يا حماتي ؟ واقفة عندك هنا ليه ؟!
رفعت إحسان حاجبها بطريقة ضجرة وحركته بعصبية ، ثم لوحت بيدها أمام وجهها وهى تجيبها بحدة ب :
-جرى إيه يا بت هو إنتي هاتقوليلي أقف فين في بيتي ؟

ردت عليها بطة بتذمر وهي تتعمد التمايل بخصرها لتثير إستفزازها :
-لأ مش هاقولك تقفي فين ، بس مايصحش تبصي على الراجل ومراته من خرم الباب وهما نايمين مع بعض !
وضعت إحسان كف يدها قبالة جبينها ، وصاحت مزمجرة ب :
-نعم يا روح أمك ، أبص على مين ؟ ما تفوقي لنفسك ، ده إنتي ماتجيش مَرَة في سوق النساوين

إحتقنت عيني بطة بعد تلك الإهانة المريرة التي تلقتها للتو ، وكزت على أسنانها وهي تعنفها بإهتياج ب :
-ولما أنا مش مَرَة ، حطاني في دماغك ليه
أشارت لها بإصبعها بطريقة مهينة ، ثم حذرتها بصرامة ب :
-لأ بقى ، اقفي عوج واتكلمي عدل معايا

إنفعلت بطة أكثر وأرخت قبضتها عن خصرها ، ولوحت بيدها ناحيتها ، وهتفت بنبرة بعصبية ب :
-أنا بأتكلم عدل ، الدور والباقي عليكي إنتي
لكزتها إحسان بقسوة في كتفها ، ثم دفعتها للجانب لتدلف إلى الغرفة وهي منزعجة الملامح ، وسلطت أنظارها على إبنها ، وصرخت فيه ب :
-واد يا عبده ، إنت هتسيب المحروسة مراتك تغلط فيا ، وأنت أعد كده زي خبيتها !

نهض عبد الحق من على الفراش ، وأجابها متذمراً :
-عاوزاني أعمل ايه يعني ؟
صرت على أسنانها وهي تأمره بحدة ب :
-هاتلي حقي منها

تشنجت بطة وهي ترى أسلوبها الخبيث في تحميلها اللوم دائماً دون أن تقترف أي خطأ ، فهدرت غاضبة وهي تشير بكلتا يديها ب :
-هو أنا غلطت فيكي عشان يجبلك حقك ، على رأي المثل ضربني وبكى ، وسابقني وإشتكى .
نفخ عبد الحق بإنزعاج جلي ، ثم صاح عالياً ب :
-يووووه ، هو الواحد ميعرفش يتهنى في بيته أبداً

وقفت بطة أمام زوجها ، وحدجت أمه بنظرات قاتلة ، ثم أردفت بعصبية ب :
-أمك هي السبب !!
إغتاظت إحسان من طريقة زوجة إبنها الفجة في الرد عليها ، فإهتاجت قائلة :
-داك مو لما يتنفخك

أشارت بطة بإصبعها محذرة ب :
-متغلطيش فيا
وجهت إحسان أنظارها نحو إبنها الذي عقد ساعديه أمام صدره ، وأطرق رأسه للأسفل في إحباط مما يحدث ، وهتفت فيه بحنق وهي تلكزه في ذراعه :
-شايف مراتك وعمايلها

أشاح بيده في الهواء وهو يجيبها بصوت هادر ب :
-يعني أموتها عشان ترتاحي يامه
تحولت مقلتيها لشعلتين حمراوتين من الغضب ، ثم إندفعت بثقل جسدها نحو بطة وهي تصيح بصوت متوعد ب :
-لأ هاموتها أنا

أمسكت إحسان بخصلات شعر بطة ، ولفتها على يدها عدة مرات لتحكم لسيطرة عليها ، وتضمن عدم إفلاتها ، وأجبرت رأسها على الإنحناء للخلف ، ثم إنتزعت بيدها الأخرى فردة ( شبشبها ) من قدمها ، وإنهالت عليها بالضربات المتلاحقة على أجزاء متفرقة من جسدها ، فصرخت الأخيرة مستغيثة ب :
-آآآآآآآآآآه .. يا خرابي ، الحقوووني

تفاجيء عبد الحق بما فعلته والدته ، فتدخل للحول بينهما ، وحاول تخليص زوجته من براثن والدته قائلاً برجاء :
-بالراحة يامه ، إيدك طارشة
دفعت إحسان إبنها بكتفها ، وإستمرت في ضرب بطة بعنف ، وهي تصيح بصوت غاضب ب :
-اسكت ياض ، أنا اللي هاربيهالك

تمكن عبد الحق من تخليص زوجته من يدها ، ونجح في إبعاد والدته للخلف ، ثم فرد ذراعيه في الهواء ووقف بجسده أمامها ، وهتف قائلاً بعصبية :
-حرام يامه ، هاتموت في ايدك

ذرفت بطة الدموع ، وتحسست ذراعيها وجسدها بكفيها بعد أن تراجعت لزاوية الغرفة ، ثم أردفت بصوت مختنق من البكاء وهي تعيد جمع خصلات شعرها ب :
-والله ما أعدالكم فيها
لوحت هي بشبشبها في الهواء ، وأجابتها بعدم إكتراث وهي تحدجها بنظرات متشفية ب :
-في ستين داهية

كادت مقلتي بطة تخرجان من محجريهما من شدة الغيظ ، وودت لو كان بيدها سكيناً حادًا لتقتل به تلك العجوز الفظة فوراً ...
ألقت إحسان بشبشبها على الأرضية لترتديه .. ثم ولجت خارج الغرفة بتفاخر ، ولم تكف عن ذم زوجة إبنها بألفاظ بذيئة ...
غمغم عبد الحق بكلمات مبهمة وهو يتابع والدته بنظراته المحتقنة ..

أسرعت بطة ناحية خزانة الملابس ، وأخرجت عباءتها السوداء لترتديها ، ولكن حاصرها عبد الحق بذراعيه عند ضلفة الخزانة متوسلاً السماح ب :
-ورحمة أبوكي ما تزعلي ، ده أنا مصدقت
ضربته بقوة في صدره وهي تهتف بتشنج :
-ابعد عني

إحتضنها هو بين ذراعيه للحظة ، ثم أسند كفيه على ذراعيها ، وهزها برفق قائلاً بعناد وهو ينظر لها بنظرات عاشقة :
-لأ مش هابعد ، ده أنا بأحبك يا بت
أزاحت قبضتيه عنها ، ورمقته بنظرات إستنكار وهي تنطق بحنق ب :
-بلا حب بلا نيلة ، كفاية إنك ساكت وأمك بتموتني من الضرب

بادر هو بالرد عليها ب :
-ما أنا حوشتها عنك
رفعت حاجبيها في إستهجان ، وقالت ساخرة :
-يا سلام .. كتر خيرك

أخفض عبد الحق نبرة صوته لتصبح هامسة ، وأسبل عينيه لها وهو يتأملها بإشتهاء :
-وربنا إنتي قمر ، وعينيكي زي حجر المعسل تظبط الدماغ
زمت شفتيها للجانب ، وتنهدت بإنزعاج وهي تجيبه ب :
-أعوذو بالله على تشبيهاتك

صمت كلاهما للحظات .. فأمعن عبد الحق النظر في شفتي زوجته ، وتأمل ملامح وجهها الجميلة ، وقرأت هي في عينيه رغبته الشديدة فيها ، فتعمدت أن تتنهد بحرارة لتزيد من لهيبه ..
وضع هو راحته على وجنتها ليتحسسها برفق ، فأغمضت عينيها في إستسلام للمساته الناعمة عليها .. ثم مال برأسه نحو رأسها ليشعر بأنفاسها المشتعلة تؤجج من شوقه فيها ..

إبتسم عبد الحق إبتسامة مراوغة وهو يقبلها من جبينها ، ثم حرك فمه نحو أرنبة أنفها ، وقبلها منه ، وهمس قائلاً :
-يالا بقى ، خلي آآآ...
صدح صوت مقيت من الخارج جعلهما ينتفضان في ذعر وهما يبتعدان عن بعضهما البعض ب :
-واد يا عبده ، تعالى عاوزاك ، مش هتفضل لازق للمصدية دي كتير

عبس وجه بطة مجدداً ، وتشنجت تعبيراتها ، ونظرت لزوجها بإزدراء قائلة :
-روح شوف أمك .. روح !!
نفخ عبد الحق من الغيظ ، و ضرب جانبيه بحنق ، وصاح بضيق بادي في نبرته ب :
-جاي يامه .. جاي

ثم تمتم بضجر مع نفسه ب :
-وربنا ما هترتاحي يامه إلا لما تجيبي أجلي !
وقفت تتابعته بنظرات ساخطة وهو يلج خارج الغرفة ، ثم ألقت بعباءتها على الأرضية ، وزفرت بإحتقان ب:
-يا أنا يا إنتي يا أم أربعة وأربعين في البيت ده...!

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني الفصول 1-10 للكاتبة منال سالم



رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الأول

تسمرت  تقى  عوض الله في مكانها ، ولم تتحرك قيد أنملة ، ف  أوس  الجندي كان لا يزال ممسكاً بكفيها المسنودين على باب السيارة ، ومحكماً لقبضتيه عليهما ..
ومع لمسته الخشنة لها ، كانت روحها النقية تحترق رويداً رويداً ..
نظر هو إليها بتمعن، ومرر عينيه القاسيتين على خلجات وجهها، وراقب بإهتمام شديد إرتجافة شفتيها الذابلتين، وأثاره شحوب لون بشرتها، وما زاد من نشوة إنتصاره هو رؤيته لبريق الذعر جليا في عينيها الزرقاوتين المتورمتين.. فحمرتهما تزيد من لهيب إنتقامه...
أخذ أوس نفساً مطولاً ، وزفره ببطء ، ثم قال بصوت رخيم :
-من اللحظة دي مكانك هيكون هنا ... معايا !

لن ينكر داخل قرارة نفسه أن حالة من الإنتشاء تسيطر عليه ، فقد ظفر بتلك التي فكرت يوماً أن تتحداه ، وآن الآوان لترهيبها ، وتلقينها ما لا يمكن أن تنساه ...
ثم ضيق عينيه لتصبحا أكثر حدة ، و أردف محذراً ب :
-ولو الشيطان وزك للحظة إنك تهربي مني ، صدقيني الجحيم بالنسبالك هايبقى جنة ... سمعاني ؟

كانت تقى تنظر إليه برعب تحاول إستيعاب تلك النقلة المفاجأة في حياتها ، فكلماته الغليظة كالسم الذي يسري في جسدها ليقتلها ببطء ..
لم تجب هي عليه في البداية ، فأثارت حفيظته ، فضغط على أصابعها المحاصرة بأصابعه ، فآلمها إلى حد ما ، وراقبت بتشفي تشنجات وجهها ، وتأوهاتها المكتوبة ، وإعتلى ثغره إبتسامة لئيمة حينما جعلها تنتبه إلى ما يقول ، ثم سألها بقسوة أشد :
-سامعة اللي قولته ؟!

إبتلعت ريقها في خوف واضح ، وهزت رأسها لعدة مرات في إستسلام مغري بالنسبة له ، وخرج صوتها ضعيفاً متردداً :
-أها .. ح.. حاضر
أرخى قبضتيه عن كفيها ، وإبتسم لها بقسوة ليستفزها ، ثم أشار لها بعينيه ، وهو يأمرها ب :
-اتحركي

سحبت تقى يديها المرتجفين من أعلى باب السيارة ، وكورتهما معاً ، وأطرقت رأسها للأسفل لترى آثار أصابع يده محفوره على كفيهما ثم رفعت رأسها فجأة بعد أن إنتفضت مذعورة حينما وجدت إصبعيه يمتدنان نحوها ويرفقعان بقوة أمام وجهها وهو يهتف بصرامة مخيفة :
-مش قولتلك اتحركي ، يالا ، مش هاستنى كتير

هزت رأسها تلقائياً لعدة مرات لتمتثل لأوامره منصاعة ، ورمشت بعينيها الخائفتين أمامه ، وتراجعت خطوة للخلف لتتجنب الإصطدام به حينما صفق الباب بيده القوية ، ثم لمحت بطرف عينها إبتسامة القاسية وهي تتجلى على فمه العنيد ..
أشار لها بإصبعه لتتحرك إلى الأمام ، فسارت بتردد ملحوظ تقدم قدم وتؤخر الأخرى نحو مدخل البناية التي أشار إليها ..
بينما تتبع هو خطواتها المتعثرة من الخلف ليتمكن من مراقبتها بتلذذ مريب وظل على ثغره تلك الإبتسامة المتشفية لتزيده غروراً وعنجهية وهو يرى إنتصاره يتحقق بسهولة كبيرة ..

مر كلاهما على حارس البناية الذي إنتفض فزعاً من على مقعده الخشبي شبه المتهالك حينما رأي أوس أمامه ..
كانت ساقيه تهتزان من أسفل جلبابه الرمادي القديم ، وأسرع يؤدي له ما يشبه التحية العسكرية ، وقال له بصوت متلعثم وهو يقترب منه :
-ن... نورت البرج يا باشا
حدجه أوس بنظراته الشرسة ، فتراجع الحارس للخلف ، وأطرق رأسه للأسفل في خزي بائن .. ثم أكمل سيره إلى الداخل

وقفت تقى حائرة في مدخل البناية ، تجوب بعينيها المرتعدتين جوانب ذلك المدخل الباهر ..
لفت أنظارها المرايا المتعددة على جانبي الجدران الرخامية ، وكذلك الشجيرات الصناعية المصفوفة على الجانبين ..
جف حلقها أكثر ، وإزدادت حاجتها للإرتواء بالمياه ، وأصبح جوفها أكثر مرارة ..
هي كالشريدة لا تعرف إلى أين تتجه ، وكيف سيكون مصيرها ، وما الذي يمكن أن يحدث لها بعد أن تصعد إلى الأعلى ..
كانت تخشى أن تجيب على تلك التساؤلات ، ولكن سريعاً ما أفاقت من حالة الشرود تلك على صوت من تبغضه ، فإستدارت برأسها قليلاً - على إستحياء – للجانب لتلمح شفتيه الغليظتين تنطقان بصرامة ب :
-الأسانسير من هنا .. تعالي

لم يكف أوس عن مراقبتها لثوانٍ مستمتعاً برؤيتها ضائعة عاجزة أمام قوته - وساديته - التي إتخذها منهاجاً لحياته ، ثم تحرك بخطوات واثقة نحو رواق جانبي صغير حيث يتواجد المصعد ...
تنهدت تقى في يأس وخضوع ، وتبعته دون أن تنبس بكلمة واحدة ، فليس هناك فرصة للإعتراض .. فهي لم تعد مليكة نفسها ..
كانت خطواتها أبطأ من المعتاد رغم جسدها الهزيل ، فهي تعلم أنها تتحرك قبالة مصيرها محتوم ..

كانت على وشك الإصطدام به نتيجة شرودها ، ولكنها لملمت شتات نفسها وتوقفت في اللحظات الأخيرة ، ورغم تقلص المسافة في تلك المنطقة الجانبية إلا أنها حاولت أن تخلق لنفسها مسافة آمان تحول بين إقترابه المحظور منها
تتبعت بعينيها ظهره المتصلب الشامخ أمامها ، ولاحظت فرق القوى الجسمانية بينهما ، وأدركت مدى ضئالتها بالمقارنة معه ، هي حقاً يمكن أن تسحق تحت قدميه ..
تراجعت بهدوء حذر خطوة للخلف ، وراقبته وهو مركز أنظاره على الأرقام المضيئة أعلى باب المصعد ، وراودتها فكرة الهروب منه ، وإستغلال تلك الفرصة في النجاة بنفسها ..

إلتفتت برأسها قليلاً نحو باب البناية الزجاجي ، وبدأت تحسب المسافة المطلوبة تقريباً للركض بأقصى سرعة فراراً من جبروته ، وحدقت بأعين حالمة في الطريق الذي كان الأمل بالنسبة لها .. وتسربت قوة خفية إليها ، لا تعرف من أين مصدرها ، ولكنها كانت كافية لتحفيزها على تنفيذ فكرتها الجامحة ..
ولكن...

قطع تفكيرها كف أوس القوي الذي أطبق على فكيها ، فإرتجفت كليةً أمامه ، وتلاشى بريق الأمل من عينيها لتحل محله لمعان الذعر الذي يشتهي رؤيته فيهما ..
أدار هو وجهها نحوه ، وظل ضاغطاً على فكها ، فحاولت أن تصرخ ،و لكن صدر منها أنيناً خافتاً ، ثم أحنى رأسه نحو رأسها قليلاً لتصبح المسافة بينهما سنتيمترات معدودة ، ونظر مباشرة بعينيه القاسيتين إلى عينيها ، فشعرت به يخترقها بسهولة ، ويقرأ أفكارها ، وبلهجة شرسة هتف ب :
-مش هتعرفي تهربي ، شيلي الفكرة دي من دماغك.

خرج صوتها ضعيفاً مكتوماً حينما حاولت أن تبرر ما لم تفعله ب :
-أنا .. آآ..
قاطعها بصوت حاد وصارم وهو يصر على أسنانه بقسوة ب :
-إنتي بتاعتي وبس ، حياتك مش ملكك ، دي تخصني ، فاهمة ، تخصني !!

ثم ضغط على فكها أكثر بأصابعه الجامدة ، فشعرت به يعتصر وجهها ، وتأوهت من الآلم ، وتوسلت له ب :
-آآآآه ، ماشي .. ماشي ، بس سبني ..آآه
أخذ أوس نفساً مطولاً ليسيطر به على حالة الإهتياج التي بدأت تجتاحه للنيل منها ، ثم زفره على مهل ، وأرخى ببطء أصابعه عن فكيها ، ثم رفع كفه فجأة للأعلى ، ليتلمس عن عمد وجنتها اليمنى ، ومسح عليها بإشتهاء ، فزادت نفوراً وتقززاً منه ، ومن طريقته ، ولكنه إبتسم بقساوة ليزيد من متعته ، وقال وهو يبتسم بشراسة لها:
-استعدي للي جاي في حياتك ....!!

توقف المصعد في الطابق الأرضي ، و فُتح بابه تلقائياً ، فأبعد أوس كفه عن وجهها ليضعه على كتفها ، فإقشعر بدنها ، ولكن أصابعه الغليظة عليه أجبرتها على الإندفاع إلى داخل المصعد معه ..
وما إن إطمئن لوجودها بالداخل ، حتى أرخى قبضته عنها ، وضغط بإصبعيه على زر الطابق المتواجد به منزله .....

في قصر عائلة الجندي ،،،،،

تحركت ناريمان بعصبية ذهاباً وإياباً في غرفة نومها ، لم تستطع إخفاء التوتر والإرتباك اللذين أصبحا رفيقيها في الأونة الأخيرة ..
ظلت هي تنظر بتوجس إلى شاشة هاتفها المحمول ، ثم تغمغم لنفسها بكلمات متشنجة ، ومن ثم تعيد وضع الهاتف على أذنها ..
حدث ناريمان نفسها بإنفعال ب :
-رد بقى يا ممدوح ، رد ..!

زفرت هي في غضب ، وتملكتها العصبية حينما لم تجد منه أي رد ، وألقت بالهاتف على الفراش ، ومن ثم قالت بيأس :
-أنا مش عارفة هاتصرف إزاي في المصيبة دي لوحدي !

ثم فركت أصابع كفيها بتوتر ملحوظ ، وأضافت متوجسة :
-ليان متعرفش عدي كويس ، وأنا أفتكر إن كان ليه مشاكل مع طليقته الأولى ، وكلامها زي ما يكون موجه ليا ..

جلست على طرف الفراش ، وتلاحقت أنفاسها بسبب اضطرابها ، فحاولت أن تضبط حالها ، ولكنها كانت عاجزة عن السيطرة على ما بها ..
نفخت بضيق وهي تحدث نفسها بإنزعاج ب :
أووووف ، ممدوح لازم يساعدني أمنع الجوازة دي مهما كان التمن ...!

ثم نهضت عن الفراش ، و مَشت نحو باب غرفتها ، وخرجت منها ، وهتف بصراخ عالي ب :
-عفاف .. يا عفاف ، تعاليلي أوضتي
-حاضر يا هانم
أجابتها المدبرة عفاف بصوت مسموع نسبياً وهي تصعد راكضة على الدرج ...

على الجانب الأخر ، أسندت ليان وجنتها على راحة يد عدي الذي كان يتلمسها بحنية زائدة ليبث في نفسها الطمأنينة ..
تنهدت هي في راحة زائفة وهي تستمع إلى كلماته المعسولة عن مستقبلهما المشرق معاً ، وأغمضت عينيها لتتمكن من رسم أحلامها الوردية ، وتتناسى - عن عمد - تلك الذكريات الخادعة مع من سلمته شرفها دون أن تكبده أي عناء ..

لم يكف عدي هو الأخر عن تفرس ليان ، والنظر إليها بنظرات تحمل من الخبث ما يمكن أن يدمرها إن علمت حقاً حقيقته ..
فهي بمثابة صيد سهل ، فرصة يمكن أن تعيد تعديل صورته ووجهته الإجتماعية في المجتمع
وهو لن يحتاج لأي مجهود ليظفر بها ويحسن من وضعه الإجتماعي الذي أسيء إليه على يد طليقته السابقة ..
إعتلى وجهه إبتسامة عابثة ، وإزداد ثقة في نفسه حينما تيقن من إستسلام ليان له ....

أطلقت ليان تنهيدات حارة تحمل من الهموم ما يُذيب الثلوج ، فتابعها عدي بإهتمام واضح ، ثم مال برأسه ناحية أرنبة أنفها ، وقبل طرفها بشفتيه ، ففتحت عينيها مذعورة مما فعل ، وتراجعت برأسها ، وكذلك جسدها للخلف ، وحدجته بنظرات مصدومة ، ثم هتفت فيه بعتاب زائف ب :
-إيه اللي عملته ده ؟

أعطاها إبتسامة مراوغة قبل أن يجبيها بنبرة دافئة ب :
-بأعمل اللي جه على بالي
-بس آآآ..

وضع هو إصبعه على شفتيها الملطختان بأحمر الشفاه المثير ليوقفها عن إكمال جملتها ، ثم أخفض بصره نحوهما ، وهمس بنبرة مهتمة ب :
-شششش .. أنا مبسوط وأنا معاكي ، متضيعيش حلاوة اللحظة

مد كفه ليمسك بكفها الموضوع على مسند المقعد ، فأسلمته له دون تردد وهي تبادله إبتسامة عذبة ، فتجرأ على أخذ كفها الأخرى بين راحتيه ، ثم أسبل عينيه قائلاً بهمس :
-أنا محظوظ إنك هاتكوني ليا يا ليان

وإنحنى برأسه ليقبلهما بشفتيه قبلة هادئة أثارت في نفسها مشاعر غريبة ومضطربة ، وجعلت قلبها يخفق بشدة ..
رقصت نفس عدي طرباً حينما رأى تأثيره الغير متكلف معها ، ونجح في رسم قناع الرومانسية على وجهه ليضمن وقوعها في شباكه المنصوبة ..
وحدث نفسه بغرور وثقة ب :
-إنتي ماينفعكيش إلا أنا ...!!!!

في الطابق الأول بإحدى البنايات الحديثة ،،،

وقف ممدوح ويديه موضوعتان في جيبي بنطاله السماوي يتأمل ذلك المكان الذي تم طلاء جدرانه حديثاً ، وتفحص بعناية شديدة كل جزء فيه ، وأخذ يرتب أفكاره الخاصة بترتيب وضعية الأجهزة والمعدات ...
بدى على قسمات وجهه علامات الإعجاب وهو يرى أحد العمال وهو يعلق اللافتة الخاصة بمعمله الجديد ، وإزدادت إشراقة عيناه وهو يقرأ إسمه المدون عليها ..

اقترب منه مهندس الديكور ، وتنحنح من خلفه وهو يضع يده على فمه ليلفت إنتباهه ، ثم أردف بنبرة رجولية خشنة ب :
-الديكور عجبك يا د. ممدوح

أومأ ممدوح برأسه موافقاً دون أن يجيبه ، فتابع المهندي حديثه بنبرة واثقة - وهو يشير بيده في أرجاء المكان - ب :
-إحنا هانحط هنا مكتب الإستقبال ، وهايكون من نفس لون الرخام الخارجي ، وهناك هانحط الكنب ، وآآآآ..

وضع ممدوح كف يده على كتف المهندس ، وقاطعه بهدوء عجيب وهو يرسم على وجهه تلك الإبتسامة السخيفة ب :
-اعمل اللي شايفه مناسب ، أنا سايبلك كل ال options ( الإختيارات )
-شكراً على الثقة دي يا د. ممدوح ، وإن شاء الله هايعجبك ال Finish بتاعي

زم ممدوح شفتيه قليلاً بعد أن أبعد يده عنه ، وضيق عينيه قليلاً ، ثم تحرك خطوة للأمام ، وأكمل بإهتمام وهو يشير بكف يده :
-أوكي ، تعالى نشوف المكتب بتاعي هاتعمل فيه إيه
إبتسم المهندس إبتسامة مصطنعة ونطق بحماس ب :
-حاضر يا دكتور
ثم تحرك كلاهما صوب أحد الأروقة الطويلة ، وتواريا عن الأنظار ..

في منزل تقى عوض الله ،،،،

سحبت الجارة إجلال المقعد المجاور لطاولة الطعام الصغيرة - التي تقع في منتصف غرفة الصالة – لتجلس عليه ، في حين قامت فردوس بصب الشاي الساخن من الإبريق المعدني القديم في كوب زجاجي ، ثم تنهدت في إنهاك ، وقامت بتقليبه بلا وعي ، ثم أسندت وجنتها على كف يدها ، وأردفت حديثها بنبرة حزينة ب :
-يا ريتني كنت صبرت ولا ظنيت فيها الوحش

مطت إجلال شفتيها للجانبين ، ثم رمقت فردوس بنظرات معاتبة ، قبل أن تجيبها بنبرة تحمل اللوم ب :
-قولتلك من الأول كده ، بس إنتي اللي خدتي الأمور على صدرك أوي ، والبت الغلبانة بنتك راحت فيها

قاومت هي عبرة تحاول السقوط من مقلتها ، وتحدثت بصوت مختنق وهي تشير بكلتا يديها ب :
-يا مين يدلني على طريقها وأنا أروحلها أخدها في حضني ..!
ثم ضمت ذراعيها إلى صدرها ، وربتت عليه لأكثر من مرة ، وتابعت بنبرة آسفة ب :
-آآآه .. أشوفها بس وأقولها حقك عليا ، أنا محقوقالك يا ضنايا

أغمضت فردوس عينيها لتنطلق عبراتها دون أي عائق ، وتغرق وجنتيها بالكامل ، ومن ثم أجهشت ببكاء مرير ، وأخذت شهقاتها في العلو .. وظلت تئن وتنوح بكلمات غير واضحة ..
أشفقت عليها إجلال كثيراً ، واقتربت منها ، ثم أسندت يدها على ظهرها ، وربتت عليه في حنو ، وتحدثت بصوت خافض ب :
-عيطي ياختي ، طلعي اللي جواكي
-آآآآآه يا حرقة قلبي عليها .. آآآآآه ، البت رمت نفسها في النار عشاني

هزت هي رأسها للجانبين ، ثم مطت شفتيها وهي تضيف بصوت هاديء :
-لا حول ولا قوة إلا بالله
-يا ريتني كنت مت ولا عملت الله عملته ده فيها ، يا رتني روحت في داهية ولا آآآ...
قاطعتها إجلال بنبرة معترضة وهي ترفع أحد حاجبيها ب :
-يا شيخة استغفري ربك وبلاش الكلام ده ، ادعيه إنه يجمعك بيها عن قريب ، وهو قادر على كل شيء

رفعت فردوس بصرها للسماء ، وناجت بصوت مرتفع متوسل ب :
-يا رب إنت اللي عالم بحالي ، يا رب رجعلي بنتي يا حي يا قيوم ..!

في قصر عائلة الجندي ،،،،

لاحقاً جاءت المدبرة عفاف إلى حديقة القصر الواسعة ، وسارت بخطوات ثابتة ومنتظمة في إتجاه ليان وعدي ، ورأت بعينيها الواسعتين عدي وهو ممسك بكفي ليان ، ويحتضنهما بين راحتيه ، فتملكها الإنزعاج ، ولكنها لن تبدي إعتراضها على ما يحدث أمام عينيها ، ففي النهاية ما هي إلا خادمة في هذا القصر الكبير ..
ظلت واقفة للحظات على مقربة منهما ، ولكن لم يعرها أحدهما الإهتمام ، لذا تنحنحت بصوت شبه مرتفع لتلفت أنظارهما إلى وجودها ، وبالفعل أرخى عدي كفيه ، فسحبت ليان يديها سريعاً ، وبدى عليها الإرتباك ، وأخفضت رأسها للأسفل لتتجنب نظرات عفاف لها ..

رسمت عفاف على وجهها إبتسامة زائفة ، وإدعت أنها لم ترْ شيئاً ، وقالت بصوت هاديء :
-ناريمان هانم عاوزة حضراتكم
-طيب .. روحي إنتي يا عفاف ، وإحنا جايين وراكي
قالها عدي بصوت عادي وهو يشير لها بعينيه لكي تنصرف ..

إبتسمت هي له إبتسامة مجاملة ، وأومأت برأسها موافقة وهي تجيبه بنفس الهدوء الإنفعالي ب :
-حاضر..
تابعها عدي وهي تنصرف مبتعدة عنهما ، ثم أطلق سَبة مسيئة لها ، ففغرت ليان شفتيها في ذهول ، ورمقته بنظرات متعجبة وهي ترفع كلا حاجبيها للأعلى ، ثم تسائلت بإستغراب واضح ب :
-إنت بتقول ايه ؟

ظهر شبح إبتسامة صفراء باردة من بين أسنانه وهو يجيبها بنبرة غير مبالية ب :
-متخديش في بالك ..!
ثم صمت لثانية قبل أن يتابع حديثه معها ب :
-تفتكري مامتك عاوزانا في ايه ؟
إكفهر وجه ليان ، وبدى عليه الإمتعاض ، وتنهدت في إحباط ، ثم أجابته بفتور ب :
-معرفش ، و I don't care ( لا أهتم )

ثم عقدت ساعديها أمام صدرها ، وأحنت رأسها في خزي ، و تذكرت كيف رأتها في أحضان رفيق العائلة المقرب ، ذاك الذي كانت تعتبره كوالدها ، وكيف كانت تبادله القبلات الساخنة دون أدنى إكتراث بوجودها معهما في نفس المكان .. وكيف دفعتها لتتهور وتسقط في براثن من إستغل سذاجتها ولعب عليها لعبة الحب لتسلم نفسها بيأس ..

لاحظ عدي شرود ليان ، فخشي أن يتركها لعقلها فتعيد التفكير في مسألة زواجهما ، فهي حالياً متقلبة المزاج ، وتتحرك وفق مشاعرها ، ولضمان نجاح زيجتهما عليه أن يكون شديد الحذر معها ، وحريصاً على ألا يفسد مخطته ، لهذا أسرع بمد يده ناحية وجهها ، ثم أمسك بخصلات شعرها المموج - التي يعبث بها الهواء - ولفها على أصابعه بحركة أثارتها ، وجعلتها تبتسم بعذوبة له ، ثم رمقها بنظرات رومانسية آسرت عينيها ، وبنبرة خافتة ولئيمة أردف ب :
-معلش حبيبتي .. لازم نشوف هي عاوزة ايه ، برضوه دي مامتك حبيبتك .!

نظرت هي لعدي بنظرات غريبة ، ولوت شفتيها في تهكم ، وقالت بسخط :
-هه .. اه هي فعلا مامتي حبيبتي !!!
تعجب هو من نظراتها الغير مفهومة تلك ، وما زاد من شكوكه هو النبرة المريرة التي تتحدث بها ، لذا أيقن أن هناك ما تخفيه عنه ، وأن هناك سراً ما يجهله ، فحاول أن يسألها بمكر ب :
-أنا حاسس إن في حاجة بينكم ، إحساسي صح ولا أنا غلطان ؟

تنهدت هي في إحباط ، ومسحت وجهها براحتي يدها ، ثم أسندتهما على جانبي أنفها ، وأغمضت عينيها في إستسلام ، وقالت بفتور :
-عدي بليز ، أنا تعبانة ، ومش عاوزة آآ...
قاطعها عدي بصوت حنون ب :
-ليان أنا مش عاوز أشوفك مضايقة ، أنا عاوز أخليكي على طول مبسوطة معايا ، وانسيكي أي حاجة وحشة شوفتيها في حياتك

رمقته هي بنظرات ساخرة من طرفي عينيها ، ثم لوت فمها للجانب في تهكم ، وأردفت بنبرة مريرة :
-صعب أي حاجة تتنسي بالساهل
ثم اطلقت تنهيدات مطولة ، وقاومت عبراتها التي تحاول الإنسياب من مقلتيها ..

أدرك عدي أن الوضع بات مشحوناً للغاية ، وأنه لا يمكن أن يترك زمام الأمور يفلت من يديه ، لذا مد إصبعيه ناحية وجهها ، ووضعهما على طرف ذقنها ، ثم أداره برفق ناحيته ، لتنظر هي بحزن له ، فأسبل عينيه لها ، ورمقها بنظرات دافئة والهة أشعرتها بإهتمامه الزائد نحوها ، فإنفرج فمها قليلاً ليرسم إبتسامة جافة عليه ..
مسح هو بإبهامه على ذقنها بحنو ، ونجح في وضع قناع الهدوء البارد على قسمات وجهه ، ثم أردف بنبرة رخيمة وهو يرمقها بنظراته المطولة ب :
-صدقيني ، أنا غير أي حد عرفتيه...
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثاني

إنغلق باب المصعد على كليهما ، فحبست تقى أنفاسها ، وتراجعت بجسدها للخلف لتلتصق بالمرايا الجانبية ، ثم أسندت كفي يدها على الحاملين المثبتين في منتصف المرايا لتعيد إتزانها المفقود ، فساقيها كانت كالهلام ، لا تقويان على حملها بالرغم من الصلابة الزائفة التي تدعيها أمامه ، وجسدها في حالة إعياء رغم تماثله للشفاء ، أما نبضات قلبها فكانت تتسارع بدرجة مخيفة ...

حاولت هي أن تضبط أنفاسها المتلاحقة ، وتسيطر على نوبة الرعب التي تمكنت منها حتى لا تنهار سريعاً ، وكذلك لكي تتمكن من التفكير فيما هو آتٍ بذهنٍ صافٍ ..
نظرت تقى بحذر بعينيها المرهقتين إلى أوس الذي كان متقدماً عنها بخطوة ، وراقبته بتوجس شديد ، فهي تخشى أن يباغتها بحركة ما تكون هي فيها عاجزة عن الدفاع عن نفسها ، فعقلها لم يتوقف للحظة عن التفكير فيما يمكن أن يفعله بها ، فتصرفاته يصعب التنبؤ بها ، وهي متأكدة من إستحالة ردعه طالما إنتوى أن يفعل أي شيء .. وبالفعل هي الضحية التالية لبطشه وجبروته اللامتناهي ..

إبتعلت تقى تلك المرارة المنتشرة في ريقها ، وقبضت بعصبية واضحة على حاملي المصعد ..
بدأت حبات العرق الباردة في التجمع على جبينها ، وتساقط البعض منها على حاجبيها ، فرفعت كفها لتمسحهم بحذر .. ثم تلمست خصلات شعرها المتلبد والملتصق بجبينها ، فببراءة أرادت إزاحتهم وتخبأتهم خلف حجابها – الذي ظنت أنها ترتديه – ولكنها أصدرت شهقة مكتومة حينما أدركت أن رأسها مكشوف ، وأن حجاب رأسها غير موجود بالمرة ..

اتسعت عينيها في فزع ، وتملكها الرعب بسبب شعورها الطاغي بأنها عارية بدون حجابها ، وأن كل من رأها طوال الطريق قد إستباح لنفسه التمتع بما يخصها ..
فإنسلت من عينيها دمعات خزي وإنكسار بللت وجنتيها وأنفها ، وكذلك شفتيها ..

أصدرت تقى أنيناً مكتوماً ، وحدجت أوس – ذلك البغيض الذي يزداد كرهها له يوماً بعد يوم – بنظرات قاتلة .. فهو من وضعها في ذلك الموقف المخزي ، هو من يتلذذ بتعذيبها دون وجه حق ، هو من يريد أن يحني إرادتها ويكسرها بلا هوادة بسبب ذنب لا تعرفه ولم ترتكبه .. وهو من أوصلها إلى تلك الحالة المزرية وأباح لنفسه ما حُرم عليه ...

وضعت يدها على وجهها مجدداً ، ومسحت عبراتها الملتهبة عنه ، وأسندت إصبعها على طرف أنفها حتى لا يسمع هو صوت بكائها المرير ..
في حين وقف أوس معتداً بنفسه ، متفاخراً بمآثره ، ولم يخلوْ وجهه من إبتسامة الإنتصار التي تزيده عنجهية وجبروت ... فهو لم يكنْ ليخسر أي تحدي مهما كلفه الأمر ، فقد إعتاد أن يفعل ما يريد وقتما يريد دون أن يكترث بأي أحد ، ولم يهتم يوماً بمشاعر من حوله ، فهو من أجبر نفسه – منذ الصغر - على أن يصبح شرساً ، قاسياً ، عنيفاً ، ومتحجر القلب .. ولم يترك أي سبيل للرحمة أو المغفرة في قلبه .. وعُرف بين الجميع بصفاته البغيضة .. وبات الكل يخشاه بحق ..
وها هو اليوم قد أوشك على الظفر بمعركته الأخيرة التي خاضها قبل فترة .. وأصبح قاب قوسين أو أدنى من كسر من تجرأت على مجابهته ...

فُتح باب المصعد ، فخرج منه أوس أولاً ، بينما تسمرت تقى في مكانها ، ورفضت ساقيها أن تنصاعا لها ، وتلجان للخارج ..
إستدار أوس بجسده كلياً للخلف ، وحدجها بنظرات صارمة من عينيه القاتمتين ، ثم هتف بغلظة فيها ب :
-وصلنا .. تعالي يالا
هزت رأسها نافية لعدة مرات بطريقة هيسترية ، وتشبثت بحاملي المصعد ، وقالت بصوت متقطع يحمل القليل من القوة :
-م .. آآ... مش هاجي
ثم سلطت عينيها المذعورتين عليه ، وترقبت بخوف بائن ردة فعله عليها ..

في نفس التوقيت أوشك باب المصعد على الإنغلاق وهي بداخله ، فأسرع أوس بمد ساقه ليعترض البابين المعدنيين فبقى المصعد مفتوحاً ...
ثم إندفع كالثور الهائج إلى الداخل حيث تقى القابعة في زاويته ، وأمسك بمعصمها الأيمن المرابط على الحامل ، وجذبه بشراسة من عليه ، ثم مد يده الأخرى ناحية كف يدها الأيسر ، وإقتلعه من مكانه ، وقبض على معصمها بعنف ، ثم ضمهما معاً ، وألصق رسغيها الموثوقين عنوة بصدره ، ورمقها بقساوة أشد بعينيه المخيفتين ، فشعرت بنظراته البشعة تخترقها ، وتحرق روحها ، ثم هتف غاضباً فيها ب :
-قولتلك مش بمزاجك تقبلي أو ترفضي ، إنتي خلاص مابقتيش ملك نفسك

ثم هزها بعنف قبل أن يتابع بنبرة متشنجة تحمل التحذير ب :
-فأحسنلك متعانديش معايا

حركت هي رأسها للجانبين رافضة لما يقول بطريقة لا إرادية ، وكأنها تؤكد له عدم خضوعها له بسهولة تامة ، وأن المعركة لم تحسم بعد كما كان يظن .. فهي ستظل تقاومه حتى النفس الأخير مما جعله يستشاط غضباً ..
ضم أوس رسغيها معاً بقبضة واحدة .. ثم ضغط على زر إيقاف المصعد ، وإندفع خارجه بنفس القوة والصلابة ساحباً إياها خلفه ..
كانت مقاومتها – مقارنة بإندفاعه – لا تذكر .. فقد إنساقت كالبهيمة ورائه ، وإلتفت ساقيها حول بعضهما البعض ، وتعثرت وهي تحاول الإبتعاد عنه .. لكنه جرها بلا هوادة خلفه ...
خرج صوتها ضعيفاً مبحوحاً متحشرجاً وهي تصرخ معترضة بيأس ب :
-سيبني لحالي ، حرام عليك ، أنا بأكرهك

لم يعبأ هو بها ، بل إستمر في جرها نحو باب منزله .. وما إن وصل إلى وجهته حتى إلتفت برأسه ناحيتها ، ثم رمقها بنظرات صارمة وعازمة تتأمل كل ذرة في وجهها ، وسريعاً ما ضيق عينيه ، وأردفت بنبرة محتدة وهو يكز على أسنانه ب :
-مش بمزاجك يا تقى تسيبني !!!!!

ثم ضغط بأصابعه القوية على رسغيها ليؤلمها أكثر ، وتابع بشراسة جلية ب :
-وهافضل أقولهالك لحد ما تفهمي ده
كور أوس قبضة يده الأخرى ، وضرب بها على جانب رأسها ، ثم رسم إبتسامة مستفزة على وجهه ، ونطق متوعداً :
-دماغك الناشفة دي هاكسرهالك ...!

نظرت هي إليه بنظرات مذعورة ، فتلذذ برؤيتها على تلك الحالة الواهنة ، وأراد أن يزيد من لذة إنتصاره تلك ، وإراعبها أكثر ، فأطبق بيده على فكيها ، وقرب وجهها لوجهه لتزداد إرتجافتها ، ثم لوى فمه قليلاً مستمتعاً بتحكمه الكامل بها ، وحدجها بنظرات حادة من عينيه القاتمتين .. فتخللتها بقوة ، وأشعرتها بمدى عجزها ، ومدى سطوته وجبروته ..
تلوت برسغيها وبجسدها محاولة مقاومته ، وحركت رأسها الأسير بين أصابعه لتبتعد عنه ، ولكنه كان متمكناً منها ، مسيطراً عليها تماماً .. فإزداد وهنها .. وحسرتها على حالها ..
لمح هو ذاك الوميض المرتعد المكسور في عينيها ، فإزداد ثقة على ثقة ، وسيطرت عليه عنجهيته وتسلطه ، ثم أردف بنبرة خشنة تحمل القسوة والتأكيد ب :
-وأنا مش بأسيب اللي يخصني أبداً ، حطي ده في بالك كويس ، سمعاني ...!

ثم أرخى أصابعه عن فكيها ، وشعر بالإنتشاء حينما رأى أثار أنامله محفورة على وجنتيها ، وأدار رأسه للجانب ، وإعتلى ثغره إبتسامة مراوغة ، ثم أولاها ظهره ، وأخرج ( سلسلة ) مفاتيحه الفضية ليضع المفتاح في مكانه بالباب ..
إنسابت العبرات الحارقة بغرازة على وجنتيها الذابلتين لتلهبهما أكثر ، فكل شيء بات قاتماً مقيتاً خالياً من الحياة بالنسبة لها ..
وضعت يدها على فمها لتكتم صوت بكائها ، لكن ذاك الأنين المكتوم كان يصم آذانها ..
فتح أوس باب منزله ، ودفعه بخفة بكفه للأمام لينفتح على مصرعيه ...
ثم إستدار برأسه مرة أخرى ناحية تقى ، ونظر إليها بنظرات جارحة متشفية وهو يرى حالة الإنكسار المسيطرة عليها ، ثم أمرها ببرود قاسي ب :
-خشي ، مش هانقف كتير برا !

أومأت برأسها موافقة وهي تمسح العبرات بكفها عن وجنتيها ، فهي لم يعد لديها أي رغبة في المقاومة ، فإستسلمت بيأس لأوامره ، وإنصاعت ساقيها له ، وسارت بخطوات واهنة – كالمغيبة - إلى الداخل ...

مرت تقى بجواره ، ولم يتحرك هو من مكانه ، بل تعمد أن تكون المسافة ضيقة ..
تحايلت هي على نفسها ، وإنكمشت بجسدها وهي تمرق للداخل خافضة العينين .. منكسة الرأس ، مسلوبة الإرادة ..
حدجها أوس بنظرات متشفية وشرسة وهي تمرق بجانبه ،
فهزيمتها تسليه كثيراً ، ورؤيتها خانعة تزيد من رغبته في الإستمرار هكذا معها ، وكسرها أكثر .. فهناك شيء ما خفي يدفعه لأن يفعل بها ما لا تطيق ..

ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى إستعادت تقى إدراكها الشعوري بعد أن صفق أوس الباب خلفه فإنتبهت له ..
إتسعت عينيها في ذهول ، ونظرت حولها بصدمة وريبة ، وإنفرجت شفتيها في خوف .. هي لا تعرف كيف إستسلمت بسهولة لأوامره ودلفت لداخل محبسها .. ولكن عند تلك النقطة أدركت أن أي سبيل للمواجهة لن يكون في صالحها .. فهي بين قبضتي جلادها الذي بات مستعداً تماماً للإنقضاض عليها والفتك بها إن خالفته ..
حاولت هي أن تبتلع لعابها الذي اختفى تماماً من حلقها الجاف ، وكافحت لتستجمع شجاعتها الفارة ، ثم بدأت نظراتها الزائغة تدريجياً تتسلط على من تمقته ..
رأت تقى تلك الإبتسامة القاسية و الماجنة على فمه ، ولمحت في عينيه وميضاً شيطانياً لئيماً يضيئهما ، فإنتفض قلبها فزعاً ، وتعالت دقاته حتى كادت أن تخرق آذانها ..

لن تنكر أن دمائها فرت من عروقها ، وأن عقلها أصبح مشحوناً بالرعب من مصيرها المجهول معه ..
شبكت أصابعها وكورتهم معاً حتى تخفي إرتجافتهم ، ثم عضت على شفتها السفلى وحاولت أن تبدو ثابتة أمامه رغم إنهيار كل دفاعاتها ..
تكشفت أسنان أوس وهو يمرر عينيه ببطء على كل جزء فيها ، مستمتعاً بحالتها المزرية تلك ، وما زاد من تسليته هو شعورها بهيبته وجبروته ..
حدجها بنظراتها الوقحة ، وهتف بقساوة وهو يضغط على كل كلمة :
-هنا يا .. يا تقى هتنفذي إتفاقك معايا .....!

في قصر عائلة الجندي ،،،،

هزت ناريمان ساقها الموضوعة فوق الأخرى بحركة ثابتة وهي مسلطة لعينيها على عدي الذي كان يبتسم لها إبتسامة باهتة ..
تفرست في ملامحه محاولة فهم ما الذي يدور في عقله لكي يعرض هذا العرض السخي على ليان رغم معرفته بما دار ، هناك أمر ما يدربه ، وهي ستحاول إكتشافه..
لاحظت ناريمان أنها شردت كثيراً ، لذا زمت شفتيها قليلاً ، ثم أردفت متسائلة بحنق ب :
-نويت تعمل ايه ؟

تنفس عدي بهدوء وهو يجيبها بثقة ، وبنظرات مغترة من عينيه الثاقبتين ب :
-كل اللي عاوزاه ليان أنا هاعمله أكيد
-أنا ماليش دعوة باللي هي تعوزه ، أنا اللي يهمني آآآ....

قاطعها عدي بنبرة جادة وهو يشير بيده ب :
-كل حاجة هاتتعمل على مستوى عالي جدا ، حاجة تليق بالعيلتين ومركزهم ..!

مطت هي شفتيها في إعجاب ، وتوقفت عن تحريك ساقها ، ومالت برأسها للجانب ، وتفرست في وجهه ، ورغم محاولتها الكبيرة إخفاء نظرة الإنبهار بما قاله ، إلا أن قسمات وجهها كانت تتحدث عنها ..
رأى عدي تلك الإبتسامة المخفية بين ثنايا وجهها ، فتملكه الغرور ، وتابع بثبات ب :
-وأنا هاخلي ناس متخصصة في الأفراح تتولى كل حاجة ، ده غير إن فستان ليان هايكون من مصمم مشهور ، وعلى ذوقها .. وكمان هاعزم كل نجوم المجتمع ، يعني هايكون من الأخر فرح مالوش زي

تنحنحت هي بخفوت ، ثم أردفت بإيجاز ب :
-أوكي ..
أرجع عدي ظهره للخلف ، وإستراح أكثر على الأريكة الذهبية التي يجلس عليها .. ولم يستطع أن يخفي تلك الإبتسامة المغترة من على ثغره ..
حدق هو أمامه ، وأسند مرفقيه على ذراعي الأريكة ، حدث نفسه بتوعد ب :
-شوية شوية يا حماتي ، وهاخلي بنتك تدفع تمن غلطتها ....!

في الطابق الأول بإحدى البنايات الحديثة ،،،،

تأمل ممدوح بنظرات مطولة تلك اللوحة التي وضعها أحد العمال على الجدار المقابل لمكتبه ..
كانت اللوحة عبارة عن رسمة لمزهرية مليئة بالأزهار البرية ذات ألوان هادئة .. تفنن رسامها في إبراز تفاصيلها بدقة واضحة مما جعل ممدوح يقبل على شرائها بثمن ليس بالقليل حينما تم عرضها بأحد ( المعارض الفنية ) ..

هز رأسه قليلاً ، ثم إستدار للخلف ، وتوجه ناحية مكتبه الجديد الموضوع في منتصف الغرفة ..
كان كل شيء مرتباً رغم وجود الأغطية البلاستيكية عليه ، ورغم هذا جلس على مقعده الجلدي الكبير ، وأراح ظهره للخلف ، ثم أغمض عينيه ليريحهما بعد أن دعك طرفي أنفه ..
كان الإجهاد وتجاعيد السن بادية أسفل جفنيه .. فهو لم يرتح لأيام بسبب تجهيز المعمل الخاص به ..

أخذ ممدوح نفساً عميقاً ، وزفره بتمهل .. ثم شبك قبضتيه معاً ، وظل يهز مقعده بحركة خفيفة .. ومن ثم فتح عينيه لينظر إلى سطح المكتب وما عليه من أوراق متراصة بطريقة فوضوية ..
تنهد في إنهاك ، وإعتدل في جلسته ، ثم مد يده ليعيد ترتيبهم ، ولكنه لمح اسم معمله على تلك الأوراق ، فإبتسم في رضا ، ولكن سرعان ما تلاشت إبتسامته حينما رأى ذلك الشعار المقارب في تصميمه لشعار المشفى الذي كان يعمل به في الماضي .. فشرد في ذكرياته الأليمة تلك ...
لم يكنْ لينسى أبداً ما قرأته عيناه ...

إنتفض ممدوح فزعاً من على مقعده بعد أن إطلع على نتائج التحليلات الحالية وقارنها بتلك السابقة التي أجرتها تلك الخريجة الشابة ناريمان ، فألقى بالأوراق جانباً ، وحدج مهاب بنظرات مميتة ، وهو يهتف محتداً ب :
-ازاي عاوزني أداري على الكارثة دي ؟ انت عارف ايه اللي ممكن يحصل لو حد عرف باللي هي عملته ؟!!!

ظلت أنظار ممدوح مسلطة على مهاب الذي نهض هو الأخر عن مقعده المقابل للمكتب ، وظل محدقاً به بنظرات ثابتة دون أن ترمش عيناه ، ثم بنبرة ماكرة أجابه ب :
-أومال أنا جايلك ليه ..؟
وصمت للحظة قبل أن يتابع ببرود بائن :
-يعني خدمة قصاد خدمة !

برزت عروق ممدوح من عنقه وهو يهتف صارخاً بإعتراض ب :
-يا سلام بالبساطة دي.
دار مهاب حول المكتب ، ووقف قبالته ، أسند يده على كتفه ، وضغط عليه قليلاً ، وأردف بنبرة جادة تحمل اللؤم ب :
-إحنا في إيدنا كل حاجة ، ومحدش هايعرف طالما هاتعمل اللي بأقولك عليه ..!

أزاح ممدوح كف يده بعيداً عنه ، ثم دفعه من كتفه ، وسار مبتعداً عنه ، وتوجه ناحية النافذة ، وظل محدقاً للحظات بها ، ومن ثم إستدار ليواجه مهاب ، وبنبرة شبه محتقنة صاح عالياً ب :
-دي مراتي اللي بتتكلم عنها !!!!
ابتلع ممدوح ريقه قبل أن يكمل بنبرة تحمل الغصة وهو يرفع أحد حاجبيه للأعلى ب :
-وكانت مراتك برضوه ، ولا نسيت ؟!!

كانت تعابير وجه مهاب هادئة للغاية ، لا يبدو عليه التأثر مما قاله رفيقه ، بل على العكس تماماً كان يبدو متماسكاً صلباً وكأنه يتوقع تلك المشاجرة ..
أخذ هو نفساً مطولاً ، وزفره بهدوء .. ثم تحرك في اتجاه ممدوح ليتابع بنبرة ماكرة ب :
-لأ مانسيتش .. وإنت كمان عاوز تخلص منها ، وتشوف حالك ، صح ؟ فأنا بأقولك على السكة ..!!

ظهرت علامات التوتر والإرتباك على قسمات وجه ممدوح ، فحاول أن يبدو طبيعياً ، ولكن فضحته عينيه التي لمعتا من مجرد طرح لفكرة ..
أخرج هو محرمة قطنية من جيبه ، ثم جفف بها حبات العرق الذتي بدأت بالتجمع على جبينه ، ثم أردف بنبرة مترددة ب :
-بس مش بالشكل ده !

ابتسم مهاب إبتسامة شيطانية ، وبرقت عينيه بقوة حينما تأكد من نوايا رفيقه الخبيثة تجاه تهاني ، وأيقن أنه يحتاج فقط للضغط عليه أكثر ، وتذليل العقبات أمامه من أجل إقناعه بمخططه في التخلص من تهاني نهائياً ، وبالتالي سيتمكن من إنقاذ ناريمان من الأخطاء الفادحة التي إرتكبتها في تشخيص نتائج بعض التحليلات وتسببت في إلحاق الأذى ببعض المرضى ..
تنحنح هو بصوت خشن ، ثم أردف بنبرة واثقة ب :
-خلي قلبك جامد يا ممدوح

وقعت عيني ممدوح على صورة فوتغرافية صغيرة لطفلتيه الرضيعتين موضوعة في إطار فضي على سطح مكتبه .. فنفخ في ضيق ، ثم أردف بنبرة محتدة ب :
-الكلام ده كان قبل ما تبقى أم بناتي

وقف مهاب إلى جوار ممدوح ، ولف ذراعه حول كتفه ، ثم ربت عليه عدة مرات ، فإستدار الأخير برأسه للجانب قليلاً ، فإبتسم له مهاب ، وتابع بنبرة هادئة ب :
-يا سيدي بناتك هانجبلهم مربية تاخد بالها منهم !

ضيق مهاب عينيه لتصبحا أكثر قتامة ، ثم أكمل عبارته بصوت محذر ب :
-لكن وجود تهاني هيودينا كلنا في داهية ، فلازم نخلص منها !

أزاح ممدوح ذراع مهاب من على كتفه ، ونظر إليه شزراً ، ثم هتف بحنق ب :
-إنت ايه يا مهاب ؟؟؟!!!!

جمد مهاب ملامح وجهه ، وبنظرات خاوية ، ونبرة باردة أجابه ب :
-أنا عاوز مصلحتك يا ممدوح !

ثم اقترب منه أكثر ، ونظر مباشرة في عينيه ، وأكمل بخبث ب :
-مش إنت عاوز تتنعم بفلوسها ، ويبقى عندك كل حاجة ؟!

إتسعت عيني ممدوح قليلاً ، وشرد لوهلة ، ومط شفتيه وهو ينطق بخفوت حذر ب :
-مممممم... هاه

مال مهاب على أذنه ، وأردف بنفس النبرة اللئيمة ب :
-إحسبها معايا ، فهتلاقي إن احنا مقدمناش غير نعمل كده

وضع ممدوح إصبعيه على طرف ذقنه ، وظل يفركه بهما بثبات ، فالوضع برمته مقلق ، ومثير للمتاعب .. وبالتالي أي خطوة سيخطوها هو يحتاج إلى دراسة واعية حتى لا يقع في المحظور ، ويدفع ثمن تلك الجرائم ..
صمت لبرهة ، فلم يمانع مهاب في مقاطعته ، بل ارتسم على وجهه إبتسامة إرتياح ، فهو يرغب بشدة في أن ينفذ مبتغاه على أكمل وجه كي يظفر بكل شيء..
زفر ممدوح بإنزعاج ، وظل يتمتم مع نفسه بكلمات مبهمة ، ثم تنحنح بخشونة ، و سأل رفيقه بجدية وهو يضيق عينه اليسرى ب :
-طب وإنت مصلحتك ايه من ده كله ؟

أجابه مهاب على عجالة ، ودون أن تطرف عيناه ب :
-ولا حاجة

إزدادت نظرات ممدوح الحادة له ، وتابع بصوت متصلب ب :
-عاوز تفهمني إنك بتعمل كل ده لله ، أكيد هاتطلع بحاجة من الموضوع ده !!!!

إرتبك مهاب قليلاً ، ولم يعرف بماذا يجيبه في البداية ، فحاول أن يخفي توتره هذا فأسرع بتغيير الموضوع ، وبنبرة مكترثة نطق بتلهف ب :
-سيبك انت مني ، وركز بس في التحاليل دي .. !

تأكد ممدوح من ظنونه ، فإبتسم إبتسامة سخيفة له ، و رد عليه بإيجاز :
-وماله !

ثم عاود الجلوس على مقعده ، وأمسك بأوراق التحاليل المتبعثرة .. وجمعها بهدوء .. وتطلع إليها ، ثم نظر إلى مهاب وبادر ب :
-ماشي ، سيبلي الورق ده وأنا هاشوف هاتصرف إزاي !!!

أفاق ممدوح من شروده ، وترقرقت في عينيه عبرة ، لا يعرف من أين أتت .. ولكن ذكرى وفاة رضيعتيه ، حركت في نفسه شيء ما ..
تنهدت في آسى ، ثم مر بباله طيف ما صار بعدها من تطور للأمور وتلفيق إتهامات باطلة لتهاني ، وطردها بعد سلبها أموالها قد أثار حنقه ..
فإكفهر وجهه ، وتشنجت عضلات وجهه .. وإزداد إنعقاد حاجبيه ، وحدث نفسه بصوت مسموع ب :
-قريب أوي يا مهاب هايجي وقت الحساب على اللي فات كله ...... !!!

في مشفى الجندي الخاص ،،،،

دفع مهاب باب غرفة العمليات بهدوء بعد أن لفظ المريض حياته بالداخل ..
إندفع نحوه أهل المريض ليسألوه عنه ، فأجابهم بنبرة جامدة ووجه خالٍ من التعابير :
-البقاء لله

تعالت أصوات الصراخ الممزوجة بالعويل في الرواق ، فلم يهتم هو بمشاعرهم المكلومة ، وأكمل سيره بثبات نحو المصعد ..
ركض خلفه الطبيب حسن وهو يصيح عالياً ب :
-د. مهاب ، د. مهاب

إلتفت له نصف إلتفاتة برأسه ، وسأله بجمود :
-خير يا دكتور حسن

إلتقط الطبيب حسن أنفاسه ، ثم أجابه بتلهف ب :
-في دعوة جت لحضرتك لحضور المؤتمر السنوي للأطباء بالنمسا

مط مهاب ثغره للأمام ، ثم رد عليه بهدوء :
-مممم.. تمام

عقد حسن ما بين حاجبيه وسأله بجدية قائلاً :
-حضرتك هاتروح المؤتمر ؟

دلف مهاب إلى داخل المصعد ، ثم أجابه بإيجاز :
-هاشوف

توقف حسن أمام باب المصعد ، وبنظرات ثابتة ، ونبرة هادئة هتف بإهتمام :
-طيب يا ريت حضرتك تبلغني يا دكتور هاتعمل ايه عشان أقدر أظبط جدول مواعيد العمليات

أومأ برأسه وهو يجيبه بنبرة رسمية قائلاً :
-اوكي .. نتكلم فوق في مكتبي

ولج حسن هو الأخر إلى داخل المصعد ، وهو يجيبه ب :
-حاضر

فكر مهاب - وهو في طريقه إلى مكتبه - في إستغلال تلك الفرصة للهروب مما يحدث ، ومن الكآبة التي تسيطر عليه في تلك الفترة ..
فنريمان هي المتولية زمام الأمور حالياً خاصة فيما يتعلق بزيجة ليان ، ودوره هامشي مقارنة بها .. أما أوس فإصراره على الإرتباط بتلك البائسة الحقيرة - التي لا يعرف من أين جاءت وكيف إقتحمت حياة إبنه لتفرض وجودها عليه - جعل التوتر بينهما في أوج ذروته ، وهو يحتاج إلى فاصل نفسي يتيح له فرصة التفكير الذهني السليم الذي يمكنه من إستعادة السيطرة من جديد على مجريات الأمور ....

في أحد النوادي الراقية الخاصة بالمجتمع المخملي فقط ،،،،،

ألقى سامي الجندي بهاتفه المحمول على الطاولة التي يجلس عليها بعد أن قرأ البريد الإلكتروني الخاص به ..
نفخ من الغيظ وهو يحدث نفسه بحنق ب :
-خربت بيتي يا ابن مهاب ، ده أنا شوية وهاعلن إفلاسي على ايدك !

ظل ينظر حوله بأعينه المحتقنة وهو يتخيل نظرات الشماتة الممزوجة بالحقد من هؤلاء المحيطين به وهم يرونه يطرد وتلغى عضويته من النادي ، بالإضافة إلى بيع ممتلكاته في مزاد علني لسداد ديونه ، والمصيبة الأكبر أن يتم الزج به في السجن ما لم يسدد المستحقات المتأخرة ....
نعم .. ربما تكون أيام بقائه وسط تلك الطبقة باتت معدودة على أصابع اليد ، فهو لن يستطع تدبر الأموال الكافية للإنفاق على أسرته ببذخ كما إعتاد أن يفعل من قبل .. أو حتى ليتمكن من العيش في إستقرار مؤقت ..
ضاقت به السبل وهو يحاول التفكير في مخرج لذلك المأزق الكبير ..

ضرب بقبضته بعنف على الطاولة ، فإنسكب كأس المشروب البارد عليها ، وتناثر البعض منه على حلته السماوية فصبغتها بلونه ، فهتف محتداً ب :
-يادي القرف ، كنت ناقص ده كمان

نهض سامي عن مقعده ، وجاب ببصره المكان بحثاً عن أحد الندلاء ، وحينما لمحه صاح بإهتياج جعل من حوله ينظر له بإستغراب :
-إنت يا زفت ، تعالى نضف القرف ده ، اتعلموا إزاي تشوفوا شغلكم صح !!!

نظر له النادل بإندهاش بعد أن ركض نحوه ، فهو لم يرتكب أي خطأ ليتلقى هذا الصراخ العنيف ، ولكنه إعتاد على مثل تلك النوعية من الأشخاص .. فإكتفى بالإنحناء أمامه لينظف الطاولة ، وأردف بهدوء حذر ب :
-أسف يا فندم ، لحظة وكل حاجة هترجع زي الأول

حدجه سامي بنظرات محتقنة ، ورد عليه بعصبية قائلاً :
-مافيش حاجة بترجع زي ما كانت

تنحنح النادل بصوت خشن ، وأكمل بحذر :
-يا فندم اطمن ،أنا بنفسي هاخد الجاكيت انضفه وأرجعه لسيادتك أحسن من الأول ، عندنا المتخصصين في كده ، لحظة بس

نظر سامي إلى النادل بنظرات مطولة وغريبة ، وكأنه شرد يفكر في شيء ما ..
تعجب الأخير من تلك النظرات التي لم يفهمها ، فتنحنح مجدداً ، وأردف بهدوء :
-ممكن الجاكيت يا فندم

خلعه سامي بهدوء غريب لم يتوقعه النادل منه ، ثم أعطاه إياه ، وجلس على المقعد وعقد ساقيه معاً ، وحدق في الفراغ .. وظل صامتاً لبرهة إلى أن إنصرف الأخير من أمامه بعد أن أسند الجاكيت على ذراعه ، وحمل الصينية المعدنية بيده الأخرى .. فغمغم مع نفسه قائلاً :
-الحل لكل اللي أنا فيه هو إني .. إني أتخلص منك يا أوس ...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثالث

في دار رعاية المسنين
حدقت تهاني بسقفية الغرفة ، وأمعنت النظر فيها بدقة غريبة .. فلون الطلاء ذكرها بحالها وهي قابعة في ذاك المشفى النفسي بعد أن إنهارت أمام مكتبها المحترق بأطفالها الصغار ..
كان شعوراً قاسياً للغاية .. أن تفقد كل شيء في لحظة واحدة ، أن تتدمر عائلتها ويتخلى عنها زوجها .. وتتحول من أم مكلومة فقدت فلذات كبدها إلى مجرمة مدانة ومهددة بالعقاب الوخيم على جرائم لم ترتكبها ..

لم يستطع عقلها تحمل كل تلك الصدمات دفعة واحدة ، فإنهار ، وإنهارت معه .. فواقعها أسوأ بكثير من أن تعيشه بكامل قواها العقلية ..
وها هي اليوم تستعيد جزءاً بعد الأخر من ذلك الماضي المرير ..
أغمضت عينيها لتترك لعبراتها الفرصة للإنهمار لتغرق وجنتيها ووسادتها ..
شهقت بصوتٍ مكتوم وهي تردد :
-خدوا مني كل حاجة ، ورموني .. حرقوا قلبي وحرقوني .. آآآآآه .. آآآآآه

تعالت شهقاتها المصحوبة بالعويل وهي تبكي بحرقة .. فإنتبهت لصوتها المشرفة المتواجدة بالخارج ، فولجت إلى الغرفة ، ونظرت إليها بإشفاق ، ثم تحركت نحوها ، ووقفت أمام الفراش ، ورمقتها بنظرات ساخطة ، وهي تردفت بضيق :
-خلاص يا تهاني ، مش كل يوم الموال ده !

أولتها تهاني ظهرها بعد أن نظرت لها شزراً ، ثم أكملت نحيبها بصوت مكتوم ، فزفرت المشرفة بإنزعاج ، ولوت فمها للجانب ، وتابعت بإمتعاض :
-خلاص براحتك ، أنا غرضي مصلحتك ، هاتفضلي تنكدي على نفسك ، ومحدش هاينفعك بحاجة

لم تجبها تهاني بل ظل يتردد صوت أنينها المختنق ..
نفخت المشرفة مجدداً ، ورمقتها بنظرات غير مبالية ، ثم تراجعت مبتعدة عنها وهي تحدثها ببرود قائلة :
-على العموم أنا بأفكرك إن ميعاد الأكل بعد نص ساعة ، لو مجتيش أنا هابعتهولك هنا

صرت تهاني على أسنانها من الضيق ، وتشبثت بوسادتها ، وحدثت نفسها بتشنج وهي تذرف دموعها ب :
-خدوا كل حاجة مني وسابولي العلقم والمُر اطفحه لوحدي .. آآآآآه !!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،

إزدادت إرتجافة تقى وهي تقف بمفردها في منتصف الصالة الواسعة بمنزل ذلك الهمجي الذي أجبرها على المجيء معه إلى منزله ..
كانت تلوم نفسها لألاف المرات لخنوعها له ، ثم تحاول تبرير موافقتها على مطالبه المجحفة بأن الوضع مؤقت وأنه لم يكن أمامها أي بديل أخر ..
كانت نظراتها زائغة ، وقلبها ينبض بقوة بين ضلوعها ، أنفاسها لاهثة رغم إنتظام تنفسها .. فكل شيء من حولها بوحي بخطر محدق بها ..

راقبها أوس بنظرات متشفية متلذذاً برؤيتها ذليلة خاضعة له ..
ورغم تعابير وجهه الجامدة إلا أن عينيه كانت توحيان بشر دفين ..
تحرك هو في إتجاهها بثبات ، فإنتفضت فزعة في مكانها ، ونظرت بذعر له ، وتراجعت بيأس للخلف – رغم تأكدها من عدم وجود أي مهرب لها من سجنها الحالي – محاولة تجنبه ..

توقف هو عن الحركة ، ثم وضع يده في جيبي بنطاله ، وإنتصب في وقفته مزهواً بنفسه ، ثم هتف بصرامة ب :
-ده المكان اللي هاتقعدي فيه الفترة اللي جاية كلها ، ومش مسمحولك تخرجي من هنا
أومأت برأسها عدة مرات موافقة ، ورمشت بعينيها بتوتر ملحوظ ، ثم ابتلعت ريقها .. ولم تعقب ..

إستدار أوس برأسه للجانبين ليتأمل منزله ، والذي كان يحتاج إلى نظافة جادة ، بنظرات غير مبالية .. ولوى فمه قليلاً في تأفف ، ثم أخرج يده من جيبه ، ووضعها على طرف أنفه ، وحكه قليلاً ، وتحدث بصوت خشن وآجش ب :
-ده بيتي ، حاجة تخصني زيك بالظبط .. صحيح هو مش متروق بس يقضي الغرض ..!

اختلست تقى النظرات من طرف عينها لترى ذلك المكان ، فلمحت عدة زجاجات فارغة على إحدى الطاولات المسطحة والمنخفضة .. وكذلك كؤوس وأكواب زجاجية ملاقاة بجوارها ..
تحرك بؤبؤ عينيها ناحية تلك الزجاجات محاولة استكشاف طبيعتهم ، فرأت تلك التحف الغالية الموضوعة على المرآة الذهبية الكبيرة .. كما رأت أيضاً غرفة الطعام حديثة الطراز ، والأرائك الجلدية البيضاء الموضوعة بالقرب منها ..

كان أثاث المنزل يبدو باهظ الثمن رغم عدم إنتظامه ، ولكنها لم ترْ مثله من قبل إلا في الأفلام التي تتحدث عن الأثرياء ..

راقبها هو بصمت ، وظل يدرس تعبيرات وجهها المصدومة مما تراه حولها ، ثم فرقع بأصابعه أمام وجهها ليلفت إنتباهها الذي كان منصباً على تأمل المكان بحذر ..
إرتعش جسدها على ذلك الصوت القوي ، وإنتبهت له ، وضيقت عينيها لتنظر إليه بتوجس شديد ..
زم أوس شفتيه قليلاً ، ثم تشدق ب :
-أنا هانزل شوية وراجعلك تاني ..!

ثم صمت للحظة قبل أن يتابع بنبرة قوية ب :
-بس مش راجع لوحدي يا .. يا عروسة !!!

جحظت عينيها حينما سمعت ذلك اللقب الذي أطلقه عليها ..
في العادة تخجل الفتاة وتحمر وجنتيها حينما يتم نعتها بالعروس، ولكن في حالة تقى، إزداد شحوب وجهها، هربت الدماء من عروقها، تراقصت العبرات في مقلتيها..
تمعن أوس في رد فعلها – المسلي – وإرتسم على ثغره إبتسامة إنتصار ، ثم أردف بصرامة ب :
-جهزي نفسك لليلة فرحك

-أنا ..آآ.. ..م...مش موافقة ...!
قالتها تقى بصوت مرتعد وصادم بالنسبة له ..
هي لا تعرف من أين أتت لها الشجاعة لتجيبه بذلك الرد المفاجيء ، ولكن تعابير وجهها المذعورة ، ونبرة صوتها الخائفة جعلته يقهقه بطريقة عالية ساخراً منها ، ومستهزئاً بشجاعتها الزائفة ..

وفجأة توقف عن الضحك ، وعبس بوجهه ، وضيق عينيه القاتمتين ، وحدجها بنظرات مميتة ، فإنتفض قلبها ، وتعالت دقاته ..
وتراجعت بقدميها المرتعشتين للخلف .. وضمت يديها إلى صدرها ، ونظرت إليه بخوف شديد ..
سار أوس في اتجاهها بخطوات قوية محدثاً صوتاً حاداً على الأرضية الرخامية اللامعة ..
إلتصق ظهرها بالحائط ، فإلتفتت برأسها كالمذعورة للجانبين محاولة البحث عن أي مهرب لها .. ولكن للأسف لم تستطعْ ، فقد حاصرها أوس بذراعيه ، حيث أسندهما على الحائط ، فأصبحت هي أسيرته ( العذراء ) ..

لم ترمش عينيه للحظة وهو ينظر لها بقساوة لم تعهدها أبداً في حياتها إلا منه ..
لم تهتز عضلة واحدة من جسده وهو متصلب أمامها محاصراً إياها دون أن يلمسها ..
إزدادت إرتجافتها ، وإنتفضت كالفرخ بين ذراعيه ، وحاولت أن تستجمع شجاعتها المصطنعة مرة أخرى ، ولكن هيهات ، فكل شيء تلاشى تماماً .. وحل محله الخوف والرعب ..

راقب أوس كل حركة مذعورة تصدر منها بغرور وتفاخر ، فهو يرى في هزيمتها وإنكسارها إنتصاره عليها .. تلك التي تجرأت عليه يوماً ...
حرك هو ذراعه الأيمن قليلاً ناحية وجهها ، فأبعدت رأسها بذعر للجانب ، وإنكمشت على نفسها ، وتشنج كتفيها ، وإرتجفت شفتيها ، وتحركت عينيها الزرقاوتين برعب ، ورمشت بأهدابها الكثيفة بلا توقف ، فإعتلى ثغره إبتسامة لئيمة وهو يرى كم الخوف الذي تعانيه من مجرد حركة أصدرها ..
تملكه الغرور أن يزيد من حدة خوفها ، لذا مد إصبعيه نحو خصلات شعرها المتلبد ، وأمسك بخصلة ولفها حول إصبعيها ، فإهتزت رأسها بخوف أشد ..
ثم من بين أسنانه القوية ، تحدث بشراسة ب :
-سمعيني قولتي إيه كده تاني

-أنا .. أنا م ..م آآ..
خرج صوتها ضعيفاً متقطعاً متلعثماً وهي تحاول إجابته ..
رفع أوس نبرة صوته لتصير أكثر حدة وصرامة وهو يهتف بعنف ب :
-أنا محدش إتجرأ على إنه يعصيني !

ثم جذب خصلة شعرها أكثر ، فصرخت متألمة ، وأغمضت عينيها الدامعتين ، فحدجها بإزدراء ، وزاد من جذبه لها ، وكز على أسنانه وهو يضيف بجموح :
-واللي فكر بس يعمل كده ، أنا بأدفنه تحت رجلي ...!!

إنسابت العبرات على وجنتيها ، وحاولت أن تتحدث ، ولكن خرج صوتها مختنقاً مكتوماً حينما أردفت ب :
-أنا .. أنا عاوزة .. ح...حد من أهلي يكون معايا .. بس .. !!

أرخى هو إصبعه إلى حد ما ، ولكنه لم يفلت خصلة شعرها .. ثم ردد ببرود ب :
-أهلك !!!!

أومأت برأسها عدة مرات ، وأجابته بنبرة مرتعدة وهي تنظر إليه بخوف :
-آآ.. أيوه ، أنا مش طالبة أكتر من كده

لوى فمه قليلاً لتبرز أسنانه من جانبها ، ثم مال برأسه عليها ، فتقلصت المسافة إلى سنتيمترات معدودة ، فخشيت على نفسها أن يرتكب حماقة ما ، فأغمضت عينيها ، وتشنجت قسمات وجهها ، فلمح هو ذلك العرق النابض أعلى عنقها ، فعض على شفته السفلى ، ثم اقترب من أذنها ، ونفث أنفاسه عليها قبل أن ينطق بصوت خافت يحمل السخرية :
-ده على أساس إنك عروسة !!

إبتلعت هي إهانته بمرارة ، فجوفها صار كالعلقم ، ثم فتحت عينيها ، وجاهدت لتبعد عنه وجهها - الذي كان قاب قوسين أو ادنى من لمسه - وأجابته بتلعثم ب :
-أنا ... أنا مش آآآ...
تشنجت أكثر وهي تتحدث ، فبات صوتها مبحوحاً غير واضحاً ، فأبعد أوس رأسه للخلف ، وأرخى ذراعه الأيسر .. ولكنه ظل ممسكاً بخصلة شعرها ، وسألها بحدة :
-ها .. مش ايه ؟
صمتت ولم تجبه ، فإغتاظ منها ، وصرخ بعنف فيها ب :
-إنطقي !!!

ببسالة أمسكت تقى بخصلة شعرها ، وجذبتها من إصبعه ، ثم إنسلت من بين ذراعيه ، لتتراجع عدة خطوات مبتعدة عنه ، ونظرت إليه بحذر ، وأجابته بنبرة مريرة ب :
-أنا مش عروسة زي ما بتقول
نظر أوس إليها بعد ما فعلته بنوع من الإعجاب ، ثم زم ثغره ، وأردف بنبرة جادة ب :
-ممممم .. حركة جريئة منك ، هاعديها بمزاجي

ثم عقد ساعديه أمام صدره ، وتأملها بتمعن شديد .. فهي كانت ترتجف رغم تلك الشجاعة الزائفة التي تحاول إظهارها أمامه ، فعينيها تفضحاها ، وشفتيها الذابلتين لا تستطيعان إخفاء صك أسنانها .. فكل ذرة في كيانها تصرخ من الخوف ..

ابتلعت تقى ريقها مجدداً ، ونظرت له بتوجس .. فهي لا تدري خطوته القادمة معها .. هي مازالت تجهل تصرفاته المباغتة رغم يقينها بنواياه الغير بريئة ..
ساد صمت مليء بالتوتر للحظات قبل أن يتسائل هو بصوت قوي وجاف ب :
-أومال إنتي ايه بالظبط ؟

ضمت هي قبضتي يدها معاً ، وألصقتهما بصدرها اللاهث .. ثم بنبرة مهزومة أجابته ب :
-أنا بأعتبر نفسي واحدة محكوم عليها بالموت
قهقه أوس مجدداً بعد أن حل ساعديه ، وأرجع رأسه للخلف لتزداد ضحكاته الساخرة والمستهزأة بها ..
ثم صمت فجأة لتتحول قسمات وجهه للصرامة والعبوس ، وحدجها بنظرات قاتلة وهو يرد عليها بحدة ب :
-ده مصيرك معايا يا تقى .. الموت ...!!!!

احتقنت عينيها بحمرة غاضبة ، وتسربت بعض الدماء التي تغلي في عروقها إلى وجنتيها ليتورد وجهها الشاحب قليلاً ..
أكثر ما أشعل غيظها هو إستهانته بحياتها ، وإستخافه بقدسية الزواج .. فهو لا يقدر قيمة الزواج ولا الشرف ولا العائلة ولا أي شيء .. الأمر سيان بالنسبة له ..
هو يعتبرها مجرد تسلية رخيصة ، فتاة يسعى بإنتقام أعمى لكسر كبريائها ، وتحطيم نفسها ، وتدنيس روحها النقية ..
وبالنسبة لها حضور عائلتها الوحيدة كافٍ لكي تتحمل قسوته اللامتناهية معها بعد أن سلبها رغماً عنها حريتها ..

أنزلت تقى قبضتيها إلى جانبها ، وعضت على شفتيها .. لم يعدْ لديها ما تخسره ، والأمل الوحيد لكي ترى عائلتها وتطمئن على والدتها هو بحضورهم إلى هذا المكان ، ورؤية والدتها لعفة ابنتها ، والتأكد من طهرها وحسن سيرتها ..
لذا تجرأت مجدداً وجازفت بتكرار مطلبها ، حيث هتفت بنبرة شبه محتدة وهي مكورة لقبضة يدها اليمنى ب :
-واللي بيموت بالإعدام بيبقاله طلبات ، وانا مش طالبة غير إن حد من أهلى يحضر آآ...

قاطعها هو برفع كف يده في وجهها ، ثم صدح بصوته الصارم والمخيف ب :
-بسسسسسس !!!!

إنتفضت تقى فزعة على صراخه القوي في مكانها ، وإرتعشت ساقيها ، وبدت كمن يوشك على السقوط .. ولكنها تماسكت أمامه ..
تحرك أوس في إتجاهها ، فخافت على نفسها منه ، وتراجعت للخلف .. بينما استمر هو في الاقتراب منها
سيطر عليها الرعب بحق وهي ترى في عينيه شراسة غير متناهية ..
فإستدارت برأسها للخلف لترى أين تسير ...
بينما أشار هو بإصبعه في وجهها محذراً وهو يهتف بصوت عنيف ب :
-إنتي أخرك معايا أبلغهم بإنك اتجوزتي ، غير كده لأ .. !!!

ابتلعت تقى ريقها ، واستمرت في التراجع بحذر للخلف، وقالت بتلعثم وهي تنظر إليه بذعر ب :
-بس أنا كنت آآآ..
قاطعها هو مجدداً بصوت أعنف ب :
-خلاص ، انتهى !

أصطدم ظهر تقى بالحائط الأخر ، فأسرع أوس في خطواتها ليمسك بها قبل أن تفلت منه ، وبالفعل غرس أظافره في ذراعيها ، فتأوهت من الآلم ، وأصدرت أنين خافت ، وأطرقت رأسها للأسفل ..
حدجها هو بنظرات شيطانية مرعبة ، ثم هزها بعنف وهو يهدر بقسوة ب :
-ده اللي عندي ، ومش هايتعمل غير كده يا تقى ، إنتي فاهمة !!

هزت تقى رأسها موافقة ، وأجابته على عجالة بصوت خائف ب :
-ط... طيب
أرخى ذراعيه عنها ، وحدجها بنظرات اكثر حدة ، ثم تحرك مبتعداً للخلف ..
ضمت تقى ذراعيها إلى صدرها ، وتحسست موضع الآلم ..
وقاومت تلك العبرات التي تتسابق للإنهمار على وجنتيها ، ثم فكرت في حل ما قد يحول دون إتمام تلك الزيجة المشؤومة الليلة ، فبادرت بقول :
-أنا .. أنا كنت عاوزة شوية حاجات كده وآآآ...

إستدار أوس ليواجهها بوجهه المتجهم ، ونظراته الدقيقة والحادة ، ثم بصوت جاف وجاد يحمل الصرامة هتف ب :
-في ساعات كل حاجة هاتكون موجودة عنك
فغرت هي شفتيها من الرعب بعد أن اتسعت عينيها من الخوف ، ونطقت معترضة ب :
-بس كده .. أنا .. انا مش هالحق آآ...
نفخ أوس من الضيق ، ووضع يده على رأسه ، ثم حكها عدة مرات بطريقة غاضبة ..
-أنا مش عاوزة غير آآآ...
لم تكمل هي عبارتها الأخيرة حيث قاطعها هو بصرامة شديدة وهو يحدجها بنظراته المميتة ، ثم صاح بنفاذ صبر ب :
-خلاص ! اسكتي

أومأت تقى برأسها موافقة ، وإكتفت بالنظر إليه بحذر ..
فكر هو للحظات فيما قالته ..
ودار حول الغرفة وهو يفرك وجهه براحة يده ، ثم إلتفت بجسده نحوها ، ليحدجها بنظرات قاتمة وهو يردف بغلظة وتوعد ب :
- ماشي ، قدامك مهلة كام يوم تجهزي فيها

شعرت تقى بالإرتياح بعد جملته الأخيرة .. وإرتخت قسمات وجهها المتشنجة نوعاً ما ، فقد بات أمامها فرصة للتفكير وتدبر أمرها قبل أن يغتالها ذلك الجلاد .. فقد تجدد الأمل لديها نوعاً ما .. إذ ربما يمكن خلال تلك الفترة أن تصل إلى ما قد يُنجيها من براثنه ..

راقب أوس بتفحص ردة فعلها ، فأيقن أنها عاقدة العزم على فعل شيء ما ، لذا أراد إخافتها وبث الرعب في نفسها ، وتبديد أحلامها الوردية ، فأردف وهو يصر على أسنانه بقسوة ب :
-ماتفرحيش كده لأنها آآآ..
ثم صمت لثانية ليتركها في حيرة من أمرها قبل أن يتابع بنبرة شيطانية ب :
-دي هاتبقى ليلة إعدامك يا .. يا عروسة

ثم رسم على ثغره إبتسامة لئيمة ، وراقب علامات الخوف التي إكتست على قسمات وجهها ، وكذلك نظرات الذعر التي برزت من عينيها بطريقة أغرته للاستمرار في إذلالها ..
تنحنح بخشونة ، ونظر لها بنظرات مليئة بالغرور والثقة .. ثم تابع بصوت قاسي ب :
-وأنا بنفسي هتأكد إن كل حاجة هاتكون جاهزة ومناسبة ل... لجنازتك...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الرابع

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،

تسمرت تقى في مكانها عقب عبارته الأخيرة ، ولم تنطق ببنس كلمة ، وظلت فقط محدقة به بنظرات خالية من الحياة ..
فكلماته كانت كالخناجر المسمومة التي تذبحها بلا رحمة ..
فهو يتفنن في كسرها بشتى الطرق، ولم يتوان للحظة عن إخضاعها.. فقط لأنها تحدته، و وقفت إلى جوار والدتها، ورفضت أن يطغى عليها ظلما، فتحملت هي النتائج بمفردها ...

تحرك أوس صوب باب منزله ذي اللون البني الداكن ، ثم إستدار بجسده ليرمقها بنظرات شامتة وأخيرة قبل أن يمسك بمقبض الباب ويديره لينفتح ..
لوى فمه في سخط ، ثم تحدث بصوت آجش وجاف ب :
-هاسيبك تعيشي اللحظة في مملكتي المتواضعة

ثم لوح بذراعه الأيمن في الهواء ، وضحك بطريقة ساخرة ومصطنعة .. وولج للخارج وصفق الباب من خلفه بقوة ..

إنتفضت تقى فزعة ، وضمت قبضتي يدها إلى صدرها في خوف بعد أن فغرت شفتيها من الصدمة ..
أغمضت عينيها لثوانٍ لتستوعب ما حدث ، ولكنها سريعاً ما أعادت فتحهما حيث سمعت هي صوت المفتاح وهو يُدار من الخارج ليوصد الباب عليها ، فتصبح بحق ( سجينته ) ...

ركض تقى في إتجاه الباب ، ثم أمسكت بالمقبض ، وحاولت فتحه ، ولكن للأسف كان موصوداً عليها ..
شهقت في فزع ، وهزت الباب بعنف لعلها تنجح في فتحه رغم تيقنها من أن محاولتها يائسة ..
إلتفتت بجسدها ، وأسندت ظهرها على ذلك الباب الخشبي ، ثم أجهشت بالبكاء المصحوب بالصراخ والعويل ، وظلت تهز رأسها بصورة منفعلة ..
أغرقت الدموع وجنتيها ، وتسربت إلى فمها ، فتذوقت مرارتهم ، وإنتحبت أكثر ..
لم تعد تتحمل هي الوقوف على قدميها ، فإنهارت على الأرضية الرخامية ، وضمت ركبتيها إلى صدرها ، ودفنت وجهها بين راحتي يدها .. وتعالى صوت بكاؤها المرير..

ثم حدثت نفسها بصوت مختنق ومسموع ب :
-ليه كل ده بيحصلي ؟ اشمعنى أنا ؟!! لييييه !!!

أبعدت راحتيها عن وجهها ، ثم بدأت تطرق برأسها على الباب وهي تنتحب ..
ووضعت يديها على شعرها ، وغرست أصابعها في خصلاته المتبعثرة والمتلبدة ، وحركت رأسها بطريقة عشوائية بعد أن توقفت عن طرق الباب بها ..
إنتفخ أنفها وإزداد إحمرار وتورم عينيها .. ووجدت صعوبة في التنفس بسهولة ، وجاهدت لتلتقط أنفاسها ، ثم أغمضت عينيها ، وبدى وجهها أكثر شحوباً عما مضى ..
تراخت عضلات ذراعيها أولاً ، ثم لحق بها باقي جسدها ، وإنفرج ثغرها .. ومالت بجسدها للجانب الأيسر .. وفقدت وعيها وهي قابعة في مكانها ..

بداخل سيارة أوس ،،،،،

ركب أوس سيارته بعد أن رمق حارس البناية بنظراته النارية المعتادة ، ثم أمسك بالمرآة الأمامية ، وعَدل من وضعيتها ، ونظر إلى نفسه بتفاخر فيها .. ثم رأى شبح الإبتسامة التي تطفو على ثغره ، فشعر بنشوة الإنتصار .. ورغبة جامحة في الصعود إليها ورؤيتها ذليلة عاجزة عن فعل أي شيء ..
وضع يده على رأسه ليمرره على شعره الكث ، ثم حدث نفسه بثقة ب :
-ماتخلقش لسه اللي يقف قصادك يا أوس !

أدار محرك السيارة ، وإستعد للإنطلاق بها .. ولكن رن هاتفه المحمول ، فمد يده بداخل جيب بنطاله ليخرجه ، ثم نظر إلى اسم المتصل ، فنفخ في ضيق ، وتشنجت تعابير وجهه ، ثم وضع الهاتف على أذنه بعد أن ضغط على زر الإيجاب ، وأردف بنبرة جافة ب :
-خير

صرخ مهاب فيه بصوت غاضب ب :
-إنت فين ؟ أنا عاوزك حالاً
لوى فمه قليلاً ، ثم سأله ببرود وهو يحدق في مرآة السيارة الجانبية ب :
-ليه ؟
خرج صوت أبيه عنيفاً منفعلاً وهو يهتف ب :
-يعني مش عارف اللي اختك هببته ، والفضيحة اللي جلبتهالنا ؟؟!!!!

أبعد أوس الهاتف عن أذنه ، ونظر شزراً حوله ، ثم أردف بتهكم بائن في نبرة صوته ب :
-مش الهانم حلت مشاكلها خلاص ؟ وجودي هايفرق في ايه ؟
إزداد إنفعاله ، فصرخ فيه ب :
-إنت أخوها ، ولازم يبقالك رأي !
إبتسم أوس ساخراً ، ثم تابع حديثه بسخط وتهكم أشد ب :
-كفاية عليها إنك أبوها ، وناريمان هانم أمها !
-إنت عاوز تجنني ؟؟!!!
قالها مهاب وهو يكز على أسنانه من شدة الغضب ..

زفر أوس بإنزعاج ، ثم قطب جبينه ، وأردف بصرامة ب :
-دكتور مهاب ، أنا مش فاضي ورايا حاجات تانية أهم من جوازة ليان هانم بنت الحسب والنسب
إغتاظ مهاب من رد إبنه القاسي ، فإشتعل حنقاً ، وهتف بإهتياج حاد ب :
-ياخي خلي عندك دم ، ده اللي هايتجوزها صاحبك !

لوى فمه في إستهجان ، ثم أجابة بنبرة غير مبالية ب :
-مش فارقة ، صاحبي من غيره ، بنتك اللي اختارت حياتها ، فتستحمل بقى .. سلام ...!
ألقى أوس بالهاتف بعصبية على ( تابلوه ) السيارة بعد أن أنهى المكالمة ، ثم ضرب بقبضتيه على المقود ، وصر على أسنانه ، وحدث نفسه بإنفعال ب :
-تولع ، هي طالعة زي أمها ، وس** !!!!
أدار مجدداً المحرك ، ثم لف المقود بحركة دائرية بعد أن ضغط على دواسة البنزين لينطلق بسيارته بسرعة عالية ...

في منزل الجارة أم بطة ،،،،

صاحت أم بطة عالياً في وجه بناتها الجالسات أمام التلفاز بعد أن أحضرت صحناً مليئاً بالخضراوات الطازجة لتقطعهم ب :
-فزي ( قومي ) منك ليها شوفوا كوم الغسيل اللي جوا ، واغسلوها ، وواحدة فيكم تتنحرر وتنضف الأطباق اللي بايتة في الحوض من إمبارح
-يوووه .. هو إحنا مش هانترحم بقى من الشقى بتاع كل يوم
قالتها إبنتها الصغرى بتذمر واضح وهي تنهض عن السجادة

رفعت أم بطة حاجبيها غاضبة ، ثم سبتها وقالت بسخط واضح :
-داهية تاخدك إنتي والتحف اللي معاكي ، يالا يا بت منك ليها ، هو أنا خلفة عِلل

كانت إبنتها الكبرى بطة جالسة إلى جوارها على تلك الأريكة القديمة ، ثم إلتفتت برأسها لها ..
في البداية نظرت لها مطولاً ، وأجفلت عينيها للأسفل ترثي حالها ، وحاولت أن تبدو هادئة أمام أخوتها ، ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر تعابير الحزن المرسومة عليها .. خاصة وأنها عروس جديدة ، ومن المفترض أن تكون علامات السعادة والفرحة هي التي تطغى عليها ..
تنهدت بطة في آسى ، ثم أردفت بنبرة شبه حزينة ب :
-ما بالراحة يامه على اخواتي

نظرت أم بطة لها بنظرات إستهجان ، ثم لوت فمها في عدم إقتناع ، وعنفتها ب :
-بلا وكسة ، دول خلفة الندامة والشوم ، مانيش ملاحقة من طلباتهم ، إمتى يجي بس اللي يزيح همهم عن قلبي ..!
إحتقن وجهها بالدماء الغاضبة ، ونظرت لوالدتها بإستنكار ، وتسائلت بسخط واضح :
-بقى عاوزة ترميهم يامه زي ما رمتيني ؟!

رمقتها أم بطة بنظرات غير مبالية ، ثم زمت فمها قليلاً ، وأردفت بعدم إكتراث وهي تقطع الخضراوات ب :
-إتنيلي ! هو إنتي تعرفي حاجة
تشنجت بطة وهي تجيبها بحنق واضح ب:
-يامه ده أنا في غلب ما يعلم بيه إلا ربنا

نظرت لها والدتها من طرف عينها ، ثم لكزتها في كتفها بكوعها ، و هتفت بنبرة محتدة :
-إحمدي ربنا إني عرفت أسترك
لوت بطة شفتيها في تأفف ، وردت عليها بصوت خافت ومتذمر :
-يا ريتك ما عرفتي يامه ، يا ريتك !!!
ضيقت أم بطة عينيها فهي لم تستمع جيداً إلى ما قالته الأخيرة ، ثم رفعت أحد حاجبيها في تعجب ، و تسائلت بإهتمام :
-بتقولي إيه يا بت سمعيني ؟

أخرجت بطة تنهيدة حارة من صدرها ، ثم أجابتها بصوت يائس وهي مجفلة لعينيها :
-بأقول يامه مش كنتي صبرتي شوية لحد ما أخلص الدبلون ، وبعد كده كنت أتهبب أتجوز
لوحت أم بطة بالسكين في الهواء ، وسلطت أنظارها على الخضراوات المقطعة ، وإنتقت قطعة فاسدة ، وألقتها على الأرضية ، ثم أردفت بفتور :
-بلا دبلون بلا قرف ، هناخد منه إيه يعني ؟
كزت بطة على أسنانها ، و أجابتها بإنفعال وقسمات وجهها متشنجة للغاية ب :
-كنت هاخد حد انضف من اللي أنا متجوزاه

أسندت والدتها السكين بداخل الصحن ، ثم ثنيت ساقها أسفلها ، وإلتفتت بجسدها للجانب قليلاً ، ورمقت إبنتها بنظرات جادة ، ثم شرعت حديثها بحدة ب :
-يا بت أحمدي ربنا ، هو حد لاقي رجالة يتجوزها اليومين دول !
لوت هي فمها للجانب في سخرية ، و قالت بتهكم :
-مش أما يكون المحروس أصلاً راجل !!!

إرتسمت علامات الإستفهام والحيرة على وجه أم بطة ، فأمسكت بذراع إبنتها ، وسألتها بحدة ب :
-قصدك إيه يا بت ؟
أزاحت بطة ذراعها من قبضة والدتها ، ثم تنهدت في إنهاك ، وأردفت بقنوط وهي تصر على أسنانها :
-يامه .. ده .. ده مابيعرفش يعمل أي حاجة.
ضربتها والدتها في كتفها بخفة ، وإعتدلت في جلستها ، وأنزلت ساقها للأسفل ، وقالت بنبرة عادية :
-إنتي اللي حمارة ومش عارفة تخدي جوزك تحت عبك

تشنجت بطة من ردود والدتها المستفزة ، فهتفت بنبرة عالية ب :
-طوعي إيه بس ، ده آآ..
قاطعتها والدتها بصوت جاد وهي تميل برأسها نحوها ب :
-ماهو لو تسمعي كلامي وتخلفي منه حتت عيل هاتبقي فرخة بكشك عنده !
ضيقت بطة حدقتيها ، ونظرت لوالدتها بتمعن ، وأردفت بإستخفاف :
-أخلف ؟
هزت أم بطة رأسها وهي ترد عليها بحماس زائد ب :
-اه ياختي ، ده حتى المثل بيقولك اغلبيه بالعيال يغلبك بالمال

زمت إبنتها شفتيها بطريقة ساخطة ، وضربت كفيها ببعضهما البعض ، وتحدث بنبرة متحسرة ب :
-وأنا هاشوف خلفة منين يا حسرة ، مش لما يعرف الأول !
اتسعت مقلتي والدتها في ذهول عقب العبارة الأخيرة ، وفغرت شفتيها في إندهاش ، وهتفت محتجة ب :
-هاه ، يخربيتك ، إيه الكلام اللي يخرب البيوت ده ؟؟!!!!
نكست بطة رأسها في حزن ، وتنهدت بمرارة ، وقالت بنبرة آسفة :
-دي الحقيقة يامه

إزدادت حالة الذهول لدى والدتها ، وتلاشت تعبيراتها الباردة ، ولطمت على صدرها ، وأردفت بخفوت وتحسر ب :
-حقيقة ، يا نهار اسوح !!
صمتت كلتاهما لثوانٍ ، وساد هدوء مشحون بالكثير من المشاعر المتنوعة .. فبطة ترثي حالها البائس ، وحظها النحس الذي جعل والدتها تلقي بها في براثن أحد أشباه الرجال ..
أما حال والدتها لا يسر على الإطلاق ، فهي تخشى أن تطلب إبنتها الطلاق بسبب عجز زوجها ، وبالتالي صبح عبئاً ثقيلاُ عليها ، ولكن بلقب مطلقة .. وهي بالكاد تستطيع تدبر أحوال بناتها ...

نهضت أم بطة عن الأريكة القديمة ، ثم أسندت صحن الطعام مكانها ، وأمسكت برسغ إبنتها ، وجذبتها بقوة ، وهي تهتف بها بصرامة ب :
-طب قومي معايا أما نتكلم جوا بدل حد من اخواتك يسمعنا
زمت بطة شفتيها بتذمر ، وقالت بإعتراض :
-بس يامه آآ...
نهرتها والدتها بحدة وهي تأمرها بصوت صارخ ب :
-قومي يا بت
إستسلمت بطة لأوامر والدتها ، فالجدال معها لن يفيد ، ولحقت بها وهي تتحدث بخفوت ب :
-طيب

ولجت كلتاهما إلى داخل غرفة نوم بطة ، ثم أجلست أم بطة إبنتها على طرف الفراش بعد أن أزاحت الملابس المبعثرة من عليه .. وعادت لتوصد باب الغرفة عليهما حتى تضمن عدم إقتحام أي من بناتها للغرفة ، أو التصنت عليهما ..

صمتت بطة ولم تبدأ الحديث وراقبت والدتها وهي تتصرف بغرابة ..
تحركت أم بطة في إتجاه إبنتها ، ووقفت قبالتها ، وسألتها بنبرة قوية وهي تحدجها بنظرات حادة ب :
-معناه ايه الكلام اللي قولتيه من شوية ؟

تنهدت بطة في يأس وأجفلت عينيها في حزن بائن بعد أن أشاحت بوجهها للجانب
غضبت والدتها من حالة الفتور البادية على إبنتها ، فوضعت يدها على ذقنها ، وأجبرتها على النظر إليها وهي تسألها مجدداً بصوت شبه محتد ب :
-يا بت إنطقي ، معناته إيه كلامك اللي قولتيه برا ؟

وضعت بطة يدها على قبضة والدتها ، وأزاحتها برفق عن فكها ، ثم أجابتها بإمتعاض وهي تنظر لها بحزن دفين ب :
-يامه ما الكلام مبين نفسه ، مش محتاجة قوالة
ارتسمت علامات الخوف المصحوبة بالإندهاش على وجهها ، وأردفت بتوجس ب :
-قصدك إنه آآآ..

لوت بطة فمها في سخط ، وقالت مقاطعة على مضض :
-اه بالظبط يامه
لطمت والدتها على وجنتيها ، وجحظت بعينيها في ذعر، وتابعت بصدمة :
-يادي النصيبة السودة
ضمت بطة ذراعها إلى صدرها ، وأسندت طرف ذقنها على ذراعها الأخر ، ونظرت للأسفل في حزن ، وأردفت بتذمر :
-شوفتي بختي الأسود ، أديني لا طولت بلح الشام ولا عنب اليمن

حدجتها أم بطة بنظرات ساخطة قبل أن تصرخ فيها بإهتياج :
-فقرية من يومك
إغتاظت بطة من تحميلها اللوم في تلك المسألة ، فنهضت عن الفراش ، وصرخت محتجة وهي تشيح بيدها في الهواء ب :
-مش لو كنت استنيت شوية وما اتجوزتش البني آدم ده كان آآآ...
صاحت والدتها مقاطعة بصرامة ب :
-اخرسي يا بت ، إنت هاتعلي صوتك ، ده نصيبك ، إرضي بيه

كزت على أسنانها من الغيظ ، وإحتقنت عينيها وإكتسيتا بحمرة الغضب ، وصرخت متشنجة ب :
-حتى في دي كمان ، ايه مش من حقي أشتكي
إبتعدت عنها والدتها ، وأولتها ظهرها ، ثم أمرتها بصوت صارم ب :
-لا تشتكي ولا تقولي حاجة ، إكفي على الخبر ماجور
ثم زمت شفتيها في إستهجان ، وحدثت نفسها بخفوت ب :
-أل جت الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح ...!

في مقهى ما شعبي ،،،

تحرك العامل – ذو الملابس القديمة – وهو يحمل الصينية الممتلئة بأقداح الشاي الساخنة في إتجاه إحدى الطاولات الخشبية الصغيرة ، ثم إنحنى بحذر بجذعه للأمام ، ومد يده ليتناول الأقداح وأسندها عليها ، ثم صاح بصوت عالي ب :
-شاي في الخمسينة يا بهوات
مد أحد الشباب ذوي الملامح الجامدة والبشرة السمراء يده ليمسك بقدحه ، وقال بنبرة عادية :
-اشرب شايك يا أبو حميد قبل ما يبرد
نظر له حارس الأمن السابق ( أحمد ) بنظرات حادة قبل أن يجيبه بصوت آجش ب :
-شوية كده

صر أحمد على أسنانه في غل وهو يتذكر الإهانة المريرة التي تعرض لها على يد رب عمله السابق ، وكيف دفعه إهتمامه بتلك الجميلة البريئة إلى الإعتداء عليه بالضرب الوحشي حتى كاد يفقد روحه لولا العناية الإلهية .. كور قبضته في غضب ، وظل محدقاً أمامه لبرهة ..
لم ينسْ بسهولة ما مر به .. فقد قضى الفترة الماضية طريح الفراش ، لا يقدر حتى على الدخول بمفرده للمرحاض ..

كم كان يعاني بحق إلى أن استرد صحته ، وتمكن من الوقوف على قدميه مجدداً ..
أما عن تقى ، الفتاة التي خطفت لُبه وقلبه وشغلت تفكيره لأيام طوال ، فهو لم يعرف عنها أي شيء ، و لم يرغب في أن تراه وهو في تلك الحالة المزرية ..
أراد أن يستعيد عافيته أولاً ، ثم يذهب للإطمئنان عليها ، ومن ثم رد الصاع صاعين لهذا الأوس البري ..

نظر له شاب أخر بنظرات حائرة بعد أن طال صمته ، وسأله مستفهماً ب :
-إنت برضوه لسه موضوع إنك تنتقم من البيه ده في دماغك ؟
كور حارس الأمن أحمد قبضة يده في غضب ، وأجابه بصوت حانق :
-هو أنا نسيته أصلاً
وضع الشاب الأول يده على ظهره ، فإنتبه أحمد له ، ونظر له بنظرات فارغة ، فأردف الشاب الأول محذراً ب :
-يا عم أحمد شوف حالك ، إنت مش ناقص بلاوي ، ده راجل قادر وفاجر

ضيق أحمد عينيه في توعد ، وصاح غاضباً ب :
-حتى لو كان إيه ، النار اللي جوايا مش هاتبرد إلا لما أنتقم منه
هز الشاب الثاني رأسه في يأس ، وهتف بنبرة جادة ب :
-لا حول ولا قوة إلا بالله ، يا سيدي راعي لقمة عيشك ، وركز في آآآ.....
قاطعه أحمد بصوت حازم ب :
-مش هاركز غير في إني أخد بتاري منه وبسسسسس !!!

سأله الشاب الأول بفضول ب :
-طب هاتعمل ايه ؟
حدق أحمد أمامه في نقطة ما بالفراغ ، وبصوت خشن أجابه ب :
-أنا فكرت في حاجة كده ، لو ظبطت يبقى مية مية
-اللي هي ايه بالظبط ؟
لمعت عيناه ببريق شيطاني ، ثم قال متوعداً ب :
-أنا..!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الخامس

في منزل الجارة أم بطة
تنهدت بطة في يأس ، فردة فعل والدتها الفاترة غير مشجعة على الإطلاق .. راقبتها وهي تدور حول نفسها في الغرفة ذهاباً وإياباً وتضرب كفها بالأخر في حيرة ..
تنهدت مجدداً بإحباط ، ونظرت إلى والدتها مطولاً محاولة سبر أغوار عقلها .. ولكنها لم تفهم تعابيرها المنزعجة ..
أخذت نفساً عميقاُ ، وزفرته على مهل .. ثم نظرت في إتجاه والدتها ، وسألتها بتردد ب :
-أمه ، هو آآ.. ينفع أنا .. آآآ..

إنتبهت لها والدتها ، ونظرت لها بإزدراء ، وعنفتها ب :
-في ايه يا بت ؟ عاوزة ايه ؟

أخفضت بطة رأسها للأسفل ، وفركت أصابع كفيها المتشابكة في توتر ملحوظ ، ثم عضت على شفتيها ، وبنظرات حذرة ونبرة خافتة ومتلعثمة أجابتها ب :
-أنا عاوزة أطلق من عبده

جحظت عيني والدتها بشدة ، وأوشكتا على الخروج من محجريهما ، وإكفهر وجهها بطريقة مريبة ، وإزداد إنعقاد ما بين حاجبيها ، وتسمرت لوهلة في مكانها من هول ما سمعته ..
راقبتها بطة بأعين زائفة ، وبصوت متلعثم تابعت ب :
-يامه سمعتي أنا قولت آآآ....

لم تكمل هي عبارتها الأخيرة حيث هجمت عليها والدتها بشراسة ، وأمسكت بها من شعرها ، وجذبت عنقها للأسفل ، وصرخت فيها بإهتياج ب :
-طلاق ايه يا بنت ال *** ، هو أنا ناقصة هم على همي
تأوهت بطة من الآلم ، وحاولت أن تحرر شعرها من أصابع والدتها ، ولكنها لم تتمكن بسبب ضرباتها المتلاحقة على ظهرها ، فصاحت متوسلة ب :
-آآآه يامه ، شعري هايطلع في ايدك

أرخت هي أصابعها عنها بعد أن لكزتها بقسوة في ذراعها لتسقط إبنتها على الفراش ، ثم نهرتها بنبرة عنيفة وهي تشير بإصبعها ب :
-الكلمة دي ماسمعهاش تاني ، فاهمة
ثم أمسكت بذراعها ، وقرصتها في عضدها ، فألهبته ، فصرخت بطة عالياً ب :
-آآآآآآه ..ح.. حاضر .. خلاص ، سبيني يامه

تركتها والدتها ، وتراجعت للخلف في إتجاه باب الغرفة ، وفتحه ، وأشارت لها بعينيها الحادتين وهي تصيح فيها مزمجرة :
-قومي غوري على بيتك يالا ، وماتجيش هنا تاني ، أنا هابقى اجيلك !

لملمت بطة نفسها ، وعدلت من هيئتها ، ثم نظرت إلى والدتها بنظرات خزي ، ونهضت عن الفراش ، وسارت بخطوات متثاقلة في اتجاه باب الغرفة ..
توقفت هي أمامها .. ورمقتها بنظرات أخيرة حزينة قبل أن تنطق بمرارة :
-حاضر يامه ، هاغور من هنا ، وربنا يتوالني !!!!

ثم نكست رأسها للأسفل وهي تلج خارج الغرفة لتسحب حقيبتها الكبيرة من على الأريكة ، وتندفع في إتجاه باب المنزل ، وتصفقه بعنف بعد أن تطأ قدميها خارجه ...
إستندت أم بطة بظهرها على باب الغرفة ، وتنهدت في ضيق ، وحدثت نفسها بتبرم ب :
-ما أنا لومعملتش كده فيكي يا ضنايا هترجعي تاني هنا ، وأنا تعبت من القرف اللي مش بيخلص ده .....!!!!!

في منزل عبد الحق بالزقاق الضيق
أمسك عبد الحق بلفافة ما في يده ، ثم أخذ يطويها بحرص شديد ، وقربها من فمه ، وأخرج لسانه ، ثم مسح طرفها ليتمكن من إلصاق اللفافة ببعضها البعض ..
اعتلى فمه الجاف إبتسامة عريضة ، وبرقت عيناه في زهو ، ثم حدث نفسه بتفاخر ب :
-كده الجوينت ( اللفافة ) بقى جاهز وأخر آلسطة.

زحف عبد الحق بجسده على الفراش ليتمكن من الوصول إلى الكومود الملتصق به ، وأخذ ولاعته زهيدة الثمن ليشعل بها سيجارته يدوية الصنع ، ولكنه لم يفعل هذا بسبب إقتحام والدته لغرفته دون سايق إنذار وهي تصرخ عالياً ب :
-إنت يا واد يا اللي مبلطلي في الخط كده

قفز عبد الحق فزعاً في مكانه ، وسقطت لفافة السيجارة من بين أصابعه ، ثم نظر إلى والدته بذعر ، ونهرها بضيق ب :
-إيييييه يامه ، في حد يدخل الأوضة كده ، إفرضي أنا قالع ملط ولا آآآ...
نظرت له بإزدراء ، ولوت شفتيها الكبيرتين في سخرية ، وقالت بسخط :
-ياخويا ما أنا شايفة كل حاجة من زمان

ضيق هو عينيه في عدم فهم ، ثم سألها بفضول :
-هاه .. قصدك ايه يامه ؟
لوت فمها للجانبين ، ثم رمقته بنظرات أكثر سخطاً ، وهتفت عالياً فيه ب :
-بأقولك ايه ، متبلفنيش في الكلام ، إنت بتعمل ايه ؟

تنحنح بتوتر ، ووضع يده على رأسه ليمسحها ، ثم أجابها بإرتباك يشوبه القلق :
-إحم .. آآ.. هاه .. ولا حاجة
رمقه بنظرات إحتقارية ، ثم لوت فمها أكثر وهي تأمره بحدة ب :
-طب إنتيل إنزل شوف المحروسة مراتك إتأخرت ليه

مسح عبد الحق بلسانه على أسنانه ، ثم وضع إصبعه في أذنه ، وأجابها بعدم إكتراث :
-ماهي قالت إنها هتروح عند أمها
انفجرت فيه غاضبة وهي تشيح بيدها ب :
-أه طبعاً ، يوم بعد يوم هناك ، الله أعلم بيدبروا لإيه جوز الغربان دول ، وإنت ولا دريان بحاجة

تثاءب هو بعدم مبالاة ، وتمطع بذراعيه للجانبين ، ثم تجشأ ، و رد عليها بنبرة عادية ب :
-الله يسهلهم
اقتربت منه ، ومالت بجسدها للأمام نحوه ، ولكزته في كتفه ، ثم زمجرت ب :
-ما إنت لو تتشملل وتلمها ، ولا ترقعها العلقة التمام ، كانت تفضل تحت طوعك ، لكن هي ركبتك ودلدلت

نفخ هو بإنزعاج ، ولوح بذراعيه في الهواء ، ثم صاح منفعلاً :
-يوووووووه .. لازمته إيه يامه الكلام اللي يسم البدن ده
لوحت بيدها وهي تتابع بتهكم صريح :
-أل يعني بيأثر فيك ! ده البعيد جتته نحست من كتر التهزيق

هز رأسه في إمتعاض ، ثم أردف على مضض ب :
-ماشي يامه ، مقبولة منك
إزدادت نبرة صوتها حدة وهي تعنفه قائلة :
-ياض قوم من مكانك ، إتنحرر كده ، جاتها نيلة اللي عاوزة خلف ، قطع العيال وخلفتهم

ثم خرجت من الغرفة ، وصفقت الباب بعنف خلفها ، فزم عبد الحق شفتيه بطريقة ساخرة ، وأردف بسخط :
-أعوذو بالله ، بوظتي دماغي المتكلفة !!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي
ظلت تقى ممددة بجسدها على الأرضية الرخامية لبرهة من الوقت ، لا تعرف كم من الوقت مر عليها وهي على تلك الوضعية الغير مريحة بالمرة ، فقد إنهارت مقاومتها تماماً ، وإستسلمت بإحباط لمصيرها المظلم مع من لا يعرف الحب ..

بدأت تتململ في مكانها ، فشعرت بآلام في عظام عنقها ، وكتفيها ، وأجزاء من ساقيها .. فأصدرت أنيناً مكتوماً وهي تجاهد لتحريك جسدها ..
وبتثاقل شديد فتحت عينيها المتورمتين فكانت الرؤية ضبابية في البداية ... ثم تأوهت من الآلم وهي تحاول الإعتدال في جلستها ..
-آآآه .. دماغي هتموتني ، آآآآه

وضعت يدها على رأسها ، ودلكتها برفق لتخفف من حدة آلام الصداع الذي يعتري رأسها بالكامل ..
لم تستطع أن تتجنب تلك الآلام التي تهاجم كل عظامها ..
نظرت بيأس إلى حالها فوجدت نفسها مازالت ترتدي ملابس المشفى ، فظنت أنها ربما أصيب بنزلة برد أو ما شابه ..
نهضت تقى على مهل من على الأرضية ، فترنحت في وقفتها ، لذا إستندت بكف يدها على الحائط القريب حتى لا تفقد توازنها ..
تنهدت في إنهاك ، وسارت بخطوات بطيئة وحذرة نحو الأمام ..

تأملت بهدوء المكان من حولها بتفحص عن المرة الأولى ..
هناك صالة واسعة مزودة بالآرائك الجلدية البيضاء وطاولة صغيرة موضوع عليه عدد من الكؤوس الفارغة ، والوسائد غير مرتبة ، قابعض متكوم فوق أريكة منهم ، والبعض الأخر مُلقى على الأرضية .. وعلى مقربة هناك غرفة للطعام بها طاولة خشبية كبيرة ، ومن أسفلها موضوع مقاعد مزدانة ، ومرآة ذهبية كبيرة ، وتحف غالية ، ومزهريات مختلفة الأحجام موضوعة عند الأركان ..

ما لفت نظرها حقاً هو بعثرة بعض الصحون والأكياس البلاستيكة الفارغة على الطاولة ، بالإضافة إلى الأتربة التي تغطي الأرضية الرخامية ..
لوت تقى ثغرها في إنزعاج ، وتنهدت في ضيق ، ثم سارت بتثاقل في إتجاه رواق جانبي صغير يؤدي إلى المطبخ وإلى جواره مرحاض صغير خاص بالضيوف ..
دلفت هي إلى داخل المرحاض ، ونظرت ببطء حولها لتتأمل تصميمه ..
كانت حوائطه رخامية من اللون البيج الفاتح الممزوج بالأخضر الزيتوني .. وبه حوض صغير من اللون البيج ، وكذلك مسبح صغير للغاية يكفي لشخص واحد ، وإلى جواره ( مرحاض ) قاعدته مزخرفة و من نفس لون الطلاء ..

إستندت بيديها على الحوض ، ونكست رأسها المرهق للأسفل ، ثم فتحت الصنبور ، وبدأت تغسل وجهها بالماء ..
تنهدت لأكثر من مرة في تعب ، وشعرت برغبة ملحة في الإغتسال وتبديل ثياب المشفى ، ولكنها كانت في حيرة من أمرها .. كيف ستستحم وهي لا تملك من الملابس ما يمكن أن يسترها ..
لذا عدلت عن تلك الفكرة ، ومدت يدها لتمسك بمنشفة معلقة على حامل ذهبي ، وجذبتها لتجفف بها وجهها ، وخرجت من المرحاض وهي معها ..

كانت صوت خواء معدتها قد بدأ يزعجها حقاً .. هي لم تتناول أي شيء منذ الأمس .. وحالتها الجسدية واهنة بدرجة كبيرة ، وهي تحتاج إلى ما يجعلها تصمد وتبقى واعية ..
لذا ولجت إلى داخل المطبخ ، وبحثت عن مفتاح الإنارة حتى تتمكن من رؤية كل شيء بوضوح .. فالمكان شبه معتم ..
وبالفعل تحسست تقى طريقها على الحائط إلى أن وجدت عدة مفاتيح ، ضغطت عليهم بصورة عشوائية حتى وصلت للمفتاح المنشود والذي أضاء المطبخ بإضاءة عالية ..
ضيقت هي عينيها لتتجنب شدة الإضاءة التي سببت لها الأذى ..

ثم تأملت المكان بنظرات متأنية ..
كان المطبخ واسع إلى حد كبير ، به طاولة رخامية تتوسطه ومن أسفلها مقعدين خشبيين ..
وبجوار الحوائط توجد أدراج مصنوعة من مادة الألوميتال مقسمة إلى جزئين علوي وسفلي .. وكذلك أرفف من نفس المادة مصفوف عليها بعض الأكواب الزجاجية والأواني الفخارية ..

بحثت تقى بعينيها عن الثلاجة ، وبالفعل وجدتها في أحد الأركان .. فإعتلى ثغرها إبتسامة رضا ، وسارت في إتجاهها بخطوات بطيئة ، ثم أمسكت بمقبضها ، وإنحنت بجسدها المنهك للأمام لتنظر إلى ما بداخلها ..
وجدت بعض الأطعمة المغلفة ، وكذلك الجبن ، ومنتجات للألبان ، وفواكه طازجة ، وعصائر معلبة ، فرفعت حاجبها في تعجب ، وحدثت نفسها بحيرة ب :
-مين اللي جاب الأكل ده هنا ؟

هزت رأسها في عدم إكتراث ، ثم مدت يدها وتناولت فاكهة ما من الصحن الموجود على الرف ، وبدأت في قطمها ..
اكتشفت تقى أنها كانت جائعة للغاية ، فإلتهمت الثمرة على الفور ، ومدت يدها لتمسك بالصحن ، ثم أغلقت باب الثلاجة وسارت في إتجاه باب المطبخ ..
خرجت هي من المطبخ وهي تأكل ثمار الفاكهة ، وتجولت في بقية المنزل ..
فرأت غرفتين للنوم ، إحداهما أوسع من الأخرى ، ولكن لون الأثاث وتصميمه متقارب بدرجة كبيرة ، بالإضافة إلى لون الطلاء الفاتح ..

دلفت تقى إلى غرفة النوم الأصغر ، وإتجهت إلى خزانة الملابس بعد أن أسندت صحن الفواكه على الفراش .. وإكتفت فقط بتفاحة صغيرة في يدها تقطمها على مهل ..
وضعت هي يدها على ضلفة الدولاب ، وسحبتها للجانب ، ثم نظرت بتمعن داخلها لكي تجد ما ترتديه ..
ولكن للأسف كانت الضلفة خاوية ، فزفرت في ضيق ، ونكست رأسها للأسفل ، وحدثت نفسها بخفوت وهي تلوك قطعة التفاح ب :
-إيه ده ؟ هو مافيش أي هدوم في الدولاب ده ؟

-مش هتلاقي حاجة هنا !
قالها أوس بصوت خشن ومرعب رغم هدوئه ..
إنتفضت تقى مذعورة في مكانها على إثر صوته وشرقت .. كذلك هربت الدماء من عروقها ، وإستدارت بظهرها لتراه واقفاً بجبروته المعهود أمامها وهو عاقد لساعديه أمام صدره ، ومستنداً بظهره على باب الغرفة ..

تراجعت بخوف للخلف وهي تنظر إليه بصدمة كبيرة غير مصدقة لما تراه عيناها ، و إصطدم ظهرها بضلفة الدولاب المفتوحة ، وكادت تسقط بداخله .. ولكنها أمسكت بحوافه في اللحظة الأخيرة ..
، ورمشت بعينيها في خوف وظلت تسعل لعدة مرات بسبب المفاجأة ..
راقبها أوس بإشتهاء غريب ، وحدجها بنظرات مطولة متفحصة لحالتها المذعورة تلك ..

واعتلى ثغره إبتسامة شيطانية وهو يراها تكاد تنهار من حضوره الطاغي ..
اعتدل في وقفته ، ثم أرخى ساعديه ، ووضع يديه في جيبي بنطاله القماش الضيق ذي اللون الرمادي ، وتحرك في إتجاهها بخطوات ثابتة ، ولم يحيد بعينيه الصارمتين عنها وهو يتابع بنبرة ماكرة ب :
-هدومك في الأوضة التانية ، أوضتنا .. يا عروسة ....
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السادس

في منزل أوس بمنطقة المعادي
عاصفة من المشاعر المذعورة إجتاحت كيان تقى في تلك اللحظة ..
تسمرت مرتعدة في مكانها وهي ترتجف بجسدها الضعيف ، عجزت قدماها عن الهرب ، فقط ظلت محدقة به ، لا يطرف لها جفن .. ولا ترمش لها عين ...
تحرك أوس في إتجاهها بخطواته الواثقة ، وإبتسامته الشامتة تظهر جلية على ثغره ..

نظرت حولها بذعر ، بحثت عن أي مهرب لها منه ، ولكنها وجدت نفسها شبه محاصرة ..
فخفق قلبها ، وإضطرب صدرها ، وتلاحقت أنفاسها اللاهثة ..
تشبثت هي بضلفة الدولاب بكف يدها المرتجف وكأنها درع يحميها، وإنكمشت بجسدها على نفسها، وضمت ذراعها الأخر إلى صدرها ظناً منها أنها تحمي نفسها.. ثم أغمضت عينيها حينما رأته واقفاً بجسده القوي أمامها ..

حدق هو بها بتلذذ عجيب، ثم مد يده وأسندها على كفها الممسك بجانب الضلفة.. ففتحت عينيها في فزع حقيقي، ونظرت مباشرة في عينيه الجامدتين، وإزدادت إرتعادتها حينما رأت بريق الشر الذي ينبعث منهما ..
حاولت أن تسحب يدها من أسفل كفه ، ولكنه أطبق عليها بأصابعه الغليظة ، ثم وضع أصابع كفه الأخر على فكها ، وأطبق عليه .. ثم مال برأسه عليها ، فجحظت عينيها أكثر ، وكادت أن تخرجا من محجريهما من شدة الخوف ..
خرج صوتها مبحوحاً مكتوماً وهي تتوسل له ب :
-آآ... إبعد عني آآآ..
-لأ يا تقى
قالها هو بصرامة وعناد جلي في نبرة صوته ..

قرب وجهه من وجهها حتى أوشكا على التلامس ، ثم قوس فمه قليلاً وهو يحدثها بصوت خافت ب :
-عاوزك تعرفي إن الخوف الحقيقي لسه مجاش وقته !
هزت رأسها بفزع ، وزاغت عيناها من خوفها الزائد منه ..
-هاه .. آآآ...

إلتوى فمه أكثر ليظهر إبتسامته الوضيعة من بين أسنانه ، ثم تعمد أن يتحسس وجنتها بأنفه ، فأثار إشمئزازها وتأففها منه .. وأغمضت عينيها بإنزعاج وضغطت عليهما ، وحاولت أن تبعد وجهها عنه ، ولكنها كانت أسيرة كفه القوي .. فهتفت بتشنج ب :
-لأ .. آآ.. لأ
إزداد عنجهية ونشوة وهو يراها أسيرة قوته ..
وضعت تقى يدها الأخرى على كفه محاولة إبعاده عن فكها الذي أوشك على تهشيمه من فرط عنفه معها .. ولكنه أبى ألا يتركها إلا بإرادته ..

في منزل الجارة حكمت
تغنجت رحمة بجسدها أمام المرآة الموضوعة في غرفتها بعد أن إرتدت فستاناً شبه عاري من اللون الفيروزي يبرز مفاتنها بإغراء جلي ..
كما كان أيضاً عاري الكتفين ، ويصل إلى فوق ركبتيها بمسافة كشفت عن غالبية ساقيها .. وظهره مكشوف بطريقة مثيرة ..
مشطت رحمة شعرها ، وأسدلته بالكامل بعد أن جمعته معاً على جانب كتفها ، ثم وضعت كلتا يديها في منتصف خصرها ، وبدأت تتمايل بجسدها في دلال ..
إعتلى شفتيها - الملطختين بأحمر الشفاه المغري – إبتسامة ماكرة وهي تتأمل هيئتها الجديدة .. ثم حدثت نفسها بغرور ب :
-كلها شوية ويتفتحلي أبواب الشهرة والمجد

في نفس التوقيت إقتحمت والدتها " حكمت " الغرفة وهي تحمل في يدها ملابس متسخة ، وتهتف بصوت عالي ب :
-بت يا رحمة في عندك هدوم آآآ...
تنبهت هي إلى شكل إبنتها الجديد ، فإتسعت عينيها مصدومة ، وفغرت فمها في ذهول ، ثم سريعاً ما إستعادت رشدها ، وسألتها بجدية :
-ايه ده ؟ إنتي جبتي الهدوم دي منين ؟

هزت رحمة خصرها بمياعة ، ثم إلتفتت برأسها نصف إلتفاتة لتنظر إلى والدتها من طرف عينها ، وأجابتها بحماس ب :
-إيه رأيك ؟ أنفع !
-تنفعي في إيه بالظبط
-هو أنا مقولتلكيش
كورت الملابس إلى صدرها ، وسارت في إتجاهها إلى أن وقفت خلفها ، ثم سألتها بجدية وهي قاطبة لجبينها :
-تقوليلي ايه ؟

إبتسمت إبتسامة فخر ، وهزت كتفيها برشاقة ، وأجابتها بثقة :
-أنا هاشتغل في نايت كلوب
-يعني ايه ده
-يعني كباريه يامه ، كباريه

أرخت حكمت ذراعها ، فسقطت الملابس على الأرضية ، ثم لطمت على صدرها ، وشهقت بفزع وهي تصرخ ب :
-نعم !!! كباريه يا روح أمك ؟!!!!!
ببرود مستفز أجابتها هي قائلة :
-اه يامه ، ماله الكباريه
-ماله ، يعني مش عارفه إنه آآآ...

قاطعتها رحمة بحدة وهي تشيح بأصابع يدها :
-إنتي مش ليكي في الأخر تاخدي فلوس، أهوو أنا اتفتحت قدامي سكة للشهرة
حجدتها حكمت بنظرات قاتلة وهي تهتف ب :
-من الزفت ده يا رحمة !!!!

وضعت هي يدها في منتصف خصرها ، ثم رفعت رأسها في ترفع ، وصاحت بنبرة عالية :
-أيوه ، ما أنا مش هاقضيها كليبات واقعة ، أنا عاوزة أبقى فوق ، فوق أوي
أمسكتها حكمت من ذراعها ، ثم هزتها بضيق وهي تنظر لها بغيظ ، ونهرتها ب :
-يا بت بلاش السكة دي ، شوفي أي حاجة غيرها

أزاحت يدها من قبضة والدتها ، ثم أولتها ظهرها ، وعقدت ساعديها أمام صدرها ، وتابعت بعدم إكتراث :
-مافيش إلا دي يامه ، أنا عاوزة أوصل بقى ، وتعبت من كح التراب وإني أذل نفسي للي يسوى واللي مايسواش
وقفت حكمت خلفها ، وبنبرة شبه متوجسة أردفت ب :
-أنا خايفة عليكي

إستدارت رحمة بجسدها ، ونظرت لها شزراً قبل أن تنطق بتهكم صريح :
-طب خلي حد تاني غيرك يقول كده
ثم إتجهت ناحية باب الغرفة وتابعت بسخط :
-سبيني بقى أشوف حالي خليني أتنتع من القرف ده ....!!!!
ولجت رحمة خارج الغرفة تاركة والدتها " حكمت " في حالة ذهول تام ..

في منزل تقى عوض الله
جلست فردوس على طرف الفراش بجوار زوجها وهي ممسكة بملعقة مليئة بالحساء الساخن وتطعمه إياه بحنية غير معهودة منها ..
تنهدت في حزن وهي تنظر إليه بتفرس متذكرة حبه اللا محدود لإبنتهما ..
أجفلت عينيها ، وحدثته بخفوت ب :
-يا ريتني كنت زيك يا عوض ، قلبي حنين وطيب وبيشيل جواه هموم وماينطقش ، إنت كنت فعلاً عامل زي الجمل ، تتحمل وماتشتكيش .. آآآه ..

أطعمته مرة أخرى ثم تابعت بحزن ب :
-ربنا يشفيك ويزيح عنك ، وترجع تملى البيت بحسك !
ثم رفعت بصرها للسماء ، وناجت ربها بتوسل ب :
-ويردك يا بنتي لحضني وحضن أبوكي تاني ، ونتلم زي الأول مع بعض

حاول عوض التحدث من بين شفتيه المشققتين بصوت ضعيف ب :
-ت.. ت.. تقى !!
جحظت عينيها بذهول بعد أن سمعته يلفظ بإسم إبنتهما ، فشهقت في فرح ب :
-تقى ، إنت .. إنت فاكرها ؟؟؟؟

نظر لها عوض بإستغراب ، ثم سألها بصوت خافض ب :
-هاه .. مين ؟
-تقى بنتنا يا عوض ، ده إنت لسه قايل إسمها ، إيه مش فاكرها ؟ ركز يا راجل ، دي بنتك الوحيدة اللي بتحبها ودايماً كنت بتحاميلها ، ها إفتكرتها ؟؟؟؟
لم يجبها هو بل تمدد على الفراش ، وحدق في سقفية الغرفة ، وشرد في ملكوت أخر .. فتنهدت بإحباط ، وأردفت ب :
-عليه العوض ومنه العوض .. يا عوض ...!!!!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي
اقترب أوس من أذنها ، وهمس فيها بنبرة تشبه الفحيح ب :
-مش بالساهل تبعدي عني ، إنتي ليا وبس ...!
تعمد أوس أن يصر على أسنانه وهو ينطق بالعبارة الأخيرة ليؤكد لها أنها ملكية خاصة به ،و لن يتركها ترحل عنه أبداً ..

ثم أرخى كفيه عنها ، وتراجع خطوة للخلف ، وحدجها بنظرات مطولة وجريئة ممرراً عينيه ببطء على كل جزء في جسدها ، فشعرت بأنها عارية أمامه بالرغم من أنها لم تبدل ثياب المشفى ..
ولكن نظراته الجارحة كانت تخترقها بسهولة تامة ، وكأنها تعرف الطريق إلى مفاتنها .. فضمت ساعديها إلى صدرها لتخبئه عن عينيه الوقحتين ، وثنت ساقها قليلاً ، ولفتها حول الساق الأخرى متكورة أكثر على حالها ..

حانت منه إلتفاتة صغيرة من رأسه لطرف الفراش ليرى الصحن المليء بالفاكهة ، فأخذ نفساً عميقاً ، وزفره على مهل ، ثم وضع كلتا يديه في جيبي بنطاله ، و إنتصب في وقفته ، وإبتسم لها بغرور وهو يحدثها ببرود ب :
-واضح إنك لاقيتي كمان الأكل اللي جبتهولك في التلاجة

مط شفتيه في إعجاب زائف ثم تابع بغطرسة ب :
-كده مافيش داعي أوريكي الشقة ، إنتي ناصحة وهاتتصرفي
صمت للحظة قبل أن يكمل محذراً :
-بس يا ريت شطارتك دي ما تخلكيش تعملي اللي تندمي عليه

لم تنطق هي بكلمة واحدة ، فقد فرت الكلمات من على شفتيها ، وظلت فقط محدقة فيه برعب .. هو ينجح دائماً في إرهابها .. في بث الذعر داخل روحها المعذبة .. وهي لم تكفْ للحظة عن المقاومة ، عن الدفاع عن حالها أمام قسوته التي تزداد يوماً بعد يوم ...
رمقها بنظرات مطولة ومتفحصة دارسة لكل ما فيها ، ثم شرع حديثه بجمود ب :
-استعدي للي جاي !

ثم استعد للولوج من الغرفة ، ولكن إستدار مرة أخيرة ليكمل بتهكم :
- أه صحيح ، معلش منظر الشقة مش أد كده .. بس إنتي موجودة تروقيها .. !!
ثم رسم على ثغره إبتسامة وضيعة قبل أن يتابع بنبرة مهينة :
-ما هي دي شغلتك الأصلية ، خدامة ، يعني حاجة مش جديدة عليكي.... !
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل السابع

في دار رعاية المسنين
تجمع أعضاء الدار من المسنين والمسنات في الحديقة الغناء الواسعة حول بعض الطاولات المرصوص عليها أطعمة صحية ، ووقفت على مقربة منهم مديرة الدار ، ونظرت إليهم بنظرات فخر وإعتزاز ، ثم أردفت بنبرة عالية تحمل الحماسة :
-ممكن أخد من وقتكم لحظات

إنتبه الجميع إلى صوتها الصادح ، فإبتسمت لهم بإمتنان ثم تابعت بثقة قائلة :
-النهاردة هينضم معانا للدار الدكتورة شروق وهتساعد الدكتورة رجاء في شغلها ، وأتمنى أنكم تتعاونوا معاها الفترة دي
راقبت مديرة الدار الجميع بتمعن فوجدت نظرات إستهجان ونظرات إستحسان ، فتنحنحت بصوت خافت ، وأكلمت بصوت حماسي :
-أنا عارفة إنه مش من السهل الواحد يجرب حد جديد ، بس صدقوني دكتورة شروق خبرتها واسعة وهتستفيدوا من نصايحها وآآآ...

جلست تهاني بين الحاضرين ، وتنهدت في إحباط وهي تشيح بوجهها بعيداً عن مديرة الدار ، فحديثها الأخير أصابها باليأس ، فهي قد إعتادت التنفيس عما يكبت صدرها لتلك الطبيبة المهارة ، فكيف ستثق بسهولة بمن لا تعرفه ..
شبكت أصابع يدها معاً ، وظلت تفركهم بحركات عصبية ، ثم أصدرت أنيناً مكتوماً وهي تلوم نفسها قائلة :
-كله حاجة بتروح مني ، كل حاجة بتضيع .. ليه بياخدوا كل حاجة مني ؟ ليه ؟ ليه !!

أدمعت عينيها بشدة، ولم تقاوم رغبتها في البكاء.. وإنتحبت أمام الحاضرين.. فقد مر ببالها ذكرى تسلل ناريمان إلى حياتها لتقتنص الفرصة وتسلب رغماً عنها كل شيء يخصها ..
لقد فقدت عائلتها بالكامل في غمضة عين ، وأصبحت مشردة مطرودة لم تعرف لها أي مأوى سوى بيت أختها القاسي ..
هي تذكر حب تقى - تلك الصغيرة نقية القلب - ومعاملتها الطيبة معها ، لكنها لم تكن إحدى إبنتيها الراحلتين لتغدق عليها بعاطفة الأم الغير متناهية أو حتى بحنو الخالة .. لقد كانت جافة المشاعر ، متحجرة القلب بسبب ما مرت به ..
وبعد فترة من العلاج أدرجت أنها وقعت أسيرة قوقعة الذكريات الآليمة التي دمرت علاقتها بمن تبقى لها ..

رأتها الطبيبة رجاء ، فأسرعت نحوها بخطواتها الرشيقة ، ثم جلست على المقعد الشاغر بجوارها ، وأسندت يدها على فخذها لتنتبه لها ، وبنبرة حانية تشدقت ب :
-مالك يا مدام تهاني ؟ ليه بتعيطي ؟
رفعت تهاني وجهها الباكي للأعلى ، ونظرت لها بإستعطاف قائلة :
-كده تسيبني بعد ما إتعودت عليكي ؟

إبتسمت لها برقة ، ثم هتفت بجدية :
-ومين قالك إني هامشي
قطبت تهاني جبينها ، ورفعت حاجبها في تساؤل قائلة :
-أومال الدكتورة دي جاية ليه ؟

أجابتها الأخيرة دون تردد وبهدوء ب :
-دي هتساعدني بس .. في حالات كتير موجودة وأنا مش قادرة عليها لوحدي وخصوصاً إن إستجابتهم للعلاج بتاخد وقت طويل ، وأنا محتاجة حد يكون عنده ضمير يساعدني وآآ..
قاطعتها تهاني مجدداً بتوتر ملحوظ في نبرة صوتها ب :
-وأنا ؟

أمسكت الطبيبة رجاء بكف يدها ، وضغطت عليه قليلاً ، وقالت لها بصوت هاديء :
-إنتي طبعاً معايا ، إطمني ، وإن شاء الله نكمل العلاج للأخر
ظلت الطبيبة تطمئنها بكلماتها العذبة ، فنظرت لها تهاني بإمتنان ، وتنهدت في إرتياح .. فأعصابها لم تعد تحتمل تكرار تجربة خوض الماضي من جديد ..

في أحد الملاهي الليلية
تمايلت الفتيات الماجنات بأجسادهن العارية على ذاك المسرح الدائري ليلهبن مشاعر هؤلاء السكارى ، ومن ثم يسلبن عقولهم قبل أموالهم ..
ضحكت إحداهن بطريقة خليعة ، في حين وضع ضاب ما يترنح ذراعيه حول كتفها ، ثم همس لها في إذنها بشيء جعلها تزداد مياعة معه ..

كان يتابعهما من على بعد " لوزة " التي كانت تمسك بأحد الكوؤس المليئة بالخمر .. ثم تجرعت ما به في رشفة واحدة ، وأسندته بعنف على الطاولة الرخامية فكاد أن يتحطم ، فنهرها " فارس " الذي كان يجلس بجوارها ب :
-بالراحة يا مزة ، في ايه مالك !
حدجته من زاوية عينها بنظرة قاتلة قبل أن تجيبه بحنق ب :
-يعني مش عارف مالي

نفث دخان سيجارته التي أشعلها في الهواء ، ثم بنبرة باردة تحدث ب :
-يا لوزة كبري دماغك بقى ، ما احنا عملنا كل حاجة عشان نخرب بيت سي زفت بتاعك بس ولا الهوا
حدقت لوزة في نقطة ما بالفراغ أمامها ، ثم ضيقت عينيها المحتقنتين للغاية ، وأجابته بسخط واضح :
-وده اللي هايموتني

مسح هو بلسانه على مقدمة أسنانه ، ثم تجرع من الكأس رشفة صغيرة ، وأردف بإهتمام :
-أصل زي ما يكون مافيش حاجة حصلت
فكرت هي لوهلة فيما حدث من قبل ، وحاولت أن تجد تفسير منطقي لتأخر ردة فعل أوس على تلك الكارثة التي إرتكبتها بحق أخته ، ودار برأسها أنه ربما يجهل بكل شيء .. ولم يصل الأمر إلى مسامعه ، لذا إعتدلت في جلستها ، وصرخت بإندفاع :
-مش يمكن معرفش

هز فارس رأسه نافياً ، ثم تحدث من زاوية فمه بجدية ب :
-إستحالة ، ده أنا بنفسي اللي مسلم الظرف في الشركة عنده !
إزداد إحتقان عينيها بالدماء الغاضبة ، وتلون وجهها بحمرة ملتهبة ، ثم صرخت بإنفعال ب :
-يعني عاوز تفهمني إن قلبه ما اتحرقش على اخته

أجابها ببرود وهو يدخن سيجارته ب :
-مش عارف بصراحة ، بس إنتي عارفة إنها هتتجوز
ضربت بقبضة يدها على الطاولة الرخامية ، وأمسكت بالكأس بقبضتها ألخرى وضغطت عليه ، ثم نطقت بصوت محتد ب :
-وده هاينقطني كمان ، تعبنا راح على الفاضي
-أه والله .. هيييح ..
قالها فارس وهو يطلق تنهيدات حارة من صدره الذي كان يتحسسه بأصابعه ، ثم تابع بصوت متحمس :
- خسارة وربنا ، ده البت إيييييه ، كانت جامدة طحن ، ماكنة على حق !

تشنجت لوزة بطريقة عصبية قائلة :
-ما تتلم يا فارس ، ولا عاوزني أطلع جناني عليك
أشار هو لها بكفيه حتى تهدأ ، ثم بادر بجمود زائف ب :
-خلاص .. بالراحة بس .. ده إنتي الأصل يا مزة

لوحت هي بقبضتها في الهواء ، وقالت بإحتقان :
-ياما كان نفسي ألوي رقبتك يا أوس تحت إيدي
أشار فارس للعامل بعينيه لكي يملأ كأسه مجدداً ، ثم إلتقط " زيتونة " من صحن المقبلات ، وإبتلعها في جوفه ، وتسائل بنبرة شبه مهتمة ب :
-بس حاجة غريبة إنه مش باين خالص اليومين اللي فاتوا دول في أي مُكنة

أومأت لوزة برأسها موافقة ، فهي متيقنة أن إختفائه الغريب هذا لن يكون بدون سبب مقنع خاصة وأنه عاشق متيم لرغباته ، ولا يمكن أن يؤجل تلك المسألة التي تستهويه لأكثر من عدة أيام ...لذا لابد أن يكون الدافع قوياً لكي يختفي فجأة ..

إنتبهت هي أن فارس مازال محدقاً بها ، فتنحنحت بصوت عالي ، ثم قالت بيأس :
-أيوه ، وأنا مش عرفاله طريق جرة
حك هو رأسه ، ثم أضاف بجدية :
-يكونش لسه مسافر

رمقته هي بإستهزاء ، وأجابته بسخط :
-إنت أهبل .. استحالة ، هو ميقدرش يغيب كل ده عني إلا إن .. آآ.. إن كان شافله شوفة تانية
نظر لها بإهتمام وهو يقول :
-قصدك إنه رمى الهِلب على بت شمال ؟!

لوت شفتيها في ضيق وهي تجيبه ب :
-جايز ، واحدة فهمت دماغه وعرفت تظبطه صح !
رفع حاجبه في إندهاش ، وحدق بها بإستغراب ، ثم قال بنبرة تحمل الإستنكار :
-واحدة غيرك !!!

تجشأت لوزة من أثر الخمر الذي لم تكفْ عن إرتشافه ، وأكملت بإنزعاج :
-اه .. أومال يعني هايكون مخفي فين عني ؟ ده كان اخره يغيب اسبوع ، ويرجعلي تاني عشان أركع تحت رجليه ، وآآ..
عضت على شفتيها ولم تكمل عبارتها حيث تذكرت كيف كان يتلذذ بتعذيبها ، وهي التي كانت تتفنن في إرضائه حتى ينال غرضه منها

لم يهتم فارس بصمتها ، بل إرتشف من كأسه ، ثم أردف بسخط :
-يعني هي لهفت القرشين منك
رمقته بنظرات مميتة ، وكورت قبضة يدها بغيظ ، ثم كزت على أسنانها وهي تصرخ بعنف ب :
-ده أنا أدبحه وأدبحها ، مش بعد اللي عمله فيا يفلت مني قبل ما أجيبه مذلول تحت رجلي
-طب هاتعملي ايه ؟ ماهو موضوع المزة اخته فكس مننا !

سلطت أنظارها على زجاجات الخمر المرصوصة أمامها ، ثم قالت بتوعد :
-هاشوف الأول هو فين ، وأجيب أراره ، وبعد كده هاتصرف معاه !
إنتهى فارس من إرتشاف كأسه ، ثم تابع بنظرات شهوانية إحدى الفتيات التي تتراقص بفجور جلي ، فنهض عن مقعده ، وقال بفتور :
-إعرفي ديته إيه معاكي ، وأنا رقبتي سدادة طالما هتشوفيني بالمعلوم

لاحظت هي أنظاره المشدودة ناحية تلك العابثة ، فنهرته بحدة ب :
-إنت معايا يا أبو الفرس ؟!
تنحنح بصوت خشن وهو يجيبها ب :
-إحم .. آآ.. اه طبعاً ، أنا دايس في أي حاجة طالما هأقبض .. عن إذنك أما أدوس هناك لأحسن الخمرة إشتغلت
ثم تركها وتوجه ناحية تلك الفتاة ، ولف ذراعه حول خصرها ، وجذبها إلى صدره ،وظل يعبث بأصابعه على مفاتنها ، وهي تتمايل بطريقة مثيرة أمامه ..

كانت ليان مشغولة بالتجهيز لحفل عرسها - الضخم - الذي تم تحديد موعده في نهاية الأسبوع الحالي ..
لم تشعر بفرحة العروس التي تسيطر – في الغالب - عليها قبل أيام قلائل من زفافها .. بل على العكس تماماً كانت الدمية التي يحركها الأخرون وفق رغباتهم .. ولم تبدْ أي إعتراض .. فقد تحدد مصيرها ، وسيتحمل معها جريمتها ذاك الذي إرتضى بها زوجته ..
ولم تنفك ناريمان هي الأخرى عن إدعاء سعادتها الغامرة بزفاف صغيرتها أمام رفيقاتها حتى لا يتضح لهن حقيقة الأمر ..
وتجاهلت عن عمد الإجابة عن أي أسئلة تخص مسألة تلك الزيجة السريعة ، وإكتفت فقط بالرد الدبلوماسي :
-(( بينهم قصة حب كبيرة من فترة ، وعدي مش قادر يستنى أكتر من كده ، هههههه ، ما إنتو عارفين هو جاهز من كله ، ومش محتاج ، وأنا مش هاقف قصاد سعادة بنتي ))

ورغم هذا إهتمت بكافة التفاصيل الصغيرة الخاصة بالحفل .. حيث طلبت إحضار فستان الزفاف من أتيليه مصمم عالمي .. وكذلك إقامة حفل الزفاف في أحدث القاعات ذات الصيت الواسع في الشهرة ..
وأوكلت تلك المهمة لمحترفي تصميم حفلات الزفاف لينتهوا من أدق التفاصيل والتي شملت تنفيذ تصميم مبتكر وجديد ل دعوات الحضور الخاصة بالحفل ، نوعية الطعام الفاخر المقدم ، الديكورات الخاصة بالقاعة ، فقرات الحفل ، المطربين المشاركين فيه .. برنامج الحفل النهائي ..
بالإضافة إلى دعوة عدد من مشاهير المجتمع من رجال الأعمال والفنانين والأثرياء للحضور ، وأيضاً محرري صفحات المجتمع في الجرائد والمجلات المعروفة ..

تابع مهاب ما يحدث بإنزعاج ، ولم يشارك في أي شيء .. اكتفى فقط بالمشاهدة والنظر إلى ليان بسخط والتي كانت مدركة لمشاعره القانطة نحوها ..
توالت التهنئات عليه من المقربين منه ، ومن العاملين بالمشفى .. فكانت ردوده عليهم جافة مما دفعهم للشك والتساؤل ، لكنه لم يهتم بأرائهم ، وأجابهم بهدوء غريب ب :
-نركز في الشغل أحسن ...!

كذلك رتب مهاب لحضور مؤتمر طبي في دولة النمسا عقب فرح ليان مباشرة ليهرب مما يحدث ، ويحظى بوقت خاص به ( ولكن من نوع أخر ) ..

توالت الأيام على تقى وهي في حالة نفسية سيئة .. كما إزداد نحول جسدها .. وذبل وجهها للغاية .. هي كانت تقتات ما يجعلها تصمد للحياة
ظلت هي حبيسة ذاك المنزل الذي باتت جدرانه خانقة لأنفاسها .. لم يأتْ أوس لزيارتها ، فقط تركها تعاني من إرهابه المقيت بتخيلها مجيئه للإنقضاض عليها وسلبها أعز ما تملك ...

لم تعرف كيف تتصرف ، توقف عقلها عن التفكير ، فقد أرهقتها الظروف ، وأنهكها التفكير في مصيرها المحتوم ..
كانت تقضي يومها البطيء قابعة في تلك الغرفة الصغيرة ، متكورة على نفسها .. تخشى الخروج منها حتى لا تتفاجيء به موجوداً أمامها .. لساعات كانت تنتحب على الأرضية بأنين مكتوم وهي تدعو الله أن ينجيها مما هي فيه ..
لم يعد لديها أي أمل في الحياة سوى رؤية عائلتها .. والبقاء في كنفهم .. ولكن للأسف حتى هذا الأمل باتت محرومة منه ...

كانت تشعر بأنها مراقبة منه بالرغم من أن باب الغرفة موصود في غالبية الوقت ، والمفتاح موضوع أسفل وسادتها ..
لكن إحساسها بوجودها في منزله جعلها تهاب من أي شيء يخصه خاصة في الليل .. حيث تظل متقدة الحواس ، مسلطة أنظارها على الباب ، ومتمسكة بذعر بالملاءة إلى أن يغلبها النعاس من شدة الإرهاق .. فتغفو والخوف مسيطر عليها ..

استمر أوس في مباشرة أعماله خلال الفترة الصباحية .. والتردد على القصر لتبديل ثيابه ، ولم يعبأ بما يدور من ترتيبات لحفل العرس الذي بات وشيكاً ..
كما لم يعدْ يتواجد بمقر شركته لفترات طويلة ، فقط الإجتماعات والأمور الهامة هي التي ينتهي منها بنفسه ، والبقية يتركها للمدراء المعنيين ..
أما حينما يأتي المساء ، كانت له متعة من نوع خاص .. حيث ينتظر في سيارته إلى أن يتأكد من إطفاء تقى للأنوار ، فيصعد إلى منزله ، ويراقبها بتمعن شديد ..
في البداية تفاجيء من أنها توصد الباب عليها ، ولكنها كانت ساذجة فبنزعها للمفتاح من موضعه ، يسهل عليه الأمر في فتحه بالمفتاح الأخر الذي معه ..
إلى أن حانت اللحظة الحاسمة ، فقرر أن يترك لها علامة أكيدة على وجوده بالقرب منها ..
دلف إلى الغرفة بخطوات متهملة ، لم يشعل الإضاءة ، إكتفى فقط بالإنارة الخارجية الخافتة التي تنبعث من مصابيح الرواق ..

اقترب أوس من الفراش ، ثم عقد ساعديه أمام صدره ..
وتابع سكونها للحظات .. وتأمل إرتجافة جفونها ، وإنفراج شفتيها الذابلتين بتلذذ عجيب ..
تقوس فمه للجانب قليلاً في إشتهاء وهو يحدث نفسه ب :
-أول مرة هاكون فعلا مبسوط بجد باللي هاعمله فيكي ..!!!

إنحنى أوس بجذعه للأمام ، ومرر يده ببطء على الملاءة التي تدثر أسفلها ، وشعر بدفيء ينبعث من جسدها ..
ثم تلمس بحذر جبينها ووجنتها بأنامله ، وتابع بخفوت هامس ب :
-مش هاتخلصي مني أبداً
وضع أوس إصبعه على شفتيها ، وتحسسها برفق شديد ..
لمعت عينيه ببريق غريب وهو يرى تلك الإلتواءة عليهما .. فإبتسم بخبث قائلاً :
-كان لازم تفكر مليون مرة قبل ما تيجي ناحيتي !

تنهدت في نومها ، فشعر بأنفاسها الحارة على أصابعه ، فسرت قشعريرة غريبة في جسده أثارته ، وأغمض عينيه ليستمتع بهذا الشعور الغريب .. وكاد أن يستسلم لأفكاره بإفتراس ضحيته ، وإلتهامها بلا تردد ، ولكنه سيطر على نفسه .. فأبعد يده عنها ، وإعتدل في وقفته ..
ثم سار مبتعداً عنها ، وتعمد أن يترك باب الغرفة مفتوحاً ليوصل لها رسالة معينة تحمل من الذعر والرعب ما يجعله يزداد إنتشاءاً برؤيتها على تلك الحالة .. فقد أزف الوقت !

كلفت لوزة فارس بالذهاب إلى المقر الرئيسي لشركات الجندي للصلب في محاولة يائسة منها لتقصي أي معلومات عنه ..

وبالفعل توجه هو إلى هناك ، وكان على قدر كبير من الحذر كي لا يتم كشف أمره ..
سار فارس بخطوات مرتبكة ناحية الإستقبال .. وتلك المرة تعمد أن يغطي وجهه بلحية زائفة ، وكذلك نظارات سوداء كي يخفي ملامح وجهه ..
طرق بيده على السطح الرخامي ، فإنتبه الموظف له ، ونظر لها بتمعن وهو يسأله بنبرة جادة ب :
-أيوه يا فندم

إبتلع فارس ريقه ، ونظر حوله بريبة ، ثم أجابه بإرتباك ب :
-أنا .. أنا كنت عاوز أشوف الباشا أوس
نظر إليه الموظف بنظرات شبه إحتقارية ، ورد عليه ببرود ب :
-في ميعاد سابق ؟
-إحم .. آآ.. لأ
-يبقى مش هاينفع يا فندم ، لازم يكون في ميعاد عشان تقابله

ثم إدعى الموظف إنشغاله بكتابة بعض الملاحظات على حاسوبه الخاص ، وتجاهل فارس تماماً ..
زم الأخير فمه للجانب ، ووضع يده على لحيته الزائفة ليتأكد من ثباتها ، ثم قرب رأسه ناحية الموظف ، وسأله بخفوت حذر :
-لامؤاخذة يا أخ ، هاعطلك شوية

نظر له الموظف بإنزعاج ، وسأله بنبرة حادة
-في ايه تاني ؟
لوح فارس بكف يده بحركات دائرية في الهواء ، ثم تابع بصوت منخفض ب:
-بالراحة ، ده إحنا شباب زي بعض ، واخوك مزنوق كده في كام حاجة ، ويا سيدي مش هأخرك ده هو سؤال بس ؟

رمقه الموظف بنظرات إستهجان وهو يسأله على مضض ب :
-ها ؟
-يعني .. يعني أنا عاوز بس أعرف هو الباشا موجود ولا لأ ؟
حدجه بنفس النظرات المتعالية قبل أن يجيبه بإيجاز ب :
-لأ
-طب هو مسافر ، ولا جاي كمان شوية ؟
-لأ

لم يفهم فارس رده الموجز هذا ، فسأله بإستفسار ب :
-لأ إيه بالظبط ؟!
نظر له الموظف بضيق وهو يجيبه بسخط ب :
-يعني هو مش متواجد الأيام دي
إزدادت حيرة فارس ، فتنحنح بصوت خشن ، وسأله بإهتمام ب:
-ليه ؟

رد عليه الموظف بنبرة شبه محتدة ب :
-معرفش !
إبتسم له فارس بسخافة ، ثم سأله ببرود مستفز ب :
-حاجة حصلت عنده ؟
هنا ترك الموظف ما في يده ، وحدجه بنظرات حادة وهو يسأله بجدية شديدة ب :
-إنت بتسأل ليه ؟

ارتبك فارس ، وحاد ببصره عنه ، وأجابه بتلعثم ب :
-هاه .. آآ.. لأ عادي ، خ.. خلاص هابقى أحدد ميعاد وأجيله تاني
رد عليه الموظف بصوت حاد ب :
-يكون أفضل
نظر له بإستهزاء ، ثم إبتعد عنه ، وهو يحدثه بتهكم ب :
-طيب .. سلام يا .. يا ريس !
إشتعلت مقلتي الموظف بالغضب ، ولكنه تمالك أعصابه كي لا يفقد رونقه مع أمثال هؤلاء الأغبياء ....

خرج فارس من مقر الشركة وهو يزفر بإرتياح ، فقد نجا بإعجوبة من أن يتعرف عليه أي أحد ، ولكن إزدادت حيرته ، فهو لم يعرف أي معلومات تفيده يمكن أن يبلغ بها لوزة ..
بصق هو على جانب الطريق ، ثم قال بسخط :
-هو يوم فقر زي وش أمه العكر !

بحثت لوزة هي الأخرى عن أوس في الأماكن التي إعتاد التواجد فيها من أجل إنتقاء من تناسبه من العابثات ليمارس عليهن ساديته ، ولكن لم يكنْ له أي أثر .. ولم يظهر على الساحة في بعض الملاهي الراقية والمعروف عنها طبيعة روادها .. فالكل ينكر رؤيته لأسابيع متصلة ..

إستشاطت هي من الغضب بسبب إختفائه الغريب ، وحدثت نفسها بحنق ب :
-مش هاتعرف تزوغ مني يا أوس ال *** ، برضوه هوصلك
ثم أضاء عقلها فجأة بشيء ما ، حيث تذكرت أمر منزله المخصص للملذات والرفاهية ، فهتفت بحزم :
-كان تايه عن بالي إزاي ، أكيد هايكون هناك ، أنا رايحاله ..!
ثم سارت بخطوات أقرب إلى الركض في إتجاه سيارتها ، وركبت خلف عجلة القيادة ، وإنطلقت بها نحو منزله...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل الثامن

في منزل أوس بمنطقة المعادي
تمطعت تقى في الفراش بذراعيها وهي تحاول النهوض بعد أن فتحت عينيها بتثاقل ..
لم تهتم بالهالات السوداء التي تشكلت أسفلهما، ولا بالشحوب الدائم للون وجهها.. فما يهمها حقا هو أن يمر يومها دون أن تضطر فيه للمواجهة الحاسمة مع من تبغضه ..

حركت رأسها للجانب لترتسم علامات الذعر على قسمات وجهها المتعب ..
حاولت أن تنطق بشفتيها ، فخرجت الكلمات مرتعشة :
-م... مين .. مين اللي فتح الباب ده ؟

انكمشت على نفسها ، وضمت ساقيها إلى صدرها ، وإلتصقت بالفراش وهي جاحظة العينين ، وأكملت بنبرة مذعورة :
-أنا .. أنا كنت قفلاه قبل ما أنام

إبتلعت لعابها المرير بصعوبة ، ونهضت بحذر من على الفراش لتختبيء خلف باب الغرفة ..
حاولت أن تختلس النظرات من الزاوية المختبئة بها ، ولكنها لم تتمكن من رؤية أي شيء ..
حبست أنفاسها مترقبة ، وأغمضت عينيها وتمتمت بخفوت ب :
-أستر يا رب ..
كانت تخشى أن يكون أوس بالخارج ينتظرها لينفذ حكم إغتيال برائتها ، فحاولت أن تطرد تلك الوساوس من عقلها ، وتطمئن نفسها بأنه لا صحة لهذا ، وأنها قد غفلت بسبب الإنهاك دون أن تغلق الباب ..

عضت على شفتيها في حيرة ، وحانت منها إلتفاتة خفيفة من رأسها ناحية الوسادة ، وإزداد إتساع مقلتيها حينما رأت طرف المفتاح يبرز من أسفلها ..
إنقبض قلبها ، وتسارعت دقاته .. وحدثت نفسها بخوف جلي :
-مش ممكن ، طب .. طب مين فتحه ؟

تنفست بعمق لتضبط نبضات قلبها - ففكرة وجدها بالقرب منه هو الفزع الحقيقي بالنسبة لها – وجاهدت لتستجمع شجاعتها الهاربة حتى تخرج من الغرفة وتتأكد من صحة شكوكها ...

سارت تقى على أطراف أصابعها نحو الخارج ، ونظرت حولها ببطء وبريبة وهي تتأمل الرواق داعية الله في نفسها أن يخيب ظنونها ..
تنفست الصعداء حينما وجدت المكان هادئاً كما تركته بالأمس .. وإعتدلت في وقفتها ، وسارت بخطوات واثقة نحو الصالة ..
لكن تعالت شهقتها وصرخت مذعورة حينما وجدته جالساً أمامها على الأريكة واضعاً ساقه فوق الأخرى :
-لألأ ..!

إعتلى ثغر أوس إبتسامة شيطانية وهو ينظر لها بتفحص مميت ، وتلذذ عجيب ، ثم نطق بمكر :
-صحي النوم يا حلوة !
صمت هو للحظة واحدة قبل أن يكمل بنبرة جادة بعد أن أنزل ساقيه ، وإعتدل في جلسته ب :
-ده النهاردة .. دخلتنا !!!!

في منزل ممدوح بمصر الجديدة
إنتهت الخادمة من تنظيف المنزل ، وإعداد الطعام الظارج لرب عملها ، ثم لملمت أشيائها ، وتوجهت نحو غرفة مكتبه ، ثم طرقت بخفة على الباب قائلة :
-أنا خلصت يا بيه كل اللي ورايا ، والأكل جاهز على السفرة ، تؤمرني بحاجة تانية ؟

نظر لها ممدوح من أسفل نظارته الطبية ، ثم بجدية أجابها ب :
-لأ .. امشي إنتي ، وبكرة تيجي في ميعادك

إبتسمت الخادمة في سعادة ، ثم أجابته بتلهف :
-حاضر يا بيه
وضعت هي حقيبتها على كتفها ، وإتجهت نحو باب المنزل ، وقبل أن تغلقه خلفها سمعت صوتاً رجولياً حاداً يأمرها ب :
-إستني

إلتفتت الخادمة نحو مصدر الصوت ، فرأت رجلاً مهيباً يبدو عليه الوقار ، ولمحات من الشيب تبدو واضحة على فروة رأسه ، فتنحت جانباً ، واخفضت رأسها للأسفل وقالت بتلعثم :
-آآ.. أيوه يا بيه

حدجها ذاك الشخص بنظرات حادة قبل أن ينطق بصرامة :
-البيه اللي مشغلك موجود

رمشت بعينيها ، وسألته مستفهمة ب :
-الضاكتور ممدوح
نظر لها شزراً ، وأكمل متهكماً :
-أه هو .. هايكون مين غيره
أومأت الخادمة برأسها ، وأجابته بهدوء ب :
-إيوه يا بيه .. هو آآآ..

لكزها بقسوة في كتفها لكي يلج إلى داخل المنزل وهو يقاطعها بصوت محتد ب :
-خلاص .. اوعي من وشي
إندهشت الخادمة من طريقته الفظة ، ووقفت تنظر له بإندهاش وهي فاغرة شفتيها ب :
-هاه .. مين ده ياخواتي ؟
هزت كتفيها في عدم إكتراث ، ثم أغلقت الباب وإتجهت نحو المصعد ...

تفاجيء ممدوح ب " سامي " يقتحم عليه غرفة مكتبه وهو يصرخ ب :
-عملتها فيا وخلعت

نزع ممدوح نظارته الطبية ، وأسندها على مكتبه بعد أن نهض عن المقعد ، ثم سار نحوه قائلاً بإستغراب :
-سامي ، إهدى بس الأول
لوح سامي بيده في الهواء بعصبية وهو يصدح ب :
-مش هاهدى ولا هارتاح إلا لما تشوفلي حل في المصيبة اللي حدفتني فيها

أشار له بكف يده لكي يجلس وهو يحدثه بصوت هاديء ب :
-حاضر ، اقعد بس عشان نعرف نتكلم
زفر سامي بإنزعاج وهو ينظر بحنق في إتجاهه ، ثم إقترب من المقعد الجلدي ، وألقى بثقل جسده عليه ، وتابع بإمتعاض ب :
-استغفر الله العظيم ، أديني أعدت ، هاتعمل ايه بقى ؟

نظر ممدوح له بإمتنان لإستجابته لطلبه رغم الضيق البادي عليه ، ثم تنحنح بصوت خشن ، وسأله بهدوء حذر ب :
-قولي بس ، إنت.. إنت دخلت إزاي ؟
رمقه سامي بنظرات ساخطة وهو يجيبه بإنفعال ب :
-من الباب !

ضيق ممدوح عينيه في حيرة ، ولوى فمه للجانب قليلاً وهو يرد ب :
-بس أنا ماسمعتش صوت الجرس وآآ..
قاطعه الأخير بنبرته شبه المنفعلة ب :
-خدامتك كان خارجة وأنا لحقتها قبل ما تقفل الباب

أرجع ممدوح رأسه للخلف في تفهم ، ثم أضاف :
-أها ... قولتلي
صر سامي على أسنانه وهو يكمل بصوته المحتد ب :
-أنا عاوز حل للخساير اللي نازلة زي الداهية عليا
-طيب .. اصبر ، أنا هاتصرف وآآآ..

قاطعه مجدداً بنبرة غليظة ب :
-مش هاصبر ، إنت وعدتني هاتخرب بيت أوس الجندي ، وأنا بيتي اللي اتخرب مش هو !!!!
نفخ ممدوح في ضيق ، وحاول أن يسيطر على أعصابه كي لا ينفعل أمامه ، وبذل مجهوداً مضنياً ليخرج صوته هادئاً وهو يجيبه ب :
-وأنا كنت هاعرف منين إنه هيسافر ويعمل التوكيل وآآ..

نهض سامي من مكانه وعلى وجهه علامات الغضب جلية فتوقف ممدوح عن الحديث ، ثم صاح الأول محتداً ب :
-مش مشكلتي ، خسارتي دي إنت اللي هاتتحملها !
ثم ضيق عينيه ليستأنف حديثه بتوعد قائلاً :
-وإلا هاتصرف بطريقتي ... !!!

تابعه ممدوح بصمت ولم يعقب ، فتابع الأخير بصوت متوعد ، ونظرات قاتلة ب :
-وصدقني يا ممدوح ، أنا طريقتي مش هاتعجب أي حد ، ويمكن يطير فيها رقاب !!
نهض ممدوح هو الأخر عن المقعد ، وسأله بجدية شديدة وهو ينظر مباشرة في عينيه ب:
-إنت بتهددني ؟

هز سامي رأسه بسخط وهو يجيبه مزمجراً ب :
-إفهمها زي ما تفهمها ، بس ده أخر ما عندي ، سلام !

ثم تركته وإندفع نحو باب الغرفة ليخرج منها وهو يغمغم بكلمات غاضبة تحمل سباباً لاذعاً ..
إنزعج ممدوح من طريقة الحوار الحادة ، وسار خلفه محاولاً اللحاق به ، لكنه كان قد خرج من المنزل ، وصفق الباب بعنف ورائه ، فلوى فمه في ضيق ، ونطق متذمراً ب :
-أبن اخوك ومش قادر عليه ، هاعملك ايه يعني ؟ اتصرف معاه ، وخليني أشوف أنا هاخرب بيت أخوك نفسه إزاي !!!!!

وصلت لوزة بسيارتها أسفل البناية التي إعتادت الذهاب إليها حيث يوجد منزل أوس ..
مر ببالها ذكرى تمددها على الفراش مقيدة الذراعين ، وأوس ينال منها ما يريد ، يعذبها بلا رحمة ، يمارس ساديته بجبروت مخيف ، وهي من أسفله تتأوه وتصرخ بإستمتاع زائف ملبية لرغباته ..
كم عانت لأيام من كدماته الزرقاء ، ومن أثار أظافره التي نهشت جسدها .. ورغم هذا لم تأن ولم تشتكي .. فرضاؤه غايتها الأسمى ..

كانت الإهانة الحقيقية لها حينما يفرغ منها ويأمرها بالرحيل بعد أن يلقي في وجهها بالمال وكأنها حشرة لا قيمة لها .. هي حقيقتها المقيتة ، لكنها ظنت أنها معه أكثر من هذا ...
هي تعشق قوته المفرطة وسيطرته التامة ، ولن تنكر أنه أرضاها ، ولكنها أبت أن تظل خانعة للأبد له .. أرادت أن تذيقه من نفس الكأس ، لكنه تركها تعاني من إدمان إذلاله لها .. بل من حبها المريض له ..
إعتقدت هي بتلويث شرف أخته ستكسره وتجعله يأتي مهرولاً إليها ، لكنها صُدمت بأن ما فعلته أصبح هباءاً منثوراً .. ولم يؤثر فيه على الإطلاق.. بل إنه إبتعد تماماً عنها ، ووضع بينهما حاجز وأخر وأخر ...

زفرت لوزة في ضيق بعد أن نفضت تلك الذكريات عن مخيلتها ، ومسحت بمنشفة ورقية حبات العرق من على جبينها ، وتأملت المكان بنظرات ساخطة ، ومالت برأسها للأمام نحو المدخل ، وصرت على أسنانها وهي تتحدث ب :
-امسكي أعصابك يا لوزة ، اهدي عشان تعرفي هو فين

ثم أمسكت بخصلات شعرها ولفتها حول إصبعيها ، وضيقت عينيها الحادتين ، وتابعت بتوعد رهيب ب :
-بس وحياة مقاصيصي دول ، لهسففك التراب يا أوس لو طلعت لايف على واحدة تانية غيري ، مش أنا اللي اكون فاضلة حد ، هاطلع القديم والجديد على جتتك ، وهاخلص كله منك !

صفت هي السيارة بجوار الرصيف ، ثم ترجلت منها ، وعدلت من وضعية تنورتها الضيقة والقصيرة ، وجابت بأنظارها المكان ، ثم سارت بتغنج في إتجاه مدخل البناية...

في منزل أوس بمنطقة المعادي
رمق أوس تقى بنظرات مستمتعة وهو يراها تنتفض برعب أمامه ..
برزت أسنانه الحادة بقوة وهو ينطق بصرامة ب :
-ايه ؟ مفكراني هاسيبك لوحدك كتير .. ده حتى عيبة في حقي !

وضعت كفي يدها على فمها لتكتم شهقاتها المذعورة ، وتراجعت بتوتر شديد للخلف ..
-آآآ.. إنت !
لم تظن تقى أن شكوكها أصبحت حقيقية ، وأنه بالفعل موجود معها في المنزل ، والليلة هي ليلة ذبحها ..

نهض عن الأريكة بثبات ، وسار واثق الخطى نحوها بجسده المتصلب ثم شمر عن ساعديه ، ونظر لها بنظرات ذات معنى قائلاً بجمود :
-فستانك هناك أهوو .. قسيه !
نظرت تقى حيث أشار بعينيه ، ورأت بالفعل فستاناً – لم تتبين ملامحه - موضوعاً في حافظة جلدية على الطاولة .. فإتسعت عينيها في صدمة وهي تهمس لنفسها بتلعثم ب :
-لأ .. مش ممكن ، مش .. مش ممكن !

تقوس فمه بإبتسامة متشفية وقد إستطاع أن يقرأ ما تقوله عينيها بوضوح ..
أخذ هو نفساً عميقاً ، وزفره على مهل ، ثم تابع بصوت جاف ب :
-مقاسك مخدتش مني مجهود عشان أخمنه ، وأظن إنك مش هاتحتاجيه اصلاً النهاردة !

هزت رأسها عدة مرات رافضة لما يحدث .. ولم تطرف عينيها من الخوف .. وإستمرت في التراجع بجسدها الهزيل للخلف .. وعقلها مسيطر عليه فكرة واحدة ظلت ترددها لنفسها مراراً وتكراراً :
-إنت .. إنت مش هاتلمسني !

نظر لها أوس بعبث قائلاً ببرود :
-شكلك مش مصدقاني !

لم تتحمل هي نظراته المميتة لها ، وشعرت بخدر رهيب يسيطر عليها ..
مجرد التفكير في لمسه إياها أصابها بالإعياء .. وظلت تهمس لنفسها بإصرار :
-مش هاكون ليك .. ده كله كدب .. كدب !

إزداد شعورها بالخدر وتلك المرة لم تقرر مقاومته ، فإستسلمت له ، وأغمضت عينيها ، وإرتخت عضلات ذراعيها ، وإنهار جسدها ، وفقدت وعيها ..
كادت ترتطم بالأرضية ولكن كانت ذراعي أوس الأسرع في إلتقاطها والحول دون سقوطها ..

تمسك أوس بتقى جيداً ، وضمها بذراعيه إلى صدره ، ونظر إليها بنظرات مطولة متأملاً الوهن الرهيب الذي تمكن منها قبل أن ينالها هو ..
ثم أخفض ذراعه الأيسر ليحاوطها من خصرها ، ومال بجذعه للأسفل ليضع ذراعه أسفل ركبتيها ، ثم حملها وأحكم قبضتيه على جسدها ، وأحنى رأسه على جبينها ، وهمس لها ب :
-مش هاتعرفي برضوه تهربي مني ، إنتي ليا وبس ..!!!!

شعر بتشنج قسمات وجهها ، فإزدادت إبتسامته شراسة ..
ثم أطلق صفيراً خافتاً وسار حاملاً إياها نحو غرفة النوم الأخرى .. نحو غرفته الخاصة ...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل التاسع

في منزل أوس بمنطقة المعادي
وصلت لوزة إلى الطابق المنشود ، وتأملت المكان من حولها بحذر ، ثم أسرعت ناحية " الجرس "لتقرعه ..
ولكن قبل أن تضع يدها عليه سمعت صوتاً مألوفاً يصدر من الداخل ، فإتسعت عينيها في حنق ، وكزت على أسنانها قائلة :
-أوس ، ده .. ده هو !!!

حاولت أن تخمن ما الذي يحدث في الداخل ، ولكن وجدت صعوبة في إسترقاء السمع بوضوح ..
هدأ الصوت فجأة ، فإنزعجت كثيراً حيث ظنت أنه يمارس ما عهدته منه مع غيرها ..
إشتعلت مقلتيها بشرر غريب .. ووقفت تهز ساقيها بعصبية وهي تقرع الجرس وتحدث نفسها بحنق ب :
-والله لأوريك إنت وهي وأجرسك في العمارة

إنتظرت على جمرة من النيران المستعرة أن يفتح لها الباب ..
وهنا تلاعب الشيطان برأسها وأوهمها بأشياء مشينة تحدث .. أشياء تجيد فعلها معه ..
لم تتمالك أعصابها وهي تتخيل غيرها في أحضانه يمارس مبتغاه معها ، فضربت على الباب بعنف وهي تصرخ ب :
-إفتح يا أوس ، أنا عارفة إنك جوا معاها ، إفتح وإلا آآ..

كانت على وشك ضرب الباب بقبضتها مرة أخرى ، ولكنها توقفت حينما وجدته أمامها .. وتجمدت الكلمات على شفتيها
إبتلعت ريقها بتوتر ، ورمشت عدة مرات وهي تحاول أن تكمل بنفس النبرة المحتدة ب :
-هي فين اللي آآ.. آآآآآه

لم تكمل هي جملتها الأخيرة بل صرخت متأوهة من الآلم حيث قبض أوس على رسغها بعنف ودفعها لداخل منزله ، وصفق الباب خلفهما بقوة ..

في منزل تقى عوض الله
خرج الشيخ أحمد من غرفة العم عوض وهو مطرق الرأس وممسك بمسبحته ، ثم تنحنح بخفوت قائلاً :
-الحمدلله يا ست فردوس ، إحنا بقينا فين

نظرت هي له بإمتنان ، ثم هتفت ب :
-يستاهل الحمد طبعاً ، بس آآ..
ثم صمتت وأخفضت رأسها في حزن ، فنظر لها الشيخ أحمد بتوجس ، وسألها بقلق ب :
-بس إيه ؟

بدى صوتها حزيناً منكسراً حينما أجابته ب :
-بس هو مش فاكرني خالص
قاومت النحيب الظاهر في صوتها وهي تتابع بإخناق ب :
-ومش بيقول غير اسم تقى وبس ، مش فاكر منها إلا اسمها يا شيخنا ... وأنا مراته .. ناسيني و آآ..

إبتسم هو لها ، وهز رأسه موافقاُ على ما تقول ، ثم حاول تهوين الأمر عليها فأردف مازحاً :
-معلش هو عضمة كبيرة ، والعلاج لازم ياخد وقته معاه
عادت البسمة إلى وجهها ، ومسحت عبرة تساقطت على وجنتها بكفها المشقق ، وسألته بحماسة ب :
-يعني في أمل يا شيخنا يتعافى ؟

أجابها بصوته الهاديء ب :
-كله على الله ، ادعيله ، وإن شاء الله خير
رفعت كفيها إلى السماء ، وناجت المولى ب :
-يا رب خد بإيدنا وزيح عنه

تحرك الشيخ أحمد في اتجاه مدخل المنزل ، وقبل أن يخرج منه سألها بجدية قائلاً :
-ومافيش أخبار عن ست البنات ؟
تنهدت في آسف ، وأجابته بصوت منكسر ب :
-لأ .. معرفش عنها حاجة خالص

مط فمه للجانب قليلاً ، ثم تابع بنبرة هادئة ب :
-ربنا يرجعهالك بالسلامة
قالها ثم إنصرف خارج المنزل ، فإستندت هي بيدها على الباب وصاحت ب :
-يا رب أمين ، إدعيلنا أمانة عليك يا شيخنا
أجابها الشيخ أحمد بنبرة شبه عالية وهو يتجه للدرج ب :
-بأمر الله

ثم أغلقت الباب ، وعاودت أدراجها نحو غرفة النوم وهي تغمغم ب :
-لِم شملنا تاني يا سميع !

في منزل أوس الجندي بمنطقة المعادي
ألصق أوس جسد لوزة بباب منزله ، وقبض على عنقها بكفه الغليظ ، وحدق فيها بنظرات مميتة .. ثم صر على أسنانه بشراسة قائلاً :
-مفكراني هاسيبك كده من غير ما أخد روحك بإيدي

تلوت هي بجسدها محاولة تخليص رقبتها من بين أصابعه ، ولكنها فشلت .. شعرت بأنفاسها تختنق ، وبحشرجة قوية في صوتها ، فكافحت متوسلة له ب :
-ه... هاتخنق .. سي.. سيبني يا باشا

إستمر هو في الضغط على عنقها دون أن تطرف عينيه المحتقنتين ، وصاح فيها بشراسة ب :
-جاية هنا ليه ؟ انطقي !
-هاتخنق ي.. يا باشا

أرخى قبضته عنها ، فوضعت يديها على عنقها وفركته ، ثم نطقت بصوت متحشرج وهي تنظر له بخوف ب :
-أنا .. أنا كنت عاوزة أطمن عليك

قهقه أوس عقب عبارتها الأخيرة بطريقة متهكمة ، ثم سألها بجمود وكأن الضحكة لم تعرف طريقها إليه يوماً ب :
-وده من امتى ؟

أدركت لوزة أنه ليس في مزاج يسمح بالجدال معه، لذا إقتربت منه بدلال وأسندت كفها على كتفه وضغطت عليه قليلا ثم همست له برقة مصطنعة وهي تنظر إليه بنظرات راغبة ب :
-مش .. مش أنا لوزة حبيبتك اللي آآآ.. آآآآه

قبض هو على كفها بقوة آلمتها ، وأزاحه عن كتفه ، ثم حدجها بنظرات مهينة ، وتابع بقسوة ب :
-أنا ماليش حبيبة وانتي عارفة ده

ضمت هي كفها إلى صدرها ، ونظرت إليه بتودد ، ثم أردفت بصوت متلعثم :
-ايوه ، بس أنا .. أنا آآآ...

قاطعها هو بصرامة أجبرتها على الصمت وهو يرمقها بنظراته المهينة ب :
-بقولك إيه ، أنا مش فاضي لهري النسوان بتاعك ، لو كنتي بترضي مزاجي فإنتي قبضتي تمنه ، وأنا شوفت كيفك !

إبتلعت مرارة كبيرة في حلقها وهي تستمع إلى كلماته اللاذعة ، وحاولت أن تبرر فعلتها معه بصوت متوسل ب :
-ماشي ، بس أنا .. أنا بأحبك

ضحك بطريقة مصطنعة زادت من إستفزازها ، ثم بصوت خالي من الحياة هتف ب :
-هع هع هع .. بتحبيني ؟ بطلي هبل ، إنتي فاهمة كويس اللي بأعمله ده مش حب

وقفت قبالته ، ونظرت إليه بشوق وهي تنطق ب :
-ممكن مش حب بالنسبالك ، بس أنا ارتبطت بيك وبقيت مدمنة ليك وللي بتعمله فيا وآآ..

قاطعها بصوت جاف وهو ينظر لها بإزدراء ب :
-مافيش حاجة كانت ببلاش

أشارت إلى نفسها ، ثم قالت بتشنح :
-أنا أديتك روحي ببلاش

وضع كفه أمام وجهها ، ونظر لها بسخط ، ثم هتف بصرامة :
-لأ عندك ، كله كان بحسابه ، ويالا غوري من هنا مش عاوز أشوف خلقة امك تاني

نظرت له بأعين دامعة رغم إحتقانها ، ورددت بغضب :
-إنت بتطردني

حدجها بنظرات مهينة هو يشير بأصابع يده ، وهتف صادحاً بقوة ب :
-إنتي مفكرة نفسك مين ؟ لأ اصحي كويس ، أنا أوس باشا الجندي ، في تكة أفرمك وأمحيكي من على وش الأرض

صرت على أسنانه بضيق جلي وهي تجيبه ب :
-أنا عارفة إنت مين ، وآآ..

قاطعها ببرود وهو يجرها من ذراعها للخلف ب :
-امشي ، أنا مش فاضيلك

أزاحت قبضته عنها ، وتسمرت في مكانها رافضة ترك المنزل ..
ثم نظرت له بأعينها المتقدة من الغضب وصرخت فيه بإهتياج ب :
-يبقى الكلام اللي سمعته صحيح

ضيق عينيه في عدم فهم ، وسألها بجدية ب :
-كلام إيه ؟

حدجته بنظرات قاتلة وهي تجيبه بثقة ب :
-إنك لايف على واحدة تانية

تحولت عينيه لجمرتين من النيران وهو ينطق بشراسة ب :
-نعم !!!!

تابعت هي بصوت متشنج وهي تشير بيدها في الهواء :
-أيوه واحدة شايفة مزاجك عني

لم يمهلها الفرصة لتتمادى أكثر في الحديث ، حيث غرس أصابعه في ذراعها ، ودفعها بعنف نحو باب منزله وهو يهدر ب :
-اطلعي برا

قاومته بكل ما أوتيت من قوة وهي ترد عليه بصوت منفعل ب :
-يبقى هي أكيد جوا ، وإنت بتوزعني عشانها

فتح باب منزله ، وألقى بها في الخارج وهو يعنفها بشراسة ب :
-برا يا ***** من هنا

تحسست هي موضع أصابعه بعد أن أبعد قبضته عن ذراعها ، ثم صاحت ب :
-اشتم زي ما إنت عاوز ، أنا متأكدة إنها جوا ، أنا سمعاك بتكلمها .. آآآآآآه

أطبق هو على فكها بقبضته المتينة فتوقفت عن الكلمات وصرخت متأوهة منه ، ثم دفعها بجسدها للخلف ، ونطق بشراسة من بين أسنانه وهو يحدجها بنظراته القاسية ب :
-لما أقول برا يبقى برا .. واتجرأي بس وإفتحي بؤك بحرف عني .. هايكون أخر كلمة تقوليها !!!!

حاولت أن تتحدث ، لكن قبضته أحدثت ألماً رهيباً بفكها وهي تجاهد للنطق ب :
-آآآه.. إنت آآ..

نظر لها بشراسة أشد وهو يحذرها ب :
-أحسنلك تتقي شري لأنسفك

ثم دفعها بعنف من فكها ، ليرتد جسدها ويسقط فترتطم بأرضية المدخل ..
بصق عليها بعد أن رمقها بنظراته المهينة ، وتابع ببرود ب :
-مش أوس الجندي اللي تهدده *****

ولج إلى داخل منزله ، وصفق الباب بعنف خلفه ، فإستشاطت غضباً ، وصرخت بصوت هادر ب :
-والله لأندمك يا باشا ، لأخليك تشوف لوزة ال ***** هاتعمل ايه !

لملمت نفسها ، ونهضت عن الأرضية الصلبة ، ثم عدلت من هيئتها ، ونفضت الغبار العالق بتنورتها القصيرة ..
اعتدلت في وقفتها ، وضبطت أنفاسها اللاهثة ، ثم أزاحت خصلات شعرها التي تناثر على وجهها وعينيها للخلف ، ونظرت بحنق للباب وتوعدت ب :
-هاموتك يا أوس ، هاموتك قبل ما تدفني !!!!

ثم إتجهت للمصعد وضغطت على زره بعصبية وتابعت بصوت مهتاج ب :
-هاتموت يا أوس ، ورحمة الغاليين لهتموت على إيدي أنا...!
رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الثاني بقلم منال سالم الفصل العاشر

توقفت سيارة الأجرة على مدخل الحارة الشعبية ، وترجل منها حارس الأمن الأسبق " أحمد " ، وأغلق الباب خلفه ، ثم إنحنى بجذعه قليلاً للأمام ليعطي السائق أجرته من النافذة .. ودس الباقي في جيبه ، ثم جاب المكان بنظرات متفحصة ..

اقترب هو من أحد المقاهي الشعبية ، ولوح بيده في الهواء عالياً وهو يصيح ب :
-سلامو عليكم
خرج له العامل الذي يلبي طلبات الزبائن مسرعاً من الداخل وهو يحمل صينية فارغة في يده ، وأجابه ب :
-أؤمر يا افندي

تنحنح أحمد بصوت خشن وهو يشير له لكي يأتي :
-كنت عاوز شوية
اقترب منه العامل ، فوضع أحمد كفه على كتفه ، ودس مبلغ نقدي في جيبه الأمامي ، فنظر له العامل بإمتنان .. ثم مال برأسه نحوه ، وهمس له ب :
-أومال بيت الست أم تقى فين ؟

ضيق العامل عينيه في استغراب ، وسأله بحيرة ب :
-أم تقى ! تقصد الست فردوس ؟!
إرتخت عضلات وجه أحمد المشدودة ، وهتف مسرعاً ب :
-أه هي

أشار العامل بيده للأمام ، وأجابه بجديه ب :
-احود يا باشا شمال من المدخل اللي جاي ، هتلاقي البيت في وشك على أخر الحارة
ربت أحمد على كتفه في امتنان جلي قائلاً :
-توشكر يا أخ

ثم تحرك بخطوات أقرب إلى الركض صوب المكان الذي أرشده إليه ..
تابعهما منسي الذي كان ينفث دخان ( الشيشة ) بشراهة ، ثم أشار بعينيه للعامل ، وسأله بصوت جاف ومتحشرج ب :
-إنت يا بني ، تعالى هنا

سار العامل في إتجاهه ، ثم مال بجذعه نحوه ، وأردف بهدوء :
-أؤمر يا سي منسي
نفث مجدداً دخان الشيشة وكأنه يخرج بركاناً من صدره ، ثم بصوت فظ تسائل ب :
-عاوزك في إيه الجدع ده ؟

لوح بيده وهو يجيبه بنبرة عادية ب :
-هو كان بيسأل على بيت الست فردوس أم تقى
إعتدل منسي في جلسته ، وحدجه بنظرات حادة وهو يهتف بحنق ب :
-نعم !!

إبتسم العامل إبتسامة عريضة – وكأنه حقق إنجازاً هاماً – وتابع بثقة ب :
-أيوه ، وأنا دلته عليه
إحتقنت عيناه أكثر ، وأردف متسائلاً بشراسة :
-طب ليه ؟

هز كتفيه في عدم إهتمام وهو يرد عليه بفتور :
-مقاليش
إغتاظ منسي من ردود العامل الغير مبالية ، فعنفه قائلاً :
-غور من قدامي

نظر له الأخير بإستغراب ، وسأله مستفهماً ب :
-ليه كده بس يا سي منسي ده أنا آآآ....
قاطعه منسي بصوت غليظ قائلاً وهو يحدجه بنظرات مهينة
-إنت هتلوك لوك معايا كتير ، غور من وشي ، جتك القرف !!

إمتعض وجه العامل ، وكظم غيظه ، ثم سار مبتعداً عنه وهو يغمغم ب :
-ماشي !!
ثم زم ثغره في تأفف ، وصاح عالياً :
-أيوه جاي !

أسند منسي الشيشة على الطاولة الصغيرة الموضوعة بجواره ، وحدق في الفراغ أمامه ، وحدث نفسه بنبرة حائرة ب :
-أنا لازم أعرف مين أصلاً ده وجاي ليه وعشان إيه بالظبط ، أكييييد وراه حاجة !!!

في منزل أوس بمنطقة المعادي ،،،،
جلس أوس على الأريكة الوثيرة والمقابل للفراش المسجى عليه جسد تقى واضعاً هاتفه المحمول عل أذنه ومشعلاً لسيجارته الفاخرة ثم بصوت آجش وصارم أردف ب :
-في ظرف نص ساعة تكونوا عندي ، أي تأخير مش هاقبل بيه

نفض هو بقايا السيجار المحترق على الأرضية اللامعة ، ثم تابع بنفس الصلابة وهو محدق بتقى الفاقدة للوعي ب :
-لأ مش في القصر .. في بيتي التاني ، اكتبي العنوان عندك !

أملى أوس الطرف المقابل على الهاتف عنوان منزله ، ومن ثَمَ أنهى المكالمة ، وأسند الهاتف على " الطاولة الصغيرة " المجاورة ، ثم أكمل تدخين سيجارته وهو ينظر بتلذذ غريب إلى تلك الهزيلة التي سيوصمها الليلة بسوط عذابه ...

تمكن أحمد من الوصول إلى البناية التي تقطن بها تقى ، وظل يتلفت حوله محاولاً الإستدلال على الطابق المتواجد به منزلها ..
قرع بشكل عشوائي على أول منزل قابله ، ففتحت له جارة ما الباب ، ونظرت له بفضول قائلة :
-عاوز مين يا أخ ؟

نظر متفحصاً للمنزل بنظرات مطولة ، وأجابها بتردد ب :
-هو .. هو ده بيت الست آآ.. الست أم تقى
نظرت له شزراً ، ولوت فمها في ضيق وهي تجيبه بإمتعاض ب :
-لأ يا أخويا ، شقتها اللي في التالت مش هنا

ثم طرقت الباب في وجهه ، فتعجب أحمد من ردة فعلها ،وعبست ملامحه ، وحدث نفسه بتأفف ب :
-ايه الناس دي !!!
ثم إتجه إلى الدرج صاعداً إلى حيث أخبرته ...

في منزل تقى عوض الله ،،،،
ارتدت فردوس عباءتها القديمة وعَدَلت من وضعية حجابها أمام المرآة ، ونظرت إلى زوجها عوض من زاوية عينيها قائلة :
-هاروح المصنع يا عوض ، الأكل جمبك على الكومودينو ، مش هتأخر هاخلص الوردية وأرجع على طول

ثم سمعت هي صوت قرع الجرس ، فإستدارت برأسها للخلف متسائلة بحيرة :
-ده مين اللي جاي السعادي ؟

غرست الدبوس في حجابها ، وهي تلج من الغرفة متجهة ناحية باب المنزل ..
فتحت الباب على عجالة فتفاجئت بذاك الشاب الذي بدت ملامحه مألوفة لها ...
تفرست في ملامحه المرهقة بتمعن شديد ، هي متأكدة من أنها قد رأته من قبل ، ولكنها لا تتذكر حالياً ...
حاولت أن تجبر عقلها على التذكر في وقت قصير ، لكنه أبى أن ينصاع لها حالياً ..
ضيقت عينيها أكثر ، ولكن قطع تفكيرها صوته الرجولي الخشن ب :
-إزيك يا ست أم تقى ، إنتي مش فكراني ؟

أجابته دون تردد وهي تنظر له بفضول ب :
-لأ .. بس شكلك مش غريب عني
تنحنح هو بصوت خافت ، ثم إدعى أنه يسعل ، وأجفل عينيه وهو يجيبها بتلعثم ب :
-أنا .. أنا أحمد اللي .. اللي كنت شغال مع بنتك عند البيه في القصر !

اتسعت حدقتي عينيها في صدمة ، وأضاء عقلها بذكرى رؤيته وهو يترجل من سيارة الأجرة مع إبنتها قبل أشهر قليلة .. ففغرت شفتيها في ذهول ، وإندفعت نحوه ممسكة إياه من تلابيبه ، وهزته بعنف غير مسبوق وهي تصرخ ب :
-بنتي ! هي فين ؟؟ خدتوها فين ؟؟ انطق !!
حاول هو تهدئتها بعد أن باغتته بهجومها عليه .. ، وبتريث أزاح كفيها القابضين على ياقته قائلاً بتوتر :
-أنا معرفش عنها حاجة .. أنا .. أنا كنت جاي أسأل عنها

لم تتركه فردوس بل إستمرت في الإمساك به بكل قوتها صارخة بصوت محتد ب :
-يا كداب يا بن ال *** ، بتضحك على ست كبيرة زيي
أبعد يديها عنه ، وضمهماً معاً ، ثم قال بصدق شديد :
-والله ما باكدب يا ست .. ده آآآ...
قاطعته هي بصراخ أعنف وهي تتلوى بذراعيها محاولة تحريرهما ب :
-يا ناس الحقوني

أرخى قبضتيه عنها ، ثم أسرع بوضع كفه على فمها ليكممها ويمنعها عنوة عن الصراخ ، وأسند رأسها بكفه الأخر ، ودفعها إلى الداخل ، وركل الباب بقدمه لينغلق قائلاً بحنق :
-شششششش .. اسكتي يا حاجة ، أنا معملتش حاجة ، اسمعيني بس

كافحت فردوس لتبعد يديه عنها ، وخربشته بأظافرها ، ولكنه كان أقوى منها ، فنظرت له بإحتقان ، فبادلها نظرات حادة ، ثم تابع بإنفعال ب :
-اسمعيني يا ست أم تقى ، أنا مش جاي أذيكي ، أنا بس عاوز اسأل عن تقى
تمتمت بصوت مكتوم محاولة الرد عليه ، فحذرها قائلاً :
-أنا هاشيل إيدي بس اوعي تصرخي ، أنا مش ناوي شر ، بس متخلنيش أندم إني جيت

أومأت برأسها موافقة ، فهي لم يكن لديها أي خيار أخر ، فما تبتغيه هو معرفة مكان إبنتها الغائبة ..
تدريجياً أبعد أحمد راحته عن فمها ، ونظر لها ممتناً وهو يقول بهدوء حذر :
-كده تمام يا ست أم تقى
تحسست فمها الذي آلمها بسبب قبضته الغليظة عليه .. وحدجته بنظرات مغتاظة وهي تسأله بحدة ب :
-بنتي فين ؟

فرك أحمد وجهه بضيق وهو يجيبها بصوت محتد ب :
-ما أنا قولتلك أنا معرفش مكانها ، ده أنا كنت مفكر إنها هنا
هتفت محتجة بنبرة عالية وهي تنظر له بصرامة ب :
-لأ بنتي ضاعت مني من ساعة ما آآآ...

لم تكمل جملتها الأخيرة ، بل أولته ظهرها ، وصمتت عن الحديث بعد أن تذكرت كيف طعنتها بكل غل بيديها تلك دون أن تمهلها الفرصة للدفاع عن نفسها ..
و أوغر صدرها أنها حكمت عليها بأنها مذنبة رغم يقينها من براءتها ، لكنها إستسلمت لشيطان نفسها ، ونفذت حكمها عليها فوراً ..
والأعجب أن إبنتها رفضت أن تدينها ، وتحملت اللوم عنها ، ثم اختفت بعدها تاركة إياها تتجرع مرارة الخزي والوحدة ..

أفاقت من شرودها ، ومسحت بحذر عبراتها التي علقت بأهدابها ، ثم إستدارت بجسدها ناحيته ، وسألته بصوت مختنق ب :
-أومال مين يعرف ؟

دعك فروة رأسه في حيرة عدة مرات ، وتملكه القلق الشديد وهو يحاول تجنب فكرة أن تكون تلك البريئة واقعة في أسر من لا يرحم ..
هو يعلم مدى قسوته وغلظته ، بالإضافة إلى جبروته وسلطته .. وتقى لا حول لها ولا قوة .. فكيف ستقف أمامه ، وتدافع عن نفسها ..
نفخ بإحباط سائلاً إياها بيأس :
-طب.. طب هي ليها مكان تاني غير ده ممكن تروحه ؟!!

حدجته بنظرات محتقنة وهي تهتف محتجة ب :
-بأقولك بنتي مالهاش أثر ، زي ما يكون فص ملح وداب ، وإنت جاي تقولي هي فين ، ما تشوف البيه اللي مشغلك آآ...

توقفت عن إكمال جملتها حيث طرأ بعقلها فكرة خطيرة ربما تكون السبيل لمعرفة مكانها ..
رمقها أحمد بنظرات إستغراب ، فقد سيطر عليه الفضول لمعرفة ما الذي تفكر فيه ..
تفاجيء بها تمسك بذراعه بقبضتها الواهنة ، فنظر نحوها وهو مقطب الجبين متسائلاً :
-في ايه ؟

جحظت بعينيها وهي تسأله بتلهف ب :
-قولي مكان البيه بتاعك ؟
إزداد إنعقاد ما بين حاجبيه، فهو لم يفهم مبتغاها من سؤالها الجاد هذا ، فأجابها دون تريث ب :
- تقصدي قصره ولا شركته ؟
هتفت دون تأخير وهي مسلطة أنظارها عليه :
-قصره!

بداخل أحد مراكز التجميل ذائعة الصيت ،،،
تسابقت الفتيات المتواجدات بالمركز على تجهيز عروس الليلة .. فهي ليست كسائر العرائس ، إنها نجمة من نجمات المجتمع ، وعائلتها ذات الحسب والنسب ..
وبالطبع شهرة للمركز أن تكون متواجدة به ..
تنهدت ليان بفتور وهي ترى الكل رهن إشارتها يسعى لإرضائها .. لم تشعر أبداً بسعادة العروس ليلة زفافها .. ولا بفرحة عائلتها بها ..
فالكل يرسم قناع السعادة الزائفة فقط ليتجنبوا الفضيحة التي زجت بنفسها بها ..

لم تهتم بمعرفة أسماء المدعوين .. ولم تعبأ بتصميم فستانها الباهظ الثمن الذي ترتديه ويخطف أنظار من يراها فيه .. ولم تكترث حتى بفقرات الحفل الأسطورية التي تسرب محتواها للإعلام ..
كانت فاقدة للإحساس في كل شيء ..
نظرت ليان إلى نفسها في المرآة بنظرات عميقة ، كأنها ترى شريط حياتها في الأشهر الماضية يمر سريعاً مذكراً إياها بفداحة ما حدث ..

بررت لنفسها بأنها ليست من تستحق اللوم ، بل والدتها التي سقطت من أنظارها بأفعالها المشينة مع صديق العائلة ، فهي بلا وعي أجبرتها على أن تخطو مثلها ، وتسقط في ذاك البئر القذر ..
أخذت نفساً مطولاً وحبسته في صدرها محاولة السيطرة على المشاعر المهتاجة بداخلها .. ثم بهدوء زفرته .. ورفعت رأسها عالياً في ترفع وكبرياء ..
وحدثت نفسها بثقة غريبة ب :
-مش أنا المجرمة ، مش أنا !

وقفت رفيقتها جايدا من خلفها ناظرة إليها بنظرات غير مريحة .. تساورها الشكوك بوجود أمر خاطيء في تلك الزيجة السريعة ..
هي تعلم تقريباً كل شيء عن ليان ، ولكن في الفترة الأخيرة بدت لها غريبة وغامضة .. ولم تعد كلتاهما تتحدثان كالسابق ..
وضعت جايدا يديها على كتفي ليان العاريين ، ومالت برأسها للأمام ، ونظرت لها عبر المرآة قائلة بخفوت :
-مالك يا ليو ؟ شكلك مش happy ( سعيد ) خالص

تنهدت في إنهاك ، وأسندت كفها الأيسر على كف يد رفيقتها ، وأجابتها بنبرة هادئة :
-عادي
زمت جايدا شفتيها بإعتراض قائلة :
-Noway ( إستحالة ) يكون عادي ، إنتي مش بتضحكي خالص ، وآآ..
قاطعتها ليان بنبرة شبه متوسلة بعد أن أجفلت عينيها قليلاً :
-بليز جودي ، أنا مش قادرة أتكلم

هزت جايدا رأسها رافضة ، وتابعت بإصرار واضح :
-ده يخليني متأكدة إن في حاجة غلط
نظرت لها ليان بضيق ، وأردفت بحزم ب :
-جايدا ، سوري أنا مرهقة من الفرح ، فبليز بلاش نتكلم

مطت جايدا شفتيها للأمام في ضيق ، ونظرت إليه بنظرات معاتبة ، ثم قالت بهدوء :
-اوكي ..
إنضمت إليهما ناريمان ، ونظرت إلى ليان بنظرات متمعنة ، وقالت بحماس زائف :
-واو .. شكلك stunning ( مذهل )

ثم أمسكت بكف يدها ، وأجبرتها على النهوض من على المقعد لتراها بوضوح أكثر ..
كانت ليان ترتدي فستاناً أبيض اللون ومرصعاً باللأليء الصغيرة البراقة في غالبية أجزائه ..
صدره عاري يبرز مفاتنها الأنثوية بطريقة مثيرة ، وكتفيه مكشوفان يوضحان نعومة بشرتها ، كما زين عنقها عقد ثمين من الألماس الحر .

أدارتها ناريمان لتتمكن من رؤية الفستان من الخلف .. فبدى ظهرها مشدوداً ، ومكشوفاً حتى قبل خصرها بقليل ..
إنحنت جايدا للأمام لتعيد فرد ذيل الفستان الطويل الذي أكمل تلك اللمسة الجمالية عليه ..
اقتربت المصففة من العروس ، وهي تبتسم لها إبتسامة مجاملة :
-واو .. كيوت خالص .. فعلاً أميرة

بادلتها ناريمان نظرات الإعجاب ، وأدرفت بثقة :
-شور .. دي بنتي
زمت المصففة شفتيها الكبيرتين للأمام ، ثم أشارت بيدها وهي تتابع بجدية ب :
-طيب هستأذنك الأميرة ترجع مكانها عشان أحط الطرحة ، وأعمل ال finishing بتاعي

أشارت ناريمان بعينيها وهي تجيبها ب:
-أوكي
عاودت ليان الجلوس على مقعدها ، وأكملت المصففة عملها وهي تحاول إختلاق حديث شيق معهن ، ولكن كانت العروس شاردة في ملكوت أخر ..

في منزل عبد الحق بالزقاق ،،،،
تغنجت بطة بجسدها أمام المرآة وهي تضع أحمر الشفاه الصارخ ، ودندنت بخفوت مع نفسها ..
ثم إلتفتت برأسها ناحية عبد الحق الممدد على الفراش وأردفت بجدية ب :
-ها.. كده حلو ؟

سال لعابه وهو يرى جسدها العاري يتمايل بدلال من أسفل قميص النوم الشيفون القصير ذي اللون الأخضر الذي ترتديه ، فإعتدل في نومته ، وفتح لها ذراعيه وهتف متحمساً :
-تعالي في حضن جوزك يا مزة

تعمدت بطة أن تسير ببطء شديد وهي تتجه نحوه لتتأكد من تأثيرها القوي عليه .. فإزداد حماسة ورغبة فيها ..
وضعت يديها في شعرها وحركته بطريقة تحمل من الإغراء ما دفعه للجنون .. فصاح بشوق :
-يخربيت جمال أمك
-هو في زيي يا .. يا عبده
قالتها بنبرة أنثوية فاجرة ، ثم أعقبتها بضحكة رقيعة جعلته يصفق بحماس ملتهب ..

ولكنها توقفت فجأة عما تفعل لشعورها بأنها مراقبة ..
حيث لمحت طيف شخص ما يظهر من عقب الباب ..
فتحولت عينيه إلى شعلتين من الغضب ، وإكفهر وجهها ، وتحولت من الرقة إلى الخشونة ..
نظر لها عبد الحق بإندهاش عجيب ، وسألها بإستغراب ب :
-في ايه يا ولية ؟ قلبتي كده ليه ؟

كورت قبضتها بغل ، وسارت نحو باب الغرفة ، وأمسكت بالمقبض وفتحته فجأة لتجد تلك العجوز الوقحة منحنية أمامها ..
إبتلعت إحسان ريقها بصعوبة وهي تعتدل في وقفتها .. بدت مصدومة من إفتضاح أمرها .. وحاولت أن تبدو غير متأثرة وهي تشرع حديثها ب :
-ف... في ايه يا بت ؟

وضعت بطة يدها في منتصف خصرها ، وإستندت بالذراع الأخر على الباب ، وحدجتها بنظرات مميتة وهي تجيبها ب :
-إنتي اللي في ايه يا حماتي ؟ واقفة عندك هنا ليه ؟!
رفعت إحسان حاجبها بطريقة ضجرة وحركته بعصبية ، ثم لوحت بيدها أمام وجهها وهى تجيبها بحدة ب :
-جرى إيه يا بت هو إنتي هاتقوليلي أقف فين في بيتي ؟

ردت عليها بطة بتذمر وهي تتعمد التمايل بخصرها لتثير إستفزازها :
-لأ مش هاقولك تقفي فين ، بس مايصحش تبصي على الراجل ومراته من خرم الباب وهما نايمين مع بعض !
وضعت إحسان كف يدها قبالة جبينها ، وصاحت مزمجرة ب :
-نعم يا روح أمك ، أبص على مين ؟ ما تفوقي لنفسك ، ده إنتي ماتجيش مَرَة في سوق النساوين

إحتقنت عيني بطة بعد تلك الإهانة المريرة التي تلقتها للتو ، وكزت على أسنانها وهي تعنفها بإهتياج ب :
-ولما أنا مش مَرَة ، حطاني في دماغك ليه
أشارت لها بإصبعها بطريقة مهينة ، ثم حذرتها بصرامة ب :
-لأ بقى ، اقفي عوج واتكلمي عدل معايا

إنفعلت بطة أكثر وأرخت قبضتها عن خصرها ، ولوحت بيدها ناحيتها ، وهتفت بنبرة بعصبية ب :
-أنا بأتكلم عدل ، الدور والباقي عليكي إنتي
لكزتها إحسان بقسوة في كتفها ، ثم دفعتها للجانب لتدلف إلى الغرفة وهي منزعجة الملامح ، وسلطت أنظارها على إبنها ، وصرخت فيه ب :
-واد يا عبده ، إنت هتسيب المحروسة مراتك تغلط فيا ، وأنت أعد كده زي خبيتها !

نهض عبد الحق من على الفراش ، وأجابها متذمراً :
-عاوزاني أعمل ايه يعني ؟
صرت على أسنانها وهي تأمره بحدة ب :
-هاتلي حقي منها

تشنجت بطة وهي ترى أسلوبها الخبيث في تحميلها اللوم دائماً دون أن تقترف أي خطأ ، فهدرت غاضبة وهي تشير بكلتا يديها ب :
-هو أنا غلطت فيكي عشان يجبلك حقك ، على رأي المثل ضربني وبكى ، وسابقني وإشتكى .
نفخ عبد الحق بإنزعاج جلي ، ثم صاح عالياً ب :
-يووووه ، هو الواحد ميعرفش يتهنى في بيته أبداً

وقفت بطة أمام زوجها ، وحدجت أمه بنظرات قاتلة ، ثم أردفت بعصبية ب :
-أمك هي السبب !!
إغتاظت إحسان من طريقة زوجة إبنها الفجة في الرد عليها ، فإهتاجت قائلة :
-داك مو لما يتنفخك

أشارت بطة بإصبعها محذرة ب :
-متغلطيش فيا
وجهت إحسان أنظارها نحو إبنها الذي عقد ساعديه أمام صدره ، وأطرق رأسه للأسفل في إحباط مما يحدث ، وهتفت فيه بحنق وهي تلكزه في ذراعه :
-شايف مراتك وعمايلها

أشاح بيده في الهواء وهو يجيبها بصوت هادر ب :
-يعني أموتها عشان ترتاحي يامه
تحولت مقلتيها لشعلتين حمراوتين من الغضب ، ثم إندفعت بثقل جسدها نحو بطة وهي تصيح بصوت متوعد ب :
-لأ هاموتها أنا

أمسكت إحسان بخصلات شعر بطة ، ولفتها على يدها عدة مرات لتحكم لسيطرة عليها ، وتضمن عدم إفلاتها ، وأجبرت رأسها على الإنحناء للخلف ، ثم إنتزعت بيدها الأخرى فردة ( شبشبها ) من قدمها ، وإنهالت عليها بالضربات المتلاحقة على أجزاء متفرقة من جسدها ، فصرخت الأخيرة مستغيثة ب :
-آآآآآآآآآآه .. يا خرابي ، الحقوووني

تفاجيء عبد الحق بما فعلته والدته ، فتدخل للحول بينهما ، وحاول تخليص زوجته من براثن والدته قائلاً برجاء :
-بالراحة يامه ، إيدك طارشة
دفعت إحسان إبنها بكتفها ، وإستمرت في ضرب بطة بعنف ، وهي تصيح بصوت غاضب ب :
-اسكت ياض ، أنا اللي هاربيهالك

تمكن عبد الحق من تخليص زوجته من يدها ، ونجح في إبعاد والدته للخلف ، ثم فرد ذراعيه في الهواء ووقف بجسده أمامها ، وهتف قائلاً بعصبية :
-حرام يامه ، هاتموت في ايدك

ذرفت بطة الدموع ، وتحسست ذراعيها وجسدها بكفيها بعد أن تراجعت لزاوية الغرفة ، ثم أردفت بصوت مختنق من البكاء وهي تعيد جمع خصلات شعرها ب :
-والله ما أعدالكم فيها
لوحت هي بشبشبها في الهواء ، وأجابتها بعدم إكتراث وهي تحدجها بنظرات متشفية ب :
-في ستين داهية

كادت مقلتي بطة تخرجان من محجريهما من شدة الغيظ ، وودت لو كان بيدها سكيناً حادًا لتقتل به تلك العجوز الفظة فوراً ...
ألقت إحسان بشبشبها على الأرضية لترتديه .. ثم ولجت خارج الغرفة بتفاخر ، ولم تكف عن ذم زوجة إبنها بألفاظ بذيئة ...
غمغم عبد الحق بكلمات مبهمة وهو يتابع والدته بنظراته المحتقنة ..

أسرعت بطة ناحية خزانة الملابس ، وأخرجت عباءتها السوداء لترتديها ، ولكن حاصرها عبد الحق بذراعيه عند ضلفة الخزانة متوسلاً السماح ب :
-ورحمة أبوكي ما تزعلي ، ده أنا مصدقت
ضربته بقوة في صدره وهي تهتف بتشنج :
-ابعد عني

إحتضنها هو بين ذراعيه للحظة ، ثم أسند كفيه على ذراعيها ، وهزها برفق قائلاً بعناد وهو ينظر لها بنظرات عاشقة :
-لأ مش هابعد ، ده أنا بأحبك يا بت
أزاحت قبضتيه عنها ، ورمقته بنظرات إستنكار وهي تنطق بحنق ب :
-بلا حب بلا نيلة ، كفاية إنك ساكت وأمك بتموتني من الضرب

بادر هو بالرد عليها ب :
-ما أنا حوشتها عنك
رفعت حاجبيها في إستهجان ، وقالت ساخرة :
-يا سلام .. كتر خيرك

أخفض عبد الحق نبرة صوته لتصبح هامسة ، وأسبل عينيه لها وهو يتأملها بإشتهاء :
-وربنا إنتي قمر ، وعينيكي زي حجر المعسل تظبط الدماغ
زمت شفتيها للجانب ، وتنهدت بإنزعاج وهي تجيبه ب :
-أعوذو بالله على تشبيهاتك

صمت كلاهما للحظات .. فأمعن عبد الحق النظر في شفتي زوجته ، وتأمل ملامح وجهها الجميلة ، وقرأت هي في عينيه رغبته الشديدة فيها ، فتعمدت أن تتنهد بحرارة لتزيد من لهيبه ..
وضع هو راحته على وجنتها ليتحسسها برفق ، فأغمضت عينيها في إستسلام للمساته الناعمة عليها .. ثم مال برأسه نحو رأسها ليشعر بأنفاسها المشتعلة تؤجج من شوقه فيها ..

إبتسم عبد الحق إبتسامة مراوغة وهو يقبلها من جبينها ، ثم حرك فمه نحو أرنبة أنفها ، وقبلها منه ، وهمس قائلاً :
-يالا بقى ، خلي آآآ...
صدح صوت مقيت من الخارج جعلهما ينتفضان في ذعر وهما يبتعدان عن بعضهما البعض ب :
-واد يا عبده ، تعالى عاوزاك ، مش هتفضل لازق للمصدية دي كتير

عبس وجه بطة مجدداً ، وتشنجت تعبيراتها ، ونظرت لزوجها بإزدراء قائلة :
-روح شوف أمك .. روح !!
نفخ عبد الحق من الغيظ ، و ضرب جانبيه بحنق ، وصاح بضيق بادي في نبرته ب :
-جاي يامه .. جاي

ثم تمتم بضجر مع نفسه ب :
-وربنا ما هترتاحي يامه إلا لما تجيبي أجلي !
وقفت تتابعته بنظرات ساخطة وهو يلج خارج الغرفة ، ثم ألقت بعباءتها على الأرضية ، وزفرت بإحتقان ب:
-يا أنا يا إنتي يا أم أربعة وأربعين في البيت ده...!
وضع القراءة